Indexed OCR Text
Pages 481-500
٤٨١ كتاب تفسير القرآن/ سورة الشعراء فيحوّل في صورة قبيحة وريح منتنة في صورة ضبعان. زاد ابن المنذر من هذا الوجه فإذا رآه كذلك تبرأ منه قال: لست أبي، وكان تبرؤه منه في الدنيا حين مات مشركًا فقطع الاستغفار له كما أخرجه الطبري بإسناد صحيح عن ابن عباس وقيل تبرأ منه يوم القيامة لما أيس منه حين مسخ كما صرح به ابن المنذر في روايته، وقد يجمع بينهما بأنه تبرأ منه في الدنيا لما مات مشركا فترك الاستغفار له فلما رآه في الآخرة رقّ له فسأل الله فيه فلما مسخ أيس منه حينئذ وتبرأ منه تبرؤًا أبديًا، قيل: والحكمة في مسخه لينفر إبراهيم منه ولئلا يبقى في النار على صورته فيكون فيه غضاضة على الخليل ◌َلغو. (قوله: ﴿وأنذر﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله جل وعلا: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ [الشعراء: ٢١٤] أي الأقرب منهم فالأقرب فإن الاهتمام بشأنهم أهم ولأن الحجة إذا قامت عليهم تعدّت إلى غيرهم وإلاّ فكانوا علة للأبعدين في الامتناع ﴿واخفض جناحك﴾ [الشعراء: ٢١٥] أي (ألن جانبك) لمن اتبعك من المؤمنين مستعار من خفض الطائر جناحه إذا أراد أن ينحط ومن للتبيين والمؤمنين المراد بهم الذين لم يؤمنوا بعد بل شارفوا لأن يؤمنوا كالمؤلفة مجازًا باعتبار ما يؤول إليه فكان من اتبعك شائعًا فيمن آمن حقيقة ومن آمن مجازًا فبين بقوله من المؤمنين، وأن المراد بهم المشارفون أي تواضع لهؤلاء استمالة وتأليفًا أو للتبعيض ويراد بالمؤمنين الذين قالوا آمنا. ومنهم من صدق واتبع، ومنهم من صدق فقط فقيل من المؤمنين وأريد بعض الذين صدقوا واتبعوا أي تواضع لهم محبة ومودة قاله في فتوح الغيب. ٤٧٧٠ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَقْصٍ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُرَّةً عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ صَعِدَ النَّبِيِّ ◌َ﴿ عَلَى الصَّفَا فَجَعَلَ يُنادِي: ((يَا بَنِي فِهْرٍ، يا بَنِي عَدِيٌ)) لِبُطُونِ قُرَيْشٍ. حَتَّى أَجْتَمَعُوا، فَجَعَلَ الرَّجُلُ إِذا لَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَخْرُجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِيَنْظُرَ ما هُوَ فَجَاءَ أَبُو لَهْبٍ وَقُرَيْشٌ، فَقَالَ: أَرَأَيْتَكُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلاً بِالْوادِي تُرِيدُ أَنْ تُغِيرَ عَلَيْكُمْ أَكُنْتُمْ مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: نَعَمْ، ما جَرَّبْنا عَلَيْكَ إلاَّ صِدْقًا. قالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ، فَقَالَ أَبُولَهَبٍ : تَبَّالَكَ سَائِرَ الْيَوْمِ، ألِهَذا جَمَعْتَنا؟ فَزَلَتْ ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ. ما أغْنَى عَنْهُ مالُهُ وَمَا كَسَبَ﴾ [المسد: ١-٢]. وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) النخعي قال: (حدّثنا أبي) حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثني) بالإفراد (عمرو بن مرة) بفتح العين في الأول وضم الميم وتشديد الراء في الثاني الجملي بالجيم والميم المفتوحتين (عن سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: لما نزلت: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾) زاد في سورة تبت: ورهطك منهم المخلصين وهو من عطف الخاص على العام وكان قرآنًا فنسخت تلاوته (صعد النبي ◌َّهم على الصفا فجعل ينادي يا بني فهر) بكسر الفاء وسكون الهاء (يا بني عدي لبطون قريش حتى اجتمعوا إرشاد الساري/ ج ١٠/ ٢ ٣١ ٤٨٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة الشعراء فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو فجاء أبو لهب وقريش فقال) أي النبي مصادر: (أرأيتكم) أي أخبروني (لو أخبرتكم أن خيلاً) أي عسکرًا (بالوادي تريد أن تغير عليكم. أكنتم مصدقي) بتشديد الدال المكسورة والتحتية المفتوحة وأصله مصدقين لي فلما أضيف إلى ياء المتكلم سقطت النون وأدغمت ياء الجمع في ياء المتكلم ومراده بذلك تقريرهم بأنهم يعلمون صدقه إذا أخبر عن شيء غائب (قالوا: نعم) نصدقك (ما جربنا عليك إلا صدقًا قال) عليه الصلاة والسلام: (فإني نذير) أي منذر (لكم بين يدي عذاب شديد) أي قدامه (فقال أبو لهب): لعنه الله (تبًا لك سائر اليوم) أي بقيته وتبًا نصب على المصدر بإضمار فعل أي ألزمك الله تبًا (ألهذا جمعتنا؟) بهمزة الاستفهام الإنكاري (فنزلت: ﴿تبت﴾) أي هلكت أو خسرت (﴿يدا أبي لهب﴾) نفسه (﴿وتب﴾) إخبار بعد الدعاء (﴿ما أغنى عنه ماله وما كسب﴾) وكسبه بنوه. وهذا الحديث من مراسيل الصحابة لأن ابن عباس إنما أسلم بالمدينة وهذه القصة كانت بمكة وكان ابن عباس إما لم يولد وإما طفلاً، وذكره المؤلف في باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية من كتاب الأنبياء. ٤٧٧١ - حدّثَنَا أَبُو الْيَمانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: قَامَ رَسُولُ اللهِ وَ حِينَ أَنْزَلَ الله ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤] قالَ: ((يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، - أوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا - اشْتَرُوا أَنْفُسَكُمْ لا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا. يا بَنِي عَبْدِ مَنافٍ، لاَ أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللهِ شَيْئًا، يا عَبَّاسُ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ لا أُغْنِي عَنْكَ مِنَ اللهِ شَيْئًا، وَيَا صَفِيَّةُ عَمَّةَ رَسُولِ اللهِ وََّ، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا. وَيا فاطِمَةُ بِئْتَ مُحَمَّدٍ وٍَّ سَلِيْنِي ما شِئْتِ مِنْ مالِي، لاَ أُغْنِي عَنْكِ مِنَ اللهِ شَيْئًا)). تَابَعَهُ أَصْبَغُ عَنِ ابْنٍ وَهْبٍ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شَهابٍ. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: قام رسول الله وَّر) على الصفا (حين أنزل الله: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين﴾ قال): (يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم) بتخليصها من العذاب بالطاعة لأنها ثمن النجاة (لا أغني عنكم من الله شيئًا) لا أدفع. قال الله تعالى: ﴿هل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء أو لا أنفعكم﴾ [إبراهيم: ٢١] (يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا ويا صفية) وللأصيلي يا صفية (عمة رسول الله ال ﴾: لا أغني عنك من الله شيئًا) ترقى في القرب من العم إلى العمة في الأشخاص كما ترقى من قريش ٤٨٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة النمل إلى بني عبد مناف في القبيلة (ويا فاطمة بنت محمد (18) سقطت التصلية لأبي ذر (سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا) ويجوز في ابن عبد المطلب وعمة وبنت النصب والرفع باعتبار اللفظ والمحل. (تابعه) أي تابع أبا اليمان (أصبغ) بن الفرج شيخ المؤلف (عن ابن وهب) عبد الله (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري. وسبق في الوصايا القول في وجه هذه المتابعة. [٢٧] سورة النَّمْل ﴿الْخَبْءُ﴾ ما خَبَأْتَ. ﴿لا قِبَل﴾: لا طَاقَةَ ﴿الصَّرْحُ﴾: كُلِّ مِلاطِ أَتَّخِذٍ مِنَ الْقَوارِيْرِ، وَالصَّرْعُ الْقَصْرُ وَجَماعَتُهُ صُرُوحٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿وَلَها عَرْشٌ﴾: سَرِيرٌ ﴿كَرِيمٌ﴾: حسنُ الصَّنْعَةِ وَغَلاءُ الثَّمَنِ ﴿مُسْلِمِينَ﴾ طائِعِينَ ﴿رَدِفَ﴾ أَقْتَرَبَ ﴿جامِدَةٌ﴾ قائِمَةٌ ﴿أَوْزِغْنِي﴾ أَجْعَلْنِي. وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿فَكِرُوا﴾ غَيِّرُوا. ﴿وَأُوتِينَا الْعِلْمَ﴾ يَقُولُهُ سُلَيْمانُ ﴿الصَّرْحُ﴾ بِرْكَةُ ماءٍ ضَرَبَ عَلَيْها سُلَيْمَانُ قَوارِيرَ أَلْبَسَها إِيَّاهُ. ([٢٧] سورة النمل) مكية وهي ثلاث أو أربع وتسعون آية، ولأبي ذر: سورة النمل بسم الله الرحمن الرحيم وسقطت البسملة لغير أبي ذر وللنسفي تقديمها. (﴿الخبء﴾) لغير أبي ذر: والخبء بزيادة واو ومراده قوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا الله الذي يخرج الخبء﴾ [النمل: ٢٥] هو (ما خبأت) يقال خبأت الشيء أخبؤه خبأ أي سترته ثم أطلق على الشيء المخبوء ونحوه هذا خلق الله، وقيل: الخبء في السموات المطر وفي الأرض النبات، وقيل الغيب وهو يدل على كمال القدرة وسمي المخبوء بالمصدر ليتناول جميع الأموال والأرزاق. (﴿لا قبل﴾) في قوله: ﴿فلنأتينهم بجنود لا قبل﴾ أي (لا طاقة) (﴿لهم﴾) بمقاومتها [النمل: ٣٧]. (﴿الصرح﴾) في قوله: ﴿قيل لها ادخلي الصرح﴾ [النمل: ٤٤] وهو (كل ملاط) بميم مكسورة الطين الذي يجعل بين سافي البناء وللأصيلي كما في الفتح بلاط بالموحدة المفتوحة ومثله لأبي ذر السكن وكذا ضبطه الدمياطي في نسخته (اتخذ) بضم الفوقية وكسر المعجمة مبنيًا للمفعول (من القوارير) وهو الزجاج الشفاف (والصرح القصر) وقال الراغب: بيت عال مزوّق سمي بذلك اعتبارًا بكونه صرحًا عن البيوت أي خالصًا (وجماعته) أي الصرح (صرح. وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله الطبري في قوله تعالى: ﴿ولها عرش﴾ [النمل: ٢٣] أي (سرير). ٤٨٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة النمل (﴿كريم﴾ حسن الصنعة) بضم الحاء وسكون السين (وغلاء الثمن) وكان مضروبًا من الذهب مكللاً بالدر والياقوت الأحمر والزبرجد الأخضر وقوائمه من الياقوت والزمرد وعليه سبعة أبواب على كل بيت باب مغلق. وقال ابن عباس: كان عرشها ثلاثين ذراعًا في ثلاثين ذراعًا وطوله في السماء ثلاثون ذراعًا وعند ابن أبي حاتم ثمانون ذراعًا في أربعين. (﴿مسلمين﴾) ولأبي ذر والأصيلي: يأتوني مسلمين أي (طائعين) قاله ابن عباس فيما وصله الطبري. (﴿ردف﴾) في قوله: ﴿عسى أن يكون ردف﴾ [النمل: ٧٢] قال ابن عباس (اقترب) فضمن ردف معنی فعل يتعدى باللام وهو اقترب أو أزف لكم وبعض الذي فاعل به أو ردف مفعوله محذوف واللام للعلة أي ردف الخلق لأجلكم أو اللام مزيدة في المفعول تأكيدًا کزيادتها في قوله: ﴿لربهم يرهبون﴾ أو فاعل ردف ضمير الوعد أي ردف الوعد أي قرب ودنا مقتضاه ولكم خبر مقدم وبعض مبتدأ مؤخر. (﴿جامدة﴾) في قوله: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة﴾ [النمل: ٨٨] أي (قائمة) قاله ابن عباس. (﴿أوزعني﴾) في قوله: ﴿ربّ أوزعني﴾ [النمل: ١٩] أي (اجعلني) أزع شكر نعمتك عندي. (وقال مجاهد): فيما وصله الطبري في قوله: (﴿نكروا﴾) أي (غيروا) لها عرشها إلى حالة تنكره إذا رأته. روي أنه جعل أسفله أعلاه وأعلاه أسفله ومكان الجوهر الأحمر أخضر ومكان الأخضر أحمر. (﴿وأوتينا العلم﴾) قال مجاهد (يقوله سليمان) وقال في الأنوار واللباب وغيرهما من قول سليمان وقومه فالضمير في قبلها عائد على بلقيس فكأن سليمان وقومه قالوا إنها قد أصابت في جوابها وهي عاقلة وقد رزقت الإسلام ثم عطفوا على ذلك قولهم: وأوتينا نحن العلم بالله وبقدرته على ما يشاء من قبل هذه المرأة مثل علمها وغرضهم من ذلك شكر الله تعالى في أن خصهم بمزيد التقدم في الإسلام قاله مجاهد أو هو من تتمة كلامها فالضمير في قبلها راجع للمعجزة أو الحالة الدال عليهما السياق والمعنى وأوتينا العلم بنبوة سليمان من قبل ظهور هذه المعجزة أو من قبل هذه الحالة وذلك لما رأت من أمر الهدهد وغيره. (﴿الصرح﴾) هو (بركة ماء ضرب عليها سليمان) عليه السلام (قوارير) وهو الزجاج الشفاف (ألبسها إياه) وللأصيلي إياها وكان قد ألقى في هذا الماء كل شيء من دواب البحر من السمك والضفادع وغيرها ثم وضع سريره في صدره وجلس عليه وعكفت عليه الطير والجن والإنس، وقيل: إنه اتخذ صحفًا من قوارير وجعل تحتها تماثيل من الحيتان والضفادع فكان الرائي يظنه ماء. ٤٨٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة القصص [٢٨] سورة اٌلْقَصَص ﴿كُلِّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّ وَجْهَهُ﴾ إِلاَّ مُلْكَهُ. وَيُقالُ: إِلاَّ ما أُرِيدَ بِهِ وَجْهُ اللهِ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: الأَنْبَاءُ الْحُجَجُ. ([٢٨] القصص) مكية وقيل: إلا قوله: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ إلى ﴿الجاهلين﴾ وهي ثمان وثمانون آية، ولأبي ذر: سورة القصص بسم الله الرحمن الرحيم، وفي نسخة تقديم البسملة على سورة. (﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾) [القصص: ٨٨]. أي (إلا ملكه) وقيل إلا جلاله أو إلا ذاته فالاستثناء متصل إذ يطلق على الباري تعالى شيء (ويقال) على مذهب من يمنع (إلا ما أريد به وجه الله) فيكون الاستثناء متصلاً أو المعنى لكن هو تعالى لم يهلك فيكون منقطعًا. (وقال مجاهد): فيما وصله الطبري في قوله تعالى: (﴿الأنباء﴾) ولأبوي ذر والوقت: ﴿فعميت عليهم الأنباء﴾ [القصص: ٦٦] أي (الحجج) فلا يكون لهم عذر ولا حجة وقيل خفيت واشتبهت عليهم الأخبار والأعذار. ١ - باب قَوْلُهُ: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلْكِنَّ الله يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ (قوله: ﴿إنك﴾) أي يا محمد ولأبي ذر عن الهروي باب قوله: إنك (﴿لا تهدي من أحببت﴾) [القصص: ٥٦] هدايته أو أحببته لقرابته وقد أجمع المفسرون كما قاله الزجاج أنها نزلت في أبي طالب (﴿ولكن الله لا يهدي من يشاء﴾) ولا تنافي بين هذه وبين قوله في الآية الأخرى: (وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم) لأن الذي أثبته وأضافه إليه الدعوة والذي نفى عنه هداية التوفيق وشرح الصدر وهو نور يقذف في القلب فیحیا به. ٤٧٧٢ - حدّثنا أَبَوِ الْيَمانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِيهِ، قالَ: لَمَّا حَضَرَتْ أَبا طالِبِ الْوَفاةُ جَاءَهُ رَسُولُ اللهِ وَهِ فَوَجَدَ عِنْدَهُ أَبَا جَهْلٍ، وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ بْنِ الْمُغِيرَةِ فَقالَ: ((أَيْ عَمْ، قُلْ لا إِلَهَ إِلاَّ الله كَلِمَةً أُحَاجٌ لَكَ بِها عِنْدَ الله)). فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْن أَبِي أُمَيَّةَ: أَتَرْغَبُ عَنْ مِلَّةٍ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ؟ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ يَعْرِضُها عَلَيْهِ وَيُعِيدانِهِ بِتِلْكَ الْمَقالَةِ حَتَّى قَالَ أَبُو طالِبٍ آخِرَ ما كَلَّمَهُمْ: عَلَى مِلَّةٍ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبَى أَنْ يَقُولَ لا إِلهَ إِلاَّ الله. قالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((وَالله لِأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنُّهَ عَنْكَ)». فَأَنْزَّلَ الله: ﴿ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ وَأَنْزَلَ الله فِي أَبِي طَالِبٍ فَقالَ لِرَسُولِ اللَّهِ وَ﴾: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ﴾ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ﴿أُوِي الْقُوَّةِ﴾: لا يَزْفَعُهَا الْعُصْبَةُ مِنَ الرِّجالِ ﴿لَتَنُوءُ﴾: لَتْْقِلُ. ﴿فارِغًا﴾: إِلاَّ مِنْ ذِكْرٍ مُوسى. ٤٨٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة القصص ﴿الْفَرِحِينَ﴾: الْمَرِحِينَ. ﴿قُصّيهِ﴾: أَتَّبِعِي أَثَرَهُ، وَقَدْ يَكُونُ أَنْ يَقُصَّ الْكَلامَ. ﴿نَحْنُ نَقُصُ عَلَيْكَ﴾ عَنْ جُنُبٍ: عَنْ بُعْدٍ، عَنْ جَنَابَةٍ واحِدٌ، وَعَنِ أَجْتِنَابٍ أَيْضًا. يَبْطِشُ وَيَبْطُشُ. ﴿يَأْتَمِرُونَ﴾: يَتَشاوَرُونَ. الْعُدْوَانُ وَالْعَدَاءُ وَالتَّعَدّي واحِدٌ. ﴿أَنَسَ﴾: أَبْصَرَ. ﴿اَلْجِذْوَةُ﴾: قِطْعَةٌ غَليظَةٌ مِنَ الْخَشَبِ لَيْسَ فيها لَهَبْ، وَالشِّهابُ فِيهِ لَهَبٌ. وَالْحَيَّاتُ أَجْناسٌ: الجانُّ وَالأَفاعي وَالأَساوِدُ. ﴿رِذءًا﴾: مُعِينًا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: يُصَدْقُني. وَقَالَ غَيْرُهُ ﴿سَنَشُدُ﴾: سَنُعينُكَ، كُلَّما عَزِّزْتَ شَيْئًا فَقَدْ جَعَلْتَ لَهُ عَضُدًا. ﴿مَقْبُوحِينَ﴾: مُهْلِكِينَ. ﴿وَصَّلْنَا﴾: بَيَّنَاهُ وَأَتْمَمْناهُ. ﴿يُجْبَى﴾: يُجْلَبُ. ﴿بَطِرَتْ﴾: أَشِرَتْ. ﴿في أُمّها رَسُولاً﴾: أُمّ الْقُرِى مَكَّةَ وَما حَوْلَها. ﴿تُكِنُ﴾: تُخْفِي أَكْتَنْتُ الشَّيْءَ أَخْفَيْتُهُ، وَكَتَنْتُهُ أَخْفَيْتُهُ وَأَظْهَرْتُهُ. ﴿وَيْكَأَنَّ الله﴾: مِثْلُ. ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمِنْ يَشاءُ وَيَقْدِرُ﴾: يُوَسِّعُ عَلَيْهِ، وَيُضَيِّقُ عَلَيْهِ. وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (سعيد بن المسيب عن أبيه) المسيب بن حزن له ولأبي صحبة عاش إلى خلافة عثمان أنه (قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة) أي علامتها بعد المعاينة وعدم الانتفاع بالإيمان لو آمن (جاء رسول الله وَلير فوجد عنده أبا جهل) هو ابن هشام (وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة) أخا أم سلمة أسلم عام الفتح كالمسيب فلم يشهد وفاة أبي طالب، فالحديث مرسل صحابي كذا قرره الكرماني، وردّه الحافظ ابن حجر بأنه لا يلزم من تأخر إسلامه عدم حضوره وفاة أبي طالب كما شهدها عبد اللَّه بن أبي أمية وهو كافر ثم أسلم، وتعقبه العيني بأن حضور عبد الله بن أبي أمية ثبت في الصحيح ولم يثبت حضور المسيب لا في الصحيح ولا في غيره وبالاحتمال لا يرد على كلام بغير احتمال. وأجاب في انتقاض الاعتراض فقال: هذا كلام عجيب إنما يتوجه الرد على من قال جازمًا إن المسيب لم يحضرها ولم يذكر مستندًا إلا أنه كان كافرًا لا يمتنع أن يشهد وفاة كافر فتوجه الرد على الجزم، ويؤيده أن عنعنة الصحابي محمولة على السماع إلا إذا أدرك قصة ما أدركها كحديث عائشة عن قصة المبعث النبوي فتلك الرواية تسمى مرسل صحابي، وأما لو أخبر عن قصة أدركها ولم يصرح فيها بالسماع ولا المشاهدة فإنها محمولة على السماع وهذا شأن حديث المسيب فهذا الذي يمشي على الاصطلاح الحديثي وأما الدفع بالصدر فلا يعجز عنه أحد لكنه لا يجدي شيئًا انتهى. (فقال): ﴿ لأبي طالب (أي عم قل لا إله إلا الله كلمة) بالنصب على البدل ويجوز الرفع خبر مبتدأ محذوف (أحاجّ لك بها عند الله) بضم الهمزة وفتح الحاء المهملة وبعد الألف جيم مشددة مضمومة في الفرع خبر مبتدأ محذوف، وفي بعض النسخ فتح الجيم على الجزم جواب الأمر، والتقدير أن تقل أحاج وهو من المحاججة مفاعلة من الحجة. وعند الطبري من طريق سفيان بن ٤٨٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة القصص حسين عن الزهري قال: أي عم إنك أعظم الناس عليّ حقًّا وأحسنهم عندي يدًا فقل كلمة تجب لي بها الشفاعة فيك يوم القيامة. (فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية): لأبي طالب (أترغب عن ملة عبد المطلب؟) يقال رغب عن الشيء إذا لم يرده ورغب فيه إذا أراده (فلم يزل رسول الله وَلجر يعرضها) أي كلمة الإخلاص (عليه) على أبي طالب (ويعيدانه) بضم أوله والضمير المنصوب لأبي طالب (بتلك المقالة) وهي قولهما: أترغب وكأنه كان قد قارب أن يقولها فيردانه. وقال البرماوي كالزركشي: صوابه ويعيدان له تلك المقالة، وتعقبه في المصابيح فقال: ضاق عطنه يعني الزركشي عن توجيه اللفظ على الصحة فجزم بخطئه، ويمكن أن يكون ضمير النصب من قوله: ويعيدانه ليس عائدًا على أبي طالب وإنما هو عائد على الكلام بتلك المقالة، ويكون بتلك المقالة ظرفًا مستقرًا منصوب المحل على الحال من ضمير النصب العائد على الكلام والباء للمصاحبة أي يعيدان الكلام في حالة كونه متلبسًا بتلك المقالة وإن بنينا على جواز إعمال ضمير المصدر كما ذهب إليه بعضهم في مثل مروري بزبد حسن وهو بعمرو قبيح فالأمر واضح، وذلك بأن يجعل ضمير الغيبة عائدًا على التكلم المفهوم من السياق والباء متعلقة بنفس الضمير العائد عليه أي ويعيدان التكلم بتلك المقالة. (حتى قال أبو طالب آخر) نصب على الظرفية (ما كلمهم على ملّة عبد المطلب) وفي الجنائز: هو على ملة عبد المطلب وأراد نفسه أو قال: أنا على ملة عبد المطلب فغيرها الراوي أنفة أن يحكى كلامه استقباحًا للتلفظ به. (وأبى) امتنع (أن يقول لا إله إلا الله) قال في الفتح: هو تأكيد من الراوي في نفي وقوع ذلك من أبي طالب. (قال) المسيب: (فقال رسول الله وَله: والله لأستغفرن لك) كما استغفر الخليل لأبيه (ما لم أنه عنك) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول (فأنزل الله) تعالى: ﴿ما كان للنبي والذين آمنوا﴾ أي ما ينبغي لهم ﴿أن يستغفروا للمشركين﴾ زاد في نسخة ﴿ولو كانوا أولي قربى﴾ [التوبة: ١١٣] الآية خبر بمعنى النهي. واستشكل هذا بأن وفاة أبي طالب وقعت قبل الهجرة بمكة بغير خلاف، وقد ثبت أن النبي ◌َّر أتى قبر أمه لما اعتمر فاستأذن ربه أن يستغفر لها فنزلت هذه الآية. رواه الحاكم وابن أبي حاتم عن ابن مسعود والطبراني عن ابن عباس، وفي ذلك دلالة على تأخر نزول الآية عن وفاة أبي طالب، والأصل عدم تكرار النزول. وأجيب: باحتمال تأخر نزول الآية وإن كان سببها تقدّم ويكون لنزولها سببان متقدم وهو أمر أبي طالب ومتأخر وهو أمر آمنة، ويؤيد تأخر النزول ما في سورة براءة من استغفاره عليه الصلاة والسلام للمنافقين حتى نزل النهي عنه قاله في الفتح قال: ويرشد إلى ذلك قوله: (وأنزل الله) تعالى: (في أبي طالب فقال لرسول الله وَ لؤه: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء﴾) [القصص: ٥٦] ففيه إشعار بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيره والثانية نزلت فيه وحده. ٤٨٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة القصص وقد مرّ الحديث في كتاب الجنائز. (قال ابن عباس): في (﴿أولي القوة﴾) من قوله: ﴿وآتيناه من الكنوز ما أن مفاتحه لتنوء بالعصبة أولي القوة﴾ [القصص: ٧٦]. (لا يرفعها العصبة من الرجال) وروي عنه أنه كان يحمل مفاتح قارون أربعون رجلاً أقوى ما يكون من الرجال، وروي عن ابن عباس أيضًا حمل المفاتح على نفس المال فقال: كانت خزائنه يحملها أربعون رجلاً أقوياء. (﴿لتنوء﴾) أي (لتثقل) يقال: ناء به الحمل حتى أثقله وأماله أي لتثقل المفاتح العصبة والباء في بالعصبة للتعدية كالهمزة. (﴿فارغًا﴾) في قوله: ﴿وأصبح فؤاد أم موسى فارغًا﴾ [القصص: ١٠] أي خاليًا من كل شيء (إلا من ذكر موسى) وقال البيضاوي كالزمخشري صفرًا من العقل لما دهمها من الخوف والحيرة حين سمعت بوقوعه في يد فرعون. (﴿الفرحين﴾) في قوله: ﴿لا تفرح إن الله لا يحب الفرحين﴾ [القصص: ٧٦]. قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عنه أي (المرحين) وقال مجاهد يعني الأشرين البطرين الذين لا يشكرون الله على ما أعطاهم، فالفرح بالدنيا مذموم مطلقًا لأنه نتيجة حبها والرضا بها والذهول عن ذهابها فإن العلم بأن ما فيها من اللذة مفارق ولا محالة يوجب الترح وما أحسن قول المتنبي: أشد الغم عندي في سرور تيقن عنه صاحبه انتقالا (﴿قصة﴾) في قوله حكاية عن أم موسى ﴿وقالت لأخته قصيه﴾ أي (اتبعي أثره) حتى تعلمي خبره وكانت أخته لأبيه وأمه واسمها مريم (وقد يكون أن يقص الكلام) كما في قوله تعالى: ﴿نحن نقص عليك﴾ وقص الرؤيا إذا أخبر بها. (﴿عن جنب﴾) في قوله: ﴿فبصرت به عن جنب﴾ [القصص: ١١] أي أبصرت أخت موسى موسى مستخفية كائنة (عن بُغْد) صفة لمحذوف أي عن مكان بعيد، وقال أبو عمرو بن العلاء أي عن شوق وهي لغة جذام يقولون جنبت إليك أي اشتقت وقوله: (عن جنابة واحد) أي في معنى البعد (وعن اجتناب أيضًا) وقرىء قوله: عن جنب بفتح الجيم وسكون النون ويفتحهما ويضم الجيم وسكون النون، وعن جانب وكلها شاذة والمعنى واحد. (﴿نبطش﴾) بالنون وكسر الطاء (ونبطش) بضم الطاء لغتان ومراده الإشارة إلى قوله: ﴿فلما أراد أن يبطش﴾ [القصص: ١٩] لكن الآية بالياء وكذا وقع في بعض نسخ البخاري بل هو الذي في اليونينية وبالنون فيهما في فرعها والضم قراءة أبي جعفر والكسر قراءة الباقين. (﴿يأتمرون﴾) في قوله: ﴿يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك﴾ [القصص: ٢٠] أي (يتشاورون) بسببك. قال في الأنوار: وإنما سمي التشاور ائتمارًا لأن كلاً من المتشاورين يأمر الآخر ويأتمر وسقط لأبي ذر والأصيلي. قال ابن عباس: أولي القوة إلى هنا. ٤٨٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة القصص (العدوان) في قوله تعالى: ﴿فلا عدوان علىّ﴾ [القصص: ٢٨] معناه (والعداء) بالفتح والتخفيف وفي الناصرية بضم العين وكسرها ولم يضبطها في الفرع كأصله وآل ملك (والتعدي) بالتشديد (واحد) في معنى التجاوز عن الحق. (﴿آنس﴾) بالمد في قوله: ﴿وسار بأهله آنس من جانب الطور نارًا﴾ [القصص: ٢٩] أي (أبصر) من الجهة التي تلي الطور نارًا وكان في البرية في ليلة مظلمة. (الجذوة) في قوله تعالى: ﴿لعلّ آتيكم منها بخبر أو جذوة﴾ [القصص: ٢٩] هي (قطعة غليظة من الخشب) أي في رأسها نار (ليس فيها لهب) قال ابن مقبل: باتت حواطب ليلى يلتمسن لها جزل الجذاغير خوّار ولا ذعر الخوار الذي يتقصف والذعر الذي فيه لهب، وقد ورد ما يقتضي وجود اللهب فيه قال الشاعر: وألقى على قيس من النار جذوة شديدًا عليها حميها والتهابها وقيل: الجذوة العود الغليظ سواء كان في رأسه نار أو لم يكن وليس المراد هنا إلا ما في رأسه نار كما في الآية أو جذوة من النار. (والشهاب) المذكور في النمل في قوله: ﴿بشهاب قبس﴾ [النمل: ٧] هو ما (فيه لهب) وذكر تتميمًا للفائدة. (والحيات) جمع حية يشير إلى قوله: (﴿فألقاها﴾) يعني فألقى موسى عصاه ﴿فإذا هي حية تسعى﴾ [طه: ٢٠] وأنها (أجناس الجان) كما في قوله هنا: كأنها جان (والأفاعي والأساود) وكذا الثعبان في قوله: ﴿فإذا هي ثعبان مبين﴾ [الأعراف: ١٠٧] ولم يذكره المؤلف، وقد قيل إن موسى عليه السلام لما ألقى العصا انقلبت حية صفراء بغلظ العصا ثم تورمت وعظمت فلذلك سماها جانًا تارة نظرًا إلى المبدأ، وثعبانًا مرة باعتبار المنتهى، وحية أخرى بالاسم الشامل للحالين، وقيل كانت في ضخامة الثعبان وجلادة الجان ولذلك قال: كأنها جان. (﴿ردة﴾) في قوله: ﴿فأرسله معي ردءًا﴾ [القصص: ٣٤] أي (معينًا) وهو في الأصل اسم ما يعان به كالدفء بمعنى المدفوء به فهو فعل بمعنى مفعول ونصبه على الحال. (قال ابن عباس: يصدقني) بالرفع وبه قرأ حمزة وعاصم على الاستئناف أو الصفة لردًا أو الحال من هاء أرسله أو من الضمير في ردًا أي مصدقًا وبالجزم، وبه قرأ الباقون جوابًا للأمر يعني إن أرسلته يصدقني، وقيل ردًا كيما يصدقني أو لكي يصدقني فرعون وليس الغرض بتصديق هارون أن يقول له: صدقت أو يقول للناس: صدق موسى بل إنه يلخص بلسانه الفصيح وجوه الدلائل ويجيب عن الشبهات. ٤٩٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة القصص (وقال غيره): أي غير ابن عباس ((سنشد﴾) عضدك أي (سنعينك كلما عززت شيئًا) بعين مهملة وزايين معجمتين (فقد جعلت له عضدًا) يقويه وهو من باب الاستعارة شبه حالة موسى بالتقوّي بأخيه بحالة اليد المتقوية بالعضد فجعل كأنه يد مستندة بعضد شديدة، وسقط لأبي ذر والأصيلي من قوله: (﴿أنس﴾) إلى هنا. (مقبوحين) أي (مهلكين) ومراده قوله: ﴿ويوم القيامة هم من المقبوحين﴾ [القصص: ٤٢]. وهذا تفسير أبي عبيدة وقال غيره: من المطرودين ويسمى ضد الحسن قبيحًا لأن العين تنبو عنه فكأنها تطرده. (﴿وصلنا﴾ ﴿لهم القول﴾) أي (بيناه وأتممناه) قاله ابن عباس وقيل أتبعنا بعضه بعضًا فاتصل، وقال ابن زيد وصلنا لهم خبر الدنيا بخبر الآخرة حتى كأنهم عاينوا الآخرة في الدنيا، وقال الزجاج: أي فصلناه بأن وصلنا ذكر الأنبياء وأقاصيص من مضى بعضها ببعض. (﴿يجبى﴾) في قوله: ﴿أو لم نمكّن لهم حرمًا آمنًا يجبى﴾ [القصص: ٥٧] أي (يجلب) إليه ثمرات كل شيء. (﴿بطرت﴾) في قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من قرية بطرت﴾ [القصص: ٥٨] (أشرت) وزنًا ومعنى أي وكم من أهل قرية كانت حالهم كحالكم في الأمن وخفض العيش حتى أشروا فدمر الله عليهم وخرب ديارهم قاله في الأنوار. (﴿في أمّها رسولاً﴾) في قوله تعالى: ﴿وما كان ربك مهلك القرى حتى يبعث في أمها رسولاً﴾ [القصص: ٥٩] (أم القرى مكة) لأن الأرض دحيت من تحتها (وما حولها) ومراده أن الضمير في أمها للقرى ومكة وما حولها تفسير للام لكن في إدخال ما حولها في ذلك نظر على ما لا يخفى. (﴿تكنّ﴾) في قوله: ﴿وربك يعلم ما تكنّ صدورهم﴾ [القصص: ٦٩] أي (ما تخفي) صدورهم يقال (أكننت الشيء) بالهمزة وضم التاء وفي بعضها بفتحها أي (أخفيته وكننته) بتركها من الثلاثي وضم التاء وفتحها أي (أخفيته وأظهرته) بالهمز فيهما، وفي نسخة معتمدة خفيته بدون همز أظهرته بدون واو قال ابن فارس: أخفيته سترته وخفيته أظهرته. وقال أبو عبيدة: أكننته إذا أخفيته وأظهرته وهو من الأضداد. (﴿ويكأن الله﴾) هي (مثل: (ألم تر أن الله﴾) وحينئذ تكون ويكأن كلها كلمة مستقلة بسيطة وعند الفراء أنها بمعنى أما ترى إلى صنع الله؟ وقيل غير ذلك (﴿يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾) [الرعد: ٢٦] أي (يوسع عليه ويضيق عليه) أي بمقتضى مشيئته لا لكرامة تقتضي البسط ولا لهوان يوجب النقص، وسقط لأبي ذر والأصيلي: ويكأن الله الخ. ٤٩١ كتاب تفسير القرآن/ سورة العنكبوت ٢ - باب ﴿إِنَّ الَّذي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ﴾ [القصص: ٨٥] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن﴾ [القصص: ٨٥] أحكامه وفرائضه أو تلاوته وتبليغه وزاد الأصيلي الآية، وزاد في نسخة: (﴿لرادك﴾) أي بعد الموت إلى معاد وتنكيره للتعظيم كأنه قال: معاد وأي معاد أي ليس لغيرك من البشر مثله وهو المقام المحمود الذي وعدك أن يبعثك فيه أو مكة كما في الحديث الآتي في الباب إن شاء الله تعالى يوم فتحها، وكان ذلك المعاد له شأن عظيم لاستيلائه عليه الصلاة والسلام عليها وقهره لأهلها وإظهاره عز الإسلام، وسقط الباب وتاليه لغير أبي ذر. ٤٧٧٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُقاتِلٍ أَخْبَرَنا يَعْلَى حَدَّثَنَا سُفْيَانُ الْعُصْفُرِيُّ. عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﴿لَرَادُكَ إِلى مَعادٍ﴾: إِلى مَكَّةَ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن مقاتل) المروزي المجاور بمكة قال: (أخبرنا يعلى) بفتح التحتية واللام بينهما عين مهملة ساكنة ابن عبيد الطنافسي قال: (حدّثنا سفيان) بن دينار (العصفري) بضم العين وسكون الصاد المهملتين وضم الفاء وكسر الراء الكوفي التمار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه قال: في قوله تعالى: (﴿لرادّك إلى معاد﴾) [القصص: ٨٥] (إلى مكة). ولغير الأصيلي قال إلى مكة، وعن الحسن إلى يوم القيامة، وقيل إلى الجنة، وعند ابن أبي حاتم عن الضحاك لما خرج النبي ◌َّر يعني في الهجرة فبلغ الجحفة اشتاق إلى مكة فأنزل الله عليه: ﴿إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد﴾ إلى مكة. قال الحافظ ابن كثير: وهذا من كلام الضحاك يقتضي أن هذه الآية مدنية وإن كان مجموع السورة مكيًا والله أعلم. [٢٩] سورة اٌلْعَنْكَبُوت قالَ مُجاهِدٌ ﴿مُسْتَبْصِرِينَ﴾: ضَلَلَةً. وَقَالَ غَيْرُهُ الْحَيّوانُ وَالْحَيُّ وَاحِدٌ. ﴿فَلَيَعْلَمَنَّ الله﴾: عَلِمَ الله ذُلِكَ، إِنَّمَا هِيَ بِمَنْزِلَةٍ فَليَمِيزُ اللهِ، كَقَوْلِهِ: ﴿لِيَمِيزَ الله الْخَبِيثَ﴾. ﴿أَثْتَالاً مَعَ أَتْقَالِهِمْ﴾: أَوْزارًا مَعَ أَوْزارِهِمْ. ([٢٩] العنكبوت) مكية وهي تسع وستون آية ولأبي ذر: سورة العنكبوت بسم الله الرحمن الرحيم. (قال) ولأبي ذر وقال (مجاهد): فيما وصله ابن أبي حاتم فيقوله: (﴿مستبصرين﴾) من قوله: ﴿فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين﴾ [العنكبوت: ٣٨] أي (ضللة) يحسبون أنهم على هدى وهم على الباطل والمعنى أنهم كانوا عند أهلهم مستبصرين، وفي نسخة ضلالة بألف بين ٤٩٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة الروم اللامين، وعند ابن أبي حاتم عن قتادة: كانوا مستبصرين في ضلالتهم معجبين بها، وقال في الأنوار: أي متمكنين من النظر والاستبصار ولكنهم لم يفعلوا. (وقال غيره): غير مجاهد في قوله: ﴿وإن الدار الآخرة لهي الحيوان﴾ [العنكبوت: ٦٤]. (الحيوان والحي واحد) في المعنى وهو قول أبي عبيدة، والمعنى: لهي دار الحياة الحقيقة الدائمة الباقية لامتناع طريان الموت عليها أو هي في ذاتها حياة للمبالغة؛ والحي بفتح الحاء في الفرع وغيره مما وقفت عليه، وقال في المصابيح: بكسرها مصدر حيّ مثل عيّ في منطقة عيًا، قال: وعند ابن السكن والأصيلي الحيوان والحياة واحد والمعنى لا يختلف، وقد سقط لغير أبي ذر والأصيلي الحيوان والحي واحد وثبت لهما في الفرع مثله. (﴿فليعلمن الله﴾) [العنكبوت: ٣] أي (علم الله ذلك) في الأزل القديم فصيغة المضي في فليعلمن الله (إنما هي بمنزلة فليميز الله) بفتح الياء التحتية وكسر الميم (كقوله) عز وجل: ﴿ليميز الله الخبيث﴾ [الأنفال: ٣٧] زاد أبو ذر: ((من الطيب﴾) لما بين العلم والتمييز من الملازمة قاله الكرماني . (﴿أثقالاً مع أثقالهم﴾﴾ [العنكبوت: ١٣] أي (أوزارًا مع أوزارهم) بسبب إضلالهم لهم لقوله عليه الصلاة والسلام: ((من سنّ سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها من غير أن ينقص من وزره شيء)) أي وليحملن أوزار أعمالهم التي عملوها بأنفسهم وأوزارًا مثل أوزار من أضلوا مع أوزارهم وسقط لغير الأصيلي أوزارًا مع. [٣٠] سورة الم غُلِيَتِ الرُّومُ ﴿فَلاَ يَرْبُو﴾ مَنْ أَعْطَى يَبْتَغِي أَفْضَلَ فَلا أَجْرَ لَهُ فِيها. قالَ مُجاهِدٌ ﴿يُخْبَرُونَ﴾: يُتَعَّمُونَ. ﴿يَمْهَدُونَ﴾: يُسَؤُّونَ الْمَضاجِعَ. ﴿اَلْوَدْقُ﴾ الْمَطَرُ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ ﴿هَلْ لَكُمْ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في الآلِهَةِ، وَفِيهِ تَحْافُونَهُمْ أَنْ يَرِثُوكُمْ كَما يَرِثُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا يَصَّدَّعُونَ: يَتَغَرَّقُونَ. فَاصْدَعْ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ضُعْفٌ وَضَعْفٌ لُغَتَانٍ. وَقَالَ مُجاهِدٌ (السُّوءِى): الإساءَةُ جَزاءُ الْمُسيئِينَ. ([٣٠] ألم غلبت الروم) وفي نسخة: سورة ألم غلبت الروم وهي مكية إلا قوله (فسبحان الله) وهي ستون آية أو تسع وخمسون ولأبي ذر: سورة الروم بسم الله الرحمن الرحيم. (﴿فلا يربو﴾) [الروم: ٣٩] أي (من أعطى يبتغي) من الذي أعطاه (أفضل) أي أكثر من عطيته (فلا أجر له فيها) ولا وزر، وللأصيلي: فلا يربو عند الله من أعطى عطية يبتغي أفضل منه أي مما أعطى فلا أجر له فيها وهذا وصله الطبري من طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد، وقال ابن عباس: الربا اثنان فربا لا يفلح وربا لا بأس به وهو هدية الرجل يريد أضعافها ثم تلا هذه الآية، ٤٩٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة الروم وقد كان هذا حرامًا على النبي ◌َّيّ خاصة كما قال تعالى: ﴿ولا تمنن تستكثر﴾ أي لا تعط وتطلب أكثر مما أعطيت. (قال مجاهد) فيما وصله الفريابي (يحبرون) في قوله تعالى: ﴿فأما الذين آمنوا وعملوا الصالحات فهم في روضة يجبرون﴾ [الروم: ١٥] أي (ينعمون) والروضة الجنة ونكرها للتعظيم وقال هنا يجبرون بصيغة الفعل ولم يقل محبورون ليدل على التجدد. (يمهدون) في قوله تعالى: ﴿ومن عمل صالحًا فلأنفسهم يمهدون﴾ [الروم: ٤٤] أي (يسؤّون المضاجع) ويوطؤونها في القبور أو في الجنة. (الودق) في قوله: ﴿فترى الودق﴾ [الروم: ٤٨] هو (المطر) قاله مجاهد أيضًا فيما وصله الفريابي. (قال ابن عباس) في قوله تعالى: ﴿هل لكم مما ملكت أيمانكم﴾ [الروم: ٢٨] المسبوق بقوله جلا وعلا ﴿ضرب لكم مثلاً من أنفسكم﴾ نزل (في الآلهة) التي كانوا يعبدونها من دون الله (وفيه) تعالى والمعنى أخذ مثلاً وانتزعه من أقرب شيء إليكم وهو أنفسكم ثم بين المثل فقال: ﴿هل لكم مما ملكت أيمانكم﴾ أي من مماليككم من شركاء فيما رزقناكم من المال وغيره وجواب الاستفهام الذي بمعنى النفي قوله: فأنتم فيه سواء (﴿تخافونهم﴾) أي تخافون أيها السادة مماليككم (أن يرثوكم كما يرث بعضكم بعضًا) والمراد نفي الثلاثة الشركة والاستواء وخوفهم إياهم فإذا لم يجز أن يكون مماليككم شركاء مع جواز صيرورتهم مثلكم من جميع الوجوه فكيف أن أشركوا مع الله غيره. (﴿يصدعون﴾) [الروم: ٤٣] أصله يتصدّعون أدغمت التاء بعد قلبها صادًا في الصاد ومعناه (يتفرقون) أي فريق في الجنة وفريق في السعير. (فاصدع) في قوله: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾ [الحج: ٩٤] أي افرق وامضه قاله أبو عبيدة. (وقال غيره) غير ابن عباس (﴿ضعف﴾) بضم المعجمة (وضعف) بفتحها (لغتان) بمعنى واحد قرىء بهما في قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف﴾ [الروم: ٥٤] والفتح قراءة عاصم وحمزة وهو لغة تميم والضم لغة قريش، وقيل بالضم في الجسد وبالفتح في العقل أي خلقكم من ماء ذي ضعف وهو النطفة ثم جعل من بعد ضعف الطفولية قوّة الشبيبة ثم جعل من بعد قوّة ضعفًا هرمًا وشيبة والشيبة تمام الضعف والتنكير مع التكرير لأن اللاحق ليس عين السابق. (وقال مجاهد ﴿السوأى﴾) في قوله: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى﴾ [الروم: ١٠] (الإساءة جزاء المسيئين) وصله الفريابي. ٤٩٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة الروم ٤٧٧٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ، وَالأَعْمَشُ عَنْ أَبِي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ قالَ: بَيْنَما رَجُلٌ يُحَدِّثُ فِي كِنْدَةً، فَقَالَ: يَجِيءُ دُخْانْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَأْخُذُ بِأَسْمَاعِ الْمُنافِقِينَ وَأَبْصَارِهِمْ يَأْخُذُ الْمُؤْمِنَ كَهَيْئَةِ الزُّكامِ، فَفَزِغْنا. فَأَتَيْتُ ابْنَ مَسْعُودٍ وَكانَ مُتَّكِئًا، فَغَضِبَ فَجَلَسَ فَقالَ: مَنْ عَلِمَ فَلْيَقُلْ، وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلِ: الله أَعْلَمُ، فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ أَنْ يَقُولَ لِما لا يَعْلَمُ: لا أَعْلَمُ فَإِنَّ اللهَ قَالَ لِنَبِّهِ وَّرَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلِكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلْفِينَ﴾ وَإِنَّ قُرَيْشًا أَبْطَؤُوا عَنِ الإِسْلامِ، فَدَعا عَلَيْهِمُ النَّبِيَّ نَّهِ فَقَالَ: ((اللَّهُمَّ أَعِنْي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعٍ يُوسُفَ))، فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ حَتَّى هَلَكُوا فِيهَا وَأَكَلُوا الْمَيتَةَ، وَالْعِظامَ، وَيَرَى الرَّجُلُ مَا بَيْنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخانِ، فَجَاءَهُ أَبُو سُفْيانَ فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، جِئْتَ تَأْمُرُنا بِصِلَةِ الرَّحِمِ، وَإِنَّ قَوْمَكَ قَدْ هَلَكُوا، فَادْعُ الله. فَقَرَّأَ ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّماءُ بِدُخانٍ مُبِينٍ﴾ - إِلى قَوْلِهِ - ﴿عَائِدُونَ﴾ [الدخان: ١٠] أَفَيُّكْشَفُ عَنْهُمْ عَذابُ الآخِرَةِ، إِذا جاءَ ثُمَّ عادُوا إِلَى كُفْرِهِمْ. فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى﴾ [الدخان: ١٦] يَوْمَ بَدْرٍ ﴿وَلِزامًا﴾ يَوْمَ بَذْرٍ ﴿ألم غُلِيَتِ الرُّومُ﴾ - إِلَى - ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ وَالرُّومُ قَدْ مَضى. وبه قال: (حدَّثنا محمد بن كثير) العبدي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري ولأبي ذر عن سفيان قال: (حدّثنا منصور) هو ابن المعتمر (والأعمش) هو سليمان كلاهما (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: بينما) بميم (رجل) قال الحافظ ابن حجر لم أقف على اسمه (يحدث فيك كندة) بكسر الكاف وسكون النون (فقال: يجيء دخان) بتخفيف المعجمة (يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقين وأبصارهم يأخذ المؤمن كهيئة الزكام) بنصب المؤمن على المفعولية (ففزعنا) بكسر الزاي وسكون العين المهملة من الفزع (فأتيت ابن مسعود) عبد الله فأخبرته بالذي قاله الرجل (وكان متكئًا فغضب) لذلك (فجلس فقال: من علم فليقل) ما يعلمه إذا سئل (ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فإن من العلم أن يقول لما لا يعلم لا أعلم) لأن تمييز المعلوم من المجهول نوع من العلم وليس المراد أن عدم العلم يكون علمًا ولأبي ذر الله أعلم بدل قوله لا أعلم وللأصيلي بدلها لا علم لي به (فإن الله) تعالى (قال لنبيه وَلا و ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين﴾﴾ [ص: ٨٦] والقول فيما لا يعلم قسم من التكلف وفيه تعريض بالرجل القائل يجيء دخان الخ وإنكار عليه ثم بين قصة الدخان فقال (وإن قريشًا أبطؤوا عن الإسلام) أي تأخروا عنه (فدعا عليهم النبي ◌َّ فقال): (اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف) الصديق عليه الصلاة والسلام التي أخبر الله عنها في التنزيل بقوله ثم يأتي من بعد ذلك سبع شداد، وسقط: اللهم لأبي ذر (فأخذتهم سنة) بفتح السين قحط وهم بمكة (حتى هلكوا فيها وأكلوا الميتة والعظام ويرى الرجل ما بين السماء والأرض كهيئة الدخان) من ضعف بصره بسبب الجوع (فجاءه) عليه الصلاة والسلام (أبو سفيان) ٤٩٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة الروم صخر بن حرب بمكة أو المدينة (فقال: يا محمد جئت تأمرنا) ولأبوي ذر والوقت والأصيلي وابن عساكر تأمر بحذف ضمير النصب (بصلة الرحم وإن قومك) ذوي رحمك (قد هلكوا) من الجدب والجوع بدعائك عليهم (فادع الله) لهم بأن يكشف عنهم فإن كشف آمنوا (فقرأ) عليه الصلاة والسلام (﴿فارتقب﴾) أي انتظر (﴿يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾) أي بين واضح يراه كل أحد (﴿إلى قوله عائدون﴾) [الدخان: ١٠] أي إلى الكفر أو إلى العذاب قال ابن مسعود (أفيكشف) بهمزة الاستفهام وضم الياء مبنيًّا للمفعول (عنهم عذاب الآخرة إذا جاء) وللأصيلي فتكشف بمثناة فوقية مفتوحة وفتح الكاف وتشديد المعجمة عنهم العذاب أي رفع القحط بدعاء النبي و هو كشفًا قليلاً أو زمانًا قليلاً (ثم عادوا إلى كفرهم) غب الكشف (فذلك قوله تعالى: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾) [الدخان: ١٦] (يوم بدر) ظرف يريد القتل فيه وهذا الذي قاله ابن مسعود وافقه عليه جماعة كمجاهد وأبي العالية وإبراهيم النخعي والضحاك وعطية العوفي واختاره ابن جرير لكن أخرج ابن أبي حاتم عن الحارث عن علي بن أبي طالب قال: لم تمض آية الدخان بعد يأخذ المؤمن كهيئة الزكام وينفخ الكافر حتى ينقدّ. وأخرج أيضًا عن عبد الله بن أبي مليكة قال: غدوت على ابن عباس ذات يوم فقال: ما نمت الليلة حتى أصبحت قلت لم؟ قال قالوا: طلع الكوكب ذو الذنب فخشيت أن يكون الدخان قد طرق فما نمت حتى أصبحت. قال الحافظ ابن كثير: وإسناده صحيح إلى ابن عباس حبر الأمة وترجمان القرآن ووافقه عليه جماعة من الصحابة والتابعين مع الأحاديث المرفوعة من الصحاح والحسان مما فيه دلالة ظاهرة على أن الدخان من الآيات المنتظرة وهو ظاهر قوله تعالى: (﴿فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين﴾) أي بين واضح وعلى ما فسر به ابن مسعود إنما هو خيال رأوه في أعينهم من شدة الجوع والجهد وكذا قوله: ﴿يغشى الناس﴾ [الدخان: ١١] أي يعمهم ولو كان خيالاً يخص مشركي مكة لما قيل يغشى الناس وأما قوله: ﴿إنا كاشفو العذاب﴾ [الدخان: ١٥] أي: ولو كشفنا عنكم العذاب ورجعناكم إلى الدنيا لعدتم إلى ما كنتم فيه من الكفر والتكذيب كقوله تعالى: ﴿ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من الضر للجوا﴾ [المؤمنون: ٧٥] ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وقال آخرون لم يمض الدخان بعد بل هو من أمارات الساعة. وفي حديث حذيفة بن أسيد الغفاري عن النبي ◌َّر: ((لا تقوم الساعة حتى تروا عشر آيات طلوع الشمس من مغربها والدخان والدابة وخروج يأجوج ومأجوج وخروج عيسى والدجال وثلاثة خسوف، خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب ونار تخرج من قعر عدن تحشر الناس تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا)) انفرد بإخراجه مسلم. (﴿ولزامًا﴾) هو الأسر (يوم بدر) أيضًا. (﴿ألم غلبت الروم﴾) أي غلبت فارس الروم (﴿إلى سيغلبون﴾) أي الروم سيغلبون فارس، وهذا علم من أعلام نبوّة نبينا وَّر لما فيه من الإخبار بالغيب (والروم قد مضى) أي غلبهم لفارس ٤٩٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة الروم فإنه قد وقع يوم الحديبية وفي آخر سورة الدخان قال عبد اللَّه يعني ابن مسعود خمس قد مضين اللزام والروم والبطشة والقمر والدخان وسقط لأبي ذر قوله: ﴿الَم غلبت الروم﴾ الخ. وهذا الحديث قد سبق في باب إذا استشفع المشركون بالمسلمين عند القحط من كتاب الاستسقاء، ويأتي بقية مباحثه في سورة الدخان إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته. ١ - باب ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله﴾: لِدينِ الله ﴿َخَلْقُ الأَوَّلِينَ﴾: دينُ الأَوَّلينَ. وَالْفِطْرَةُ: الإِسْلامُ هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿لا تبديل لخلق الله﴾) [الروم: ٣٠] أي (لدين الله) قاله إبراهيم النخعي فيما أخرجه عنه الطبري فهو خبر بمعنى النهي أي لا تبدلوا دين الله. (﴿خلق الأوّلين﴾) أي (دين الأوّلين) ساقه شاهد التفسير الأوّل (والفطرة) في قوله: ﴿فطرة الله التي فطر الناس عليها﴾ [الروم: ٣٠] هي (الإسلام) قاله عكرمة فيما وصله الطبري وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٧٧٥ - حدّثنا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ، أَخْبَرَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، قالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمْنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِي الله عَنْهُ قالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((ما مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَوْ يُنَصْرَانِهِ أَوْ يُمَجِّسَانِهِ، كَما تُنْتَجُ الْبَهِيمَةُ بَهِيمَةً جَمْعاءَ، هَلْ تُحِسُونَ فِيها مِنْ جَدْعَاءَ؟ ثُمَّ يَقُولُ: ﴿فِطْرَةَ اللهُ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْدِيلَ لخلْقِ الله ذُلِكَ الدّينُ الْقَيِّمُ﴾)). وبه قال: (حدّثنا عبدان) هو لقب عبد الله بن عثمان المروزي قال: (أخبرنا عبد اللَّه) بن المبارك قال: (أخبرنا يونس) بن يزيد الأيلي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبو سلمة بن عبد الرحمن) بن عوف (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله ◌َازد) : (ما من مولود إلا يولد على الفطرة) قيل يعني العهد الذي أخذه عليهم بقوله: ﴿ألست بربكم قالوا بلى﴾ [الأعراف: ١٧٢] وكل مولود في العالم على ذلك الإقرار وهي الحنيفية التي وقعت الخلقة عليها وإن عبد غيره ولكن لا عبرة بالإيمان الفطري إنما المعتبر الإيمان الشرعي المأمور به. وقال ابن المبارك معنى الحديث أن كل مولود يولد على فطرته أي خلقته التي جبل عليها في علم الله من السعادة والشقاوة فكل منهم صائر في العاقبة إلى ما فطر عليها وعامل في الدنيا بالعمل المشاكل لها، فمن أمارات الشقاء أن يولد بين يهوديين أو نصرانيين أو مجوسيين فيحملانه لشقائه على اعتقاد دينهما، وقيل المعنى أن كل مولود يولد في مبدأ الخلقة على الجبلة السليمة والطبع المتهيىء لقبول الدين فلو ترك عليها لاستمرّ على لزومها لكن تطرأ على بعضهم الأديان الفاسدة كما قال: (فأبواه ٤٩٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة لقمان يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه كما تنتج) بضم أوّله وفتح ثالثه على صيغة المبني للمفعول أي تلد (البهيمة بهيمة جمعاء) بفتح الجيم وسكون الميم ممدودًا تامة الأعضاء (هل تحسون فيها من جدعاء) بفتح الجيم وسكون المهملة ممدودًا مقطوعة الأذن أو الأنف أي لا جدع فيها من أصل الخلقة إنما يجدعها أهلها بعد ذلك فكذلك المولود يولد على الفطرة ثم يتغير بعد. ونقل في المصابيح عن القاضي أبي بكر بن العربي أن معنى قوله: فأبواه الخ أنه ملحق بهما في الأحكام من تحريم الصلاة عليه ومن ضرب الجزية عليه إلى غير ذلك ولولا أنه ولد على فراشهما لمنع من ذلك كله قال ولم يرد أنهما يجعلانه يهوديًا أو نصرانيًا إذ لا قدرة لهما على أن يفعلا فيه الاعتقاد أصلاً . اهـ. فليتأمل. (ثم يقول) أي أبو هريرة مستشهدًا لما ذكر (﴿فطرة الله﴾) أي خلقته نصب على الإغراء (﴿التي فطر الناس عليها﴾) أي خلقهم عليها وهي قبولهم للحق (﴿لا تبديل لخلق الله﴾) أي ما ينبغي أن يبدل أو خبر بمعنى النهي (﴿ذلك الدين القيم﴾) الذي لا وج فيه. وهذا الحديث سبق في باب إذا أسلم الصبي فمات هل يصلى عليه من كتاب الجنائز. [٣١] سورة لُقْمانُ (بِسْمِ الله الرَّحمنِ الرَّحيمِ) ﴿لا تُشْرِكْ بِالله إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]. ([٣١] لقمان) مكية قيل إلا آية ﴿الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة﴾ لأن وجوبهما بالمدينة وضعف لأنه لا ينافي شرعيتهما بمكة وآيها أربع وثلاثون ولأبي ذر سورة لقمان. (بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر ولقمان اسم أعجمي، والجمهور على أنه كان حكيمًا ولم يكن نبيًا، ومما ذكر من حكمته أنه أمر بأن يذبح شاة ويأتي بأطيب مضغتين منها فأتى باللسان والقلب ثم بعد أيام أمر بأن يأتي بأخبث مضغتين منها فأتي بهما أيضًا فسئل عن ذلك فقال: هما أطيب شيء إذا طابا وأخبثه إذا خبثا. (﴿لا تشرك بالله﴾) أي مع الله (﴿إن الشرك لظلم عظيم﴾) [لقمان: ١٣] بدأ في وعظ ابنه بالأهم وهو منعه من الإشراك وإنما كان ظلمًا لأنه وضع النفس المكرمة الشريفة في عبادة الخسيس فوضع العبادة في غير موضعها. ٤٧٧٦ - حدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْراهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٣٢ ٤٩٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة لقمان شَقَّ ذُلِكَ عَلَى أصْحابٍ رَسُولِ اللهِ وَّهِ فَقالُوا: أيُّنا لَمْ يَلْبِسْ إيمانَهُ بِظُلْم؟ فَقالَ رَسُولُ اللهِ وَهِ: ((إِنَّهُ لَيْسَ بِذاكَ، أَلَا تَسْمَعُ إِلَى قَوْلٍ لُقْمانَ لايْنِهِ ﴿إِنَّ الشّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾)). وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) البغلاني الثقفي قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن إبراهيم) النخعي (عن علقمة) بن قيس النخعي (عن عبد الله) بن مسعود (رضي الله عنه) أنه (قال: لما نزلت هذه الآية) التي بالأنعام (﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم)) [الأنعام: ٨٢] أي بشرك فلم ينافقوا (شق ذلك على أصحاب رسول الله ◌َّير فقالوا أينا لم يلبس) بفتح أوّله وكسر الموحدة أي لم يخلط (إيمانه بظلم فقال رسول الله وَلخد): (إنه ليس بذاك) ولأبي ذر ليس بذلك (ألا تسمع) برفع العين من غيروا و (إلى قول لقمان لابنه إن الشرك لظلم عظيم) فعموم الظلم المستفاد من التعبير بالنكرة في سياق النفي غير مقصود بل هو من العام الذي أريد به الخاص وهو هنا الشرك كما مر في باب ظلم دون ظلم من كتاب الإيمان وفي سورة الأنعام مع مزيد لذلك وغيره وسقط قوله لابنه في رواية أبي ذر. ١ - باب قَوْلِهِ ﴿إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤] (باب قوله) عز وجل (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾) [لقمان: ٣٤] علم وقت قيامها. ٤٧٧٧ - حدثني إِسْحَقُ عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ أَبِي حَيَّنَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ وَلهَ: كَانَ يَوْمًا بَارِزًا لِلنَّاسِ، إِذْ أَتَاهُ رَجُلٌ يَمْشي، فَقالَ: يا رَسُولَ الله مَا الإِيمانُ؟ قالَ: ((الإِيمانُ أَنَّ تُؤْمِنَ بِالله، وَمَلائِكَتِهِ، وَرُسُلِهِ، وَلِقائِهِ، وَتُؤْمِنَ بِالْبَغْثِ الآخِرِ)). قَالَ: يا رَسُولَ الله مَا الإِسْلاَمُ؟ قَالَ: ((الإِسْلامُ أَنْ تَعْبُدَ الله، وَلاَ تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤْتِيَ الزّكاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَتَصُومَ رَمَضَانَ)). قَالَ: يَا رَسُولَ الله مَا الإِحْسانُ؟ قَالَ: ((الإِحْسانُ أَنْ تَعْبُدَ الله، كَأَنَّكَ تَراهُ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ)) قالَ يا رَسُولَ اللهِ، مَتَى السَّاعَةُ؟ قَالَ: ((مَا الْمَسْؤُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنَ السَّائِلِ، وَلَكِنْ سَأُحَدْتُكَ عَنْ أَشْرَاطِها: إِذا وَلَدَتِ الْمَرْأَةُ رَبَتَها فَذَاكَ مِنْ أَشْراطِها، وَإِذا كانَ الْحُفَاةُ الْعُراةُ رُؤُوسَ النَّاسِ فَذَاكَ مِنْ أَشْراطِها، فِي خَمْسٍ لا يَعْلَمُهُنَّ إِلاَّ الله ﴿إِنَّ الله عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الأَزْحامِ﴾ ثُمَّ أَنْصَرَفَ الرَّجُلُ فَقالَ: رُدُّوا عَلَيَّ. فَأَخَذُوا لِيَرُدُوا فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا، فَقَالَ: ((هَذا جِبْرِيلُ جَاءَ لِيُعَلّمَ النَّاسَ دِينَهُمْ)). وبه قال: (حدّثني) بالإفراد، ولأبي ذر: حدّثنا (إسحلق) بن إبرهيم المعروف بابن راهويه (عن جرير) هو ابن عبد الحميد (عن أبي حيان) بفتح الحاء المهملة وتشديد التحتية يحيى بن سعيد الكوفي (عن أبي زرعة) هرم بن عمرو بن جرير البجلي (عن أبي هريرة رضي الله عنه أن ٤٩٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة لقمان رسول الله﴿ كان يومًا بارزًا) ظاهرًا (للناس إذ أتاه رجل) ملك في صورة رجل وهو جبريل عليه السلام ولأبي ذر عن الكشميهني إذ جاءه رجل (يمشي فقال: يا رسول الله ما الإيمان) أي ما متعلقاته (قال) عليه الصلاة والسلام: (الإيمان أن تؤمن بالله) أي تصدق بوجوده وبصفاته الواجبة (وملائكته) ولأبي ذر والأصيلي زيادة وکتبه بأن تصدق بأنها كلامه تعالى وأن ما اشتملت عليه حق لا ريب فيه (ورسله) بأنهم صادقون فيما أخبروا به عن الله (ولقائه) برؤيته تعالى في الآخرة (وتؤمن) أي أن تصدق أيضًا (بالبعث الآخر) بكسر الخاء أي من القبور وما بعده وأعاد تؤمن لأنه إيمان بما سيوجد وما سبق إيمان بالموجود نوعان (قال) أي جبريل: (يا رسول الله ما الإسلام؟ قال) عليه الصلاة والسلام: (الإسلام أن تعبد الله) أي تطيعه (ولا تشرك به شيئًا وتقيم الصلاة) المكتوبة (وتؤتي الزكاة المفروضة). قال في المصابيح: لم يقيد الصلاة بالمكتوبة وإنما قيد الزكاة مع أنها إنما تطلق على المفروضة بخلاف الصلاة فتأمل السر في ذلك انتهى. وقد سبق في كتاب الإيمان أن تقييد الزكاة بالمفروضة احتراز عن صدقة التطوع فإنها زكاة لغوية أو من المعجلة. وفي رواية مسلم: تقيم الصلاة المكتوبة وتؤتي الزكاة المفروضة (وتصوم رمضان) زاد في رواية كهمس وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً فلعل راوي حديث الباب نسيه (قال) أي جبريل: (يا رسول الله ما الإحسان؟) المتكرر في القرآن المترتب عليه الأجر وقال الخطابي المراد بالإحسان هنا الإخلاص وهو شرط في صحة الإيمان والإسلام معًا لأن من تلفظ من غير نية إخلاص لم يكن محسنًا (قال) عليه الصلاة والسلام: (الإحسان أن تعبد الله) أي عبادتك الله حال كونك في عبادتك له (كأنك تراه) في إخلاص العبادة لوجهه الكريم ومجانبة الشرك الخفي (فإن لم تكن تراه) فلا تغفل واستمر على إحسان العبادة (فإنه يراك) وهذا تنزل من مقام المكاشفة إلى مقام المراقبة (قال) جبريل: (يا رسول الله متى الساعة؟) أي قيامها وسميت الساعة لوقوعها بغتة أو لسرعة حسابها (قال) النبي ◌َّ: (ما المسؤول عنها بأعلم من السائل) ما نافية يعني لست أنا أعلم منك يا جبريل بعلم وقت قيام الساعة (ولكن سأحدثك عن أشراطها) علاماتها السابقة عليها وذلك (إذا ولدت المرأة) وفي رواية أبي ذر الأمة (ربتها) بتاء التأنيث على معنى النسمة ليشمل الذكر والأنثى كناية عن كثرة السبي فيستولد الناس أماءهم فيكون الولد كالسيد لأمه لأن ملك الأمة راجع في التقدير إلى الولد (فذاك من أشراطها) لأن كثرة السبي والتسري دليل على استعلاء الدين واستيلاء المسلمين وهو من الأمارات لأن قوّته وبلوغ أمره غايته وذلك منذر بالتراجع والانحطاط المنذر بأن القيامة ستقوم (وإذا كان الحفاة العراة رؤوس الناس) إشارة إلى استيلائهم على الأمر وتملكهم البلاد بالقهر والمعنى أن الأذلة من الناس ينقلبون أعزة ملوك ٥٠٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة لقمان الأرض (فذاك من أشراطها) واكتفى باثنتين من الأشراط مع التعبير بالجمع لحصول المقصود بهما في ذلك وعلم وقتها داخل (في) جملة (خمس) من الغيب وحذف متعلق الجار سائغ شائع ويجوز أن يتعلق بأعلم أي ما المسؤول عنها بأعلم في خمس أي في علم الخمس أي لا ينبغي لأحد أن يسأل أحدًا في علم الخمس لأنهن (لا يعلمهن إلا الله) وفيه إشارة إلى إبطال الكهانة والنجامة وما شاكلهما وإرشاد للأمة وتحذير لهم عن إتيان من يدعي علم الغيب ولأبي ذر عن الحموي والكشميهني وخمس لا يعلمهن إلا الله بواو العطف بدل الجار (﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث﴾) في وقته المقدر له والمحل المعين له في علمه (﴿ويعلم ما في الأرحام﴾) أذكر أم أنثى. قال في شرح المشكاة فإن قيل: أليس إخباره و له عن أمارات الساعة من قبيل قوله: ﴿وما تدري نفس ماذا تكسب غدًا﴾ [لقمان: ٣٤]. وأجاب: بأنه إذا أظهر بعض المرتضين من عباده بعض ما كشف له من الغيوب لمصلحة ما لا يكون إخبارًا بالغيب بل يكون تبليغًا له قال الله تعالى: ﴿فلا يظهر على غيبه أحدًا إلا من ارتضى من رسول﴾ [الجن: ٢٦] وفائدة بيان الأمارات أن يتأهب المكلف إلى المعاد بزاد التقوى (ثم انصرف الرجل) جبريل. (فقال) النبي وَلّ للحاضرين من أصحابه: (ردوا علي) بتشديد الياء أي الرجل (فأخذوا ليردوا) بحذف ضمير المفعول للعلم به (فلم يروا شيئًا) لا عينًا ولا أثرًا (فقال) عليه الصلاة والسلام: (هذا جبريل جاء ليعلم الناس دينهم) أي قواعد دينهم وإسناد التعليم إليه وإن كان سائلاً لأنه كان سببًا في التعليم. وهذا الحديث قد سبق في كتاب الإيمان. ٤٧٧٨ - حدّثنا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمانَ، قالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قالَ: حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ: أَنْ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُمَا قالَ: قَالَ النَِّيَّ وَّهِ: ((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، ثُمَّ قَرَأَ ﴿إِنَّ اللهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ [لقمان: ٣٤])). وبه قال: (حذّثنا) ولأبي الوقت: حدّثني الإفراد (يحيى بن سليمان) الجعفي الكوفي نزيل مصر (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد اللَّه المصري (قال: حدثني) بالإفراد أيضًا (عمر بن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر) بن الخطاب المدني نزيل عسقلان (أن أباه) محمد بن زيد (حدثه أن) جده (عبد الله بن عمر) بن الخطاب (رضي الله عنهما قال: قال النبي ◌َّ﴾): (مفاتیح) بوزن مصابيح ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر مفتاح (الغيب) بوزن مصباح أي خزائن الغيب (خمس ثم قرأ) عليه الصلاة والسلام (﴿إن الله عنده علم الساعة﴾) الآية إلى آخرها كذا ساقه هنا مختصرًا وتامًا في الاستسقاء والرعد والأنعام.