Indexed OCR Text
Pages 161-180
١٦١ كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم حَفْصَةَ، فَقالَ لَها: يا بُنَّةُ إنَّكِ لَتُراجِعِينَ رَسُولَ اللهِ وَّهِ حَتَّى يَظَلَّ يَوْمَهُ غَضْبَانَ؟ فَقَالَتْ حَفْصَةُ: والله إنَّا لَثُراجِعُهُ. فَقُلْتُ: تَعْلَمِينَ أَنِّي أُحَذْرُكَ عُقُوبَةَ الله وَغَضَبَ رَسُولِهِ وَّهِ. يا بُنَيَّةُ لا يَغُوَّنَّكِ هذِهِ الَّتِي أعْجَبَها حُسْنُها حُبُّ رَسُولِ اللهِ وَّهِ إِيَّاها يُريدُ عَائِشَةَ قالَ: ثُمَّ خَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلى أُمّ سَلَمَةَ لِقَرَابَتِي مِنْها، فَكَلَّمْتُها فَقَالَتْ أُمَّ سَلَمَةَ: عَجَبًا لَكَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ دَخَلْتَ في كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى تَبْتَغِي أَنْ تَدُخُلَ بَيْنَ رَسُولِ اللهِ وَّ﴿ وَأَزْواجِهِ فَأَخَذَتْنِي وَالله أخْذَا كَسَرَتْنِي عَنْ بَعْضٍ ما كُنْتُ أجدْ. فَخَرَجْتُ مِنْ عِنْدَها وَكانَ لي صاحِبٌ مِنَ الأنصارِ إذا غِبْتُ أتاني بِالْخَبّرِ، وَإذا غابَ كُنْتُ أَنَا آتَيْهِ بِالْخَبَرِ وَنَحْنُ نَتَخَوَّفُ مَلِكًا مِنْ مُلُوكِ غَسَّانَ، ذُكِرَ لَنا أَنَّهُ يُريدُ أنْ يَسيرَ إِلَيْنَا فَقَدِ آمْتَلأَتُ صُدُورُنا مِنْهُ، فَإذا صاحِبِي الأنصارِيَّ يَدُقُّ الْبَابَ فَقالَ: أَفْتَحِ افْتَحْ فَقُلْتُ جاءَ الْغَسَّانِي فَقَالَ: بَلْ أشَدُّ مِنْ ذلِكَ اعْتَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ أزْواجَهُ فَقُلْتُ رَغَمَ أنْفُ حَفْصَةَ وَعَائِشَةَ فَأَخَذْتُ ثَوْبِي فَأَخْرُجُ حَتَّى جِئْتُ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ وَ فِي مَشْرُبَّةٍ لَهُ يرقى عَلَيْها بِعَجَلَةٍ، وَغُلامٌ لِرَسُولِ اللَّهِ وَِّ أَسْوَدُ عَلَى رَأْسِ الدَّرَجَةِ فَقُلْتُ لَهُ: قُلْ هذا عُمَّرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَأذِنَ لي قالَ عُمَرُ: فَقَصَصْتُ عَلَى رَسُولُ اللهِ وَلِّ هذَا الْحَديثَ فَلَمَّا بَلَغْتُ حَدِيثَ أُمّ سَلَمَةَ تَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ وَإِنَّهُ لَعَلى حَصيرٍ ما بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ شَيْءٌ، وَتَحْتَ رَأْسِهِ وِسَادَةٌ مِنْ أَدَمِ حَشْوُها لِيفٌ، وَإِنَّ عِنْدَ رِجْلَيْهِ قَرَظًا مَصْبُوبًا، وَعِنْدَ رَأْسِهِ أَهَبْ مُعَلَّقَةٌ، فَرَأيْتُ أَثَرَ الْحصيرِ في جِئْبِهِ فَبَكَيْتُ فَقالَ: ((ما يُبْكِيكَ))؟ فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله إنَّ كِسْرى وَقَيْصَرَ فيما هُما فِيهِ وَأَنْتَ رَسُولُ الله فَقالَ: ((أما تَرْضى أنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنا الآخِرَةُ». وبه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) بن يحيى بن عمرو الأويسي القرشي العامري المدني الأعرج قال: (حدثنا سليمان بن بلال) المدني (عن يحيى) بن سعيد الأنصاري (عن عبيد بن حنين) بضم العين والحاء مصغرين مولى زيد بن الخطاب (أنه سمع ابن عباس رضي الله عنهما يحدث أنه قال: مكثت سنة أريد أن أسأل عمر بن الخطاب) رضي الله عنه (عن آية فما أستطيع أن أسأله هيبة له) أي لأجل الهيبة الحاصلة له (حتى خرج حاجًّا فخرجت معه فلما رجعت) ولأبي ذر رجعنا (وكنا ببعض الطريق) وهو مرّ الظهران (عدل) عن الطريق المسلوكة الجادة منتهيًا (إلى) شجر (الأراك لحاجة له) كناية عن التبرّز (قال فوقفت له حتى فرغ) من حاجته (ثم سرت معه فقلت له يا أمير المؤمنين من اللتان تظاهرتا) أي تعاونتا (على النبي ◌َّلفر من أزواجه) الإفراط غيرتهما حتى حرم على نفسه ما حرم (فقال: تلك حفصة وعائشة قال: فقلت: والله إن كنت لأريد أن أسألك عن هذا منذ سنة فما أستطيع هيبة لك. قال: فلا تفعل ما ظننت أن عندي من علم فاسألني) عنه (فإن كان لي علم خبرتك به) بتشديد الموحدة من خبرتك (قال: ثم قال عمر: والله إن كنا في الجاهلية ما نعدّ للنساء أمرًا) أي شأنًا بحيث يدخلن المشورة قال الكرماني فإن قلت: إن ليست مخففة من الثقيلة لعدم اللام ولا نافية وإلا لزم أن يكون العدّ ثابتًا لأن نفي النفي إثبات وأجاب بأن ما تأكيد للنفي المستفاد منها (حتى أنزل الله فيهن ما أنزل) نحو قوله تعالى: ﴿وعاشروهن إرشاد الساري/ ج ١١/ م ١١ ١٦٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم بالمعروف﴾ [النساء: ١٩] (وقسم لهن ما قسم) نحو ﴿وعلى المولود له رزقهن وكسوتهن﴾ [البقرة: ٢٣٣] (قال: فبينا) بغير ميم (أنا في أمر أتأمره) أتفكر فيه (إذ قالت امرأتي لو صنعت كذا وكذا قال: فقلت لها: ما لك ولما هلهنا فيما) ولأبي ذر عن الكشميهني وفيم بواو من غير ألف وله عن الحموي والمستملي وما (تكلفك في أمر أريده فقالت لي عجبًا لك يا ابن الخطاب) من مقالتك هذه (ما تريد أن تراجع أنت) بفتح الجيم أي ترادد في الكلام (وإن ابنتك) تريد حفصة (التراجع رسول الله (3* حتى يظل يومه غضبان) غير مصروف (فقام عمر فأخذ رداءه مكانه) ثم نزل (حتى دخل على حفصة) ابنته وبدأ بها لمنزلتها منه (فقال لها: يا بنية إنك لتراجعين رسول الله حتى يظل يومه غضبان) وفي رواية عبيد الله بن أبي ثور عند المؤلف في باب الغرفة والعلية من المظالم فقلت أي حفصة أتغاضب إحداكن رسول الله وَّل قول اليوم حتى الليل (فقالت حفصة: والله إنّا لنراجعه) لنرادده في الكلام (فقلت: تعلمين إني أحذرك عقوبة الله وغضب رسوله ◌َ ليه يا بنية لا يغرّنك هذه التي أعجبها حسنها) بالرفع على الفاعلية (حب رسول الله ◌َّ إياها يريد عائشة) برفع حب بدل اشتمال من الفاعل وهو هذه والتي نعت. ووقع في رواية سليمان بن بلال عند مسلم أعجبها حسنها وحب رسول الله وَّر إياها بواو العطف فحمل بعضهم رواية الباب على أنها من باب حذف حرف العطف لثبوته في رواية مسلم وهو يردّ على تخصيص حذف حرف الجر بالشعر وضبطه بعضهم بالنصب على نزع الخافض. قال في المصابيح: يريد أنه مفعول لأجله والأصل لحب رسول الله وَّر ثم حذفت اللام فانتصب على أنه مفعول له ولا نزاع في جوازه والمعنى لا تغتري بكون عائشة تفعل ما نهيتك عنه فلا يؤاخذها بذلك فإنها تدل بحسنها وبحب النبي وّر لها فلا تغتري أنت بذلك لاحتمال أن لا تكوني عنده في تلك المنزلة فلا يكون لك من الإدلال مثل الذي لها وعند ابن سعد في رواية أخرى أنه ليس لك مثل حظوة عائشة ولا حسن زينب بنت جحش. (قال) عمر (ثم خرجت) من عند حفصة (حتى دخلت على أم سلمة لقرابتي منها) لأن أم عمر كانت مخزومية كأم سلمة وهي بنت عم أمه (فكلمتها) في ذلك (فقالت: أم سلمة عجبًا لك يا ابن الخطاب في كل شيء) من أمور الناس غالبًا (حتى تبتغي) أي تطلب (أن تدخل بين رسول الله وَ ل﴿ وأزواجه فأخذتني) منعتني أم سلمة بكلامها (والله أخذًا كسرتني) به (عن بعض ما كنت أجد) من الغضب (فخرجت من عندها وكان لي صاحب من الأنصار) هو أوس بن خولى كما نقله ابن بشكوال وقيل هو عتبان بن مالك (إذا غبت) عن مجلس رسول الله ◌َظهر (أتاني بالخبر) من الوحي وغيره (وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر) من الوحي وغيره (ونحن نتخوّف ملكًا من ملوك غسان) بفتح المعجمة وتشديد المهملة غير منصرف وهو جبلة بن الأيهم رواه الطبراني عن ابن عباس أو الحارث بن أبي شمر (ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا) ليغزونا (فقد امتلأت صدورنا منه) خوفًا (فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب) وفي النكاح فرجع إلينا عشاء (فضرب بابي) ضربًا ١٦٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم شديدًا (فقال افتح افتح) مرتين للتأكيد فخرجت إليه فقال حدث اليوم أمر عظيم (فقلت: جاء الغساني؟ فقال) لا: (بل أشد من ذلك) أي بالنسبة إلى عمر لمكان حفصة بنته (اعتزل رسول الله ◌َ﴿ أزواجه) وفي باب موعظة الرجل ابنته طلق رسول الله نساءه وإنما وقع الجزم بالطلاق المخالفة العادة بالاعتزال فظن الطلاق (فقلت: رغم أنف حفصة) بكسر الغين المعجمة وفتحها أي لصق بالرغام وهو التراب ولأبي ذر رغم الله أنف حفصة (وعائشة) وخصّهما بالذكر لكونهما كانتا السبب في ذلك (فأخذت ثوبي) بكسر الموحدة (فأخرج) من منزلي (حتى جئت فإذا رسول الله القوي في مشربة له) بفتح الميم وسكون المعجمة وضم الراء أي غرفة وفي المظالم والنكاح فجمعت عليّ ثيابي فصليت صلاة الفجر مع النبي ◌ّ ﴿ فدخل مشربة له (يرقى) بفتح الياء أو بضمها مبنيًّا للمفعول أي يصعد (عليها بعجلة) بفتح العين المهملة والجيم بدرجة (وغلام لرسول الله وَلقر أسود) هو رباح (على رأس الدرجة) قاعد (فقلت له: قل) لرسول الله وي ليه (هذا عمر بن الخطاب) يستأذن في الدخول فدخل الغلام واستأذنه عليه الصلاة والسلام (فأذن لي. قال عمر: فقصصت) لما دخلت (على رسول الله في هذا الحديث، فلما بلغت حديث أم سلمة تبسم رسول الله(صلير) ضحك بلا صوت (وإنه لعلى حصير ما بينه وبينه شيء وتحت رأسه وسادة من أدم حشوها ليف وإن عند رجليه) بالتثنية (قرظًا) بقاف وراء فظاء معجمة مفتوحات ورق السلم الذي يدبغ به (مصبوبًا) أي مسكوبًا ولأبي ذر مصبورًا بالراء بدل الموحدة أي مجموعًا من الصبرة وهي الكوم من الطعام (وعند رأسه أهب معلقة) بفتح الهمزة والهاء وبضمهما جمع إهاب جلد دبغ أم لم يدبغ أو قبل أن يدبغ (فرأيت أثر الحصير في جنبه) عليه الصلاة والسلام (فبكيت) لذلك (فقال): (ما يبكيك) يا ابن الخطاب (فقلت يا رسول الله إن كسرى وقيصر فيما هما فيه) من زينة الدنيا ونعيمها (وأنت رسول الله) المستحق لذلك لا هما (فقال) عليه الصلاة والسلام (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا) الفانية كزينتها ونعيمها (ولنا الآخرة) الباقية ولهم بضمير الجمع على إرادتهما ومن تعبهما أو كان على مثل حالهما. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وفي خبر الواحد واللباس ومسلم في الطلاق. ٣ - باب (بِسْم الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيَّ إلى بَعْضٍ أزْواجِهِ حَديثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ الله عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأها بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هذا قالَ نَبَّنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ﴾ [التحريم: ٣] النَّبِيِّ ◌َّد. (بسم الله الرحمن الرحيم). هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وإذ أسرّ النبي﴾) العامل فيه اذكر فهو مفعول به لا ظرف (﴿إلى بعض أزواجه﴾) حفصة (﴿حديثًا﴾) تحریم العسل أو مارية (﴿فلما نبأت به﴾) ١٦٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم فلما أخبرت حفصة عائشة ظنًّا منها أن لا حرج في ذلك (﴿وأظهره الله﴾) أطلعه (﴿عليه عرف بعضه﴾) لحفصة على سبيل العتب (﴿وأعرض عن بعض﴾) تكرمًا منه وحلمًا (﴿فلما نبأها به قالت من أنبأك هذا قال نبأني العليم الخبير﴾) [التحريم: ٣] وثبت لأبي ذر باب إلى قوله حديثًا وقال بعدهُ إلى الخبير وأصل نبأ وأنبأ وأخبر وخبر أن تتعدى إلى اثنين إلى الأول بنفسها والثاني بحرف الجر وقد يحذف الأول للدلالة عليه، وقد جاءت الاستعمالات الثلاث في هذه الآيات فقوله: فلما نبأت به تعدى لاثنين حذف أوّلهما والثاني مجرور بالباء أي نبأت به غيرها، وقوله: فلما نبأها به ذكرهما، وقوله: من أنبأك هذا ذكرهما وحذف الجار وسقط لفظ باب لغير أبي ذر إلى آخر حديثًا (فيه) أي في هذا الباب (عائشة عن النبي و #$) كما سبق في الباب الذي قبل من طريق عبيد بن عمير . ٤٩١٤ - حدثنا عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ قَالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ قالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهما يَقُولُ: أَرَدْتُ أنْ أسْألَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ فَقُلْتُ: يا أميرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنِ الْمَرْأتانِ اللَّتانِ تَظاهَرَتَا عَلى رَسُولِ اللهِ وَ ◌َّ، فَمَا أَتْمَمْتُ كَلامِي حَتَّى قالَ: عَائِشَةُ وَحَفْصَةُ. وبه قال: (حدّثنا علي) هو ابن المديني قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة قال: (حدّثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت عبيد بن حنين) بتصغيرهما (قال: سمعت ابن عباس رضي الله عنهما يقول: أردت أن أسأل عمر) زاد أبو ذر ابن الخطاب (رضي الله عنه) عن آية فمكثت سنة لا أستطيع أن أسأله هيبة له فحججت معه فلما رجعنا (فقلت) له (يا أمير المؤمنين مَن المرأتان اللتان تظاهرتا) تعاونتا (على رسول الله وَ(*) حتى حرم على نفسه ما حرم (فما أتممت كلامي حتى قال): هما (عائشة وحفصة) الحديث المسوق قبل بتمامه واختصره هنا. ٤ - باب قوله: ﴿إِنْ تَتُوبا إِلَى اللهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما﴾: صَغَوْتُ وَأَصْغَيْتُ مِلْتُ، لِتَصْغِى لِتَمِيلَ. ﴿وَإِنْ تَظَاهَرًا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللّه هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذلِكَ ظَهِيرٌ﴾ عَوْنٌ: تَظاهَرُونَ تَعاوَنُونَ. ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ﴾: وَقَالَ مُجاهِدٌ أوْصُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ بِتَقْوَى اللهَ وَأَدُبُوهُمْ. (باب قوله: ﴿إن تتوبا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين أي في قوله: ﴿إن تتوبا﴾ (﴿إلى الله﴾) خطاب حفصة وعائشة وجواب الشرط (﴿فقد صغت قلوبکما﴾) أي فقد وجد منکما ما يوجب التوبة وهو ميل قلوبكما عن الواجب من مخالصة الرسول بحب ما يحبه وكراهة ما يكرهه يقال: (صغوت) بالواو (وأصغيت) بالياء أي (ملت) فالأوّل ثلاثي والثاني مزيد فيه (لتصغى) في قوله: ﴿ولتصغى إليه أفئدة الذين لا يؤمنون بالآخرة﴾ [الأنعام: ١١٣] أي (لتميل) أو جواب الشرط ١٦٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة التحريم محذوف تقديره فذاك واجب عليكما أو فتاب الله عليكما وأطلق قلوب على قلبين لاستثقال الجمع بين تثنيتين فيما هُو كالكلمة الواحدة، واختلف في ذلك والأحسن الجمع ثم الإفراد ثم التثنية. وقال ابن عصفور لا يجوز الإفراد إلا في الضرورة (﴿وإن تظاهرا عليه﴾) بما يسوءه (﴿فإن الله هو مولاه﴾) ناصره وهو يجوز أن يكون فصلاً ومولاه الخبر وأن يكون مبتدأ ومولاه خبره والجملة خبران (﴿وجبريل﴾) رئيس الكروبيين (﴿وصالح المؤمنين﴾) أبو بكر وعمر وصالح مفرد لأنه كتب بالحاء دون واو الجمع وجوّزوا أن يكون جمعًا بالواو والنون حذفت النون للإضافة وكتب بلا واو اعتبارًا بلفظه لأن الواو سقطت للساكنين كيدع الداع (﴿والملائكة بعد ذلك ظهير﴾) [التحريم: ٤] أي (﴿عون﴾ تظاهرون) أي (تعاونون) وقوله وجبريل عطف على محل اسم إن بعد استكمال خبرها وحينئذٍ فجبريل وتاليه داخلان في ولاية الرسول عليه الصلاة والسلام وجبريل ظهير له لدخوله في عموم الملائكة والملائكة مبتدأ خبره ظهير ويجوز أن يكون الكلام تم عند قوله مولاه ويكون جبريل مبتدأ وما بعده عطف عليه وظهير خبره فتختص الولاية بالله ويكون جبريل قد ذكر في المعاونة مرتين مرة بالتنصيص ومرة في العموم وهو عكس قوله: ﴿من كان عدوًّا للَّهِ وملائكته ورسله وجبريل﴾ [البقرة: ٩٨] فإنه ذكر الخاص بعد العام تشريفًا له وهنا ذكر العام بعد الخاص ولم يذكر الناس إلا الأول قاله في الدرّ وسقط لأبي ذر من قوله صغوت إلى آخر قوله بعد ذلك ولغيره لفظ باب. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: ((قوا أنفسكم وأهليكم)) [التحريم: ٦] أي (أوصوا أنفسكم) بفتح الهمزة وسكون الواو بعدها صاد مهملة من الإيصاء (وأهليكم بتقوى الله وأدّبوهم) ولغير أبي ذر أوصوا أهليكم بتقوى الله وأذبوهم. ٤٩١٥ - حدّثنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيان، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعيدٍ قالَ: سَمِعْتُ عُبَيْدَ بْنَ حُنَيْنٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ: أَرَدْتُ أنْ أسْألَ عُمَّرَ عَنِ الْمَرْآتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَظاهَرَتا عَلى رَسُولِ اللهِ وَ فَمَكُثْتُ سَنَّةً فَلَمْ أَجِدَ لَهُ مَوْضِعًا حَتَّى خَرَجْتُ مَعَهُ حاجًّا فَلَمَّا كُنَّا بِظَهْرَانَ ذَهَبَ عُمَرُ لِحَاجَتِهِ فَقالَ: أدْرِكْنِي بِالْوَضُوءِ فَأدْرَكْتُهُ بِالإِدَاوَةِ فَجَعَلْتُ أسْكُبُ عَلَيْهِ وَرَأيْتُ مَوْضِعًا فَقُلْتُ يا أميرَ الْمُؤْمِنينَ مَنِ الْمَرْأتانِ اللَّتانِ تَظاهَرَتا قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: فَمَا أَتْمَمْتُ كَلامي حَتى قالَ عائِشَةُ وَحَفْصَةُ. قَوْلُهُ: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدْلَهُ أَزْواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتَاتٍ تائِباتٍ عابِداتٍ سائِحَاتٍ ثَيِّاتٍ وَأبْكارًا﴾ [التحريم: ٥]. وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير المكي قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدثنا يحيى بن سعيد) الأنصاري (قال: سمعت عبيد بن حنين) بتصغيرهما (يقول سمعت ابن عباس) رضي الله عنهما (يقول: أردت) ولأبي ذر كنت أريد (أن أسأل عمر) بن الخطاب رضي الله عنه (عن المرأتين اللتين تظاهرتا) تعاونتا (على رسول الله (وَلي) وسقط لأبي ذر ما بعد تظاهرتا ١٦٦ كتاب تفسير القرآن/ باب ٤ (فمكثت سنة فلم أجد له) أي للسؤال (موضعًا حتى خرجت معه حاجًّا فلما كنا بظهران) بفتح المعجمة وسكون الهاء وبالراء والنون بقعة بين مكة والمدينة غير منصرف حين رجعنا (ذهب عمر لحاجته) كناية عن التبرّز (فقال: أدركني بالوضوء) بفتح الواو أي بالماء (فأدركته بالإدارة) بكسر الهمزة المطهرة (فجعلت أسكب عليه) زاد أبو ذر عن الكشميهني الماء أي للوضوء (ورأيت موضعًا) للسؤال (فقلت: يا أمير المؤمنين مَن المرأتان اللتان تظاهرتا) على رسول الله من أزواجه (قال ابن عباس فما أتممت كلامي حتى قال) عمر: هما (عائشة وحفصة) وساق بقية الحديث واختصره هنا للعلم به من سابقه. (قوله: ﴿عسى﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله تعالى: عسى (﴿ربه إن طلقكن﴾) النبي ◌َ ﴿ (﴿أن يبدله أزواجا خيرًا منكن﴾) خبر عسى وطلقكن شرط معترض بين اسم عسى وخبرها وجوابه محذوف أو متقدم أي إن طلقكن فعسى وعسى من الله واجب ولم يقع التبديل لعدم وقوع الشرط (﴿مسلمات﴾) مقرّات بالإسلام (﴿مؤمنات﴾) مخلصات (﴿قانتات﴾) طائعات (﴿تائبات﴾) من الذنوب (﴿عابدات)) متعبدات أو متذللات لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام (﴿سائحات)) صائمات أو مهاجرات (﴿ثيبات﴾) جمع ثيب من تزوّجت ثم بانت (﴿وأبكارًا﴾) [التحريم: ٥] أي عذارى وقوله مسلمات الخ إما نعت أو حال أو منصوب على الاختصاص والثيب وزنها فعل من ثاب يثوب رجع لأنها ثابت بعد زوال عذرتها وأصلها ثيوب كسيد وميت أصلهما سيود وميوت فأعل الإعلال المشهور، وقال الزمخشري في كشافه وأخليت الصفات كلها عن العاطف ووسط بين الثيبات والأبكار لأنهما صفتان متنافيتان لا يجتمعن فيهما اجتماعهن في سائر الصفات فلم يكن بدّ من الواو . اهـ. وذهب القاضي الفاضل إلى أن هذه الواو واو الثمانية وتبجح باستخراجها وزيادتها على المواضع الثلاثة الواقعة في القرآن وهي ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولن خمسة سادسهم كلبهم رجّما بالغيب ويقولون سبعة ثامنهم كلبهم﴾ [الكهف: ٢٢] وآية الزمر إذ قيل فتحت في آية النار لأن أبوابها سبعة وفتحت في آية الجنة إذ أبوابها ثمانية وقوله: ﴿والناهون عن المنكر﴾ [التوبة: ١١٢] فإنه لوصف الثامن. قال ابن هشام: والصواب أن هذه الواو وقعت بين صفتين هما تقسيم لمن اشتمل على جميع الصفات السابقة فلا يصح إسقاطها إذ لا تجتمع الثيوبة والبكارة وواو الثمانية عند القائل بها صالحة للسقوط ثم إن أبكارًا صفة تاسعة لا ثامنة إذ أول الصفات خيرًا منكن لا مسلمات فإن أجاب: بأن مسلمات وما بعده تفصيل لخيرًا منكنّ، فلهذا لم تعدّ قسمة لها قلنا وكذلك ثيبات وأبكارًا تفصيل للصفات السابقة فلا نعدهما معهن. وفي معجم الطبراني الكبير عن بريدة قال: وعد الله نبيه وَ ل# في هذه الآية أن يزوّجه بالثيب آسية امرأة فرعون وبالبكر مريم بنت عمران وبدأ بالثيب قبل البكر لأن زمن آسية قبل مريم، أو ١٦٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة المُلك لأن أزواجه عليه الصلاة والسلام كلهم ثيب إلا عائشة. قيل: وأفضلهن خديجة فالتقديم من جهة قبلية الفضل وقبلية الزمان لأنه تزوّج الثيب منهن قبل البكر. وفي حديث ضعيف عند ابن عساكر عن ابن عباس أن النبي ◌َّله دخل على خديجة وهي في الموت فقال: ((يا خديجة إذا لقيت ضرائرك فأقرئيهن مني السلام)) فقالت: يا رسول الله وهل تزوّجت قبلي؟ قال: ((لا ولكن الله زوجني مريم بنت عمران وآسية امرأة فرعون وكلثم أخت موسى)). وروي نحوه بإسناد ضعيف من حديث أبي أمامة عند أبي يعلى وسقط لأبي ذر قوله مسلمات الخ. وقال بعد منكن الآية. ٤٩١٦ - حدّثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ الله عَنْهُ، قالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ: أَجْتَمَعَ نِساءُ النَّبِيِّ وَ لَّفِي الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُنَّ: ﴿عَسى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أنْ يُبَدْلَهُ أزواجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]. فَزَلَتْ هذِهِ الآيةُ. وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما الواسطي نزيل البصرة قال: (حدّثنا هشيم) بن بشير مصغرين (عن حميد) الطويل (عن أنس رضي الله عنه) أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (رضي الله عنه اجتمع نساء النبي وَ لهر في الغيرة عليه) بفتح الغين المعجمة (فقلت لهن) رضوان الله عليهن: (﴿عسى ربه إن طلّقكن أن يبدله أزواجا خيرًا منکن﴾ فنزلت هذه الآية) ولأبي ذر عن الكشميهني فقلت له أي النبي وَله: قال في الكشاف فإن قلت: كيف تكون المبدلات خيرًا منهن ولم يكن على وجه الأرض نساء خير من أمهات المؤمنين؟ وأجاب: بأنه عليه الصلاة والسلام إذا طلقهن لعصيانهن له وإيذائهن إياه لم يبقين على تلك الصفة وكان غيرهن من الموصوفات بهذه الأوصاف مع الطاعة لرسول الله و9َّ والنزول على هواه ورضاه خيرًا منهن، وقال في الأنوار: وليس في الآية ما يدل على أنه لم يطلق حفصة لأن تعليق طلاق الكل لا ينافي تطليق واحدة. وهذا الحديث سبق بتمامه في باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة. [٦٧] سُورَةُ ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكِ﴾ التَّقاوُتُ: الإِخْتِلافُ، وَالتَّفاوُتُ وَالتَّقَوَّتُ واحِدٌ. ﴿تَمَيَّزُ﴾: تَقَطَّعُ. ﴿مَناكِبِها﴾: جوانِها. ﴿تَدَّعُونَ﴾: وَتَدْعُونَ مِثْلَ تَذَكَّرُونَ وَتَذْكُرونَ. وَيَقْبِضْنَ: يَضْرِبْنَ بِأَجْنِحَتِهِنَّ. وَقَالَ مُجاهِدْ صافَّاتٍ: بَسْطُ أجْنِحَتِهِنَّ. ﴿وَنُفُورٍ﴾: الْكُفُورُ. ([٦٧] سورة ﴿تبارك الذي بيده الملك﴾) مكية وآيها ثلاثون ولغير أبي ذر سورة الملك وقوله (﴿تبارك﴾) أي تنزه عن صفات المحدثين و(﴿الذي بيده الملك)) [الملك: ١] بقبضة قدرته التصرف في الأمور كلها. ١٦٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة القلم (التفاوت) قال الفراء (الاختلاف والتفاوت) بالألف والتخفيف (والتفوت) بغير ألف والتشديد وبها قرأ حمزة والكسائي (واحد) في المعنى كالتعهد والتعاهد. (﴿تميز﴾) أي (تقطع) من الغيظ قال في الأنوار وهو تمثيل لشدة اشتعالها بهم ويجوز أن يراد غيظ الزبانية (﴿مناكبها﴾) في قوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ [الملك: ١٥] أي (جوانبها). قال في فتوح الغيب قوله: مناكبها استعارة تمثيلية أو تحقيقية لأن القصد الأرض أما ناحيتها أو جبالها فنسبة الذلول إليها ترشيح ونسبة المشي تجريد. قال الراغب: المنكب مجتمع ما بين العضد والكتف ومنه استعير للأرض المنكب في قوله تعالى: ﴿فامشوا في مناكبها﴾ كما استعير لها الظهر في قوله: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾ [فاطر: ٤٥]. (﴿تدعون﴾) بالتشديد في قوله تعالى: ﴿وقيل هذا الذي كنتم به تدعون﴾ [الملك: ٢٧] (وتدعون) بسكون الدال مخففًا وهي قراءة يعقوب زاد أبو ذر واحد (مثل تذكرون) بالتشديد (وتذكرون) بالتخفيف وقيل التشديد من الدعوى أي تدعون أنه لا جنة ولا نار وقيل من الدعاء أي تطلبونه وتستعجلونه وعلى التخفيف قيل إن الكفار كانوا يدعون على الرسول عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضي الله عنهم بالهلاك. (ويقبضن) أي (يضربن بأجنحتهن. وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله: (صافات) هو (بسط أجنحتهن) وسقط قوله ويقبضن إلى هنا لأبي ذر. (﴿ونفور﴾) في قوله تعالى: ﴿بل لجوا في عتوّ ونفور﴾ [الملك: ٢١] قال مجاهد هو (الکفور) فیما وصله عبد بن حميد. [٦٨] سُورَةُ نَ وَالْقَلَمِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمْنِ الرَّحيم). وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَتَخافَتُون: يَنْتَجُونَ السِّرارَ وَالْكَلامَ الْخَفِيَّ. وَقَالَ قَتادَةُ: حَرْدٍ جَدِّ فِي أَنْفُسِهِمْ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَضالُونَ: أَضْلَلْنا. مَكانَ جَنَّتِنا. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿كَالصَّرِيمٍ﴾: كَالصُّبْحِ أَنَّصَرَمَ مِنَ اللَّيْلِ وَاللَّيْلِ أَنَّصَرَمَ مِنَ النَّهارِ، وَهْوَ أيْضًا كُلِّ رَمْلَةٍ أَنَّصَرَمَتْ مِنْ مُعْظَمِ الرَّمْلِ. وَالصَّرِيمُ أَيْضًا الْمَصْرُومُ مِثْلُ قَتِيلٍ وَمَقْتُولٍ. ([٦٨] سورة نَ والقلم) مكية وآيها ثنتان وخمسون. (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر ونون من أسماء الحروف، وقيل اسم الحوت. وروى أبو جعفر عن ابن عباس أول ما خلق الله القلم قال: اكتب القدر فجرى بما يكون من ذلك اليوم إلى قيام الساعة، ثم خلق النون ورفع بخار الماء ففتقت منه السماء ١٦٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة القلم وبسطت الأرض على ظهر النون فاضطرب النون فمادت الأرض، وكذا رواه ابن أبي حاتم، وذكر البغوي وغيره أن على ظهر هذا الحوت صخرة سمكها كغلظ السموات والأرض وعلى ظهرها ثور له أربعون ألف قرن وعلى متنه الأرضون السبع وما فيهن وما بينهن فالله أعلم، والقلم هو الذي خط اللوح أو الذي يخط به وأقسم به لكثرة فوائده وجواب القسم الجملة المنفية. (وقال ابن عباس يتخافتون) من قوله فانطلقوا وهم يتخافتون أي (ينتجون) بفتح التحتية وسكون النون وفتح الفوقية بعدها جيم (السرار والكلام الخفي) وسقط هذا لغير أبي ذر (وقال قتادة حرد) بالجر ولأبي ذر بالرفع أي في قوله تعالى: ﴿وغدوا على حرد قادرين﴾ [القلم: ٢٥] أي (جد) بكسر الجيم (في أنفسهم) وقيل الحرد الغضب والحنق وقيل: المنع من حاردت الإبل انقطع لبنها والسنة قلّ مطرها قاله أبو عبيدة وقادرين حال من فاعل غدوا وعلى حرد متعلق به. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (الضالون) أي (اضللنا مكان جنتنا) فتُهنا عنها ثم لما رجعوا عما كانوا فيه وتيقنوا أنها هي قالوا بل نحن محرومون أي بل هي هذه ولكن لا حظ لنا ولا نصيب. (وقال غيره) أي غير ابن عباس (﴿كالصريم﴾) في قوله تعالى: ﴿فأصبحت كالصريم﴾ [القلم: ٢٠] أي (كالصبح انصرم) انقطع (من الليل والليل انصرم) انقطع (من النهار) فالصريم يطلق على الليل لسواده وعلى النهار وعلى الصبح فهو من الأضداد، وقال شمر: الصريم الليل والنهار لانصرام هذا عن ذاك وذاك عن هذا (وهو أيضًا كل رملة انصرمت) انقطعت (من معظم الرمل والصريم أيضًا المصروم مثل قتيل ومقتول) فعيل بمعنى مفعول وفي التفسير أي كالبستان الذي صرم ثماره بحيث لم يبق فيه شيء أو كالليل باحتراقها واسودادها أو كالنهار بابيضاضها من فرط اليس هذا. ١ - باب ﴿عُثُلٍ بِغْدَ ذلِكَ زَنيم﴾ (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: ((عتل﴾) غليظ جاف (﴿بعد ذلك زنيم﴾) [القلم: ١٣] أي دعيّ ينسب إلى قوم ليس منهم مأخوذ من زنمتي الشاة وهما المتدليتان من أذنها وحلقها فاستعير للدعي لأنه كالمعلق بما ليس منه وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٩١٧ - حدثنا مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسى عَنْ إِسْرائيلَ، عَنْ أبي حَصينٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما، ﴿عُثُلُ بَعْدَ ذلِكَ زَنيمِ﴾، قَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: لَهُ زَنَمَّةٌ مِثْلُ زَنَمَةِ الشّاةِ . وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمود) هو ابن غيلان العدوي مولاهم المروزي ولأبي ذر عن المستملي محمد قال الحافظ ابن حجر وكأنه الذهلي قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) ١٧٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة القلم بضم العين مصغرًا العبسي مولاهم الكوفي وهو شيخ المؤلف روى عنه بالواسطة وسقط لغير أبي ذر ابن موسى (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحق السبيعي (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن عاصم الأسدي (عن مجاهد) هو ابن جبر (عن ابن عباس رضي الله عنهما) في قوله تعالى: (﴿عتل بعد ذلك زنيم﴾ قال): هو (رجل من قريش) قيل هو الوليد بن المغيرة وقيل أسود بن عبد يغوث وقيل الأخنس بن شريق وليس هو عبد الرحمن بن الأسود فإنه يصغر عن ذلك (له زنمة) في عنقه (مثل زنمة الشاة) يعرف بها وقيل كان للوليد بن المغيرة ستة أصابع في كل يد أصبع زائدة. وهذا الحديث أخرجه النسائي في التفسير وعند ابن جرير عن سعيد بن جبير الزنيم الذي يعرف بالشر كما تعرف الشاة بزنمتها والزنيم الملصق وقال الضحاك كانت له زنمة في أصل أذنه مثل زنمة الشاة . ٤٩١٨ - حدّثنا أَبُو نُعَيْمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خالِدٍ، قَالَ سَمِعْتُ حَارِثَةَ بْنَ وَهُبِ الْخُزاعِيَّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وَّمَ يَقُولُ: ((ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ الْجَنَّةِ، كُلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعْفٍ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لأَبَرَّهُ ألا أُخْبِرُكُمْ بِأهْلِ النَّارِ كُلُّ عُثُلُ جَوَّاظٍ مُسْتَكْبِرٍ)). [الحديث ٤٩١٨ - أطرافه في: ٦٠٧١، ٦٦٥٧]. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن معبد بن خالد) بفتح الميم وسكون المهملة وفتح الموحدة الكوفي الجدلي بفتح الجيم والمهملة وتخفيف اللام (قال: سمعت حارثة بن وهب الخزاعي قال: سمعت النبي وَلثم يقول): (ألا أخبركم بأهل الجنة كل ضعيف متضعف) بكسر العين في الفرع كالأصل اليونيني أي متواضع خامل ويفتحها ضبطه الدمياطي وقال النووي إنه رواية الأكثرين وغلط ابن الجوزي من كسر أي يستضعفه الناس ويحتقرونه وعند أحمد من حديث حذيفة الضعيف المتضعف ذو الطمرين لا يؤبه له (لو أقسم على الله لأبرّه) أي لو حلف يمينًا طمعًا في كرم الله بإبراره أو لو دعاه لأجابه (ألا أخبركم بأهل النار كل عتلّ) فظ غليظ أو شديد الخصومة أو الفاحش الآثم أو الغليظ العنيف أو الجموع المنوع أو القصير البطن (جوّاظ مستكبر) بفتح الجيم والواو المشددة آخره ظاء معجمة الكثير اللحم المختال في مشيته وقيل الفاجر وقيل الأكول والمراد كما قاله الكرماني وغيره أن أغلب أهل الجنة هؤلاء كما أن أغلب أهل النار القسم الآخر وليس المراد الاستيعاب في الطرفين. وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الأدب والنذور ومسلم في صفة الجنة والترمذي في صفة جهنم أعاذنا الله منها بمنّه وكرمه والنسائي في التفسير وابن ماجة في الزهد. ١٧١ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحاقّة ٢ - باب ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿يوم يكشف عن ساق﴾) [القلم: ٤٢] هو عبارة عن شدة الأمر يوم القيامة للحساب والجزاء يقال كشفت الحرب عن ساق إذا اشتد الأمر فيها فهو كناية إذ لا كشف ولا ساق وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٩١٩ - حدثنا آدَمُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ خالدِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ سَعيدِ بْنِ أبِي هِلالٍ، عَنْ زَيْدَ بْنِ أسْلَمَ عَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ عَنْ أبي سَعيدٍ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: سَمِعْتُ النَّبِيِّ وٍَّ يَقُولُ: ((يَكْشِفُ رَبُّنا عَن ساقِهِ، فَيَسْجُدُ لَهُ كُلُّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ، وَيَبْقى مَنْ كَانَ يَسْجُدُ فِي الدُّنْيا رِياءً وَسُمْعَةً، فَيَذْهَبُ لِيَسْجُدَ فَيَعُودُ ظَهْرُهُ طَبقًا واحِدًا)) . وبه قال: (حدّثنا آدم) ابن أبي إياس قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن خالد بن يزيد) من الزيادة السكسكي الجمحي الإسكندراني (عن سعيد بن أبي هلال) الليثي المدني (عن زيد بن أسلم) مولى عمر بن الخطاب (عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد) سعد بن مالك الأنصاري الخدري (رضي الله عنه) أنه (قال: سمعت النبي وَلخير يقول): (يكشف ربنا عن ساقه) في حديث أبي موسى عن النبي بَّر أنه قال: عن نور عظيم رواه أبو يعلى بسند فيه ضعف وعن قتادة فيما رواه عبد الرزاق عن شدّة أمر وعن ابن عباس عند الحاكم قال هو يوم كرب وشدّة وأخرج الإسماعيلي من طريق حفص بن ميسرة عن زيد بن أسلم يكشف عن ساق قال الإسماعيلي هذه أصح لموافقتها لفظ القرآن والله تعالى يتعالى عن شبه المخلوقين (فيسجد له) تعالى (كل مؤمن ومؤمنة) متلذذين لا على سبيل التكليف (ويبقى من) ولأبي ذر فيبقى كل من (كان يسجد في الدنيا رياء) ليراه الناس (وسمعة) ليسمعوه (فيذهب ليسجد) ولأبي ذر يسجد (فيعود ظهره طبقًا واحدًا) بفتح الطاء المهملة والموحدة لا ينثني للسجود ولا ينحني له قال الهروي يصير فقارة واحدة كالصفيحة فلا يقدر على السجود. ومباحث هذا تأتي إن شاء الله تعالى في حديث الشفاعة بعون الله ومنّه. [٦٩] سُورَةُ الْحَاقَّةِ ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمْنِ الرَّحيم﴾. ﴿عِيشَةٍ راضِيَةٍ﴾: يُريدُ فيها الرِّضا. ﴿الْقَاضِيَةَ﴾: الْمَوْتَةَ الأُولَى الَّتِيَ مُتُّهَا ثُمَّ أحيا بَعْدَها. ﴿مِنْ أحَدٍ عَنْهُ حاجزِينَ﴾: أحَدٌ يَكُونُ لِلْجَمْعِ وَلِلْواحِدٍ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ ﴿الْوَتينُ﴾: نِيَاطُ الْقَلْبِ. قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿طَغَى﴾: كَثُرَ وَيُقالُ بِالطَّاغِيَةِ بِطُغْيَانِهِمْ وَيُقالُ طَغَتْ عَلَى الْخُزَّانِ كَمَا طَغَى الْمَاءُ عَلى قَوْمِ نُوحٍ. ١٧٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحاقة والمعارج ([٦٩] سورة الحاقة) مکیة وآیها إحدى وخمسون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر. (﴿عيشة راضية): يريد فيها الرضا). ولأبي ذر والنسفي وقال سعيد بن جبير عيشة الخ. (﴿القاضية﴾) ولأبي ذر القاضية (الموتة الأولى التي متّها ثم أحيا) ولأبي ذر لم أحي (بعدها) قاله: الفراء ورواية أبي ذر أوجه إذ مراده أنها تكون القاطعة لحياته فلا يبعث بعدها. (﴿من أحد عنه حاجزين﴾) [الحاقة: ٤٧] قال الفراء: (أحد يكون للجمع وللواحد) ولأبي ذر للجميع والواحد ومراده أن أحدًا في سياق النفي بمعنى الجمع فلذا قال حاجزين بصيغة الجمع وضمير عنه للنبي څر. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿الوتين﴾: نياط القلب) وهو عرق متصل به إذا انقطع مات صاحبه. (قال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿طغى﴾) أي (كثر) الماء حتى علا فوق الجبال وغيرها زمن الطوفان خمسة عشر ذراعًا. (ويقال بالطاغية) أي (بطغيانهم) قاله أبو عبيدة وزاد وكفرهم (ويقال: طغت) أي الريح (على الخزان) بضم الخاء وفي اليونينية بفتحها فخرجت بلا ضبط فأهلكت ثمود (كما طغى الماء على قوم نوح) عليه السلام. [٧٠] سُورَةٌ ﴿سَأَلَ سائِلٌ﴾ الْفَصِيلَةُ: أصْغَرُ آبَائِهِ الْقُرْبِى إِلَيْهِ يَنْتَمِي مَنِ أَنْتَمى. ﴿لِلشَّوَى﴾: الْيَدَانِ وَالرِّجْلانِ وَالأَطْرافُ وَجِلْدَةُ الرَّأْسِ يُقالُ لَهَا شَواةٌ وَما كانَ غَيْرَ مَقْتَل فَهُوَ شَوَى. وَالْعِزُونَ: الْجَماعاتُ وَواحِدُها عِزَّةٌ. ([ ٧٠] سورة ﴿سأل سائل﴾) مكية وآيها أربع وأربعون (الفصيلة) ولأبي ذر والفصيلة (أصغر آبائه القربى) الذي فصل عنه (إليه ينتمي من انتمى) قاله الفراء. وفي نسخة وهي لأبي ذر ينتهي بالهاء بدل ينتمي بالميم، وسقط لأبي ذر قوله من انتمى. (﴿للشوى﴾) أي (اليدان والرجلان والأطراف وجلدة الرأس يقال لها شواة) وقيل الشوى جلد الإنسان (وما كان غير مقتل فهو شوى) قاله الفراء (والعزون الجماعات) ولأبي ذر عزين وله أيضًا العزون حلق بكسر الحاء المهملة وفتح اللام وجماعات وله أيضًا الحلق والجماعات (وواحدها) ولأبي ذر واحدتها (عزة) وكانوا يتحلقون حلقًا ويقولون استهزاء بالمسلمين لئن دخل هؤلاء الجنة لندخلنها قبلهم. ١٧٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة نوح [٧١] سُورَةُ ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا﴾ أطْوارًا طَوْرًا كَذا وَطَوْرًا كَذا يُقالُ عَدَا طَوْرَهُ أنيْ قَدْرَهُ. وَالْكُبَّارُ أَشَدُّ مِنَ الْكُبَارِ وَكَذلِكَ جُمَّالٌ وَجَميلٌ لأنَّها أشَدُّ مُبالَغَةٌ وكُبَارٌ الْكَبِيرُ وَكُبارًا أيْضًا بِالتَّخْفِيفِ وَالْعَرَبُ تَقُولُ رَجُلٌ حُسَّانٌ وَجُمَّالٌ وَحُسانٌ مُخَفَّفْ وَجُمالٌ مُخَفَّفٌ. دَيَّارًا مِنْ دَوْرٍ وَلكِنَّهُ فَيْعالٌ مِنَ الدَّوَرانِ كَمَا قَرَأْ عُمَرُ الْحَيُّ الْقَيَّامُ وَهْيَ مِنْ قُمْتُ وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿َيَّارًا﴾: أَحَدًا. ﴿تَبارًا﴾: هَلاكًا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿مِذْرارًا﴾: يَتْبَعُ بَعْضُها بَعْضًا. ﴿وَقَارًا﴾: عَظَمةً. ([٧١] سورة ﴿إِنَّا أرسلنا﴾) مکیة وآیها تسع أو ثمان وعشرون ولأبي ذر سورة نوح. (أطوارًا) أي (طورًا كذا وطورًا كذا) وقال قتادة فيما رواه عبد الرزاق أطوارًا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم خلقًا والنصب على الحال أي منتقلين من حال إلى حال أو مختلفين من بين مسيء ومحسن وصالح وطالح (يقال عدا طوره أي قدره) أي تجاوزه. (والكبار) بتشديد الموحدة (أشد) أي أبلغ في المعنى (من الكبار) بتخفيفها (وكذلك جمال) بضم الجيم وتشديد الميم (وجميل) المخفف (لأنها) يعني المشددة (أشد مبالغة) من المخففة (وكبارًا) ولأبي ذر وكذلك كبار (الكبير وكبار أيضًا بالتخفيف) فيهما وسقط وكبار أيضًا لأبي ذر (والعرب تقول رجل حسان وجمال) بضم أولهما وتشديد ثانيهما (وحسان مخفف وجمال مخفف) قاله أبو عبيدة . (ديارًا) مشتق (من دور) بفتح الدال وسكون الواو (ولكنه فيعال) بفتح الفاء وسكون التحتية (من الدوران) لأن أصله ديوار فأبدلت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ولو كان فعالاً بتشديد العين لكان دوّارًا (كما قرأ عمر بن الخطاب (الحي القيام وهي من قمت) لأن أصله قيوام فلا يقال وزنهُ فعال بل فيعال كما في الديار (وقال غيره) لم يتقدم ذكر أحد فيعطف عليه ولعله سقط من ناسخ (ديارًا أحدًا) قاله أبو عبيدة (تبارًا هلاكًا) قاله أبو عبيدة أيضًا. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (مدرارًا يتبع بعضها) ولأبي ذر بعضه (بعضًا). (وقارًا) أي (عظمة) قاله ابن عباس أيضًا فيما وصله سعيد بن منصور وابن أبي حاتم. ١ - باب ﴿وَدَّا وَلا سُواعًا وَلا يَغُوثَ وَيَعُوقَ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿ودًّا ولا سواعًا ولا يغوث ويعوق﴾) [نوح: ٢٣] ضم واو ودًا نافع وفتحها غيره ونون يغوثًا ويعوقًا المطوعي للتناسب ومنع صرفهما الباقون للعلمية والعجمة أو للعلمية والوزن إن کانا عربیین وثبت الباب وتأليه لأبي ذر. ١٧٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة نوح ٤٩٢٠ - حدثنا إبراهيمُ بْنُ مُوسى، أخْبَرَنا هِشامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَالَ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما: صارَتِ الأوثانُ الَّتي كانَتْ في قَوْمِ نُوحِ فِي الْعَرَبِ بَعْدُ، أمَّا وَدُّ كانَتْ لِكَلْبٍ بِدَوْمَةِ الْجَنْدَلِ، وَأَمَّا سُواعْ كانَتْ لِهُذَيْلٍ، وَأَمَّا يَغُوثُ فَكَانَتِ لِمُرادٍ، ثُمَّ لِبَنِي غُطَيْفٍ بِالْجَوْفِ عِنْدَ سَبَأْ. وَأمَّا يَعُوقُ فَكَانَتْ لِهَمْدَانَ. وَأمَّا نَسْرٌ فَكانَتْ لِحِمْيَرَ، لِآَلِ ذِي الْكَلاعِ، أسْماءُ رِجالٍ صالِحِينَ مِنْ قَوْمِ نُوحِ. فَلَمَّا هَلَكُوا أوْحى الشَّيْطانُ إلى قَوْمِهِمْ أنِ انْصِبُوا إلى مَجالِسِهِمُ الَّتي كانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوها بِأسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا. فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إذا هَلَكَ أُولِئِكَ وَتَتَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني الإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام) هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريح) عبد الملك بن عبد العزيز (وقال عطاء) هو الخراساني وهو معطوف على محذوف بينه الفاكهاني من وجه آخر عن ابن جريج قال في قوله تعالى: ﴿ودَّا ولا سواءًا﴾ [نوح: ٢٣] الآية. قال أوثان كان قوم نوح يعبدونها وقال عطاء (عن ابن عباس رضي الله عنهما) لكن عطاء لم يسمع من ابن عباس وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني إنما أخذ الكتاب من ابنه عثمان فنظر فيه لكن البخاري ما أخرجه إلا أنه من رواية عطاء بن أبي رباح لأن الخراساني ليس على شرطه ولقائل أن يقول هذا ليس بقاطع في أن عطاء المذكور هو الخراساني فيحتمل أن يكون هذا الحديث عند ابن جريج عن الخراساني وابن أبي رباح جميعًا قال في المقدمة وهذا جواب إقناعي وهذا عندي من المواضع العقيمة عن الجواب السديد ولا بد للجواد من كبوة (صارت الأوثان) بالمثلثة جمع وثن (التي كانت في قوم نوح) يعبدونها (في العرب بعد) فعبدوها وكانت غرقت في الطوفان فلما نضب الماء عنها أخرجها إبليس فبئها في الأرض (أما ودّ كانت لكلب) هو ابن وبرة من قضاعة (بدومة الجندل) بفتح الدال من دومة ولأبي ذر دومة بضمها والجندل بفتح الجيم وسكون النون مدينة من الشام مما يلي العراق (وأما سواع كانت لهذيل) بضم الهاء وفتح الذال المعجمة مصغرًا ابن مدركة بن إلياس بن مضر وكانوا بقرب مكة (وأما يغوث فكانت) بالفاء قبل الكاف (لمراد) بضم الميم وتخفيف الراء أبي قبيلة من اليمن (ثم لبني غطيف) بضم الغين المعجمة وفتح الطاء المهملة وبعد التحتية الساكنة فاء مصغرًا بطن من مراد (بالجوف) بفتح الجيم وبعد الواو فاء المطمئن من الأرض أو واد باليمن ولأبي ذر عن الكشميهني بالجرف بالراء المضمومة بدل الواو وضم الجيم (عند سبأ) مدينة بلقيس وسقط عند سبأ لأبي ذر (وأما يعوق فكانت لهمدان) بسكون الميم وبالدال المهملة قبيلة (وأما نسر فكانت لحمير) بكسر الحاء المهملة وسكون الميم وبعد التحتية المفتوحة راء (لآل ذي الكلاع) بفتح الكاف آخره عين مهملة اسم ملك من ملوك اليمن (أسماء رجال) أي هذه الخمسة أسماء رجال ولأبي ذر ونسر أسماء رجال أي نسر وأخواته أسماء رجال (صالحين من قوم نوح فلما هلكوا) أي الرجال الصالحون (أوحى الشيطان إلى قومهم أن انصبوا) بكسر الصاد المهملة (إلى مجالسهم التي كانوا ١٧٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة الجنّ يجلسون) فيها (أنصابًا) جمع نصب ما نصب لغرض (وسموها بأسمائهم ففعلوا) ذلك (فلم تعبد) تلك الأنصاب (حتى إذا هلك أولئك) الذين نصبوها (وتنسخ) بفتح الفوقية والنون والمهملة المشددة والخاء المعجمة من تفعل أي تغير (العلم) بها وزالت المعرفة بحالها ولأبي ذر عن الكشميهني ونسخ بنون مضمومة فمهملة مكسورة مبنيًّا للمفعول (عبدت) بعد ذلك. [٧٢] سُورَةُ ﴿قُلْ أُوْحِيَ إِلَيَّ﴾ ١ - باب قالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لِيَدًا أعْوانًا ([٧٢] سورة ﴿قل أُوحِي إِلَي﴾) مکیة وآیها ثمان وعشرون وسقط لأبي ذر إليّ. (قال ابن عباس) فیما وصله ابن أبي حاتم (لبدًا) بكسر اللام ولأبي ذر بضمها وهي قراءة هشام. (أعوانًا) جمع عون وهو الظهير. ٤٩٢١ - حدثنا مُوسَى بْنُ إسْماعيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةَ عَنْ أبي بِشْرٍ، عَنْ سَعيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَنْطَلَقَ رَسُولُ اللهِ وََّ فِي طَائِفَةٍ مِنْ أصْحابِهِ عامِدينَ إلى سُوقِ عُكَاظِ، وَقَدْ حيلَ بَيْنَ الشَّيَاطِينِ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْهِمْ الشُّهُبُ فَرَجَعَتِ الشَّيَاطِينُ، فَقالُوا: ما لَكُمْ؟ قالوا: حيلَ بَيْتَنا وَبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، وَأُرْسِلَتْ عَلَيْنَا الشُّهُبُ، قالَ: ما حالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرَ السَّماءِ إلاَّ ما حَدَثَ، فَاضْرِبُوا مَشارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبَها فَانْظُرُوا ما هذا الأمرُ الَّذي حَدَث؟ فَانْطَلَقُوا فَضَرَبُوا مَشارِقَ الأرْضِ وَمَغارِبَها يَنْظُرُونَ ما هذا الأمْرُ الَّذِي حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَبَرٍ السَّماءِ؟ قالَ: فَانْطَلَقَ الَّذِينَ تَوَجَّهُوا نَحْوَ تِهامَةَ إلى رَسُولِ اللهِ وَ هَ بِنَخْلَةَ وَهْوَ عامِدٌ إلى سُوقٍ ◌ُكاظٍ وَهْوَ يُصَلّي بِأَصْحابِهِ صَلاةَ الْفَجْرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا الْقُرْآنَ تَسَمَّعُوا لَهُ، فَقالُوا: هذَا الَّذِي حالَ بَيْتَكُمْ وَبَيْنَ خَبَرِ السَّماءِ، فَهُنالِكَ رَجَعُوا إِلى قَوْمِهِمْ فَقالُوا: يَا قَوْمَنا، إنَّا سَمِعْنا قُرْآنًا عَجَبًا يَهْدي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ. وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنا أَحَدًا. وَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ عَلى نَبِّهِ وَهِ ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنْ﴾ [الجن: ١] وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ قَوْلُ الجِنِّ. وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح اليشكري (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية الواسطي البصري (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه (قال: انطلق رسول الله جل* في طائفة من أصحابه عامدين) قاصدين (إلى سوق عكاظ) بضم العين المهملة وفتح الكاف المخففة وبعد الألف معجمة بالصرف وعدمه موسم معروف للعرب من أعظم مواسمهم وهو نخل في واد بين مكة والطائف يقيمون به شوّالاً كله يتبايعون ويتفاخرون وكان ذلك لما خرج عليه الصلاة والسلام إلى ١٧٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة المزّمّل الطائف، ورجع منها سنة عشر من المبعث لكن استشكل قوله في طائفة من أصحابه لأنه لما خرج إلى الطائف لم يكن معه من أصحابه إلا زيد بن حارثة وأجيب بالتعدد أو أنه لما رجع لاقاه بعض أصحابه في أثناء الطريق. (وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء وأرسلت عليهم الشهب) بضمتين جمع شهاب، والذي تظاهرت عليه الأخبار أن ذلك كان أول المبعث وهو يؤيد تغاير زمان القصتين وأن مجيء الجن لاستماع القرآن كان قبل خروجه عليه الصلاة والسلام إلى الطائف بسنتين ولا يعكر عليه قوله إنهم رأوه يصلي بأصحابه صلاة الصبح لأنه كان عليه الصلاة والسلام يصلي قبل الإسراء صلاة قبل طلوع الشمس وصلاة قبل غروبها. (فرجعت الشياطين) إلى قومهم (فقالوا) لهم (ما لكم؟ قالوا) ولغير أبي ذر فقالوا: (حيل بيننا وبين خبر السماء وأرسلت علينا الشهب قال) إبليس بعد أن حدّثوه بالذي وقع ولأبي ذر فقال: (ما حال بينكم وبين خبر السماء إلا ما حدث) لأن السماء لم تكن تحرس إلا أن يكون في الأرض نبي أو دين الله ظاهر قاله السدي (فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها) أي سيروا فيها (فانظروا ما هذا الأمر الذي حدث فانطلقوا فضربوا مشارق الأرض ومغاربها ينظرون ما هذا الأمر الذي حال بينهم وبين خبر السماء. قال: فانطلق) الشياطين (الذين توجهوا نحو تهامة) بكسر الفوقية وكانوا من جن نصيبين (إلى رسول الله ﴿ بنخلة) بفتح النون وسكون الخاء المعجمة غير منصرف للعلمية والتأنيث موضع على ليلة من مكة (وهو) عليه الصلاة والسلام (عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر فلما سمعوا القرآن) منه عليه الصلاة والسلام (تسمعوا له) بتشديد الميم أي تكلفوا سماعه (فقالوا: هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنّا سمعنا قرآنًا عجبًا) يتعجب منه في فصاحة لفظه وكثرة معانيه (يهدي إلى الرشد) الإيمان والصواب (فآمنا به) بالقرآن (ولن نشرك) بعد اليوم (بربنا أحدًا. وأنزل عز وجل على نبيه #﴿ ﴿قل أُوحي إلي أنه استمع﴾) لقراءتي (﴿نفرٌ من الجن﴾) [الجن: ١] ما بين الثلاثة إلى العشرة. قال ابن عباس: (وإنما أوحي إليه) وَّ ر (قول الجن) لقومهم إنّا سمعنا الخ وزاد الترمذي. قال ابن عباس وقول الجن لقومهم لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون بصلاته يسجدون بسجوده قال فعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم ذلك، وظاهره أنه عليه الصلاة والسلام لم يرهم ولم يقرأ عليهم، وإنما اتفق حضورهم وهو يقرأ فسمعوه فأخبر الله بذلك رسوله. وهذا الحديث سبق في باب الجهر بقراءة صلاة الفجر من كتاب الصلاة. [٧٣] سُورَةُ الْمُؤَّمُّلِ وَقَالَ مُجاهِدٌ وَتَبَثَّلْ: أخْلِصْ. وَقالَ الْحَسَنُ ﴿أَنْكالاً﴾: قُيُودًا. ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾: مُثَقَّلَةٌ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿كَثيبًا مَهِيلاً﴾: الرَّمْلُ السَّائِلُ. ﴿وَبِيلاً﴾: شديدًا. ١٧٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة المزّمّل والمدثر ([٧٣] سورة المزمل) مكية وآيها تسع عشرة أو عشرون ولأبي ذر زيادة والمدثّر. (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي (وتبتل) أي (أخلص) وقال غيره: انقطع إليه (وقال الحسن) البصري فيما وصله عبد بن حميد (﴿أنكالاً﴾) أي (قيودًا) واحدها نكل بكسر النون. ((منفطر به﴾) أي (مثقلة به) وفي اليونينية مثقلة بالتخفيف قاله الحسن أيضًا فيما وصله عبد بن حميد والتذكير على تأويل السقف والضمير لذلك اليوم (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم: (﴿كثيبًا مهيلاً﴾ الرمل السائل) بعد اجتماعه (﴿وبيلاً﴾) أي (شديدًا) قاله ابن عباس فيما وصله الطبري. [٧٤] سُورَةُ الْمُدَثِّرِ (بِسْمِ الله الرَّحْمْنِ الرَّحيمِ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿عَسيرٌ﴾: شَدِيدٌ. ﴿قَسْوَرةٍ﴾: رِكْزُ النَّاسِ وَأَصْواتُهُمْ. وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: الأسَدُ وَكُلُّ شَديدٍ قَسْوَرَةٌ. ﴿مُسْتَثْفِرَةٌ﴾: نافِرَةٌ مَذْعُورَةٌ. ([٧٤] سورة المدثر) مكية وآيها ست وخمسون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر. (قال ابن عباس): فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿عسير﴾) أي (شديد) عن زرارة بن أوفى قاضي البصرة أنه صلى بهم الصبح فقرأ هذه السورة فلما وصل إلى هذه الآية شهق شهقة ثم خرّ میتًا . (﴿قسورة﴾) ولأبي ذر بالرفع (أي (ركز الناس) بكسر الراء آخره زاي أي حسّهم (وأصواتهم) وصله سفيان بن عيينة في تفسيره عن ابن عباس (وقال أبو هريرة): فيما وصله عبد بن حميد (الأسد وكل شديد قسورة) وعند النسفي وقسور وزاد في اليونينية يقال ولأبي ذر عسير شديد قسورة ركز الناس وأصواتهم وكل شديد قسورة. قال أبو هريرة: القسورة قسور الأسد الركز الصوت. (﴿مستنفرة﴾) أي (نافرة مذعورة) بالذال المعجمة قاله أبو عبيدة. ١ - باب ٤٩٢٢ - حدثنا يَخْيئُ، حَدَّثَنَا وَكيعٌ عَنْ عَلِيِّ بْنِ المبارك، عن يحيى بن أبي كثيرٍ، سَألْتُ أبا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ أوَّلِ ما نَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ قالَ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ﴾ [المدثر: ١] قُلْتُ: إرشاد الساري/ ج ١١/ م ١٢ ١٧٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة المدثر يَقُولُونَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقِ﴾ [العلق: ١] فَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: سَأَلْتُ جابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُما، عَنْ ذلِكَ وَقُلْتُ لَهُ مِثْلَ الَّذِي قُلْتَ، فَقالَ جابِرٌ: لا أُحَدِّثُكَ إلاَّ ما حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ وَالّ قال: ((جاوَرْتُ بِحِراءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِواري هَبَطْتُ، فَنُودِيتُ، فَنَظَرْتُ عَنْ يَميني فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ عَنْ شِمالِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ أمامي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، وَنَظَرْتُ خَلْفِي فَلَمْ أَرَ شَيْئًا، فَرَفَعْتُ رَأْسي فَرَأيْتُ شَيْئًا. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ: دَثْرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا، قَالَ فَدَثَّرُوني وَصَبُّوا عَلَيَّ ماءٌ بارِدًا، فَزَلَتْ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثْرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِرْ﴾ [المدثر: ١ -٣])). وبه قال: (حذّثنا) ولأبي ذر: حدّثني (يحيى) هو ابن موسى البلخي أو ابن جعفر قال: (حدّثنا وكيع) هو ابن الجراح (عن علي بن المبارك) الهنائي بضم الهاء وبالنون الخفيفة (عن يحيى بن أبي كثير) بالمثلثة أنه قال: (سألت أبا سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن أول ما نزل من القرآن؟ قال: ﴿يا أيها المدثر﴾ قلت: يقولون: ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله) الأنصاري (رضي الله عنهما عن ذلك وقلت له مثل الذي قلت، فقال جابر: لا أحدّثك إلا ما حدّثنا رسول الله وَالفجر قال): (جاورت) أي اعتكفت (بحراء) بالصرف (فلما قضيت جواري) بكسر الجيم أي اعتكافي (هبطت) من الجبل الذي فيه الغار (فنوديت فنظرت عن يميني فلم أر شيئًا ونظرت أمامي فلم أر شيئًا ونظرت خلفي فلم أر شيئًا فرفعت رأسي فرأيت شيئًا) وفي باب كيف كان بدء الوحي فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض فرعبت منه (فأتيت خديجة فقلت دثروني) أي غطّوني (وصبوا على ماءً باردًا قال: فدثروني وصبوا علّ ماءً باردًا) قال: (فنزلت: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبّر﴾) [المدثر: ١- ٣] وليس في هذا الحديث أن أول ما نزل: ﴿يا أيها المدثر﴾ وإنما استخرج ذلك جابر باجتهاده وظنه لا يعارض الحديث الصحيح الصريح السابق أول هذا الجامع أنه ﴿اقرأ﴾ . ٢ - باب قَوْلُهُ: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ (باب قوله: ﴿قم فأنذر﴾) أي خوّف أهل مكة النار إن لم يؤمنوا، وسقط هذا لأبي ذر. ٤٩٢٣ - حدثني مُحَمَّدٌ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّحْمْنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَغَيْرُهُ قالا: حَدَّثَنَا حَرْبُ بْنُ شَدَّادٍ عَنْ يَخْيَى بْنِ أبِي كَثِيرٍ عَنْ أبي سَلَمَةً عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُما، عَنِ النَّبِيِّ وَِّ قال: ((جاوَزْتُ بِحِراءٍ) مِثْلَ حَديثِ عُثْمانَ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمُبارَكِ. ﴿وَرَبَّكَ فَكَبُرْ﴾ . وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والشين المعجمة العبدي البصري بندار قال: (حدّثنا عبد الرحمن بن مهدي) العنبري مولاهم (وغيره) هو أبو داود ١٧٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة المدثر الطيالسي كما في مستخرج أبي نعيم (قالا: حدّثنا حرب بن شداد) بالشين المعجمة وتشديد الدال المهملة وحرب بفتح الحاء المهملة وسكون الراء آخره موحدة (عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة) بن عبد الرحمن (عن جابر بن عبد الله) وسقط ابن عبد الله لأبي ذر (رضي الله عنهما عن النبي (وَ ل ◌ِ قال): (جاورت بحراء مثل حديث عثمان بن عمر) البصري (عن علي بن المبارك) ولم يخرج المؤلف رواية عثمان المذكور التي أحال عليها وهي عند محمد بن بشار شيخ المؤلف فيه أخرجه أبو عروبة في كتاب الأوائل قال: حدّثنا محمد بن بشار، حدّثنا عثمان بن عمر، أنبأنا علي بن المبارك قاله في فتح الباري. (﴿وربك فكبّر﴾) وصفه بالكبرياء ولأبي ذر باب قوله وربك فكبر. ٤٩٢٤ - حدّثنا إسْحُقُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ، حَدَّثَنَا حَرْبٌ، حَدَّثَنَا يَحْيِى قالَ سَألْتُ أبا سَلَمَةَ أيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلُ؟ فَقالَ: ﴿يا أيُّهَا الْمُدَّثِرُ﴾ فَقُلْتُ أُنْبِثْتُ أَنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ فَقالَ أبو سَلَمَةَ: سَألْتُ جابِرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَيُّ الْقُرْآنِ أُنْزِلَ أوَّلَ؟ فَقَالَ: ﴿يَا أيُّها الْمُدَّثِرُ﴾ فَقُلْتُ: أُنْبِئْتُ أنَّهُ ﴿اقْرَأْ بِاسْم رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] فَقالَ: لا أُخْبِرُكَ إلاَّ بِما قالَ رَسُولِ اللهِ وبَّهِ، قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّرَ: ((جاوَرْتُ فِي حِراءٍ، فَلَمَّا قَضَيْتُ جِوارِي هَبَطْتُ فَاسْتَبْطَنْتُ الْوَادِيَ، فَنُودِيتُ فَنَظَرْتُ أمامِي وَخَلْفِي وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمالِي، فَإِذا هُوَ جالِسٌ عَلى عَرْشٍ بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ. فَأَتَيْتُ خَدِيجَةَ فَقُلْتُ دَثْرُونِي وَصُبُّوا عَلَيَّ ماءً بارِدًا. وَأُنْزِلَ عَلَيَّ: ﴿يَا أيُّها الْمُدَّثْرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ﴾ [المدثر: ١ - ٣]. وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن منصور) أبو يعقوب المروزي قال: (حدّثنا عبد الصمد) بن عبد الوارث البصري قال: (حدّثنا حرب) هو ابن شداد قال: (حدّثنا يحيى) هو ابن أبي كثير (قال: سألت أبا سلمة) بن عبد الرحمن (أيّ القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يا أيها المدثر﴾ فقلت أنبئت) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول أي أخبرت أنه ((اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾ فقال أبو سلمة: سألت جابر بن عبد الله) الأنصاري (أي القرآن أنزل أول؟ فقال: ﴿يا أيها المدثر﴾ فقلت: أنبئت أنه ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق﴾) سقط قوله الذي خلق لغير أبي ذر (فقال) جابر: (لا أخبرك إلا بما قال رسول الله وَله. قال رسول الله وَلَ﴾): (جاورت) في غار (حراء) بالصرف (فلما قضيت جواري هبطت فاستبطنت) أي وصلت إلى بطن (الوادي فنوديت فنظرت أمامي وخلفي وعن يميني وعن شمالي فإذا هو) يعني الملك (جالس على العرش) ولأبي ذر على كرسي بدل عرش (بين السماء والأرض فأتيت خديجة فقلت دثروني وصبوا على ماءً باردًا وأنزل عليّ) بضم الهمزة مبنيًّا للمفعول (﴿يا أيها المدثر قم فأنذر وربك فكبر﴾) والظاهر أن الذي أنبأ يحيى بن أبي كثير عروة بن الزبير والذي أنبأ أبا سلمة عائشة فإن ١٨٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة المدثر الحديث مشهور عن عروة عن عائشة، ويحتمل أن يكون مراده بأوّلية المدثر أولية مخصوصة بما بعد فترة الوحي أو مقيدة بالإنذار لا أوّلية مطلقة. ٣ - باب ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: ﴿﴿وثيابك فطهّر﴾﴾ [المدثر: ٤] أي عن النجاسة أو قصرها خلاف جر العرب ثيابهم خيلاء فربما أصابتها النجاسة وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٩٢٥ - حقثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، وَحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، فَأَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: سَمِعْتُ النِّيَّ وَّهِ وَهْوَ يُحَدِّثُ عَنْ فَتْرَةِ الْوَخِيٍ، فَقَالَ في حَدِيثِهِ: ((فَبَيْنا أنا أمْشِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا مِنَ السَّماءِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَإِذا الْمَلَكُ الَّذِي جاءَِّي بِحراءِ جالِسٌ عَلَى كُرْسِيٍّ بَيْنَ السَّماءِ وَالأرْضِ، فَجُثِثْتُ مِنْهُ رُغبًا، فَرَجَعْتُ فَقُلْتُ زَمُّلُونِي زَمْلُونِي فَدَثَّرُونِي. فَأَنْزَلَ الله تَعالى: ﴿يا أيّها الْمُدَّثْرُ﴾ - إلى - ﴿وَالرِّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ١ - ٥] قَبْلَ أنْ تُفْرَضَ الصَّلاةُ وَهْيَ الأوثانُ». وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير المصري قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (عن عقيل) بضم العين مصغرًا ابن خالد (عن ابن شهاب) الزهري قال المصنف: (وحذّثني) بالإفراد وفي بعض النسخ ح لتحويل السند. وحدّثني بالإفراد أيضًا (عبد الله بن محمد) المسندي قال (حدّثنا عبد الرزاق) بن همام الصنعاني قال: (أخبرنا معمر) هو ابن راشد (عن الزهري فأخبرني) بالإفراد. ولأبي ذر قال الزهري: قال أخبرني بالإفراد وفي غير اليونينية قال الزهري فأخبرني (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (عن جابر بن عبد الله) الأنصاري رضي الله عنهما أنه (قال: سمعت النبي ◌َّ وهو يحدّث عن فترة الوحي) أي في حال التحديث عن احتباس الوحي عن النزول (فقال في حديثه): (فبينا) بغير ميم (أنا أمشي) جواب بينا قوله (إذ سمعت صوتًا من السماء فرفعت رأسي فإذا الملك الذي جاءني بحراء) هو جبريل (جالس على كرسي بين السماء والأرض فجئت) بجیم مفتوحة في الفرع كأصله مضمومة في غيرهما فهمزة مكسورة فمثلثة ساكنة ففوقية افزعت (منه رعبًا) أي خوفًا ولأبي ذر: فجثثت بمثلثتين ففوقية من غير همزة قاله الكرماني. من الجث وهو القطع (فرجعت) إلى خديجة (فقلت زملوني زملوني) مرتين (فدثروني) غطّوني (فأنزل الله تعالى) ولأبي ذر عز وجل (﴿يا أيها المدثر﴾ - إلى -) قوله: (﴿والرجز فاهجر﴾ قبل أن تفرض الصلاة) فيه إشعار بأن الأمر بتطهير الثياب كان قبل فرض الصلاة (و) الرجز (هي الأوثان) وأنّث الضمير في قوله وهي باعتبار أن الخبر جمع وفسر بالجمع نظرًا إلى الجنس قاله الكرماني.