Indexed OCR Text

Pages 261-280

٢٦١
کتاب فضائل القرآن/ باب ٣
الْخَطَّابِ عِنْدَهُ، قَالَ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ: إِنَّ عُمَرَ أتاني فَقالَ: إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ الْيَمامَةِ
بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ، وإني أخشى أنْ يَسْتَحِرَّ القتلُ بالْقُراءِ بالْمَوَاطنِ فَيذْهبَ كَثيرٌ مِنَ الْقُرآن وَإنّي أرى أنْ
تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ تَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللهِ وَِّ؛ قالَ عُمَرُ: هذا وَالله
خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُني حَتَّى شَرَحَ اللهِ صَدْرِي لِذلِكَ وَرَأيْتُ فِي ذلِكَ الَّذِي رَأَى عُمَرُ قالَ
زَيْدٌ: قَالَ أَبُو بَكْرٍ إِنَّكَ رَجُلٌ شابٌ عاقِلٌ لا نَتَّهِمُكَ، وَقَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللهِ وَ،
فَتَتَبِّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ. فَوَالله لَوْ كَلِّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبالِ ما كانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ مِمَّا أمَرَنِي بِهِ مِنْ
جَمْعِ الْقُرْآنِ. قُلْتُ كَيْفَ تَفْعَلُونَ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ وََّ؟ قَالَ: هُوَ وَالله خَيْرٌ. فَلَمْ يَزَلْ أَبُو
بَكْرٍ يُراجِعُني حَتَّى شَرَعَ اللهِ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما.
فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الْعُسُبِ وَالْلِخافِ وَصُدُورِ الرِّجالِ، حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ التَّوْبَةِ مَعَ
أبي خُزَيْمَةَ الأنْصَارِيُّ لَمْ أَجِدْها مَعَ أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما
عَنِثُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] حَتَّى خاتِمَةِ بَراءَةً، فَكَانَتِ الصُّحُفُ عِنْدَ أبي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله، ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ
حَياتَهُ، ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ.
وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي (عن إبراهيم بن سعد) بسكون العين
الزهري العوفي أنه قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد بن السباق) بضم
العين من غير إضافة لشيء والسباق بفتح السين المهملة وتشديد الموحدة المدني التابعي (أن زيد بن
ثابت رضي الله عنه قال: أرسل إلي) بتشديد الياء (أبو بكر) الصديق رضي الله عنه (مقتل) أي
عقب مقتل (أهل اليمامة) أي من قتل بها من الصحابة في وقعة مسيلمة الكذاب لما ادّعى النبوّة
وقوي أمره بعد وفاته عليه الصلاة والسلام بارتداد كثير من العرب فخذله الله وقتله بالجيش الذي
جهزه أبو بكر رضي الله عنه وقتل بسبب ذلك من الصحابة قيل سبعمائة أو أكثر (فإذا عمر بن
الخطاب) رضي الله عنه (عنده قال أبو بكر رضي الله عنه: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد
استحرّ) بالسين الساكنة والفوقية والحاء المهملة والراء المشددة المفتوحات اشتد وكثر (يوم) وقعة
(اليمامة بقرّاء القرآن) وسمى منهم في رواية سفيان بن عيينة عن الزهري في فوائد الدير عاقولي
سالمًا مولى حذيفة (وإني أخشى أن يستحرّ) بلفظ المضارع أي يشتد ولأبي ذر إن استحرّ (القتل)
اشتد (بالقراء بالمواطن) أي في الأماكن التي يقع فيها القتال مع الكفار (فيذهب كثير من القرآن)
بقتل حفظته والفاء في فيذهب للتعقيب (وإني أرى أن تأمر بجمع القرآن) قال أبو بكر لزيد: (قلت
لعمر: كيف تفعل شيئًا لم يفعله) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي لم يفعل (رسول الله وَ لاول. قال
عمر: هذا والله خير) ردّ لقول أبي بكر كيف تفعل شيئًا لم يفعله رسول الله وَّر وإشعار بأن من
البدع ما هو حسن وخير (فلم يزل عمر يراجعني) في ذلك (حتى شرح الله صدري لذلك) الذي
شرح له صدر عمر (ورأيت في ذلك الذي رأى عمر. قال زيد، قال أبو بكر) لي يا زيد (إنك

٢٦٢
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣
رجل شاب) أشار به إلى حدّة نظره وبُعده عن النسيان وضبطه وإتقانه (عاقل لا نتهمك) أشار إلى
عدم كذبه وأنه صدوق وفيه تمام معرفته وغزارة علومه وشدّة تحقيقه وتمكنه من هذا الشأن (وقد
كنت تكتب الوحي لرسول الله وَهر فتتبع القرآن فاجمعه) بصيغتي الأمر (فوالله لو كلفوني نقل جبل
من الجبال ما كان) ثقله (أثقل علّ مما أمرني به) أبو بكر (من جمع القرآن).
فإن قلت: كيف عبّر أولاً بقوله: لو كلفوني وأفرده في قوله مما أمرني به؟ أجيب: بأنه جمع
باعتبار أبي بكر ومن وافقه وأفرد باعتبار أنه الآمر بذلك وحده وإنما قال زيد ذلك خشية من
التقصير في ذلك لكن الله تعالى يسّره له تصديقًا لقوله تعالى: ﴿ولقد يسّرنا القرآن للذكر﴾
[القمر: ٥٤].
(قلت) لهم: (كيف تفعلون شيئًا لم يفعله رسول الله وَليه؟ قال) أبو بكر (هو) أي جمعه
(والله خير فلم يزل أبو بکر یراجعني حتى شرح الله صدري للذي شرح له صدر أبي بكر وعمر
رضي الله عنهما فتتبعت القرآن) حال كوني (أجمعه) وقت التتبع مما عندي وعند غيري (من العسب)
بضم العين والسين المهملتين ثم الموحدة جريد النخل العريض العاري عن الخوص (واللخاف)
بكسر اللام وفتح الخاء المعجمة وبعد الألف فاء الحجارة الرقاق أو هي الخزف بالخاء والزاي
المعجمتين والفاء (وصدور الرجال) حيث لا يجد ذلك مكتوبًا أو الواو بمعنى مع أي أكتبه من
المكتوب الموافق للمحفوظ في الصدور.
وعند أبي داود أن عمر رضي الله عنه قام فقال: من كان تلقى من رسول الله وَّ شيئًا من
القرآن فليأت به وكانوا يكتبون ذلك في الصحف والألواح والعسب قال: وكان لا يقبل من أحد
شيئًا حتى يشهد شاهدان، وهذا يدل على أن زيدًا كان لا يكتفي بمجرد وجدانه مكتوبًا حتى
يشهد به مَن تلقّاه سماعًا مع كون زيد كان يحفظه فكان يفعل ذلك مبالغة في الاحتياط، ولأبي
داود أيضًا من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن أبا بكر قال لعمر ولزيد: اقعدا على باب المسجد
فمن جاءكما بشاهدين على شيء من كتاب الله فاكتباه ورجاله ثقات مع انقطاعه، ولعل المراد
بالشاهدين الحفظ والكتاب أو المراد أنهما يشهدان أن ذلك المكتوب كتب بين يدي رسول الله ؤلؤ
أو أنهما يشهدان أن ذلك من الوجوه التي نزل بها القرآن وكان غرضهم أن لا يكتب إلاّ من عين
ما كتب بين يديه وَلي لا من مجرد اللفظ والمراد بصدور الرجال الذين جمعوا القرآن وحفظوه في
صدورهم كاملاً في حياته وَ ل# كأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل.
(حتى وجدت آخر سورة التوبة مع أبي خزيمة) بن أوس بن يزيد بن حرام وأبو خزيمة
مشهور بكنيته لا يعرف اسمه وشهد بدرًا وما بعدها (الأنصاري) النجاري (لم أجدها) مكتوبة (مع
أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ [التوبة: ١٢٨] حتى خاتمة براءة) ولا يلزم
من عدم وجدانه إياها حينئذ أن لا تكون تواترت عند مَن تلقّاها من النبي وَّ وإنما كان زيد يطلب
التثبّت عمن تلقاها بغير واسطة ولقد اجتمع في هذه الآية كما قاله الخطابي زيد بن ثابت، وأبو

٢٦٣
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣
خزيمة، وعمر، وسقط قوله: ﴿عزيز عليه ما عنتم﴾ لأبي ذر. (فكانت الصحف) التي جمع فيها
زيد بن ثابت القرآن (عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حياته) حتى توفاه الله (ثم عند
حفصة بنت عمر رضي الله عنه) وعنها لأنها كانت وصية عمر فاستمر ما كان عنده عندها إلى أن
شرع عثمان في كتابة المصحف.
وهذا الحديث سبق في تفسير براءة.
٤٩٨٧ - حدثنا مُوسى حَدَّثَنا إبراهيمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهابٍ أَنَّ أَنَسَ بْنَ مالِكٍ حَدَّثَهُ، أنَّ
◌ُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمانِ قَدِمَ عَلى عُثْمانَ، وَكانَ يُغَازِي أَهْلَ الشَّامِ في فَتْحِ أَزْمِينِيَةً وَأَذْرَبيجانَ مَعَ أهْلٍ
الْعِراقِ، فَأَفْزَعَ حُذَيْفَةَ أَخْتِلافُهُمْ فِي الْقِراءَةِ، فَقَالَ حُذَيُّفَةُ لِعُثْمانَ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ، أدْرِكْ هذِهِ
الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا فِي الْكِتَابِ اخْتِلافَ الْيَهُودِ وَالنَّصارى: فَأَرْسَلَ عُثْمَانُ إلى حَفْصَةَ أنْ أرْسِلِي
إِلَيْنا بِالصَّحُفِ نَنْسَخُها فِي الْمَصاحِفِ ثُمَّ نَرُدُّها إِلَيْكِ. فَأَرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إلى عُثْمانَ، فَأَمَرَ
زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزَّبَيْرِ وَسَعيدَ بْنَ الْعاصِ وَعَبْدَ الرَّحْمُنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشامِ،
فَتَسَخُوها فِي الْمَصاحِفِ، وَقَالَ عُثْمَانُ لِلرَّهْطِ الْقُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إذَا اخْتَلَفْتُمْ أَنْتُمْ وَزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ
فِي شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ فَاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فَإِنَّمَا نَزَلَ بِلِسانِهِمْ، فَفَعَلُوا حَتَّى إذا نَسَخُوا الصَّحُفَ فِي
الْمَصاحِفِ رَدَّ عُثْمانُ الصَّحُفَ إلى حَفْصَةَ، فَأَرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمَّا نَسَخُوا، وَأَمَرَ بِما
سِواهُ مِنَ الْقُرْآنِ فِي كُلِّ صَحِيفَةٍ أوْ مُصْحَف أنْ يُخْرَقَ.
وبه قال: (حدّثنا موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي قال: (حدّثنا إبراهيم) بن سعد
العوفي قال: (حدّثنا ابن شهاب) محمد بن مسلم (أن أنس بن مالك حدثه أن حذيفة بن اليمان)
واسم اليمان حسيل بمهملتين مصغرًا وقيل حسل بكسر ثم سكون العبسي بالموحدة حليف
الأنصار (قدم على عثمان) المدينة في خلافته (وكان) عثمان (يغازي أهل الشام) أي يجهّز أهل الشام
(في فتح أرمينية) بكسر الهمزة وتفتح وسكون الراء وكسر الميم والنون بينهما تحتية ساكنة وبعد
النون تحتية أخرى مخففة وقد تثقل مدينة عظيمة بين بلاد الروم وخلاط قريبة من أرزن الروم. قال
ابن السمعاني: يضرب بحسنها وطيب هوائها وكثرة مياهها وشجرها المثل (وأذربيجان) وأمر أهل
الشام أن يجمعوا (مع) ولأبي ذر عن الكشميهني في (أهل العراق) في غزوهما وفتحهما.
وأذربيجان بفتح الهمزة وسكون الذال المعجمة وفتح الراء وكسر الموحدة وسكون التحتية وفتح
الجيم وبعد الألف نون قرأت في معجم ياقوت وفتح قوم الذال وسكون الراء ومدّ آخرون الهمزة
مع ذلك، وروي عن المهلب ولا أعرف للمهلب هذا آذربيجان بمدّ الهمزة وسكون الذال فيلتقي
ساكنان وكسر الراء ثم ياء ساكنة وباء موحدة مفتوحة وجيم وألف ونون وهو اسم اجتمعت فيه
خمس موانع من الصرف العجمة والتعريف والتأنيث والتركيب ولحاق الألف والنون، وهو إقليم
واسع ومن مشهور مدنه تبريز وهو صقع جليل ومملكة عظيمة وخيرات واسعة وفواكه جمة لا

٢٦٤
كتاب فضائل القرآن/ باب ٣
يحتاج السالك فيها إلى حمل إناء للماء لأن المياه جارية تحت أقدامه أين توجه وأهلها صباح الوجوه
حمرها ولهم لغة يقال لها الأذرية لا يفهمها غيرهم وفي أهلها لين وحُسن معاملة إلا أن البخل
يغلب على طباعهم وهي بلاد فتن وحروب ما خلت قطّ من فتنة فيها فلذلك أكثر مدنها خراب،
وافتتحت أولاً في أيام عمر بن الخطاب كان أنفذ المغيرة بن شعبة الثقفي واليًا على الكوفة ومعه
كتاب إلى حذيفة بن اليمان بولاية أذربيجان فورد عليه الكتاب بنهاوند فسار منها إلى أذربيجان في
جيس كثيف فقاتل المسلمون قتالاً شديدًا، ثم إن المرزبان صالح حذيفة على ثمانمائة ألف درهم
على أن لا يقتل منهم أحدًا ولا يسبيه ولا يهدم بيت نار، ثم عزل عمر حذيفة وولى عتبة بن فرقد
على أذربيجان، ولما استعمل عثمان بن عفان الوليد بن عتبة على الكوفة عزل عتبة بن فرقد عن
أذربيجان فنقضوا فغزاهم الوليد بن عتبة سنة خمس وعشرين وكان حذيفة من جملة مَن غزا معه.
(فأفزع حذيفة اختلافهم في القراءة فقال حذيفة لعثمان: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة)
المحمدية (قبل أن يختلفوا في الكتاب) أي القرآن (اختلاف اليهود والنصارى) في التوراة والإنجيل،
وفي رواية عمارة بن غزية أن حذيفة قال: يا أمير المؤمنين أدرك الناس قال: وما ذاك؟ قال:
غزوت فرج أرمينية فإذا أهل الشام يقرأون بقراءة أُبّ بن كعب ويأتون بما لم يسمع أهل العراق،
وإذا أهل العراق يقرأون بقراءة ابن مسعود فيأتون بما لم يسمع أهل الشام فيكفر بعضهم بعضًا.
وروى ابن أبي داود بإسناد صحيح من طريق سويد بن غفلة قال: قال علي: لا تقولوا في
عثمان إلا خيرًا فوالله ما فعل الذي فعل في المصاحف إلا عن ملأ منّا. قال: ما تقولون في هذه
القراءة فقد بلغني أن بعضهم يقول قراءتي خير من قراءتك، وهذا لا يكاد أن يكون كفرًا. قلنا:
فما ترى؟ قال: أرى أن تجمع الناس على مصحف واحد فلا تكون فرقة ولا اختلاف. قلنا: نعم
ما رأيت.
(فأرسل عثمان إلى حفصة) رضي الله عنها (أن أرسلي إلينا بالصحف) التي كان أبو بكر أمر
زيدًا بجمعها (ننسخها في المصاحف ثم نردها إليك فأرسلت بها حفصة إلى عثمان فأمر زيد بن
ثابت وعبد الله بن الزبير وسعيد بن العاص) الأموي (وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام) وفي
كتاب المصاحف لابن أبي داود من طريق محمد بن سيرين اثني عشر رجلاً من قريش والأنصار
منها أُبّ بن كعب، وفي رواية مصعب بن سعد فقال عثمان: مَن أكتب الناس؟ قالوا: كاتب
رسول الله ﴿ زيد بن ثابت. قال: فأيّ الناس أعرب؟ وفي رواية أفصح؟ قالوا: سعيد بن
العاص. قال عثمان: فليمل سعيد وليكتب زيد، ووقع عند ابن أبي داود تسمية جماعة ممن كتب
أو أملى منهم: مالك بن أبي عامر جد مالك بن أنس، وكثير بن أفلح، وأَّ بن كعب، وأنس بن
مالك، وعبد الله بن عباس (فنسخوها) أي الصحف (في المصاحف و)ذلك بعد أن (قال عثمان
للرهط القرشيين الثلاثة): سعيد، وعبد الله، وعبد الرحمن لأن الأول أموي والثاني أسدي والثالث
مخزومي وكلها من بطون قريش (إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن) أي من

٢٦٥
کتاب فضائل القرآن/ باب ٣
عربيته (فاكتبوه بلسان قريش فإنما نزل) معظمه (بلسانهم) أي بلغتهم (ففعلوا) ذلك كما أمرهم
(حتى إذا نسخوا الصحف في المصاحف ردّ عثمان الصحف إلى حفصة) فكانت عندها حتى توفيت
فأخذها مروان حين كان أميرًا على المدينة من قبل معاوية فأمر بها فشققت وقال: إنما فعلت هذا
لأني خشيت إن طال بالناس زمان أن يرتاب فيها مرتاب. رواه ابن أبي داود وغيره.
(فأرسل) عثمان (إلى كل أفق بمصحف مما نسخوا) وكانت خمسة على المشهور فأرسل أربعة
وأمسك واحدًا. وقال الداني في المقنع: أكثر العلماء أنها أربعة أرسل واحدًا للكوفة وآخر للبصرة
وآخر للشام وترك واحدًا عنده، وقال أبو حاتم فيما رواه عنه ابن أبي داود كتب سبعة مصاحف
إلى مكة والشام واليمن والبحرين والبصرة والكوفة وحبس بالمدينة واحدًا (وأمر بما سواه) أي
سوى المصحف الذي استكتبه والتي نقلت منه وسوى الصحف التي كانت عند حفصة (من القرآن
في كل صحيفة أو مصحف أن يحرق) بسكون الحاء المهملة وفتح الراء؛ ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي يحرق بفتح المهملة وتشديد الراء مبالغة في إذهابها وسدًّا لمادة الاختلاف.
وقال في شرح السُّنّة في هذا الحديث البيان الواضح أن الصحابة رضي الله عنهم جمعوا بين
الدفّتين القرآن المنزل من غير أن يكونوا زادوا أو نقصوا منه شيئًا باتفاق منهم من غير أن يقدّموا
شيئًا أو يؤخّروه بل كتبوه في المصاحف على الترتيب المكتوب في اللوح المحفوظ بتوقيف جبريل
عليه السلام على ذلك وإعلامه عند نزول كل آية بموضعها وأين تكتب. وقال عبد الرحمن
السلمي: كان قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة وهي التي
قرأها ولو على جبريل مرتين في العام الذي قبض فيه وولاء عثمان كتبة المصاحف. قال
السفاقسي: فكان جمع أبي بكر خوف ذهاب شيء من القرآن بذهاب حملته إذ إنه لم يكن مجموعًا
في موضع واحد، وجمع عثمان لما كثر الاختلاف في وجوه قراءته حين قرؤوا بلغاتهم حتى أدّى
ذلك إلى تخطئة بعضهم بعضًا فنسخ تلك الصحف في مصحف واحد مقتصرًا من اللغات على لغة
قريش إذ هي أرجحها.
٤٩٨٨ - قال ابْنُ شِهابٍ: وَأَخْبَرَني خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ ثابتٍ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثابتٍ قالَ:
فَقَدْتُ آيَةً مِنَ الأحزابِ حينَ نَسَخْنَا الْمُصْحَفَ قَدْ كُنْتُ أسْمَعُ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقْرَأُ بِهَا فَالْتَّمَسْناها
فَوَجَدْناها مَعَ خُزَيْمَةَ بْنِ ثابِتِ الأنْصارِيِّ: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾
[الأحزاب: ٢٣] فَأَلْحَقْناها في سُورَتِها فِي الْمُصْحَفِ.
(قال ابن شهاب) الزهري بالإسناد السابق (وأخبرني) بالواو والإفراد ولأبي ذر فأخبرني بالفاء
والإفراد أيضًا (خارجة بن زيد بن ثابت) أنه (سمع) أباه (زيد بن ثابت قال: فقدت) بفتح القاف
(آية من الأحزاب حين نسخنا المصحف) أي في زمن عثمان لا في زمن أبي بكر لأن الذي فقده
في خلافة أبي بكر الآيتان من آخر سورة براءة (قد كنت أسمع رسول الله ولم يقرأ بهما
فالتمسناها) أي طلبناها (فوجدناها مع خزيمة بن أبي ثابت الأنصاري) بالمثلثة ابن الفاكه بن ثعلبة

٢٦٦
كتاب فضائل القرآن/ باب ٤
ذي الشهادتين وهو غير أبي خزيمة بالكنية الذي وجد معه آخر التوبة (﴿من المؤمنين رجال صدقوا
ما عاهدوا الله عليه﴾) [الأحزاب: ٢٣] فألحقناها في سورتها في (الصحف) بضم الصاد من غير
ميم في الفرع والذي في اليونينية بالميم.
٤ - باب كاتِبِ النَّبِيِّ وَلـ
(باب) ذكر (كاتب النبي وَ لغر) بإفراط لفظ كاتب.
٤٩٨٩ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهابٍ أنَّ ابْنَ السَّبَّاقِ
قالَ: إِنَّ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ قالَ: أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: إِنَّكَ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ
لِرَسُولِ اللهِ وَّهَ فَاتَّبِعِ الْقُرْآنَ. فَتَتَبَّعْتُ حَتَّى وَجَدْتُ آخِرَ سُورَةِ الثَّوْبَةِ آيَتَيْنٍ مَعَ أبي خُزَيْمَةً
الأنْصارِيِّ لَمْ أجِدْهُما مَعَ أحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُمْ﴾
[التوبة: ١٢٨] إلى آخِرِها.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) بضم الموحدة قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن
يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد الزهري (أن ابن السباق) عبيدًا (قال: إن زيد بن
ثابت قال: أرسل إلي أبو بكر رضي الله عنه) في زمن خلافته (قال: إنك كنت تكتب الوحي
لرسول الله ◌َ ر فاتبع القرآن) بهمزة وصل وتشديد الفوقية وكسر الموحدة قال زيد: (فتتبعت) أي
القرآن أجمعه من العسب واللخاف وصدور الرجال كما في الباب السابق، وفي رواية ابن عيينة
عن ابن شهاب القصب أو العسب والكرانيف وجرائد النخل. وفي رواية شعيب من الرقاع وعند
عمارة بن غزية وقطع الأديم (حتى وجدت سورة التوبة آيتين) منها (مع ابن خزيمة الأنصاري لم
أجدهما) مكتوبتين (مع أحد غيره ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم﴾ إلى آخرها)
سقط لأبي ذر قوله عزيز الخ.
٤٩٩٠ - حدّثنا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى، عَنْ إسْرائيلَ عَنْ أبي إسْحُقَ عَنِ الْبَراءِ قالَ: لَمَّا
نَزَّلَتْ ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبيلِ اللهِ﴾ قَالَ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((أَذْعُ لي
زَيْدَا وَلْيَجِيءُ بِاللَّوْحِ وَالدَّواةِ، وَالْكَتِفِ أو الْكَتِفِ وَالدَّواةِ، ثُمَّ قالَ: أَكْتُبْ ﴿لا يَسْتَوِي
الْقَاعِدُونَ﴾ وَخَلْفَ ظَهَرِ النَّبِيِّ وَهِ عَمِرُو ابْنُ أُمْ مَكْتُومِ الأعمى قالَ: يَا رَسُولَ الله فَما تَأْمُرُني؟
فَإِنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَزَلَتْ مَكانَها ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي سَبيلِ اللهِ غَيْرُ أُولِي
الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥].
وبه قال: (حدّثنا عبيد الله) بضم العين (ابن موسى) بن باذام الكوفي (عن إسرائيل) بن
يونس (عن) جده (أبي إسحاق) عمرو بن السبيعي (عن البراء) بن عازب رضي الله عنه أنه (قال
لما نزلت ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله﴾ قال) لي (النبي ◌َّ):
(ادع لي زيدًا وليجيء) بسكون اللام والجزم (باللوح والدواة) بفتح الدال بالإفراد، ولأبي ذر

٢٦٧
كتاب فضائل القرآن/ باب ٥
عن الحموي والدوي بضم الدال وكسر الواو وتحتية مشددة (والكتف أو الكتف والدواة، ثم قال)
له لما حضر: (اكتب ﴿لا يستوي القاعدون﴾ وخلف ظهر النبي ◌َّر عمرو ابن أم مكتوم) بفتح
العين وسكون الميم (الأعمى قال) ولأبي ذر فقال (يا رسول الله فما تأمرني فإني رجل ضرير البصر)
لا أستطيع الجهاد (فنزلت مكانها) مكان الآية في الحال قيل قبل أن يجف القلم (﴿لا يستوي
القاعدون من المؤمنين في سبيل الله غير أولي الضرر﴾) ولأبي ذر: لا يستوي القاعدون من المؤمنين
والمجاهدون في سبيل الله غير أولي الضرر. قال الحافظ أبو ذر نفسه وهذا على معنى التفسير لا
على التلاوة، ومراد البخاري من الحديث الأول قوله: إنك كنت تكتب الوحي، وقوله في الآخر
اكتب ولم يذكر من الكتاب سوى زيد بن ثابت وقد كتب الوحي غيره ولم يكتب زيد إلا بمكة
لأنه إنما أسلم بعد الهجرة ولكثرة كتابته الوحي أطلق عليه الكاتب، وكان ربما غاب فكتب غيره
وقد كتب الوحي قبله أبّ بن كعب، وهو أول من كتب الوحي بالمدينة وأوّل من كتبه بمكة من
قريش عبد الله بن سعد بن أبي سرح لكنه ارتد ثم عاد إلى الإسلام يوم الفتح، وممن كتب له وَلآر
في الجملة الخلفاء الأربعة والزبير بن العوّام وخالد وأبان ابنا سعيد بن العاص بن أمية،
وحنظلة بن الربيع الأسدي، ومعيقيب بن أبي فاطمة، وعبد الله بن الأرقم الزهري وشرحبيل ابن
حسنة، وعبد الله بن رواحة في آخرين.
٥ - باب أُنْزِلَ الْقُرْآنُ عَلى سَبْعَةٍ أُخْرُفٍ
هذا (باب) بالتنوين (أُنزل القرآن على سبعة أحرف).
٤٩٩١ - حدثنا سَعيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدْثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، حَدَّثَني
عُبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا حَدَّثَهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ وَ قَالَ: ((أقْرَأْنِي جِبْرِيلُ
عَلى حَرْفٍ فَرَاجَعْتُهُ، فَلَمْ أزَلْ أَسْتَزِيدُهُ وَيَزِيدُني حَتَّى أَنْتَهى إلى سَبْعَةٍ أُخْرُفٍ)).
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء آخره راء نسبه إلى جده
لشهرته به واسم أبيه كثير بالمثلثة وسعيد هذا من حفاظ المصريين وثقاتهم قال: (حدّثني) بالإفراد
(الليث) بن سعد إمام المصريين قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين المهملة ابن خالد
وللأصيلي عن عقيل (عن ابن شهاب) الزهري أنه قال: (حدّثني) بالإفراد (عبيد الله) بضم العين
(ابن عبد الله) بن عتبة بن مسعود (أن ابن عباس) وللأصيلي أن عبد الله بن عباس (رضي الله
عنهما حدّثه أن رسول الله وَل﴿ قال):
(أقرأني جبريل) القرآن (على حرف) قال في الفتح: وهذا مما لم يصرّح ابن عباس بسماعه له
منه وَلّ وكأنه سمعه من أَبّ بن كعب فقد أخرج النسائي من طريق عكرمة بن خالد عن سعيد بن
جبير عن ابن عباس عن أبي بن كعب نحوه (فراجعته) ولمسلم من حديث أَبّ فرددت إليه أن هوّن
على أمتي وفي رواية له إن أمتي لا تطيق ذلك (فلم أزل أستزيده) أطلب منه أن يطلب من الله

٢٦٨
كتاب فضائل القرآن/ باب ٥
الزيادة في الأحرف للتوسعة (ويزيدني) أي ويسأل جبريل ربه تعالى فيزيدني (حتى انتهى إلى سبعة
أحرف) وفي حديث أُبّ المذكور ثم أتاه الثانية فقال على حرفين ثم أتاه الثالثة فقال على ثلاثة
أحرف ثم جاءه الرابعة فقال: إن الله يأمرك أن تقرأ على سبعة أحرف فأيما حرف قرؤوا عليه فقد
أصابوا.
وحديث الباب سبق في بدء الخلق.
٤٩٩٢ - حدّثنا سَعيدُ بْنُ عُفَيْرٍ، حَدَّثَنِي اللَّيْثُ حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ عَنِ ابْنِ شِهابٍ قَالَ: حَدَّثَني
عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أنَّ الْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ وَعَبْدَ الرَّحْمَن بْنَ عَبْدِ الْقاريَّ حَدَّثَاهُ أَنَّهُما سَمعا عُمَرَ بْنَ
الْخَطَّابِ يَقُولُ: سَمِعْتُ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَياةِ رَسُولِ اللهِوَِّ، فَاسْتَمَعْتُ
لِقِرائَتِهِ فَإِذا هُوَ يَقْرَأُ عَلى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِثْنيها رَسُولُ اللهِوَّهَ، فَكِدْتُ أُساوِرُهُ فِي الصَّلاةِ،
فَتَصَبَّرْتُ حَتَّى سَلَّم، فَلَبَّْتُهُ بِرِدائِهِ فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَاكَ هذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأ؟ قالَ: أقْرَأَنيها
رَسُولُ اللهِ وَّهِ، فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ وَّرِ قَدْ أَقْرَأَنِها عَلى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ. فَانْطَلَقْتُ بِهِ
أقُودُهُ إلى رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقُلْتُ: إنّي سَمِعْتُ هذا يَقْرَأُ بِسُورَةِ الْفُرْقانِ عَلى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِتْنِيها.
فَقَالَ رَسُولُ اللهِّهِ: ((أرْسِلْهُ، آقْرَأْ يا هِشَاءُ)). فَقَرَأْ عَلَيْهِ الْقِراءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ فَقَالَ رَسُولُ
الله ◌َّهِ: (كَذلِكَ أُنْزِلَتْ)). ثُمَّ قالَ: (اقْرَأْ يا عُمَرُ))، فَقَرَأْتُ الْقِراءَةَ الَّتي أقْرَأْنِي فَقَالَ رَسُولُ
اللهِ وََّ: ((كَذلِكَ أُنْزِلَتْ، إنَّ هذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلى سَبْعَةِ أَخْرُفٍ، فَأَقْرَؤُوا ما تَسَّرَ مِنْهُ)).
وبه قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) المصري قال: (حدّثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام
المصري قال: (حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين ابن خالد (عن ابن شهاب) محمد بن
مسلم الزهري أنه (قال: حدثني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (أن المسور بن مخرمة) بفتح
الميم وسكون الخاء المعجمة ابن نوفل الزهري (وعبد الرحمن بن عبد) بتنوين عبد من غير إضافة إلى
شيء (القاري) بتشديد التحتية نسبة إلى القارة بطن من خزيمة بن مدركة والقارة لقبه واسمه أثيع
بالمثلثة مصغرًا (حدّثاه أنهما سمعا عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (يقول: سمعت هشام بن
حكيم) ولأبي ذر والأصيلي زيادة ابن حزام وهو أسديّ على الصحيح (يقرأ سورة الفرقان) لا سورة
الأحزاب إذ هو غلط (في حياة رسول الله وَ * فاستمعت لقراءته فإذا هو يقرأ على حروف كثيرة لم
يقرئنيها رسول الله ( * فكدت أساوره) بهمزة مضمومة وسين مهملة أي آخذ برأسه أو أواثبه (في
الصلاة فتصبرت) أي تكلفت الصبر (حتى سلم) أي فرغ من صلاته (فلبيته) بفتح اللام وتشديد
الموحدة الأولى في الفرع وأصله، وقال عياض التخفيف أعرف (بردائه) أي جمعته عليه عند لبته لئلا
ينفلت مني وهذا من عمر على عادته في الشدّة بالأمر بالمعروف (فقلت: من أقرأك هذه السورة
التي سمعتك تقرأ) ها؟ بحذف الضمير (قال): وللأصيلي فقال هشام: (أقرأنيها رسول الله(وَل﴿)
قال عمر رضي الله عنه (فقلت) له: (كذبت فإن رسول الله وَ لتر قد أقرأنيها على غير ما قرأت) ـها

٢٦٩
كتاب فضائل القرآن/ باب ٥
فيه إطلاق التكذيب على غلبة الظن فإنه إنما فعل ذلك عن اجتهاد منه لظنه أن هشامًا خالف
الصواب وساغ له ذلك لرسوخ قدمه في الإسلام وسابقته بخلاف هشام فإنه من مسلمة الفتح
فخشي أن لا يكون أتقن القراءة، ولعل عمر لم يكن سمع حديث: أنزل القرآن على سبعة أحرف
قبل ذلك (فانطلقت به أقوده) أجرّه بردائه (إلى رسول الله * فقلت) يا رسول الله (إني سمعت
هذا يقرأ بسورة الفرقان) بياء الجر وللأربعة سورة الفرقان (على حروف لم تقرئنيها. فقال رسول
:(醬州
(أرسله) بهمزة قطع أي أطلقه ثم قال له عليه الصلاة والسلام (اقرأ يا هشام، فقرأ عليه
القراءة التي سمعته يقرأ) بها (فقال رسول الله و له: كذلك أنزلت، ثم قال) عليه الصلاة والسلام:
(اقرأ يا عمر فقرأت القراءة التي أقرأني) بها (فقال رسول الله وَلاغير: كذلك أنزلت) ولم يقف الحافظ
ابن حجر على تعيين الأحرف التي اختلف فيها عمر وهشام من سورة الفرقان، نعم جمع ما
اختلف فيه من المتواتر والشاذ من هذه السورة وسبقه إلى ذلك ابن عبد البر مع فوت ثم قال:
والله أعلم بما أنكر منها عمر على هشام وما قرأ به عمر. ثم قال: عليه الصلاة والسلام تطييبًا
لقلب عمر لئلا ينكر تصويب الشيئين المختلفين: (إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف) جمع حرف
مثل فلس وأفلس أي لغات أو قرأت فعلى الأول يكون المعنى على أوجه من اللغات لأن أحد
معاني الحرف في اللغة الوجه. قال تعالى: ﴿ومن الناس من يعبد الله على حرف﴾ [الحج: ١١] وعلى
الثاني يكون من إطلاق الحرف على الكلمة مجازًا لكونه بعضها. (فاقرؤوا ما تيسر منه) أي من الأحرف
المنزل بها، فالمراد بالتيسر في الآية غير المراد به في الحديث لأن الذي في الآية المراد به القلة
والكثرة، والذي في الحديث ما يستحضره القارىء من القراءات فالأول من الكمية والثاني من
الكيفية .
وقد وقع لجماعة من الصحابة نظير ما وقع لعمر مع هشام. منها لأبي بن كعب مع ابن
مسعود في سورة النحل، وعمرو بن العاص مع رجل في آية من القرآن رواه أحمد. وابن مسعود
مع رجل في سورة من آل حم رواه ابن حبان والحاكم، وأما ما رواه الحاكم عن سمرة رفعه:
أُنزل القرآن على ثلاثة أحرف فقال أبو عبد الله: تواترت الأخبار بالسبعة إلا في هذا الحديث.
قال أبو شامة: يحتمل أن يكون بعضه أنزل على ثلاثة أحرف كجذوة والراهب أو أراد أنزل
ابتداء على ثلاثة أحرف ثم زيد إلى سبعة توسعة على العباد والأكثر أنها محصورة في السبعة وهل
هي باقية إلى الآن يقرأ بها أم كان ذلك ثم استقر الأمر على بعضها وإلى الثاني ذهب الأكثر
كسفيان بن عيينة وابن وهب والطبري والطحاوي، وهل استقر ذلك في الزمن النبوي أم بعده؟
والأكثر على الأول واختاره القاضي أبو بكر بن الطيب وابن عبد البر وابن العربي وغيرهم لأن
ضرورة اختلاف اللغات ومشقة نطقهم بغير لغتهم اقتضت التوسعة عليهم في أول الأمر فأذن لكلِّ
أن يقرأ على حرفه أي طريقته في اللغة إلى أن انضبط الأمر وتدربت الألسن وتمكن الناس من

٢٧٠
كتاب فضائل القرآن/ باب ٥
الاقتصار على الطريقة الواحدة، فعارض جبريل عليه السلام النبي ور القرآن مرتين في السنة
الأخيرة واستقر على ما هو عليه الآن فنسخ الله تعالى تلك القراءة المأذون فيها بما أوجبه من
الاقتصار على هذه القراءة التي تلقاها الناس.
ويشهد له ما عند الترمذي عن أَبيّ أنه وَّ قال لجبريل: ((إني بعثت إلى أمة أميّة فيهم الشيخ
الفاني والعجوز الكبير والغلام)) قال: فمرهم أن يقرؤوا على سبعة أحرف وفي بعضها كقوله: هلم
وتعال وأقبل وأسرع واذهب واعجل لكن الإباحة المذكورة لم تقع بالتشهي أي أن كل أحد يغير
الكلمة بمرادفها في لغته بل ذلك مقصور على السماع من رسول الله وَ﴿ كما يشير إليه قول كلِّ
من عمر وهشام أقرأني النبي ◌َلتر.
ولئن سلمنا إطلاق الإباحة بقراءة المرادف ولو لم يسمع لكن الإجماع من الصحابة في زمن
عثمان الموافق للعرضة الأخيرة يمنع ذلك كما مرّ، واختلف في المراد بالسبعة، قال ابن العربي: لم
يأتِ في ذلك نص ولا أثر، وقال ابن حبان: إنه اختلف فيها على خمسة وثلاثين قولاً. قال
المنذري: إن أكثرها غير مختار، وقال أبو جعفر محمد بن سعدان النحوي هذا من المشكل الذي لا
يُدرى معناه لأن الحرف يأتي لمعانٍ، وعن الخليل بن أحمد: سبع قراءات وهذا أضعف الوجوه فقد
بيّن الطبري وغيره أن اختلاف القراء إنما هو حرف واحد من الأحرف السبعة وقيل سبعة أنواع
كل نوع منها جزء من أجزاء القرآن فبعضها أمر ونهي ووعد ووعيد وقصص وحلال وحرام
ومحكم ومتشابه وأمثال، وفيه حديث ضعيف من طريق ابن مسعود، ورواه البيهقي بسند مرسل
وهو قول فاسد وقيل سبع لغات لسبع قبائل من العرب متفرقة في القرآن فبعضه بلغة تميم وبعضه
بلغة أزد وربيعة وبعضه بلغة هوازن وبكر وكذلك سائر اللغات ومعانيها واحدة، وإلى هذا ذهب
أبو عبيد وثعلب وحكاه ابن دريد عن أبي حاتم، وبعضهم عن القاضي أبي بكر وقال الأزهري:
وابن حبان: إنه المختار وصححه البيهقي في الشعب، واستنكره ابن قتيبة واحتج بقوله تعالى:
﴿وما أرسلنا من رسول إلاّ بلسان قومه﴾ [إبراهيم: ٤].
وأجيب: بأنه لا يلزم من هذه الآية أن يكون أرسل بلسان قريش فقط لكونهم قومه بل
أرسل بلسان جميع العرب ولا يرد عليه كونه بعث إلى الناس كافّة عربًا وعجمًا لأن القرآن أنزل
باللغة العربية وهو بلغه إلى طوائف العرب وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم.
وقال ابن الجزري: تتبعت القراءات صحيحها وشاذها وضعيفها ومنكرها فإذا هي ترجع إلى
سبعة أوجه من الاختلاف لا تخرج عن ذلك وذلك إما في الحركات بلا تغير في المعنى والصورة
نحو البُخْل والبَخَل ويحسب بوجهين أو بتغير في المعنى فقط نحو: ﴿فتلقّى آدم من ربه كلمات﴾
[البقرة: ٣٧] واذكر بعد أمه وأمة، وأما في الحروف بتغير المعنى لا الصورة نحو: تبلو وتتلو وننجيك
ببدنك وننجيك ببدنك أو عكس ذلك نحو: بسطة بصطة أو بتغيرهما نحو: أشد منكم ومنهم
ويأتل ويتأل وفامضوا إلى ذكر الله، وأما في التقديم والتأخير نحو: فيقتلون ويقتلون، وجاءت

٢٧١
كتاب فضائل القرآن/ باب ٦
سكرة الحق بالموت أو في الزيادة والنقصان نحو؛ أوصى ووصى والذكر والأنثى وأما نحو
اختلاف الإظهار والإدغام مما يعبر عنه بالأصول فليس من الاختلاف الذي يتنوّع فيه اللفظ أو
المعنى لأن هذه الصفات في أدائه لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا ولئن فرض فيكون من
الأول انتھی.
وحديث الباب مضى في كتاب الخصومات.
٦ - باب تَأليفِ الْقُرْآنِ
(باب تأليف القرآن) أي جمع آيات السورة أو جمع السور مرتبة.
٤٩٩٣ - هذّثنا إبراهيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشَامُ بْنُ يُوسُفَ أنَّ ابن جُرَيْجِ أخْبَرَهُمْ قال:
وَأَخْبَرَنِي يُوسُفُ بْنُ ماهَكِ قالَ: إِنِّي عِنْدَ عَائِشَةً أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ الله عَنْها إِذْ جاءَها عِراقِيٍّ،
فَقَالَ: أَيُّ الْكَفَنِ خَيْرٌ؟ قالَتْ: وَيْحَكَ وَما يَضُرُّكَ، قالَ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ أريني مُصْحَفَكِ، قالَتْ:
لِمَ؟ قالَ: لَعَلَي أُؤَلِّفُ الْقُرْآنَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يُقْرَأُ غَيْرَ مُؤَلِّفٍ قالَتْ: وَما يَضُرُّكَ أَيُّهُ قَرَأْتَ قَبْلُ إنّما
نَزَلَ أوَّلَ مَا نَزَّلَ مِنْهُ سُورَةٌ مِنَ الْمُفَصَّلِ فيها ذِكْرُ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ، حَتَّى إذا ثَابَ النَّاسُ إِلَى الإِسْلامِ
نَزَّلَ الْحَلالُ وَالْحَرامُ، وَلَوْ نَزَلَ أوَّلَ شَيْءٍ لا تَشْرَبُوا الْخَمْرَ لَقَالُوا: لا نَدَعَ الْخَمْرَ أَبَدًا. وَلَوْ نَزَّلَّ
لا تَزْنُوا لَقَالُوا لا نَدَعُ الزَّنا أَبَدًا، لَقَدْ نَزَلَ بِمَكَّةَ عَلى مُحَمَّدٍ وَهِ وَإِنِّي لَجارِيةٌ أَلْعَبُ: ﴿بَلِ السَّاعَةُ
مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أذهى وَأمَرُّ﴾ [القمر: ٤٦]. وَمَا نَزَلَتْ سُورَةُ الْبَقَرَةِ وَالنِّساءِ إلاَّ وَأَنَا عِنْدَهُ. قالَ:
فَأَخْرَجَتْ لَهُ الْمُصْحَفَ، فَأَمْلَتْ عَلَيْهِ آيَ السُّورّةِ.
وبه قال: (حدّثنا) بالجمع ولأبي الوقت حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي
الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف) قاضي صنعاء (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز
(أخبرهم قال): أخبرني فلان بكذا (وأخبرني يوسف بن ماهك) بفتح الهاء وكسرها يصرف ولا
يصرف للعجمة والعلمية فالعطف على مقدّر وقال ابن حجر وما عرفت عليه ثم رأيت الواو ساقطة
من رواية النسفي (قال: إني عند عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها إذ جاءها) رجل (عراقي) لم
يعرف الجاحظ ابن حجر اسمه (فقال) لها (أيّ الكفن خير)؟ الأبيض أو غيره (قالت: ويحك)
كلمة ترحم (وما) أي أيّ شيء (يضرك)؟ بعد موتك في أيّ كفن كفنت (قال: يا أم المؤمنين
أربني مصحفك. قالت: لم)؟ أريكه (قال: لعلي أؤلف القرآن عليه فإنه يقرأ غير مؤلف).
قال في الفتح: الظاهر لي أن هذا العراقي كان ممن يأخذ بقراءة ابن مسعود وكان ابن مسعود
لما حضر مصحف عثمان إلى الكوفة لم يرجع عن قراءته ولا على إعدام مصحفه فكان تأليف
مصحفه مغايرًا لتأليف عثمان، ولا ريب أن تأليف المصحف العثماني أكثر مناسبة من غيره فلهذا
أطلق العراقي أنه غير مؤلف وهذا كله على أن السؤال إنما وقع عن ترتيب السور، ولذا (قالت)

٢٧٢
كتاب فضائل القرآن/ باب ٦
له عائشة (وما يضرك)؟ بضم الضاد المعجمة والراء المشددة من الضرر ولأبوي ذر والوقت
والأصيلي بكسر الصاد بعدها تحتية ساكنة من الضير (أيه) بفتح الهمزة والتحتية المشددة بعدها هاء
مضمومة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أية بفوقية بدل الهاء منوّنة (قرأت قبل) أي قبل قراءة
السورة الأخرى (إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار) سورة (اقرأ
باسم ربك﴾ [العلق: ١] إذ ذاك لازم من قوله فيها إن كذب وتولى وسندع الزبانية أو المدثر
وذكرهما صريح فيها في قوله وما أدراك ما سقر وفي جنات يتساءلون لكن الذي نزل أولاً من
سورة اقرأ خمس آيات فقط أو المراد بالأولية بعد الفترة وهي المدثر فلعل آخرها نزل قبل نزول بقية
اقرأ أو بتقدير من أي من أول ما نزل (حتى إذا ثاب) بالمثلثة والموحدة بينهما ألف أي رجع
(الناس إلى الإسلام) واطمأنت نفوسهم عليه وتيقنوا أن الجنة للمطيع والنار للعاصي (نزل الحلال
والحرام ولو نزل أول شيء لا تشربوا الخمر لقالوا لا ندع الخمر أبدًا ولو نزل لا تزنوا لقالوا لا ندع
الزنا أبدًا) وذلك لما طبعت عليه النفوس من النفرة عن ترك المألوف فاقتضت الحكمة الإلهية ترتيب
النزول على ما ذكر (لقد نزل بمكة على محمد وَلجه وإني لجارية) صغيرة (ألعب: ﴿بل الساعة موعدهم
والساعة أدهى وأمر﴾﴾ [القمر: ٤٦] من سورة القمر التي ليس فيها ذكر شيء من الأحكام (وما
نزلت سورة البقرة والنساء) المشتملتان على الأحكام من الحلال والحرام (إلا وأنا عنده) بعد الهجرة
بالمدينة وأرادت بذلك تأخر نزول الأحكام وسقط لأبي ذر سورة فالبقرة ومعطوفها مرفوعان.
(قال: فأخرجت له) أي للعراقي: (المصحف فأملت) بسكون الميم وتخفيف اللام وبتشديدها
مع فتح الميم في اليونينية بتشديد الميم فليحرر (عليه آي السورة) ولأبي ذر السور أي آيات كل
سورة كأن قالت له مثلاً سورة البقرة كذا وكذا آية، وهذا يؤيد أن السؤال وقع عن تفصيل آيات
كل سورة وقد ذكر بعض الأئمة آيات السور مفردة كابن شيطا والجعبري وفي مجموعي لطائف
الإشارات لفنون القراءات ما يكفي ويشفي.
٤٩٩٤ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أبي إسْحُقَ قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمنِ بْنَ يَزِيدَ قالَ:
سَمِعْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ في بَنِي إِسْرائيلَ وَالْكَهْفِ وَمَرْيَمَ وَطْهَ وَالأَنْبِياءِ: إِنَّهُنَّ مِنَ الْعِتَاقِ الأُوَلِ،
وَهُنَّ مِنْ تلادي.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحق)
عمرو بن عبد الله السبيعي إنه (قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد) ولأبي ذر زيادة ابن قيس أخا
الأسود بن يزيد بن قيس (قال: سمعت ابن مسعود) رضي الله عنه (يقول في) شأن سورة (بني
إسرائيل) وهي سورة الإسراء (و) في شأن سورة (الكهف و) شأن سورة (مريم و) شأن سورة
(طه و) شأن سورة (الأنبياء) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أو الأنبياء (أنهن) أي الخمسة (من
العتاق الأول) بكسر العين، والعرب تجعل كل شيء بلغ الغاية في الجودة عتيقًا والأول بضم
الهمزة وفتح الواو المخففة والأولية باعتبار نزولهن (وهن من تلادي) بكسر الفوقية وتخفيف اللام

٢٧٣
كتاب فضائل القرآن/ باب ٦
وبعد الألف دال مهملة أي مما نزل قديمًا ومع ذلك فهنّ مؤخرات في ترتيب المصحف العثماني
وهذا الحديث مرّ في التفسير.
٤٩٩٥ - حدّثنا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أنْبَأنا أبُو إِسْحُقَ سَمِعَ الْبَراءَ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ:
تَعَلَّمْتُ ﴿سَبِّح أسْمَ رَبِّكَ﴾ [الأعلى: ١] قَبْلَ أنْ يَقْدَمَ النَّبِيِّ ◌ََّ.
وبه قال: (حدثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال:
(أنبأنا) من الإنباء (أبو إسحاق) عمرو السبيعي أنه (سمع البراء رضي الله عنه) زاد الأصيلي ابن
عازب (قال: تعلمت) سورة ((سبح اسم ربك﴾) زاد الأصيلي وأبو الوقت ﴿الأعلى﴾ (قبل أن
يقدم النبي (*) أي المدينة فهي من أوائل ما نزل ومع ذلك فهي متأخرة في المصحف فالتأليف
يكون بالتقديم والتأخير.
وهذا الحديث سبق في التفسير أيضًا.
٤٩٩٦ - حدثنا عَبْدانُ عَنْ أبي حَمْزَةَ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ شَقيقٍ قالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّه: قَدْ
عَلِمْتُ النَّظَائِرَ الَّتي كانَ النَّبِيُّ ◌َهِ يَقْرَؤُهُنَّ آثْنَيْنِ آَتْنَيْن فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، فَقَامَ عَبْدُ اللَّهِ وَدَخَلَ مَعَهُ
عَلْقَمَةُ، وَخَرَجَ عَلْقَمَةُ فَسَألْنَاهُ فَقالَ: عِشْرُونَ سُورَةً مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصِّلِ عَلى تَأْلِيفِ ابْنِ مَسْعُودٍ
آخِرُهُنَّ الْحَوامیمُ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي (عن أبي حمزة) بالحاء المهملة
والزاي محمد بن ميمون السكري المروزي (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن شقيق) أبي
وائل بن سلمة أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود (قد علمت) وللأصيلي وابن عساكر لقد تعلمت
(النظائر) أي السور المتماثلة في المعاني كالموعظة أو الحكم أو القصص أو السور المتقاربة في الطول
أو القصر (التي كان النبي ◌َّير يقرؤهن اثنين اثنين في كل ركعة) ولأبي ذر عن الكشميهني إسقاط
لفظ كل وفي نسخة اثنين كل ركعة بإسقاط الجار (فقام عبد الله) يعني ابن مسعود من مجلسه
ودخل بيته (ودخل معه علقمة) بن قيس النخعي (وخرج علقمة) المذكور (فسألناه) عنها (فقال:
عشرون سورة من أول المفصل على تأليف) مصحف (ابن مسعود آخرهن الحواميم) ولأبي ذر من
الحواميم حَم الدخان وعمّ يتساءلون، ولابن خزيمة من طريق أبي خالد الأحمر عن الأعمش مثل
هذا الحديث وزاد قال الأعمش: أولهن الرحمن وآخرهن الدخان وذكر الدخان في المفصل تجوّز
لأنها ليست منه، نعم يصح على أحد الأقوال في حدّ المفصل وقد مر في باب الجمع بين السورتين
في ركعة من كتاب الصلاة سرد السور العشرين فيما أخرجه أبو داود وفي الحديث دليل على أن
تأليف مصحف ابن مسعود على غير التأليف العثماني ولم يكن على ترتيب النزول.
وقيل: إن مصحف علي بن أبي طالب كان على ترتيب النزول أوّله اقرأ ثم المدثر ثم نّ
والقلم وهكذا إلى آخر المكي ثم المدني وهل ترتيب المصحف العثماني كان باجتهاد من الصحابة أو
إرشاد الساري/ ج ١١ / م ١٨

٢٧٤
كتاب فضائل القرآن/ باب ٧
توقيفيًّا، فذهب إلى الأول الجمهور ومنهم القاضي أبو بكر بن الطيب فيما اعتمده واستقر عليه
رأيه من قوله وأنه فوّض ذلك إلى أمته بعده وذهبت طائفة إلى الثاني، والخلاف لفظي لأن القائل
بالأول يقول إنه رمز إليهم ذلك لعلمهم بأسباب نزوله ومواقع كلماته، ولذلك قال الإمام مالك:
وإنما ألفوا القرآن على ما كانوا يسمعونه من النبي وَ ار.
وهناك قول ثالث وهو أن كثيرًا من السور قد كان علم ترتيبه في حياته و18 كالسبع الطوال
والحواميم والمفصل وكقوله اقرؤوا الزهراوين البقرة وآل عمران وإلى هذا مال ابن عطية، وقال
بعضهم: لترتيب وضع السور في المصحف أشياء تطلعك على أنه توقيفي صادر عن حكيم.
أحدها: بحسب الحروف كما في الحواميم، وثانيها لموافقة أول السور لآخر ما قبلها كآخر الحمد
في المعنى وأول البقرة، وثالثها للوزن في اللفظ كآخر تبت وأول الإخلاص، ورابعها لمشابهة جملة
السورة لجملة الأخرى مثل الضحى وألم نشرح.
وقال بعضهم: سورة الفاتحة تضمنت الإقرار بالربوبية والالتجاء إليه في دين الإسلام
والصيانة عن دين اليهودية والنصرانية، وسورة البقرة تضمنت قواعد الدين، وآل عمران مكملة
لمقصودها، فالبقرة بمنزلة إقامة الدليل على الحكم وآل عمران بمنزلة الجواب عن شبهات الخصوم،
وسورة النساء تتضمن أحكام الأنساب التي بين الناس، والمائدة سورة العقود وبها تمّ الدين انتهى.
وأما ترتيب الآيات فإنه توقيفي بلا شك ولا خلاف أنه من النبي وح ليزر وهو أمر واجب
وحكم لازم فقد كان جبريل يقول ضع آية كذا في موضع كذا وفيه حديث أخرجه البيهقي في
المدخل والدلائل والحاكم في المستدرك وقال صحيح على شرطهما.
٧ - باب كانَ جِبْريلُ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى النَّبِيِّ ◌َِّهِ.
وَقَالَ مَسْرُوقٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها عَنْ فاطِمَةً
عَلَيْهَا السَّلامُ: أَسَرَّ إلَيَّ النَِّيُّ وَهِ أَنَّ جِبْرِيلَ يُعارِضُنِي بِالْقُرْآنِ
كُلَّ سَنَةٍ، وَإِنَّهُ عَارَضَنِي الْعَامَ مَرَّتَيْنِ، وَلا أراهُ إلاَّ حَضَرَ أَجَلي
هذا (باب) بالتنوين (كان جبريل يعرض القرآن) بفتح الياء وكسر الراء (على النبي وَلاغير) أي
يستعرضه ما أقرأه إياه.
(وقال مسروق): هو ابن الأجدع التابعي مما وصله المؤلف في علامات النبوّة (عن عائشة)
أم المؤمنين (رضي الله عنها عن فاطمة) بنت النبي وهي (عليها السلام أسرّ إليّ النبي ◌َ﴾):
(أن جبريل بعارضني) أي يدارسني ولأبي ذر كان يعارضني (بالقرآن كل سنة) أي مرة
(وأنه) ولأبي ذر عن الحموي وإني (عارضني) هذا (العام مرتين ولا أراه) بضم الهمزة أي ولا أظنه
(إلا حضر أجلي) والمعارضة مفاعلة من الجانبين كأن كلاً منهما كان تارة يقرأ والآخر يسمع.

٢٧٥
کتاب فضائل القرآن/ باب ٧
٤٩٩٧ - حدّثنا يَخْيَى بْنُ قَزَعَةَ حَدَّثَنا إبراهيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ
عَبْدَ اللَّه عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: كَانَ النَّبِيِّ وَ أَجْوَدَ النَّاسِ بِالْخَيْرِ، وَأَجْوَدُ ما
يَكُونُ فِي شَهْرٍ رَمَضانَ، لأنَّ جبريلَ كانَ يَلْقاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضانَ حَتَّى يَنْسَلِخَ، يَعْرِضُ
عَلَيْهِ رَسُولُ اللهِوَهِ الْقُرْآنَ، فَإِذا لَقِيَهُ جِبْرِيلُ كانَ أَجْوَدَ بِالْخَيْرِ مِنَ الرّيحِ المُرْسَلَةِ.
وبه قال: (حدّثنا يحيى بن قزعة) بفتح القاف والزاي والعين المهملة المكي المؤذن قال:
(حدّثنا إبراهيم بن سعد) بسكون العين الزهري العوفي أبو إسحاق الزهري (عن الزهري) محمد بن
مسلم (عن عبيد الله) بضم العين (ابن عبد الله) بن عتبة (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه
(قال: كان النبي) وفي نسخة كان رسول الله (* أجود الناس) أي أسخاهم (بالخير) بنصب
أجود خبر كان (وأجود) بالرفع (ما يكون في شهر رمضان) أثبت له الأجودية المطلقة أولاً ثم
عطف عليها زيادة ذلك في رمضان لئلا يتخيل من قوله وأجود ما يكون في شهر رمضان أن
الأجودية خاصة منه برمضان فهو احتراس بليغ ثم بيّن سبب الأجودية المذكورة بقوله (لأن جبريل)
عليه السلام (كان يلقاه في كل ليلة في شهر رمضان حتى ينسلخ) رمضان وظاهره أنه كان يلقاه
في كل رمضان منذ أنزل عليه القرآن إلى رمضان الذي توفي بعده وليس بمقيد برمضانات الهجرة
وإن كان صيام شهر رمضان إنما فرض بعد الهجرة إذ إنه كان يسمى به قبل فرض صومه، نعم
يحتمل أنه لم يعارضه في رمضان من السنة الأولى لوقوع ابتداء النزول فيها، ثم فتر الوحي ثم تتابع
وسقط الضمير من يلقاه لأبي الوقت والأصيلي فكان (يعرض عليه رسول الله وَ﴿ القرآن) أي بعضه
أو معظمه لأن أول رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلا بعضه ثم كذلك كل رمضان بعده
إلى الأخير فكان نزل كله إلا ما تأخر نزوله بعد رمضان المذكور وكان في سنة عشر إلى أن
توفي وهي﴿ ومما نزل في تلك المدة ﴿اليوم أكملت لكم دينكم﴾ [المائدة: ٣] فإنها نزلت يوم عرفة
بالاتفاق ولما كان ما نزل في تلك الأيام قليلاً اغتفروا أمر معارضته فاستفيد منه إطلاق القرآن على
بعضه مجازًا وحينئذٍ فلو حلف ليقرأن القرآن فقرأ بعضه لا يحنث إلا إن قصد كله (فإذا لقيه جبريل
كان) عليه الصلاة والسلام (أجود بالخير من الريح المرسلة) أي المطلقة فهو من الاحتراس لأن
الريح منها العقيم الضار، ومنها المبشر بالخير فوصفها بالمرسلة ليعين الثاني قال تعالى: ﴿هو الذي
يرسل الرياح مبشرات﴾ [الروم: ٤٦] فالريح المرسلة تستمر مدة إرسالها وكذا كان عمله وَّر في
رمضان ديمة لا ينقطع وفيه استعمال أفعل التفضيل في الإسناد الحقيقي والمجازي لأن الجود
منه ◌َ﴿ حقيقة ومن الريح مجاز.
فإن قلت: ما الحكمة في تخصيص الليل المذكور بمعارضة القرآن؟ أجيب: بأن المقصود
من التلاوة الحضور والفهم والليل مظنة ذلك بخلاف النهار فإن فيه الشواغل والعوارض على ما
لا يخفى ولعله * * كان يقسم ما نزل من القرآن في كل سنة على ليالي رمضان أجزاء فيقرأ كل
ليلة جزءًا في جزء من الليلة وبقية ليلته لما سوى ذلك من تهجد وراحة وتعهد أهله ويحتمل أنه

٢٧٦
كتاب فضائل القرآن/ باب ٨
كان يعيد ذلك الجزء مرارًا بحسب تعدّد الحروف المنزل بها القرآن.
وهذا الحديث قد سبق أول الصحيح وفي كتاب الصوم.
٤٩٩٨ - حدّثنا خالِدُ بْنُ يَزِيدَ حَدِّثَنا أَبُو بَكرٍ عَنْ أبي حَصينٍ، عَنْ أبي صالِحٍ عَنْ أبي
هُرَيْرَةَ قالَ: كَانَ يَعْرِضُ عَلَى النَّبِيِّ بَّهِ الْقُرْآنَ كُلِّ عامٍ مَرَّةً، فَعَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْعَامِ الَّذِي
قُبِضَ، وَكَانَ يَعْتَكِفُ كُلِّ عامٍ عَشْرًا، فَاعْتَكَفَ عِشْرينَ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ.
وبه قال: (حدّثنا خالد بن يزيد) الكاهلي قال: (حدّثنا أبو بكر) هو ابن عياش بالتحتية
والمعجمة (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم (عن أبي صالح)
ذكوان السمان (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: كان) أي جبريل (يعرض على النبي ◌َلأول
القرآن) وسقط لغير الكشميهني لفظ القرآن أي بعضه أو معظمه (كل عام مرة) ليالي رمضان من
زمن البعثة أو من بعد فترة الوحي إلى رمضان الذي توفي بعده (فعرض عليه) القرآن (مرتين في
العام الذي قبض) زاد الأصيلي فيه: واختلف هل كانت العرضة الأخيرة بجميع الأحرف السبعة أو
بحرف واحد منها وعلى الثاني فهل هو الحرف الذي جمع عليه عثمان الناس أو غيره، فعند أحمد
وغيره من طريق عبيدة السلماني أن الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة ونحوه
عند الحاكم من حديث سمرة وإسناده حسن وقد صححه هو، وأخرج أبو عبيد من طريق
داود بن أبي هند قال قلت للشعبي قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾
[البقرة: ١٨٥] أما كان ينزل عليه في سائر السنة؟ قال: بلى، ولكن جبريل كان يعارض مع
النبي و ل# في رمضان ما أنزل عليه فيحكم الله ما يشاء وينسخ ما يشاء فكأن السر في عرضه
مرتين في سنة الوفاة استقراره على ما كتب في المصحف العثماني والاقتصار عليه وترك ما عداه،
ويحتمل أن يكون لأن رمضان في السنة الأولى من نزول القرآن لم يقع فيه مدارسة لوقوع ابتداء
النزول في رمضان ثم فتر الوحي فوقعت المدارسة في السنة الأخيرة من رمضان مرتين ليستوي
عدد السنين والعرض.
(وكان) ◌َّز (يعتكف كل عام عشرًا) من رمضان (فاعتكف عشرين) يومًا من رمضان (في
العام الذي قبض) زاد الأصيلي فيه مناسبة لعرض القرآن مرتين، وسبق في الاعتكاف مباحث
الاعتكاف والله الموفق والمعين.
٨ - باب الْقُرَّاءِ مِنْ أصْحابِ النَّبِيِّ وَه
هذا (باب) ذكر (القرّاء) الذين اشتهروا بحفظ القرآن والتصدي لتعليمه (من أصحاب
النبي ◌َ) على عهده.
٤٩٩٩ - حدّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنا شُعْبَةُ عَنْ عَمْرٍو عَنْ إبراهيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ ذكّرٌ

٢٧٧
كتاب فضائل القرآن/ باب ٨
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍ وَعَبْدَ اللَّه بْنَ مَسْعُودٍ فَقالَ: لا أزالُ أُحِبُّهُ، سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّهُ يَقُولُ: ((خُذُوا
الْقُرْآنَ مِنْ أرْبَعَةٍ، مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسالِمٍ وَمُعاذٍ وَأَبَيِّ بْنِ كَعْبٍ)).
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بضم العين الحوضي النمري البصري قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن عمرو) بفتح العين ابن مرة لا السبيعي ووهم الكرماني (عن إبراهيم)
النخعي (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه قال: (ذكر عبد الله بن عمرو) بفتح العين ابن العاص
(عبد الله بن مسعود فقال) أي ابن عمرو: (لا أزال أحبه) لأني (سمعت النبي وَلخير يقول خذوا
القرآن) أي تعلموه (من أربعة من عبد الله بن مسعود) سقط لفظ ابن مسعود للأصيلي وأبي الوقت
(وسالم) أي ابن معقل بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر القاف مولى أبي حذيفة (ومعاذ)
وللأصيلي زيادة ابن جبل (وأبيّ بن كعب) وفيه محبة من يكون ماهرًا في القرآن والأربعة المذكورون
اثنان منهم من المهاجرين وهما المبدوء بهما والآخران من الأنصار.
وقد مرّ الحديث في المناقب.
٥٠٠٠ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ حَدَّثَنا أبي حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا شَقيقُ بْنُ سَلَّمَةَ قَالَ:
خَطَبَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فَقَالَ: وَالله لَقَدْ أَخَذْتُ مِنْ فَي رَسُولِ اللهِ ﴿رَ بِضْعًا وَسَبْعِينَ سُورَةً،
وَالله لَقَدْ عَلِمَ أصْحابُ النَّبِيِّ وَ﴿ أَنِّي مِنْ أَعْلَمِهِمْ بِكِتابِ الله، وَما أَنَا بِخَيْرِهِمْ. قَالَ شَقِيقٌ
فَجَلَسْتُ فِي الْحِلَقِ أسْمَعُ ما يَقُولُونَ فَما سَمِعْتُ رادًا يَقُولُ غَيْرَ ذلِكَ.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حدّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا
الأعمش) سليمان بن مهران قال: (حدّثنا شقيق بن سلمة) أبو وائل (قال خطبنا عبد الله بن
مسعود) ثبت ابن مسعود ولأبي ذر رضي الله عنه (فقال: والله لقد أخذت من في) أي من فم
(رسول الله ﴿ بضعًا) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ما بين الثلث إلى التسع (وسبعين سورة)
بالموحدة بعد السين وزاد عاصم عن زر عن عبد الله وأخذت بقية القرآن عن أصحابه ولم أقف على
تعيين السور المذكورة، وإنما قال ابن مسعود ذلك لما أمر بالمصاحف أن تُغَيَّر وتُكتَب على المصحف
العثماني وساءه ذلك وقال: أفأترك ما أخذت من في رسول الله وَفر رواه أحمد وابن أبي داود من
طريق الثوري وإسرائيل وغيرهما عن أبي إسحق عن خمير بمعجمة مصغرًا ابن مالك (والله لقد علم
أصحاب النبي ولغير أني من أعلمهم بكتاب الله) ووقع عند النسائي من طريق عبدة وابن أبي داود
من طريق أبي شهاب كلاهما عن الأعمش عن أبي وائل أني أعلمهم بإسقاط من (وما أنا بخيرهم)
إذ لا يلزم من زيادة الفضل في صفة من صفاته الأفضلية المطلقة والأعلمية بكتاب الله لا تستلزم
الأعلمية المطلقة ولا ريب أن العشرة المبشرة أفضل اتفاقًا.
(وقال شقيق) أبو وائل بالسند المذكور (فجلست في الحلق) بكسر الحاء المهملة وفتح اللام
في الفرع وضبطه في الفتح بفتحهما (أسمع ما يقولون) في قول ابن مسعود هذا (فما سمعت

٢٧٨
كتاب فضائل القرآن/ باب ٨
رادًا) بتشديد الدال أي عالمًا (يقول غير ذلك) مما يخالف قول ابن مسعود، وأما قول الزهري فيما
أخرجه ابن أبي داود فبلغني أن ذلك كرهه من قول ابن مسعود رجال من أصحاب رسول الله وَ لخد
فإنه محمول على أن الذين كرهوا ذلك من غير الصحابة الذين شاهدهم شقيق بالكوفة.
٥٠٠١ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُفْيَانُ عَنِ الأعْمَشِ عَنْ إبراهيمَ عَنْ عَلْقَمَةً قَالَ:
كُنَّا بِحِمْصَ فَقَرأْ ابْنُ مَسْعُودٍ سُورَةَ يُوسُفَ فَقَالَ رَجُلٌ: ما هكَذَا أُنْزِلَتْ قَالَ: قَرَأْتُ عَلَى رَسُول
اللهِ﴿ فَقالَ: ((أحسَنْتَ)). وَوَجَدَ مِنْهُ ريحَ الْخَمْرِ، فَقالَ: ((أَتَجْمَعُ أنْ تُكَذِّبُ بِكِتابِ الله وَتَشْرَبَ
الْخَمْرَ)». فَضَرَبَهُ الْحَدَّ.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن كثير) أبو عبد الله العبدي البصري
قال: (أخبرنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان الكوفي (عن إبراهيم) النخعي (عن
علقمة) بن قيس النخعي أنه (قال: كنا بحمص) بلدة من بلاد الشام مشهورة (فقرأ ابن مسعود)
عبد الله (سورة يوسف فقال رجل) لم يعرف الحافظ ابن حجر اسمه نعم قال: قيل إنه نهيك بن
سنان (ما هكذا أنزلت قال) أي ابن مسعود ولأبي ذر فقال: (قرأت) كذا (على رسول الله الخير
فقال: أحسنت ووجد) ابن مسعود (منه) من الرجل (ريح الخمر فقال) له: (أتجمع أن تكذب
بكتاب الله وتشرب الخمر، فضربه الحدّ) أي رفعه إلى الولاية فضربه وأسند الضرب إليه مجازًا لكونه
كان سببًا فيه والمنقول عنه أنه كان يرى وجوب الحد بمجرد وجود الرائحة أو أن الرجل اعترف
بشربها بلا عذر، لكن وقع عند الإسماعيلي أثر هذا الحديث النقل عن علي أنه أنكر على ابن
مسعود جلده الرجل بالرائحة وحدها إذ لم يقرّ أو لم يشهد له.
ومبحث ذلك يأتي إن شاء الله تعالى في كتاب الحدود بعون الله وفضله وإنما أنكر الرجل
كيفية الإنزال جهلاً منه لا أصل النزول وإلا لكفر إذ الإجماع قائم على أن من جحد حرفًا مجمعًا
عليه فهو كافر.
٥٠٠٢ - حدّثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأعْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ:
قالَ عَبْدُ الله رَضِيَ الله عَنْهُ وَالله الَّذِي لا إِلّه غَيْرُهُ، ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مِنْ كِتابِ الله إلاَّ أنَا أعْلَمُ أَيْنَ
أُنْزِلَتْ، وَلا أُنْزِلَتْ آيَةٌ مِنْ كِتابِ الله إلاَّ أنَا أعْلَمُ فيمَ أُنْزِلَتْ، وَلَوْ أعْلَمُ أَحَدًا أعْلَمَ مني بِكِتابِ الله
تَبْلُغُهُ الإبلُ لَرَكِيْتُ إِلَيْهِ.
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص) قال: (حذّثنا أبي) حفص بن غياث قال: (حدّثنا
الأعمش) سليمان قال: (حدّثنا مسلم) أبو الضحى بن صبيح لا غيره (عن مسروق) هو ابن
الأجدع أنه (قال: قال عبد الله) بن مسعود (رضي الله عنه: والله الذي لا إله غيره) وسقطت
الجلالة لأبي ذر (ما أنزلت سورة من كتاب الله إلا أنا أعلم أين أنزلت) بمكة أو بالمدينة أو غيرهما
(ولا أنزلت آية من كتاب الله إلا أنا أعلم فيمَ أنزلت) بغير ألف بعد الميم ولأبي ذر عن الكشميهني

٢٧٩
کتاب فضائل القرآن/ باب ٨
فيما بإثبات الألف وله عن الحموي والمستملي فيمن بالنون بدل الألف (ولو أعلم أحدًا أعلم مني
بكتاب الله تبلغه) بسكون الموحدة وضم اللام والذي في اليونينية فتح الموحدة وتشديد اللام
مكسورة ولأبي ذر عن الكشميهني والحموي تبلغنيه بفتح الموحدة وكسر اللام مشدّدة وزيادة نون
بعد الغين فتحتية ساكنة (الإبل لركبت إليه) للأخذ عنه ولأبي عبيد من طريق ابن سيرين نُبْئت أن
ابن مسعود قال: لو علمت أحدًا تبلغنيه الإبل أحدث عهدًا بالعرضة الأخيرة مني لأتيته ولعله
احترز عن سكان السماء كما قاله في الكواكب واستنبط جواز ذكر الإنسان ما فيه من الفضيلة
بقدر الحاجة.
٥٠٠٣ - هذّثنا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ قالَ: سَألْتُ أَنَسِ بْنَ مالِكِ
رَضِيَ الله عَنْهُ: مَنْ جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ وَّهِ؟ قالَ: أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنَ الأنْصَارِ أُبِيُّ بْنُ
كَعْبٍ، وَمُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. تابَعَهُ الْفَضْلُ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ واقِدٍ عَنْ ثُمَامَةً
عَنْ أَنَسٍٍ.
وبه قال: (حدّثنا حفص بن عمر) بن غياث قال: (حدّثنا همام) هو ابن يحيى العوذي بفتح
العين المهملة وسكون الواو وكسر الذال المعجمة البصري الحافظ قال: (حدّثنا قتادة) بن دعامة
السدوسي (قال: سألت أنس بن مالك رضي الله عنه من جمع القرآن على عهد النبي وَلاي قال):
جمعه (أربعة كلهم من الأنصار أبيّ بن كعب) من بني النجار (ومعاذ بن جبل) من بني الخزرج
(وزيد بن ثابت) من بني النجار (وأبو زيد) سعد بن عبيد بن النعمان بن قيس من الأوس، وقيل
اسمه معبد أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهده وَّر ومات ولا عقب له، واستبعد ابن الأثير
أن يكون هذا ممن جمع القرآن. قال: لأن الحديث يرويه أنس بن مالك وذكرهم وقال أحد
عمومتي أبو زيد وأنس من بني عدي بن النجار وهو خزرجي فكيف يكون هذا وهو أوسي اهـ.
وليس في هذا الحديث ما ينفي جمعه عن غير المذكورين (تابعه) أي تابع حفص بن عمر في
رواية هذا الحديث (الفضل) بن موسى الشيباني (عن حسين بن واقد) بالقاف (عن ثمامة) بضم
المثلثة وتخفيف الميم ابن عبد الله قاضي البصرة (عن) جده (أنس) أي ابن مالك وهذه المتابعة
وصلها إسحاق بن راهويه في مسنده.
٥٠٠٤ - حدثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُثَنِى حدَّثَنِي ثابِتْ الْبُنَانِيُّ وَثُمَامَةُ عَنْ
أَنَسٍ قَالَ: ماتَ النّبِيِِّ ﴿ وَلَمْ يَجْمَعِ الْقُرْآنَ غَيْرُ أَرْبَعَةٍ: أَبُو الدَّرْداءِ، وَمُعاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَزَيْدُ بْنُ
ثابِتٍ، وَأَبُو زَيْدٍ. قَالَ: وَنَحْنُ وَرِثْناهُ.
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو
الهيثم أخو بهز بن أسد البصري قال: (حدّثنا عبد الله بن المثنى) بن عبد الله بن أنس بن مالك
الأنصاري أبو المثنى البصري صدوق إلا أنه كثير الغلط قال: (حدّثني) بالإفراد (ثابت البناني) بضم

٢٨٠
كتاب فضائل القرآن/ باب ٨
الموحدة وتخفيف النون واسم أبيه أسلم أبو محمد البصري (وثمامة) بضم المثلثة ابن عبد الله بن
أنس بن مالك الأنصاري البصري كلاهما (عن أنس) وللأصيلي عن أنس بن مالك رضي الله عنه
أنه (قال: مات النبي وَّله ولم يجمع القرآن) على جميع وجوهه وقراءاته أو لم يجمعه كله تلقيًا من فِيَّ
النبي ◌َّلقيه بلا واسطة أو لم يجمع ما نسخ منه بعد تلاوته وما لم ينسخ أو مع أحكامه والتفقه فيه أو
كتابته وحفظه (غير أربعة أبو الدرداء) عويمر بن مالك وقيل ابن عامر وقيل ابن ثعلبة الخزرجي
(ومعاذ بن جبل) السلمي بالفتح (وزيد بن ثابت) النجاري (وأبو زيد) سعد بن عبيد الأوسي
والحصر لعله باعتبار ما ذكر قال المازري لا يلزم من قول أنس لم يجمعه غيرهم أن يكون الواقع في
نفس الأمر كذلك لأن التقدير أنه لا يعلم أن سواهم جمعه وإلا فكيف الإحاطة بذلك مع كثرة
الصحابة وتفرّقهم في البلاد وهذا لا يتم إلا إن كان لقي كل واحد منهم على انفراده وأخبره عن
نفسه أنه لم يكمل له جمع القرآن في عهده بَّر وهذا في غاية البعد في العادة اهـ.
وقد وقع في رواية الطبري من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة في أوّل الحديث افتخر
الحيان الأوس والخزرج فقال الأوس: منا أربعة مَن اهتز له عرش الرحمن سعد بن معاذ، ومن
عدلت شهادته شهادة رجلين خزيمة بن ثابت، ومَن غسلته الملائكة حنظلة بن أبي عامر، ومَن
حمته الدبر عاصم بن ثابت. فقال الخزرج: منا أربعة جمعوا القرآن لم يجمعه غيرهم فذكرهم، فلعل
مراد أنس بقوله لم يجمع القرآن غيرهم أي من الأوس بقرينة المفاخرة المذكورة لا النفي عن
المهاجرين.
وقال ابن كثير: أنا لا أشك أن الصدّيق رضي الله عنه قرأ القرآن وقد نص عليه الأشعري
مستدلاً بأنه صحّ أنه بَلي قال: ((يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأكثرهم قرآنًا)) وتواتر عنه وَلّ أنه
قدّمه للإمامة ولم يكن له يأمر بأمر ثم يخالفه بلا سبب فلولا أن أبا بكر كان متّصفًا بما يقدمه في
الإمامة على سائر الصحابة وهو القراءة لما قدّمه فلا يسوغ نفي حفظ القرآن عنه بغير دليل، وقد
صح في البخاري أنه بنى مسجدًا بفناء داره فكان يقرأ القرآن أي ما نزل منه إذ ذاك وجمع علّ
القرآن على ترتيب النزول. وقال ابن عمر فيما رواه النسائي بإسناد صحيح جمعت القرآن فقرأت به
كل ليلة الحديث.
وعدّ أبو عبيد القراء من الصحابة من المهاجرين الخلفاء الأربعة وطلحة وسعدًا وابن مسعود
وحذيفة وسالمًا وأبا هريرة وعبد الله بن السائب والعبادلة، ومن النساء عائشة وحفصة وأم سلمة،
ولكن بعض هؤلاء إنما أكمله بعده ◌َ طاهر، وعند ابن أبي داود في كتاب الشريعة من المهاجرين أيضًا
تميم بن أوس الداري وعقبة بن عامر ومن الأنصار عبادة بن الصامت وأبا حليمة معاذًا ومجمع بن
حارثة وفضالة بن عبيد ومسلمة بن مخلد، وممن جمعه أيضًا أبو موسى الأشعري فيما ذكره الداني
وعمرو بن العاص وسعد بن عبادة، وبالجملة فيتعذر ضبطهم على ما لا يخفى ولا يتمسك بما في
هذه الأحاديث لما ذكرناه وكيف يكون ذلك مع ما ورد من قتل القراء ببئر معونة ويوم اليمامة