Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
[٣٢] تَنْزِيلُ السَّجْدَةِ
وَقَالَ مُجاهِدٌ ﴿مَهِينٍ﴾: ضَعيفٍ، نُطْفَةُ الرَّجُلِ. ﴿ضَلَلْنا): هَلَكْنا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ
﴿الْجُرُزُ﴾: الَّتي لا تُمْطَرُ إِلاَّ مَطَرًا لاَ يُغْنِي عَنْهَا شَيْئًا. ﴿نَهْدِ﴾: نُبَيْنُ.
([٣٢] تنزيل السجدة)
ولأبي ذر: سورة السجدة بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغير أبي ذر.
(وقال مجاهد) فيما وصله ابن أبي حاتم (﴿مهين﴾) في قوله تعالى: ﴿ثم جعل نسله من
سلالة من ماء مهين﴾ [السجدة: ٨] معناه (ضعيف) وهو (نطفة الرجل).
وقال مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي ((ضللنا﴾) في قوله: ﴿وقالوا أئذا ضللنا في
الأرض﴾ [السجدة: ١٠] أي (هلكنا) في الأرض وصرنا ترابًا.
(وقال ابن عباس) فيما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿أو لم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض
الجزر﴾ [السجدة: ٢٧] (الجزر) هي (التي لا تمطر) ولأبي ذر والأصيلي لم تمطر (إلا مطرًا لا يغني
عنها شيئًا) وقيل اليابسة الغليظة التي لا نبات فيها والجزر هو القطع فكأنها المقطوع عنها الماء
والنبات .
(﴿نهد﴾) أي (نبين) بالنون فيهما ولأبوي ذر والوقت يهد يبين بالمثناة التحتية فيهما ومراده
تفسير ﴿أو لم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون﴾ [السجدة: ٢٦].
١ - باب قَوْلِهِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧]
(باب قوله) تعالى: (﴿فلم تعلم نفسٌ ما أخفيَ لهم﴾﴾ [السجدة: ١٧] زاد أبو ذر من قرّة
أعين أي مما تقرّ به عيونهم وما في أخفي موصولة ونفس نكرة في سياق النفي فتعم جميع الأنفس
أي لا يعلم الذي أخفاه الله لهم لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل قال بعضهم: أخفوا أعمالهم
فأخفى الله ثوابهم.
٤٧٧٩ - حدّثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنْ أَبي الزناد عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ الله عَنْهُ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَّرِ قَالَ: ((قَالَ الله تَبَارَكَ وَتَعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبادِي الصَّالِحِينَ ما لا
عَيْنٌ رَأَتْ، وَلا أُذُنْ سَمِعَتْ وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ)). قالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: أَقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُمْ ﴿فَلا
تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةٍ أَعْيُنٍ﴾. وَحَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبي
هُرَيْرَةً قالَ: قَالَ الله مِثْلَهُ قِيلَ لِسُفْيَانَ رِوايَةٌ؟ قَالَ: فَأَيُّ شَيْءٍ؟ قالَ أَبُو مُعارِيَةَ عَنِ الأَغْمَشِ عَنْ
أَبي صالِحٍ قَرَأَ أَبُو هُرَيْرَةً قُرَّاتٍ.

٥٠٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة (عن أبي الزناد)
عبد اللَّه بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن
رسول الله ◌َو) أنه (قال):
(قال الله تبارك وتعالى) ولأبي ذر عز وجل بدل تبارك وتعالى (أعددت لعبادي الصالحين ما لا
عين رأت).
قال في شرح المشكاة: ما هنا إما موصولة أو موصوفة وعين وقعت في سياق النفي فأفاد
الاستغراق والمعنى ما رأت العيون كلهن ولا عين واحدة منهن والأسلوب من باب قوله تعالى:
﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع﴾ [غافر: ١٨] يحتمل نفي الرؤية والعين معًا أو نفي الرؤية
فحسب أي لا رؤية ولا عين أو لا رؤية وعلى الأوّل الغرض منه نفي العين وإنما ضمت إليه
الرؤية ليؤذن بأن انتفاء الموصوف أمر محقق لا نزاع فيه وبلغ في تحققه إلى أن صار كالشاهد على
نفي الصفة وعكسه ومثله قوله:
(ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) من باب قوله تعالى: ﴿يوم لا ينفع الظالمين
معذرتهم﴾ [غافر: ٥٢] أي لا قلب ولا خطور أو لا خطور فعلى الأوّل ليس لهم قلب يخطر
فجعل انتفاء الصفة دليلاً على انتفاء الذات أي إذا لم نحصل ثمرة القلب وهو الأخطار قد قلب
كقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع﴾ [ق: ٣٧] وخص البشر
هنا دون القرينتين السابقتين لأنهم الذين ينتفعون بما أعدّ لهم ويهتمون لشأنه ببالهم بخلاف
الملائكة .
(قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرّة أعين﴾)
[السجدة: ١٧] والحديث كالتفصيل لهذه الآية لأنها نفت العلم وهو نفي طرق حصوله وقد ذكره
المصنف في صفة الجنة من كتاب بدء الخلق.
(وحدّثنا سفيان) هو موصول كسابقه وللأصيلي وابن عساكر قال: علي يعني ابن المديني
وحدّثنا سفيان ولأبي ذر حدّثنا علي قال: حدّثنا سفيان يعني ابن عيينة قال: (حدّثنا أبو الزناد)
عبد الله (عن الأعرج) عبد الرحمن (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قال الله مثله) أي
مثل ما في الحديث السابق.
(قيل لسفيان) بن عيينة (رواية) أي تروي رواية عن النبي وليوأم من اجتهادك (قال فأي
شيء)؟ لولا الرواية كنت أقول؟
(قال) ولأبي ذر وابن عساكر وقال: (أبو معاوية) محمد بن خازن الضرير فيما وصله أبو
عبيد القاسم بن سلام في فضائل القرآن له (عن الأعمش) سليمان (عن أبي صالح) ذكوان السمان
أنه قال: (قرأ أبو هريرة قرأت) جمعًا بالألف والتاء لاختلاف أنواعها وهي قراءة الأعمش والقرة

٥٠٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة السجدة
مصدر وحقه أن لا يجمع لأن المصدر اسم جنس والأجناس أبعد شيء عن الجمعية لكن جعلت
القرة هنا نوعًا فجاز جمعها كقوله هناك أحزان وحسن لفظ الجمع إضافة القرات إلى لفظ الأعين
ولأبي ذر والأصيلي وابن عساكر زيادة أعين.
٤٧٨٠ - حدثني إِسْحُقُ بْنُ نَصْرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنِ الأَغْمَشِ. حَدَّثَنَا أَبُو صالِحٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ◌َّهِ: ((يَقُولُ الله تَعالى: أَعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصَّالِحِينَ مَا لاَ عَيْنٌ
رَأَتْ، وَلا أُذُنّ سَمِعَتْ، وَلا خَطَرَ عَلَى قَلْبٍ بَشَرٍ، ذُخْرًا بَلْهَ ما اطْلِعْتُمْ عَلَيْهِ». ثُمَّ قَرَأَ: ((﴿فَلاَ
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعيُنٍ جَزَاءٌ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (إسحاق بن نصر) هو إسحاق بن إبراهيم بن
نصر البخاري قال: (حدّثنا أبو أسامة) حماد بن أسامة (عن الأعمش) سليمان أنه قال: (حدّثنا أبو
صالح) ذكوان السمان (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي بَّ) أنه قال:
(يقول الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين) في الجنة (ما لا عين رأت ولا أذن سمعت
ولا خطر على قلب بشر) وفي حديث المغيرة بن شعبة عند مسلم مرفوعًا: قال موسى عليه
السلام: يا رب ما أدنى أهل الجنة منزلة الحديث إلى أن قال فأعلاهم منزلة. قال: الذين أردت
غرست كرامتهم بيدي وختمت عليها فلم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على قلب بشر (ذخرًا)
بضم الذال وسكون الخاء المعجمتين كذا في الفرع. وقال: في الصحاح في فصل الذال المعجمة
ذخرت الشيء أذخره ذخرًا وكذلك أذخرته وهو افتعلت، وقول الحافظ ابن حجر بضم المهملة
وسكون المعجمة سهو أو سبق قلم، وقال الكرماني: وذخرًا منصوب متعلق بأعددت وقال في
الفتح أي جعلت ذلك لهم مدخورًا (بله ما أطلعتم عليه) بضم الهمزة وكسر اللام ولأبي الوقت ما
أطلعتهم بفتح الهمزة واللام وزيادة هاء بعد التاء وقوله بله بفتح الموحدة وسكون اللام وفتح الهاء
وللأربعة من بله بزيادة من الجارة وجر بله بها كذا في الفرع المعتمد المقابل على أصل اليونيني
المحرر بحضرة إمام العربية أبي عبد الله بن مالك وكذا رأيته في أصل اليونيني المذكور وحينئذٍ
فينظر في قول الصغاني اتفق جميع نسخ الصحيح على من بله والصواب إسقاط كلمة من وقول ابن
التين أن بله ضبط مع من بالفتح والكسر هو حكاية ما وجده فلا يمنع ما ذكرته من الفتح مع
عدم الجار والكسر مع ثبوته فأما الفتح فقال الجوهري، وبله كلمة مبنية على الفتح مثل كيف
ومعناها دع وأنشد قول كعب بن مالك يصف السيوف:
تذر الجماجم ضاحيا هاماتها بله الأكف كأنها لم تخلق
قال في المغني: وقد روي بالأوجه الثلاثة: قال شارحه: ومعنى بله الأكف على رواية
النصب دع الأكف فأمرها سهل وعلى رواية الجر كترك الأكف منفصلة، وعلى الرفع فكيف الأكف
التي يوصل إليها بسهولة.

٥٠٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
وأما وجه الفتح مع ثبوت من فقال الرضى: إذا كانت بله بمعنى كيف جاز أن تدخله من
حكى أبو زيد أن فلانًا لا يطيق حمل الفهر فمن بله أن يأتي بالصخرة أي كيف ومن أين قال في
المصابيح وعليه تتخرج هذه الرواية فتكون بمعنى كيف التي يقصد بها الاستبعاد وما مصدرية وهي
مع صلتها في محل رفع على الابتداء والخبر من بله والضمير المجرور بعلى عائد على الذخر أي
كيف ومن أين اطلاعكم على ما ادخرته لعبادي الصالحين فإنه أمر عظيم قلما تتسع عقول البشر
لإدراكه والإحاطة به. قال: وهذا أحسن ما يقال في هذا المحل: اهـ.
وأما الجر فوجه بأن بله بمعنى غير والكسرة التي على الهاء حينئذٍ إعرابية قال في الفتح وهو
أي کون بله بمعنى غير أوضح التوجيهات لخصوص سياق حديث الباب حيث وقع فيه ولا خطر
على قلب بشر ذخرًا من بله ما اطلعتم عليه وذلك بين لمن تأمله اهـ.
وقال أبو السعادات في نهايته بله اسم من أسماء الأفعال بمعنى دع واترك تقول بله زيدًا
وقد توضع موضع المصدر وتضاف فتقول بله زيد أي نترك زيد وقوله: ما اطلعتم عليه يحتمل أن
يكون منصوب المحل ومجرور على التقديرين، والمعنى دع ما اطلعتم عليه من نعيم الجنة وعرفتموه
من لذاتها اهـ. زاد الخطابي فإنه سهل يسير في جنب ما ادّخرته لهم.
(ثم قرأ) عليه الصلاة والسلام: (﴿فلا تعلم نفسٌ ما أُخفي لهم من قرة أعين جزاء بما
كانوا يعملون﴾) جزاء مفعول له أي أخفي للجزاه فإن إخفاءه لعلوّ شأنه أو مصدر مؤكد لمعنى
الجملة قبله أي جزوا جزاء، وقول الزمخشري فحسم أطماع المتمنين يعني بقوله ﴿جزاء بما كانوا
يعملون﴾ نزعة اعتزالية، ومراده بالمتمنين أهل السنة القائلين بأن المؤمن العاصي موعود بالجنة لا بد
له منها وفاء بعهده تعالى لأنه وعده بها ووعده حق وجعل العمل كالسبب للوعد فعبر به في
قوله: ((جزاء بما كانوا يعملون﴾) عنه لصدق الوعد في النفوس وتصويره بصورة المستحق
بالعمل كالأجرة من مجاز التشبيه وعند أبي ذر تقديم حدّثني إسحق بن نصر إلى آخر يعملون على
قوله قال أبو معاوية عن الأعمش.
وهذا الحديث من أفراده.
[٣٣] سورة الأحزاب
وَقَالَ مُجَاهِدٌ ﴿صَياصِيهِمْ﴾ قُصُورُهُمْ. ﴿النَّبِيُّ أَوْلِى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٦].
١ - باب
([٣٣] الأحزاب)
مدنية وهي ثلاث وسبعون آية ولأبي ذر وابن عساكر: سورة الأحزاب بسم الله الرحمن
الرحيم وسقطت البسملة لغيرهما كلفظ السورة نعم ثبتت للنسفي كلهما.

٥٠٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله: ((صياصيهم))
هي (قصورهم) وحصونهم جمع صيصة يقال لكل ما يمتنع به ويتحصن صيصة ومنه قيل لقرن
الثور ولشوكة الديك صيصة والصياصي أيضًا شوكة الحاكة وتتخذ من حديد. قال دريد بن
الصمة :
كوقع الصياصي في النسيج الممدد
(﴿النبي أولى بالمؤمنين﴾) في الأمور كلها (﴿من أنفسهم﴾﴾ [الأحزاب: ٦] من بعضهم
ببعض في نفوذ حكمه ووجوب طاعته عليهم وقال ابن عباس رضي الله عنهما وعطاء يعني إذا
دعاهم النبي ◌َّر ودعتهم أنفسهم إلى شيء كانت طاعة النبي ◌َّ أولى بهم من طاعة أنفسهم اهـ.
وإنما كان ذلك لأنه لا يأمرهم ولا يرضى منهم إلا بما فيه صلاحهم ونجاحهم بخلاف
النفس وقوله النبي الخ ثابت في رواية أبي ذر فقط.
٤٧٨١ - حدّثني إِنْراهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُلَيْحٍ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ هلالِ بْنِ عَلِيِّ
عَنْ عَبْدِ الرَّحْمْنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ وََّ قالَ: ((ما مِنْ مُؤْمِنٍ
إِلاَّ وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ. أَقْرَؤُوا إِنْ شِئْتُم ﴿النِّيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾
فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مالاً فَلْيَرِثْهُ عَصَبَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنَا أَوْ ضَيَاعًا فَلْيَأْتِي وَأَنَّ مَوْلاهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: بالجمع (إبراهيم بن المنذر) القرشي الحزامي قال:
(حدّثنا محمد بن فليح) بضم الفاء وفتح اللام آخره حاء مهملة مصغرًا قال: (حدّثنا أبي) فليح بن
سليمان الخزاعي الأسلمي (عن هلال بن علي) العامري المدني وقد ينسب إلى جده أسامة (عن
عبد الرحمن بن أبي عمرة) بفتح العين وسكون الميم الأنصاري النجاري بالجيم قيل: ولد في
عهده ◌َّ﴿ وقال ابن أبي حاتم وليست له صحبة (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي بَّ) أنه
(قال):
(ما من مؤمن إلا وأنا أولى الناس به) أي أحقهم به (في) كل شيء من أمور (الدنيا
والآخرة) وسقط لأبي ذر لفظ الناس (اقرؤوا إن شئتم) قوله عز وجل: (﴿النبي أولى بالمؤمنين من
أنفسهم﴾) استنبط من الآية أنه لو قصده عليه الصلاة والسلام ظالم وجب على الحاضر من المؤمنين
أن يبذل نفسه دونه ولم يذكر عليه الصلاة والسلام ما له من الحق عند نزول هذه الآية بل ذكر ما
عليه فقال (فأيما مؤمن ترك مالاً) أي أو حقًّا من الحقوق بعد وفاته (فليرثه عصبته من كانوا)،
وهم عصبة بنفسه وهو من له ولاء وكل ذكر نسيب يدلى للميت بلا واسطة أو بتوسط محض
الذكور وعصبة بغيره وهو كل ذات نصف معها ذكر يعصبها وعصبة مع غيره وهو أخت فأكثر
لغير أم معها بنت أو بنت ابن فأكثر (فإن ترك دينًا) عليه لأحد (أو ضياعًا) بفتح الضاد المعجمة
عيالاً ضائعون لا شيء لهم ولا قيم (فليأتني) كل من رب الدين أوفه والضائع من العيال أكفله

٥٠٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
(وأنا) بالواو ولأبوي الوقت وذر فأنا (مولاه) أي ولي الميت أتولى عنه أموره.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلاة على من ترك دينًا من الاستقراض.
٢ - باب ﴿أَدْعُوهُمْ لِبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ الله﴾ [الأحزاب: ٥]
هذا (باب) بالتنوين في قوله جل وعلا (﴿ادعوهم﴾) انسبوهم (﴿لآبائهم﴾) أي الذين
ولدوهم (﴿هو أقسط عند الله﴾) [الأحزاب: ٥] أي أعدل تعليل لسابقه وسقط هو أقسط عند الله
لغير أبوي الوقت وذر وباب لغير أبي ذر.
٤٧٨٢ - حدّثنا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ، حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ قالَ:
حَدَّثَنِي سالِمٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُما أَنَّ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ مَوْلِى رَسُولِ اللَّهِ وَِّ، ما
كُنَّا نَدْعُوهُ إِلاَّ زَيْدَ بْنَ مُحَمَّدٍ، حَتَّى نَزَلَ الْقُرآنُ ﴿آدْعُوهُمْ لِبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا معلى بن أسد) بضم الميم وفتح العين المهملة واللام المشددة العمي أبو
الهيثم البصري قال: (حدّثنا عبد العزيز بن المختار) الدباغ البصري مولى حفصة بنت سيرين قال:
(حدّثنا موسى بن عقبة) الإمام في المغازي مولى آل الزبير بن العوّام (قال حدثني) بالإفراد (سالم
عن) أبيه (عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن زيد بن حارثة مولى رسول الله وَلقو ما كنا ندعوه
إلا زيدًا بن محمد) لأنه و * كان تبناه قبل النبوّة (حتى نزل القرآن (ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند
الله﴾) فأمر بردّ نسبهم إلى آبائهم في الحقيقة ونسخ ما كان في ابتداء الإسلام من جواز اذعاء
الأبناء الأجانب.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الفضائل والترمذي في التفسير والمناقب والنسائي في
التفسير .
٣ - باب ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضْى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً﴾
[الأحزاب: ٢٣] نَحْبَهُ: عَهْدَهُ. أَقْطارِها: جَوانِبها. الْفِتْنَةَ لأَتَوْها: لأَعْطَوْها
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿فمنهم﴾) من الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله
عليه أي من الثبات مع الرسول والمقاتلة لإعلاء الدين (﴿من قضى نحبه﴾) يعني حمزة وأصحابه
(﴿ومنهم من ينتظر﴾) الشهادة كعثمان وطلحة ينتظرون أحد أمرين إما الشهادة أو النصر (﴿وما
بدلوا﴾) العهد ولا غيروه (﴿تبديلاً﴾﴾ [الأحزاب: ٢٣] شيئًا من التبديل بخلاف المنافقين فإنهم
قالوا لا نولي الأدبار وبدلوا قولهم وولوا أدبارهم (﴿نحبه﴾) أي (عهده) والمعنى ومنهم من فرغ
من نذره ووفى بعهده فصبر على الجهاد وقاتل حتى قتل والنحب النذر فاستعير للموت لأنه كنذر
لازم في رقبة کل حيوان.

٥٠٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
(﴿أقطارها﴾) في قوله تعالى: ﴿ولو دخلت عليهم من أقطارها﴾ [الأحزاب: ١٤] هي
(جوانبها) ثم سئلوا (﴿الفتنة لآتوها﴾) أي (لأعطوها) والمعنى ولو دخل عليهم المدينة أو
البيوت من جوانبها ثم سئلوا الردّة ومقاتلة المسلمين لأعطوها ولم يمتنعوا وسقط لفظ باب
لغير أبي ذر.
٤٧٨٣ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الأَنْصَارِيُّ، قالَ: حَدَّثَنِي أَبي
عَنْ ثُمَامَةً عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ قَالَ: نُرَى هذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي أَنَسِ بْنِ النَّضْرِ ﴿مِنَ
الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣].
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار
العبدي البصري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد اللَّه الأنصاري قال:
حذّثني) بالإفراد (أبي) عبد الله (عن) عمه (ثمامة) بضم المثلثة وتخفيف الميمين ابن عبد الله بن
أنس (عن) جده (أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: نرى) بضم النون أي نظن أن (هذه
الآية نزلت في أنس بن النضر) بالنون المفتوحة والضاد المعجمة الساكنة ابن ضمضم الأنصاري
(﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) وكان قتل يوم أُحد.
٤٧٨٤ - حدّثَنَا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبَرَنِي خَارِجَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ
ثابتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثابتٍ قالَ: لمَّا نَسَخْنَا الصَّحُفَ فِي الْمَصاحِفِ، فَقَدْتُ آيَةً مِنْ سُورَةِ الأَخْزَابِ
كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ وَ﴿ يَقْرَؤُها لَمْ أَجِدْها مَعَ أَحَدٍ، إِلَّ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ الَّذِي جَعَلَ
رَسُولُ اللهِ وَلِهِ شَهَادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عاهَدُوا الله عَلَيْهِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (خارجة بن زيد بن ثابت)
الأنصاري (أن) أباه (زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف) التي كانت عند حفصة (في
المصاحف) بأمر عثمان رضي الله عنه (فقدت) بفتح الفاء والقاف (آية من سورة الأحزاب كنت
أسمع) ولأبوي ذر والوقت عن المستملي: كنت كثيرًا أسمع (رسول الله وَلخير يقرؤها لم أجدها مع
أحد إلا مع خزيمة) أي ابن ثابت (الأنصاري الذي جعل رسول الله وَلقر شهادته شهادة رجلين)
خصوصية له وهي قوله تعالى: ((من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾) لا يقال إن
ثبوتها كان بطريق الآحاد والقرآن إنما يثبت بالتواتر لأنها كانت متواترة عندهم، ولذا قال: كنت
أسمع النبي ﴿ يقرؤها، وقد قال عمر: أشهد لقد سمعتها من رسول الله وَّر، وعن أبيّ بن
کعب وهلال بن أمية وغيره مثله.
وهذا الحديث قد سبق في أوائل الجهاد في باب قوله: ﴿من المؤمنين رجال﴾.

٥٠٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
٤ - باب قَوْله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ
إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرّخكُنَّ سراحًا جميلاً﴾
[الأحزاب: ٢٨] وَقَالَ مَعْمَرّ التََّرُّجُ: أَنْ تُخْرِجَ مَحاسِنَها. سُنَّةَ الله أَسْتَنَّها: جَعَلَها
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة
الدنيا﴾) السعة والتنعم فيها وذلك أنهن سألنه من عرض الدنيا وطلبن منه زيادة في النفقة وآذينه
بغيرة بعضهن (﴿وزينتها﴾) أي زخارفها (﴿فتعالین أمتعكن﴾) متعة الطلاق (﴿وأسرحكن سراحًا
جميلاً﴾﴾ [الأحزاب: ٢٨] أطلقكن طلاق السنة من غير إضرار، وفي قوله: (﴿فتعالين أمتعكن
وأسرحكن﴾) إشعار بأنها لو اختارت واحدة الفراق لا يكون طلاقًا. وقوله: ﴿أمتعكن وأسرحكن﴾
جزم جواب الشرط وما بين الشرط وجزائه معترض ولا يضر دخول الفاء جملة الاعتراض أو
الجواب قوله: ((فتعالين)) و((أمتعكن)) جواب لهذا الأمر، وسقط لأبي ذر: وأسرحكن الخ وقال بعد
أمتعكن الآية .
(وقال معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة بينهما ابن المثنى أبو عبد الله التيمي مولاهم
البصري النحوي. وقال الحافظ ابن حجر: وتوهم مغلطاي ومن قلده أنه معمر بن راشد فنسب
هذا إلى تخريج عبد الرزاق في تفسيره عن معمر ولا وجود لذلك في كتاب عبد الرزاق وإنما
أخرج عن معمر عن ابن أبي نجيح عن مجاهد في هذه الآية قال: كانت المرأة تخرج تتمشى بين
الرجال فذلك تبرج الجاهلية اهـ.
وتعقبه العيني فقال: لم يقل مغلطاي ابن راشد وإنما قال: هذا رواه عبد الرزاق عن معمر
ولم يقل أيضًا في تفسيره حتى يشنع عليه بأنه لم يوجد في تفسيره وعبد الرزاق له تآليف أخر غير
تفسيره وحيث أطلق معمرًا يحتمل أحد المعمرين أهـ.
وأجاب الحافظ ابن حجر في كتابه الانتقاض فقال: هذا اعتذار واهٍ فإن عبد الرزاق لا رواية
له عن معمر بن المثنى وتآليف عبد الرزاق ليس فيها شيء يشرح الألفاظ إلا التفسير، وهذا
تفسيره موجود ليس فيه هذا اهـ. وسقط وقال معمر لغير أبي ذر.
(﴿التبرج﴾) في قوله تعالى: ﴿ولا تبرجن تبرج الجاهلية الأولى﴾ [الأحزاب: ٣٣] هو (أن
تخرج) المرأة (محاسنها) للرجال. وقال مجاهد وقتادة: التبرج التكسر والتغنج وقيل التبختر وتبرج
الجاهلية مصدر تشبيهي أي مثل تبرج والجاهلية الأولى ما بين آدم ونوح أو الزمان الذي ولد فيه
الخليل إبراهيم كانت المرأة تلبس درعًا من اللؤلؤ فتمشي وسط الطريق تعرض نفسها على الرجال
أو ما بين نوح وإدريس وكانت ألف سنة والجاهلية الأخرى ما بين عيسى ونبينا وَّه وقيل الجاهلية
الأولى الكفر قبل الإسلام والجاهلية الأخرى جاهلية الفسوق في الإسلام.

٥٠٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
(﴿سنة الله﴾) في قوله تعالى: ﴿سنة الله في الذين خلوا من قبل﴾ [الأحزاب: ٣٨] أي
(استنها جعلها) قاله أبو عبيدة وقال: جعلها سنّة أهـ.
والمعنى: أن سنة الله في الأنبياء الماضين أن لا يؤاخذهم بما أحل لهم. وقال الكلبي
ومقاتل: أراد داود حين جمع بينه وبين تلك المرأة وكذلك محمد زَّل وزينب.
٤٧٨٥ - حدّثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنَّ عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َّرَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَِّ جَاءَها حِينَ أَمَرَ
الله أَنْ يُخَيَّرَ أَزْواجَهُ، فَبَدَأَ بِي رَسُولُ اللهِ وَّهِ فَقَالَ: ((إِنِّي ذاكِرٌ لَكِ أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ تَسْتَعْجِلي
حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ))، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ. قَالَتْ ثُمَّ قالَ: «إِنَّ الله قالَ:
﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيِّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ﴾)) إِلى تَمَامِ الآيَتَيْنِ فَقُلْتُ لَهُ: فَفي أَيِّ هذا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ
الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. [الحديث ٤٧٨٥ - طرافة في: ٤٧٨٦].
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن
عوف (أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي* أخبرته أن رسول الله وَلهل جاءها حين أمر الله)
بإسقاط ضمير المفعول ولأبي ذر أمره الله (أن يخيّر أزواجه) بين الدنيا والآخرة أو بين الإقامة
والطلاق قال الماوردي الأشبه بقول الشافعي الثاني وهو الصحيح. وقال القرطبي: والنافع الجمع
بين القولين لأن أحد الأمرين ملزوم بالآخر وكأنهن خيرن بين الدنيا فيطلقهن وبين الآخرة
فيمسكهن (فبدأ بي رسول الله وَّي) في التخيير قبلهن (فقال):
(إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليك أن تستعجلي) أي لا يلزمك الاستعجال ولأبي ذر أن لا
تستعجلي أي لا بأس عليك في التأني وعدم العجلة (حتى تستأمري أبويك) أي تطلبي منهما
المشورة .
وفي حديث جابر عند مسلم: حتى تستشيري أبويك. وعند أحمد: إني عارض عليك أمرًا
فلا تفتاتي فيه بشيء حتى تعرضيه على أبويك أبي بكر وأم رومان وهو يرد على من زعم أن أم
رومان ماتت سنة ست من الهجرة فإن التخيير كان في سنة تسع قالوا: وإنما أمرها عليه السلام
باستشارتهما خشية أن يحملها صغر السن على اختيار الفراق فإذا استشارت أبويها أرشداها لما فيه
المصلحة. ولذا لما فهمت عائشة ذلك قالت:
(وقد علم) عليه السلام (أن أبوي) بالتشديد (لم يكونا يأمراني بفراقه. قالت: ثم قال) عليه
السلام: (إن الله قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إلى تمام الآيتين﴾) [الأحزاب: ٢٨، ٢٩] وهو
قوله فإن الله أعدّ للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا وهل كان هذا التخيير واجبًا عليه وَ﴿ ولا ريب
أن القول واجب عليه لأنه إبلاغ للرسالة لقوله تعالى: (﴿قل﴾) وأما التخيير؛ (فقلت له) عليه

٥١٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
السلام: (ففي أي هذا) ولأبي ذر عن المستملي ففي أي شيء (أستأمر أبوي فإني أريد الله ورسوله
والدار الآخرة) زاد محمد بن عمرو عند أحمد والطبراني، ولا أوامر أبوي أبا بكر، وأم رومان
فضحك وأي اسم معرب يستفهم به نحو ﴿فبأي حديث بعده يؤمنون﴾ [المرسلات: ٥٠] ﴿وأيكم
زادته هذه إيمانًا﴾ [التوبة: ١٢٤].
وحديث الباب أخرجه المؤلف أيضًا في الطلاق وكذا مسلم، وأخرجه النسائي في النكاح
والطلاق والترمذي في التفسير.
٥ - باب قوله [تعالى]: ﴿وَإِنْ كُثْتُنَّ تُرِدْنَ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ الله أَعَدَّ
لِلْمُخْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٢٩] وَقَالَ قَتَادَةُ: ﴿وَأَذْكُرْنَ ما يُتْلُى في
بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ الله وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ
(باب قوله) تعالى: (﴿وإن كنتن تردن الله ورسوله﴾) رضا الله ورسوله (﴿والدار الآخرة﴾)
نعيم الجنة (﴿فإن الله أعد للمحسنات منكن أجرًا عظيمًا﴾) [الأحزاب: ٢٩] ثوابًا جزيلاً في
الجنة تستحقر دونه الدنيا وزينتها ومن للبيان لأنهن كلهن كن محسنات وسقط باب قوله لغير أبي
ذر.
(وقال قتادة) فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله تعالى: ((واذكرن ما يتلى في بيوتكن من
آيات الله والحكمة﴾) [الأحزاب: ٣٤] هما (القرآن والسنة) لف ونشر مرتب ولأبوي ذر والوقت
من آيات الله القرآن والحكمة السنة. قال في الأنوار: وهو تذكير بما أنعم عليهن حيث جعلهن
أهل بيت النبوّة ومهبط الوحي وما شهدن من برحاء الوحي مما يوجب قوّة الإيمان والحرص على
الطاعة حثًا على الانتهاء والائتمار فيما كلفن.
وَقَالَ اللَّيْثُ:
٤٧٨٦ - حقدني يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ، أَنَّ
عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِّ وَ قَالَتْ: لَمَّا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ وَهِ بِتَخْبِيرِ أَزْواجِهِ بَدَأَ بِي فَقالَ: ((إِنِّي ذاكِرٌ لَكِ
أَمْرًا، فَلا عَلَيْكِ أَنْ لا تَعْجِلِي حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْكِ)). قَالَتْ: وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونا
يَأْمُرانِي بِفِراقِهِ. قَالَتْ: ثُمَّ قَالَ: ((إِنَّ الله جَلَّ ثَنَاؤُهُ قالَ: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ
تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا﴾ - إِلَى - ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾)) قالَتْ فَقُلْتُ: فَي أَيْ هِذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنّي
أريدُ الله وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةِ. قَالَتْ: ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ نَّهِ مِثْلَ مَا فَعَلْتُ. تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ
أَغْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ
مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةً عَنْ عَائِشَةً.

٥١١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
(وقال الليث) بن سعد الإمام فيما وصله الذهلي عن أبي صالح عنه (حدّثني) بالإفراد
(يونس) بن يزيد (عن ابن شهاب) الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن
عبد الرحمن بن عوف (أن عائشة زوج النبي ◌ّج قالت لما أمر رسول الله وَليز) أمر وجوب
(بتخيير أزواجه) وكن يومئذ تسع نسوة خمسة من قريش عائشة بنت أبي بكر وحفصة بنت عمر وأم
حبيبة بنت أبي سفيان وسودة بنت زمعة وأم سلمة بنت أبي أمية وصفية بنت حيي بن أخطب
الخيرية وميمونة بنت الحارث الهلالية وزينب بنت جحش الأسدية وجويرية بنت الحارث المصطلقة
(بدأ بي) إنما بدأ بها رضي الله عنها على غيرها من أزواجه # لفضلها كما قاله النووي أو لأنها
كانت السبب في التخيير لأنها طلبت منه ثوبًا فأمره الله بالتخيير رواه ابن مردويه من طريق الحسن
عن عائشة لكن الحسن لم يسمع من عائشة فهو مرسل (فقال):
(إني ذاكرٌ لكِ أمرًا، فلا عليك أن لا تعجلي) بفتح الجيم وإسقاط السين أي لا بأس عليك
في عدم العجلة (حتى تستأمري أبويك) فيه وزاد في رواية عمرة عن عائشة عند الطبري
والطحاوي وخشي رسول الله وَ لقر حداثتي لأن الصغر مظنة لنقص الرأي، فإذا استشارت أبويها
أوضحا لها ما فيه المصلحة (قالت: وقد علم أن أبوي لم يكونا يأمراني بفراقه قالت: ثم قال) عليه
الصلاة والسلام: (إن الله جل ثناؤه) ولأبي ذر عز وجل (قال: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إن
كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها إلى أجرًا عظيمًا﴾) فيه أن سبب التخيير سؤالهن رضي الله عنهن
منه عليه الصلاة والسلام الدنيا وزينتها فقيل أنهن اجتمعن يومًا فقلن نريد ما تريد النساء من
الحلي، وطلبت أم سلمة سترًا معلمًا، وميمونة حلة يمانية، وزينب ثوبًا مخططًا، وأم حبيبة ثوبًا
سحوليًا وسألته كل واحدة منهن شيئًا.
قال النقاش: إلا عائشة وآلمن قلبه عليه السلام بمطالبتهن له بتوسعة الحال فأنزل الله التخيير
لئلا يكون لأحد منهن منّة عليه في الصبر على ما اختاره عليه الصلاة والسلام من خشونة العيش.
وعند الإمام أحمد رضي الله عنه من حديث جابر: أقبل أبو بكر رضي الله عنه يستأذن على
رسول الله وَ ﴿ والناس ببابه جلوس والنبي ◌َّير جالس فلم يؤذن له، ثم أقبل عمر فاستأذن فلم
يؤذن له، ثم أذن لأبي بكر وعمر فدخلا والنبي وَّر جالس وحوله نساؤه وهو ساكت فقال عمر:
لأكلمن رسول الله ◌َ و لعله يضحك فقال عمر: يا رسول الله لو رأيت ابنة زيد امرأة عمر سألتني
النفقة آنقًا فوجأت عنقها، فضحك النبي ◌َّ حتى بدا ناجذه وقال: هن حولي يسألنني النفقة،
فقام أبو بكر إلى عائشة ليضربها وقام عمر إلى حفصة كلاهما يقولان تسألان النبي وَ لجر ما ليس
عنده، فنهاهما رسول الله 18 فقلن نساؤه والله لا نسأل رسول الله ولو بعد هذا المجلس ما ليس
عنده قال: وأنزل الله عز وجل الخيار فبدأ بعائشة. ورواه مسلم منفردًا به دون البخاري وزاد: ثم
اعتزلهن شهرًا أو تسعًا وعشرين ثم نزلت عليه هذه الآية: ﴿يا أيها النبي قل لأزواجك إلى
عظيمًا﴾ قال فبدأ بعائشة.

٥١٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
وسبق في المظالم من طريق عقيل عن ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن
ابن عباس عن عمر في قصة المرأتين اللتين تظاهرتا الحديث بطوله وفيه: فاعتزل النبي ◌َّ من
أجل ذلك الحديث حين أفشته حفصة إلى عائشة: وكان قد قال ما أنا بداخل عليهن شهرًا من شدّة
موجدته حين عاتبه الله فلما مضت تسع وعشرون دخل على عائشة فبدأ بها فقالت له عائشة: إنك
أقسمت أن لا تدخل علينا شهرًا وإنا أصبحنا لتسع وعشرين ليلة أعدّها عدًّا فقال النبي وَلو:
((الشهر تسع وعشرون)) وكان ذلك الشهر تسعًا وعشرين. قالت عائشة: فأنزل الله آية التخيير فبدأ
بي أول امرأة.
قال في الفتح: فاتفق الحديثان على أن آية التخيير نزلت عقب فراغ الشهر الذي اعتزلهن
فيه، لكن اختلفا في سبب الاعتزال ويمكن الجمع بأن يكونا جميعًا سبب الاعتزال فإن قصة
المتظاهرتين خاصة بهما وقصة سؤال النفقة عامة في جميع النسوة ومناسبة آية التخيير بقصة سؤال
النفقة أليق منها بقصة المتظاهرتين اهـ.
(قالت) عائشة: (فقلت ففي أي) الأمرين من (هذا) الذي ذكرته (أستأمر أبوي فإني أريد الله
ورسوله والدار الآخرة) وهذا يدل على كمال عقلها وصحة رأيها مع صغر سنها (قالت: ثم فعل
أزواج النبي ◌َّ مثل ما فعلت) من اختيار الله ورسوله والدار الآخرة بعد أن خيرهن (تابعه) أي
تابع الليث (موسى بن أعين) بفتح الهمزة والتحتية بينهما عين ساكنة الجزري بالجيم والزاي والراء
الحراني فيما وصله النسائي (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه
(قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة) بن عبد الرحمن بن عوف (وقال، عبد الرزاق) بن همام فيما
وصله مسلم وابن ماجة (وأبو سفيان) محمد بن حميد السكري (المعمري) بفتح الميمين بينهما عين
ساكنة مما وصله الذهلي في الزهريات (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري عن عروة) بن الزبير
(عن عائشة). وفيه إشارة إلى ما وقع من الاختلاف على الزهري في الواسطة بينه وبين عائشة في
هذه القصة، ولعل الحديث كان عند الزهري عنهما فحدث به تارة عن هذا وتارة عن هذا، وإلى
هذا جنح الترمذي، وقد رواه عقيل وشعيب عن الزهري عن عائشة بغير واسطة ولو اختارت
المخيرة نفسها وقعت طلقة رجعية عندنا وبائنة عند الحنفية. وفي هذا المبحث زيادة تأتي إن شاء الله
تعالى في الطلاق بعون الله وقوّته.
٦ - باب قَوْلُهُ: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ
وَتَخْشَى النَّاسَ وَالله أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧]
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله) عز وجل مخاطبًا لنبيه صلوات الله وسلامه عليه في قصة
زينب وزيد (﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾) وهو نكاح زينب إن طلقها زيد أو إرادة طلاقها أو
إخبار الله إياه أنها ستصير زوجته كما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق السدي لفظ: بلغنا أن هذه
الآية نزلت في زينب بنت جحش: وكانت أمها أميمة بنت عبد المطلب عمة رسول الله والتر،

٥١٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
وكان رسول الله ## أراد أن يزوّجها زيد بن حارثة مولاه فكرهت ذلك ثم إنها رضيت بما صنع
رسول الله 85* فزوجها إياه ثم أعلم الله نبيه بعد أنها من أزواجه فكان يستحي أن يأمره بطلاقها.
وعنده من طريق علي بن زيد عن علي بن الحسين بن علي قال: أعلم الله نبيه أن زينب ستكون من
أزواجه قبل أن يتزوّجها فلما أتاه زيد يشكوها إليه وقال له: اتق الله وأمسك عليك زوجك قال
الله: إني قد أخبرتك إني مزوجكها وتخفي في نفسك ما الله مبديه، لكن في الثاني علي بن زيد بن
جدعان وهو ضعيف.
(﴿وتخشى الناس﴾) أي تعبيرهم إياك به والواو عطف على تقول أي وإذ تجمع بين قولك
كذا وإخفاء كذا وخشية الناس (﴿والله أحق أن تخشاه﴾﴾ [الأحزاب: ٣٧] وحده إن كان فيه ما
يخشى والواو للحال وسقط قوله باب لغير أبي ذر.
٤٧٨٧ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحيمِ، حَدَّثَنَا مُعَلَّى بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، حَدَّثَنا
ثابِتْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا الله مُبْدِيهِ﴾ نَزَلَتْ في
شَأْنِ زَيْنَبَ أَبْنَةٍ جَحْشٍ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ. [الحديث ٤٧٨٧ - طرفه في: ٧٤٢٠].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني بالإفراد (محمد بن عبد الرحيم) صاعقة قال:
(حدّثنا معلى بن منصور) الرازي نزيل بغداد (عن حماد بن زيد) اسم جده درهم الأزدي الجهضمي
البصري قال: (حدّثنا ثابت) البناني (عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن هذه الآية (﴿وتخفي في
نفسك ما الله مبديه﴾ نزلت في شأن زينب ابنة جحش) ولأبي ذر بنت جحش بإسقاط الألف
(وزيد بن حارثة) كذا اقتصر على هذا القدر من هذه القصة هنا.
وأخرجه بأتم من هذا في باب: وكان عرشه على الماء من كتاب التوحيد من وجه آخر على
حماد بن زيد عن ثابت عن أنس قال: جاء زيد بن حارثة يشكو فجعل النبي وَلهو يقول: اتق الله
وأمسك عليك زوجك. قالت عائشة: لو كان رسول الله وَلتر كاتما شيئًا لكتم هذه الآية. قال:
فكانت زينب تفخر على أزواج النبي و لا تقول: زوجكن أهاليكن وزوجني الله من فوق سبع
سموات.
وعن ثابت: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس﴾ [الأحزاب: ٣٧] نزلت في
شأن زينب وزيد بن حارثة وذكر ابن جرير وابن أبي حاتم هنا آثارًا لا ينبغي إيرادها وما ذكرته فيه
مقنع والله يهدينا إلى سواء السبيل بمنّه وكرمه.
٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ أَبْتَغَيْتَ
مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: تُرْجِي: تُؤَخِّرُ. أَرْجِه: أَخْرُهُ
(باب قوله) عز وجل: (﴿ترجي﴾) تؤخر (﴿من تشاء منهن﴾) من الواهبات (﴿وتؤوي﴾)
وتضم (﴿إليك من تشاء﴾)، منهن (﴿ومن ابتغيت﴾) ومن طلبت (﴿ممن عزلت﴾) رددت أنت
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٣٣

٥١٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
منهن فيه بالخيار إن شئت عدت فيه فآويته (﴿فلا جناح عليك﴾) [الأحزاب: ٥١] في شيء من
ذلك. قال عامر الشعبي: كن نساء وهبن أنفسهن له ﴿ فدخل ببعض وأوجأ بعضًا منهن أم
شريك وهذا شاذ والمحفوظ أنه لم يدخل بأحد من الواهبات كما سيأتي قريبًا في هذا الباب إن شاء
الله تعالى، أو المراد بالإرجاء والإيواء القسم وعدمه لأزواجه أي إن شئت تقسم لهن أو لبعضهن
وتقدم من شئت وتؤخر من شئت وتجامع من شئت وتترك من شئت، كذا روي عن ابن عباس
ومجاهد والحسن وقتادة وغيرهم، وذلك لأنه وَلقر بالنسبة إلى أمته نسبة السيد المطاع إلى عبده، ومن
ثم قال جماعة من الفقهاء من الشافعية وغيرهم لم يكن القسم واجبًا عليه صلوات الله وسلامه
عليه، وقد قال أبو رزين وابن زيد نزلت الآية عقب آية التخيير ففوّض الله تعالى أمرهن إليه يفعل
فيهن ما يشاء من قسم وتفضيل بعض في النفقة وغيرها فرضين بذلك واخترنه على هذا الشرط
رضي الله عنهن ومع ذلك قسم اختيارًا منه لا على سبيل الوجوب وسوى بينهن وعدل فيهن
کذلك.
وحديث الباب الأوّل يقتضي إن الآية نزلت في الواهبات، والثاني في أزواجه، واختار ابن
جرير أن الآية عامة في الواهبات واللاتي عنده وهو اختيار حسن جامع للأحاديث.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه (ترجي) أي
(تؤخر) وقوله: (أرجه) في الأعراف والشعراء أي (أخره) وذكره استطرادًا وهو من تفسير ابن
عباس فيما رواه ابن أبي حاتم.
٤٧٨٨ - حدّثنا زَكَرِيًّا بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ قالَ هِشامٌ: حَدَّثَنَا عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ الله عَنْهَا قَالَتْ: كُنْتُ أَغَارُ عَلَى اللَّتِي وَهَبْنَ أَنْفُسَهُنَّ لِرَسُولِ اللهِهِ وَأَقُولُ: أَتَهَبُ الْمَرْأَةُ
نَفْسَها؟ فَلَمَّا أَنْزَلَ الله تَعالى ﴿تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ
عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ﴾ قُلْتُ: ما أَرَى رَبِّكَ إِلاَّ يُسارعُ في هَواكَ. [الحديث ٤٧٨٨. طرفه:
٥١١٣].
وبه قال: (حدّثنا زكريا بن يحيى) أبو السكين الطائي الكوفي قال: (حدّثنا أبو أسامة)
حماد بن أسامة: (قال هشام) هو ابن عروة (حدّثنا) قال في الفتح فيه تقديم المخبر على الصيغة
وهو جائز وتقديره قال: حدّثنا هشام (عن أبيه) عروة بن الزبير بن العوام (عن عائشة رضي الله
عنها) أنها (قالت: كنت أغار على اللاتي وهبن أنفسهن لرسول الله(1) كذا روي بالغين المعجمة
من الغيرة وهي الحمية والأنفة. وعند الإسماعيلي من طريق محمد بن بشر عن هشام كانت تعير
اللاتي وهبن أنفسهن بعين مهملة وتشديد التحتية (وأقول: أنهب المرأة نفسها) وظاهر قوله وهبن
أن الواهبة أكثر من واحدة منهن خولة بنت حكيم وأم شريك وفاطمة بنت شريح وزينب بنت
خزيمة كما سيأتي في النكاح إن شاء الله تعالى الكلام على ذلك. وفي حديث سماك عن عكرمة

٥١٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
عن ابن عباس عند الطبري بإسناد حسن لم يكن عند رسول الله وَ لتر امرأة وهبت نفسها له،
والمراد أنه لم يدخل بواحدة ممن وهبن أنفسهن له وإن كان مباحًا له لأنه راجع إلى إرادته (فلما
أنزل الله تعالى ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي ليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح
عليك﴾ قلت ما أرى): بضم الهمزة أي ما أظن (ربك إلا يسارع في هواك) أي إلا موجدًا لك
مرادك بلا تأخير.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في النكاح والنسائي فيه وفي عشرة النساء والتفسير.
٤٧٨٩ - حدّثنا حِبَّانُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا عَبْدُ اللَّهِ أَخْبَرَنا عاصِمُ الأَخوَلُ عَنْ مُعاذَةً عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا: أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَّهَ كَانَ يَسْتَأْذِنُ فِي يَوْمِ الْمَرْأَةِ مِنَّا بَعْدَ أَنْ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ
﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنٍ أَبْتَغَيْتَ مِمِّنْ عَزَلْتَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكَ﴾ فَقُلْتُ
لَها: مَا كُنْتِ تَقُولِينَ؟ قَالَتْ كُنْتُ أَقُولُ لَهُ: إِنْ كانَ ذاكَ إِلَيَّ فَإِنِّي لا أُريدُ يَا رَسُولَ اللهِ أَنْ أُوثِرَ
عَلَيْكَ أَحَدًا. تابَعَهُ عَبَّدُ بْنُ عَبَّادٍ سَمِعَ عاصِمًا.
وبه قال: (حدّثنا حبان بن موسى) بكسر الحاء المهملة وتشديد الموحدة السلمي المروزي
قال: (أخبرنا عبد الله) بن المبارك قال: (أخبرنا عاصم) هو ابن سليمان (الأحول) البصري (عن
معاذة) بنت عبد الله العدوية (عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ﴿ كان يستأذن في يوم
المرأة منا) بإضافة يوم إلى المرأة أي يوم نوبتها إذا أراد أن يتوجه إلى الأخرى (بعد أن أنزلت هذه
الآية ﴿ترجي من تشاء منهن وتؤوي إليك من تشاء ومن ابتغيت ممن عزلت فلا جناح عليك﴾)
قالت معاذة: (فقلت لها) أي لعائشة مستفهمة: (ما كنت تقولين؟) له عليه الصلاة والسلام
(قالت: كنت أقول له إن كان ذاك) الاستئذان (إلي فإني لا أريد يا رسول الله أن أؤثر عليك أحدًا)
وظاهره أنه عليه الصلاة والسلام لم يرجىء أحدًا منهن وهو قول الزهري فيما أخرجه ابن أبي
حاتم ما أعلم أنه أرجى أحدًا من نسائه. (وتابعه) أي تابع عبد الله بن المبارك (عباد بن عباد)
بفتح العين والموحدة المشددة فيهما أبو معاوية المهلبي فيما وصله ابن مردويه في تفسيره فقال: إنه
(سمع عاصمًا) الأحول.
والحديث أخرجه مسلم في الطلاق وأبو داود في النكاح والنسائي في عشرة النساء.
٨ - باب قَوْلُهُ:
﴿لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِنَاهُ وَلْكِنْ إِذا دُعيتُمْ
فَادْخُلُوا فَإِذا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَديثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيِّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ
وَالله لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَظْهَرُ
لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَما كانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله وَلاَ أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ

٥١٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
ذَلِكُمْ كانَ عِنْدَ الله عَظيمًا﴾ يُقالُ إِناهُ: إِذْرَاكَهُ أَنْى يَأْنِى أَنَاةً. ﴿لَعَلِّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ إِذا
وَصَفْتَ صِفَةَ الْمُؤَنَّثِ قُلْتَ قَرِيبَةً، وَإِذا جَعَلْتَهُ ظَرْفًا وَبَدَلاً وَلَمْ تُرِدِ الصِّفَةَ نَزَعْتَ الْهَاءَ مِنْ
الْمُؤَنّثِ، وَكَذلِكَ لَفُْها فِي الْوَاحِدِ وَالاثْنَيْنِ وَالْجَميعِ لِلذَّكَرِ وَالأُنى.
هذا (باب) بالتنوين يذكر فيه (قوله: ﴿لا تدخلوا بيوت النبي إلا أن يؤذن لكم﴾) أي إلا
مصحوبين بالإذن فهي في موضع الحال أو إلا بسبب الإذن لكم فأسقط باء السبب وقال القاضي
كالزمخشري إلا وقت أن يؤذن لكم ورده أبو حيان بأن النحاة نصوا على أن المصدرية لا تقع موقع
الظرف لا يجوز آتيك أن يصيح الديك وإن جاز ذلك في المصدر الصريح نحو آتيك صياح الديك
(﴿إلى طعام)) متعلق بيؤذن لأنه بمعنى إلا أن تدعوا إلى طعام (﴿غير ناظرين إناه﴾) نصب على
الحال فعند الزمخشري العامل فيه يؤذن وعند غيره مقدر أي ادخلوا غير ناظرين إدراكه أو وقت
نضجه والمعنى لا ترقبوا الطعام ذا طبخ حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول فإن هذا مما
يكرهه الله ويذمه قال ابن كثير وهذا دليل على تحريم التطفيل وقد صنف الخطيب البغدادي كتابًا
في ذم الطفيليين ذكر فيه من أخبارهم ما يطول إيراده وأمال حمزة والكسائي أناه لأنه مصدر أنى
الطعام إذا أدرك (﴿ولكن إذا دعيتم فادخلوا فإذا طعمتم فانتشروا﴾) تفرقوا واخرجوا من منزله ولا
تمكثوا والآية إما تقديم أي لا تدخلوا إلى طعام إلا أن يؤذن لكم أولاً والثاني أولى لأن الأصل
عدم التقديم وحينئذٍ فالأذن مشروط بكونه إلى طعام فلو أذن لأحد أن يدخل بيوته لغير الطعام أو
لبث بعد الطعام لحاجة لا يجوز لكنا نقول الآية خطاب لقوم كانوا يتحينون طعام رسول الله وكل
فيدخلون ويقعدون منتظرين لإدراكه فهي مخصوصة بهم وبأمثالهم فيجوز ولا يشترط التصريح
بالإذن بل يكفي العلم بالرضا كما يشعر به قوله إلا أن يؤذن لكم حيث لم يبين الفاعل مع قوله أو
صديقكم (﴿ولا مستأنسين لحديث﴾) نصب عطفًا على غير أي لا تدخلوها غير ناظرين ولا
مستأنسين أو حال مقدرة أي لا تدخلوا هاجمين ولا مستأنسين أو جر عطفًا على ناظرين أي غير
ناظرين وغير مستأنسين واللام في لحديث للعلة أي لأجل أن يحدث بعضكم بعضًا والمعنى ولا
طالبين الأنس للحديث وكانوا يجلسون بعد الطعام يتحدثون طويلاً فنهوا عنه (﴿إن ذلكم﴾)
الانتظار والاستئناس (﴿كان يؤذي النبي﴾) لتضييق المنزل عليه وعلى أهله وإشغاله فيما لا يعنيه
(﴿فيستحيي منكم﴾) أي من إخراجكم فهو من تقدير المضاف بدليل قوله: (﴿والله لا يستحيي من
الحق﴾) أي أن إخراجكم حق فينبغي أن لا يترك حياء ولهذا نهاكم وزجركم عنه قال في الكشاف
وهذا أدب أدّب الله به الثقلاء وقال السمرقندي في الآية حفظ الأدب وتعليم الرجل إذا كان ضيفًا
لا يجعل نفسه ثقيلاً بل إذا أكل ينبغي أن يخرج (﴿وإذا سألتموهن متاعًا﴾) حاجة (فاسألوهن﴾)
المتاع (﴿من وراء حجاب﴾) أي ستر (﴿ذلكم)) أي الذي شرعته لكم من الحجاب (﴿أطهر
لقلوبكم وقلوبهن﴾) من الريب لأن العين روزنة القلب فإذا لم تر العين لا يشتهي القلب فهو عند
عدم الرؤية أطهر وعدم الفتنة حينئذٍ أظهر وهذه آية الحجاب وهي مما وافق تنزيلها قول عمر كما
سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ((وما كان لكم)) وما صح لكم (﴿أن تؤذوا رسول الله﴾) أن

٥١٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
تفعلوا شيئًا يكرهه (﴿ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا﴾) [الأحزاب: ٥٣] بعد وفاته أو فراقه
تعظيمًا له وإيجابًا لحرمته.
وفي حديث عكرمة عن ابن عباس مما رواه ابن أبي حاتم أن الآية نزلت في رجل همّ أن
يتزوج بعض نساء النبي وَّر بعده قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال قد ذكروا ذاك، وكذا قال
مقاتل وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن
عبيد الله رضي الله عنه حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك (﴿إن ذلكم)) أي إيذاءه ونكاح نسائه
(﴿كان عند الله﴾) ذنبًا (﴿عظيمًا﴾) وسقط لأبي ذر قوله: غير ناظرين إناه الخ وقال بعد قوله:
(إلى طعام) إلى قوله: (إن ذلكم كان عند الله عظيمًا يقال إناه) قال أبو عبيدة أي (إدراكه) وبلوغه
ويقال (أنى) بفتح الهمزة والنون (يأتى) بسكون الهمزة وفتح النون (أناة) بفتح الهمزة والنون من
غير همز آخره هاء تأنيث مقصور ولابن عساكر إناء بهمزة من غير هاء تأنيث وزاد أبو ذر: فهو
آن.
(﴿لعل الساعة تكون قريبًا﴾﴾ [الأحزاب: ٦٣] القياس أن يقول قريبة بالتاء وأجاب المؤلف
عنه بأنك (إذا وصفت صفة المؤنث قلت قريبة) بالتاء (وإذا جعلته ظرفًا) قال الكرماني: أي اسمًا
زمانيًا وعبارة أبي عبيدة مجازه مجاز الظرف (وبدلاً) أي عن الصفة يعني جعلته اسمًا مكان الصفة
(ولم ترد الصفة نزعت الهاء من المؤنث) فقلت قريبًا (وكذلك لفظها) أي لفظ الكلمة المذكورة إذا لم
ترد الصفة يستوي (في) لفظها (الواحد والاثنين والجميع للذكر والأنثى) بغير هاء وبغير جمع وبغير
تثنية. وقال في الدر الظاهر أن لعل تعلق كما يعلق التمني وقريبًا خبر كان على حذف موصوف
أي شيئًا قريبًا وقيل التقدير قيام الساعة فروعيت الساعة في تأنيث تكون وروعي المضاف المحذوف
في تذكير قريبًا، وقيل قريبًا كثر استعماله استعمال الظروف فهو هنا ظرف في موضع الخبر وسقط
لأبوي ذر والوقت وابن عساكر لفظ الواحد وقال العيني كابن حجر وسقط لغير أبي ذر والنسفي
قوله: لعل الساعة الخ وصوب لأنه ساقه في غير محله لتقديمه على الأحاديث المسوقة في معنى
قوله لا تدخلوا بيوت النبي إلى آخرها.
٤٧٩٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ عَنْ يَخيى عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ، قَالَ: قالَ عُمَرُ رَضِيَ الله عَنْهُ:
قُلْتُ يا رَسُولَ الله يَدْخُلُ عَلَيْكَ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ، فَلَوْ أمَرْتَ أُمَّهاتِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْحِجَابِ. فَأَنْزَلَ الله
آيَةَ الْحِجاب.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد (عن يحيى) هو ابن سعيد القطان ولأبي ذر حدّثنا
يحيى (عن حميد) الطويل (عن أنس) رضي الله عنه أنه (قال: قال عمر) بن الخطاب (رضي الله
عنه: قلت: يا رسول الله يدخل عليك) في بيوتك (البر والفاجر) هو الفاسق وهو مقابل البر (فلو
أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب فأنزل الله) تعالى (آية الحجاب) وهذا طرف من حديث ذكره في
باب ما جاء في القبلة من كتاب الصلاة وسورة البقرة أوله: وافقت ربي في ثلاث وقد تحصل من

٥١٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
جملة الأخبار لعمر من الموافقات خمسة عشر تسع لفظيات وأربع معنويات واثنتان في التوراة فأما
اللفظيات فمقام إبراهيم حيث قال: يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت
والحجاب وأسارى بدر حيث شاوره # فيهم فقال: يا رسول الله هؤلاء أئمة الكفر فاضرب
أعناقهم فهوى رسول الله وَ﴿ ما قاله الصديق من إطلاقهم وأخذ الفداء فنزلت ﴿ما كان لنبي أن
يكون له أسرى﴾ [الأنفال: ٦٧] رواه مسلم وغيره وقوله لأمهات المؤمنين: لتكففن عن
رسول الله # أو ليبدلنه الله أزواجًا خيرًا منكن فنزلت أخرجه أبو حاتم وغيره، وقوله لما اعتزل
عليه الصلاة والسلام نساءه في المشربة يا رسول الله: إن كنت طلقت نساءك فإن الله عز وجل
معك وجبريل وأنا وأبو بكر والمؤمنون فأنزل الله ﴿وإن تظاهرا عليه﴾ الآية، وأخذه بثوب
النبي وَ ل# لما قام يصلي على عبد الله بن أبي ومنعه من الصلاة عليه فأنزل الله ﴿ولا تصلُ على أحد
منهم مات أبدًا﴾ [التوبة: ٨٤] أخرجاه ولما نزل ﴿إن تستغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم﴾
قال عليه الصلاة والسلام: فلأزيدن على السبعين فأخذ في الاستغفار لهم فقال عمر: يا
رسول الله والله لا يغفر الله لهم أبدًا استغفرت لهم أم لم تستغفر لهم، فنزلت ﴿سواء عليهم
أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم لن يغفر الله لهم﴾ أخرجه في الفضائل ولما نزل قوله تعالى:
﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) إلى قوله: ﴿أنشأناه خلقًا آخر﴾ قال عمر: تبارك الله
أحسن الخالقين رواه الواحدي في أسباب النزول.
وفي رواية فقال النبي *: تزيد في القرآن يا عمر فنزل جبريل بها وقال إنها تمام الآية
خرجها السجاوندي في تفسيره، ولما استشاره عليه الصلاة والسلام في عائشة حين قال لها أهل
الإفك ما قالوا فقال عمر: يا رسول الله من زوجكها. قال الله تعالى، قال: أفتظن أن ربك دلس
عليك فيها (سبحانك هذا بهتان عظيم﴾ فأنزلها الله تعالى ذكره صاحب الرياض عن رجل من
الأنصار.
وأما المعنويات فروى ابن السمان في الموافقة أن عمر قال لليهود: أنشدكم بالله هل تجدون
وصف محمد رَ﴿ في كتابكم؟ قالوا: نعم. قال: فما يمنعكم من اتباعه؟ قالوا: إن الله لم يبعث
رسولاً إلا كان له من الملائكة كفيل وإن جبريل هو الذي يكفل محمدًا وهو عدوّنا من الملائكة
وميكائيل سلمنا فلو كان هو الذي يأتيه لاتبعناه قال عمر فإني أشهد أنه ما كان ميكائيل ليعادي
سلم جبريل وما كان جبريل ليسالم عدوّ ميكائيل فنزل ﴿قل من كان عدوًا لجبريل﴾ إلى قوله:
﴿عدوّ للكافرين﴾ [البقرة: ٩٧].
وعند القلعي أن عمر كان حريصًا على تحريم الخمر وكان يقول: اللهم بين لنا في الخمر
فإنها تذهب المال والعقل فنزل ﴿يسألونك عن الخمر والميسر﴾ [البقرة: ٢١٩] الآية. فتلاها عليه
عليه الصلاة والسلام فلم ير فيها بيانًا فقال: اللهم بين لنا فيها بيانًا شافيًا فنزل ﴿يا أيها الذين
آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى﴾ [النساء: ٤٣] فتلاها عليه، عليه الصلاة والسلام فلم ير

٥١٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
فيها بيانًا شافيًا فقال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا فنزل ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر
والميسر﴾ [المائدة: ٩٠] الآية. فتلاها عليه عليه الصلاة والسلام فقال عمر عند ذلك: انتهينا يا
رب انتهينا، وذكر الواحدي إنها نزلت في عمر ومعاذ ونفر من الأنصار، وعن ابن عباس أنه واله
أرسل غلامًا من الأنصار إلى عمر بن الخطاب وقت الظهيرة ليدعوه فدخل فرأى عمر على حالة
كره عمر رؤيته عليها فقال: يا رسول الله وددت لو أن الله أمرنا ونهانا في حال الاستئذان فنزلت
﴿يا أيها الذين آمنوا ليستأذنكم الذين ملكت أيمانكم﴾ [النور: ٥٨] الآية رواه أبو الفرج وصاحب
الفضائل، وقال بعد قوله: فدخل عليه وكان نائمًا وقد انكشف بعض جسده فقال: اللهم حرم
الدخول علينا في وقت نومنا فنزلت ولما نزل قوله تعالى: ﴿ثلة من الأوّلين وقليل من الآخرين﴾
[الواقعة: ١٣] بكى عمر وقال: يا رسول الله وقليل من الآخرين آمنا برسول الله وصدقناه ومن
ينجو منا قليل، فأنزل الله تعالى: ﴿ثلة من الأوّلين وثلة من الآخرين﴾ [الواقعة: ٣٩، ٤٠] فدعاه
رسول الله ﴿، وقال قد أنزل الله فيما قلت.
وأما موافقته لما في التوراة فعن طارق بن شهاب جاء رجل يهودي إلى عمر بن الخطاب
فقال: أرأيت قوله تعالى: ﴿وسارعوا إلى مغفرة من رَبَّكُم وجنة عرضها السموات والأرض أعدّت
للمتقين﴾ [آل عمران: ١٣٣] فأين النار؟ فقال لأصحاب النبي وَليقول: أجيبوه فلم يكن عندهم منها
شيء فقال عمر: أرأيت النهار إذا جاء أليس يملأ السموات والأرض؟ قال: بلى. قال: فأين
الليل؟ قال: حيث شاء الله عز وجل. قال عمر: فالنار حيث شاء الله عز وجل. قال اليهودي:
والذي نفسك بيده يا أمير المؤمنين إنها لفي كتاب الله المنزل كما قلت أخرجه الخلعي وابن السمان
في الموافقة. وروي أن كعب الأحبار قال يومًا عند عمر بن الخطاب: ويل لملك الأرض من ملك
السماء. فقال عمر: إلا من حاسب نفسه، فقال كعب: والذي نفسي بيده إنها لتابعتها في كتاب
الله عز وجل فخرّ عمر ساجدًا لله . اهـ.
ملخصًا من مناقب عمر من الرياض وزاد بعضهم آية الصيام في حل الرفث ﴿ونساؤكم
حرث لكم﴾ [البقرة: ٢٢٣] و﴿لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم﴾ [النساء: ٦٥] إذ أفتى
بقتل ونسخ الرسم لآيةٍ قد نزلت في الرجم وفي الأذان.
٤٧٩١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّقَاشِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمانَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبي
يَقُولُ، حَدَّثَنَا أَبُو مِجْلٍَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: لَمَّا تَزَوَّجَ رَسُولُ اللهِ﴿ زَيْتَبَ
أَبْنَةَ جَحْشٍ، دَعَا الْقَوْمَ فَطَعِمُوا ثُمَّ جَلَّسُوا يَتَحْدِثُونَ، وَإِذَا هُوَ كَأَنَّهُ يَتَهَيَّأُ لِلْقِيامِ، فَلَمْ يَقُومُوا، فَلَمَّا
رَأَى ذلِكَ قَامَ، فَلَمَّا قامَ قَامَ مَنْ قَامَ وَقَعَدَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فَجَاءَ النّبِيِّ ◌ِ﴿ لِيَدْخُلَ فَإِذَا الْقَوْمُ جُلُوسٌ،
ثُمَّ إِنَّهُمْ قَامُوا، فَانْطَلَقْتُ فَجِئْتُ فَأَخْبَرْتُ النَّبِيِّ وَ أَنَّهُمْ قَدِ أَنْطَلَقُوا فَجَاءَ حَتَّى دَخَلَ، فَذَهَبْتُ
أَدْخُلُ فَأَلْقَى الْحِجابَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ، فَأَنْزَّلَ الله ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾

٥٢٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأحزاب
[الأحزاب: ٥٣] الآيَةً. [الحديث ٤٧٩١ - أطرافه في: ٤٧٩٢ - ٤٧٩٣ - ٤٧٩٤ - ٥١٥٤ - ٥١٦٣.
٥١٦٦ - ٥١٦٨ - ٥١٧٠ - ٥١٧١ - ٥٤٦٦ - ٦٢٢٨ - ٦٢٢٩ - ٦٢٧١ - ٧٤٢١].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الرقاشي) بفتح الراء والقاف المشددة وبعد الألف معجمة
فتحتية نسبة لرقاش بنت ضبيعة قال: (حدّثنا معتمر بن سليمان قال سمعت أبي) سليمان بن
طرخان (يقول: حدّثنا أبو مجلز) بكسر الميم وسكون الجيم وبعد اللام المفتوحة زاي لاحق بن حميد
(عن أنس بن مالك رضي الله عنه) أنه (قال: لما تزوج رسول الله وَل* زينب ابنة جحش) سنة
ثلاث أو خمس يو غير ذلك ولأبي ذر بنت بإسقاط الألف (دعا القوم فطعموا ثم جلسوا يتحدثون)
فأطالوا الجلوس (وإذا هو) عليه الصلاة والسلام (كأنه يتهيأ للقيام) ليفطنوا لمراده فيقوموا لقيامه
(فلم يقوموا) وكان عليه الصلاة والسلام يستحي أن يقول لهم قوموا (فلما رأى ذلك قام) لكي
يقوموا ويخرجوا (فلما قام قام من قام وقعد ثلاثة نفر) لم يسموا يتحدثون في البيت وخرج عليه
الصلاة والسلام (فجاء النبي وَل# ليدخل) على زينب (فإذا القوم جلوس) في بيتها فرجع عليه
الصلاة والسلام (ثم أنهم قاموا) فخرجوا (فانطلقت فجئت فأخبرت النبي وَي أنهم قد انطلقوا
فجاء) عليه الصلاة والسلام (حتى دخل فذهبت أدخل فألقى الحجاب) أي الستر (بيني وبينه فأنزل
الله) تعالى (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي الآية)) [الأحزاب: ٥٣] بعد خروج
القوم.
٤٧٩٢ - حدثنا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ أَبِي قِلابَةَ، قَالَ
أَنَسُ بْنُ مالِكِ: أَنَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهِذِهِ الآيَةِ آَيَّةِ الْحِجَابِ: لَمَّا أُهْدِيَتْ زَيْتَبُ بِنْتُ جَخْشٍ رَضِيَ الله
عَنْهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ﴿ كَانَتْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ، صَنَعَ طَعامًا وَدَعَا الْقَوْمَ، فَقَعَدُوا يَتَحَدَّثُونَ، فَجَعَلَ
النّبِيِّ ◌َ﴿ يَخْرُجُ ثُمَّ يَرْجِعُ، وَهُمْ قُعُودْ يَتَحَدَّثُونَ، فَأَنْزَلَ الله تَعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا
بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلاَّ أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعامٍ غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ﴾ - إِلى قَوْلِهِ - ﴿مِنْ وَراءِ حِجَابٍ﴾
فَضُرِبَ الْحِجابُ، وَقَامَ الْقَوْمُ.
وبه قال: (حدّثنا سليمان بن حرب) الواشحي قاضي مكة قال: (حدّثنا حماد بن زيد) اسم
جده درهم (عن أيوب) السختياني (عن أبي قلابة) بكسر القاف عبد الله الجرمي أنه قال: (قال
أنس بن مالك) رضي الله عنه (أنا أعلم الناس بهذه الآية آية الحجاب) بخفض آية الحجاب بدلاً
من سابقتها (لما أهديت زينب بنت جحش رضي الله عنها) وزفت (إلى رسول الله) ولأبي ذر إلى
النبي (18) وسقط لغير أبي ذر بنت جحش رضي الله عنها (كانت معه في البيت صنع طعامًا ودعا
القوم فقعدوا يتحدثون) بعد أن أكلوا (فجعل النبي ( # نخرج) لكي يخرجوا (ثم يرجع) لبيت زينب
(وهم قعود يتحدثون فأنزل الله تعالى) قبل خروجهم (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوت النبي
إلا أن يؤذن لكم إلى طعام غير ناظرين إناء﴾ - إلى قوله - ﴿من وراء حجاب)) وسقط لأبي ذر ﴿إلى