Indexed OCR Text

Pages 461-480

٤٦١
كتاب تفسير القرآن/ سورة النور
وَبَلَغَ الأَمْرُ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي قِيلَ لَهُ، فَقالَ: سُبْحانَ اللهِ، وَالله ما كَشَفْتُ كَتَفَ أُنْثَى قَطُ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللهِ. قَالَتْ: وَأَصْبَحَ أَبُوايَ عِنْدِي، فَلَمْ يَزِالاَ حَتَّى دَخَلَ عَلَيَّ
رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَقَدْ صَلَّى الْعَصْرَ، ثُمَّ دَخَلَ وَقَدِ أَكْتَفَنِي أَبَوايَ عَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمالِي فَحَمِدَ الله
وَأَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، إِنْ كُنْتِ قَارَفْتِ سُوءًا أَوْ ظَلَمْتِ فَتُوبِي إِلَى اللهِ، فَإِنَّ الله
يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ». قالَتْ: وَقَدْ جاءَتِ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصارِ فَهِيَ جالِسَةٌ بِالْبابِ، فَقُلْتُ: أَلا
تَسْتَحِي مِنْ هَذِهِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَذْكُرَ شَيْئًا. فَوَعَظَ رَسُولُ اللهِ وََّ، فَالْتَفَتُّ إِلى أَبِي فَقُلْتُ: أَجِبْهُ،
قَالَ: فَمَاذَا أَقُولُ، فَالْتَفَتُّ إِلى أُمِّي فَقُلْتُ: أَجِيبِيهِ، فَقَالَتْ: أَقُولُ ماذَا؟ فَلَمَّا لَمْ يُجِيباهُ، تَشَهَّدْتُ
فَحَمِدْتُ الله تَعالى وَأَثْتَيْتُ عَلَيْهِ بِما هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قُلْتُ: أَمَّا بَعْدُ فَوَ الله لَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي لَمْ أَفْعَلْ،
وَالله عَزَّ وَجَلَّ يَشْهَدُ إِنِّي لَصادِقَةٌ ما ذاكَ بِنَافِعِي عِنْدَكُمْ، لَقَدْ تَكَلَّمْتُمْ بِهِ وَأُشْرِبَتْهُ قُلُوبُكُمْ وَإِنْ قُلْتُ
إِنِّي فَعَلْتُ وَالله يَعْلَمُ أَنِّي لَمْ أَفْعَلْ، لَتَقُولَنَّ قَدْ باءَتْ بِهِ عَلى نَفْسِها. وَإِنِّي وَالله ما أَجِدُ لِي وَلَكُمْ
مَثَلاً، وَالْتَمَسْتُ أَسْمَ يَعْقُوبَ فَلَمْ أَقْدِزْ عَلَيْهِ، إِلاَّ أَبا يُوسَفَ حِينَ قالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَالله
الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ وَأَنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ وَ ◌ّهَ مِنْ سَاعَتِهِ، فَسَكْتَا، فَرُفِعَ عَنْهُ، وَإِنِّي
لأَتَبَيْنُ السَّرُورَ فِي وَجْهِهِ وَهُوَ يَمْسَحُ جَبِينَهُ وَيَقُولُ: ((أَبْشِرِي يا عائِشَةُ، فَقَدْ أَنْزَلَ الله بَراءَتَكِ))،
قَالَتْ: وَكُنْتُ أَشَدَّ ما كُنْتُ غَضَبًا، فَقَالَ لِي أَبوايَ: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَالله لاَ أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا
أَحْمَدُهُ وَلا أَحْمَدُكُما، وَلَكِنْ أَحْمَدُ الله الَّذِي أَنْزَل بَراءَتِي. لَقَدْ سَمِعْتُمُوهُ فَمَا أَنْكَرْتُمُوهُ وَلاَ
غَيَّرْتُمُوهُ. وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ: أَمَّا زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ فَعَصَمَهَا الله بِدِينِها فَلَمْ تَقُلْ إِلاَّ خَيْرَا، وَأَمَّا
أُخْتُها حَمْنَةُ فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. وَكَانَ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ مِسْطَحْ وَحَسَّانُ بْنُ ثابِتٍ وَالْمُنافِقُ
عَبْدُ اللَّه بْنُ أُبَيِّ وَهُوَ الَّذِي كانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ هُوَ وَحَمْنَةُ.
قالَتْ: فَحَلَفَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ لا يَنْفَعَ مِسْطَحًا بِنَافِعَةٍ أَبَدًا. فَأَنْزَّلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ
مِنْكُمْ﴾ إِلى آخِرِ الآيَةِ يَعْنِي أَبَا بَكْرٍ ﴿وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبِى وَالْمَسَاكِينَ﴾ يَعْنِي مِسْطَحًا إِلى
قَوْلِهِ: ﴿ألا تُحِبُّونَ أنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] حَتَّى قَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلى
وَالله يَا رَبَّنا، إنَّا لَنُحِبُّ أنْ تَغْفِرَ لَنا، وَعادَ لَهُ بِما كانَ يَصْنَعُ.
(وقال أبو أسامة) حماد بن أسامة مما وصله أحمد عنه بتمامه (عن هشام بن عروة) أنه (قال:
أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة) رضي الله عنها أنها (قالت: لما ذكر
من شأني) بضم الذال المعجمة مبنيًا للمفعول أي من أمري وحالي (الذي ذكر) بضم الذال المعجمة
أيضًا من الإفك (و) الحال أني (ما علمت به) وجواب لما قوله (قام رسول الله وَّير فيّ) بكسر الفاء
وتشديد التحتية حال كونه (خطيبًا فتشهد فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال):
(أما بعد أشيروا عليّ في أناس) يريد أهل الإفك (أبنوا) بهمزة وموحدة مخففة مفتوحتين فنون

٤٦٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة النور.
فواو وقد تمدّ الهمزة وللأصيلي مما حكاه عياض أبنوا بتشديد الموحدة أي اتهموا (أهلي) وذكروهم
بالسوء قال ثابت التأبين ذكر الشيء وتتبعه قال الشاعر:
فرفع أصحابي المطي وأبنوا
أي ذكروها والتخفيف بمعناه لكن قال النووي التخفيف أشهر وقال القاضي عياض: وروي
أنبوا بتقديم النون وتشديدها كذا قيده عبدوس بن محمد، وكذا ذكره بعضهم عن الأصيلي. قال
القاضي: وهو في كتابي منقوط من فوق وتحت وعليه بخطي علامة الأصيلي ومعناه إن صح لاموا
ووبخوا وعندي أنه تصحیف لا وجه له ههنا.
(وإيم الله ما علمت على أهلي من سوء وأبنوهم) بالتخفيف اتهموهم (بمن والله ما علمت
عليه من سوء قط) يريد صفوان (ولا يدخل بيتي قط إلا وأنا حاضر) ولأبي ذر عن الحموي
والمستملي إلا أنا بإسقاط الواو (ولا غبت) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي ولا كنت (في سفر إلا
غاب معي فقام سعد بن معاذ) الأنصاري الأوسي المتوفى بسبب السهم الذي أصابه فقطع منه
الأكحل في غزوة الخندق سنة خمس كما عند ابن إسحق. وكانت هذه القصة في سنة خمس أيضًا
كما هو الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة (فقال: ائذن لي يا رسول الله أن نضرب أعناقهم)
بنون الجمع والضمير لأهل الإفك وسقط لأبي ذر لفظ لي (وقام رجل من بني الخزرج) هو
سعد بن عبادة (وكانت أم حسان بن ثابت) الفريعة بضم الفاء وفتح الراء وبالعين المهملة بنت
خالد بن حنيس بن لوذان بن عبد ود بن زيد بن ثعلبة بن الخزرج (من رهط ذلك الرجل فقال)
لابن معاذ: (كذبت) أي لا تقدر على قتله (أما) بالتخفيف (والله أن لو كانوا) أي قائلوا الإفك
(من الأوس ما أحببت أن تضرب أعناقهم) تضرب بضم أوّله مبنيًا للمفعول وأعناقهم رفع نائب
عن الفاعل وزاد في الرواية السابقة فتشاور الحيان (حتى كاد أن يكون) ولأبي ذر كاد يكون (بين
الأوس والخزرج شرّ في المسجد) وفي الرواية السابقة حتى هموا أن يقتتلوا.
قالت عائشة: (وما علمت) بذلك (فلما كان مساء ذلك اليوم خرجت لبعض حاجتي) للتبرز
جهة المناصع (ومعي أم مسطح) وهي ابنة أبي رهم (فعثرت) أي في مرطها (وقالت: تعس) بكسر
العين وتفتح (مسطح) تعني ابنها. قالت عائشة: (فقلت) أي لها: (أي أُمّ تسبين ابنك؟) بحذف
همزة الاستفهام وفي الرواية السابقة أتسبين رجلاً شهد بدرًا (وسكتت) أي أم مسطح (ثم عثرت
الثانية فقالت: تعس مسطح، فقلت لها: تسبين ابنك؟ ثم عثرت الثالثة) ولأبي ذر فقلت لها أي أم
تسبين ابنك فسكتت ثم عثرت الثالثة (فقالت: تعس مسطح فانتهرتها فقالت: والله ما أسبّه إلا
فيك) أي إلا لأجلك (فقلت: في أي شأني قالت: فبقرت) بالفاء والموحدة والقاف والراء
المفتوحات آخره فوقية (لي الحديث) قال ابن الأثير أي فتحته وكشفته (فقلت: وقد كان هذا؟)
وسقطت الواو لأبي ذر (قالت: نعم والله) قالت عائشة (فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا
أجد منه قليلاً ولا كثيرًا) أي دهشت بحيث ما عرفت لأي أمر خرجت من البيت من شدّة ما

٤٦٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة النور
عراني من الهم وكانت قد قضت حاجتها كما سبق (ووعكت) بضم الواو الثانية وسكون الكاف
أي صرت محمومة (فقلت) بالفاء ولأبي ذر وقلت (لرسول الله (وَل98) أي لما دخل عليّ (أرسلني إلى
بيت أبي فأرسل معي الغلام) لم يسم (فدخلت الدار) بسكون اللام (فوجدت أم رومان) تعني أمها
قال الكرماني واسمها زينب (في السفل) من البيت (وأبا بكر فوق البيت يقرأ فقالت أمي: ما جاء
بك يا بنية فأخبرتها) خبري (وذكرت لها الحديث) الذي قاله أهل الإفك في شأني (وإذا هو لم يبلغ
منها مثل ما) ولأبي ذر مثل الذي (بلغ مني فقالت: يا بنية) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي أي
بنية (خفضي) بخاء معجمة مفتوحة وفاء مشدّدة فضاد معجمة مكسورتين وللحموي والكشميهني
خففي بفاء ثانية بدل الضاد وفي نسخة خفي بكسر الخاء والفاء وإسقاط الثانية ومعناها متقارب
(عليك الشأن فإنه والله لقلما كانت امرأة قط حسناء) صفة امرأة ولمسلم من رواية ابن ماهان حظية
(عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها) بسكون الدال المهملة وفتح النون (وقيل فيها) ما يشينها
(وإذا هو) تعني الإفك (لم يبلغ منها ما بلغ مني. قلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم. قلت
ورسول الله وَ ر؟ قالت: نعم ورسول الله وَلايل واستعبرت) بسكون الراء ولأبي ذر فاستعبرت بالفاء
بدل الواو (وبكيت، فسمع أبو بكر صوتي وهو فوق البيت يقرأ فنزل فقال لأمي: ما شأنها؟
قالت: بلغها الذي ذكر من شأنها) بضم ذال ذكر وكسر كافها (ففاضت عيناه. قال) ولأبي ذر
فقال: (أقسمت عليك أي بنية) ولأبي ذر عن الكشميهني يا بنية (إلا رجعت إلى بيتك فرجعت)
بسكون العين (ولقد جاء رسول الله وَلهو بيتي فسأل عني خادمتي) سبق في الرواية التي قبل أنها
بريرة مع ما فيه من البحث ولأبي ذر خادمي بلفظ التذكير وهو يطلق على الذكر والأنثى فقال هل
رأيت من شيء يريبك على عائشة (فقالت: لا والله ما علمت عليها عيبًا إلا أنها كانت ترقد حتى
تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها) بالشك من الراوي (وانتهرها بعض أصحابه فقال: أصدقي
رسول الله(*) وفي رواية أبي أويس عند الطبراني أن النبي وَلّ قال لعلي شأنك بالجارية فسألها
عني وتوعدها فلم تخبره إلا بخير، ثم ضربها وسألها فقالت: والله ما علمت على عائشة سوءًا
(حتى أسقطوا لها به) من قولهم أسقط الرجل إذا أتى بكلام ساقط والضمير في قوله به للحديث
أو للرجل الذي اتهموها به وقال ابن الجوزي: صرحوا لها بالأمر، وقيل: جاؤوا في خطابها
بسقط من القول بسبب ذلك الأمر وضمير لها عائد على الجارية وبه عائد على ما تقدم من انتهارها
وتهديدها وإلى هذا التأويل كان يذهب أبو مروان بن سراج، وقال ابن بطال: يحتمل أن يكون من
قولهم سقط إلى الخبر إذا علمه فالمعنى ذكروا لها الحديث وشرحوه (فقالت) أي الخادمة (سبحان
الله والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر) بالغت في نفي العيب كقوله:
ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم
البيت.
(وبلغ الأمر) أي أمر الإفك (إلى ذلك الرجل) صفوان ولأبي ذر وبلغ الأمر ذلك الرجل
(الذي قيل له) أي عنه من الإفك ما قيل فاللام هنا بمعنى عن كهي في قوله تعالى: ﴿وقال الذين

٤٦٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة النور
كفروا للذين آمنوا لو كان خيرًا ما سبقونا إليه﴾ [الأحقاف: ١١] أي عن الذين آمنوا كما قاله ابن
الحاجب أو بمعنى في أي قيل فيه ما قيل فهي كقوله: ﴿يا ليتني قدمت لحياتي﴾ [الفجر: ٢٤]
أي في حياتي (فقال: سبحان الله والله ما كشفت كنف أنثى قط) بفتح الكاف والنون أي ثوبها يريد
ما جامعتها في حرام أو كان حصورًا (قالت عائشة: فقتل) صفوان (شهيدًا في سبيل الله) في
غزوة أرمينية سنة تسع عشرة في خلافة عمر كما قاله ابن إسحق (قالت: وأصبح أبواي عندي
فلم يزالا حتى دخل علي رسول الله (َّ﴿ وقد صلى العصر) في المسجد (ثم دخل) علي (وقد
اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي فحمد الله وأثنى عليه ثم قال):
(أما بعد يا عائشة إن كنت قارفت سوءاً) بالقاف والفاء أي كسبته (أو ظلمت) نفسك (فتوبي
إلى الله) وفي رواية أبي أويس إنما أنت من بنات آدم إن كنت أخطأت فتوبي (فإن الله يقبل التوبة
عن عباده قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار) لم تسم (فهي جالسة بالباب فقلت) له عليه الصلاة
والسلام: (ألا تستحي) بكسر الحاء ولأبي ذر ألا تستحيي بسكونها وزيادة تحتية (من هذه المرأة)
الأنصارية (أن تذكر شيئًا) على حسب فهمها لا يليق بجلالة حرمك (فوعظ رسول الله (وَ﴾).
قالت عائشة: (فالتفت إلى أبي فقلت أجبه) عليه السلام عني، ولأبي ذر، فقلت له أجبه (قال:
فماذا أقول؟ فالتفت إلى أمي فقلت: أجيبيه) عني عليه السلام (فقالت: أقول ماذا؟) قال ابن مالك
فيه شاهد على أن ما الاستفهامية إذا ركبت مع إذا لا يجب تصديرها فيعمل فيها ما قبلها رفعًا
ونصبًا (فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله تعالى وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد فوالله
لئن قلت لكم أني لم أفعل) أي ما قيل (والله عز وجل يشهد أني لصادقة) فيما أقول من براءتي (ما
ذاك بنافعي عندكم لقد) ولأبي ذر ولقد (تكلمتم به وأشربته) بضم الهمزة مبنيًا للمفعول والضمير
المنصوب يرجع إلى الإفك (قلوبكم) رفع بأشربت (وإن قلت إني فعلت) ولأبي ذر قد فعلت (والله
يعلم أني لم أفعل) ذلك (لتقولن قد باءت) أقرت (به على نفسها وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً
والتمست) بسكون السين أي طلبت (اسم يعقوب) عليه السلام (فلم أقدر عليه إلا أبا يوسف حين
قال: ((فصبر جميل﴾) أجمل وهو الذي لا شكوى فيه إلى الخلق (﴿والله المستعان على ما
تصفون﴾) أي على احتمال ما تصفونه (وأُنزِلَ على رسول الله وَل من ساعته فسكتنا فرفع عنه)
الوحي (وإني لأتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه) من العرق (ويقول):
(أبشري) بقطع الهمزة (يا عائشة فقد أنزل الله براءتك) وفي رواية فليح يا عائشة احمدي الله
فقد برأك (قالت: وكنت أشد) بالنصب خبر كان (ما كنت غضبًا) أي وكنت حين أخبر والر
ببراءتي أقوى ما كنت غضبًا من غضبي قبل ذلك قاله العيني (فقال لي أبواي: قومي إليه. فقلت:
والله) ولأبي ذر لا والله (لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي لقد
سمعتموه) أي الإفك (فما أنكرتموه ولا غیرتموه).
وفي رواية الأسود عن عائشة: وأخذ رسول الله وَّ# بيدي فانتزعت يدي منه فنهرني أبو

٤٦٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة النور
بكر وإنما فعلت ذلك لما خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ذلك مع
تحققهم حسن سيرتها وطهارتها. وقال ابن الجوزي: إنما قالت ذلك إدلالاً كما يدل الحبيب على
حبيبه، ويحتمل أن تكون مع ذلك تمسكت بظاهر قوله عليه السلام لها ((احمدي الله)) ففهمت منه
أمرها بإفراد الله بالحمد، فقالت ذلك وأن ما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث
الغضب قاله في الفتح.
(وكانت عائشة تقول: أما زينب ابنة جحش) أم المؤمنين (فعصمها الله) أي حفظها (بدينها
فلم تقل) أي فيّ (إلا خيرًا، وأما أختها حمنة فهلكت فيمن هلك) أي حدّت فيمن حد لخوضها
في حديث الإفك لتخفض منزلة عائشة وترفع منزلة أختها زينب (وكان الذي يتكلم فيه) أي في
الإفك ولأبي ذر به (مسطح وحسان بن ثابت والمنافق عبد اللَّه بن أبي، وهو الذي كان يستوشيه)
أي يطلب إذاعته ليزيده ويريبه (ويجمعه وهو الذي تولى كبره منهم هو وحمنة. قالت) عائشة:
(فحلف أبو بكر أن لا ينفع مسطحًا) ابن خالته (بنافعة أبدًا) بعد الذي قال عن عائشة (فأنزل الله
عز وجل: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم﴾) إلى آخر الآية يعني: أبا بكر (﴿والسعة أن يؤتوا أولي
القربى والمساكين﴾) يعني مسطحًا إلى قوله: (﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ حتى
قال أبو بكر: بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا وعاد له) لمسطح (بما كان يصنع) له قبل من
النفقة، زاد في الباب السابق وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا وسقط لفظ حتى لأبي ذر.
(لطيفة).
ذكر أنه كان للشيخ إسماعيل بن المقري اليمني مؤلف عنوان الشرف وغيره ولد يجري عليه
نفقة في كل يوم فقطعها لشيء بلغه عنه فكتب لأبيه رقعة فيها:
لا تقطعن عادة برّولا تجعل عقاب المرء في رزقه
نرجوه عفو الله عن خلقه
واعف عن الذنب فإن الذي
فاستره بالإغضاء واستبقه
وإن بدا من صاحب زلة
فإن قدر الذنب من مسطح يحط قدر النجم من أفقه
وقد بدا منه الذي قدبدا وعوتب الصديق في حقه
فكتب إليه أبوه:
قد يمنع المضطر من ميتة إذا عصى بالسير في طرقه
لأنه يقوى على توبة توجب إيصالاً إلى رزقه
لولم يتب مسطح من ذنبه ما عوتب الصديق في حقه
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٣٠

٤٦٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة النور
١٣ - باب ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ [النور: ٣١]
(باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾) [النور: ٣١] يعني
يلقين فلذلك عداه بعلى والخمر جمع خمار وفي القلة يجمع على أخمرة والجيب ما في طوق القميص
يبدو منه بعض الجسد.
٤٧٥٨ - وقال أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ: حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ يُونُسَ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ
عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالَتْ: يَرْحَمُ الله نِساءَ الْمُهاجِراتِ الأُوَلَ، لَمَّا أَنْزِلَ الله ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ
عَلَى جُيُوبِهِنَ﴾ شَقَقْنَ مُرُوطَهُنَّ فَاخْتَمَرْنَ بِهِ. [الحديث ٤٧٥٨ طرفه في: ٤٧٥٩].
(قال أحمد بن شبيب) بفتح المعجمة وكسر الموحدة الأولى بينهما تحتية ساكنة شيخ المؤلف مما
وصله ابن المنذر قال: (حدّثنا أبي) شبيب بن سعيد (عن يونس) بن يزيد الأيلي أنه قال: (قال ابن
شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عروة) بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت:
يرحم الله نساء المهاجرات الأول) بضم الهمزة وفتح الواو أي السابقات (لما أنزل الله) تعالى:
(﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾) وجواب لما قوله: (شققن مروطهن) جمع مرط بكسر الميم أي
أزرهن (فاختمرن به) أي بما شققن ولأبي الوقت بها أي الأزر المشقوقة وكن في الجاهلية يسدلن
خمرهن من خلفهن فتنكشف نحورهن وقلائدهن من جيوبهن، فأمرن أن يضربنهن على الجيوب
ليسترن أعناقهن ونحورهن وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على
العاتق الأيسر وهو التقنع.
٤٧٥٩ - حدثنا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ نافِعِ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ صَفِيَّةً بِنْتِ
شَيْبَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا كانَتْ تَقُولُ: لَمَّا نَزَلَثْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِ هِنَّ عَلى
جُيُوبِهِنْ﴾ أَخَذْنَ أُزْرَهُنَّ فَشَقَقْتَها مِنْ قِبَلِ الْحَواشِي فَاخْتَمَرْنَ بِها.
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا إبراهيم بن نافع) المخزومي المكي
(عن الحسن بن مسلم) واسم جده يناق بفتح التحتية وتشديد النون وبعد الألف قاف المكي وثبت
ابن مسلم لأبي ذر (عن صفية بنت شيبة) بن عثمان القرشية المكية (أن عائشة رضي الله عنها كانت
تقول لما نزلت هذه الآية: (﴿وليضربن بخمرهن على جيوبهن﴾) أخذن (أزرهن) وللنسائي من
رواية ابن المبارك عن إبراهيم بلفظ أخذ النساء وللحاكم أخذ نساء الأنصار أزرهن (فشققنها من
قبل) بكسر القاف وفتح الموحدة أي من جهة (الحواشي فاختمرن بها). واستشكل ذكر نساء
المهاجرات في الأولى ونساء الأنصار في رواية الحاكم وغيره. وأجيب: باحتمال أن نساء الأنصار
بادرن إلى ذلك عند نزول الآية، والله سبحانه وتعالى أعلم.

٤٦٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
[٢٥] سُورَةُ الْفُرْقَانِ
(بِسْمِ اللهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ) قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿هَبَاءَ مَنْثُورًا﴾ ما تَسْفِي
بِهِ الرِّيحُ. ﴿مَدَّ الظُّلِّ﴾: ما بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ. ﴿ساكِنًا﴾ دائِمًا. ﴿عَلَيْهِ
دَلِيلاً﴾: طُلُوعُ الشَّمْسِ ﴿خِلْفَةٌ﴾: مَنْ فَاتَهُ مِنَ اللَّيْلِ عَمَلَّ أَدْرَكَهُ بِالنَّهارِ، أَوْ فَاتَهُ بِالنَّهارِ أَذْرَكَهُ
بِاللَّيْلِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: ﴿هَبْ لَنا مِنْ أَزْواجِنَا﴾ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَمَا شَيْءٌ أَقَرَّ لِعَيْنِ الْمُؤْمِنٍ أَنْ يَرى
حَبِيبَهُ فِي طاعَةِ اللهِ. وَقَالَ ابْنُ عَيَّاسٍ: ﴿ثُبُورًا﴾: وَيْلاً. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿السَّعِيرُ﴾ مُذَكَّرٌ، وَالتَّسَغُرُ
وَالاضْطِرامُ: التَّوَقُّدُ الشَّدِيدُ. ﴿تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ تُقْرَأُ عَلَيْهِ، مِنْ أَمْلَيْتُ وَأَمْلَلْتُ. ﴿الرَّسُ﴾: الْمَعْدِنُ،
جَمْعُهُ رِساسٌ. ﴿مَا يَعْبَأْ﴾ يُقالُ: ما عَبَأْتُ بِهِ شَيْئًا: لا يُعْتَدُّ بِهِ. ﴿غَرامًا﴾: هَلاكًا. وَقالَ
مُجاهِدٌ: ﴿وَعَتْوا﴾ طَغَوْا. وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةً: ﴿عاتِيَةٍ﴾: عَتَتْ عَلَى الْخُزَّانِ.
([٢٥] سورة الفرقان)
مكية وآيها سبع وسبعون آية والفرقان الفارق بين الحلال والحرام الذي جمعت منافعه وعمت
فوائده.
(بسم الله الرحمن الرحيم) ثبتت البسملة لأبي ذر.
(قال) ولأبي ذر وقال (ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله ابن جرير في قوله: (﴿هباء
منثورًا﴾) هو (ما تسفي به الربح). وتذريه من التراب والهباء والهبوة التراب الدقيق قاله ابن
عرفة. وقال الخليل والزجاج: هو مثل الغبار الداخل في الكوة يتراءى مع ضوء الشمس فلا يمس
بالأيدي ولا يرى في الظل ومنثورًا صفته شبه به عملهم المحيط في حقارته وعدم نفعه ثم بالمنثور
منه في انتشاره بحيث لا يمكن نظمه فجيء بهذه الصفة لتفيد ذلك. وقال الزمخشري: أو مفعول
ثالث لجعلناه أي جعلناه جامعًا لحقارة الهباء والتناثر كقوله: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ [البقرة: ٦٥]
أي جامعين للمسخ والخسء وسقط للأصيلي لفظ به من قوله تسفي به الريح.
(﴿مد الظل﴾) في قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى ربك كيف مد الظل﴾ [الفرقان: ٤٥] قال ابن
عباس فيما وصله ابن أبي حاتم عنه هو (ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس) قال في الأنوار
وهو أطيب الأحوال فإن الظلمة الخالصة تنفر الطبع وتسد النظر وشعاع الشمس يسخن الجوّ ويبهر
البصر ولذلك وصف به الجنة فقال ﴿وظل ممدود﴾ . اهـ.
والظل عبارة عن عدم الضوء مما من شأنه أن يضيء وجعله ممدودًا لأنه ظل لا شمس معه
واعترضه ابن عطية بأنه خصوصية لهذا الوقت بذلك بل من قبل غروب الشمس مدة يسيرة يبقى
فيها ظل ممدود مع أنه في نهار وفي سائر أوقات النهار ظلال متقطعة. وأجيب: بأنه ذكر تفسير
الخصوص الآية لأن في بقيتها ثم جعلنا الشمس عليه دليلاً فتعين الوقت الذي بعد طلوع الفجر

٤٦٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
واعترض ابن عطية أيضًا بأن الظل إنما يقال لما يقع بالنهار، والظل الموجود في هذا الوقت من
بقايا الليل. وأجيب: بالحمل على المجاز والرؤية هنا بصرية أو قلبية واختاره الزجاج والمعنى ألم
تعلم والخطاب وإن كان ظاهره للرسول و لتر فهو عام في المعنى لأن الغرض بيان نعم الله بالظل
وجميع المكلفين مشتركون في تنبيههم لذلك.
(﴿ساكنًا﴾) يريد قوله: ﴿ولو شاء لجعله ساكنًا﴾ [الفرقان: ٤٥] قال ابن عباس فيما وصله
ابن أبي حاتم: أي (دائمًا) أي ثابتًا لا يزول ولا تذهبه الشمس قال أبو عبيدة الظل ما نسخته
الشمس وهو بالغداة والفيء ما نسخ الشمس وهو بعد الزوال وسمي فيئًا لأنه فاء من الجانب
الغربي إلى الشرقي.
(﴿عليه دليلاً﴾) قال ابن عباس: فيما وصله ابن أبي حاتم أيضًا أي (طلوع الشمس) دليل
حصول الظل فلو لم تكن الشمس لما عرف الظل ولولا النور ما عرف الظلمة والأشياء تعرف
بأضدادها .
(﴿خلفة﴾) في قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة﴾ [الفرقان: ٦٢] قال ابن
عباس فيما وصله ابن أبي حاتم: (من فاته من الليل عمل أدركه بالنهار أو فاته بالنهار أدركه
بالليل). وجاء رجل إلى عمر بن الخطاب فقال: فاتتني الصلاة الليلة. فقال: أدرك ما فاتك من
ليلتك في نهارك، فإن الله تعالى جعل الليل والنهار خلفة أو يخلف أحدهما الآخر يتعاقبان إذا ذهب
هذا جاء هذا، وإذا جاء هذا ذهب ذاك وخلفة مفعول ثان لجعل أو حال.
(وقال الحسن) البصري فيما وصله سعيد بن منصور في قوله تعالى: ((هب لنا من
أزواجنا﴾) [الفرقان: ٧٤] وزاد أبو ذر وذرياتنا قرة أعين أي (في طاعة الله) ولأبي ذر والأصيلي:
من طاعة الله (وما شيء أقر لعين المؤمن أن يرى) وللأصيلي لعين مؤمن وله ولأبي ذر من أن يرى
(حبيبه في طاعة الله) قال في الأنوار فإن المؤمن إذا اشركه أهله في طاعة الله سر بهم قلبه وقربهم
عينه لما يرى من مساعدتهم له في الدين وتوقع لحوقهم به في الجنة ومن ابتدائية أو بيانية كقولك
رأيت منك أسدًا اهـ والمراد قرة أعين لهم في الدين لا في الدنيا من المال والجمال قال الزجاج
يقال أقر الله عينك أي صادف فؤادك ما تحبه وقال المفضل برد دمعتها وهي التي تكون مع السرور
ودمعة الحزن حارة.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن المنذر مفسرًا (﴿ثبورًا﴾) في قوله: ﴿دعوا هنالك ثبورًا﴾
[الفرقان: ١٣] أي يقولون (ويلا) بواو مفتوحة فتحتية ساكنة وقال الضحاك هلاكًا فيقولون
واثبوراه تعال فهذا حينك فيقال لهم لا تدعوا اليوم ثبورًا واحدًا وادعوا ثبورًا كثيرًا أي هلاككم
أكثر من أن تدعوا مرة واحدة فادعوا أدعية كثيرة فإن عذابكم أنواع كثيرة كل نوع منها ثبور لشدته
أو لأنه يتجدد لقوله تعالى: ﴿كلما نضجت جلودهم بدلناهم جلودًا غيرها ليذوقوا العذاب﴾
[النساء: ٥٦] أو لأنه لا ينقطع فهو في كل وقت ثبور.

٤٦٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
(وقال غيره) غير ابن عباس مفسرًا لقوله تعالى: ﴿وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرًا﴾
[الفرقان: ١١] (السعير مذكر) لفظًا أو من حيث إن فعيلاً يطلق على المذكر والمؤنث (والتسعر
والاضطرار) معناهما (التوقد الشديد) وعن الحسن السعير اسم من أسماء جهنم.
(تملى عليه) في قوله: ﴿وقالوا أساطير الأوّلين اكتتبها فهي تملى عليه﴾ [الفرقان: ٥] أي
(تقرأ عليه من أمليت) بتحتية ساكنة بعد اللام (وأمللت) بلام بدل التحتية والمعنى أن هذا القرآن
ليس من الله إنما سطره الأوّلون فهي تقرأ عليه ليحفظها.
(﴿الرس﴾) في قوله تعالى: ﴿وعادًا وثمود وأصحاب الرس﴾ [الفرقان: ٣٨] أي (المعدن
جمعه) بسكون الميم ولأبي ذر جميعه بكسرها ثم تحتية (رساس) بكسر الراء قاله أبو عبيدة وقيل
أصحاب الرس ثمود لأن الرس البئر التي لم تطو وثمود أصحاب آبار وقيل الرس نهر بالمشرق
وكانت قرى أصحاب الرس على شاطىء النهر فبعث الله إليهم نبيًا من أولاد يهوذا بن يعقوب
فكذبوه فلبث فيهم زمانًا فشكى إلى الله منهم فحفروا بئرًا وأرسلوه فيها وكانوا عامة يومهم
يسمعون أنین نبيهم وهو يقول سيدي ترى ضيق مكاني وشدة كربي وضعف ركني وقلة حيلتي
فأرسل الله عليهم رتجا عاصفة شديدة الحرّ وصارت الأرض من تحتهم حجر كبريت يتوقد وأظلتهم
سحابة سوداء فذابت أبدانهم كما يذوب الرصاص وقيل غير ذلك.
(﴿ما يعبأ﴾) ولأبي ذر: ما يعبؤوا. قال أبو عبيدة: (يقال ما عبأت به شيئًا لا يعتد به)
وللأصيلي أي لم تعتد به فوجوده وعدمه سواء وقال الزجاج معناه لا وزن لكم عندي.
(﴿غرامًا﴾) في قوله تعالى: ﴿إن عذابها كان غرامًا﴾ [الفرقان: ٦٥] قال أبو عبيدة (هلاكًا)
وإلزامًا لهم وعن الحسن كل غريم يفارق غريمه إلا غريم جهنم.
(وقال مجاهد) فيما أخرجه ورقاء في تفسيره (﴿وعتوا﴾) أي (طغوا) وعتوّهم طلبهم رؤية
الله حتی یؤمنوا به.
(وقال ابن عيينة) سفيان في قوله تعالى بسورة الحاقة مما ذكره المؤلف استطرادًا على عادته في
مثله (﴿عاتية﴾) من قوله: ﴿فأهلكوا بريح صرصر عاتية﴾ [الحاقة: ٦] (عتت عن الخزان) الذين
هم على الريح فخرجت بلا كيل ولا وزن وفي نسخة وقال ابن عباس بدل ابن عيينة ووقع في
هذه التفاسير تقديم وتأخير في بعض النسخ.
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿اَلَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ
إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرِّ مَكانَا وَأَضَلُّ سَبِيلاً﴾ [الفرقان: ٣٤]
(باب قوله) عز وجل: (﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم﴾) أي مقلوبين أو
مسحوبين إليها والموصول خبر مبتدأ محذوف أي هم الذين أو نصب على الذم أو رفع بالابتداء

٤٧٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
وخبره الجملة من قوله: (﴿أولئك شر مكانًا﴾) منزلاً ومصيرًا من أهل الجنة (﴿وأضل سبيلاً﴾)
[الفرقان: ٣٤] وأخطأ طريقًا ووصف السبيل بالضلال من الإسناد المجازي للمبالغة وسقط لأبي
ذر أولئك الخ وقال بعد إلى جهنم الآية.
٤٧٦٠ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ الْبَغْدادِيُّ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ
قَتَادَةً حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ الله عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً قالَ: يَا نَبِيَّ الله، يُحْشَرُ الْكَافِرُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ
الْقِيامَةِ؟ قالَ: (أَلَيْسَ الَّذِي أَمْشَاهُ عَلَى الرِّجْلَيْنِ فِي الدُنْيا قادِرًا عَلَى أَنْ يُمْشِيَهُ عَلَى وَجْهِهِ يَوْمَ
الْقِيامَةِ)). قالَ قَتَادَةُ: بَلَى وَعِزَّةٍ رَبِّنا. [الحديث: ٤٧٦٠ - طرفه في: ٦٥٣٤].
وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) المسندي قال: (حدثنا يونس بن محمد البغدادي) أبو
محمد المؤدب قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن قتادة) بن دعامة أنه قال: (حدّثنا
أنس بن مالك رضي الله عنه أن رجلاً) لم يسم (قال: يا نبي الله يحشر الكافر على وجهه يوم
القيامة)؟ استفهام حذفت منه الأداة، وللحاكم من وجه آخر عن أنس كيف يحشر أهل النار على
وجوههم (قال):
(أليس الذي أمشاه على الرجلين في الدنيا قادرًا) بالنصب ولأبي ذر بالرفع (على أن يمشيه)
بضم التحتية وسكون الميم (على وجهه يوم القيامة) وظاهره أن المراد مشيه على وجهه حقيقة فلذلك
استغربوه حتى سألوا عنه (قال قتادة) بن دعامة بالإسناد المذكور (بلى وعزة ربنا) أنه لقادر على ذلك
قاله تصديقًا لقوله أليس وحكمة حشره على وجهه معاقبته على تركه السجود في الدنيا إظهارًا
لهوانة وخساسته بحيث صار وجهه مكان يديه ورجليه في التوقي عن المؤذيات.
وفي حديث أبي هريرة المروي عند أحمد قالوا: يا رسول الله وكيف يمشون على وجوههم؟
قال: ((إن الذي أمشاهم على أرجلهم قادر أن يمشيهم على وجوههم أما أنهم يتقون بوجوههم كل
حدب وشوك)).
وستكون لنا عودة إن شاء الله تعالى إلى بقية مباحث هذا الحديث في كتاب الرقاق بعون
الله .
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ
الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقْ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَتَامًا﴾. الْعُقُوبَةَ [الفرقان: ٦٨]
(باب قوله) جل وعلا: ((والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾) أي لا يعبدون غيره (﴿ولا
يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون﴾) يجوز أن تتعلق الباء في قوله: ﴿بالحق﴾ بنفس
﴿يقتلون﴾ أي لا يقتلونها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق وأن تتعلق بمحذوف على أنها صفة
للمصدر أي قتلاً ملتبسًا بالحق أو على أنها حال أي إلا ملتبسين بالحق.

٤٧١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
فإن قلت: من حل قتله لا يدخل في النفس المحرمة فكيف يصح هذا الاستثناء؟ أجيب:
بأن المقتضي لحرمة القتل قائم أبدًا وجواز القتل إنما ثبت بمعارض فقوله: ﴿حرم الله﴾ إشارة إلى
المقتضي، وقوله: ﴿إلا بالحق﴾ إشارة إلى المعارض والسبب المبيح للقتل هو الردّة والزنا بعد
الإحصان وقتل النفس المحرمة.
(﴿ومن يفعل ذلك﴾) إشارة إلى جميع ما تقدم لأنه بمعنى ما ذكر فلذلك وحد (﴿يلق
أثامًا﴾) [الفرقان: ٦٨] (العقوبة) قال:
جزى الله ابن عروة حيث أمسى عقوقًا والعقوق له آثام
أي: عقوبة، وقيل: هو الإثم نفسه أي يلق جزاء إثم فأطلق الإثم على جزائه أو الآثام اسم
من أسماء جهنم أو واد أو بئر فيها ويلق جزم بحذف الألف جزاء الشرط، وسقط لأبي ذر قوله:
﴿التي حرم الله﴾) إلى آخر ﴿ومن يفعل ذلك﴾ وقال بعد قوله: ﴿النفس) الآية. وسقط للأصيلي
﴿ولا يزنون﴾ إلى آخر قوله العقوبة.
٤٧٦١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سُفْيَانَ قالَ: حَدَّثَنِي مَنْصُورٌ وَسُلَيْمانُ عَنْ أَبِي
وَائِلٍ عَنْ أَبِي مَيْسَرَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: وَحَدَّثَنِي واصِلٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ الله عَنْهُ
قالَ: سَأَلْتُ أَوْ سُئِلَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ عِنْدَ اللهِ أَكْبَرُ؟ قالَ: ((أَنْ تَجْعَلَ لله نِدًا، وَهُوَ
خَلَقَكَ)). قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قالَ: ((ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ خَشْيَةً أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ)). قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ:
(أَنْ تُزَانِيَ بِحَلِيلَةٍ جارِكَ)). قالَ: وَنَزَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَصْدِيقًا لِقَوْلٍ رَسُولِ اللهِ ﴿وَالَّذِينَ لا
يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَهَا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن سفيان)
الثوري أنه (قال: حدّثني) بالإفراد (منصور) هو ابن المعتمر (وسليمان) هو الأعمش (عن أبي
وائل) شقيق بن سلمة (عن أبي ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني (عن عبد اللَّه)
يعني ابن مسعود (قال) سفيان الثوري (وحدَّثني) بالإفراد (واصل) هو ابن حيان بفتح الحاء المهملة
وتشديد التحتية وبعد الألف نون الأسدي الكوفي من طبقة الأعمش (عن أبي وائل) شقيق بن
سلمة (عن عبد اللَّه) بن مسعود (رضي الله عنه) فأسقط سفيان في هذه ما أثبته بين أبي وائل وابن
مسعود في رواية منصور والأعمش وهو أبو ميسرة وهو الصواب (قال): أي ابن مسعود (سألت
أو سئل رسول الله وَي) شك الراوي (أي الذنب عند الله أكبر؟) ولمسلم: أعظم؟ (قال):
(أن تجعل الله ندًا) بكسر النون أي مثلاً (وهو خلقك) فوجود الخلق يدل على الخالق واستقامة
الخلق تدل على توحيده إذ لو كان إلهين لم يكن على الاستقامة (قلت: ثم أي؟) بالتشديد والتنوين
وفيه كلام سبق في أوّل البقرة وغيرها (قال: ثم أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك) بخلاً مع
الوجدان أو إيثارًا لنفسه عليه عند الفقد ولا اعتبار بمفهومه فلا يقال التقييد بخشية الإطعام مبيح

٤٧٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
لأنه خرج مخرج الغالب لأنهم كانوا يقتلونهم لأجل ذلك (قلت: ثم أيّ؟ قال: أن تزاني) ولغير أبي
ذر ثم أن تزاني (بحليلة جارك) بفتح الحاء المهملة وكسر اللام الأولى أي زوجته لأنها تحل له فهي
فعيلة بمعنى فاعلة أو من الحلول لأنها تحل معه ويحل معها وإنما كان ذلك لأنه زنا وإبطال لما
أوصى الله به من حفظ حقوق الجيران، وقال في التنقيح: تزاني تفاعل وهو يقتضي أن يكون من
الجانبين. قال في المصابيح: لعله نبه به على شدة قبح الزنا إذا كان منه لا منها بأن يغشاها نائمة
أو مكرهة فإنه إذا كان زناه بها مع المشاركة منها له والطواعية كبيرًا كان زناه بدون ذلك أكبر
وأقبح من باب أولى (قال): أي ابن مسعود (ونزلت هذه الآية تصديقًا لقول رسول الله الطيار:
﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرّم الله إلا بالحق﴾) وزاد أبو ذر
﴿ولا يزنون﴾.
وهذا الحديث سبق في البقرة ويأتي إن شاء الله تعالى في التوحيد والأدب والمحاربين.
٤٧٦٢ - حدّثنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسى أَخْبَرَنَا هِشامُ بْنُ يُوسُفَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ، قالَ:
أَخْبَرَنِي الْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَزَّةَ أَنَّهُ سَأَلَ سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ: هَلْ لِمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًاً مِنْ تَوْبَةِ؟ فَقَرَأْتُ
عَلَيْهِ ﴿وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إلاَّ بِالْحَقِّ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَقالَ سَعِيدٌ قَرَأْتُها عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ
كَمَا قَرَأْتَهَا عَلَيَّ فَقالَ: هذِهِ مَكْيَةٌ نَسَخَتْها آيَةٌ مَدَنِيَّةٌ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّساءِ.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام بن يوسف)
الصنعاني أبو عبد الرحمن القاضي (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال:
أخبرني) بالإفراد (القاسم بن أبي بزة) بفتح الموحدة وتشديد الزاي واسم أبي بزة نافع بن يسار
تابعي صغير مكي وهو والد البزي المقري راوي ابن كثير وليس للقاسم في الجامع إلا هذا الحديث
(أنه سأل سعيد بن جبير هل لمن قتل مؤمنا متعمدًا من توبة؟) زاد في رواية منصور عن سعيد في
آخر هذا الباب قال: لا توبة له (فقرأت عليه ﴿ولا يقتلون﴾) ولأبي ذر: والذين يقتلون
(﴿النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾) واعترض بعضهم على رواية أبي ذر من جهة وقوع التلاوة على
غير ما هي عليه. وأجاب في المصابيح: بأن المعنى فقرأت عليه آية: الذين لا يقتلون النفس
فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامه وحينئذ لم يلزم كونه غير التلاوة لأنه لم يحكها نصًا بل
أشار إليها. (فقال سعيد): يعني ابن جبير القاسم بن أبي بزة (قرأتها) يعني الآية (على ابن عباس
كما قرأتها علي فقال: هذه) الآية (مكية نسختها) ولأبي ذر يعني نسختها (آية مدنية) والذي في
اليونينية مدينية بتحتيتين بينهما نون مكسورة يعني قوله تعالى: ﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه
جهنم﴾ [النساء: ٩٣] (التي في سورة النساء) إذ ليس فيها استثناء التائب وقالوا: نزلت الغلظة
بعد اللينة بمدّة يسيرة، وعند ابن مردويه من طريق خارجة بن زيد بن ثابت عن أبيه قال: نزلت
سورة النساء بعد سورة الفرقان بستة أشهر، وقول ابن عباس هذا محمول على الزجر والتغليظ،
وإلاّ فكل ذنب ممحوّ بالتوبة.

٤٧٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
٤٧٦٣ - حدّثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمانِ عَنْ
سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْكُوفَةِ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ، فَرَحَلْتُ فِيهِ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقالَ:
نَزَّلَتْ فِي آخِرٍ ما نَزَلَ، وَلَمْ يَنْسَخُها شَيْءٌ.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة أبو
بكر العبدي بندار قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن
المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (عن سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم الكوفي أنه (قال:
اختلف أهل الكوفة في قتل المؤمن) أي متعمدًا هل تقبل التوبة منه؟ (فرحلت فيه) بالراء والحاء
المهملتين (إلى ابن عباس) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: فدخلت بالدال والخاء المعجمة أي بعد
أن رحلت إلى ابن عباس فسألته عن ذلك (فقال: نزلت في آخر ما نزل) أي هذه الآية: ﴿ومن
يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾ [النساء: ٩٣] (ولم ينسخها شيء).
وهذا الحديث قد سبق في سورة النساء.
٤٧٦٤ - حدثنا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَدَّثَنَا مَنْصُورٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرِ سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ
الله عَنْهُما عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ قالَ: لا تَوْبَةَ لَهُ. وَعَنْ قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ ﴿لا يَدْعُونَ
مَعَ اللهِ إِلَّهَا آخَرَ﴾ قَالَ: كَانَتْ هَذِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال: (حدّثنا منصور)
هو ابن المعتمر ولأبي ذر عن منصور (عن سعيد بن جبير سألت) ولأبي ذر: قال سألت (ابن
عباس رضي الله عنهما عن قوله تعالى: ﴿فجزاؤه جهنم﴾) في الرواية الآتية عن قوله تعالى:
﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها﴾ (قال: لا توبة له) حملوه على التغليظ كما
مرّ.
وحديث الإسرائيلي الذي قتل تسعة وتسعين نفسًا ثم أتى على تمام المائة إلى راهب فقال: لا
توبة لك فقتله فأكمل به مائة ثم جاء آخر فقال له: ومن يحول بينك وبين التوبة المشهور قد يحتج
به لقبولها لأنه إذا ثبت ذلك لمن قبل هذه الأمة فمثله لهم أولى لما خفف الله عنهم من الأثقال التي
كانت على من قبلهم (وعن قوله جل ذكره: ﴿لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾) قال: (كانت هذه)
الآية (في الجاهلية) مشركي أهل مكة.
٣ - باب قَوْلُهُ: ﴿يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ
يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهانًا﴾ [الفرقان: ٦٩]
قوله: ((يضاعف﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين قوله يضاعف (﴿له العذاب يوم القيامة ويخلد
فيه مهانًا﴾) [الفرقان: ٦٩] نصب على الحال وهو اسم مفعول من أهانه يهينه أي أذله وأذاقه

٤٧٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
الهوان ويضاعف ويخلد بالجزم فيهما بدلاً من يلق بدل اشتمال كقوله:
متى تأتنا تلمم بنا في ديارنا تجد حطبًا جزلاً ونارًا تأججا
فأبدل من الشرط كما أبدل هنا من الجزاء وقرأ بالرفع ابن عامر وشعبة على الاستئناف كأنه
جواب ما الآثام ويخلد عطفًا عليه.
٤٧٦٥ - حدّثنا سَعْدُ بْنُ حَقْصٍ، حَدَّثَنَا شَيْبانُ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ ابْنُ أَبْزِى
سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ [النساء: ٩٣] وَقَوْلِهِ: ﴿وَلا
يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقْ﴾ - حَتَّى بَلَغَ . ﴿إِلَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٦٨] فَسَأَلْتُهُ فَقالَ:
لَمَّا نَزَّلَتْ قالَ أَهْلُ مَكَّةَ: فَقَّدْ عَدَلْنا بِالله، وَقَتَلْنا النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ الله إِلاَّ بِالْحَقِّ، وَأَتَيْنَا الْفَواحِشَ، فَأَنْزَلَ
الله ﴿إِلاَّ مَنْ تابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحًا﴾ - إِلى قَوْلِهِ - ﴿غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠].
وبه قال: (حدّثنا سعد بن حفص) بسكون العين الطلحي من ولد طلحة بن عبيد الله
القرشي التيمي قال: (حدّثنا شيبان) بن عبد الرحمن النحوي (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن
سعيد بن جبير) أنه (قال: قال ابن أبزى) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وفتح الزاي مقصورًا اسمه
عبد الرحمن من صغار الصحابة (سئل) بضم السين مبنيًا للمفعول (ابن عباس) رفع نائب عن
الفاعل وللأصيلي سأل ابن عباس فعلاً ماضيًا كذا في الفرع كأصله وقال الحافظ ابن حجر: سل
بصيغة الأمر وللأصيلي وعزا الأولى لأبي ذر والنسفي وقال: إن مقتضاها أنه من رواية سعيد بن
جبير عن ابن أبزى عن ابن عباس وأن المعتمد رواية الأصيلي بصيغة الأمر وأنه يدل عليه قوله بعد
سياق الآيتين فسألته فإنه واضح في جواب قوله سل (عن قوله تعالى) في سورة النساء (﴿ومن
يقتل مؤمنا متعمدًا فجزاؤه جهنم﴾) زاد الأصيلي خالدًا فيها (وقوله: ﴿ولا يقتلون﴾) ولأبي ذر
والأصيلي ﴿والذين لا يقتلون﴾ (﴿النفس التي حرم الله إلا بالحق﴾ - حتى بلغ - ﴿إلا من تاب
وآمن﴾) فسألته فقال: لما نزلت (قال): ولأبي الوقت فقال (أهل مكة فقد عدلنا بالله) بإسكان اللام
أي أشركنا به وجعلنا له مثلاً (وقتلنا) ولأبي ذر وقد قتلنا (النفس التي حرم الله إلا بالحق) سقط
لأبي ذر إلا بالحق (وآتينا الفواحش فأنزل الله ﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا﴾ - إلى
قوله - ﴿غفورًا رحيمًا﴾) فيه قبول توبة القاتل.
٤ - باب ﴿إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صالِحًا
فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ الله سَيّئاتِهِمْ حَسَناتٍ وَكَانَ الله غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٧٠]
هذا (باب) بالتنوين في قوله: (﴿إلا من تاب وآمن وعمل عملاً صالحًا﴾) الاستثناء متصل
أو منقطع، ورجحه أبو حيان بأن المستثنى منه محكوم عليه بأنه يضاعف له العذاب فيصير التقدير
إلا من تاب فلا يضاعف له العذاب ولا يلزم من انتفاء التضعيف انتفاء العذاب غير المضعف،

٤٧٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
فالأولى عندي أن يكون استثناء منقطعًا أي لكن من تاب وآمن وإذا كان كذلك فلا يلقى عذابًا
البتة، وتعقبه تلميذه السمين فقال: الظاهر قول الجمهور أنه متصل، وأما ما قاله فلا يلزم إذ
المقصود الإخبار بأن من فعل كذا فإنه يحل به ما ذكر إلا أن يتوب، وأما إصابة أصل العذاب
وعدمها فلا تعرض له في الآية (﴿فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات﴾)، سيئاتهم مفعول ثان
للتبديل وهو المقيد بحرف الجر وحذف لفهم المعنى وحسنات هو الأول وهو المأخوذ والمجرور
بالباء هو المتروك وقد صرح بهذا في قوله تعالى: ﴿وبدلناهم بجنتيهم جنتين﴾ [سبأ: ١٦]. وإبدال
السيئات حسنات أنه يمحوها بالتوبة ويثبت مكانها الحسنات. وقال محيي السنّة: ذهب جماعة إلى
أن هذا في الدنيا قال ابن عباس وغيره يبدلهم الله بقبائح أعمالهم في الشرك محاسن الأعمال في
الإسلام فيبدلهم بالشرك إيمانًا وبقتل المؤمنين قتل المشركين وبالزنا عفة وإحصانًا. وقال ابن المسيب
وغيره: يبدل الله سيئاتهم التي عملوها في الإسلام حسنات يوم القيامة.
وقال ابن كثير: تنقلب السيئات الماضية بنفس التوبة النصوح حسنات لأنه كلما يذكرها ندم
واسترجع واستغفر فينقلب الذنب طاعة فيوم القيامة وإن وجدها مكتوبة عليه لكنها لا تضره بل
تنقلب حسنة في صحيفته كما يدل له حديث أبي ذر المروي في مسلم قال رسول الله شير: إني
لأعرف آخر أهل النار خروجًا من النار وآخر أهل الجنة دخولاً إلى الجنة فيقول: اعرضوا عليه
كبار ذنوبه وسلوه عن صغارها قال فيقال له عملت يوم كذا كذا وكذا وعملت يوم كذا كذا وكذا
فيقول: نعم لا يستطيع أن ينكر من ذلك شيئًا فيقال فإن لك بكل سيئة حسنة فيقول: يا رب
عملت أشياء لا أراها ههنا، قال: فضحك رسول الله ◌َّر حتى بدت نواجذه. وقال الزجاج:
السيئة بعينها لا تصير حسنة فالتأويل أن السيئة تمحى بالتوبة وتكتب الحسنة مع التوبة.
(﴿وكان الله غفورًا﴾) حيث حط عنهم بالتوبة والإيمان مضاعفة العذاب والخلود في النار
والإهانة (﴿رحيمًا﴾) [الفرقان: ٧٠] حيث بدل سيئاتهم بالثواب الدائم والكرامة في الجنة وسقط
قوله فأولئك الخ لأبي ذر.
٤٧٦٦ - حدثنا عَبْدَانُ أَخْبَرَنا أَبِي عَنْ شُعْبَةً عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: أَمَرَنِي
عَبْدُ الرَّحْمُنِ بْنُ أَبْزِى أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هاتَيْنِ الآيَتَيْنِ ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمْدًا﴾ فَسَأَلْتُهُ
فَقالَ: لَمْ يَنْسَخُها شَيْءٌ. وَعَنْ ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ الله إِلَّهَا آخَرَ﴾ قالَ: نَزَلَتْ فِي أَهْلِ
الشّرْكِ.
وبه قال: (حدّثنا عبدان) بن عثمان بن جبلة الأزدي المروزي قال: (أخبرنا أبي) عثمان (عن
شعبة) بن الحجاج (عن منصور) هو ابن المعتمر (عن سعيد بن جبير) أنه (قال: أمرني
عبد الرحمن بن أبزى) بفتح الهمزة والزاي بينهما موحدة مقصورًا (أن أسأل ابن عباس) رضي الله
عنهما (عن هاتين الآيتين) قوله تعالى: (﴿ومن يقتل مؤمنا متعمدًا﴾) الآية بالنساء (فسألته) عن

٤٧٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الفرقان
حكمها (فقال: لم ينسخها شيء، وعن) قوله تعالى: (﴿والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر﴾) إلى
(﴿رحيمًا﴾) بالفرقان (قال: نزلت في أهل الشرك).
وفي باب ما لقي النبي ◌َّير وأصحابه من المشركين بمكة من المبعث من طريق عثمان بن أبي
شيبة عن جرير عن منصور فسألت ابن عباس فقال: لما نزلت التي في الفرقان قال مشركو أهل
مكة: فقد قتلنا النفس التي حرم الله ودعونا مع الله إلهًا آخر وقد أتينا الفواحش، فأنزل الله: ﴿إلا
من تاب وآمن﴾ فهذه لأولئك وأما التي في النساء الرجل إذا عرف الإسلام وشرائعه ثم قتل
فجزاؤه جهنم فذكرته لمجاهد فقال: إلا من ندم.
قال في الفتح: وحاصل ما في هذه الروايات أن ابن عباس رضي الله عنهما كان تارة يجعل
الآيتين في محل واحد فلذلك يجزم بنسخ إحداهما وتارة يجعل محلهما مختلفًا ويمكن الجمع بين
كلاميه بأن عموم التي في الفرقان خص منه مباشرة المؤمن القتل متعمدًا وكثير من السلف يطلقون
النسخ على التخصيص، وهذا أولى من حمل كلامه على التناقض وأولى من أنه قال بالنسخ ثم رجع
عنه والمشهور عنه القول بأن المؤمن إذا قتل مؤمنا متعمدًا لا توبة له وحمله الجمهور منه على التغليظ
وصححوا توبة القاتل كغيره.
وسبق في النساء من مباحث ذلك.
٥ - باب ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾: [الفرقان: ٧٧] هَلَكَةً
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((فسوف يكون﴾) جزاء التكذيب (﴿لزامًا﴾)
[الفرقان: ٧٧]. قال أبو عبيدة (هلكة) وللأصيلي أي هلكة والمعنى فسوف يكون تكذيبكم مقتضيًا
لهلاككم وعذابكم ودماركم في الدنيا والآخرة، وقال ابن عباس: موتًا ولزامًا خبر يكون واسمها
مضمر كما مرّ.
٤٧٦٧ - حدثنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِياثٍ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا الأَغْمَشُ حَدَّثَنَا مُسْلِمٌ عَنْ
مَسْرُوقٍ، قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: خَمْسٌ قَدْ مَضَيْنَ: الدُّخانُ، وَالْقَمَرُ، وَالرُّومُ، وَالْبَطْشَةُ. وَاللَّزامُ
﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزامًا﴾ .
وبه قال: (حدّثنا عمر بن حفص بن غياث) أبو حفص النخعي الكوفي قال: (حدّثنا أبي)
حفص قال: (حدّثنا الأعمش) سليمان قال: (حدّثنا مسلم) هو ابن صبيح أبو الضحى الكوفي
(عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: قال عبد اللَّه) هو ابن مسعود رضي الله عنه (خمس) من
العلامات الدالة على الساعة (قد مضين) أي وقعن (الدخان) المشار إليه في قوله تعالى: ﴿يوم تأتي
السماء بدخان مبين﴾ [الدخان: ١٠] (والقمر) في قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة وانشقَّ القمر﴾
[القمر: ١] (والروم) في قوله تعالى: ﴿ألم غلبت الروم﴾ [الروم: ١] (والبطشة) في قوله جل

٤٧٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الشعراء
وعلا: ﴿يوم نبطش البطشة الكبرى﴾ [الدخان: ١٦] وهو القتل يوم بدر (واللزام) في قوله
تعالى: (﴿فسوف يكون لزامًا﴾). قال ابن كثير: ويدخل في ذلك يوم بدر كما فسره ابن مسعود
وأبّ بن كعب ومحمد بن كعب القرظي ومجاهد والضحاك وقتادة والسدّي وغيرهم، وقال الحسن:
فسوف يكون لزامًا يعني يوم القيامة قال ابن كثير: ولا منافاة بينهما اهـ.
وعلى تفسير البطشة واللزام بيوم بدر يكون المعدود في الحقيقة أربعًا ويحتاج إلى بيان الخامس
وإن حصل بقول الحسن بيان الخامس في الجملة لكن تفسيره بيوم القيامة فيه شيء لأن مراده
تفسير خمس مضين وما يكون يوم القيامة مستقبل لا ماض ففي قول ابن كثير ولا منافاة بينهما نظر
وقد يجاب بأنه لتحقق وقوعه عدّ ماضيًا قاله في المصابيح.
وهذا الحديث قد سبق في الاستسقاء.
[٢٦] ﴿سُورَةُ الشُّعَراءِ﴾
(بِسْمِ الله الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ) وَقالَ مُجاهِدٌ: ﴿تَعْبَثُونَ﴾ تَبْنُونَ ﴿هَضِيمٌ﴾ يَتَفَتَّتُ إِذَا مُسَّ.
﴿مُسَخَّرِينَ﴾: الْمَسْحُورِينَ. ﴿لَّيْكَةُ وَالأَيْكَةُ﴾ جَمْعُ أَيْكَةٍ وَهِيَ جَمْعُ شَجَرٍ ﴿يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ إِظْلالُ
الْعَذَابِ إِيَّاهُمْ ﴿مَوْزُونٍ﴾ مَعْلُومٍ. ﴿كَالطَّوْدٍ﴾ الْجَبَلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿لَشِرْذِمَةٌ﴾ الشّرْزِمَةُ طائِفَةٌ قَلِيلَةٌ
﴿فِي السَّاجِدِينَ﴾ الْمُصَلِينَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﴿لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ كَأَنَّكُمْ ﴿الرّيعُ﴾: الأَيْفَاعُ مِنَ
الأَرْضِ وَجَمْعُهُ رِيَعَةٌ، وَأَزْياعٌ واحِدُ الرِّيَعَةِ. ﴿مَصانِعَ﴾ كُلُّ بِناءٍ فَهُوَ مَصْنَعَةٌ. ﴿فَرِهِينَ﴾ مَرِحِينَ،
فارِهِينَ بِمَعْناهُ، وَيُقالُ فارِهِينَ: حاذِقِينَ. ﴿تَعْثَوْا﴾ُ هُوَ أَشَدُّ الْفَسَادِ؛ وَعاثَ يَعِيثُ عَيْئًا ﴿الْجِبِلَةُ﴾
الْخَلْقُ، جُبِلَ: خُلِقَ، وَمِنْهُ جُبُلاً وَجِلاً وَجُبُلاً يَعْنِي الْخَلْقَ. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ.
([٢٦] سورة الشعراء)
مكية إلا قوله: ﴿والشعراء يتبعهم﴾ إلى آخرها وهي مائتان وعشرون وست آيات.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقط لفظ سورة والبسملة لغير أبي ذر.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: (﴿تعبثون﴾) من قوله: (﴿أتبنون بكل
ربع آية تعبثون﴾) [الشعراء: ١٢٨]. أي (تبنون) وقال الضحاك ومقاتل: هو الطريق. قال ابن
عباس كانوا يبنون بكل ريع عليّا يعبثون فيه بمن يمر في الطريق إلى هود عليه السلام وقيل كانوا
يبنون الأماكن المرتفعة ليعرف بذلك غناهم فنهوا عنه ونسبوا إلى العبث.
(﴿هضيم﴾) في قوله: ﴿في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم﴾ [الشعراء: ١٤٨]
(يتفتت إذا مسّ) بضم الميم وتشديد السين المهملة مبنيًا للمفعول وهذا قاله مجاهد أيضًا، وقال ابن
عباس هو اللطيف وقال عكرمة اللين وقيل هضيم أي يهضم الطعام وكل هذا للطاقته.

٤٧٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الشعراء
(﴿مسحرين﴾) في قوله: ﴿إنما أنت من المسحرين﴾ [الشعراء: ١٥٣] أي (المسحورين)
ولأبي ذر والأصيلي مسحورين الذين سحروا مرة بعد أخرى من المخلوقين.
(ليكة) بلام مفتوحة من غير ألف وصل قبلها ولا همزة بعدها غير منصرف اسم غير معرف
بأل مضاف إليه أصحاب وبه قرأ نافع وابن كثير وابن عامر ولأبي ذر: والليكة بألف وصل
وتشديد اللام (والأيكة) بألف وصل وسكون اللام وبعدها همزة مكسورة (جمع أيكة) ولأبي ذر جمع
الأيكة (وهي جمع شجر) وكان شجرهم الدوم وهو المقل. قال العيني: الصواب أن الليكة والأيكة
جمع أيك وكيف يقال الأيكة جمع أيكة.
(﴿يوم الظلة﴾) في قوله: ﴿فأخذهم عذاب يوم الظلة﴾ [الشعراء: ١٨٩]. هو (إظلال
العذاب إياهم) على نحو ما اقترحوا بأن سلط الله عليهم الحر سبعة أيام حتى غلت أنهارهم
فأظلتهم سحابة فاجتمعوا تحتها فأمطرت عليهم نارًا فاحترقوا. (﴿موزون﴾) في سورة الحجر أي
(معلوم) ولعل ذكره هنا من ناسخ فالله أعلم.
(﴿كالطود﴾) أي (الجبل) ولأبي ذر والأصيلي كالجبل بزيادة الكاف.
(وقال غيره): غير مجاهد (﴿لشرذمة﴾) في قوله تعالى: ﴿إن هؤلاء لشرذمة﴾
[الشعراء: ٥٤]. (الشرذمة طائفة قليلة) والجملة معمول لقول مضمر أي قال: إن هؤلاء وهذا
القول يجوز أن يكون حالاً أي أرسلهم قائلاً ذلك ويجوز أن يكون مفسرًا لأرسل وجمع الشرذمة
شراذم فذكرهم بالاسم الدال على القلة ثم جعلهم قليلاً بالوصف ثم جمع القليل فجعل كل حزب
منهم قليلاً واختار السلامة الذي هو جمع القلة وإنما استقلهم وكانوا ستمائة وسبعين ألفًا بالإضافة
إلى جنوده لأنه روي أنه خرج وكانت مقدّمته سبعمائة ألف.
(﴿في الساجدين﴾) في قوله: ﴿وتقلبك في الساجدين﴾ [الشعراء: ٢١٩]. أي (المصلين)
وقال مقاتل مع المصلين في الجماعة أي نراك حين تقوم وحدك للصلاة ونراك إذا صليت مع
الجماعة. وقال مجاهد: نرى تقلب بصرك في المصلين فإنه كان يبصر من خلفه كما يبصر من
أمامه، وعن ابن عباس تقلبك في أصلاب الأنبياء من نبي إلى نبيّ حتى أخرجتك في هذه الأمة.
(قال ابن عباس: ﴿لعلكم تخلدون﴾) في قوله: ﴿وتتخذون مصانع لعلكم تخلدون﴾
[الشعراء: ١٢٩] أي (كأنكم) تخلدون في الدنيا وليس ذلك بحاصل لكم بل زائل عنكم كما زال
عمن قبلكم. قال الواحدي: كل ما وقع في القرآن لعل فإنها للتعليل إلا هذه فإنها للتشبيه ويؤيده
ما في حرف أبي كأنكم تخلدون، وعورض ما ذكره من الحصر بقوله: ﴿لعلك باخع نفسك﴾
[الشعراء: ٣] لكن لم يعلم من نص على أن لعل تكون للتعليل. (الريع) في قوله: ﴿أتبنون بكل
ربع﴾ [الشعراء: ١٢٨] هو (الأيفاع) بفتح الهمزة وسكون التحتية وبعد الفاء ألف فعين مهملة أي
المرتفع (من الأرض) قال ذو الرمة:

٤٧٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الشعراء
طراف الخوافي مشرف فوق ريعة بذي ليلة في ريشه يترقرق
(وجمعه) أي الريع (ربعة) بكسر الراء وفتح التحتية والعين المهملة كقردة (وأرباع) هو (واحد
الربعة) بكسر الراء وفتح التحتية كالأول، ولأبي ذر والأصيلي واحده وفي نسخة واحدها ريعة
بسكون التحتية وضبطه الحافظ ابن حجر بالسكون والأول بالفتح، وتبعه العيني وقال البرماوي
كالكرماني وأما الأرياع فمفرده ريعة بالكسر والسكون.
(﴿مصانع﴾) قال أبو عبيدة (كل بناء فهو مصنعة) وقال سفيان ما يتخذ فيه الماء، وقال
مجاهد: قصور مشيدة وقيل هي الحصون.
(﴿فرهين﴾) بالهاء قال أبو عبيدة أي (مرحين) ولأبي ذر فرحين بالحاء بدل الهاء في الأول
وبالهاء أوجه. (فارهين بمعناه) أي بمعنى فرهين من قولهم: فره زيد فهو فاره (ويقال فارهين) أي
(حاذقين) وفارهين حال من الناحتين.
(﴿تعثوا﴾) في قوله: ﴿ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [الشعراء: ١٨٣] (هو أشد الفساد)
وسقط لفظ هو لغير الأصيلي (وعاث يعيث عيثًا) يريد أن اللفظين بمعنى واحد لا أن تعثوا مشتق
من عاث لأن يعثر معتل اللام ناقص وعاث معتل العين أجوف وثبت الواو في وعاث لأبي ذر.
(﴿الجبلة﴾) في قوله: ﴿والجبلة الأولين﴾ [الشعراء: ١٨٤] هي (الخلق) بفتح الخاء المعجمة
وسكون اللام (جبل) بضم الجيم وكسر الموحدة أي (خلق) وزنه ومعناه (ومنه) ومن هذا الباب
قوله في سورة يس (جبلاً) بضم الجيم والموحدة (وجبلاً) بكسرهما (وجبلاً) بضم الجيم وسكون
الموحدة مع التخفيف في الثلاث لغات (يعني) بها (الخلق قاله ابن عباس) وسقط قوله قاله ابن
عباس لغير أبي ذر وبالضمتين قرأ ابن كثير والإخوان وبالضم والسكون أبو عمرو وابن عامر وقرأ
نافع وعاصم بكسرهما مع تشديد اللام ولأبي ذر هنا ليكة بلام مفتوحة الأيكة وهي الغيضة وقد
سبق تفسيرها بالشجر.
١ - باب ﴿وَلاَ تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]
وَقَالَ إِبْراهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ
أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ وََّ، قَالَ: ((إِنَّ إِبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ
وَالسَّلامُ رَأَى أَبَاهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ عَلَيْهِ الْغَبَرَةُ وَالْقَتَرَةُ)). الْغَبَرَةُ هِيَ الْقَتَرَةُ
هذا (باب) بالتنوين في قوله جل وعلا: (﴿ولا تخزين يوم يبعثون﴾) [الشعراء: ٨٧] أي
العباد أو الضالون.
فإن قلت: لما قال أولاً واجعلني من ورثة جنة النعيم كان كافيًا عن قوله: ولا تخزني وأيضًا

٤٨٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الشعراء
فقد قال تعالى: ﴿إن الخزي اليوم والسوء على الكافرين﴾ [النحل: ٢٧] فما كان يصيب الكفار
فقط كيف يخافه المعصوم؟ أجيب: بأن حسنات الأبرار سيئات المقربين فكذا درجات خزي المقربين
وخزي كل واحد بما يليق به.
(وقال إبراهيم بن طهمان) بفتح الطاء المهملة سكون الهاء الهروي فيما وصله النسائي (عن
ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن سعيد بن أبي سعيد) بكسر العين فيهما (المقبري) بفتح
الميم وضم الموحدة (عن أبيه) أبي سعيد كيسان (عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي وَ ﴿) أنه
(قال) :
(إن إبراهيم) الخليل (عليه الصلاة والسلام رأى) بصيغة الماضي ولأبي ذر يرى (أباه) آزر
وقيل اسمه تارح فقيل هما علمان له كإسرائيل ويعقوب وقيل العلم تارخ وآزر معناه الشيخ أو
المعوج (يوم القيامة) حال كونه (عليه الغبرة والقترة) بفتح المعجمة والموحدة والقاف والفوقية
(الغبرة: هي القترة) وهي سواد كالدخان وسقط لأبي ذر قوله الغبرة هي الفترة وهذا من تفسير
المؤلف أخذه من كلام أبي عبيدة حيث قال في سورة يونس: ﴿ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلة﴾
[يونس: ٢٦] القتر الغبار. قال السفاقسي: وعلى هذا فقوله في عبس: ﴿غبرة ترهقها فترة﴾
[عبس: ٤١] تأكيد لفظي كأنه قال غبرة فوقها غبرة وقيل القترة شدة الغبرة بحيث يسودّ الوجه
وقيل القترة سواد الدخان.
٤٧٦٩ - حدّثنا إِسْماعِيلُ، حَدَّثَنَا أَخِي عَنِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ الله عَنْهُ، عَنِ النّبِيِّ وَِّ قَالَ: ((يَلْقَى إِبْراهِيمُ أَبَاهُ فَيَقُولُ: يا رَبُ إِنَّكَ وَعَدْتَنِي أَنْ لا تُخْزِنِي
يَوْمَ يُبْعَثُونَ، فَيَقُولُ الله: إِنِّي حَرَّمْتُ الْجَنَّةَ عَلَى الْكَافِرِينَ)). قَوْلُهُ: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَ﴾
[الشعراء: ٢١٤]: وَأَخْفِضْ جَناحَكَ: أَلِنْ جانِبَكَ.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس واسمه عبد الله الأصبحي المدني قال: (حدّثنا)
ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (أخي) عبد الحميد (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن (عن
سعيد المقبري عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي ◌َّ) أنه (قال):
(يلقى إبراهيم) عليه الصلاة والسلام (أباه) زاد في حديث الأنبياء يوم القيامة على وجه آزر
فترة وغبرة فيقول له إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ألم أقل لك لا تعصيني؟ فيقول أبوه: فاليوم لا
أعصيك (فيقول) إبراهيم (يا رب إنك وعدتني أن لا تخزني) ولأبي ذر أن لا تخزيني (يوم يبعثون)
زاد في أحاديث الأنبياء فأي خزي أخزى من أبي الأبعد (فيقول الله إني حرمت الجنة على الكافرين)
وزاد في أحاديث الأنبياء أيضًا فيقال: يا إبراهيم ما تحت رجليك؟ فينظر فإذا بذيخ ملتطخ فيؤخذ
بقوائمه فيلقى في النار، وفي رواية أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة عند الحاكم فيمسخ الله
أباه ضبعًا فيأخذ بأنفه فيقول: يا عبدي أبوك هو، وفي حديث أبي سعيد عند البزار والحاكم