Indexed OCR Text
Pages 441-460
٤٤١ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (وفرّق) عليه الصلاة والسلام (بين المتلاعنين) تمسك به الحنفية أن بمجرد اللعان لا يحصل التفريق ولا بدّ من حكم حاكم وحمله الجمهور على أن المراد الإفتاء والخبر عن حكم الشرع بدليل قوله في الرواية الأخرى لا سبيل لك عليها وفرق بتشديد الراء يقال في الأجسام وبالتخفيف في المعاني. وبقية مباحث الحديث تأتي إن شاء الله تعالى في اللعان وغيره بعون الله وقوّته. ٥ - باب قَوْله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِىءٍ مِنْهُمْ مَا أُكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١١] هذا (باب) بالتنوين (قوله) تعالى (﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾) في أمر عائشة (﴿عصبة﴾) جماعة من العشرة إلى الأربعين (﴿منكم)) أيها المؤمنون يريد عبد الله بن أبيّ وكان من جملة من حكم له بالإيمان ظاهرًا وزيد بن رفاعة وحسان بن ثابت ومسطح بن اثاثة وحمنة بنت جحش ومن ساعدهم (﴿لا تحسبوه شرًا لكم﴾) الضمير للإفك والخطاب للرسول وأبي بكر وعائشة وصفوان لتأذيهم بذلك (﴿بل هو خير لكم﴾) لما فيه من جزيل ثوابكم وإظهار شرفكم وبيان فضلكم من حيث نزلت فيكم ثماني عشرة آية في براءتكم وتهويل الوعيد للقاذفين ونسبتهم إلى الإفك (﴿لكل امرىء منهم﴾) من أهل الإفك ((ما اكتسب من الإثم﴾) أي لكل منهم جزاء ما اكتسبه من العقاب في الآخرة والمذمة في الدنيا بقدر ما خاض فيه مختصًا به (﴿والذي تولى كبره﴾) معظمه بإشاعته (﴿منهم﴾) أي من الخائضين (﴿له عذاب عظيم﴾) [النور: ١١] في الآخرة أو في الدنيا بأن جلدوا، وصار ابن أبي مطرودًا مشهورًا بالنفاق، وحسان أعمى أشل اليدين، ومسطح مكفوف البصر وسقط لأبي ذر لا تحسبوه الخ. (أفاك) قال أبو عبيدة أي (كذاب) وقيل هو أبلغ ما يكون من الكذب والافتراء وسمي إنكًا لكونه مصروفًا عن الحق من قولهم أفك الشيء إذا قلبه عن وجهه. ٤٧٤٩ - حدّثنا أَبُو نُعَيْم، حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها. ﴿وَالَّذِي تَوَلِّى كِبْرَهُ﴾َ قَالَتْ: عَبْدُ اللَّه بْنُ أَبَيِّ ابْنُ سَلُولَ. وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم) الفضل بن دكين قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن معمر) هو ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها) في قوله تعالى: ((والذي تولى كبره﴾ قالت) هو (عبد الله بن أبي) بالتنوين (ابن سلول) برفع ابن لأنه صفة لعبد الله لا لأبي وسلول غير منصرف للتأنيث والعلمية لأنها أمه والمراد من إضافة الكبر إليه أنه كان مبتدئًا به وقيل لشدّة رغبته في إشاعة تلك الفاحشة. ٤٤٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور ٦ - باب ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ - إِلى قَوْلِهِ - ﴿الْكَاذِبُون﴾ [النور: ١٢، ١٣] هذا (باب) بالتنوين في قوله عز وجل: (﴿لولا﴾) تحضيضیة أي هلا (﴿إذ سمعتموه ظن المؤمنون والمؤمنات بأنفسهم خيرًا﴾ - إلى قوله - ﴿الكاذبون﴾) [النور: ١٢، ١٣] بأنفسهم أي الذين منهم من المؤمنين والمؤمنات كقوله: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾ [الحجرات: ١١]. فإن قلت: لم عدل عن الخطاب إلى الغيبة في قوله وقالوا هذا إفك ولم يقل وقلتم وعن المضمر إلى المظهر والخطاب إلى الغيبة والمفرد إلى الجمع في قوله (ظنّ المؤمنون والمؤمنات) ولم يقل ظننتم بها أي بعائشة على الأصل لأن المخاطب من بحضرة الرسول وَلغير. وخلاصة الجواب كما قال في مفاتيح الغيب أن في العدول من الخطاب إلى الغيبة توبيخ المخاطبين بطريق الالتفات ومعاتبة شديدة وإبعادًا من مقام الزلفى أي كيف سمعوا ما لا ينبغي الإصغاء إليه، فضلاً عن أن يتفوّهوا به، وفي العدول من المضمر إلى المظهر الدلالة على أن صفة الإيمان جامعة لهم فينبغي لمن اشترك فيها أن لا يسمع فيمن شاركه فيها قول عائب ولا طعن طاعن لأن عيب أخيه عيبه والطعن في أخيه طعن فيه. وسياق هذه الآية هنا ثابت لأبي ذر فقط وفي رواية غيره ولولا وهلا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أي ما ينبغي وما يصح لنا أن نتكلم بهذا القول المخصوص أو بنوعه فإن قذف آحاد الناس محرم شرعًا لا سيما الصدّيقة ابنة الصدّيق حرمة رسول الله وَهول سبحانك معناه التعجب ﴿هذا بهتان عظيم﴾ [النور: ١٦] أي كذب عظيم يبهت ويتحير من عظمته لولا هلا جاؤوا عليه أي على ما زعموا بأربعة شهداء يشهدون على معاينتهم ما رموها به فإذا لم يأتوا بالشهداء يشهدون على ما قالوا فأولئك عند الله أي في حكمه هم الكاذبون فيما قالوه، وهذا ساقط لأبي ذر. ٤٧٥٠ - حدثنا يَخْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَني عُزْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَسَعيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَعَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّه بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَديثِ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجِ النَّبِيِّ وَِّ حِينَ قَالَ لَها أَهْلُ الإِفْكِ ما قالُوا، فَبَرَّأَهَا الله مِمَّا قَالُوا، وَكُلِّ حَدَّثَنِي طَائِفَةً مِنَ الْحَديثِ، وَبَعْضُ حَديثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا، وَإِنْ كانَ بَعْضُهُمْ أَوْعى لَهُ مِنْ بَعْضٍ، الَّذي حَدَّثَنِي عُزْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا زَوْجَ النَّبِيِّ ◌َـ قالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ إِذا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ أَقْرَعَ بَيْنَ أَزْوَاجِهِ، فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُها خَرَجَ بِها رَسُولُ اللهِ وَِّ مَعَهُ. قالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْئَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزاها فَخَرَجَ سَهْمي، فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللهِ وََّ بَعْدَما نَزَلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجي وَأُنْزِلُ فِيهِ. فَسِرْنا حَتَّى إِذا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﴿ مِنْ غَزْوَتِهِ تِلْكَ وَقَفَلَ وَدَنَوْنا مِنَ الْمَدِينَةِ قَافِلِينَ آذَنَ لَيْلَةٌ بِالرَّحِيلِ، فَقُمْتُ حينَ ٤٤٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور آذَنُوا بِالرَّحيلِ فَمَشَيْتُ حَتَّى جاوَزْتُ الْجَيْشَ، فَلَمَّا قَضَيْتُ شَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَى رَخْلِي، فَإِذا عِقْدٌ لي مِنْ جَزْعِ ظَفَارٍ قَدِ انْقَطَعَ، فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي وَحَبَسَني ابْتِغَاؤُهُ. وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ لِي فَاخْتَمَلُوا هَوْدَجِي، فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْتُ رَكِبْتُ وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنّي فيهِ، وَكانَ النِّساءُ إِذْ ذاكَ خِفافًا لَمْ يَثْقِلْهُنَّ اللَّحْمُ، إِنَّمَا تَأْكُلُ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعام، فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ خِفَّةَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَفَعُوهُ، وَكُنْتُ جارِيَةٌ حَديثَةَ السِّنْ، فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا، فَوَجَدْتُ عِقْدي بَعْدَمَا أَسْتَمَرَّ الْجَيْشُ، فَجِئْتُ مَنازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِها داعٍ وَلا مُجِيبٌ. فَأَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ بِهِ، وَظَتَنْتُ أَنَّهُمْ سَيَفْقِدُوني فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَّةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَثْنِي عَيْنِي فَنِمْتُ، وَكَانَ صَفْوانُ بْنُ الْمُعَطِّلِ السُّلَمِيِّ ثُمَّ الذِّكْوانِيُّ مِنْ وَراءِ الْجَيْشِ، فَأَذْلَجَ، فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي، فَرَأَى سَوادَ إِنْسانِ نَائِمٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَني حينَ رَآنِي، وَكَانَ يَراني قَبْلَ الْحِجَابِ، فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي، فَخَمَّرْتُ وَجْهي بِجِلْبابِي، وَالله ما كَلَّمَني كُلِمةٌ وَلا سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةٌ غَيْرَ أَسْتِرْجاعِهِ، حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِىءَ عَلَى يَدَيْها فَرَكِبْتُها، فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَما نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرٍ الظّهِيرَةِ، فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ، وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى الإِفْكَ عَبْدَ اللَّه بْنَ أُبَيِّ ابْنَ سَلُولَ فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، فَاشْتَكَيْتُ حينَ قَدِمْتُ شَهْرًا، وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ في قَوْلِ أَصْحابِ الإِفْكِ، لا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذلِكَ، وَهُوَ يُرِيبُني في وَجَعِي أَنّي لا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللهِ وََّ اللُّطْفَ الَّذي كُنْتُ أَرى مِنْهُ حينَ أَشْتَكي، إِنَّما يَدْخُلُ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِوَّرَ فَيُسَلْمُ ثُمَّ يَقُولُ: (كَيَفَ تَيْكُمْ)) ثُمَّ يَنْصَرِفُ، فَذاكَ الَّذي يَرِيبُنِي وَلا أَشْعُرُ بالشّرّ، حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَما نَقَهْتُ فَخَرَجَتْ مَعِي أَمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ الْمَناصِعِ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنا وَكُنَّا لا نَخْرُجُ إِلَّ لَيْلاَ إِلَى لَيْلٍ، وَذلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنا، وَأَفَرُنا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي التََّرُّزِ قِبَلَ الْغَائِطِ، فَكُنَّا تَتَأَذِّى بِالْكُثُفِ أَنْ نَتَّخِذَها عِنْدَ بُيُوتِنا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطِحٍ وَهِيَ أَبْنَةُ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ مَنافٍ، وَأُمُّها بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عامِرٍ خالَةُ أَبِي بَكْرِ الصّدّيقِ، وَأَبْنُها مِسْطَحُ بْنُ أَثاثَةَ فَأَقْبَّلْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحِ قِبَلَ بَيْتِي قَدْ فَرَغْنا مِنْ شَأْنِنا، فَعَثَرَتْ أُمْ مِسْطَحِ فِي مِرْطِها، فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ، فَقُلْتُ لَها:َ بِئْسَ ما قُلْتٍ، أَتَسبينَ رَجُلاً شَهِدَ بَدْرًا؟ قالَتْ: أَيْ هَنْتَاهُ، أَوَ لَم تَسْمَعي ما قَالَ؟ قالَتْ: قُلْتُ: وَما قالَ؟ قَالَتْ فَأَخْبَرَتْنِي بِقَوْلٍ أَهْلِ الإِفْكِ، فَازْدَدْتُ مَرَضًا عَلَى مَرَضي. قالَتْ: فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلى بَيْتِي وَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ وَّرَ تَعْنِى سَلَّمَ ثُمَّ قالَ (كَيْفَ تِيكُمْ))؟ فَقُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ، قالَتْ: وَأَنَا حينَئِذٍ أريدُ أَنْ أَسْتَيْقِنَ الْخَبْرَ مِنْ قِبَلِهِما، قالَتْ فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللهِ وََّ، فَجِئْتُ أَبَوَيَّ، فَقُلْتُ لأُمِّي: يا أُمَّتَاهُ ما يَتَحَدَّثُ النَّاسُ؟ قالَتْ: يا بُنَيَّةُ هَوّنِي عَلَيْكِ، فَوَالله لَقَلَّما كانَت آمْرَأَةٌ قَطْ وَضيئَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها وَلَها ضَرائِرُ إِلاَّ أَكْثَرْنَ عَلَيْها. قالَتْ فَقُلْتُ: سُبْحانَ الله، وَلَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهِذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لا يَزْقَأُ لِي دَمْعٌ، وَلا أَكْتَحِلُ بِنَومِ حَتَّى أَصْبَحْتُ أَبْكِي، فَدَعا رَسُولُ اللهِّ عَلِيَّ بْنَ ٤٤٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور أَبي طالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ رَضِيَ الله عَنْهُما حينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَأْمِرُهُما فِي فِراقٍ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللهِوَهَ بِالَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَراءَةٍ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ لَهُمْ في نَفْسِهِ مِنَ الْوُدِّ فَقالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَهْلَكَ، وَمَا نَعْلَمُ إِلاَّ خَيْرًا. وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقالَ: يا رَسُولَ الله، لَمْ يُضَيِّقِ الله عَلَيْكَ وَالنِّساءُ سِواها كَثِيرٌ، وَإِنْ تَسْأَلِ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْكَ. قالَتْ: فَدعا رَسُولُ اللهِ وَّهِ بَرِيرَةَ، فَقالَ: ((أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْتِ مِنْ شَيْءٍ يَرِيبُكِ))؟ قالَتْ بَريرَةُ: لا وَالَّذي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ، إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّها جارِيَةٌ حَديثَةُ السِّنْ تَنامُ عَنْ عَجِينٍ أَهْلِها فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ. فَقَامَ رَسُولُ الله ◌َِّ فَاسْتَعْذَرَ يَوْمَئِذٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِّ ابْنِ سَلُولَ، قالَتْ: فَقالَ رَسُولُ اللهِ وَهُ وَهُوَ عَلَى الْمِثْبَرِ: ((يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمينَ، مَنْ يَعْذِرُني مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي؟ فَوَالله ما عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلاَّ خَيْرًا، وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلاً ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلاَّ خَيْرًا. وَما كانَ يَدْخُلُ عَلى أهلي إلاَّ مَعي)). فَقامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ الأَنْصَارِيُّ فَقالَ: يا رَسُولَ اللهِ، أَنَا أَعْذِرُكَ مِنْهُ، إِنْ كانَ مِنَ الأَوْسِ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ، وَإِنْ كانَ مِنْ إِخْوانِنا مِنَ الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنا أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةً وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلاً صالِحًا وَلَكِنِ أَحْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدٍ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ لَعَمْرُ الله لَنَقْتُلَنَّهُ، فَإِنَّكَ مُنافِقٍ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنافِقِينَ. فَتَثَاوَرَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللهِوَِّ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللهِوَ يُخَفْضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ. قالَتْ: فَمَكَثْتُ يَوْمِي ذلِكَ لا يَزْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمِ. قَالَتْ: فَأَصْبَحْ أَبُوايَ عِنْدِي وَقَدْ بَكَيْتُ لَيْلَتَيْنِ وَيَوْمًا لا أَكْتَحِلُ بِئَوْمٍ وَلا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكاءَ فالِقُ كَبِدي: قالَتْ: فَبَيْنَمَا هُما جالِسانِ عِنْدي وَأَنَا أَنْكي فَاسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَها، فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعي، قالَتْ: فَبَيْنا نَحْنُ عَلى ذلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ وَّرِ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ، قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قيلَ ما قيلَ قَبْلَها، وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحِى إِلْيَهِ فِي شَأْنِي قَالَتْ: فَتَشَهِّدَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ يا عَائِشَةُ فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَني عَنْكِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُكِ الله، وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتِ بِذَتْبٍ فَاسْتَغْفِرِي الله وَتُوبِي إِلَيْهِ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اغْتَرَفَ بِذَنْبِهِ ثُمَّ تَابَ إِلَى الله تابَ الله عَلَيْهِ». قالَتْ: فَلَمَّا قَضِى رَسُولُ اللهِ وَّهِ مَّقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعي حَتَّى ما أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً، فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ رَسُولَ اللهِوَلِّ فِيما قالَ: قالَ: وَالله ما أَذْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِوَرَ، فَقُلْتُ لِأُمّي: أَجيبي رَسُولَ اللهِوََّ، قَالَتْ: ما أَذْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللهِ وَّهِ، قَالَتْ: فَقُلْتُ وَأَنَا جارِيَةٌ حَديثَةُ السّنّ لا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي وَالله لَقَدْ عَلِمْتُ لَقَدْ سَمِعْتُمْ هَذَا الحَديثَ حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ، فَلَئِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنّي بَرِيئَةٌ وَاللهِ يَعْلَمُ أَنَّي بَرِيئَةٌ لا تُصَدِّقُوني بِذلِكَ، وَلَيْنِ اعْتَرَفْتُ ٤٤٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور لَكُمْ بِأَمْرٍ وَالله يَعْلَمُ أَنّي مِنْهُ بَرِيئَةٌ لَتُصَدْقُنِي وَالله ما أَجِدُ لَكُمْ مَثَلاً إِلاَّ قَوْلَ أَبِي يُوسُفَ، قَالَ: ﴿فَصَبْرٌ جَميلٌ وَالله الْمُسْتَعانُ عَلى ما تَصِفُونَ﴾ [يوسف: ١٨] قالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ، فَاضْطَجَعْتُ عَلَى فِراشي. قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِي بَرِيئَةٌ وَأنَّ اللَّهَ يُبَرِّثُنِي بِبَراءَتي، وَلكِنْ وَالله ما كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الله مُنْزِلٌ فِي شَأْنِي وَحْيًا يُثْلِى وَلَشَأْنِي فِي نَفْسي كانَ أَحْقَرَ مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ الله فِيَّ بِأَمْرٍ يُثْلى وَلكِنْ كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرِى رَسُولُ اللهِ وَّهِ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي الله بِها. قَالَتْ: فَوَالله ما رامَ رَسُولُ اللهِلَهُ وَلَا خَرَجَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ حَتَّى أَنْزِلَ عَلَيْهِ، فَأَخَذَهُ ما كانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرحاءِ، حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمانِ مِنَ الْعَرَقِّ وَهُوَ فِي يَوْمِ شَاتٍ مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي يُنْزَلُ عَلَيْهِ قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَ سُرِّيَ عَنْهُ وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِها: ((يَا عَائِشَةُ أَمَّا الله عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَكِ)). فَقَالَتْ أُمّي: قُومِي إِلَيْهِ قالَتْ: فَقُلْتُ وَاللَّهِ لا أَقُومُ إِلَيْهِ، وَلا أَحْمَدُ إِلاَّ الله عَزَّ وَجَلَّ. وَأَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ﴾ [النور: ١١] الْعَشْرَ الآياتِ كُلِّها. فَلَمَّا أَنْزَلَ الله هذا فِي بَراءَتي قالَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رَضِيَ الله عَنْهُ وَكانَ يُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ بْنِ أُثاثَةَ لِقَرابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهٍ: وَالله لا أُنْفِقُ عَلى مِسْطَحِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ ما قَالَ فَأَنْزَلَ الله ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةٍ أَنْ يُؤْتواْ أُولِي الْقُرْبِى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢]قالَ أَبُوبَكْرٍ: بَلَى وَالله، إِنِّي أُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ الله لي. فَرَجَعَ إِلى مِسْطَحِ النَّفَقَةَ الَّتي كانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ، وقالَ: وَالله لا أَنْزِعُها مِنْهُ أَبَدًا. قالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللهِ وَّهَ يَسْأَلُ زَيْنَبَ ابْنَةً جَحْشٍ عَنْ أَمْرِي فَقالَ: (يا زَيْنَبُ ماذا عَلِمْتٍ أَوْ رَأَيْتٍ))؟ فَقالَتْ يا رَسُولَ اللهِ: أَخْمِي سَمْعِي وَبَصَري، ما عَلِمْتُ إِلاَّ خَيْرًا قالَتْ وَهِيَ الَّتي كانَتْ تُسامِيني مِنْ أَزْواجِ رَسُولِ اللهِ وََّ فَعَصَمَهَا الله بِالْوَرَعِ، وَطَفِقَتْ أُخْتُها حَمْنَةُ تُحَارِبُ لَها، فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ مِنْ أَصْحابِ الإِنْكِ. وبه قال: (حدّثنا يحيى بن بكير) هو يحيى بن عبد الله بن بكير بضم الموحدة وفتح الكاف مصغرًا المخزومي مولاهم المصري قال: (حدّثنا الليث) هو ابن سعد الإمام (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (عروة بن الزبير) بن العوّام (وسعيد بن المسيب) بفتح التحتية المشدّدة (وعلقمة بن وقاص) الليثي (وعبيد اللَّه) بضم العين (ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َّهُ حين قال لها أهل الإفك) بكسر الهمزة وسكون الفاء الكذب الشديد والافتراء المزيد (ما قالوا فبرأها الله مما قالوا) بما أنزله في كتابه. قال الزهري: (وكل) من الأربعة (حدّثني) بالإفراد (طائفة من الحديث) أي بعضه فجميعه عن مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم (وبعض حديثهم يصدق بعضًا) قال في الفتح: ٤٤٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور كأنه مقلوب والمقام يقتضي أن يقول وحديث بعضهم يصدق بعضًا، ويحتمل أن يكون على ظاهره أي أن بعض حديث كل منهم يدل على صدق الراوي في بقية حديثه لحسن سياقه وجودة حفظه (وإن كان بعضهم أوعى) أي أحفظ (له) أي للحديث المذكور خاصة (من بعض الذي حدّثني عروة) بن الزبير (عن عائشة) رضي الله عنها أي عن حديث عائشة في قصة أهل الإفك (أن عائشة رضي الله عنها زوج النبي ◌َّفي قالت: كان رسول الله وَلّ إذا أراد أن يخرج) زاد معمر عند ابن ماجه سفرًا أي سفر (أقرع بين أزواجه) تطييبًا لقلوبهنّ (فأيتهنّ) بتاء التأنيث (خرج سهمها خرج بها رسول الله وَّر معه) في السفر (قالت عائشة فأقرع بيننا) بَّر (في غزوة غزاها) هي غزوة بني المصطلق (فخرج سهمي) وعند ابن إسحق فخرج سهمي عليهنّ وهو يشعر بأنه لم يخرج معه حينئذٍ غيرها (فخرجت مع رسول الله وَلقول بعدما نزل الحجاب) أي الأمر به (فأنا أحمل في هودجي وأنزل فيه) بضم همزة أحمل وأنزل مع التخفيف مبنيًّا للمفعول فيهما (فسرنا) إلى بني المصطلق (حتى إذا فرغ رسول الله وَلاخير من غزوته تلك) وغنم أموالهم وأنفسهم (وقفل) أي رجع (ودنونا) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي دنونا بغير واو أي قربنا (من المدينة) حال كوننا (قافلين) أي راجعين (آذن) بالمدّ والتخفيف أعلم (ليلة بالرحيل فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت) لقضاء حاجتي منفردة (حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني) الذي توجهت له (أقبلت إلى رحلي فإذا عقد لي) بكسر العين (من جزع ظفار) بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة مضافًا لظفار وهو بالظاء المعجمة والفاء وبعد الألف راء مكسورة مبنيًا كحضار مدينة باليمن وفي رواية أبي ذر أظفار بالهمزة المفتوحة وتنوين الراء (قد انقطع) زاد في رواية فرجعت إلى المكان الذي ذهبت إليه (فالتمست عقدي وحبسني ابتغاؤه) أي طلبه (وأقبل) ولأبي ذر فأقبل بالفاء بدل الواو (الرهط الذين كانوا يرحلون لي) بفتح التحتية وسكون الراء وفتح الحاء المهملة مع التخفيف أي يشدون الرحل على بعيري سمى الواقدي منهم أبا موهبة مولى رسول الله وَ لّر (فاحتملوا هودجي فرحلوه) بالتخفيف (على بعيري الذي كنت ركبت) أي عليه (وهم يحسبون أني فيه وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يثقلهن اللحم) بضم التحتية وكسر القاف (إنما تأكل) المرأة منهن (العلقة) بضم العين وسكون اللام وبالقاف القليل (من الطعام) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي يأكلهن أي النساء وفي نسخة نأكل بنون أوّله ولام آخره فقط وعزاها في الفتح للكشميهني (فلم يستنكر القوم) بالرفع (خفة الهودج) وفي رواية فليح في الشهادات: ثقل الهودج والأوّل أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه فكأنها تقول كانت لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها. (حين رفعوه) وفي الفرع حتى ولعلها سبق قلم فإن الذي في اليونينية حين وهو ظاهر. (وكنت جارية حديثة السن) لأنها إذ ذاك لم تبلغ خمس عشرة سنة أي أنها مع نحافتها صغيرة السن ففيه إشارة إلى المبالغة في خفتها أو إلى بيان عذرها فيما وقع منها من الحرص على العقد الذي انقطع واشتغلت بالتماسه من غير أن تعلم أهلها بذلك وذلك لصغر سنها وعدم تجاربها ٤٤٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (فبعثوا الجمل) أي أثاروه (وساروا) أي وهم يظنون أنها عليه (فوجدت عقدي بعدما استمر الجيش) استفعل من مر (فجئت منازلهم) بالجمع التي كانوا نازلين بها (وليس بها داع ولا مجيب) وفي رواية فليح فجئت منزلهم وليس فيه أحد (فأممت) بتشديد الميم الأولى في الفرع وفي اليونينية كشط موضع الشدة. قال الحافظ ابن حجر: وهي رواية أبي ذر هنا وفي نسخة فأمت بتخفيفها أي قصدت (منزلي الذي كنت به) قبل (وظننت أنهم سيفقدوني) بكسر القاف ونون واحدة والظن هنا بمعنى العلم لأن فقدهم إياها محقق قطعًا وهو معلوم عندها وفي نسخة سيفقدوني بفتح القاف ولأبي ذر سيفقدونني بنونين لعدم الناصب والجازم والأولى لغة (فيرجعون إلي فبينا) بغير ميم (أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت) بسبب شدة الغم إذ من شأن الغم وهو وقوع ما يكره غلبة النوم بخلاف الهم وهو توقع ما يكره فإنه يقتضي السهر. (وكان صفوان بن المعطل) بتشديد الطاء المفتوحة (السلمي) بضم السين وفتح اللام (ثم الذكواني) بفتح الذال المعجمة الصحابي الفاضل (من وراء الجيش) وفي رواية معمر قد عرس من وراء الجيش (فأدلج) بسكون الدال المهملة أي سار من أوّل الليل وبتشديدها من آخره وحينئذٍ فالذي هنا ينبغي أن يكون بالتشديد لأنه كان في آخر الليل لكن التخفيف هو الذي رويناه (فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم) لا يدري أهو رجل أو امرأة (فأتاني فعرفني حين رآني) لعلها انکشف وجهها لما نامت (وكان يراني) ولأبي ذر وكان رآني (قبل) نزول (الحجاب فاستيقظت باسترجاعه) بقوله إنا لله وإنا إليه راجعون (حين عرفني فخمرت) بالخاء المعجمة والميم المشددة أي غطیت (وجهي بجلبابي) تعني الثوب الذي کان علیها وهو بکسر الجیم (والله) ولأبي ذر ووالله (ما كلمني كلمة) ولأبي ذر ما يكلمني بصيغة المضارع إشارة إلى أنه استمر منه ترك المخاطبة وهو أحسن من الأولى إذ الماضي يخص النفي بحال الاستيقاظ (ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه حتى أناخ راحلته) فيه نفي لكلامه لها بغير الاسترجاع إلى أن أناخ ولا يمنع ما بعد الإناخة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي حين فالنفي مقيد بحال إناخة الراحلة فلا يمنع ما قبل الإناخة ولا ما بعدها وفي رواية ابن إسحق أنه قال لها ما خلفك وأنه قال لها اركبي واستأخر. وفي حديث ابن عمر عند الطبراني وابن مردويه: فلما رآني ظن أني رجل فقال يا نومان قم فقد سار الناس، وفي مرسل سعيد بن جبير عند ابن أبي حاتم فاسترجع ونزل عن بعيره وقال ما شأنك يا أم المؤمنين فحدثته بأمر القلادة. (فوطىء على يديها) بالتثنية أي يدي الناقة ليكون أسهل لركوبها ولأبي ذر على يدها (فركبتها فانطلق) حال كونه (يقود بي الراحلة) وفي مرسل مقاتل بن حيان بالمهملة والتحتية عند الحاكم في الإكليل أنه ركب معها مردفًا لها وما في الصحيح هو الصحيح (حتى أتينا الجيش بعدما نزلوا) حال كونهم (موغرين) بضم الميم وكسر الغين المعجمة والراء المهملة أي نازلين في وقت الوغرة بفتح الواو وسكون الغين المعجمة شدة الحر وقت كون الشمس في كبد السماء (في نحر الظهيرة) بالحاء المهملة والظهيرة بفتح المعجمة وكسر الهاء حيث تبلغ الشمس منتهاها من الارتفاع كأنها ٤٤٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور وصلت إلى النحر وهو أعلى الصدر وهو تأكيد لقوله موغرين (فهلك) أي بسبب الإفك (من هلك) أي في شأني وفي رواية أبي أويس عند الطبراني فهنالك قال فيّ وفيه أهل الإفك ما قالوا (وكان الذين تولى الإفك) رأس المنافقين (عبد الله بن أبي) بالتنوين (ابن سلول) بنصب ابن صفة لعبد الله وسلول بفتح السين غير منصرف للعلمية والتأنيث (فقدمنا المدينة فاشتكيت) أي مرضت (حين قدمت شهرًا والناس يفيضون) بضم أوّله (في قول أصحاب الإفك) أي يشيعونه (لا أشعر بشيء من ذلك) وفي رواية ابن اسحاق: وقد انتهى الحديث إلى رسول الله وَله وإلى أبويّ ولا يذكرون لي شيئًا من ذلك (وهو يريبني) بفتح أوّله من الثلاثي وبضمه من الرباعي يقال رابه وأرابه أي يشككني ويوهمني (في وجعي أني لا أعرف من رسول الله وَّر اللطف) بفتح اللام والطاء المهملة والفاء ولأبي ذر اللطف بضم اللام وسكون الطاء أي الرفق (الذي كنت أرى منه حين أشتكي) أمرض (إنما يدخل علي) بتشديد الياء (رسول الله وَّ ر فيسلم ثم يقول): (كيف تيكم) بكسر الفوقية وهو للمؤنث مثل ذاكم للمذكر ولابن إسحق فكان إذا دخل قال لأمي وهي تمرضني كيف تيكم وفهمت أم المؤمنين من ذلك بعض الجفاء منه وَّر ولكنها لم تكن تدري السبب (ثم ينصرف فذاك الذي يريبني) بفتح أوّله وكسر ثانيه (ولا أشعر بالشر) الذي تقوله أهل الإفك وسقط لفظ الشر لغير أبي ذر (حتى خرجت بعدما نقهت) بفتح النون والقاف ويجوز كسرها أي أفقت من مرضي ولم تكمل لي الصحة (فخرجت معي أم مسطح) بكسر الميم وسكون السين وفتح الطاء بعدها حاء مهملات واسمها سلمى (قبل المناصع) بكسر القاف وفتح الموحدة أي جهة المناصع بفتح الميم والنون وبعد الألف صاد وعين مهملتان موضع خارج المدينة (وهو متبرزنا) بفتح الراء المشددة أي موضع قضاء حاجتنا (وكنا لا نخرج إلا ليلاً إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكنف) بضم الكاف والنون مواضع قضاء الحاجة (قريبًا من بيوتنا وأمرنا أمر العرب الأوّل) بضم الهمزة وتخفيف الواو نعت للعرب (في التبرز قبل الغائط) وفي رواية فليح في البرية أي خارج المدينة بعيدًا عن المنازل (فكنا نتأذى بالكنف) برائحتها (أن نتخذها عند بيوتنا فانطلقت أنا وأم مسطح) بكسر الميم (وهي ابنة أبي رهم) أنيس (بن عبد مناف) بضم الراء وسكون الهاء وفي رواية صالح عند المؤلف في المغازي وهي ابنة أبي رهم بن عبد المطلب بن عبد مناف قال الحافظ ابن حجر وهو الصواب (وأمها بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق) واسمها رائطة فيما ذكره أبو نعيم (وابنها مسطح بن أثاثة) بضم الهمزة ومثلثتين بينهما ألف من غير تشديد ابن عباد بن المطلب (فأقبلت أنا وأم مسطح قبل) أي جهة (بيتي قد) ولأبي ذر وقد (فرغنا من شأننا فعثرت) بالفاء والعين والراء المفتوحات (أم مسطح في مرطها) بكسر الميم كسائها وهو من صوف أو خز أو كتان أو إزار (فقالت: تعس مسطح) بفتح العين قيده الجوهري وكلام ابن الأثير يقتضي أن الأعرف كسرها أي أكبه الله لوجهه أو هلك قالت عائشة (فقلت لها: بئسما قلت أتسبين رجلاً شهد بدرًا قالت: أي هنتاه) بفتح الهاء الأولى وسكون الأخيرة أي يا هذه (أو لم تسمعي ما قال؟ قالت) أي عائشة: (قلت: وما قال؟ قالت) أي عائشة: (فأخبرتني) أم مسطح (بقول أهل الإفك ٤٤٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور فازددت مرضًا على مرضي قالت: فلما رجعت إلى بيتي) وسقط لغير أبي ذر لفظ قالت من قوله قالت فأخبرتني ومن قوله قالت فلما رجعت إلى بيتي أي واستقريت فيه (ودخل عليّ رسول الله (858* تعني) أي عائشة (سلم) وسقط تعني سلم لأبي ذر (ثم قال: كيف تيكم؟ فقلت) له عليه الصلاة والسلام: (أتأذن لي أن آتي أبوي قالت وأنا حينئذٍ أريد أن أستيقن الخبر من قبلهما) من جهتهما (قالت: فأذن لي رسول الله وَ ل ﴿ فجئت أبوي فقلت لأمي) أم رومان (يا أمتاه) بسكون الهاء (ما يتحدث الناس) أي به ويتحدث بفتح أوّله (قالت: يا بنية هوّني عليك فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة) بالنصب على الحال ولأبي ذر وضيئة بالرفع صفة امرأة واللام في لقل للتأكيد أي حسنة جميلة (عند رجل يحبها ولها ضرائر) وسقطت الواو لأبي ذر (إلا كثّرن) بتشديد المثلثة ولأبي ذر عن الحموي والمستملي إلا أكثرن نساء الزمان (عليها) القول في نقصها فالاستثناء منقطع أو إشارة إلى ما وقع من حمنة بنت جحش أخت أم المؤمنين زينب، فإن الحامل لها على ذلك كون عائشة ضرة أختها فالاستثناء متصل ولم تقصد أم رومان بقولها ولها ضرائر إلا أكثرن عليها قصة عائشة بنفسها وإنما ذكرت شأن الضرائر عائشة وإن لم يصدر منهن شيء فلم يعدم ذلك ممن هو من أتباعهن کحمنة. (قالت) عائشة: (فقلت سبحان الله) تعجبت من وقوع مثل ذلك في حقها مع تحققها براءتها (ولقد) ولأبي ذر أو لقد (تحدث الناس بهذا قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ) بالقاف والهمزة أي لا ينقطع (لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت أبكي) لأن الهموم موجبة للسهر وسيلان الدموع (فدعا رسول الله وَلي علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد رضي الله عنهما حين استلبث الوحي) بالرفع أي طال لبثه أو بالنصب أي استبطأ النبي وَلاتر الوحي (يستأمرهما) أي يستشيرهما (في فراق أهله) تعني نفسها (قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله التليفون بالذي يعلم من براءة أهله) مما يذكر (وبالذي يعلم لهم في نفسه من الود فقال: يا رسول الله) أمسك (أهلك) بالنصب ولأبي ذر أهلك بالرفع أي هم أهلك (وما) ولأبي ذر ولا (نعلم إلا خيرًا. وأما علي بن أبي طالب فقال: يا رسول الله لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير) بلفظ التذكير على إرادة الجنس وفعيل يستوي فيه المذكر والمؤنث أفرادًا وجمعًا، وقال ذلك لما رأى منه عليه الصلاة والسلام من شدة القلق فرأى أن بفراقها يسكن ما عنده بسببها فإذا تحقق براءتها فيراجعها (وإن تسأل الجارية) بريرة (تصدقك) الخبر بالجزم على الجزاء. (قالت) عائشة (فدعا رسول الله وَالر بريرة) واستشكل قوله الجارية بريرة بأن قصة الإفك قبل شراء بريرة وعتقها لأنه كان بعد فتح مكة وهو قبله لأن حديث الإفك كان في سنة ست أو أربع وعتق بريرة كان بعد فتح مكة في السنة التاسعة أو العاشرة لأن بريرة لما خيرت واختارت نفسها كان زوجها مغيث يتبعها في سكك المدينة يبكي عليها فقال رسول الله وَلفر للعباس: ((يا عباس ألا تعجب من حب مغيث بريرة)) والعباس إنما سكن المدينة بعد رجوعهم من الطائف في أواخر سنة ثمان وفي ذلك ردّ على ابن القيم حيث قال تسميتها بريرة وهم من بعض الرواة فإن إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ٢٩ ٤٥٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور عائشة إنما اشترت بريرة بعد الفتح، ولما كاتبتها عقيب شرائها وعتقت خيرت فاختارت نفسها فظن الراوي أن قول علي وإن تسأل الجارية تصدقك أنها بريرة فغلط قال: وهذا نوع خاص غامض لا يتنبه له إلا الحذاق . اهـ. وتبعه الزركشي فقال إن تسمية الجارية بريرة مدرجة من بعض الرواة وإنها جارية أخرى، وأجاب الشيخ تقي الدين السبكي بأجوبة أحسنها احتمال أنها كانت تخدم عائشة قبل شرائها وهذا أولى من دعوى الإدراج وتغليط الحفاظ. (فقال) عليه الصلاة والسلام: (أي بريرة هل رأيت) عليها (من شيء يريبك؟) بفتح أوله من جنس ما قال أهل الإفك (قالت بريرة) مجيبة له على العموم نافية عنها كل نقص (لا والذي بعثك بالحق إن رأيت) بكسر الهمزة أي ما رأيت (عليها أمرًا أغمصه) بفتح الهمزة وسكون المعجمة وكسر الميم وصاد مهملة صفة لأمر أي أعيبه ( عليها) في جميع أحوالها (أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها) لصغر سنها ورطوبة بدنها (فتأتي الداجن) بدال مهملة وبعد الألف جيم مكسورة فنون الشاة التي تقتنى في البيت وتعلف وقد يطلق على غيرها مما يألف البيوت من الطير وغيره (فتأكله) قال ابن المنير في الحاشية: هذا من الاستثناء البديع الذي يراد به المبالغة في نفي العيب كقوله: ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم بهنّ فلول من قراع الكتائب فغفلتها عن عجينها أبعد لها من مثل الذي رميت به وأقرب إلى أن تكون به من المحصنات الغافلات المؤمنات، وتعقبه البدر الدماميني فقال ليس في الحديث صورة استثناء بسوى ولا غيرها من أدواته وإنما فيه إن رأيت عليها أمرًا أغمصه عليها أكثر من أنها جارية الخ لكن معنى هذا قريب من معنى الاستثناء . اهـ. نعم قولها في رواية هشام بن عروة فيما يأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في هذه السورة ما علمت منها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر استثناء صريح في نفي العيب عنها وفي رواية عبد الرحمن بن حاطب عن علقمة عند الطبراني فقالت الجارية الحبشية والله لعائشة أطيب من الذهب ولئن كانت صنعت ما قال الناس ليخبرنك الله قال فعجب الناس من فقهها. (فقام رسول الله وَل﴿ فاستعذر) بالذال المعجمة (يومئذٍ من عبد الله بن أبي ابن سلول قالت) عائشة (فقال رسول الله ( * وهو على المنبر: يا معشر المسلمين) بسكون العين (من يعذرني) بفتح أوله وكسر المعجمة أي من یقیم عذري إن كافأته علی قبح فعله أو من ینصرني (من رجل) يريد ابن أبي (قد بلغني أذاه في أهل بيتي فوالله ما علمت على) ولأبي ذر في (أهلي إلا خيرًا ولقد ذكروا رجلاً) صفوان بن المعطل (ما علمت عليه إلا خيرًا وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ الأنصاري). ٤٥١ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور واستشكل ذكر سعد بن معاذ هنا بأن حديث الإفك كان سنة ست في غزوة المريسيع وسعد مات من الرمية التي رميها بالخندق سنة أربع. وأجيب: بأنه اختلف في المريسيع، ففي البخاري عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع وكذلك الخندق، وقد جزم ابن إسحق بأن المريسيع كانت في شعبان والخندق في شوّال وإن كانا في سنة فلا يمتنع أن يشهدها ابن معاذ، لكن الصحيح في النقل عن موسى بن عقبة أن المريسيع سنة خمس، فالذي في البخاري حملوه على أنه سبق قلم والراجح أيضًا أن الخندق أيضًا سنة خمس فيصح الجواب. (فقال: يا رسول الله أنا أعذرك منه) بفتح الهمزة وكسر المعجمة (إن كان من الأوس) قبيلتنا (ضربت عنقه) لأن حكمه فيهم نافذ إذ كان سيدهم ولأن من آذاه عليه الصلاة والسلام وجب قتله (وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك قالت) عائشة: (فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج) بعد فراغ ابن معاذ من مقالته (وكان قبل ذلك رجلاً صالحًا) كامل الصلاح لم يسبق منه ما يتعلق بالوقوف مع أنفة الحمية (ولكن احتملته) من مقالة ابن معاذ (الحمية) أي أغضبته وفي رواية معمر عند مسلم اجتهلته بجيم ففوقية فهاء وصوّبها التوربشتي أي حملته على الجهل (فقال لسعد) هو ابن معاذ: (كذبت لعمر الله) بفتح العين أي وبقاء الله (لا تقتله ولا تقدر على قتله) لأنا نمنعك منه ولم يرد ابن عبادة الرضا بقول ابن أبي لكن كان بين الحيين مشاحنة زالت بالإسلام وبقي بعضها بحكم الأنفة فتكلم ابن عبادة بحكم الأنفة ونفى أن يحكم فيه ابن معاذ (فقام أسيد بن حضير) بضم الهمزة وفتح السين المهملة وحضير بضم المهملة وفتح المعجمة مصغرين ولأبي ذر ابن الحضير (وهو ابن عم سعد) ولأبي ذر زيادة ابن معاذ أي من رهطه (فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه) بالنون ولو كان من الخزرج إذا أمرنا رسول الله وَلير (فإنك منافق تجادل عن المنافقين) تفسير لقوله فإنك منافق فليس المراد نفاق الكفر (فتثاور) بفوقية فمثلثة (الحيان الأوس والخزرج) أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب (حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله الأول قائم على المنبر فلم يزل رسول الله بيليجر يخفضهم حتى سكتوا) بالفوقية والواو ولأبي ذر سكت بحذف الواو أي سكت القوم (وسكت) عليه الصلاة والسلام. (قالت) عائشة (فمكثت) بالميم وضم الكاف من المكث ولأبي ذر عن الكشميهني فبكيت من البكاء (يومي ذلك لا يرقأ) بالهمزة أي لا ينقطع (لي دمع ولا أكتحل بنوم قالت فأصبح أبواي) أبو بكر وأم رومان (عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا) الليلة التي أخبرتها فيها أم مسطح بالخبر واليوم الذي خطب فيه عليه الصلاة والسلام الناس والليلة التي تليه (لا أكتحل بنوم ولا يرقأ لي دمع يظنان) أبي وأمي (أن البكاء فالق كبدي قالت) عائشة: (فبينما) بالميم ولأبي ذر عن الحموي والمستملي فبينا (هما جالسان) ولأبي ذر جالسين (عندي وأنا أبكي) جملة حالية (فاستأذنت علي امرأة من الأنصار) لم تسم (فأذنت لها فجلست تبكي معي) تحزّنًا علّ. (قالت) عائشة (فبينا) بغير ميم (نحن على ذلك) وللكشميهني نحن كذلك (دخل علينا ٤٥٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور رسول الله ير فسلم ثم جلس قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها وقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني) أي بشيء (قالت: فتشهد رسول الله يَّر حين جلس ثم قال): (أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا) كناية عما رماها به أهل الإفك (فإن كنت بريئة) من ذلك (فسيبرئك الله) بوحي ينزله (وإن كنت ألمت بذنب) أي وقع منك مخالفًا لعادتك (فاستغفري الله وتوبي إليه) منه (فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله) منه (تاب الله عليه) وسقط لفظ الجلالة لأبي ذر (قالت: فلما قضى رسول الله وَّ ر مقالته قلص) بالقاف واللام والصاد المهملة المفتوحات انقطع (دمعي حتى ما أحس) أجد (منه قطرة) لأن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة (فقلت لأبي أجب) عني (رسول الله وَ ل﴿ فيما قال قال: والله ما أدري ما أقول لرسول الله وَلخر) ولأبي أويس فقال لا أفعل هو رسول الله وَله والوحي يأتيه (فقلت لأمي: أجيبي رسول الله وَ ر. قالت: ما أدري ما أقول لرسول الله ﴿ قالت) عائشة: (فقلت) ولأبي ذر قلت (وأنا جارية حديثة السن لا يقرأ كثيرًا من القرآن) هذا توطئة لعذرها في عدم استحضارها اسم يعقوب عليه السلام (إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقر في أنفسكم وصدقتم به) قيل مرادها من صدق به من أصحاب الإفك وضمت إليهم من لم يكذبهم تغليبًا (فلئن) بفتح اللام وكسر الهمزة (قلت لكم إني بريئة والله يعلم أني بريئة لا تصدقوني) ولأبي ذر لا تصدقونني (بذلك) أي لا تقطعون بصدقي (ولئن اعترفت لكم بأمر والله يعلم أني منه بريئة لتصدقني) بضم القاف وتشديد النون والأصل تصدقونني فأدغمت النون في الأخرى (والله ما أجد لكم) وفي رواية فليح في الشهادات لي ولكم (مثلاً إلا قول أبي يوسف) وفي رواية أبي أويس نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف إذ (قال ﴿فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون﴾ قالت: ثم تحوّلت فاضطجعت على فراشي قالت وأنا حينئذٍ أعلم أني بريئة وأن الله يبرئني ببراءتي) يبرثني فعل مضارع في الفرع وغيره، والذي في اليونينية مصحح عليه مبرئي بميم مضمومة فموحدة مفتوحة فراء مشددة فهمزة مكسورتين فتحتية، وكذا هو في الفتح وعند السفاقسي مبرثني بنون بعد الهمزة المضمومة واستشكله بأن نون الوقاية إنما تدخل في الأفعال لتسلم من الكسر والأسماء تكسر فلا يحتاج إليها قال الحافظ ابن حجر: والذي وقفنا عليه مبرئي بغير نون وعلى تقدير وجود ما ذكر السفاقسي فقد سمع ذلك في بعض اللغات في اسم الفعل اهـ. نحو دراكني وتراكني وعليكني بمعنى أدركني واتركني والزمني وفي الحرف نحو انني. (ولكن) بتخفيف النون (والله ما كنت أظن أن الله منزل في شأني وحيًا يتلى ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله في بأمر يتلى ولكن) بتخفيف النون ولأبي ذر عن الكشميهني ولكنني وله عن الحموي والمستملي ولكني بالإدغام (كنت أرجو أن يرى رسول الله وَ لتر في النوم رؤيا يبرئني الله بها قالت: فوالله ما رام رسول الله وَلٍ﴾﴾ أي ما فارق مجلسه (ولا خرج أحد من أهل البيت) الذين كانوا حاضرين حينئذٍ (حتى أنزل عليه) الوحي (فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء) ٤٥٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور من العرق من شدة الوحي (حتى أنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق) بكسر الميم وسكون المثلثة مرفوعًا والجمان بضم الجيم وتخفيف الميم الدر قال: كجمانة البحري جاءبها غواصها من لجة البحر وقال الداودي: هو شيء كاللؤلؤ يصنع من الفضة والأول هو المعروف: (وهو في يوم شات من ثقل القول الذي ينزل عليه) بضم الياء وسكون النون وفتح الزاي وثقل بكسر المثلثة وفتح القاف. (قالت: فلما سري) بضم المهملة وكسر الراء مشددة كشف (عن رسول الله وَ لجر سري عنه وهو يضحك) سرورًا والجملة حالية (فكانت) ولأبي ذر عن الكشميهني فكان (أول) لم يضبط اللام من أوّل في الفرع ولا في أصله (كلمة تكلم بها يا عائشة أما الله عز وجل) بتشديد ميم أما (فقد برأك) بالقرآن مما قاله أهل الإفك فيك (فقالت) ولأبي ذر قالت (أمي) أم رومان (قومي إليه) ◌َّر لأجل ما بشرك به (قالت) عائشة (فقلت والله) ولأبي ذر لا والله (لا أقوم إليه) وإلى الله صلاته وسلامه عليه (ولا أحمد إلا الله عز وجل) الذي أنزل براءتي (وأنزل الله) بالواو ولأبي ذر فأنزل الله (عز وجل ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه﴾ العشر الآيات كلها) قال ابن حجر آخر العشر والله يعلم وأنتم لا تعلمون . اهـ. وأقول بل هي تسعة ولعله عد قوله: ﴿لهم عذاب أليم﴾ رأس آية وليس كذلك بل تشبه فاصلة وليس بفاصلة كما نص عليه غير واحد من العادّين وحينئذٍ فآخر العشر ﴿رؤوف رحيم﴾ وفي رواية عطاء الخراساني عن الزهري فأنزل الله ﴿إن الذين جاؤوا بالإفك﴾ - إلى قوله - ﴿أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم﴾ وقول ابن حجر أن عدد الآي إلى هذا الموضع ثلاث عشرة آية فلعل في قولها العشر الآيات مجازًا بطريق الغاء الكسر بناه على عد أليم كما مر فالصواب أنها اثنتا عشر . اهـ. فتأمل هذا التشريف والإكرام الناشىء عن فرط تواضعها واستصغارها نفسها حيث قالت ولشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بوحي الخ فهذه صدّيقة الأمة تعلم أنها بريئة مظلومة وأن قاذفيها ظالمون لها مفترون عليها وهذا كان احتقارها لنفسها وتصغيرها لنفسها فما ظنك بمن صام يومًا أو يومين أو شهرًا أو شهرين أو قام ليلة أو ليلتين فظهر عليه شيء من الأحوال فلوحظ باستحقاق الكرامات والمكاشفات وإجابة الدعوات وأنه ممن يترك بلقائه ويغتنم صالح دعائه ويتمسح بأثوابه ويقبل ثرى أعتابه فعجب من جهله بنفسه وغفل عن جرمه واغتر بإمهال الله عليه، فينبغي للعبد أن يستعيذ الله أن يكون عند نفسه عظيمًا وهو عند الله حقير وسقط لا تحسبوه لأبي ذر. (فلما أنزل الله) تعالى (هذا في براءتي) وأقيم الحد على من أقيم عليه (قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه) كان ابن خالته (وفقره) أي لأجلهما ٤٥٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال: فأنزل الله (﴿ولا يأتل﴾) لا يحلف (﴿أولو الفضل منكم﴾) في الدين أبو بكر (﴿والسعة﴾) في المال (﴿أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله﴾)، صفات لموصوف واحد وهو مسطح لأنه كان مسكينًا مهاجرًا بدريًا (﴿وليعفوا وليصفحوا﴾) عنهم خوضهم في أمر عائشة ((ألا تحبون)) خطاب لأبي بكر (﴿أن يغفر الله لكم﴾) على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم (﴿والله غفور رحيم﴾) فتخلقوا بأخلاقه تعالى (قال أبو بكر) لما قرأ عليه النبي ◌َّر هذه الآية (بلى والله إني أحب أن يغفر الله لي فرجع) بالتخفيف (إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه) قبل (وقال والله لا أنزعها منه أبدًا. قالت عائشة وكان رسول الله وَلتر يسأل) بصيغة المضارع ولأبي ذر سأل بصيغة الماضي (زينب ابنة جحش) أم المؤمنين رضي الله عنها (عن أمري فقال يا زينب ماذا علمت) على عائشة (أو رأيت) منها (فقالت) ولأبي ذر وقالت (يا رسول الله أحمي) بفتح الهمزة (سمعي) من أن أقول سمعت ولم أسمع (وبصري) من أن أقول أبصرت ولم أبصر (ما علمت) عليها (إلا خيرًا قالت) عائشة (وهي) أي زينب (التي كانت تساميني من أزواج رسول الله وَّة) بضم الفوقية وبالمهملة من السموّ وهو العلو والارتفاع أي تطلب من العلوّ والارتفاع والحظوة عند النبي ◌َ ◌ّ ما أطلب أو تعتقد أن لها مثل الذي لي عنده (فعصمها الله) أي حفظها (بالورع) أن تقول بقول أهل الإفك (وطفقت) بكسر الفاء جعلت أو شرعت (أختها حمنة) بفتح الحاء المهملة وبعد الميم الساكنة نون مفتوحة فهاء تأنيث (تحارب لها) أي لاختها زينب وتحكي مقالة أهل الإفك لتخفض منزلة عائشة وتعلي منزلة أختها زينب (فهلكت فيمن هلك من أصحاب الإفك) فحدّت فيمن حُدَّ أو أثمت مع من أثم. وهذا الحديث سبق في كتاب الشهادات .. ٧ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ﴾ عَذَابٌ عَظِيمٌ فِيمَا أَفَضْتُمْ فِيهِ وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿َتَلَقَّوْنَهُ﴾ [النور: ١٥] يَرْوِيهِ بَعْضُكُمْ عَنْ بَعْضٍ ﴿تُفِيضُونَ﴾: تَقُولُونَ هذا (باب قوله) تعالى: (﴿ولولا فضل الله عليكم﴾) لولا هذه لامتناع الشيء لوجود غيره أي لولا فضل الله عليكم أيها الخائضون في شأن عائشة (﴿ورحمته في الدنيا﴾) بأنواع النعم التي من جملتها قبول توبتكم وإنابتكم إليه (﴿والآخرة﴾) بالعفو والمغفرة (﴿لمسلم)) عاجلاً (﴿فيما أفضتم﴾) أي خضتم (﴿فيه﴾) من قضية الإفك (﴿عذاب عظيم﴾) [النور: ١٤]. قال ابن عباس: المراد بالعذاب العظيم الذي لا انقطاع له يعني في الآخرة لأنه ذكر عذاب الدنيا من قبل فقال والذي تولى كبره منهم له عذاب عظيم، وقد أصابه فإنه جلد وحدّ، وسقط قوله: (﴿عذاب عظيم﴾) لأبي ذر وقال بعد قوله: (﴿أفضتم فيه﴾) الآية. ٤٥٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي من طريقه في قوله تعالى: إذ (﴿تلقونه﴾) [النور: ١٥] معناه (يرويه بعضكم عن بعض) وذلك أن الرجل كان يلقى الرجل فيقول له ما وراءك فيحدّثه بحديث الإفك حتى شاع واشتهر ولم يبق بيت ولا ناد إلا طار فيه فسعوا في إشاعته وذلك من العظائم وأصل تلقونه تتلقونه فحذفت إحدى التاءين كتنزل ونحوه. (﴿تفيضون﴾) في قوله تعالى في سورة يونس ﴿إذ تفيضون فيه﴾ [يونس: ٦١] معناه (تقولون) وهذا ذكره استطرادًا على عادته مناسبة لقوله فيما أفضتم فيه إذ كل منهما من الإفاضة. ٤٧٥١ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنا سُلَيْمَانُ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ أُمّ رُومانَ أُمّ عائِشَةَ أَنَّها قالَتْ: لَمَّا رُمِيَتْ عَائِشَةُ خَرَّتْ مَغْشِيًّا عَلَيْها. وبه قال: (حدثنا محمد بن کثیر) بالمثلثة العبدي البصري قال: (أُخبرنا) ولأبي ذر حدّثنا (سليمان) هو أخوه (عن حصين) مصغرًا ابن عبد الرحمن أبي الهذيل السلمي الكوفي (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن أم رومان) بضم الراء بنت عامر بن عويمر (أم عائشة) رضي الله عنهما (أنها قالت لما رميت عائشة) بما رميت به من الإفك (خرّت مغشيًا عليها) وفي بعض النسخ بإسقاط لفظ عليها كما في المصابيح، وقال السفاقسي: صوابه مغشية يعني بتاء التأنيث بدل الألف، ورده الزركشي بأنه على تقدير الحذف أي عليها فلا معنى للتأنيث قال في المصابيح: لكن يلزم على تقديره حذف النائب عن الفاعل وهو ممتنع عند البصريين، وإنما ينسب القول به للكسائي من الكوفيين، وأما على ما استصوبه السفاقسي فإنما يلزم حذف الجار وجعل المجرور مفعولاً على سبيل الاتساع وهو موجود في كلامهم ومطابقته لما ترجم به من جهة قصة الإفك في الجملة واعترض الخطيب، وتبعه جماعة على هذا الحديث بأن مسروقًا لم يسمع من أم رومان لأنها توفيت في زمنه وَّ وسنّ مسروق إذ ذاك ست سنين، فالظاهر أنه مرسل. وأجاب في المقدمة: بأن الواقع في البخاري هو الصواب لأن راوي وفاة أم رومان في سنة ست علي بن زيد بن جدعان وهو ضعيف كما نبه عليه البخاري في تاريخيه الأوسط والصغير وحديث مسروق أصح إسنادًا وقد جزم إبراهيم الحربي الحافظ بأن مسروقًا إنما سمع من أم رومان في خلافة عمر. وقال أبو نعيم الأصبهاني: عاشت أم رومان بعد النبي ◌َّ دهرًا . ٨ - باب ﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَقْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ الله عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٥] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿إِذ﴾) ظرف لمسكم أو أفضتم (﴿تلقونه﴾) أي الإفك (﴿بألسنتكم﴾) قال الكلبي وذلك أن الرجل منهم يلقى الآخر فيقول بلغني كذا وكذا يتلقونه تلقيًا (﴿وتقولون بأفواهكم﴾) في شأن أم المؤمنين (﴿ما ليس لكم به علم﴾) فإن قلت: ما معنى قوله ٤٥٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور بأفواهكم والقول لا يكون إلا بالفم؟ أجيب: بأن الشيء المعلوم يكون علمه في القلب فيترجم عنه اللسان والإفك ليس إلا قولاً يجري على ألسنتكم من غير أن يحصل في قلوبكم علم به (﴿وتحسبونه هينًا وهو عند الله عظيم﴾﴾ [النور: ١٥] في الوزر وسقط لأبي ذر وتحسبونه الخ وقال بعد علم الآية وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٧٥٢ - حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، حَدْثَنَا هِشَامٌ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجِ أَخْبَرَهُمْ، قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقْرَأُ: ﴿إِذْ تَلِقُونَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ﴾ . وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (حدّثنا) ولأبي ذر أخبرنا (هشام) ولأبي ذر هشام بن يوسف (أن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (أخبرهم قال ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الرحمن: (سمعت عائشة) رضي الله عنها (تقرأ) ولأبي ذر تقول: (﴿إذ تلقونه بألسنتكم﴾) بكسر اللام وتخفيف القاف مضمومة من ولق الرجل إذا كذب. ٩ - باب قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ ما يَكُونُ لَنا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهِذا سُبْحانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: ١٦] هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: ((ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا﴾) ما ينبغي وما يصح لا (﴿أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم﴾﴾ [النور: ١٦] سقط قوله سبحانك الخ لأبي ذر وقال بعد قوله بهذا الآية وسقط لفظ باب لغير أبي ذر. ٤٧٥٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ عُمَّرَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أبي مُلَيْكَةَ، قَالَ: اسْتَأْذَنَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَبْلَ مَوْنِها عَلى عَائِشَةَ وَهِيَ مَغْلُوبَةٌ، قالَتْ: أخْشى أَنْ يُثْنِيَ عَلَيَّ، فَقِيلَ: ابْنُ عَمْ رَسُولِ اللَّه ◌َّهُ وَمِنْ وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ، قَالَتْ: أَئِذَنُوا لَهُ. فَقالَ: كَيْفَ تَجِدِينَكِ؟ قالَتْ: بِخَيْرٍ إِنْ أَتَّقَيْتُ الله. قالَ: فَأَنْتِ بِخَيْرٍ إِنْ شاءَ الله، زَوْجَةُ رَسُولِ اللَّهِ وَهِ، وَلَمْ يَنْكِحْ بِكْرًا غَيْرَكِ، وَنَزَلَ عُذْرُكِ مِنَ السَّماءِ. وَدَخَلَ ابْنُ الزُّبَيْرِ خِلافَهُ فَقَالَتْ: دَخَلَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَثْنَى عَلَيَّ، وَدِدْتُ أَنِّي كُنْتُ نَسْيَا مَنْسِيًا. وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان (عن عمر بن سعيد بن أبي حسين) بضم عين عمر وكسر عين سعيد وضم حاء حسين مصغرًا القرشي النوفلي المكي (قال: حدثني) بالإفراد (ابن أبي مليكة) عبد اللَّه (قال: استأذن ابن عباس قبل موتها) ولأبي ذر قبيل موتها بضم القاف مصغرًا (على عائشة وهي مغلوبة) من كرب الموت (قالت: أخشى أن يثني علي) لأن الثناء يورث العجب (فقيل) هو (ابن عم رسول الله وَلي ومن وجوه المسلمين) والقائل لها ذلك هو ابن أخيها عبد الله بن عبد الرحمن والذين استأذن لابن عباس عليها ذكوان مولاها كما عند أحمد في روايته (قالت ائذنوا له فقال) ابن عباس لها بعد أن أذن له في الدخول ٤٥٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور ودخل (كيف تجدينك) أي كيف تجدين نفسك فالفاعل والمفعول ضميران لواحد وهو من خصائص أفعال القلوب (قالت) عائشة: أجدني (بخير أن اتقيت الله) أي إن كنت من أهل التقوى وسقطت الجلالة من اليونينية وآل ملك وغيرهما وثبتت في الفرع ولأبي ذر عن الكشميهني إن أبقيت بضم الهمزة وسكون الموحدة وكسر القاف وسكون التحتية وفتح الفوقية من البقاء (قال) ابن عباس (فأنت بخير إن شاء الله زوجة رسول الله وَظير ولم ينكح بكرًا غيرك ونزل عذرك) عن قصة الإفك (من السماء) وفي رواية ذكوان المذكورة: وأنزل الله براءتك من فوق سبع سموات جاء به الروح الأمين فليس في الأرض مسجدًا إلا وهو يتلى فيه آناء الليل وأطراف النهار. (ودخل) عليها (ابن الزبير) عبد اللَّه (خلافه) بعد أن خرج ابن عباس فتخالفا في الدخول والخروج ذهابًا وإيابًا وافق رجوع ابن عباس مجيء ابن الزبير (فقالت) له عائشة: (دخل ابن عباس فأثنى علي ووددت أني كنت نسيًا منسيًا) أي لم أكن شيئًا. وهذا على طريق أهل الورع في شدة خوفهم على أنفسهم. ٤٧٥٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ، حَدَّثَنَا ابْنُ عَوْنٍ عَنِ الْقَاسِمِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُمَا أَسْتَأْذَنَ عَلى عَائِشَةَ. نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ نِسْيًا مَنْسِيًّا. وبه قال: (حذّثنا محمد بن المثنى) الزمن قال: (حدّثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد) بفتح الميم وكسر الجيم الثقفي قال: (حدّثنا ابن عون) بالنون عبد اللَّه (عن القاسم) بن محمد بن أبي بكر الصديق (إن ابن عباس رضي الله عنه استأذن على عائشة نحوه) أي ذكر نحو الحديث المذكور (ولم یذکر) فیه (نسيًا منسيًا). ومطابقة الحديث للترجمة في قوله ونزل عذرك من السماء. ١٠ - باب قَوْله: ﴿يَعِظُكُمُ اللهِ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآيَةَ (قوله ﴿يعظكم الله﴾) ولأبي ذر باب بالتنوين في قوله: ﴿يعظكم الله﴾. قال ابن عباس: يحرم الله عليكم، وقال مجاهد: ينهاكم الله (﴿أن تعودوا لمثله﴾) كراهة أن تعودوا مفعول من أجله أو في أن تعودوا على حذف في (﴿أبدًا﴾) ما دمتم أحياء مكلفين (الآية) [النور: ١٧] وسقط قوله الآية لغير أبي ذر. ٤٧٥٥ - حدّثنا مُحُمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبي الضُّحى عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا قالَتْ: جاءَ حَسَّانُ بْنُ ثابِتٍ يَسْتَأَذِنُ عَلَيْهَا، قُلْتُ: أَتَأْذَنِينَ لِهذا؟ قالَتْ: أَوَلَيْسَ قَدْ أَصابَهُ عَذابٌ عَظِيمٌ؟ قَالَ سُفْيَانُ: تَعْنِي ذَهابَ بَصَرِهِ، فَقالَ: حَصانْ رَزانْ ما تُزَنُّ بِرِيْبَةٍ وَتُصْبِحُ غَزْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوافِلِ قالَتْ: لَكِنْ أَنْتَ. ٤٥٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت): ولأبي ذر عن الكشميهني قال: (جاء حسان بن ثابت) الأنصاري الخزرجي شاعر رسول الله وَلقر (يستأذن عليها) فيه التفات من الخطاب إلى الغيبة قال مسروق: (قلت) لعائشة: (أتأذنين لهذا) وهو ممن تولى كبر الإفك؟ (قالت: أوليس قد أصابه عذاب عظيم. قال سفيان) الثوري: (تعني ذهاب بصره. فقال) حسان: (حصان رزان) بفتح الحاء المهملة والزاي من الثاني وقبلها راء مهملة مخففة أي عفيفة كاملة العقل (ما تزن) بضم الفوقية وفتح الزاي وتشديد النون أي ما تتهم (بريبة) براء مهملة فتحتية ساكنة فموحدة. (وتصبح غرثى) بفتح الغين المعجمة وسكون الراء وفتح المثلثة جائعة (من لحوم الغوافل) العفيفات أي لا تغتابهن إذ لو كانت تغتاب لكانت آكلة وهو استعارة فيها تلميح بقوله تعالى في المغتاب ﴿أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتًا﴾ [الحجرات: ١٢]. وهذا البيت من جملة قصيدة لحسان. (قالت) عائشة: (لكن) أي لست (أنت) كذلك إشارة إلى أنه اغتابها حين وقعت قصة الإفك. ١١ - باب ﴿وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآياتِ وَالله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النور: ١٨] هذا (باب) بالتنوين في قوله: (﴿ويبين الله لكم الآيات﴾) في الأمر والنهي (﴿والله عليم)) بأمر عائشة وصفوان (﴿حكيم)) [النور: ١٨] في شرعه وقدرته. ٤٧٥٦ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ، أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الضَّحِى عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: دَخَلَ حَسَّانُ بْنُ ثابِتٍ عَلى عَائِشَةَ فَشَبَّبَ وَقالَ: حَصانٌ رَزانٌ ما تُزَنْ بِرَيْبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوافِلِ قالَتْ: لَسْتُ كَذاكَ. قُلْتُ: تَدَعِينَ مِثْلَ هَذا يَدْخُلُ عَلَيْكِ وَقَدْ أَنْزَلَ الله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَى كِبْرَهُ مِنْهُمْ﴾ فَقَالَتْ: وَأَيُّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنَ الْعَمْىِ. وَقالَتْ: وَقَدْ كَانَ يَرُدُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ وَه . وبه قال: (حدثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (محمد بن بشار) بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا ابن أبي عدي) بفتح العين وكسر الدال المهملتين محمد قال: (أنبأنا شعبة) بن الحجاج (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي الضحى) مسلم بن صبيح (عن مسروق) هو ابن الأجدع أنه (قال: دخل حسان بن ثابت على عائشة فشبب) بشين معجمة فموحدتين الأولى مشددة أي أنشد تغزلاً (وقال: حصان) عفيفة تمتنع من الرجل (رزان) صاحبة وقار (ما تزن بريبة) ما تتهم بها. ٤٥٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور (وتصبح غرثى) جائعة (من لحوم الغوافل) لا تغتابهن ولأبي ذر من دماء بدل من لحوم (قالت) عائشة تخاطب حسانًا: (لست كذلك). بل تغتاب الغوافل قال مسروق (قلت) لها: (تدعين مثل هذا يدخل عليك وقد أنزل الله) تعالى (﴿والذي تولى كبره منهم﴾) وهذا مشكل إذ ظاهره أن المراد بقوله والذي تولى كبره حسان والمعتمد أنه عبد الله بن أبي لكن في مستخرج أبي نعيم وهو ممن تولى كبره قال في الفتح فهذه أخف أشكالاً (فقالت: وأي عذاب أشد من العمى؟ وقالت: وقد كان يردّ عن رسول الله ( 18) أي يدفع هجو الكفار فيهجوهم ويذب عنه وفي المغازي قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي يقول: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء وروي أنه عليه الصلاة والسلام قال: ((إن الله يؤيد حسان بروح القدس في شعره)). ١٢ - باب [قوله تعالى]: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَاللهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ وَلَوْلا فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللهَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾. [النور: ١٩، ٢٠] تَشِيعُ: تَظْهَرُ. ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبِى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ الله لَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٢٢] هذا (باب) بالتنوين في قوله: (﴿إن الذين يحبون﴾) يريدون (﴿أن تشيع﴾) أن تنتشر (﴿الفاحشة﴾) الزنا (﴿في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا﴾) الحد (﴿والآخرة﴾) النار وظاهر الآية يتناول كل من كان بهذه الصفة وإنما نزلت في قذف عائشة إلا أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب (﴿والله يعلم﴾) ما في الضمائر ((وأنتم لا تعلمون﴾) وهذا نهاية في الزجر لأن من أحب إشاعة الفاحشة وإن بالغ في إخفاء تلك المحبة فهو يعلم أن الله تعالى يعلم ذلك منه ويعلم قدر الجزاء عليه (﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته﴾) لعاجلكم بالعقوبة فجواب لولا محذوف (﴿وأن الله رؤوف﴾) بعباده (﴿رحيم﴾) [النور: ١٩، ٢٠] بهم فتاب على من تاب وطهر من طهر منهم بالحد وسقط لأبي ذر قوله: (﴿في الذين آمنوا﴾) الخ وقال بعد قوله الفاحشة الآية إلى قوله: (﴿رؤوف رحيم﴾). (تشيع) أي (تظهر) قاله مجاهد وسقط هذا لغير أبي ذر. (﴿ولا يأتل﴾) ولأبي ذر وقوله ولا يأتل أي يفتعل من الآلية وهي الحلف أي ولا يحلف ((أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا﴾) أي على أن لا يؤتوا (﴿أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله﴾) يعني مسطحًا ولا تحذف في اليمين كثيرًا قال الله تعالى: ﴿ولا تجعلوا الله عرضة لأيمانكم﴾ ﴿أن تبروا﴾ يعني أن لا تبروا وقال امرؤ القيس: ٤٦٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة النور فقلت يمين الله أبرح قاعدًا. أي لا أبرح. (﴿وليعفوا وليصفحوا﴾) عمن خاض في أمر عائشة (﴿ألا تحبون أن يغفر الله لكم)) يخاطب أبا بكر (﴿والله غفور رحيم﴾) [النور: ٢٢] أي فإن الجزاء من جنس العمل فإذا غفرت يغفر لك وإذا صفحت يصفح عنك وسقط لأبي ذر من قوله والمهاجرين إلى آخر قوله: ﴿أن يغفر الله لكم﴾ وقال بعد قوله: (﴿والمساكين﴾) إلى قوله: ﴿والله غفور رحيم﴾. ٤٧٥٧ - حدّثنا وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشامِ بْنِ عُزْوَةً قال: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ عَائِشَةً قَالَتْ: لَمّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمْتُ بِهِ، قامَ رَسُولُ الله ◌َّرَ فِيَّ خَطِيبًا فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ الله وَأَثْنى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمَّ قالَ: ((أَمَّا بَعْدُ أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسِ أَبَنُوا أَهْلِي، وَآَيْمُ الله ما عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ، وَأَبَنُوهُمْ بِمَنْ وَالله ما عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُ وَلا يَدْخُلُ بَيْتِي قَطْ إِلاَّ وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلا غِبْتُ فِي سَفَرٍ إِلاَّ غَابَ مَعِي)). فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعاذٍ فَقالَ: أَتَذَنْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنْ نَضْرِبَ أَعْناقَهُمْ، وَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي الْخَزْرَجِ، وَكَانَتْ أُمُّ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ مِنْ رَهْطِ ذلِكَ الرَّجُلِ، فَقَالَ: كَذَبْتَ، أَمَا وَالله أَنْ لَوْ كانُوا مِنَ الأَوَسِ ما أَحْبَيْت أَنْ تُضْرَبَ أَغْناقُهُمْ، حَتَّى كَادَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ شَرِّ فِي الْمَسْجِدِ وَمَا عَلِمْتُ. فَلَمَّا كانَ مَساءُ ذلِكَ الْيَوْمِ خَرَجْتُ لِبَعْضٍ حاجَتِي وَمَعِي أُمُّ مِسْطَحِ، فَعَثَرَتْ وَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ، فَقُلْتُ أَيْ أُمْ تَسُبَيْنَ أَبْنَكِ؟ وَسَكَتَتْ. ثُمّ عَثَرَتِ الثَّانِيَةَ فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ، فَقُلْتُ لَها: تَسُبِينَ أَبْنَكِ؟ ثُمَّ عَثَرَتِ الثَّالِثَةَ، فَقالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحْ فَانْتَهَرْتُها، فَقالَتْ: وَاله ما أَسُبُهُ إِلاَّ فِيكِ. فَقُلْتُ: فِي أَيِّ شَأْنِي؟ قالَتْ فَبَقَرَتْ لِي الْحَدِيثَ. فَقُلْتُ: وَقَدْ كَانَ هَذا؟ قالَتْ: نَعَمْ وَالله، فَرَجَعْتُ إِلى بَيْتِي كَأَنَّ الَّذِي خَرَجْتُ لَهُ لا أَجِدُ مِنْهُ قَلِيلاً وَلا كَثِيرًا. وَوُعِكْتُ فَقُلْتُ لِرَسُولِ اللهِ وََّ: أَرْسِلْنِي إِلَى بَيْتٍ أَبِي، فَأَرْسَلَ مَعِي الْغُلامَ. فَدَخَلْتُ الدَّارَ فَوَجَدْتُ أُمَّ رُومانَ فِي السَّفْلِ وَأَبَا بَكْرٍ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ. فَقَالَتْ أُمّي: ما - ماءَ بِكِ يا بُنَيَّةُ؟ فَأَخْبَرْتُهَا وَذَكَرْتُ لَهَا الْحَدِيثَ، وَإِذَا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْها مِثْلَ ما بَلَغَ مِنِّي. فَقَالَتْ: يا بُنَيَّةُ خَفْضِي عَلَيْكِ الشَّأْنَ، فَإِنَّهُ وَالله لَقَلَّمَا كانَتِ امْرَأَةٌ قَطْ حَسْناءُ عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّها لَهَا ضَرائِرُ إِلَّ حَسَدْنَها وَقِيلَ فِيها. وَإِذا هُوَ لَمْ يَبْلُغْ مِنْها ما بَلَغَ مِنِّي. قُلْتُ: وَقَدْ عَلِمَ بِهِ أَبِي؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَرَسُولُ اللهِ وَِّ؟ قالَتْ: نَعَمْ وَرَسُولُ اللهِ وَّهَ. وَاسْتَعْبَرْتُ وَبَكَيْتُ، فَسَمِعَ أَبُو بَكْرٍ صَوْتِي وَهُوَ فَوْقَ الْبَيْتِ يَقْرَأُ. فَتَزَلَ فَقَالَ لِأُمِّي: ما شَأْنُها؟ قالَتْ: بَلَغَها الَّذِي ذُكِرَ مِنْ شَأْنِها، فَفاضَتْ عَيْنَاهُ. قَالَ: أَقْسَمْتُ عَلَيْكِ أَيْ بُنَّهُ إِلاَّ رَجَعْتِ إِلَى بَيْتِكِ فَرَجَعْتُ. وَلَقَدْ جاءَ رَسُولُ اللهِوَهُ بَيْتِي فَسَأَلَ عَنِّي خادِمَتِي فَقالَتْ: لا وَالله ما عَلِمْتُ عَلَيْها عَيْبًا إِلاَّ إِنَّها كانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاءُ فَتَأْكُلَ خَمِيرَها، أَوْ عَجِينَها. وَأَنْتَهَرَها بَعْضُ أَصْحابِهِ فَقالَ: أَصْدِقِي رَسُولَ اللهِ وَِّ حَتَّى أَسْقَطُوا لَها بِهِ. فَقالَتْ: سُبْحانَ الله، وَالله ما عَلِمْتُ عَلَيْها إِلاَّ ما يَعْلَمُ الصَّائِغُ عَلى تِيْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَّرِ.