Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٣ و٣٤
٣٣ - باب قَوْلِ الْمُقْرِىءِ لِلْقارِىءِ: حَسْبُكَ
(باب قول المقرىء) الذي يقرىء غيره (للقارىء) الذي يقرأ عليه (حسبك) أي يكفيك.
٥٠٥٠ - حدّثنا مُحمد بْن يوسُف حدّثنا سُفْيانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبراهيمَ، عَنْ عَبِيدَةً عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيِّ وَّهِ: (آقْرَأْ عَلَيِّ الْقُرْآنَ)). قُلْتُ: يا رَسُولَ الله اقْرَأُ عَلَيْكَ
وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: ((نعم). فَقَرَأْتُ سُورَةَ النّساءِ حَتَّى أَتَيْتُ إلى هذِهِ الآيَةِ ﴿فَكَيْفَ إذا جِثْنا مِنْ
كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِثْنا بِكَ عَلى هؤلاءِ شَهيدًا﴾ قالَ: ((حَسْبُكَ الآنَ)). فَالْتَفَتُّ إِلَيْهِ فَإذا عَيْناهُ
تَذْرِفانٍ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) البيكندي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن الأعمش)
سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله بن مسعود) رضي الله
عنه أنه (قال: قال لي النبي (وَلِ﴾):
(اقرأ عليّ) بحذف المفعول في معظم الطرق ليس فيه لفظ القرآن فيصدق بالبعض (قلت: يا
رسول الله أقرأ عليك) بمد الهمزة (وعليك أنزل)؟ بضم الهمزة (قال: نعم) أي اقرأ عليّ (فقرأت)
عليه (سورة النساء حتى أتيت إلى) ولأبي ذر عن الكشميهني على (هذه الآية (فكيف﴾) يصنع
هؤلاء الكفرة من اليهود وغيرهم (﴿إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) يشهد عليهم بما فعلوا وهو
نبيهم (﴿وجئنا بك﴾) يا محمد (﴿على هؤلاء﴾) أي أمتك (﴿شهيدًا﴾﴾ [النساء: ٤١] حال أي
شاهدًا على من آمن بالإيمان وعلى من كفر بالكفر وعلى من نافق بالنفاق (قال) عليه الصلاة
والسلام: (حسبك) يكفيك (الآن) تنبيهًا له على الموعظة والاعتبار في هذه الآية (فالتفت إليه فإذا
عيناه تذرفان) بسكون الذال المعجمة وكسر الراء أي سال دمعهما لفرط رأفته ومزيد شفقته.
وفي الحديث كما قال النووي استحباب استماع القراءة والإصغاء إليها والبكاء عندها والتدبر
فيها واستحباب طلب القراءة من الغير ليستمع عليه وهو أبلغ في التدبر كما مرّ.
وهذا الحديث سبق في سورة النساء.
٣٤ - باب في كَمْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟
وَقَوْلُ الله تَعالى: ﴿فَاقْرَؤُوا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾
هذا (باب) بالتنوين (في كم) مدة (يقرأ) القارىء (القرآن) كله فيها وفي اليونينية يقرأ بضم
أوّله مبنيًّا للمفعول القرآن رفع نائب عن الفاعل (وقول الله تعالى: ﴿فاقرؤوا ما تيسر﴾) عليكم
(﴿منه﴾) [المزمل: ٢٠] من القرآن استدل به على عدم التحديد في القراءة خلافًا لما نقل عن
إسحاق بن راهويه وغيره إن أقل ما يجزي من القراءة كل يوم وليلة جزء من أربعين جزءًا من
إرشاد الساري/ ج ١١/ م ٢١

٣٢٢
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٤
القرآن. وفيه حديث أخرجه أبو داود عن عبد الله بن عمرو بلفظ: في كم تقرأ القرآن؟ قال: في
أربعين يومًا. ثم قال: في شهر ولا دلالة فيه لذلك على ما لا يخفى.
٥٠٥١ - حدثنا عَلِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ قالَ لِي ابْنُ شُبْرُمّةَ: نَظَرْتُ كُمْ يَكْفِي الرَّجُلَ مِنَ
الْقُرْآنِ، فَلَمْ أَجِدْ سُورَةً أَقَلَّ مِنْ ثَلاثِ آيَاتٍ، فَقُلْتُ لا يَنْبَغي لأَحَدٍ أنْ يَقْرَأ أقَلَّ مِنْ ثَلاثِ آيَاتٍ،
قالَ عَلِيٍّ: حَدَّثَنَا سُفْيانُ أخْبَرَنا مَنْصُورٌ عَنْ إبراهيمَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ يَزِيدَ أخْبَرَهُ عَلْقَمَةُ عَنْ
أبي مَسْعُودٍ وَلَقِيتُهُ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَذَكَّرَ النَّبِيِّ وَّه«أنَّ مَنْ قَرَأْ بِالآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ
فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ».
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال لي ابن
شبرمة) بضم الشين المعجمة والراء بينهما موحدة ساكنة عبد الله قاضي الكوفة (نظرت كم يكفي
الرجل من القرآن) قال في الفتح: أي في الصلاة أو في اليوم والليلة من قراءة القرآن مطلقًا (فلم
أجد سورة أقل من ثلاث آيات) وهي سورة الكوثر (فقلت: لا ينبغي لأحد أن يقرأ أقل من ثلاث
آیات).
(قال علي) المديني وهو موصول من تتمة الحديث المذكور (حدّثنا سفيان) بن عيينة ولغير أبي
ذر قال سفيان وحذف علي قال: (أخبرنا منصور) هو ابن المعتمر (عن إبراهيم) النخعي (عن
عبد الرحمن بن يزيد) النخعي أنه (أخبره) عمه (علقمة) بن قيس (عن أبي مسعود) عقبة بن عامر
البدري (ولقيته وهو يطوف بالبيت) الحرام (فذكر النبي ◌َّفي أن) ولأبي ذر فذكر قول النبي ◌َّر
أنه: (من قرأ بالآيتين من آخر سورة البقرة) وهما: ﴿آمن الرسول﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخرها (في
ليلة كفتاه) أي عن قيام الليل أو من آفات تلك الليلة أو من الشيطان.
وهذا الحديث قد مرّ في باب فضل سورة البقرة.
٥٠٥٢ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةً عَنْ مُغيرَةً عَنْ مُجاهِدٍ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ
عَمْرٍ وقالَ: أنْكَحَني أبي أمْرَأةً ذاتَ حَسَبٍ، فكانَ يَتَعاهَدُ كَنَّتَهُ فَيَسْألُها عَنْ بَعْلِها، فَتَقُولُ: نِعْمَ
الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ، لَمْ يَطَأْ لَنا فِراشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنا كَنَفًا مُذْ أَتَيْنَاهُ، فَلَمَّا طالَ ذلِكَ عَلَيْهِ ذَكَرَ
لِلنَّبِيِّ، ﴿ فَقالَ: الْقَنِي بِهِ فَلَقِيتُهُ بَعْدُ، فَقَالَ: (كَيْفَ تَصُومُ))؟ قالَ كُلِّ يَوْمٍ قَالَ: ((وَكَيْفَ تَخْتِمُ))؟
قالَ: كُلِّ لَيْلَةٍ. قالَ: ((صُمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ ثَلاثَةً، وَأَقْرَإِ الْقُرْآنَ في كُلِّ شَهْرٍ)). قالَ: قُلْتُ: أَطِيقُ أكْثَرَ
مِنْ ذلِكَ قالَ: ((صُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ فِي الْجُمُعَةِ). قالَ: قُلْتُ: أطيقُ أكْثَرَ مِنْ ذلِكَ قالَ: ((أفْطِرْ يَوْمَيْنِ
وَصُمْ يَوْمًا). قالَ: قُلْتُ أُطِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ قالَ: ((صُمْ أَفْضَلَ الصَّوْمِ صَوْمَ داوُدَ، صِيامَ يَوْمٍ وَإِفْطَارَ
يَوْمٍ، وَأَقْرَأْ فِي كُلِّ سَبْعٍ لَيَالٍ مَرَّةً». فَلَيْتَنِي قَبِلْتُ رُخْصَةَ رَسُولِ اللهِ وَهِ، وَذاكَ أَنّي كَبِرْتُ وَضَعُفْتُ
فَكَانَ يَقْرَأُ عَلى بَعْضٍ أَهْلِهِ السُّبْعِ مِنَ الْقُرْآن بالنَّهار، وَالْذِي يَقْرَؤُهُ يَعْرِضُهُ مِنَ النَّهارِ لِيَكُونَ أَخَفَّ

٣٢٣
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٤
عَلَيْهِ باللَّيْلِ، وَإذا أرادَ أنْ يَتَقَوَّى أَفْطَرَ أيَّامًا وَأخْصى وَصامَ مِثْلَهُنَّ، كَرَاهِيَةَ أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا فَارَقَ
النِّيَّ وَِّ قَالَ أَبُو عَبْدِ الله: وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِي ثَلاثٍ وَفِي خَمْسٍ وَأَكْثَرُهُمْ عَلى سَبْعٍ .
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح بن عبد الله
اليشكري (عن مغيرة) بن مقسم بكسر الميم الكوفي (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن عبد الله بن
عمرو) بفتح العين وسكون الميم أنه (قال: أنكحني أبي) عمرو بن العاص (امرأة) هي أم محمد
بنت محمية بن جزء الزبيدي كما عند ابن سعد (ذات حسب) شرف بالآباء، وعند أحمد أنها من
قريش ولعله كان المشير عليه بتزويجها وإلاّ فقد كان عبد الله رجلاً كاملاً أو قام عنه بالصداق
(فكان) عمرو (يتعاهد كنته) بفتح الكاف والنون المشددة زوجة ابنه (فيسألها عن) شأن ابنه (بعلها
فتقول) في الجواب (نعم الرجل من رجل لم يطأ لنا فراشًا) أي لم يضاجعنا حتى يطأ لنا فراشًا (ولم
يفتش) بفاء مفتوحة ففوقية مكسورة مشددة ولأبي ذر عن الكشميهني ولم يغش بالغين المعجمة
الساكنة بعد فتح (لنا كنفًا) بفتح الكاف والنون بعدها فاء أي ساترًا (مذ) ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي منذ (أتيناه) وكنت بذلك عن تركه لجماعها إذ عادة الرجل إدخال يده في داخل ثوب
زوجته أو الكنف الكنيف أي أنه لم يطعم عندها حتى يحتاج إلى موضع قضاء الحاجة ففيه وصفها
له بقيام الليل وصوم النهار مع الإشارة إلى عدم مضاجعتها وعدم أكله عندها، زاد في رواية هشيم
عن مغيرة وحصين عن مجاهد في هذا الحديث عند أحمد فأقبل عليّ يلومني فقال: أنكحتك امرأة
من قريش فعضلتها (فلما طال ذلك عليه) أي على عمرو وخاف أن يلحق ابنه إثم بتضييع حق
الزوجة (ذكر) ذلك (للنبي وَّر فقال) وَلقر لعمرو:
(القني) بفتح القاف وكسرها (به) أي بابنك عبد الله قال عبد الله: (فلقيته) بكسر القاف
عليه الصلاة والسلام (بعد) بالبناء على الضم أي بعد ذلك (فقال): ولأبي الوقت قال: (كيف
تصوم؟ قال) أي عبد الله ولأبي ذر قلت: أصوم (كل يوم قال) عليه الصلاة والسلام: (وكيف
تختم) القرآن؟ (قال) ولأبي ذر قلت: أختم (كل ليلة قال) عليه الصلاة والسلام: (صم في كل شهر
ثلاثة) من الأيام (واقرأ القرآن في كل شهر) ختمة (قال) عبد الله (قلت): يا رسول الله (أطيق أكثر
من ذلك قال) عليه الصلاة والسلام: (صم ثلاثة أيام في الجمعة. قال) عبد الله (قلت): يا رسول
الله (أطيق أكثر من ذلك قال: أفطر يومين وصم يومًا، قال: قلت أطيق أكثر من ذلك) استشكله
الداودي بأن ثلاثة أيام من الجمعة أكثر من فطر يومين وصيام يوم وهو إنما يريد تدريجه من الصيام
القليل إلى الصيام الكثير وأجاب الحافظ ابن حجر باحتمال أن يكون وقع من الراوي فيه تقديم
وتأخير (قال: صم أفضل الصوم صوم داود) نبي الله عليه السلام (صيام يوم) نصب بتقدير كان أو
رفع بتقدير هو (وإفطار يوم) عطف عليه على الوجهين (واقرأ) كل القرآن (في كل سبع ليال مرة).
قال عبد الله: (فليتني قبلت رخصة، رسول الله (18 وذاك إني كبرت) بكسر الموحدة
(وضعفت) قال مجاهد: (فكان) عبد الله (يقرأ على بعض أهله) أي من تيسر منهم (السبع من القرآن

٣٢٤
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٤
بالنهار) بضم السين وسكون الموحدة (والذي يقرؤه) يريد أن يقرأه بالليل (يعرضه من النهار ليكون
أخف عليه بالليل وإذا أراد أن يتقوّى) على الصيام (أفطر أيامًا وأحصى) عدد أيام الإفطار (وصام)
أيامًا (مثلهن كراهية أن يترك شيئًا فارق النبي (وَلاي) بنصب كراهية على التعليل أي لأجل كراهة أن
يترك شيئًا وأن مصدرية.
(قال أبو عبد الله) أي البخاري وسقط ذلك لأبوي الوقت وذر وابن عساكر (وقال بعضهم)
أي بعض الرواة اقرأه (في) کل (ثلاث) من الليالي (وفي خمس) من الليالي، ولأبي ذر: أو في
خمس بزيادة ألف ولأبي الوقت أو في سبع ولعل المؤلف أشار بالبعض إلى ما رواه شعبة عن مغيرة
بهذا الإسناد بلفظ فقال: اقرأ القرآن في كل شهر. قال: إني أطيق أكثر من ذلك. قال: فما زال
حتى قال في ثلاث. قال في الفتح: والخمس تؤخذ منه بطريق التضمن.
وفي مسند الدارمي من طريق أبي فروة عروة بن الحارث الجهني عن عبد الله بن عمرو
قال: قلت يا رسول الله في كم أختم القرآن؟ قال: اختمه في شهر. قلت: إني أطيق. قال:
اختمه في خمس وعشرين. قلت: إني أطيق. قال: اختمه في عشرين. قلت: إني أطيق. قال:
اختمه في خمس عشرة. قلت: إني أطيق. قال: اختمه في خمس. قلت: إني أطيق. قال: لا.
وفي رواية هشيم المذكورة قال: ((فاقرأه في كل شهر. قلت: إني أجدني أقوى من ذلك.
قال: فاقرأه في كل عشرة أيام. قلت: إني أجدني أقوى من ذلك. قال أحدهما إما حصين وإما
مغيرة قال: فاقرأه في كل ثلاث، ولأبي داود والترمذي مصححًا من طريق يزيد بن عبد الله بن
الشخير عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا: لا يفقه من قرأ القرآن في أقل من ثلاث)). وعند
سعيد بن منصور بإسناد صحيح من وجه آخر عن ابن مسعود اقرؤوا القرآن في سبع ولا تقرؤوه
في أقل من ثلاث.
(وأكثرهم) أي أكثر الرواة (على سبع) ولعله أشار بالأكثر إلى ما رواه أبو سلمة بن
عبد الرحمن عن عبد الله بن عمرو الآتي إن شاء الله تعالى في الباب. قال: فاقرأه في سبع ولا تزد
وسقط لغير الكشميهني وأكثرهم على سبع.
٥٠٥٣ - حدثنا سَعْدُ بْنُ خفْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبانُ عَنْ يَخيى، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ
عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((فِي ◌َمْ تَقْرَأُ الْقُرْآنَ))؟
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي الكوفي الضخم قال: (حدّثنا
شيبان) أبو معاوية النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن محمد بن عبد الرحمن) مولى بني زهرة
(عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (عن عبد الله بن عمرو) رضي الله عنهما أنه قال: (قال
لي النبي ◌َّل *: في كم) يوم (تقرأ القرآن)؟
٥٠٥٤ - حدثني إسْحُقُ، أَخْبَرَنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسى عَنْ شَيْبانَ عَنْ يَجِيئُ، عَنْ مَحمَّدِ بْنِ

٣٢٥
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٥
عَبْدِ الرَّحْنِ مَوْلى بَنِي زُهْرَةَ، عَنْ أبي سَلَمّةً قَالَ: وَأَحْسِبُني قالَ: سَمِعْتُ أَنَا مِنْ أَبِي سَلَمَةً عَنْ
عَبْدِ الله بْنِ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِوَهَ: ((آقْرَأِ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ))، قُلْتُ: إنّ أجِدُ قُوَّةً،
حَتَّى قالَ: ((فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلا تَزِدْ عَلى ذلِكَ)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إسحق) بن منصور الكوسج المروزي قال (أخبرنا عبيد الله)
بضم العين (ابن موسى) العبسي مولاهم الكوفي شيخ المصنف روي عنه هنا بالواسطة وثبت ابن
موسى لأبي الوقت (عن شيبان) النحوي (عن يحيى) بن أبي كثير (عن محمد بن عبد الرحمن مولى
بني زهرة) بضم الزاي وسكون الهاء (عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (قال) يحيى المذكور:
(واحسبني قال: سمعت أنا) أي وأظن أني أنا سمعته (من أبي سلمة) بن عبد الرحمن ولعله كان
يتوقف في تحديث أبي سلمة له ثم تذكر أنه حدّثه به أو كان يصرح بتحديثه ثم يتوقف وتحقق أنه
سمعه بواسطة محمد بن عبد الرحمن المذكور (عن عبد الله بن عمرو) رضي الله عنهما أنه (قال:
قال لي رسول الله ڑ):
(اقرأ القرآن) كله (في شهر، قلت إني أجد قوّة حتى قال: فاقرأه في سبع) أي ما نزل منه
إذ ذاك وما سينزل وسقط لفظ حتى لأبوي ذر والوقت (لا تزد على ذلك) وليس النهي للتحريم
كما أن الأمر في جميع ما مرّ في الحديث ليس للوجوب خلافًا لبعض الظاهرية حيث قال بحرمة
قراءته في أقل من ثلاث، وأكثر العلماء كما قاله النووي على عدم التقدير في ذلك وإنما هو
بحسب النشاط والقوّة فمن كان يظهر له بدقيق الفكر للطائف والمعارف، فليقتصر على قدر يحصل
له معه كمال فهم ما يقرؤه ومن اشتغل بشيء من مهمات المسلمين كنشر العلم وفصل
الخصومات، فليقتصر على قدر لا يمنعه من ذلك ولا يخل بما هو مترصد له ومن لم يكن من
هؤلاء فليستكثر ما أمكنه من غير خروج إلى حدّ الملال أو الهذرمة، وقد كان بعضهم يختم في
اليوم والليلة، وبعضهم ثلاثًا. وكان ابن الكاتب الصوفي يختم أربعًا بالنهار وأربعًا بالليل انتهى.
وقد رأيت بالقدس الشريف في سنة سبع وستين وثمانمائة رجلاً يكنّ بأبي الطاهر من
أصحاب الشيخ شهاب الدين بن رسلان ذكر لي أنه كان يقرأ في اليوم والليلة خمس عشرة ختمة.
وثبتني في ذلك في هذا الزمن شيخ الإسلام البرهان ابن أبي شريف المقدسي نفع الله بعلومه، وأما
الذين ختموا القرآن في رکعة فلا يحصون کثرة منهم: عثمان وتميم الداري وسعيد بن حبیر،
وأخبرني غير واحد من الثقات عن صاحبنا الفقيه رضي البكري أنه كان أيضًا يقرؤه في ركعة
واحدة والله تعالى يهب ما يشاء لمن يشاء.
٣٥ - باب الْبُكاءِ عِنْدَ قِراءَةِ الْقُرْآنِ
(باب البكاء عند قراءة القرآن).
٥٠٥٥ - حدّثنا صَدَقَةُ أَخْبَرَنا يَحْيى، عَنْ سُفْيانَ عَنْ سُلَيْمانَ عَنْ إبراهيمَ عَنْ عَبِيدَةً عَنْ

٣٢٦
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٥
عَبْدِ الله قالَ يَحيى: بَعْضُ الْحَديثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةً قَالَ لِي النَّبِيُّ ◌َّهِ.
وبه قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضل قال: (أخبرنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان)
الثوري (عن سليمان) الأعمش (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله) بن
مسعود رضي الله عنه (قال يحيى) القطان: (بعض الحديث عن عمرو بن مرة) قال ابن مسعود
(قال لي النبي ◌َّر).
١٠٠٠ - حدثنا مُسَدَّدْ عَنْ يَحيى عَنْ سُفْيانَ عَنِ الأعْمَشِ، عَنْ إِبْراهيمَ عَنْ عَبِيدَة عَنْ
عَبْدِ الله قالَ الأعْمَشُ: وَبَعْضُ الْحَديثِ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةَ عَنْ إبراهيمَ عَنْ أبيهِ عَنْ أبي
الضُّحِى عَنْ عَبْدِ الله قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِوَلِهِ: (اقْرَأْ عَلَيَّ)). قالَ: قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ
أُنْزِلَ؟ قالَ: ((إنّي أَشْتَهي أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)). قالَ: فَقَرَأْتُ النّساءَ حَتَّى إذا بَلَغْتُ ﴿فَكَيْفَ إذا
جِثْنا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِثْنا بِكَ عَلى هَؤُلاءِ شَهِيدًا﴾ قَالَ لي: ((كُفَّ أَوْ أَمْسِكْ)) فَرَأيْتُ عَيْنَيْهِ
تَذْرِفانِ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد واللفظ له (عن يحيى) بن سعيد القطان (عن
سفيان) الثوري (عن الأعمش عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة) السلماني (عن عبد الله) بن مسعود
(قال الأعمش) أيضًا: (وبعض الحديث) بالواو (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة عن إبراهيم)
النخعي فيكون الأعمش سمع الحديث المذكور من إبراهيم النخعي وبعضه من عمرو بن مرة عن
إبراهيم (عن) ولأبي ذر وعن (أبيه) بواو العطف عن الأعمش والضمير لأبي سفيان واسم أبيه
سعيد بن مسروق الثوري فيكون سفيان روى الحديث عن الأعمش وعن أبيه سعيد (عن أبي
الضحى) مسلم بن صبيح الكوفي (عن عبد الله) بن مسعود لكن رواية أبي الضحى عن ابن
مسعود منقطعة لأنه لم يدركه (قال: قال) لي (رسول الله الج ليتر):
(اقرأ علّ. قال) ابن مسعود: (قلت) يا رسول الله (أقرأ عليك وعليك أنزل)؟ بضم الهمزة
(قال) عليه الصلاة والسلام (إني أشتهي أن أسمعه من غيري. قال: فقرأت النساء حتى إذا بلغت
﴿فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد﴾) يشهد عليهم (﴿وجئنا بك على هؤلاء﴾) أي أمتك
(﴿شهيدًا﴾﴾ [النساء: ٤٠] (قال لي: كف) أي عن القراءة (أو أمسك) بالشك من الراوي (فرأيت
عينيه تذرفان) بالذال المعجمة والفاء يقال ذرفت العين تذرف إذا جرى دمعها.
وأخرج ابن المبارك في الزهد من مرسل سعيد بن المسيب قال: ليس من يوم إلا تعرض
على النبي ◌ّ﴿ أمته غدوة وعشية فيعرفهم بسيماهم وأعمالهم فلذلك يشهد عليهم وبكاؤه عليه
الصلاة والسلام رحمة لأمته لأنه علم أنه لا بدّ أن يشهد عليهم بعملهم وعملهم قد لا يكون
مستقيمًا فقد يفضي إلى تعذيبهم. وقال في فتوح الغيب عن الزمخشري: إن هذا كان بكاء فرح لا
بكاء جزع لأنه تعالى جعل أمته شهداء على سائر الأمم وقال الشاعر:

٣٢٧
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٦
طفح السرور عليّ حتى أنه من فرط ما قد سرني أبكاني
٥٠٥٦ - حدّثنا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْواحِدِ، حَدَّثَنَا الأعْمَشُ عَنْ إبراهيمَ عَنْ
عَبِيدَةَ السَّلَمَانِي عَنْ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيِّ نَّهِ ((آقْرَأْ عَلَيَّ)). قُلْتُ: آقْرَأْ عَلَيْكَ
وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قالَ: ((إِنّي أُحِبُّ أنْ أسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي)).
وبه قال: (حدّثنا قيس بن حفص) البصري الدارمي قال: (حدّثنا عبد الواحد) بن زياد
قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن إبراهيم) النخعي (عن عبيدة السلماني) بفتح اللام (عن
عبد الله) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر زيادة ابن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: قال لي
النبي (وَ﴿):
(اقرأ عليّ. قلت: أقرأ عليك) بالاستفهام (وعليك أنزل قال) وَلقوله: (إني أحب أن أسمعه من
غيري) قال ابن بطال: يحتمل أن يكون أحب أن يسمعه من غيره ليكون عرض القرآن سُنّة،
ويحتمل أن يكون لكي يتدبره ويتفهمه لأن المستمع أقوى على التدبر من القارىء لاشتغاله بالقراءة
وأحكامها.
٣٦ - باب مَنْ رايا بِقِراءَةِ الْقُرْآنِ أوْ تَأْكَّلَ بِهِ أوْ فَخَرَ بِهِ
(باب من رايا) بألف فتحتية، ولأبي ذر باب: إثم من رائا بهمزة ممدودة بدل التحتية (بقراءة
القرآن أو تأكل) بتشديد الكاف أي طلب الأكل (به أو فخر به) بالخاء المعجمة في الفرع وفي
الفتح كنسخة آل ملك فجر بالجيم للأكثر.
٥٠٥٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيانُ حَدَّثَنا الأعْمَشُ عَنْ خَيْئَمَةَ عَنْ سُوَيْدِ بْنِ
غَفَلَةَ قالَ: قالَ عَلِيٍّ سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَ﴿ يَقُولُ: ((يَأْتِي في آخِرِ الزّمانِ قَوْمٌ حُدَثاءُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ
الأحلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيَّةِ، يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلامِ كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، لا
يُجَاوِزُ إِيمانُهُمْ حَناجِرَهُمْ، فَأَيْنَمَا لَقَيْتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ، فَإِنَّ قَتْلَهُمْ أجْرٌ لِمَنْ قَتَلَهُمْ يَوْمَ الْقِيامَة)».
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري أخر سليمان بن كثير قال (أخبرنا سفيان)
الثوري قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان (عن خيثمة) بفتح الخاء المعجمة وسكون التحتية وفتح
المثلثة والميم ابن عبد الرحمن الكوفي (عن سويد بن غفلة) بفتح الغين المعجمة والفاء واللام أنه
(قال: قال علي) رضي الله عنه (سمعت النبي وَّر يقول):
(يأتي في آخر الزمان قوم حدثاء الأسنان) صغارها (سفهاء الأحلام) أي ضعفاء العقول
(يقولون من خير قول البرية) أي من قول خير البرية وَلقر فهو من المقلوب أو المراد من قول الله
ليناسب الترجمة قال في شرح المشكاة وهو أولى لأن يقولون هنا بمعنى يتحدثون أو يأخذون أي

٣٢٨
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٦
يأخذون من خير ما يتكلم به قال وينصره ما روي في شرح السُّنّة وكان ابن عمر يرى الخوارج
شرار خلق الله تعالى وقال إنهم انطلقوا إلى آيات نزلت في الكفار فجعلوها على المؤمنين وما ورد
في حديث أبي سعيد يدعون إلى كتاب الله وليسوا منه في شيء (يمرقون) يخرجون (من الإسلام
كما يمرق السهم من الرمية) بكسر الميم وتشديد التحتية فعيلة بمعنى مفعولة أي الصيد المرمى يريد
أن دخولهم في الإسلام ثم خروجهم منه ولم يتمسكوا منه بشيء كالسهم الذي دخل في الرمية ثم
يخرج منها ولم يعلق به شيء منها (لا يجاوز إيمانهم حناجرهم) جمع حنجرة وهي الحلقوم رأس
الغلصمة حيث تراه ناتئًا من خارج الحلق أي أن الإيمان لم يرسخ في قلوبهم لأن ما وقف عند
الحلقوم فلم يتجاوزه لم يصل إلى القلب وفي حديث حذيفة لا يجاوز تراقيهم ولا تعيه قلوبهم
(فأينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن قتلهم أجر لمن قتلهم يوم القيامة) ظرف للأجر لا للقتل.
قال الخطابي: أجمع علماء المسلمين على أن الخوارج على ضلالتهم فرقة من فرق المسلمين
وأجازوا مناكحتهم وأكل ذبائحهم وقبول شهادتهم، وسئل علي رضي الله عنه عنهم أكفار هم؟
فقال: من الكفر فرّوا. فقيل: منافقون هم؟ فقال: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهؤلاء
يذكرون الله بكرةً وأصيلاً. قيل: من هم؟ قال: قوم أصابتهم فتنة فعموا وصموا.
وقال الكرماني، فإن قلت: من أين دل الحديث على الجزء الثاني من الترجمة وهو التأكل
بالقرآن؟ قلت: لا شك أن القراءة إذا لم تكن لله فهي للمراياة والتأكل ونحوهما.
وهذا الحديث قد سبق بأتم من هذا في علامات النبوّة بعين هذا الإسناد.
٥٠٥٨ - حدّثنا عَبْدُ الله بْنُ يُوسُفَ، أخْبَرَنا مالِكٌ عَنْ يَخْيَى بْنِ سَعيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنٍ
إبراهيمَ بْنِ الْحَارِثِ التَّيْمِيِّ، عَنْ أبي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ أبي سَعيدٍ الْخُذْرِيِّ رَضِيَ الله
عَنْهُ أَنَّهُ قالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِهِ يَقُولُ: ((يَخْرُجُ فيكُمْ قَوْمُ تَحْقِرُونَ صَلاتَكُمْ مَع صَلاتِهِمْ،
وَصِيامَكُمْ مَعَ صِيامِهِمْ، وَعَمَلَكُمْ مَعَ عَمَلِهِمْ، وَيَقْرَؤُونَ الْقُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ
الدّينِ، كَما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يَنْظُرُ فِي النَّصْلِ فَلا يَرِى شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الْقِدْحِ فَلا يَرى
شَيْئًا، وَيَنْظُرُ فِي الرِّيشِ فَلا يَرَى شَيْئًا، وَيَتَمارى فِي الْفُوقِ)).
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (أخبرنا مالك) الإمام الأعظم (عن
يحيى بن سعيد) الأنصاري (عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي عن أبي سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف (عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: سمعت رسول الله و45م
يقول):
(يخرج فيكم قوم تحقرون صلاتكم) بكسر القاف (مع صلاتهم وصيامكم مع صيامهم
وعملكم مع عملهم) من عطف العام على الخاص (ويقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي لا
تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوه منه أو لا تصعد تلاوتهم في جملة الكلم الطيب إلى الله تعالى

٣٢٩
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٦
(يمرقون من الدين) أي الإسلام وبه يتمسك من يكفر الخوارج أو المراد طاعة الإمام فلا حجة فيه
لتكفيرهم (كما يمرق السهم من الرمية) شبه مروقھم من الدين بالسهم الذي يصيب الصيد فیدخل
فيه ويخرج منه والحال أنه لسرعة خروجه من شدّة قوّة الرامي لا يعلق من جسد الصيد بشيء
(ينظر) الرامي (في النصل) الذي هو حديد السهم هل يرى فيه شيئًا من أثر الصيد دمًا أو نحوه
(فلا يرى) فيه (شيئًا وينظر في القدح) بكسر القاف السهم قبل أن يراش ويركب سهمه أو ما بين
الريش والنصل هل يرى فيه أثرًا (فلا يرى) فيه (شيئًا وينظر في الريش) الذي على السهم (فلا
يرى) فيه (شيئًا ويتمارى) بفتح التحتية والفوقية والراء أي يشك الرامي (في الفوق) وهو مدخل
الوتر منه هل فيه شيء من أثر الصيد يعني نفذ السهم المرمي بحيث لم يتعلق به شيء ولم يظهر
أثره فيه فكذلك قراءتهم لا يحصل لهم منها فائدة.
وهذا الحديث قد مر في علامات النبوة أيضًا.
٥٠٥٩ - حدّثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيى عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ عَنْ أَبي مُوسى
عَنِ النَّبِيَِِّ ﴿َ قالَ: ((الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَعْمَلُ بِهِ كَالأَثْرُجَّةِ، طَعْمُها طَيْبٌ وَرِيحُها طَيِّبٌ،
وَالْمُؤْمِنُ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَعْمَلُ بِهِ كَالثَّمْرَةِ طَعْمُها طَيِّبٌ وَلا ريحَ لَها. وَمَثَلُ الْمُنافِقِ الَّذي
يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالرَّيْحانَةِ رِيحُها طَيِّبٌ وَطَعْمُها مُرَّ. وَمَثَلُ الْمُنافِقِ الَّذِي لا يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَالْحَنْظَلَةِ
طَعْمُها مُرٍّ، أَوْ خَبِيثٌ وَريحُها مُرَّ)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) بالسين المهملة ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان
(عن شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة (عن أنس بن مالك عن أبي موسى) الأشعري رضي
الله عنهما (عن النبي وَلغير) أنه (قال):
(المؤمن الذي يقرأ القرآن ويعمل به كالأترجة) بإدغام النون في الجيم (طعمها طيب وريحها
طيب) قال المظهري: فالمؤمن الذي يقرأ القرآن هكذا من حيث الإيمان في قلبه ثابت طيب الباطن
ومن حيث إنه يقرأ القرآن ويستريح الناس بصوته ويُثابون بالاستماع إليه ويتعلمون منه مثل
الأترجة يستريح الناس بريجها (والمؤمن الذي لا يقرأ القرآن ويعمل به كالتمرة) بالمثناة الفوقية
وسكون الميم ويعمل عطف على لا يقرأ لا على يقرأ (طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق،
الذي يقرأ القرآن كالريحانة ريحها طيب وطعمها مر ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كالحنظلة
طعمها مرّ أو خبيث) بالشك من الراوي (وريحها مرّ) كذا لجميع الرواة هنا.
واستشكل من حيث إن المرارة من أوصاف الطعوم فكيف يوصف بها الريح. وأجيب: بأن
ريحها لما كان كطعمها استعير له وصف المرارة. وقال الكرماني: المقصود منهما واحد وهو بيان
عدم النفع لا له ولا لغيره . اهـ.
وفي الحديث فضيلة قارىء القرآن، وأن المقصود من التلاوة العمل كما دل عليه زيادة

٣٣٠
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٧
ويعمل به وهي زيادة مفسرة للمراد من الرواية التي لم يقل فيها ويعمل به.
وهذا الحديث سبق في باب فضل القرآن على سائر الكلام.
٣٧ - باب آقْرَؤُوا الْقُرْآنَ مَا انْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ
هذا (باب) بالتنوين (اقرؤوا القرآن ما ائتلفت) ما اجتمعت (قلوبكم) ولأبي ذر عليه قلوبكم.
٥٠٦٠ - حدّثنا أبُو الثَّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدٌ عَنْ أَبِي عِمْرانَ الْجَوِيِّ عَنْ جُنْذُبٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: ((اقْرَؤُوا الْقَرْآنَ ما أَثْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا أَخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)). [الحديث
٥٠٦٠ - أطرافه في: ٥٠٦١، ٧٣٦٤، ٧٣٦٥].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي قال: (حدّثنا حماد) هو ابن زيد
(عن أبي عمران) عبد الملك بن حبيب (الجوني) بفتح الجيم وسكون الواو بعدها نون مكسورة (عن
جندب بن عبد الله) رضي الله عنه (عن النبي وَ ي) أنه (قال):
(اقرؤوا القرآن ما ائتلفت) ما اجتمعت (قلوبكم) عليه (فإذا اختلفتم) في فهم معانيه (فقوموا)
تفرقوا (عنه) لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، وحمله القاضي عياض على الزمن النبوي خوف
نزول ما يسوء. وقال في شرح المشكاة: يعني اقرؤوه على نشاط منكم وخواطركم مجموعة فإذا
حصل لكم ملالة وتفرق القلوب فاتركوه فإنه أعظم من أن يقرأهُ أحدٌ من غير حضور القلب يقال
قام بالأمر إذا جدّ فيه وداوم عليه وقام عن الأمر إذا تركه وتجاوزه.
٥٠٦١ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُ مَهْدِيْ، حَدَثَنَا سَلاَّمُ بْنُ أَبي مُطيعٍ
عَنْ أَبِي عِمْرانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ جُنْدُبٍ قالَ النَّبِيُّ ◌َّهِ: ((آقْرَؤُوا الْقُرْآنَ ما أَتَتَلَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا
اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ)). تابَعَهُ الْحارِثُ بْنُ عَبَيْدٍ وَسَعيدُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أبي عِمْرانَ. وَلَمْ يَرْفَعْهُ
حَمَادُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَأبانٌ. وَقالَ غُنْدَرٌ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ أبي عِمْرَانَ سَمِعْتُ جُنْدُبًا قَوْلَهُ. وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ
عَنْ أَبِي عِمْرانَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ الصَّامِتِ عَنْ عُمَرَ قَوْلَهُ، وَجُنْدُبْ أَصَحُّ وَأكْثَرُ.
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن علي) أي ابن بحر الباهلي البصري قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن
مهدي) قال: (حدّثنا سلام بن أبي مطيع) بتشديد اللام (عن أبي عمران) عبد الملك (الجوني) بفتح
الجيم وسكون الواو (عن جندب) رضي الله عنه أنه قال: (قال النبي ◌َِ﴾):
(اقرؤوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم) زاد في هذه الطريق لفظة عليه (فإذا اختلفتم فقوموا
عنه) وسقط لأبي الوقت وابن عساكر لفظ عنه، ويحتمل كما في الفتح أن يكون المعنى اقرؤوا
والزموا الائتلاف على ما دل عليه وقاد إليه، فإذا وقع الاختلاف أي أو عرض عارض شبهة
يقتضي المنازعة الداعية إلى الافتراق فاتركوا القراءة وتمسكوا بالمحكم الموجب للألفة وأعرضوا عن

٣٣١
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣٧
المتشابه المؤدي إلى الفرقة قال، وهو كقوله ◌َّ ر: ((فإذا رأيتم الذين يتبعون المتشابه منه فاحذروهم)).
وقال ابن الجوزي: كان اختلاف الصحابة يقع في القراءات واللغات فأمروا بالقيام عند الاختلاف
لئلا يجحد أحدهم ما يقرؤه الآخر فيكون جاحد لما أنزله الله.
(تابعه) أي تابع سلام بن أبي مطيع (الحارث بن عبيد) بضم العين أبو قدامة الأيادي بكسر
الهمزة البصري فيما رواه الدارمي (وسعيد بن زيد) أخو حماد بن زيد فيما رواه الحسن بن سفيان
في مسنده كلاهما (عن أبي عمران) الجوني (ولم يرفعه) أي الحديث المذكور إلى النبي ◌َّر (حماد بن
سلمة وأبان) بفتح الهمزة وتخفيف الموحدة ابن يزيد العطار.
(وقال غندر) محمد بن جعفر فيما وصله الإسماعيلي (عن شعبة) بن الحجاح (عن أبي
عمران) الجوني (سمعت جندبًا قوله) أي من قوله موقوفًا عليه لم يرفعه. (وقال ابن عون) عبد الله
الإمام المشهور (عن أبي عمران) الجوني (عن عبد الله بن الصامت عن عمر) بن الخطاب رضي الله
عنه (قوله) ولم يرفعه ورواية ابن عون هذه وصلها أبو عبيد عن معاذ عنه والنسائي من وجه آخر
عنه (وجندب) روايته (أصح) إسنادًا (وأكثر) طرقًا في هذا الحديث، وأما رواية ابن عون فشاذة لم
يتابع عليها .
٥٠٦٢ - حدثنا سُلَيْمانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ عَنِ النَّزَّالِ بْنُ
سَبْرَةَ عَنْ عَبْدِ الله، أنَّهُ سَمِعَ رَجُلاَ يَقْرَأْ آيَّةٌ سَمِعَ النَّبِيِّ وَّهَ خِلافَها فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَانْطَلَقْتُ بِهِ إلَى
النّبِيِّ وَ﴿، فَقالَ: ((كِلاكُما مُحسِنٌ، فَاقْرَأ)). أَكْبَرُ عِلْمي قالَ: ((فَإِنَّ مَنْ كانَ قَبْلَكُمُ أَخْتَلَفُوا
فَأهْلَكَهُمْ).
وبه قال: (حدثنا سليمان بن حرب) الواشحي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
عبد الملك بن ميسرة) ضد الميمنة (عن النزال بن سبرة) بفتح النون وتشديد الزاي وسبرة بفتح
السين المهملة وسكون الموحدة بعدها راء مفتوحة الهلالي التابعي الكبير وقيل له صحبة (عن
عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (أنه سمع رجلاً) قيل إنه أبيّ بن كعب (يقرأ آية سمع النبي ◌َيه
خلافها) أي يقرأ خلافها وكان اختلافهما في سورة من آل حّم قال ابن مسعود: (فأخذت بيده
فانطلقت به إلى النبي (#) أي فأخبرته بذلك (فقال):
(كلاكما محسن) فيما قرأه (فاقرأ) بهمزة ساكنة بصيغة الأمر للواحد في الفرع، وفي نسخة
فاقرآً بصيغة الأمر للاثنين وهو الذي في اليونينية قال شعبة: (أكبر علمي) بالموحدة بعد الكاف
أنه رَّ﴾ (قال): أي لا تختلفوا (فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم) أي الله بسبب الاختلاف
ولأبي ذر عن المستملي فأهلكوا بضم الهمزة وكسر اللام. قال في الفتح: ووقع عند عبد الله ابن
الإمام أحمد في زيادات المسند في هذا الحديث أن الاختلاف كان في عدد آي السورة هل خمس
وثلاثون آية أو ست وثلاثون، وهذا الحديث قد مرّ في الأشخاص.

بسم الله الرحمن الرحيم
٦٧ - كتاب النكاح
هو لغة الضم والتداخل. وقال المطرّزي والأزهري: هو الوطء حقيقة، ومنه قول الفرزدق:
إذا سقى الله قومًا صوب غادية فلا سقى الله أرض الكوفة المطرا
التاركين على طهر نساءهم والناكحين بشطي دجلة البقرا
وهو مجاز في العقد لأن العقد فيه ضم، والنكاح هو الضم حقيقة قال:
ضممت إلى صدري معطر صدرها كما نكحت أم العلاء صبيها
أي: كما ضمت أو لأنه سببه فجازت الاستعارة لذلك، وقال بعضهم: أصله لزوم شيء
الشيء، مستعليًا عليه ويكون في المحسوسات، وفي المعاني قالوا: انكح المطر الأرض، ونكح
النعاس عينه، ونكحت القمح في الأرض إذا حرثتها وبذرته فيها، ونكحت الحصاة أخفاف الإبل.
قال المتنبي :
أنكحت صم حصاها خف يعملة تغشمرت بي إليك السهل والجبلا
يقال: أنكحوا الحصى أخفاف الإبل إذا ساروا، واليعملة الناقة النجيبة المطبوعة على العمل،
والتغشمر الأخذ قهرًا. وقال الفراء: العرب تقول نكح المرأة بضم النون بعضها وهو كناية عن
الفرج، فإذا قالوا نكحها أرادوا أصاب نكحها. وقال ابن جني: سألت أبا علي الفارسي عن
قولهم نكحها؟ فقال: فرقت العرب فرقا لطيفًا يعرف به موضع العقد من الوطء فإذا قالوا: نكح
فلان فلانة أو بنت فلان أو أخته أرادوا تزوّجها وعقد عليها، وإذا قالوا نكح امرأته أو زوجته لم
يريدوا إلا المجامعة لأن بذكر المرأة أو الزوجة يستغني عن العقد واختلف أصحابنا في حقيقته على
ثلاثة أوجه حكاها القاضي حسين في تعليقه. أصحها أنه حقيقة في العقد مجاز في الوطء وهو
الذي صححه القاضي أبو الطيب وقطع به المتولي وغيره واحتج له بكثرة وروده في الكتاب والسُّنّة

٣٣٣
كتاب النكاح/ باب ١
للعقد حتى قيل: إنه لم يرد في القرآن إلا للعقد ولا يرد مثل قوله حتى تنكح زوجًا غيره لأن
شرط الوطء في التحليل إنما ثبت بالسُّنّة وإلا فالعقد لا بدّ منه لأن قوله تعالى: ﴿حتى تنكح﴾
[البقرة: ٢٣٠] معناه حتى تتزوج أي يعقد عليها ومفهومه أن ذلك كافٍ بمجرده لكن ثبتت السُّنّة
أن لا عبرة بمفهوم الغاية بل لا بدّ بعد العقد من ذوق العسيلة. قال ابن فارس: لم يرد النكاح
في القرآن إلا للتزويج إلا قوله تعالى: ﴿وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح﴾ [النساء: ٦] فإن
المراد به الحلم. والثاني: أنه حقيقة في الوطء مجاز في العقد وهو مذهب الحنفية. والثاني: أنه
حقيقة فيهما بالاشتراك ويتعين المقصود بالقرينة كما مرّ عن أبي علي، وذكر ابن القطاع للنكاح أكثر
من ألف اسم وفوائده كثيرة منها: أنه سبب لوجود النوع الإنساني، ومنها قضاء الوطر بنيل اللذة
والتمتع بالنعمة وهذه هي الفائدة التي في الجنة إذ لا تناسل فيها، ومنها غض البصر وكفّ النفس
عن الحرام إلى غير ذلك.
١ - باب التّزغيبُ فِي النّكاح لِقَوْلِهِ تَعالى:
﴿فَاتْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النّساءِ﴾
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا للنسفي تقديم البسملة، وعند رواة الفربري تأخيرها ولأبي ذر
سقوطها (باب الترغيب) ولأبي ذر: باب الترغيب (في النكاح لقوله تعالى): ولأبي ذر لقول الله عز
وجل: (﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾) [النساء: ٦] زاد أبو الوقت والأصيلي الآية، والأمر
يقتضي الطلب وأقل درجاته الندب فثبت الترغيب وقول داود وأتباعه من أهل الظاهر أنه فرض
عين على القادر على الوطء والإنفاق تمسكًا بالآية. وقوله عليه الصلاة والسلام لعكاف بن وداعة
الهلالي: ((ألك زوجة يا عكاف)) قال: لا. قال: ((ولا جارية)) قال: لا. قال: ((وأنت صحيح
موسر) قال: نعم والحمد لله. قال: ((فأنت إذًا من إخوان الشياطين إما أن تكون من رهبان
النصارى فأنت منهم وإما أن تكون منا فاصنع كما نصنع فإن من سُنّتنا النكاح شراركم عزابكم
وأراذل أمواتكم عزّابكم. ويحك يا عكاف تزوّج)) فقال عكاف: يا رسول الله لا أتزوّج حتى
تزوّجني مَن شئت. قال: فقال رسول الله وَله: ((فقد زوّجتك على اسم الله والبركة كريمة كلثوم
الحميري)). رواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق بقية فهو إيجاب على معين فيجوز أن يكون
سبب الوجوب تحقّق في حقه، والآية لم تسق إلا لبيان العدد المحلل على ما عرف في الأصول.
٥٠٦٣ - حدثنا سَعِيدُ بْنُ أبي مَرْيَمَ، أخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ أخْبَرَنا حُمَيْدُ بْنِ أبي حُمَيْدٍ
الطَّيلُ، أنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ يَقُولُ: جاءَ ثَلاثَةُ رَهْطٍ إلى بُيُوتٍ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ وَّر
يَسْألُونَ عَنْ عِبادَةِ النَّبِّ ◌َّهِ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُوها، فَقالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنَ النَّبِيِّ وَِّ؟ قَدْ غُفِرَ
لَهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَما تأخّرَ. قالَ أحَدُهُمْ: أمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ
الدَّهْرَ وَلا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أعْتَزِلُ النِّساءَ فَلا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللهِوَهُ فَقَالَ: ((أَنْتُمُ

٣٣٤
كتاب النكاح/ باب ١
الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذا وَكَذا؟ أما وَالله إنِّي لأخْشاكُمْ لله وَأَتْقَاكُمْ لَهُ، لكِنِّي أَصُومُ وَأَفْطِرُ، وَأُصَلِّي وَأزْقُدُ،
وَأَتَزَوَّجُ النِّساءَ، فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي)).
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن أبي مريم) هو سعيد بن الحكم بن محمد بن أبي مريم الجمحي
مولاهم البصري قال: (أخبرنا محمد بن جعفر) أي ابن أبي كثير المدني قال: (أخبرنا) ولأبي
الوقت: أخبرني بالإفراد (حميد بن أبي حميد الطويل) اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال
(أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول: جاء ثلاثة رهط) اسم جمع لا واحد له من لفظه،
والثلاثة علي بن أبي طالب، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعثمان بن مظعون كما في مرسل
سعيد بن المسيب عند عبد الرزاق (إلى بيوت أزواج النبي ﴿ يسألون عن عبادة النبي وَلقر فلما
أخبروا) بضم الهمزة وكسر الموحدة مبنيًّا للمفعول بذلك (كأنهم تقالوها)، بتشديد اللام المضمومة
عدّوها قليلة (فقالوا: وأين نحن من النبي ◌َلِر؟ قد غفر له) بضم الغين ولابن عساكر وأبوي
الوقت وذر عن المستملي قد غفر الله له (ما تقدّم من ذنبه وما تأخر. قال) ولأبوي الوقت وذر
فقال (أحدهم: أما) بفتح الهمزة وتشديد الميم للتفضيل (أنا فإني) ولأبي ذر عن المستملي
والكشميهني: فأنا (أصلي الليل أبدًا) قيد لليل لا لقوله أصلي (وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا
أفطر). بالنهار سوى العيدين وأيام التشريق ولذا لم يقيده بالتأبيد (وقال آخر: أنا أعتزل النساء فلا
أتزوج أبدًا. فجاء رسول الله ( *) زاد الأربعة لفظ إليهم (فقال) لهم:
(أنتم الذين قلتم كذا وكذا. أما) بفتح الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه (والله إني لأخشاكم
لله وأتقاكم له)، قال في الفتح: فيه إشارة إلى ردّ ما بنوا عليه أمرهم من أن المغفور له لا يحتاج
إلى مزيد في العبادة بخلاف غيره فأعلمهم أنه مع كونه لا يبالغ في التشديد في العبادة أخشى لله
وأتقى من الذين يشدّدون، وإنما كان كذلك لأن المشدّد لا يأمن من الملل بخلاف المقتصد فإنه
أمكن لاستمراره وخير العمل ما داوم عليه صاحبه انتهى.
فالنبي ◌َّه وإن أعطي قوى الخلق في العبادات لكن قصده التشريع وتعليم أمته الطريق التي
لا يمل بها صاحبها. وقال ابن المنير: إن هؤلاء بنوا على أن الخوف الباعث على العبادة ينحصر في
خوف العقوبة فلما علموا أنه وَ ل# مغفور له ظنوا أن لا خوف وحملوا قلة العبادة على ذلك، فردّ
عليه الصلاة والسلام عليهم ذلك وبيّن أن لا خوف الإجلال أعظم من الإكثار المحقق الانقطاع
لأن الدائم وإن قل أكثر من الكثير إذا انقطع وفيه دليل على صحة مذهب القاضي حيث قال: لو
أوجب الله شيئًا لوجب وإن لم يتوعد بعقوبة على تركه وهو مقام الرسول وَلهو التعبد على الشكر
وعلى الإجلال لا على خوف العقوبة فإنه منه في عصمة.
(لكني) استدراك من محذوف دلّ عليه السياق تقريره أنا وأنتم بالنسبة إلى العبودية سواء لكن
أنا (أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد، وأتزوّج النساء فمن رغب) أعرض (عن سُنّتي) طريقتي وتركها
(فليس مني) إذا كان غير معتقد لها والسُّنّة مفرد مضاف يعم على الأرجح فيشمل الشهادتين وسائر

٣٣٥
كتاب النكاح/ باب ١
أركان الإسلام فيكون المعرض عن ذلك مرتدًا وكذا إن كان الإعراض تنطعًا يفضي إلى اعتقاد
أرجحية عمله، وأما إن كان ذلك بضرب من التأويل كالورع لقيام شبهة في ذلك الوقت أو عجزًا
عن القيام بذلك أو لمقصود صحيح فيعذر صاحبه.
وفيه الترغيب في النكاح، وقد اختلف هل هو من العبادات أو المباحات فقال الحنفية: هو
سُنّة مؤكدة على الأصح. وقال الشافعية: من المباحات. قال القمولي في شرح الوسيط المسمى
بالبحر في باب النكاح فرع نص الإمام على أن النكاح من الشهوات لا من القربات. وإليه أشار
الشافعي في الأم حيث قال: قال الله تعالى: ﴿زين للناس حبّ الشهوات من النساء﴾
[آل عمران: ١٤] وقال عليه الصلاة والسلام: ((حبب إليّ من دنياكم الطيب، والنساء»، وابتغاء
النسل به، أمر مظنون ثم لا يدري أصالح أم طالح انتهى.
وقال النووي: إن قصد به طاعة كاتباع السُّنّة أو تحصيل ولد صالح أو عفة فرجه أو عينه
فهو من أعمال الآخرة يُثاب عليه وهو للتائق أي المحتاج له ولو خصيّا القادر على مؤونة أفضل
من التخلي للعبادة تحصينًا للدين ولما فيه من إبقاء النسل والعاجز عن مؤونة يصوم والقادر غير
التائق إن تخلى للعبادة فهو أفضل من النكاح وإلا فالنكاح أفضل له من تركه لئلا تُفضي به البطالة
إلى الفواحش انتهى.
وقد تعقب الشيخ كمال الدين بن الهمام قولهم التخلي للعبادة أفضل فقال: حقيقة أفضل
تنفي كونه مباحًا إذ لا فضل في المباح والحق أنه إن اقترن بنيّة كان ذا فضل والتجرّد عند الشافعي
أفضل لقوله تعالى: ﴿وسيدًا وحصورًا﴾ [آل عمران: ٣٩] مدح يحيى عليه السلام بعدم إتيان
النساء مع القدرة عليه لأن هذا معنى الحصور وحينئذٍ فإذا استدل عليه بمثل قوله عليه الصلاة
والسلام: ((أربع من سنن المرسلين. الحياء، والتعطر، والسواك، والنكاح)) رواه الترمذي وقال
حسن غريب. فله أن يقول في الجواب لا أنكر الفضيلة مع حسن النيّة، وإنما أقول التخلي للعبادة
أفضل فالأولى في جوابه التمسك بحاله عليه الصلاة والسلام في نفسه ورده على من أراد من أمته
التخلي للعبادة فإنه صريح في عين المتنازع فيه يعني حديث هذا الباب، فإنه عليه الصلاة والسلام
رد هذا الحال ردًا مؤكدًا حتى تبرأ منه، وبالجملة فالأفضلية في الاتباع لا فيما تخيل النفس أنه
أفضل نظرًا إلى ظاهر عبادة أو توجه ولم يكن الله عز وجل يرضى لأشرف أنبيائه إلا بأشرف
الأحوال وكان حاله إلى الوفاة النكاح فيستحيل أن يقرّه على ترك الأفضل مدة حياته، وحال يحيى
عليه السلام كان أفضل في تلك الشريعة، وقد نسخت الرهبانية في ملتنا ولو تعارضا قدم التمسك
بحال نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن تأمل ما يشتمل عليه النكاح من تهذيب الأخلاق وتربية
الولد والقيام بمصالح المسلم العاجز عن القيام بها وإعفاف الحرم ونفسه ودفع الفتنة عنه وعنهنّ إلى
غير ذلك من الفرائض الكثيرة لم يكد يقف عن الجزم بأنه أفضل من التخلي بخلاف ما إذا عارضه
خوف جور إذ الكلام ليس فيه بل في الاعتدال مع أداء الفرائض والسُّنن، وذكرنا أنه إذا لم تقترن

٣٣٦
كتاب النكاح/ باب ٢
به نية كان مباحًا لأن المقصود منه حينئذ مجرّد قضاء الشهوة ومبنى العبادة على خلافه ثم قال:
وأقول بل فيه فضل من جهة أنه كان متمكّنًا من قضائها بغير الطريق المشروع فالعدول إليه مع ما
يعلمه من أنه قد يستلزم أثقالاً فيه قصد ترك المعصية وعليه يُتاب انتهى.
٥٠٦٤ - هذّثنا عَلِيٍّ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ إبراهيمَ، عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ:
أخْبَرَنِي عُرْوَةَ أَنَّهُ سَألَ عائِشَةً عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أنْ لا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامِى فَانْكِحُوا ما
طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنِى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أنْ لا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً أَوْ ما مَلَكَتْ أيْمَانُكُمْ
ذلِكَ أذنى أنْ لا تَعُولُوا﴾ قالَتْ: يا ابْنَ أُخْتِي، الْيَتِيمَةُ تَكُونُ في حَجْرٍ وَلِيِّها، فَيَرْغَبُ في مالِها
وَجَمالِها يُريدُ أنْ يَتَزَوَّجَهَا بِأَذْنَى مِنْ سُنَّةٍ صَداقِها، فَنْهُوا أَنْ يَنْكِحُوهُنَّ إلاَّ أنْ يُقْسِطُوا لَهُنَّ فَيُكْمِلُوا
الصَّداقَ، وَأُمِرُوا بِنِكَاحِ مَنْ سِواهُنَّ مِنَ النّساءِ.
وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن عبد الله المديني كما جزم به المزي كأبي مسعود أنه (سمع
حسان بن إبراهيم) الكرماني العنزي قاضي كرمان (عن يونس بن يزيد) الأيلي (عن الزهري)
محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة) بن الزبير بن العوّام (أنه سأل
عائشة) رضي الله عنها (عن قوله تعالى: ﴿وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب
لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى
أن لا تعولوا﴾﴾ [النساء: ٣] أقرب من أن لا تميلوا من قولهم عال الميزان عولاً (قالت) عائشة:
(يا ابن أختي) أسماء هي (اليتيمة) التي مات أبوها (تكون في حجر وليها)، القائم بأمورها
(فيرغب في مالها وجمالها يريد أن يتزوّجها بأدنى) بأقل (من سنة صداقها) من مهر مثلها (فنهوا)
بضم النون والهاء (أن ينكحوهن إلا أن بقسطوا لهن فيكملوا الصداق) على عادتهن في ذلك
(وأمروا) بالواو (بنكاح من سواهن) أي سوى اليتامى (من النساء). وهذا الحديث قد سبق في
تفسير سورة النساء.
٢ - باب قَوْلِ النَّبِيّ ◌َّ:
((مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ. لأَنَّهُ أُغَضَّ
لِلْبَصَرِ وَأَخْصَنُ لِلْفَرْجِ)). وَهَلْ يَتَزَوَّجُ مَنْ لا أَرَبَ لَّهُ في النّكاح؟
(باب قول النبي وَله: من استطاع منكم الباءة) بالموحدة والهمزة المفتوحتين وتاء التأنيث
ممدودًا وقد لا يهمز ولا يمد وقد يهمز ويمد من غير هاء (فليتزوج لأنه) أي التزوّج ولأبوي
الوقت وذر عن المستملي والكشميهني: فإنه بالفاء بدل اللام وهو لفظ الحديث (أغض للبصر)
بالغين والضاد المعجمتين (وأحصن للفرج) بالحاء والصاد المهملتين (وهل يتزوج من لا أرب له)
بفتح الهمزة والراء والموحدة أي من لا حاجة له (في النكاح)؟ أم لا.

٣٣٧
كتاب النكاح/ باب ٢
٥٠٦٥ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنا أبي حَدَّثَنَا الأعْمَشُ قالَ: حَدَّثَني إبراهيمُ عَنْ
عَلْقَمَةَ قالَ: كُنْتُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ، فَلَقِيَهُ عُثْمانُ بِمِنَّى فَقالَ: يا أبا عَبْدِ الرَّحْمُنِ، إِنَّ لِي إِلَيْكَ حاجَةٌ
فَخَلَيَا، فَقَالَ عُثْمانُ: هَلْ لَكَ يا أبا عَبْدِ الرَّحْمْنِ فِي أَنْ نُزَوِّجَكَ بِكْرًا تُذَكِّرُكَ ما كُنْتَ تَعْهَدُ؟ فَلَمَّا
رَأَى عَبْدُ اللَّهِ أنْ لَيْسَ لَهُ حاجَةٌ إلى هذا أشارَ إلَيَّ فَقالَ: يَا عَلْقَمَةُ، فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ وَهْوَ يَقُولُ:
أمالَئِنْ قُلْتَ ذلِكَ لَقَدْ قالَ لَنَا النَّبِيِّ وَِّ: ((يا مَعْشَرَ الشّبابِ مَنِ اسْتَطاعَ مِنْكُمُ الْبَاءَةِ فَلْيَتَزَوَّجْ، وَمَنْ
لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ».
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا الأعمش)
سليمان (قال حدّثني) بالإفراد (إبراهيم) النخعي (من علقمة) بن قيس أنه (قال: كنت مع
عبد الله) بن مسعود (فلقيه عثمان بمنى فقال) عثمان له: (يا أبا عبد الرحمن) وهي كنية ابن
مسعود (إن لي إليك حاجة فخليا)، بانياء وللأصيلي كما في الفتح واليونينية فخلوا بالواو بدل الياء
کدعوا وصوّبها ابن التين لأنه واوي يعني من الخلوة أي دخلا في موضع خالٍ (فقال عثمان) له:
(هل لك يا أبا عبد الرحمن في أن نزوّجك بكرًا تذكّرك ما كنت تعهد) من نشاطك وقوّة شبابك
(فلما رأى عبد الله) بن مسعود (أن ليس له) لنفسه (حاجة إلى هذا) الذي ذكره عثمان من
التزويج، ولأبوي ذر والوقت عن الحموي والمستملي: أو ليس له أي لعثمان حاجة إلا هذا بتشديد
اللام بدل إلى الجازّة أي الترغيب في النكاح (أشار إلي فقال: يا علقمة فانتهيت إليه وهو) أي
والحال أن ابن مسعود (يقول: أما) بالتخفيف (لئن قلت ذلك لقد قال لنا النبي (وَّر):
(يا معشر الشباب) جمع شاب وهو من بلغ إلى أن يكمل ثلاثين عند الشافعية. وفي الجواهر
لابن شاس من المالكية إلى أربعين أي يا طائفة الشباب (من استطاع منكم الباءة) أي الجماع فهو
محمول على المعنى الأعم بقدرته على مؤن النكاح (فليتزوج) جواب الشرط وعند النسائي من طريق
أبي معشر عن إبراهيم النخعي من كان ذا طول فلينكح (ومن لم يستطع) أي الجماع لعجزه عن
مؤنه (فعليه بالصوم). قال أبو عبيد: فعليه بالصوم إغراء لغائب ولا تكاد العرب تغري إلا لشاهد
تقول عليك زيدًا ولا تقول عليه زيدًا. وأجيب: بأن الخطاب للحاضرين الذين خاطبهم أولاً بقوله
((فمن استطاع منكم)؛ فالهاء في فعليه ليست لغائب بل هي للحاضر المبهم إذ لا يصح خطابه
بالكاف وهذا كما يقول الرجل: من قام الآن منكم فله درهم فهذه الهاء لمن قام من الحاضرين لا
لغائب (فإنه) أي الصوم (له وجاء) بكسر الواو وبالجيم ممدودًا. وقيل بفتح الواو مع القصر بوزن
عصا أي التعب والجفاء وذلك بعيد إلا أن يراد فيه معنى الفتور لأنه من وجى إذا فتر عن المشي،
فشبه الصوم في باب النكاح بالتعب في باب المشي أي قاطع لشهوته، وأصله رض الأنثيين
لتذهب شهوة الجماع، وإطلاق الصوم على الوجاء من مجاز المشابهة لأن الوجاء قطع الفعل وقطع
الشهوة إعدام له أيضًا وخص الشباب بالخطاب لأنهم مظنة قوّة الشهوة غالبًا بخلاف الشيوخ وإن
كان المعنى معتبرًا إذا وجد السبب في الكهول والشيوخ أيضًا.
إرشاد الساري/ ج ١١/ م ٢٢

٣٣٨
کتاب النكاح/ باب ٣
واستدل بالحديث على أن من لم يستطع الجماع فالمطلوب منه ترك التزويج لأنه أرشده إلى ما
ينافيه ويضعف دواعيه، والأمر في قوله فليتزوج وفي قوله فانكحوا وإن كان ظاهرهما الوجوب إلا
أن المراد بهما الإباحة.
قال في الأم بعد أن قال: قال الله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم) إلى قوله: ﴿يغنهم الله
من فضله﴾ [النور: ٣٢] الأمر في الكتاب والسُّنّة يحتمل معاني. أحدها: أن يكون الله حرم شيئًا
ثم أباحه فكان أمره إحلال ما حرم. كقوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾ [المائدة: ٢] وكقوله:
﴿فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض﴾ [الجمعة: ١٠] الآية. وذلك أنه حرم الصيد على
المحرم ونهى عن البيع عند النداء ثم أباحهما في وقت غير الذي حرمهما فيه كقوله تعالى: ﴿وآتوا
النساء صدقاتهن نحلة﴾ إلی ﴿مریئًا﴾ [النساء: ٤]. وقوله: ﴿فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها
وأطعموا﴾ [الحج: ٣٦] قال: وأشباه ذلك كثير في كتاب الله وسُنّة رسوله وَ﴿ ليس حتمًا أن
يصطادوا وإذا حلّوا لا ينتشروا لطلب التجارة إذا صلوا ولا يأكل من صداق امرأته إذا طابت به
عنه نفسًا ولا يأكل من بدنته إذا نحرها. قال: ويحتمل أن يكون دلّهم على ما فيه رشدهم بالنكاح
كقوله: ﴿إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾ [النور: ٣٢] يدل على ما فيه سبب الغنى
والنكاح. كقوله ◌َلاغير: ((سافروا تصخّوا)) انتهى.
وقد قسم بعضهم النكاح إلى الأحكام الخمسة: الوجوب، والندب، والتحريم، والإباحة،
والكراهة. فالوجوب: فيما إذا خاف العنت وقدر على النكاح إلا أنه لا يتعين واجبًا بل إما هو
وإما التسرّي فإن تعذر التسرّي تعينّ النكاح حينئذٍ للوجوب لا لأصل الشريعة والندب لتائق يجد
أهبته. والكراهة لعنين ومسوح وزمن ولو كانوا واجدين مؤنه وعاجز عن مؤنه غير تائق له لانتفاء
حاجتهم إليه مع التزام العاجز ما لا يقدر عليه وخطر القيام به فيمن عداه والتحريم إما أن يكون
لعينه كالسبع المذكورات في قوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: ٢٣] أو غير ذلك مما
هو مذکور في محله.
٣ - باب مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ الْبَاءَةَ فَلْيَصُمْ
(باب من لم يستطع الباءة فليصم).
٥٠٦٦ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنا أبي حَدَّثَنَا الأعْمَشُ حَدِّثَنِي عُمارةُ عَنْ
عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ يَزِيدَ قالَ: دَخَلْتُ مَعَ عَلْقَمَةَ وَالأسْوَدِ عَلى عَبْدِ اللَّهِ، فَقالَ عَبْدُ اللَّهِ: كُنَّا مَعَ
النّبِيِّ وَّهِ شَبابًا لا نَجِدُ شَيْئًا، فَقالَ لَنا رَسُولُ اللهِ وَّهَ: ((يا مَعْشَرَ الشَّبابِ، مَنِ اسْتَطاعَ الْبَاءَةَ
فَلْيَتَزَوِّجْ، فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وَأخصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَم يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجاءٌ)).
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) قال: (حذّثنا أبي) قال: (حدثنا الأعمش)
سليمان بن مهران قال: (حدّثني) بالإفراد (عمارة) بضم العين وتخفيف الميم ابن عمير التيمي

٣٣٩
كتاب النكاح/ باب ٤
الكوفي (عن عبد الرحمن بن يزيد) بن قيس النخعي أنه (قال: دخلت مع علقمة) أي عمه
(والأسود) بن يزيد أي أخيه (على عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (فقال عبد الله) بن مسعود:
(كنا مع النبي وَ ﴿ شبابًا لا نجد شيئًا فقال لنا رسول الله وَ﴾):
(يا معشر الشباب) أي يا طائفة الشباب (من استطاع) استفعل من الطاعة أصله استطوع
استثقلت الحركة على الواو فنقلت إلى الساكن قبلها ثم قلبت الواو ألفًا أي أطاق (الباءة) المراد به
هنا المعنى اللغوي وهو الجماع مأخوذ من المباءة وهي المنزل لأن من تزوج امرأة بوّأها منزلاً وإنما
تتحقق قدرته بالقدرة على مؤنه ففيه حذف مضاف أي من استطاع منكم أسباب النكاح ومؤنه
(فليتزوج). وقيل: المراد بها نفس مؤن النكاح سميت باسم ما يلازمها ولا بدّ من أحد التأويلين
لأن قوله وَله: (ومن لم يستطع) عطف على قوله (من استطاع) ولو حمل الباءة على الجماع لم يستقم
قوله بعد: فإن الصوم له وجاء لأنه لا يقال للعاجز هذا، وإنما يستقيم إذا قيل: أيها القادر
المتمكن من الشهوة إن حصلت لك مؤن النكاح فتزوّج وإلاّ فصم ولذا خصّ الشباب (فإنه) أي
التزوّج (أغض للبصر) لأن بعد حصول التزويج يضعف فيكون أغض وأحصن مما لم يكن لأن
وقوع الفعل مع ضعف الداعي أندر من وقوعه مع وجود الداعي وهو أفعل تفضيل بمعنى غاض
أو التفضيل على بابه من غض طرفه إذا خفضه وأغمضه وكل شيء كففته فقد غضضته والمراد
بالبصر هنا الطرف المشتمل عليه لأنه الذي يضاف إليه الغض حقيقة وللنسائي فإنه أغض للطرف
فصرح به (وأحصن) أي أعف (للفرج)، ولم يرد به أفعل التفضيل لأنه لا يكون من رباعي كما نبه
عليه ابن فرحون واللام في للبصر وللفرج للتعدية كما قرروه في أفعل التعجب نحو: ما أضرب
زيدًا لعمرو ولا فرق بين البابين قاله في العدّة ولم يقل في الرواية السابقة فإنه إلى آخره وهي ثابتة
عند جميع من أخرج الحديث من طرق الأعمش بهذا الإسناد.
قال في الفتح: ويغلب على ظني أن حذفها من قبل حفص بن غياث شيخ البخاري وإنما
آثر البخاري روايته على رواية غيره لوقوع التصريح فيها من الأعمش بالتحديث فاغتفر له اختصار
المتن لهذه المصلحة انتهى.
(ومن لم يستطع فعليه بالصوم) ذهب ابن عصفور إلى أن الباء زائدة في المبتدأ والتقدير فعليه
الصوم وضعف باقتضائه حينئذٍ الوجوب لأن ذلك ظاهر في هذه الصيغة ولا قائل به (فإنه) أي
الصوم (له وٍجاء). وعند ابن حبان زيادة وهي: وهو الإخصاء وهي مدرجة لم تقع إلا في طريق
زيد بن أبي أنيسة وفي تفسير الوجاء بالإخصاء نظر لأن الوجاء كما مر رضّ الأنثيين والإخصاء
سلّهما فيحمل على المجاز والمسامحة لتقاربهما في المعنى.
٤ - باب كَثْرَةِ النِّساءِ
(باب كثرة النساء) لمن قدر على العدل بينهن.

٣٤٠
كتاب النكاح/ باب ٤
٥٠٦٧ - هذّثنا إبْراهِيمُ بْنُ مُوسى أخْبَرَنا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ أنَّ ابْنَ جُرَيْجِ أخْبَرَهُمْ قالَ:
أخْبَرَني عَطاءٌ قالَ: حَضَرْنا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جَنَازَةً مَيْمُونَةً بِسَرِفَ، فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هذِهِ زَوْجَةُ
النَّبِيِّ بََّ، فَإذا رَفَعْتُمْ نَعْشَها فَلا تُزَعْزِعُوهَا وَلا تُزَلْزِلُوهَا وَأَرْفُقُوا، فَإِنَّهُ كَانَ عِنْدَ النَّبِيِّ وََّ تِسْعٌ
كانَ يَقْسِمُ لِئَمانِ وَلا يَقْسِمُ لِواحِدَةٍ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) أبو
عبد الرحمن قاضي صنعاء (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال: أخبرني)
بالإفراد (عِطاء) هو ابن أبي رباح (قال: حضرنا مع ابن عباس) رضي الله عنهما (جنازة ميمونة)
أم المؤمنين بنت الحارث الهلالية (بسرف) بفتح السين وكسر الراء المهملتين بعدها فاء موضع بينه
وبين مكة اثنا عشر ميلاً وكان النبي ◌َّ بنى بها فيه وعند ابن سعد بإسناد صحيح عن يزيد بن
الأصم قال: دفنا ميمونة بسرف في الظلة التي بنى بها فيها رسول الله وَلهر (فقال ابن عباس: هذه
زوجة النبي ◌َّ﴿ فإذا رفعتم نعشها) بالعين المهملة والشين المعجمة سريرها الذي وضعت عليه وهي
ميتة (فلا تزعزعوها) بزايين معجمتين وعينين مهملتين (ولا تزلزلوها) أي لا تحركوها حركة شديدة
بل سيروا بها سيرًا وسطًا معتدلاً فإن حرمتها بعد موتها باقية كحرمتها في حياتها وللحموي فلا
تزعجوها بدل تزعزعوها (وارفقوا) أي بها (فإنه كان عند النبي ◌ّ( ** ) عند موته (تسع) من الزوجات
في عصمته: سودة بنت زمعة، وعائشة، وحفصة، وأم سلمة، وزينب بنت جحش، وأم حبيبة،
وجويرية، وصفية، وميمونة. (كان يقسم لثمان) منهن في المبيت عندهن (ولا يقسم لواحدة) منهن
وهي سودة وهبت ليلتها لعائشة.
ومطابقة الحديث للترجمة ظاهرة، ووجه تعليل ابن عباس الرفق بميمونة بأنه كان يقسم لثمان
ولا يقسم لواحدة التنبيه على مكانة ميمونة من وجهين كونها زوجته وطهر وأنها كانت عنده غير
مرغوب عنها لأنها كانت من اللاتي يقسم لهن رضي الله عنهن وقد كانت سودة آخر أمهات
المؤمنين موتًا .
وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح والنسائي فيه وفي عِشرة النساء.
٥٠٦٨ . حدثنا مُسَدّدٌ حَدَّثَنا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعيدٌ عَنْ فَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله
عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيِّ وَِّ كَانَ يَتَطَّوَّفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، وَلَهُ تِسْعُ نِسْوَةٍ. وَقَالَ لي خليفةُ حَدَّثَنَا
يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعيدٌ عَنْ قَتَادَةَ أنَّ أَنَسّا حَدَّثَهُمْ عَنِ النّبِيِّ بَّرِ.
وبه قال: (حذّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) الحناط أبو معاوية
البصري قال: (حدّثنا سعيد) بكسر العين ابن أبي عروبة مهران اليشكري البصري (عن قتادة) بن
دعامة السدوسي (عن أنس رضي الله عنه أن النبي ◌َّلفر كان يتطوف على نسائه) أي يجامعهن (في
ليلة واحدة وله) يومئذٍ (تسع نسوة) وفي كتاب الغسل وهن إحدى عشرة، لكن قال ابن خزيمة: