Indexed OCR Text
Pages 61-80
٦١ كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحقاف يبعث أحد منهم (﴿وهما يستغيثان الله﴾) أي يسألان الله أن يغيثه بالتوفيق للإيمان أو يقولان الغياث بالله منك (﴿ويلك﴾) أي يقولان له ويلك (﴿آمن﴾) وصدّق بالبعث وويلك دعاء بالثبور (﴿إن وعد الله﴾) بالبعث (﴿حق فيقول)) لهما: (﴿ما هذا إلا أساطير الأوّلين﴾) [الأحقاف: ١٧] أباطيلهم التي كتبوها وسقط لغير أبي ذر لفظ باب وله من قوله وقد خلت القرون الخ وقال بعد قوله: ﴿أن أخرج﴾ إلى قوله ﴿أساطير الأوّلين﴾. ٤٨٢٧ - حدّثنا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوانَةً عَنْ أبي بِشْرِ عَنْ يُوسُفَ بْنِ ماهَكٍ قالَ: كَانَ مَزْوانُ عَلَى الْحِجَازِ اسْتَعْمَلَهُ مُعاوِيَةُ فَخَطَبَ فَجَعَلَ يَذْكُرُ يَزِيْدَ بْنَ مُعاوِيَةَ، لِكِيْ يُبَايَعَ لَهُ، بَعْدَ أبيهِ فَقالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أبي بَكْرٍ شَيْئًا: فَقالَ: خُذُوهُ، فَدَخَلَ بَيْتَ عَائِشَةَ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ مَزْوانُ: إنَّ هذَا الَّذِي أَنْزَلَ الله فيهِ ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدانِي﴾ [الأحقاف: ١٧] فَقالَتْ عَائِشَةُ مِنْ وَراءِ الْحِجابِ: ما أنْزَلَ الله فينا شَيْئًا من الْقُرْآنِ، إلاَّ أنَّ الله أنْزَلَ عُذْري. وبه قال: (حدّثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي قال: (حدّثنا أبو عوانة) الوضاح (عن أبي بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية (عن يوسف بن ماهك) بفتح الهاء يصرف ولا يصرف ومعناه قمير مصغر القمر أنه (قال: كان مروان) بن الحكم الأموي أميرًا (على الحجاز استعمله معاوية) بن أبي سفيان عليه وعند النسائي أنه كان عاملاً على المدينة وعند الإسماعيلي فأراد معاوية أن يستخلف يزيد يعني ابنه فكتب إلى مروان بذلك فجمع مروان الناس (فخطب فجعل يذكر يزيد بن معاوية لكي يبايع له بعد أبيه) وفي رواية الإسماعيلي وقال إن الله أرى أمير المؤمنين في يزيد رأيًا حسنًا وأن يستخلفه فقد استخلف أبو بكر عمر (فقال له عبد الرحمن بن أبي بكر) الصدّيق (شيئًا) لم يبينه ولأبي يعلى وابن أبي حاتم فقال أي عبد الرحمن هرقلية إن أبا بكر والله ما جعلها في أحد من ولده ولا في أهل بيته وما جعلها معاوية إلا كرامة لولده ولابن المنذر أجئتم بها هرقلية تبايعون لأبنائكم (فقال) أي مروان لأعوانه (خذوه) أي عبد الرحمن (فدخل بيت) أخته (عائشة) ملتجئًا بها (فلم يقدروا عليه) أي امتنعوا أن يخرجوه من بيتها إعظامًا لها وعند أبي يعلى فنزل مروان عن المنبر حتى أتى باب عائشة فجعل يكلمها وتكلمه وسقط عليه من اليونينية وثبت في الفرع وغيره (فقال مروان: إن هذا) يعني عبد الرحمن (الذي أنزل الله فيه ﴿والذي قال لوالديه أُفَّ لكما أتعدانني﴾ فقالت عائشة من وراء الحجاب: ما أنزل الله فينا) آل أبي بكر (شيئًا من القرآن إلا أن الله أنزل عذري) عن قصة أهل الإفك. وعند الإسماعيلي فقالت عائشة: كذبت والله ما نزلت فيه، وفي رواية له والله ما أنزلت إلا في فلان ابن فلان الفلاني، وفي رواية لو شئت أن أسميه لسميته، ولكن رسول الله وَلقول لعن أبا مروان ومروان في صلبه، فالصحيح أن الآية نزلت في الكافر العاقّ، ومَن زعم أنها نزلت في عبد الرحمن فقوله ضعيف لأن عبد الرحمن قد أسلم وحسن إسلامه وصار من خيار المسلمين، ونفي عائشة أصح إسنادًا ممن روى غيره وأولى بالقبول. ٦٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحقاف ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَلَمَّا رَأوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هو مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ ريحٌ فيها عَذابٌ أليمٌ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: عارِضٌ السَّحابُ (باب قوله) تعالى (﴿فلما رأوه﴾) أي العذاب (﴿عارضًا﴾) سحابًا عرض في أفق السماء والضمير عائد إلى السحاب كأنه قيل فلما رأوا السحاب عارضًا ((مستقبل أوديتهم﴾) صفة لعارضًا وإضافته غير محضة فمن ثم ساغ أن يكون نعتًا لنكرة (﴿قالوا هذا عارض ممطرنا﴾) صفة العارض أيضًا أي يأتينا بالمطر وقد كانوا ممحلين محتاجين إلى المطر قال الله تعالى أو هود عليه السلام (﴿بل هو ما استعجلتم به﴾) من العذاب حيث قلتم فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين ثم بيّن ماهيته فقال (﴿ريح﴾) أي هي ريح (﴿فيها عذاب أليم)) [الأحقاف: ٢٤] فما برحوا حتى كانت الريح تجيء بالرجل فتطرحه وكان طول الرجل منهم اثنتي عشرة ذراعًا وقيل ستون ذراعًا وقيل مائة ولهم قصور محكمة بالبناء بالصخور فحملت الريح الصخور والشجر ورفعتها كأنها جرادة وهدمت القصور واصطف لها الأطولون الأشداء منهم فصرعتهم وألقت عليهم الصخور وسفت عليهم الرمال فكانوا تحتها سبع ليالٍ وثمانية أيام لهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشفت عنهم الرمال واحتملتهم فرمت بهم في البحر ولم يصل إلى هود عليه السلام ومَن آمن به من تلك الريح إلا نسيم، وكان عليه السلام قد جمع المؤمنين إلى شجرة عند عين ماء وأدار عليهم خطاً خطه في الأرض وسقط لغير أبي ذر باب قوله وله قالوا هذا عارض الخ وقال بعد قوله أوديتهم الآية. (قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله (عارض) أي (السحاب) الذي يرى في ناحية السماء وسمي بذلك لأنه يبدو في عرض السماء. ٤٨٢٨ - حدّثنا أخْمَدُ بْنُ عيسى، حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنا عَمْرٌو أنَّ أَبَا النَّضْرِ حَدَّثَهُ عَنْ سُلَيْمانَ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها زَوْجِ النَّبِيِّ وَ ◌ّ قَالَتْ مَا رَأيْتُ رَسُولَ اللهِلَه ضاحِكًا حَتَّى أرى مِنْهُ لَهَواتِهِ إنَّما كانَ يَتَبَسَّمُ. [الحديث ٤٨٢٨ - طرفه في: ٦٠٩٢]. وبه قال: (حدّثنا أحمد بن عيسى) كذا في رواية أبي ذر ابن عيسى وهو الهمداني التستري المصري الأصل، وسقط ابن عيسى لغير أبي ذر وقال الكرماني: إنه أحمد بن صالح المصري يعني ابن الطبري، ولعله اعتمد على قول أبي علي بن السكن حيث قال: هو أحمد بن صالح في المواضع كلها وكذا قاله ابن منده، وقيل هو أحمد بن عبد الرحمن ابن أخي ابن وهب قال الحاكم أبو عبد الله هو أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى لا يخلو أن يكون واحدًا منهما ولم يحدث عن ابن أخي ابن وهب شيئًا ومن زعم أنه ابن أخي ابن وهب فقد وهم فاتفق الرواة على أحمد بن صالح أو أحمد بن عيسى وقد عين أبو ذر في روايته أنه ابن عيسى قال: (حدّثنا ابن وهب) عبد الله قال: (أخبرنا عمرو) هو ابن الحارث (أن أبا النضر) سالمًا المدني (حدثه عن سليمان بن يسار) ضد ٦٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحقاف اليمين (عن عائشة رضي الله عنها زوج النبي وَي) أنها (قالت: ما رأيت رسول الله وصلفيه ضاحكًا حتى أرى منه لهواته) بتحريك الهاء جمع لهاة وهي اللحمة الحمراء المعلقة في أعلى الحنك (إنما كان يتبسم، قالت): ٤٨٢٩ - قالت وَكانَ إذا رَأى غَيْمًا أوْ ريحًا عُرِفَ في وَجْهِهِ، قالَتْ: يا رَسُولَ اللهِ النَّاسُ إذا رَأْوُا الْغَيْمَ فَرِحُوا رَجاءَ أنْ يَكُونَ فِيهِ الْمَطَرُ، وَأراكَ إذا رَأيْتَهُ عُرِفَ فِي وَجْهِكَ الْكَرَاهِيَةُ؟ فَقالَ: ((يا عائِشَةُ ما يُومِنِّي أنْ يَكُونَ فِيهِ عَذابٌ؟ عُذْبَ قَوْمٌ بِالرِّيحِ، وَقَدْ رَأَى قَوْمُ الْعَذابَ فَقالُوا: ﴿هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا﴾ [الأحقاف: ٢٤]. (وكان إذا رأى غيمًا أو رتجا عرف) بضم العين وكسر الراء مبنيًّا للمفعول (في وجهه) الكراهية وذلك لأن القلب إذا فرح تبلج الجبين وإذا حزن أربد الوجه فعبرت عائشة عن الشيء الظاهر في الوجه بالكراهية لأنه ثمرتها (قالت: يا رسول الله الناس) ولغير أبي ذر أن الناس (إذا رأوا الغيم فرحوا) به (رجاء أن يكون فيه المطر وأراك إذا رأيته عرف في وجهك الكراهية فقال): (يا عائشة ما يومني) بواو ساكنة ونون مشددة ولأبي ذر يؤمنني بنونين (أن يكون فيه عذاب عذب قوم بالريح) هم عاد قوم هود حيث أهلكوا بريح صرصر (وقد رأى قوم العذاب فقالوا: ﴿هذا عارض ممطرنا﴾) قد تقرر أن النكرة إذا أُعيدت نكرة كانت غير الأولى، لكن ظاهر آية الباب أن الذين عذبوا بالريح هم الذين قالوا هذا عارض. وقد أجاب صاحب الكواكب الدراري عن ذلك بأن القاعدة المذكورة إنما تطرد إذا لم يكن في السياق قرينة تدل على الاتحاد فإن كان هناك قرينة كما في قوله: ﴿وهو الذي في السماء إلّه وفي الأرض إلّه﴾ فلا وعلى تقدير تسليم المغايرة مطلقًا فلعل عادًا قومان قوم بالأحقاف أي في الرمال وهم أصحاب العارض وقوم غيرهم . اهـ. ويؤيد قوله الثاني قوله تعالى: ﴿وأنه أهلك عادًا الأولى﴾ [النجم: ٥٠] فإنه يشعر بأن ثم عادًا أخرى، وعند الإمام أحمد بإسناد حسن عن الحارث بن حسان البكري قال: خرجت أشكو العلاء بن الحضرمي إلى رسول الله وَ* فمررت بالربذة فإذا عجوز من بني تميم منقطع بها فقالت لي: يا عبد الله إن لي إلى رسول الله وَّلهو حاجة فهل أنت مبلغي إليه؟ قال: فحملتها فأتيت المدينة فإذا المسجد غاص بأهله الحدیث. وفيه فقلت: أعوذ بالله ورسوله أن أكون کوافد عاد. قال: وما وافد عاد؟ وهو أعلم بالحديث منه، لكن يستعظمه؟ قلت: إن عادًا قحطوا فبعثوا وافدًا لهم يقال له قيل فمر بمعاوية بن بكر فأقام عنده شهرًا يسقيه الخمر وتغنيه جاريتان يقال لهما الجرادتان فلما مضى الشهر خرج إلى جبال مهرة فقال: اللهم إنك تعلم أني لم أجىء إلى مريض فأداويه ولا إلى أسير فأفاديه، اللهم اسق عادًا ما كنت تسقيه فمرت به سحابات سود فنودي منها اختر فأومأ إلى سحابة منها سوداء فنودي منها خذها رمادًا رمددًا لا تبقي من عاد أحدًا رواه الترمذي والنسائي ٦٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة محمد وابن ماجة ذكره ابن كثير بطوله في تفسيره وابن حجر مختصرًا. وقال: الظاهر أنه في قصة عاد الأخيرة لذكر مكة فيه. وحديث الباب أخرجه المؤلف في الأدب ومسلم في الاستسقاء وأبو داود في الأدب. [٤٧] سورة محمد وَل ﴿الَّذين كَفَرُوا﴾ [محمد: ١] ﴿أُوْزارَها﴾: آئامها. حَتَّى لا يَبْقى إلاَّ مُسْلِمْ. ﴿عَرَّفَها﴾: بَيَّنَها. وَقال مُجاهِدٌ: ﴿مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾: وَلِيُّهُمْ. عَزَمَ الأمْرُ: جَدَّ الأمْرُ. ﴿فَلا تَهِنُوا﴾: لا تَضْعُفُوا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُضْغَانَهُمْ: جَسَدَهُمْ. ﴿آسِنٍ﴾: مُتَغَيِّرِ. ([٤٧] سورة محمد* ﴿الذين كفرو﴾) مدنية. وقيل مكية وآيها سبع أو ثمان وثلاثون آية ولأبي ذر سورة محمد رَّه بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغير أبي ذر وتسمى السورة أيضًا سورة القتال. (﴿أوزارها﴾) في قوله تعالى: ﴿فإما منَّا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾ [محمد: ٤] أي (آثامها) أو آلاتها وأثقالها وهو من مجاز الحذف أي حتى تضع أمة الحرب أو فرقة الحرب أوزارها والمراد انقضاء الحرب بالكلية (حتى لا يبقى إلا مسلم) أو مسالم والمعنى حتى يضع أهل الحرب شركهم ومعاصيهم وهو غاية للضرب أو الشدّ أو للمن والفداء أو للمجموع يعني أن هذه الأحكام جارية فيهم حتى لا يكون حرب مع المشركين بزوال شوكتهم وقيل بنزول عيسى وأسند الوضع إلى الحرب لأنه لو أسنده إلى أهله بأن كان يقول حتى تضع أمة الحرب جاز أن يضعوا الأسلحة ويتركوا الحرب وهي باقية كقول القائل: خصومتي ما انفصلت ولكن تركتها في هذه الأيام (﴿عرفها﴾) في قوله تعالى: ﴿ويدخلهم الجنة عرّفها لهم﴾ [محمد: ٦] أي (بينها) لهم وعرفهم منازلها بحيث يعلم كل واحد منهم منزله ويهتدي إليه كأنه كان ساكنة منذ خلق أو طيبها لهم من العرف وهو طيب الرائحة. (وقال مجاهد) مما وصله الطبري (﴿مولى الذين آمنوا﴾﴾ [محمد: ١١] أي (وليهم) وسقط هذا لأبي ذر. (عزم الأمر) قاله مجاهد فيما وصله الفريابي (جد الأمر) ولأبي ذر فإذا عزم الأمر أي جد الأمر وهو على سبيل الإسناد المجازي كقوله: قد جدت الحرب فجدوا أو على حذف مضاف أي عزم أهل الأمر والمعنى إذا جد الأمر ولزم فرض القتال خالفوا ٦٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة محمد وتخلفوا (﴿فلا تهنوا﴾) أي (لا تضعفوا) بعدما وجد السبب وهو الأمر بالجد والاجتهاد في القتال. (وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم (أضغانهم) في قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين في قلوبهم مرض﴾ [محمد: ٢٩] أن لن يخرج الله أضغانهم أي (حسدهم) بالحاء المهملة وقيل بغضهم وعدواتهم. (﴿آسن﴾) في قوله: ﴿فيها أنهار من ماء غير آسن﴾ [محمد: ١٥] أي (متغير) طعمه وسقط هذا لأبي ذر. ١ - باب ﴿وَتُقَطَّعُوا أزْحَامَكُمْ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿وتقطعوا أرحامكم)) [محمد: ٢٢] بتشديد الطاء المكسورة على التكثير ويعقوب بفتح التاء وسكون القاف وفتح الطاء مخففة مضارع قطع وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٨٣٠ - حدثنا خالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنا سُلَيْمانُ، حَدَّثَنِي مُعاوِيَةُ بْنُ أبي مُزَرِّدٍ عَنْ سَعيدٍ بْنِ يَسارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وَ قَالَ: ((خَلَقَ الله الْخَلْقَ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْهُ قامَتِ الرَّحِمُ فَأَخَذَتْ بِحَقْوِ الرَّحْمْنِ، فَقَالَ لَهُ: مَهْ قالَتْ: هذا مَقامُ الْعَائِذِ بِكَ مِنَ الْقَطِيعَةِ. قالَ: ألا تَرْضَيْنَ أنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلى يا رَبِّ، قالَ: فَذاكٍ)) قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: آقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أنْ تُفْسِدُوا فِي الأرضِ وَتُقَطّعُوا أزحامَكُمْ)). [الحديث ٤٨٣٠- أطرافه في: ٤٨٣١، ٤٨٣٢، ٥٩٨٣، ٧٥٠٢]. وبه قال: (حدّثنا خالد بن مخلد) بفتح الميم واللام بينهما خاء معجمة ساكنة الكوفي قال: (حدّثنا سليمان) بن بلال قال: (حدّثني) بالإفراد (معاوية بن أبي مزرد) بضم الميم وفتح الزاي وكسر الراء وفي اليونينية بفتحها مشددة بعدها دال مهملة اسمه عبد الرحمن بن يسار بالتحتية والمهملة المخففة (عن) عمه (سعيد بن يسار عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي(وَلي) أنه (قال): (خلق الله الخلق فلما فرغ منه) أي قضاه أو أتمه أو نحو ذلك مما يشهد بأنه مجاز من القول فإنه سبحانه وتعالى لن يشغله شأن عن شأن (قامت الرحم) حقيقة بأن تجسمت (فأخذت بحقو الرحمن) بفتح الحاء المهملة وفي اليونينية بكسرها وكذا في الفرع مصلحة وكشط فوقها، وعند الطبري بحقوي الرحمن بالتثنية والحقو الإزار والخصر ومشدّ الإزار. قال البيضاوي: لما كان من عادة المستجير أن يأخذ بذيل المستجار به أو بطرف ردائه وإزاره وربما أخذ بحقو إزاره مبالغة في الاستجارة فكأنه يشير به إلى أن المطلوب أن يحرسه ويذبّ عنه ما يؤذيه كما يحرس ما تحت إزاره ويذب عنه فإنه لاصق به لا ينفك عنه استعير ذلك للرحم. إرشاد الساري/ ج ١١ / ٢ ٥ ٦٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة محمد وقال الطيبي: وهذا مبني على الاستعارة التمثيلية التي الوجه فيها منتزع من أمور متوهمة للمشبه المعقول وذلك أنه شبّه حالة الرحم وما هي عليه من الافتقار إلى الصلة والذبّ عنها من القطيعة بحال مستجير يأخذ بذيل المستجار به وحقو إزاره ثم أدخل صورة حال المشبه في جنس المشبه به واستعمل في حال المشبه ما كان مستعملاً في المشبه به من الألفاظ بدلائل قرائن الأحوال، ويجوز أن تكون مكنية بأن يشبه الرحم بإنسان مستجير بمن يحميه ويحرسه ويذبّ عنه ما يؤذيه ثم أسند على سبيل الاستعارة التخييلية ما هو لازم المشبه به من القيام ليكون قرينة مانعة من إرادة الحقيقة ثم رشحت الاستعارة بأخذ الحقو والقول وقوله بحقو الرحمن استعارة أخرى مثلها وسقط قوله: بحقو الرحمن في رواية أبي ذر كما في الفرع وأصله. وقال في الفتح: حذف للأكثر مفعول أخذت قال وفي رواية ابن السكن فأخذت بحقو الرحمن. وقال القابسي أبى أبو زيد أن يقرأ لنا هذا الحرف لأشكاله وقال هو ثابت لكن مع تنزيه الله تعالى ويحتمل أن يكون على حذف أي قام ملك فتكلم على لسانها أو على طريق ضرب المثل والاستعارة والمراد تعظيم شأنها وفضيلة واصلها وإثم قاطعها وتثنية حقو المروية عند الطبري للتأكيد لأن الأخذ باليدين آكد في الاستجارة من الأخذ بيد واحدة. (فقال) تعالى (له: مه) بفتح الميم وسكون الهاء اسم فعل أي اكفف وانزجر. وقال ابن مالك: هي هنا ما الاستفهامية حذفت ألفها ووقف عليها بهاء السكت والشائع أن لا يفعل ذلك بها إلا وهي مجرورة ومن استعمالها كما وقع هنا غير مجرورة قول أبي ذؤيب الهذلي قدمت المدينة ولأهلها ضجيج كضجيج الحجيج فقلت مه فقالوا قبض رسول الله وَ ليجوس.اهـ. فإن كان المراد الزجر فواضح وإن كان الاستفهام فالمراد منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام فإنه تعالى يعلم السر وأخفى. (قالت هذا مقام العائذ) بالذال المعجمة أي قيامي هذا قيام المستجير (بك من القطيعة) وفي حديث عبد الله بن عمرو عند أحمد أنها تكلم بلسان طلق ذلق (قال) تعالى (ألا) بالتخفيف (ترضين أن أصل من وصلك) بأن أتعطف عليه وأرحمه لطفًا وفضلاً (وأقطع من قطعك) فلا أرحمه (قالت: بلى يا رب) أي رضيت (قال) تعالى (فذاك) بكسر الكاف إشارة إلى قوله ألا ترضين الخ زاد الإسماعيلي لك. (قال أبو هريرة) رضي الله عنه (اقرؤوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم﴾) أي فهل يتوقع منكم (﴿إن توليتم﴾) أحكام الناس وتأمرتم عليهم أو أعرضتم عن القرآن وفارقتم أحكامه (﴿أن تفسدوا في الأرض﴾) بالمعصية والبغي وسفك الدماء (﴿وتقطعوا أرحامكم)). وهذا الحديث أخرجه أيضًا في التوحيد وفي الأدب ومسلم في الأدب والنسائي في التفسير. ٦٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح ٤٨٣١ - حدّثنا إبراهيمُ بْنُ حَمْزَةَ، حَدَّثَنا حاتم عَنْ مُعاوِيَةً قَالَ: حَدَّثَنِي عَمّي أبُو الْحُبابِ سَعِيدُ بْنُ يَسارٍ عَنْ أبي هُرَيْرَةَ بِهِذا ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ: (آقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتم﴾)). وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن حمزة) بن محمد بن حمزة بن مصعب بن الزبير بن العوّام أبو إسحلق الأسدي الزبيري المدني قال: (حدّثنا حاتم) هو ابن إسماعيل الكوفي نزيل المدينة (عن معاوية) بن أبي مزرد السابق قريبًا أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (عمي أبو الحباب) بضم الحاء المهملة وبموحدتين بينهما ألف (سعيد بن يسار) بالسين المهملة ضد اليمين (عن أبي هريرة بهذا) بالحديث السابق (ثم) قال أبو هريرة (قال رسول الله وَلافر: اقرؤوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم﴾). ٤٨٣٢ - حدثنا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أخْبَرَنا عَبْد اللَّهِ، أخْبَرَنا مُعاوِيَةُ بْنُ أبي الْمُزَرِّدِ بِهذا قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَالَ: ((آقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ﴾)). ﴿آسِنٍ﴾: مُتَغَيْرٍ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (بشر بن محمد) السختياني المروزي قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك المروزي قل: (أخبرنا) ولغير أبي ذر حدّثنا (معاوية بن أبي المزرد) باللام وكسر الراء وفي اليونينية بفتحها (بهذا) الحديث إسنادًا ومتنا (قال رسول الله وَلخر): (اقرؤوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم﴾) ومراد المؤلف بإيراد هذه الطريق وسابقتها الإعلام بأن الذي وقفه سليمان بن بلال على أبي هريرة حيث قال: قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿فهل عسيتم﴾ رفعه حاتم بن إسماعيل وابن المبارك وكذا رفعه الإسماعيلي من طريق حبان بن موسى عن ابن المبارك أيضًا. قال الإمام النووي رحمه الله: لا خلاف أن صلة الرحم واجبة في الجملة وقطيعتها معصية والصلة درجات بعضها أرفع من بعض وأدناها صلتها بالكلام ولو بالسلام ويختلف ذلك باختلاف القدرة والحاجة . اهـ. وفي حديث أبي بكرة مرفوعًا: ما من ذنب أحرى أن يعجل الله عقوبته في الدنيا مع ما يدّخر لصاحبه في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم رواه أحمد، وعنده من حديث ثوبان مرفوعًا: مَن سرّه النساء في الأجل والزيادة في الرزق فليصل رحمه. (﴿آسن﴾) أي (متغير) وسبق هذا قريبًا. [٤٨] سُورَةُ الْفَتْحِ (بِسْمِ اللهِ الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ) قالَ مُجاهِدٌ: ﴿ُبُورًا﴾: هالِكِينَ. وَقَالَ مُجاهِدٌ ﴿سيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ﴾: السَّخْنَةُ. وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ مُجاهِدٍ: التَّواضُعُ. ﴿شَطْأهُ﴾: فِراخَهُ. ﴿فَاسْتَغْلَظَ﴾ : غَلُظَ. ﴿سُوقِهِ﴾: السَّاقُ حامِلَةُ الشَّجَرَةِ. وَيُقالُ دائِرَةُ السَّوْءِ كَقَوْلِكَ رَجُلُ السَّوْءِ وَدائِرَةُ السُّوءِ الْعَذابُ. ﴿يُعَزِّرُوهُ﴾: يَنْصُروهُ. ﴿شَطْأهُ﴾: شَطْءُ السُّنْلِ. تُنْبِتُ الْحَبَّةُ عَشْرًا عَشْرًا أَوْ ثَمَانِيًا وَسَبْعًا ٦٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح فَيَقْوِى بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، فَذَاكَ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَازَرَهُ﴾: قَوَّاهُ، وَلَوْ كَانَتْ واحِدَةٌ لَمْ تَقُمْ عَلى ساقٍ، وَهُوَ مَثَلٌ ضَرَبَهُ الله لِلنَّبِيِّ وَ﴿ إِذْ خَرَجَ وَحْدَهُ، ثُمَّ قَوَّاهُ بِأصْحابِهِ كَما قَوَّى الْحَبَّةَ بِما يَنْبُتُ مِنْها. ([٤٨] سورة الفتح ) مدنية نزلت منصرف النبي 98ّ من الحديبية سنة ست من الهجرة وآيها تسع وعشرون. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر. (قال مجاهد) فيما وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه (﴿بورًا﴾) في قوله تعالى: ﴿وظننتم ظن السوء وكنتم قومًا بورًا﴾ [الفتح: ١٢] أي (هالكين) والبور الهلاك وهو يحتمل أن يكون هنا مصدرًا أخبر به عن الجمع كقوله: يا رسول الإله إن لساني رائق ما فتقت إذا أنا بور ولذلك يستوي فيه المفرد والمذكر وضدهما ويحتمل أن يكون جمع بائر كحائل وحول في المعتل وبازل وبزل في الصحيح وسقط هذا لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ((سيماهم في وجوههم)) [الفتح: ٢٩] هي (السحنة) بفتح السين المهملة في اليونينية وهي في الفرع كذلك مصلحة وتحت السين كشط وبذلك ضبطه ابن السكن والأصيلي. وقال القاضي عياض: إنه الصواب عند أهل اللغة وفي كثير من الأصول بكسرها والحاء المهملة ساكنة وجزم ابن قتيبة بفتحها وأنكر السكون وقد أثبته الكسائي والفراء وهي لين البشرة والنعمة، ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني: السجدة وكذا في رواية القابسي أي أثر السجدة في الوجه، لكن في التئام هذا مع قوله: ﴿من أثر السجود﴾ [الفتح: ٢٩] قلق لا يخفى. وعن ابن عباس في رواية عطية العوفي عنه نور وبياض في وجوههم يوم القيامة وعن عطاء بن أبي رباح استنارة وجوههم من كثرة صلاتهم أي ما يظهره الله تعالى في وجوه الساجدين نهارًا إذا قاموا بالليل متهجدين فمَن توجه إلى الله بكليته لا بدّ أن يظهر في وجهه نور تبهر منه الأنوار. وعن شهر بن حوشب تكون مواضع السجود من وجوههم كالقمر ليلة البدر وعن الضحاك صفرة الوجه. وروى السلمي عن عبد العزيز المكي ليس هو الصفرة ولكنه نور يظهر على وجوه العابدين يبدو من باطنهم على ظاهرهم يتبين ذلك للمؤمنين ولو كان ذلك في رنجي أو حبشي. قال ابن عطاء: ترى عليهم خلع الأنوار لائحة وقال الحسن إذا رأيتهم حسبتهم مرضى وما هم بمرضى. (وقال منصور) هو ابن المعتمر فيما وصله علي بن المديني عن جرير عنه (عن مجاهد) هو (التواضع) وزاد في رواية زائدة عن منصور عند عبد بن حميد قلت ما كنت أراه إلا هذا الأثر ٦٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح الذي في الوجه فقال ربما كان بين عيني من هو أقسى قلبًا من فرعون وقال بعضهم أن للحسنة نورًا في القلب وضياء في الوجه وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الناس فما كمن في النفس ظهر على صفحات الوجه وفي حديث جندب بن سفيان البجلي عند الطبراني مرفوعًا ما أسرّ أحد سريرة إلا ألبسه الله رداءها إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشرّ. (﴿شطأه﴾) في قوله: ﴿كزرع أخرج شطأه﴾ [الفتح: ٢٩] أي (فراخه) يقال: أشطأ الزرع إذا فرّخ وهل يختص ذلك بالحنطة فقط أو بها وبالشعير فقط أو لا يختص خلاف مشهور قال: أخرج الشطء على وجه الثرى ومن الأشجار أفنان الثمر (﴿فاستغلظ﴾) أي (غلظ) بضم اللام ذلك الزرع بعد الدقة ولأبي ذر تغلظ أي قوي. (﴿سوقه﴾) من قوله تعالى: ﴿فاستوى على سوقه﴾ [الفتح: ٢٩] (الساق حاملة الشجرة) والجار متعلق باستوى ويجوز أن يكون حالاً أي كائنًا على سوقه أي قائمًا عليها. (ويقال دائرة السوء كقولك: رجل السوء) أي الفاسد كما يقال رجل صدق أي صالح وهذا قول الخليل والزجاج واختاره الزمخشري وتحقيقه أن السوء في المعاني كالفساد في الأجساد يقال ساء مزاجه ساء خلقه ساء ظنه كما يقال فسد اللحم وفسد الهواء بل ما ساء فقد فسد وكل ما فسد فقد ساء غير أن أحدهما كثير في الاستعمال في المعاني والآخر في الإجرام قال تعالى: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ [الروم: ٤١] وقال: ﴿ساء ما كانوا يعملون﴾ [التوبة: ٩ وغيرها] وسقط لأبي ذر لفظ يقال فقط. (ودائرة السوء العذاب) يعني حاق بهم العذاب بحيث لا يخرجون منه وضم السين أبو عمرو وابن كثير بمعنى المفتوح الفساد والرداءة والضم الهزيمة والبلاء أو المضموم العذاب والضرر والمفتوح الذم. (﴿يعزروه﴾) أي (ينصروه) قرأ ابن كثير وأبو عمرو بالغيبة في ليؤمنوا ويعزروه ويوقروه ويسبحوه رجوعًا إلى المؤمنين والمؤمنات والباقون بالخطاب إسنادًا إلى المخاطبين والظاهر أن الضمائر عائدة إلى الله وتفريقها بجعل بعضها للرسول قول للضحاك (﴿شطأه﴾) هو (شطؤ السنبل) ولأبي ذر شطأ بالألف بدل الواو صورة الهمزة (تنبت) بضم أوّله وكسر ثالثه من الإنبات (الحبة) الواحدة (عشرًا) من السنابل (أو ثمانيًا) ولأبي ذر وثمانيًا بإسقاط الألف (وسبعًا) قال تعالى: ﴿كمثل حبة أنبتت سبع سنابل﴾ [البقرة: ٢٦١] (فيقوى بعضه ببعض فذاك قوله تعالى: ﴿فآزره﴾) أي (قوّاه) وأعانه (ولو كانت واحدة لم تقم على ساق وهو) أي ما ذكر (مثل ضربه الله للنبي وَّر إذ خرج) على كفار مكة (وحده) يدعوهم إلى الله أو لما خرج من بيته وحده حين اجتمع الكفار على أذاه (ثم قواه) عز وجل (بأصحابه) المهاجرين والأنصار (كما قوّى الحبة بما يثبت) بفتح أوله وضم ثالثه وبضم ثم كسر (منها) وقال غيره هو مثل ضربه الله لأصحاب محمد بَّة في الإنجيل أنهم يكونون ٧٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح قليلاً ثم يزدادون ويكثرون. وقال قتادة: مثل أصحاب محمد في الإنجيل مكتوب له سيخرج قوم ينبتون نبات الزرع يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر. ١ - باب ﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿إِنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾) [الفتح: ١] الأكثرون على أنه صلح الحديبية، وقيل فتح مكة والتعبير عنه بالماضي لتحقّقه قال في الكشاف وفي ذلك من الفخامة والدلالة على علو شأن المخبر ما لا يخفى اهـ. قال الطيبي لأن هذا الأسلوب إنما يرتكب في أمر يعظم مناله ويعز الوصول إليه ولا يقدر على نيله إلا مَن له قهر وسلطان ولذا ترى أكثر أحوال القيامة واردة على هذا المنهج لأن فتح مكة من أمهات الفتوح وبه دخل الناس في دين الله أفواجًا وأمر رسول الله وَ لجر بالاستغفار والتأهّب للمسير إلى دار القرار. وقال مجاهد: فتح خيبر وقيل فتح الروم وقيل فتح الإسلام بالحجة والبرهان والسيف والسنان وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٨٣٣ - حدّثَنَا عَبْدُ الله بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ عَنْ أبِيهِ أنَّ رَسُولَ اللهِ وََّ، كَانَ يَسيرُ في بَعْضِ أسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَنْ شَيْءٍ فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللهِ وَّهَ، ثُمَّ سَأْلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فَقالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ: ثَكِلَتْ أُمُّ عُمَرَ نَزَرْتَ رَسُولَ اللهِوَّهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ كُلِّ ذلِكَ لا يُجِيبُكَ، قَالَ عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيري ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أمامَ النَّاسِ وَخَشِيتُ أنْ يُنْزَلَ فِيَّ الْقُرْآنُ فَما نَشِبْتُ أنْ سَمِعْتُ صارِخًا يَصْرُعُ بِي فَقُلْتُ لَقَدْ خَشِيتُ أنْ يَكُونَ نَزَلَ فِيَّ قُرْآنْ، فَجِثْتُ رَسُولَ اللهِ وَّرَ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقالَ: (لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَةٌ لَهِيَ أحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ. ثُمَّ قَرَأ: ﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾)). وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن مسلمة) القعنبي (عن مالك) الإمام (عن زيد بن أسلم) العدوي المدني مولى عمر (عن أبيه) أسلم المخضرم المتوفى سنة ثمانين وهو ابن أربع عشرة ومائة سنة زاد البزار من طريق محمد بن خالد بن عثمة عن مالك سمعت عمر (أن رسول الله ولو كان يسير في بعض أسفاره) هو سفر الحديبية كما في حديث ابن مسعود عند الطبراني وظاهر قوله عن زيد بن أسلم عن أبيه أن رسول الله وَلجر الإرسال لأن أسلم لم يدرك هذه القصة لكن قوله في أثناء هذا الحديث فقال عمر فحركت بعيري الخ يقضي بأنه سمعه من عمر ويؤيده تصريح رواية البزار بذلك كما مر (وعمر بن الخطاب) رضي الله عنه (يسير معه ليلاً فسأله عمر بن الخطاب) سقط ابن الخطاب لأبي ذر (عن شيء فلم يجبه رسول الله (وَ ﴿) لاشتغاله بما كان من نزول الوحي (ثم سأله) عمر (فلم يجبه) عليه الصلاة والسلام (ثم سأله فلم يجبه) تكرير السؤال ثلاثًا يحتمل أنه ٧١ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح خشي أن النبي وَّو لم يكن سمعه (فقال عمر بن الخطاب تكلت) بفتح المثلثة وكسر الكاف أي فقدت (أم عمر) عمر دعا على نفسه بسبب ما وقع منه من الإلحاح. وقال ابن الأثير: دعا على نفسه بالموت والموت يعمّ كل أحد فإذن الدعاء كلا دعاء ولأبي ذر عن الكشميهني ثكلتك أم عمر (نزرت) بزاي مفتوحة مخففة وتثقل فراء ساكنة (رسول الله وَليز) ألححت عليه وبالغت في السؤال ثلاث مرات (كل ذلك لا يجيبك قال) ولأبي ذر فقال (عمر: فحركت بعيري ثم تقدمت أمام الناس وخشيت أن ينزل فيّ القرآن) بتشديد ياء فيّ ولأبي ذر قرآن بإسقاط آلة التعريف (فما نشبت) بفتح النون وكسر المعجمة وبعد الموحدة الساكنة فوقية فما لبثت وما تعلقت بشيء (أن سمعت صارخًا) لم يسم (يصرخ بي فقلت لقد خشيت أن يكون نزل فيَّ قرآن، فجئت رسول الله ◌َ﴿ فسلمت عليه فقال) أي بعد أن ردّ عليّ السلام: (لقد أُنزلت عليّ الليلة سورة لهي أحب إلي مما طلعت عليه الشمس) لما فيها من البشارة بالمغفرة والفتح وغيرهما واللام في لهي للتأكيد (ثم قرأ) عليه الصلاة والسلام (﴿إنا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾) [الفتح: ١]. وهذا الحديث أخرجه في المغازي. ٤٨٣٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةً عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ: ﴿إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ قَالَ الْحُدَيْبِيَةُ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (محمد بن بشار) بالمعجمة المشددة بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: سمعت قتادة) بن دعامة (عن أنس رضي الله عنه) في قوله تعالى: (﴿إنّا فتحنا لك فتحًا مبينًا﴾ قال) هو (الحديبية) أي الصلح الواقع فيها وجعله فتحًا باعتبار ما فيه من المصلحة وما آل الأمر إليه قال الزهري فيما ذكره في اللباب لم يكن فتح أعظم من صلح الحديبية وذلك أن المشركين اختلطوا بالمسلمين فسمعوا كلامهم فتمكن الإسلام في قلوبهم وأسلم في ثلاث سنين خلق كثير وكثر سواد الإسلام. ٤٨٣٥ - حدّثنا مُسْلِمُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا مُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفِّلٍ قَالَ: قَرَأْ النَّبِيِّ بَّهِ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ سُورَةَ الْفَتْحِ فَرَجَّعَ فِيها، قال مُعارِيَةُ: لَوْ شِئْتُ أنْ أَحْكِيَ لَكُمْ قِراءَةَ النَّبِيِّ وَّ لَفَعَلْتُ. وبه قال: (حدّثنا مسلم بن إبراهيم) الفراهيدي الأزدي البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا معاوية بن قرة) بالقاف المضمومة والراء المشددة المزني أبو إياس البصري (عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة البصري أنه (قال: قرأ النبي وَلفيه ٧٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح يوم فتح مكة سورة الفتح فرجع فيها) أي ردّد صوته القراءة زاد في التوحيد من طريق أخرى كيف ترجيعه قال آآآ ثلاث مرات وهو محمول على إشباع المد في موضعه كما قاله الطيبي. ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى عند قوله باب: حسن الصوت بالقراءة. (قال معاوية) هو ابن قرة بالسند السابق: (لو شئت أن أحكي لكم قراءة النبي وَلقر لفعلت). وهذا الحديث قد ذكره في غزوة الفتح. ٢ - باب قَوْله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ الله ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَتْبِكَ وَمَا تَأْخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِراطًا مُسْتَقِيمًا﴾ هذا (باب) بالتنوين (قوله: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر)) [الفتح: ٢] أي جميع ما فرط منك مما يصح أن تعاتب عليه واللام في ليغفر متعلق بفتحنا وهي لام العلة. وقال الزمخشري فإن قلت: كيف جعل فتح مكة علة للمغفرة؟ قلت: لم يجعل علة للمغفرة ولكن لاجتماع ما عدد من الأمور الأربعة وهي المغفرة وإتمام النعمة وهداية الصراط المستقيم والنصر العزيز كأنه قال يسّرنا لك فتح مكة ونصرناك على عدوّك لنجمع لك بين عز الدارين وأغراض العاجل والآجل ويجوز أن يكون فتح مكة من حيث إنه جهاد للعدوّ سببًا للمغفرة والثواب. اهـ. قال السمين: وهذا الذي قاله مخالف لظاهر الآية فإن اللام داخلة على المغفرة فتكون المغفرة علة للفتح والفتح معلّل بها فكان ينبغي أن يقول كيف جعل فتح مكة معللاً بالمغفرة ثم يقول لم يجعل معللاً. وقال ابن عطية: أي إن الله فتح لك لكي يجعل الفتح علامة لغفرانه لك فكأنها لام الصيرورة وهو كلام ماشٍ على الظاهر (﴿ويتم نعمته عليك﴾) بإعلاء الدين وإخلاء الأرض من معانديك (﴿ويهديك صراطًا مستقيمًا﴾) بما يشرعه لك من الشرع العظيم والدين القويم وسقط لأبي ذر قوله ما تقدم من ذنبك وما تأخر الخ وقال بعد ﴿ليغفر لك الله﴾ الآية. ٤٨٣٦ - حدثنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، حَدَّثَنَا زِيادُ أنَّهُ سَمِعَ الْمُغِيرَةَ يَقُولُ: قامَ النَّبِيُّ ◌َّهَ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَماه، فَقِيلَ لَهُ غَفَرَ الله لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأْخَّرَ؟ قالَ: ((أَفَلا أکُونُ عَبْدًا شَكُورًا)». وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان قال: (حدّثنا زياد) زاد أبو ذر هو ابن علاقة بكسر العين المهملة وفتح اللام المخففة وبالقاف (أنه سمع المغيرة) هو ابن شعبة (يقول قام النبي ( 18) في صلاة الليل (حتى تورمت قدماه) بتشديد الراء من طول القيام (فقيل له: قد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر قال): ٧٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح (أفلا) الفاء مسبب عن محذوف أي أأترك قيامي وتهجدي لما غفر لي فلا (أكون عبدًا شكورًا) يعني غفران الله إیاي سبب لأن أقوم وأتهجد شكرًا له فكيف أتركه. وهذا الحديث سبق في صلاة الليل. ٤٨٣٧ - حدّثنا الْحَسَنُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، حَدَّثَنا عَبْدُ الله بْنُ يَحْيِى، أخْبَرَنا حَيْوَةُ عَنْ أَبِي الأسْوَدِ سَمِعَ عُزْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها: أنَّ نَبِيَّ اللهَ وَّلِ كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَماهُ، فَقالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ تَصْنَعُ هذَا يا رَسُولَ الله وَقَدْ غَفَرَ الله لَكَ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تأخّرَ؟ قالَ: ((أَفَلا أُحِبُّ أنْ أَكُونَ عَبْدًا شَكُورًا)». فَلَمَّا كَثُرَ لَحْمُهُ صَلَّى جالِسًا فَإذا أرادَ أنْ يَرْكَعَ قامَ فَقَرَأْ ثُمَّ رَكْعَ . وبه قال: (حدّثنا الحسن) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد حسن (بن عبد العزيز) ابن الوزير الجذامي قال: (حدّثنا عبد الله بن يحيى) المعافري قال: (أخبرنا حيوة) بفتح الحاء المهملة والواو بينهما تحتية ساكنة ابن شريح المصري (عن أبي الأسود) محمد بن عبد الرحمن النوفلي يتيم عروة أنه (سمع عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن نبي الله وَّفي كان يقوم من الليل) أي يتهجد (حتى تتفطر) تتشقق (قدماه) من كثرة القيام (فقالت) له (عائشة: لِمَ تصنع هذا يا رسول الله وقد غفر الله لك) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي وقد غفر لك بضم الغين مبنيًّا للمفعول (ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال): (أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا) تخصيص العبد بالذكر فيه إشعار بغاية الإكرام والقرب من الله تعالى والعبودية ليست إلا بالعبادة والعبادة عين الشكر (فلما كثر لحمه) بضم المثلثة وأنكر الداودي لفظة لحمه وقال المحفوظ بدن أي كبر فكأن الراوي تأوّله على كثرة اللحم . اهـ. وقال ابن الجوزي: أحسب بعض الرواة لما رأى بدن ظنه كثر لحمه وإنما هو بدّن تبدينًا أسن . اهـ. وهو خلاف الظاهر وفي حديث مسلم عنها قالت لما بدن رسول الله وَ لجر وثقل، لكن يحتمل أن يكون معنى قوله ثقل أي ثقل عليه حمل لحمه وإن كان قليلاً لدخوله في السن (صلى جالسًا فإذا أراد أن يركع قام فقرأ) زاد في رواية هشام بن عروة عن أبيه وعند المؤلف في آخر أبواب التقصير نحوًا من ثلاثين آية أو أربعين آية (ثم ركع). فإن قلت: في حديث عائشة من طريق عبد الله بن شقيق عند مسلم كان إذا قرأ وهو قائم ركع وسجد وهو قائم وإذا قرأ قاعدًا ركع وسجد وهو قاعد. أجيب: بالحمل على حالته الأولى قبل أن يدخل في السن جمعًا بين الحديثين. ٣ - باب ﴿إِنَّا أرْسَلْناكَ شاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿إنا أرسلناك شاهدًا﴾) على أمتك بما يفعلون ٧٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح (﴿ومبشرًا﴾) لمن أجابك بالثواب (﴿ونذيرًا﴾﴾ [الفتح: ٨] مخوّفًا لمن عصاك بالعذاب وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٨٣٨ - حدّثنا عَبْدُ الله، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ هِلالِ بْنِ أَبِي هِلالٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسارٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعاصِ، رَضِيَ الله عَنْهُما أنَّ هذِهِ الآيَةُ الَّتِي فِي الْقُرْآنِ ﴿يا أيُّها النِّيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شاهِدًا وَمُبَشْرًا وَنَذِيرًا﴾ قالَ فِي التَّوْراةِ: يا أيُّها النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شاهِدًا وَمُبَشْرًا، وَنَذِيرًا وَحِرْزًا لِلْأُمْيِينَ. أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُكَ الْمُتَوَكُلَ. لَيْسَ بِفَظُّ وَلا غَلِيظٍ وَلا سَخَابٍ بِالأسْواقِ، وَلا يَدْفَعُ السَّيَّةَ بِالسَّيْئَةِ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَصْفَحُ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجاءَ بِأنْ يَقُولُوا: لا إلهَ إلاَّ الله، فَيَفْتَحَ بها أعيُنًا عُمْيَا، وَآذانًا صُمَّا، وَقُلُوبًا غُلْفًا. وبه قال: (حدّثنا عبد الله) زاد أبو ذر فقال عبد الله بن مسلمة وكذا عند ابن السكن ولم ينسبه غيرهما فتردّد أبو مسعود بين أن يكون عبد الله بن رجاء أو عبد الله بن صالح كاتب الليث وأبو ذر وابن السكن حافظان فالمصير إلى ما روياه أولى ومسلمة هو القعنبي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة) دينار الماجشون (من هلال بن أبي هلال) ويقال ابن أبي ميمونة والصحيح ابن علي القرشي العامري مولاهم المدني (عن عطاء بن يسار) بالسين المهملة المخففة (عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أن هذه الآية التي في القرآن ﴿يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا﴾ قال في التوراة: يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا وحرزًا) بكسر الحاء المهملة وبعد الراء الساكنة زاي معجمة أي حصنًا (للأميين) وهم العرب لأن أكثرهم لا يقرأ ولا يكتب (أنت عبدي ورسولي سميتك المتوكل) أي على الله (ليس بفظ) بالظاء المعجمة أي ليس بسيىء الخلق (ولا غليظ) بالمعجمة أيضًا ولا قاسي القلب ولا ينافي قوله واغلظ عليهم إذ النفي محمول على طبعه الذي جبل عليه والأمر محمول على المعالجة وفيه التفات من الخطاب إلى الغيبة إذ لو جرى على الأول لقال لست بفظ (ولا سخاب) بالسين المهملة والخاء المعجمة المشددة أي لا صياح (بالأسواق) ويقال صخاب بالصاد وهي أشهر من السين بل ضعّفها الخليل (ولا يدفع السيئة بالسيئة) كما قال الله تعالى له ﴿ادفع بالتي هي أحسن﴾ [فصلت: ٣٤] (ولكن يعفو ويصفح) ما لم تنتهك حرمات الله (ولن يقبضه حتى) ولغير أبي ذر ولن يقبضه الله حتى (يقيم به الملة العوجاء) ملة الكفر فينفي الشرك ويثبت التوحيد (بأن يقولوا لا إله إلا الله فيفتح بها) بكلمة التوحيد (أعينًا عميًا) عن الحق وفي رواية القابسي أعين عمى بالإضافة (وآذانًا صمًا) عن استماع الحق (وقلوبًا غلفًا) جمع أغلف أي مغطى ومغشى. وهذا الحديث سبق في أوائل البيع. ٤ - باب ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ هذا (باب) بالتنوين أي في قوله تعالى: (﴿هو الذي أنزل السكينة﴾) الطمأنينة والثبات ٧٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح (﴿في قلوب المؤمنين)) [الفتح: ٤] تحقيقًا للنصرة والأكثرون على أن هذه السكينة غير التي في البقرة . ٤٨٣٩ - حدّثنا عُبَيْدُ الله بْنُ مُوسى، عَنْ إِسْرائيلَ عَنْ أَبِي إِسْحُقَ عَنِ الْبَراءِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: بَيْنَما رَجُلٌ مِنْ أصْحَابِ النَّبِيِّ وَّهِ يَقْرَأُ، وَفَرَسٌ لَهُ مَرْبُوطُ فِي الدَّارِ، فَجَعَلَ يَثْفِرُ، فَخَرَجَ الرَّجُلُ فَنَظَرَ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا، وَجَعَلَ يَثْفِرُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ ذَكَرَ ذلِكَ لِلنَّبِيِّ وَّرِ فَقالَ: ((تِلْكَ السَّكِينَةُ تَنَزَّلَتْ بِالقُرآنِ» . وبه قال: (حدّثنا عبيد الله بن موسى) بضم العين مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (عن إسرائيل) بن يونس بن أبي إسحق السبيعي (عن) جده (أبي إسحاق عن البراء) بن عازب (رضي الله عنه) أنه (قال: بينما) بالميم (رجل من أصحاب النبي بَّر) هو أسيد بن حضير (يقرأ) أي سورة الكهف كما عند المؤلف في فضلها وعنده أيضًا في باب نزول السكينة عن محمد بن إبراهيم عن أسيد بن حضير قال بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة وهذا ظاهره التعدّد وقد وقع نحو من هذه لثابت بن قيس بن شماس، لكن في سورة البقرة (وفرس له مربوط) ولأبي ذر مربوطة (في الدار فجعل) الفرس (ينفر) بنون وفاء مكسورة وراء مهملة (فخرج الرجل) ليرى ما ينفر فرسه (فنظر فلم يرَ شيئًا وجعل) الفرس (ينفر فلما أصبح) الرجل (ذكر ذلك للنبي وَّر فقال): (تلك) أي التي نفرت منها الفرس (السكينة) قيل هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. وعن الربيع بن أنس لعينها شعاع وقال الراغب ملك يسكن قلب المؤمن وقال النووي المختار إنها شيء من المخلوقات فيه طمأنينة ورحمة ومعه الملائكة (تنزلت بالقرآن) أي بسببه ولأجله. قال التوربشتي: وإظهار هذه الأمثال للعباد من باب التأييد الإلّهي يؤيد به المؤمن فيزداد يقينًا ويطمئن قلبه بالإيمان إذا کوشف بها. ٥ - باب قَوْلِه: ﴿إِذْ يُبابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (باب قوله) عز وجل: (﴿إذ يبايعونك تحت الشجرة﴾) [الفتح: ١٨] متعلق بيبايعونك أو بمحذوف على أنه حال من المفعول وكان عليه الصلاة والسلام جالسًا تحتها وسقط باب قوله لغير أبي ذر. ٤٨٤٠ - حدّثنا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ألْفًا وَأَزْبَعْمائَةٍ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو ابن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري رضي الله عنهما أنه (قال: كنا يوم الحديبية) بتخفيف الياء وتشديدها لغتان وأنكر كثير من أهل اللغة التخفيف وقال أبو عبيد البكري أهل ٧٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح العراق يثقلون وأهل الحجاز يخففون (ألفًا وأربعمائة). وفي حديث البراء بن عازب عند المؤلف في المغازي أربع عشرة مائة، وعنه أيضًا من طريق زهير عند المؤلف أيضًا ألفًا وأربعمائة أو أكثر، وعن جابر خمس عشرة مائة، وعن عبد الله بن أبي أوفى كان أصاب الشجرة ألفًا وثلاثمائة وكانت أسلم ثمن المهاجرين بضم المثلثة والميم والجمع بين هذا الاختلاف أنهم كانوا أكثر من ألف وأربعمائة فمن قال ألفًا وخمسمائة جبر الكسر، ومن قال ألفًا وأربعمائة ألغاه، وأما قول ابن أبي أوفى ألفًا وثلاثمائة فيحمل على ما اطّلع هو عليه وأطلع غيره على زيادة لم يطّلع هو عليها والزيادة من الثقة مقبولة. وهذا الحديث ذكره المؤلف في المغازي. ٤٨٤١ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنا شَبابَةُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ قُتَادَةَ قالَ: سَمِعْتُ عُقْبَةَ بْنَ صُهْبَانَ عَنْ عَبْدِ الله بْنِ مُغَفَّلِ الْمُزَنِيِّ، مِمَّنْ شَهِدَ الشَّجَرَةَ، نَهَى النَّبِيِّ وَّهَ عَنِ الْخَذْفِ. [الحديث - ٤٨٤١ أطرافه في: ٥٧٤٩، ٦٢٢٠]. وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) هو المديني ولأبي ذر عن المستملي علي بن سلمة هو اللبقي بلام وموحدة مفتوحتين ثم قاف مكسورة خفيفة وبه جزم الكلاباذي والأكثرون بالأوّل قال: (حدّثنا شبابة) بفتح المعجمة والموحدتين المخففتين بينهما ألف ابن سوّار بفتح المهملة وتشديد الواو المدائني قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة أنه (قال: سمعت عقبة بن صهبان) بضم الصاد المهملة وسكون الهاء وبعد الموحدة ألف فنون الأزدي البصري (عن عبد الله بن مغفل) بضم الميم وفتح الغين المعجمة والفاء المشددة (المزني) بالميم المضمومة والزاي المفتوحة والنون المكسورة (ممن) ولغير أبي ذر أني ممن (شهد الشجرة نهى النبي ◌َلجز عن الخذف) بفتح الخاء المعجمة وسكون الدال المعجمة وبالفاء وهو الرمي بالحصى من الأصبعين. ٤٨٤٢ - وعن عُقْبَةَ بْنِ صُهْبانَ، قالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ الله بْنَ الْمُغَفِّلِ الْمُزَنِيِّ فِي الْبَوْلِ فِي الْمُغْتَسَلِ. (وعن عقبة بن صهبان) بالسند السابق أنه (قال: سمعت عبد الله بن المغفل) بالتعريف ولأبي ذر مغفل (المزني في البول في المغتسل) بفتح السين اسم لموضع الاغتسال زاد أبو ذر عن الحموي والأصيلي فيما ذكره في الفتح وغيره يأخذ منه الوسواس وعند النسائي والترمذي وابن ماجة مرفوعًا نهى أن يبول الرجل في مستحمه، وقال: إن عامة الوسواس منه. وقال الترمذي: غريب. وقال الحاكم على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقد أورد المؤلف الحديث الموقوف لبيان التصريح بسماع ابن صهبان من ابن مغفل والمرفوع الأول لقوله إني ممن شهد الشجرة لمطابقة الترجمة . ٧٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة الفتح ٤٨٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ خالِدٍ عَنْ أبِي قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ رَضِيَ الله عَنْهُ، وَكانَ مِنْ أصْحابِ الشَّجَرَةِ. وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن الوليد) بن عبد الحميد البسري بالموحدة المضمومة والمهملة الساكنة القرشي أبو عبد الله البصري من ولد بسر بن أرطأة وقول العيني كالكرماني البشري بالموحدة والمعجمة سهو وإنما هو بالمهملة قال (حدّثنا محمد بن جعفر) غندر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن خالد) الحذاء (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد بن زيد (عن ثابت بن الضحاك) الأشهلي (رضي الله عنه وكان من أصحاب الشجرة) لم يذكر المتن بل اقتصر على المحتاج منه وفي المغازي من طريق أخرى عن أبي قلابة أن ثابت بن الضحاك أخبره أنه بايع النبي وَلهو تحت الشجرة. ٤٨٤٤ - حدّثنا أخْمَدُ بْنُ إسْحُقَ السَّلَمِيُّ، حَدَّثَنا يَعْلى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ سِياهٍ عَنْ حُبَيْبٍ بْنِ أبِي ثابِتٍ قَالَ: أَتَيْتُ أبا وائِلِ أسْألُهُ فَقالَ: كُنَّا بِصِفْينَ، فَقالَ رَجُلٌ: ألَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يُدْعَوْنَ إلى كِتابِ الله تَعالى، فَقالَ عَلِيٍّ: نَعَمْ. فَقالَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفِ: أنَّهِمُوا أَنْفُسَكُمْ، فَلَقَدْ رَأيْتُنا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، يَعْنِي الصُّلْحَ الَّذِي كَانَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَّهُ وَالْمُشْرِكِينَ وَلَوْ نَرى قِتالاً لَقَاتَلْنَا فَجاءَ عُمَرُ فَقالَ أَسْنا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ أَلَيْسَ قَتْلانا فِي الْجَنَّةِ، وَقَتْلاهُمْ فِي النَّارِ؟ قالَ: بَلَى، قالَ: فَفيمَ أُعْطِي الدِّنِيَّةَ فِي دِينَنا. وَنَرْجِعُ وَلَمَّا يَحْكُمُ الله بَيْتَنا؟ فَقَالَ: يَا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنِّي رَسُولُ الله، وَلَنْ يُضَيِّعَنِي الله أُبَدًا، فَرَجَعَ مُتَغَيْظًا فَلَمْ يَصْبِرْ حَتَّى جاءَ أبا بَكْرٍ، فَقالَ: يا أبا بَكْرٍ أَسْنا عَلَى الْحَقِّ وَهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ؟ قالَ: يا ابْنَ الْخَطَّابِ: إِنَّهُ رَسُولُ اللهِوَّهِ، وَلَنْ يُضَيِّعَهُ الله أَبَدًا، فَنَزَلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ . وبه قال: (حدّثنا أحمد بن إسحاق) بن الحصين أبو إسحاق (السلمي) بضم السين وفتح اللام السرماري البخاري نسبة إلى سرماري بفتح السين قرية من قرى بخارى قال: (حدّثنا يعلى) بفتح التحتية وسكون المهملة وفتح اللام ابن عبيد الطنافسي قال: (حدّثنا عبد العزيز بن سياه) بكسر المهملة وبعد التحتية المخففة ألف فهاء منوّنة فارسي معرب معناه الأسود (عن حبيب بن أبي ثابت) واسمه قيس بن دينار الكوفي أنه (قال أتيت أبا وائل) بالهمزة شقيق بن سلمة (أسأله) لم يذكر المسؤول عنه وفي رواية أحمد أتيت أبا وائل في مسجد أهله أسأله عن هؤلاء القوم الذين قتلهم علي يعني الخوارج (فقال: كنا بصفين) بكسر الصاد المهملة والفاء المشددة موضع بقرب الفرات كان به الوقعة بين علي ومعاوية (فقال رجل) هو عبد الله بن الكوّاء: (ألم تر إلى الذين يدعون) بضم الياء وفتح العين وفي اليونينية بفتح الياء وضم العين (إلى كتاب الله تعالى فقال علي: نعم) أنا أولى بالإجابة إذا دعيت إلى العمل بكتاب الله وعند النسائي بعد قوله بصفين فلما استحرّ القتل بأهل الشام قال عمرو بن العاص لمعاوية أرسل المصحف إلى علي فادعه إلى كتاب الله فإنه لن يأبى ٧٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجرات عليك فأتى به رجل فقال: بيننا وبينكم كتاب الله. فقال علي: أنا أولى بذلك بيننا كتاب الله فجاءته الخوارج ونحن نسميهم يومئذٍ القراء وسيوفهم على عواتقهم، فقالوا: يا أمير المؤمنين ما ننتظر لهؤلاء القوم ألا نمشي إليهم بسيوفنا. (فقال سهل بن حنيف): بضم الحاء وفتح النون (اتهموا أنفسكم) في هذا الرأي وإنما قال ذلك لأن كثيرًا منهم أنكروا التحكيم وقالوا لا حكم إلا الله فقال علي كلمة حق أريد بها باطل (فلقد رأيتنا) يريد رأيت أنفسنا (يوم الحديبية يعني الصلح الذي كان بين النبي (وَلقر و) بين (المشركين ولو نرى) بنون المتكلم مع غيره (قتالاً لقاتلنا فجاء عمر) إلى النبي وَلقر (فقال: ألسنا على الحق وهم) يريد المشركين (على الباطل أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار؟ قال) عليه الصلاة والسلام : (بلى، قال) عمر (فقيم أعطي) بضم الهمزة وكسر الطاء ولأبي ذر نعطي بالنون بدل الهمزة (الدنية) بكسر النون وتشديد التحتية أي الخصلة الدنية وهي المصالحة بهذه الشروط الدالة على العجز (في ديننا ونرجع ولما يحكم الله بيننا فقال) عليه الصلاة والسلام: (يا ابن الخطاب إني رسول الله ولن يضيعني الله أبدًا، فرجع) عمر حال كونه (متغيظًا) لأجل إذلال المشركين كما عرف من قوّته في نصرة الدين وإذلال المشركين (فلم يصبر حتى جاء أبا بكر) رضي الله عنهما (فقال: يا أبا بكر ألسنا على الحق وهم على الباطل؟ قال: يا ابن الخطاب أنه رسول الله و38َّ) سقطت التصلية لأبي ذر (ولن يضيعه الله أبدًا فنزلت سورة الفتح). ومراد سهل بن حنيف بما ذكره أنهم أرادوا يوم الحديبية أن يقاتلوا ويخالفوا ما دعوا إليه من الصلح ثم ظهر أن الأصلح ما شرعه الرسول وَط قه من الصلح ليقتدوا بذلك ويطيعوا عليًّا فيما أجاب إليه من التحكيم. [٤٩] سُورَة الْحُجُرات (بِسْمِ الله الرَّحْمْنِ الرَّحِيم). وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿لا تُقَدِّمُوا﴾: لا تَفْتَاتُوا عَلَى رَسُولِ اللهِوَلَهُ حَتَّى يَقْضِيَ الله عَلى لِسانِهِ. ﴿امْتَحَنَ﴾: أخْلَصَ. ﴿تَنَابَزُوا﴾: يُدْعى بِالْكُفْرِ بَعْدَ الإسْلامِ. يَلِتُكُمْ: يَنْقُصْكُمْ. أَلَتْنَا: نَقَصْنا. ([٤٩] سورة الحجرات) مدنية وآيها ثمان عشرة ولأبي ذر: سورة الحجرات (بسم الله الرحمن الرحيم) وسقطت البسملة لغير أبي ذر. (وقال مجاهد) فيما وصله عبد بن حميد في قوله تعالى: (﴿لا تقدموا)) [الحجرات: ١] بضم أوله وكسر ثالثه أي (لا تفتاتوا على رسول الله ( 9) بشيء (حتى يقضي الله على لسانه) ما شاء وقال الزركشي الظاهر أن هذه التفسير على قراءة ابن عباس بفتح التاء والدال وكذا قيده ٧٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجرات البياسي وهي قراءة يعقوب الحضرمي والأصل لا تتقدموا فحذف إحدى التاءين وقال في المصابيح متعقبًا لقول الزركشي ليس هذا بصحيح بل هذا التفسير متأتٌ على القراءة المشهورة أيضًا فإن قدم بمعنى تقدم قال الجوهري وقدم بين يديه أي تقدم قال الله تعالى: ﴿لا تقدموا بين يدي الله﴾ [الحجرات: ١] اهـ. قال الإمام فخر الدين: والأصح أنه إرشاد عامّ يشمل الكل ومنع مطلق يدخل فيه كل افتيات وتقدم واستبداد بالأمر وإقدام على فعل غير ضروري من غير مشاورة. (﴿امتحن﴾) في قوله تعالى: ﴿أولئك الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى﴾ [الحجرات: ٣] قال مجاهد فيما وصله الفريابي أي (أخلص) من امتحن الذهب إذا أذابه وميز إبريزه من خبيثه. (﴿تنابزوا﴾) ولأبي ذر: ولا تنابزوا قال مجاهد فيما وصله الفريابي بنحوه أي (لا يدعى) الرجل (بالكفر بعد الإسلام) وقال الحسن كان اليهودي والنصراني يسلم فيقال له بعد إسلامه يا يهودي يا نصراني فنهوا عن ذلك وزاد أبو ذر قبل قوله: تنابزوا باب بالتنوين وسقط لغيره. (يلتكم) قال مجاهد فيما وصله الفريابي أي (ينقصكم) من أجوركم (ألتنا) أي (نقصنا) وهذا الأخير من سورة الطور وذكره استطرادًا. ١ - باب ﴿لا تَرْفَعُوا أصواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآيَةَ. ﴿تَشْعُرُون﴾: تَعْلَمُونَ وَمِنْهُ الشَّاعِرُ (﴿لا ترفعوا﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين لا ترفعوا ((أصواتكم فوق صوت النبي﴾) [الحجرات: ٢] (الآية) أي إذا كلمتموه لأنه يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام ومن خشي قلبه ارتجف وضعفت حركته الدافعة فلا يخرج منه الصوت بقوة ومن لم يخف بالعكس وليس المراد بنهي الصحابة عن ذلك أنهم كانوا مباشرين ما يلزم منه الاستخفاف والاستهانة كيف وهم خير الناس بل المراد أن التصويت بحضرته مباين لتوقيره وتعزيره. (﴿تشعرون﴾) أي (تعلمون. ومنه الشاعر) والمعنى أنكم إن رفعتم أصواتكم وتقدمتم فذلك يؤدي إلى الاستحقار وهو يفضي إلى الارتداد وهو محبط وقوله: ﴿وأنتم لا تشعرون﴾ إشارة إلى أن الردة تتمكن من النفس بحيث لا يشعر الإنسان فإن مَن ارتكب ذنبًا لم يرتكبه في عمره تراه نادمًا غاية الندامة خائفًا غاية الخوف فإذا ارتكبه مرارًا قلّ خوفه وندامته ويصير عادة أعاذنا الله من سائر المكروهات. ٤٨٤٥ - حدثنا يَسَرَةُ بْنُ صَفْوانَ بْنِ جَمِيلِ اللَّخْمِيُّ، حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ عُمَرَ عَنِ ابْنِ أبِي مُلَيْكَةَ. قالَ: كَادَ الْخَيْرانِ أنْ يَهْلِكا أبا بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما، رَفَعا أصواتَهُما عِنْدَ النَّبِيِّ وَّلـ حينَ قَدِمَ عَلَيْهِ رَكْبُ بَنِي تَمِيمٍ، فَأَشارَ أحَدُهُما بِالأقْرَعِ بْنِ حابِسٍ أَخِي بَنِي مُجاشِعٍ، وَأشارَ الآخَرُ بِرَجُلٍ آخَرَ قَالَ نافِعٌ لا أحْفَظُ اسْمَهُ، فَقالَ أَبُو بَكْرٍ لعُمَرَ: ما أرَدْتُ إلَّ خِلافِي قَالَ: ما أرَدْتُ ٨٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجرات خِلافَكَ، فَارْتَفَعَتْ أصْواتُهُما فِي ذلِكَ، فَأَنْزَلَ الله: ﴿يا أيّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ﴾ [الحجرات: ٢] الآيَةَ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ: فَما كانَ عُمَرُ يُسْمِعُ رَسُولَ اللهِوَل بَعْدَ هذِهِ الآيَةِ حَتَّى يَسْتَفْهِمَهُ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذلِكَ عَنْ أبِهِ. يَغْنِي أبا بَكْرٍ . وبه قال: (حدّثنا يسرة بن صفوان بن جميل) بفتح التحتية والسين المهملة المخففة وجميل بفتح الجيم وكسر الميم (اللخمي) بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة قال: (حدّثنا نافع بن عمر) الجمحي المكي (عن أبي مليكة) بضم الميم مصغرًا عبد الله أنه (قال: كاد الخيران) بفتح المعجمة وتشديد التحتية الفاعلان للخير الكثير (أن يهلكا) بكسر اللام وإثبات أن قبل وحذف نون الرفع في الفرع وأصله نصب بأن ولأبي ذر يهلكان بنون الرفع مع ثبوت أن قبل وقال في الفتح كاد الخيران هلكان يعني بحذف أن وإثبات نون الرفع لأبي ذر وفي رواية يهلكا بحذف النون نصب بتقدير أن قال وقد أخرجه أحمد عن وكيع عن نافع عن ابن عمر بلفظ أن يهلكا ونسبها ابن التين لرواية أبي ذر (أبا بكر) نصب خبر كاد (وعمر) عطف عليه (رضي الله عنهما) ولأبي ذر أبو بكر وعمر بالرفع فيهما (رفعا أصواتهما عند النبي ◌َّلثر حين قدم عليه ركب بني تميم) سنة تسع وسألوا النبي و ير أن يؤمر عليهم أحدًا (فأشار أحدهما) هو عمر بن الخطاب كما عند ابن جريج في الباب التالي (بالأقرع) واسمه فراس (بن حابس أخي بني مجاشع) بضم الميم وبعد الجيم ألف فشين معجمة فعين مهملة التميمي الدارمي (وأشار الآخر) هو أبو بكر (برجل آخر قال نافع) الجمحي (لا أحفظ اسمه) في الباب التالي أنه القعقاع بن معبد بن زرارة (فقال أبو بكر لعمر) رضي الله عنهما (ما أردت إلا خلافي) بتشديد اللام بعد همزة مكسورة أي ليس مقصودك إلا مخالفة قولي، ولأبي ذر عن الكشميهني في الفرع كأصله ونسبها الحافظ ابن حجر لحكاية السفاقسي ما أردت إلى خلافي بلفظ حرف الجر وما على هذه الرواية استفهامية أي أيّ شيء قصدت منتهيًا إلى مخالفتي (قال) ولأبي ذر فقال أي عمر (ما أردت خلافك فارتفعت أصواتهما في ذلك فأنزل الله) تعالى: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم) الآية قال) ولأبي ذر فقال (ابن الزبير) عبد الله (فما كان عمر) رضي الله عنه (يسمع رسول الله وَ لي بعد هذه الآية حتى يستفهمه) وفي رواية وكيع في الاعتصام فكان عمر بعد ذلك إذا حدّث النبي وَلقول بحديث يحدّثه كأخي السرار لم يسمعه حتى يستفهمه (ولم يذكر ذلك) عبد الله بن الزبير (عن أبيه) يريد جده لأمه أسماء (يعني أبا بكر) الصديق وإطلاق الأب على الجد مشهور. وسياق هذا الحديث صورته صورة الإرسال لكن في آخره أنه حمله عن عبد الله بن الزبير ويأتي في الباب اللاحق التصريح بذلك. ٤٨٤٦ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الله، حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ سَعْدٍ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عَوْنٍ قَالَ: أَنْبَأْنِي مُوسَى بْنُ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَفْتَقَدَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ، فَقالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَعْلَمُ لَكَ عِلْمَهُ، فَأَتَاهُ فَوَجَدَهُ جالِسًا فِي بَيْتِهِ مُتَكْسًا رَأْسَهُ، فَقالَ لَهُ: ما