Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الرعد
أو غير ذلك من الأحوال (﴿وما تغيض الأرحام﴾) [الرعد: ٨] (غيض) أي (نقص) بضم النون
وكسر القاف سواء كان لازمًا أو متعديًا يقال غاض الماء وغضته أنا والمعنى وما تغيضه الأرحام وما
تزداد أي تأخذه زائدًا، والمعنى يعلم ما تنقصه وما تزداده في الجثة والمدة والعدد فإن الرحم قد
تشتمل على واحد وعلى اثنين وعلى ثلاثة وأربعة يروى أن شريكًا كان رابع أربعة في بطن أمه،
وعن الشافعي أن شيخًا باليمن أخبره أن امرأة ولدت بطونًا في كل بطن خمسة. وعن العوفي عن
ابن عباس مما ذكره ابن كثير (وما تغيض الأرحام) يعني السقط وما تزداد يقول وما زاد الرحم في
الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر ومن تحمل
تسعة أشهر ومنهن من تزيد في الحمل ومنهن من تنقص، وأقصى مدة الحمل أربع سنين عندنا
وخمس عند مالك وسنتان عند أبي حنيفة. وقال الضحاك: وضعتني أن في بطنها سنتين وولدتني
وقد نبتت ثنيتي انتهى.
وأقول في سنة ثمان وثمانين وثمانمائة غرة يوم السبت مستهل جمادى الأولى ولدت ابنتي
زينب وفقها الله تعالى لكل خير وأحسن عواقبها وجعل لها الذرية الصالحة لتسعة أشهر من ابتداء
حملها وقد نبتت ثنيتها ثم سقطت بعد نحو سبعة أشهر.
وقال مكحول: الجنين في بطن أمه لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم وإنما يأتيه رزقه في بطن
أمه من دم حيضها فمن ثم لا تحيض الحامل، فإذا وقع إلى الأرض استهل واستهلاله استنكار
لمكانه فإذا قطعت سرته حوّل الله رزقه إلى ثدي أمه حتى لا يطلب ولا يحزن ولا يغتم ثم يصير
طفلاً يتناول الشيء بكفه فيأكل فإذا بلغ قال هو الموت أو القتل أنى لي بالرزق؟ يقول مكحول: يا
ويحك غذاك وأنت في بطن أمك وأنت طفل صغير حتى إذا اشتددت وعقلت قلت هو الموت أو
القتل أنى لي بالرزق؟ ثم قرأ مكحول ﴿يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد﴾
[الرعد: ٨] انتهى.
والإسناد إلى الرحم لا يخفى أنه مجازي إذ الفاعل حقيقة هو الله تعالى وكل كائن بقدر معين
عند الله تعالى لا يجاوز ولا ينقص عنه.
٤٦٩٧ - حدّلني إِبْراهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّه بْنٍ
دِينارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُما: أَنَّ رَسُول اللَّهِ وَ قَالَ: ((مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ، لاَ
يَعْلَمُها إِلاَّ الله لا يَعْلَمُ ما فِي غَدٍ إِلاَّ اللَّهُ، وَلا يَعْلَمُ ما تَغِيضُ الأَزْحامُ إِلَّ الله، وَلا يَعْلَمُ مَتى
يَأْتِي الْمَطَرُ أَحَدٌ إِلاَّ اللَّهُ، وَلا تَذْرِي نَفْسٌ بِأَيْ أَرْضٍ تَمُوتُ. وَلاَ يَعْلَمُ مَتى تَقُومُ السَّاعَةُ إِلاَّ
الله)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي بالحاء المهملة والزاي المعجمة قال:
(حدّثنا معن) بفتح الميم وسكون العين آخره نون ابن عيسى القزاز بالقاف والزاي المشددة وبعد
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢١

٣٢٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة إبراهيم
الألف زاي أخرى (قال حدثني) بالإفراد (مالك) الإمام (عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر رضي
الله تعالى عنهما) قال أبو مسعود: تفرد به إبراهيم بن المنذر وهو غريب عن مالك. قال في
الفتح: قد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الله بن إبراهيم بن المنذر وهو غريب عن مالك. قال
في الفتح: قد أخرجه الدارقطني من رواية عبد الله بن جعفر البرمكي عن معن ورواه أيضًا من
طريق القعنبي عن مالك لكنه اختصره وكذا أخرجه الإسماعيلي من طريق ابن القاسم عن مالك،
قال الدارقطني: ورواه أحمد بن أبي طيبة عن مالك عن نافع عن ابن عمر فوهم فيه إسنادًا ومتنًا
(أن رسول الله وَظهر قال):
(مفاتيح الغرب) بوزن مصابيح ولأبي ذر مفاتح بوزن مساجد جمع مفتح بفتح الميم أي
خزائن الغيب (خمس لا يعلمها إلا الله) ذكر خمسًا وإن كان الغيب لا يتناهى لأن العدد لا ينفي
الزائد أو لأنهم كانوا يعتقدون معرفتها (لا يعلم ما في غد إلا الله ولا يعلم ما تغيض الأرحام) أي
ما تنقصه (إلا الله ولا يعلم متى يأتي المطر أحد إلا الله) أي إلا عند أمر الله به فيعلم حينئذٍ
كالسابق إذا أمر تعالى به (ولا تدري نفس بأي أرض تموت) أي في بلدها أم في غيرها كما لا
تدري في أي وقت تموت (ولا يعلم متى تقوم الساعة) أحد (إلا الله) إلا من ارتضى من رسول
فإنه يطلعه على ما يشاء من غيبه والولي التابع له یأخذ عنه.
وقد سبق شيء من فوائد هذا الحديث في سورة الأنعام، فالتفت إليه كالاستسقاء ويأتي
الإلمام بشيء منه إن شاء الله تعالى في آخر سورة لقمان وبالله المستعان.
[١٤] سُورَةُ إِبْراهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ
(بِسْمِ اللهِ البِرَّحْمنِ الرَّحِيمِ). قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هادٍ: داعٍ، وَقَالَ مُجاهِدٌ صَدِيدٌ: فَيْحٌ وَدَمٌ.
وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ: أَذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ أَيَادِيَ اللهِ عِنْدَكُمْ وَأَيَّامَهُ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: مِنْ كُلِّ ما
سَأَلْتُمُوهُ رَغِبْتُمْ إِلَيْهِ فِيهِ، يَبْغُونَها عِوَجًا: يَلْتَمِسُونَ لَها عِوَجًا. وَإِذْ تَأَذِّنَ رَبُّكُمْ: أَعْلَمَكُمْ آذَنَكُمْ.
رَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَقْواهِهِمْ هَذا مَثَلٌ كَفُوا عَمَّا أُمِرُوا بِهِ. مَقامِي حَيْثُ يُقِيمُهُ اللهُ بَيْنَ يَدَيْهِ. مِنْ
وَرَائِهِ: قُدَّامِهِ. لَكُمْ تَبَعًا وَاحِدُها تَابِعٌ مِثْلُ غَيَبٍ وَغَائِبٍ. بِمُصْرِخِكُمْ: اسْتَصْرَخَنِي أُسْتَّغَاثَنِي
يَسْتَصْرِخُهُ مِنَ الصُّراخِ. وَلا خِلالَ مَصْدَرُ خالَلْتُهُ خِلالاً وَيَجُوزُ أَيْضًا جَمْعُ خُلَّةٍ وَخِلالٍ. اجْتُنْتِ:
آسْتُؤْصِلَتْ.
([١٤] سورة إبراهيم عليه الصلاة والسلام)
مكية وهي إحدى وخمسون آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم).
(باب) وسقطت البسملة لغير أبي ذر وكذا باب.

٣٢٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة إبراهيم
(قال ابن عباس) رضي الله عنهما في قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿ولكل قوم﴾ (﴿هاد))
[الرعد: ٧] أي (داع) يدعوهم إلى الصواب ويهديهم إلى الحق والمراد نبي مخصوص بمعجزات من
جنس ما هو الغالب غليهم، والظاهر أن وقوع ذلك هنا من ناسخ.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي ((صديد﴾) من قوله تعالى: ﴿ويسقى من ماء صديد﴾
[إبراهيم: ١٦] هو (قيح ودم) وقال قتادة هو ما يسيل من لحمه وجلده وفي رواية عنه ما يخرج
من جوف الكافر قد خالط القيح والدم وقيل ما يخرج من فروج الزناة وهل الصديد نعت أم لا؟
فقيل نعت لماء وفيه تأويلان: أحدهما: أنه على حذف أداة التشبيه أي ماء مثل صديد وعلى هذا
فليس الماء الذي يشربونه صديدًا بل مثله في النتن والغلظ والقذارة كقوله: ﴿وإن يستغيثوا يغاثوا
بماء كالمهل﴾ [الكهف: ٢٩] والثاني: إن الصديد لما كان يشبه الماء أطلق عليه ماء وليس هو بماء
حقيقة وعلى هذا فيشربون نفس الصديد المشبه بالماء وإلى كونه صفة ذهب الحوفي وغيره وفيه نظر
إذ ليس بمشتق إلا على قول من فسره بأنه صديد بمعنى مصدود أخذه من الصد وكأنه لكراهته
مصدود عنه أي يمتنع عنه كل أحد يدل عليه يتجرعه أي يتكلف جرعه وكذا لا يكاد، وسقط
وقال مجاهد الخ لأبي ذر.
(وقال ابن عيينة) سفيان مما وصله في تفسيره والطبري أيضًا: ((اذكروا نعمة الله عليكم))
[المائدة: ٢٠] أي (أيادي الله عندكم وأيامه) أي بوقائعه التي وقعت على الأمم الدارجة.
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي في قوله تعالى: وآتاكم (﴿من كل ما سألتموه﴾)
[إبراهيم: ٣٤] أي (رغبتم إليه فيه) وفي من قولان قيل زائدة في المفعول الثاني، وهذا إنما يأتي
على قول الأخفش، وقيل تبعيضية أي آتاكم بعض جميع ما سألتموه نظرًا لكم ولمصالحكم وعلى
هذا فالمفعول محذوف أي وآتاكم شيئًا من كل ما سألتموه وهو رأي سيبويه.
(﴿يبغونها عوجًا﴾) قال مجاهد فيما وصله عبد بن حميد (يلتمسون) ولأبي ذر تبغونها
تلتمسون بالفوقية بدل التحتية فيهما (لها عوجًا) أي زيغًا ونكوبًا عن الحق ليقدحوا فيه وأشار بقوله
لها إلى الأصل ولكنه حذف الجار وأوصل الفعل والإضلال يكون بالسعي في صدّ الغير وبإلقاء
الشك والشبهات في المذهب الحق ويحاول تقبيح الحق بكل ما يقدر عليه وهذا النهاية.
(﴿وإذ تأذن ربكم﴾) أي (أعلمكم آذنكم) بمدّ الهمزة والمعنى آذن إيذانًا بليغًا لما في تفعل
من التكلف وفي رواية أبي ذر كما في فتح الباري أعلمكم ربكم أي إن شكرتم نعمتي من الإنجاء
وغيره بالإيمان وصالحات الأعمال لأزيدنكم النعم وإن جحدتموها فإن عذابي بسلبها في الدنيا
والنار في العقبى في غاية الشدة.
(﴿ردوا﴾) يريد قوله تعالى: فردوا (﴿أيديهم في أفواههم﴾) قال أبو عبيدة (هذا مثل) ومعناه
(كفوا عما أمروا به) من الحق ولم يؤمنوا به قال في الفتح وقد تعقبوا كلام أبي عبيدة بأنه لم يسمع

٣٢٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة إبراهيم
من العرب ردّ يده في فيه إذا ترك الشيء الذي كان يفعله اهـ.
وهذا الذي قاله أبو عبيدة قاله أيضًا الأخفش وأنكره القتيبي ولفظه كما في اللباب لم يسمع
أحد يقول ردّ يده إلى فيه إذا ترك ما أمر به. وأجيب: بأن المثبت مقدم على النافي قال في الدر:
والضمائر الثلاثة يجوز أن تكون للكفار أي فردّ الكفار أيديهم في أفواههم من الغيظ كقوله تعالى:
﴿عضوا عليكم الأنامل من الغيظ﴾ [آل عمران: ١١٩] ففي على بابها من الظرفية أو فردوا أيديهم
على أفواههم ضحكًا واستهزاء ففي بمعنى على أو أشاروا بأيديهم إلى ألسنتهم وما نطقوا به من
قولهم إنا كفرنا ففي بمعنى إلى وأن يكون الأوّلان للكفار والأخير للرسل أي فرد الكفار أيديهم
في أفواه الرسل أي أطبقوا أفواههم يشيرون إليهم بالسكوت.
وقوله: ذلك لمن خاف (﴿مقامي﴾) [إبراهيم: ١٤] قال ابن عباس: (حيث يقيمه الله بين
يديه) يوم القيامة للحساب.
وقوله: (﴿من ورائه﴾) أي من (قدامه) ولأبي ذر قدامه جهنم بنصب ميم قدامه وهذا قول
الأكثر وهو من الأضداد وعليه قوله:
عسى الكرب الذي أمسيت فيه يكون وراءه فرج قريب
أي قدامه وقول الآخر :
أليس ورائي إن تراخت منيتي لزوم العصا تحنى عليها الأضالع
وقيل: بعد موته.
وقوله تعالى: (﴿إنا كنا لكم تبعًا﴾) قال أبو عبيدة: (واحدها تابع مثل غيب وغائب) وخدم
وخادم أي يقول الضعفاء للذين استكبروا أي لرؤسائهم الذين استتبعوهم إنا كنا لكم تبعًا في
التكذيب للرسل والإعراض عنهم.
وقوله تعالى: ((ما أنا بمصرخكم﴾) يقال: (استصرخني) أي (استغاثني) فكأن همزته
للسلب أي أزال صراخي (يستصرخه من الصراخ) والمعنى ما أنا بمغيثكم من العذاب وسقط لأبي
ذر قوله: بمصرخكم الخ (﴿ولا خلال﴾ مصدر خاللته خلالاً) قال طرفة:
كل خليل كنت خاللته لا ترك الله له واضحه
(ويجوز أيضًا جمع خلة وخلال) كبرمة وبرام وهذا قاله الأخفش والجمهور على الأوّل
والمخاللة المصاحبة.
(﴿اجتثت﴾) من قوله تعالى: ﴿كشجرة: خبيثة اجتثت﴾ [إبراهيم: ٢٦] أي (استؤصلت)
وأخذت جثتها بالكلية قال لقيط الأيادي:
هذا الخلاء الذي يجتث أصلكم فمن رأى مثل ذا آت ومن سمعا

٣٢٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة إبراهيم
١ - باب قَوْلِهِ: ﴿كَشَجَرَةٍ طَيْبَةٍ أَضْلُها ثابِثٌ
وَفَرْعُها فِي السَّماءِ تُؤْتِي أَكُلَها كُلَّ حِينٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤، ٢٥]
(باب قوله) تعالى: (﴿كشجرة طيبة﴾) مثمرة طيبة الثمار كالنخلة وشجرة التين والعنب
والرمان (﴿أصلها ثابت﴾) راسخ في الأرض ضارب بعروقه فيها آمن من الانقطاع والزوال
(﴿وفرعها﴾) أعلاها (﴿في السماء﴾) لأن ارتفاع الأغصان يدل على ثبات الأصل ومتى ارتفعت
كانت بعيدة عن عفونات الأرض فثمارها نقية طاهرة عن جميع الشوائب (﴿تؤتي أكلها﴾) تعطي
ثمرها (﴿كل حين﴾) [إبراهيم: ٢٤، ٢٥] أقته الله تعالى لأثمارها.
وقال الربيع بن أنس: كل حين أي غدوة وعشية لأن ثمر النخل يؤكل أبدًا ليلاً ونهارًا صيفًا
وشتاءً إما تمرًا أو رطبًا أو بسرًا كذلك عمل المؤمن يصعد أوّل النهار وآخره وبركة إيمانه لا تنقطع
أبدًا بل تتصل إليه في كل وقت والاستفهام في قوله: ﴿ألم تر كيف ضرب الله مثلاً﴾ [إبراهيم:
٢٤] للتقرير وفائدته الإيقاظ له أي ألم تعلم والكلمة الطيبة كلمة التوحيد أو كل كلمة حسنة كالحمد
والاستغفار والتهليل. وعن ابن عباس هي شجرة في الجنة أصلها ثابت في الأرض وأعلاها في
السماء كذلك أصل هذه الكلمة راسخ في قلب المؤمن بالمعرفة والتصديق فإذا تكلم بها عرجت ولا
تحجب حتى تنتهي إلى الله تعالى قال عز وجل: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾
[فاطر: ١٠] وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر وله وفرعها الخ وقال بعد قوله ثابت الآية.
٤٦٩٨ - حدّثني عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، عَنْ أَبِي أُسامَةَ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ نافِعِ عَن ابْنٍ
عُمَرَ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُمَا قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ وَِّ فَقالَ: ((أَخْبِرُونِي بِشَجَرَةٍ تُشْبِهُ أَوْ
كَالرَّجُلِ الْمُسْلِمِ لا يَتَحاتُ وَرَقُها وَلاَ وَلاَ وَلاَ تُؤْتِي أُكْلَها كُلَّ حِينٍ)) قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَوَقَعَ فِي
نَفْسِي أَنَّها النَّخْلَّةُ وَرَأَيْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لا يَتَكَلَّمَانِ فَكْرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ فَلَمَّا لَمْ يَقُولُوا شَيْئًا قَالَ
رَسُولُ اللهِ وَ: ((هِيَ النَّخْلَةُ) فَلَمَّا قُمْنا قُلْتُ لِعُمَرَ: يَا أَبَتَاهُ وَالله لَقَدْ كانَ وَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّها
النَّخْلَةُ. فَقالَ: مَا مَنَعَكَ أَنْ تَكَلَّمَ؟ قَالَ: لَمْ أَرَكُمْ تَكَلَّمُونَ فَكَرِهْتُ أَنْ أَتَكَلَّمَ أَوْ أَقُولَ شَيْئًا. قالَ
عُمَرُ: لِأَنْ تَكُونَ قُلْتَها أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كَذا وَكَذَا.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر حدّثنا (عبيد بن إسماعيل) القرشي الهباري اسمه
عبد الله وعبيد لقب غلب عليه (عن أبي أسامة) حماد بن أسامة (عن عبيد الله) بضم العين مصغرًا
ابن عمر العمري (عن نافع) مولى ابن عمر (عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: كنا
عند رسول الله وَلخي فقال):
(أخبروني بشجرة تشبه) ولأبي ذر: شبه (أو كالرجل المسلم) شك من الراوي (لا يتحات)
بتشديد الفوقية آخره أي لا يتناثر (ورقها ولا ولا ولا) ذكر ثلاث صفات أخر للشجرة لم يبينها
.

٣٢٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة إبراهيم
الراوي واكتفى بذكر كلمة لا ثلاثًا وقد ذكروا في تفسيره ولا ينقطع ثمرها ولا يعدم فيئها ولا
يبطل نفعها (تؤتي أكلها كل حين) وقت (قال ابن عمر: فوقع في نفسي أنها النخلة ورأيت أبا
بكر وعمر) رضي الله تعالى عنهما (لا يتكلمان فكرهت أن أتكلم) هيبة منهما وتوقيرًا (فلما لم
يقولوا) أي الحاضرون، ولأبي ذر عن الكشميهني فلم يقولا أي العمران (شيئًا قال
رسول الله قطر: هي النخلة) والحكمة في تمثيل الإسلام بالشجرة أن الشجرة لا تكون شجرة إلا
بثلاثة أشياء عرق راسخ وأصل قائم وفرع عال، كذلك الإيمان لا يتم إلا بثلاثة أشياء تصديق
بالقلب وقول باللسان وعمل بالأبدان (فلما قمنا قلت لعمر يا أبتاه) بسكون الهاء مصححًا عليها
في الفرع وأصله وفي غيرهما بضمها (والله لقد كان وقع في نفسي أنها النخلة فقال) أي عمر
(ما منعك أن تكلم) بحذف إحدى التاءين (قال) أي ابن عمر قلت: (لم أركم تكلمون) بحذف
إحدى التاءين أيضًا (فكرهت أن أتكلم أو أقول شيئًا. قال عمر: لأن تكون قلتها أحب إلي من
كذا وكذا) أي من حمر النعم كما في الرواية الأخرى، وقد وضح أن المراد بالشجرة في الآية
النخلة لا شجرة الجوز الهندي.
نعم أخرج ابن مردويه من حديث ابن عباس بإسناد ضعيف في الآية قال: هي شجرة جوز
الهند لا تتعطل من ثمرة تحمل كل شهر اهـ.
ونفع النخلة موجود في جميع أجزائها مستمر في جميع أحوالها فمن حين تطلع إلى حين
تيبس تؤكل أنواعًا ثم ينتفع بجميع أجزائها حتى النوى في علف الإبل والليف في الحبال وغير
ذلك مما لا يخفى.
وقد سبق هذا الحديث في كتاب العلم.
٢ - باب ﴿يُثَبِّتُ الله الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: ٢٧]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾)
[إبراهيم: ٢٧] كلمة التوحيد لا إله إلا الله لأنها رسخت في القلب بالدليل أي يديمهم الله عليها
كما اطمأنت إليها نفوسهم في الدنيا والجمهور على أنها نزلت في سؤال المكلفين في القبر فيلقن
الله المؤمن كلمة الحق عند السؤال فلا يزل وسقط باب لغير أبي ذر.
٤٦٩٩ - حدّثنا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ مَرْثَدٍ، قالَ: سَمِعْتُ
سَعْدَ بْنَ عُبَيْدَةَ، عَنِ الْبَراءِ بْنِ عازِبٍ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِوَ ◌ّرِ قَالَ: ((الْمُسْلِمُ إِذا
سُئِلَ فِي الْقَبْرِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلْهَ إِلاَّ الله وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله)) فَذَلِكَ قَوْلُهُ: ﴿يُثَبْتُ اللهِ الَّذِينَ آمَنُوا
بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾.
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج

٣٢٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة إبراهيم
(قال: أخبرني) بالإفراد (علقمة بن مرثد) بفتح الميم والمثلثة بينهما راء ساكنة الحضرمي أبو الحارث
الكوفي (قال: سمعت سعد بن عبيدة) بسكون عين سعد وضمها في عبيدة مصغرًا غير مضاف
(عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه أن رسول الله وَ الخير قال):
(المسلم إذا سئل في القبر) أي بعد إعادة روحه إلى جسده عن ربه ودينه ونبيه (يشهد أن لا
إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله فذلك قوله) عز وجل: (﴿يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت﴾)
الذي ثبت بالحجة عندهم (﴿في الحياة الدنيا﴾) قبل الموت كما ثبت في الذين فتنهم أصحاب
الأخدود والذين نشروا بالمناشير (﴿وفي الآخرة﴾) في القبر بعد إعادة روحه في جسده وسؤال
الملكين له، وإنما حصل لهم الثبات في القبر بسبب مواظبتهم في الدنيا على هذا القول، ولا يخفى
أن كل شيء كانت المواظبة عليه أكثر كان رسوخه في القلب أتم ثبتنا الله بالقول الثابت في الحياة
الدنيا وفي الآخرة بمنه وكرمه وقيل في الحياة الدنيا في القبر عند السؤال وفي الآخرة عند البعث
إذا سئلوا عن معتقدهم في الموقف فلا يتلعثمون ولا تدهشهم أهوال القيامة.
وهذا الحديث قد سبق في باب ما جاء في عذاب القبر من الجنائز.
٣ - باب ﴿أَلَّمْ تَرَ إِلى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ الله كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨]
أَلَمْ تَعْلَمْ كَقَوْلِهِ ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ﴾ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا﴾
﴿الْبَوارُ﴾: الْهَلاكُ بارَ يَيُورُ بَوْرًا. ﴿قَوْمًا بُورًا﴾: هاِكِينَ
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط لغير أبي ذر في قوله: (﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله
كفرًا﴾﴾ [إبراهيم: ٢٨] قال أبو عبيدة: (ألم تعلم) ولأبي ذر: ألم تر (كقوله) تعالى: (﴿ألم تر
كيف﴾ (ألم تر إلى الذين خرجوا﴾) إذ الرؤية بالأبصار غير حاصلة إما لتعذرها أو لتعسرها عادة
وفي الآية حذف مضاف أي غيروا شكر نعمة الله كفرًا بأن وضعوه مكانه وقول صاحب الأنوار
كالكشاف أو بدلوا نفس النعمة كفرًا فإنهم لما كفروها سلبت منهم فصاروا تاركين لها محصلين
الكفر بدلها تعقب بأنه ليس بقوي لأنه يقتضي حدوث الكفر حينئذٍ وهم قد كانوا كفارًا من قبل
وهذا ظاهر لا خفاء فيه.
(﴿البوار﴾) في قوله تعالى: ﴿وأحلوا قومهم دار البوار﴾ [إبراهيم: ٢٨] هو (الهلاك) قال:
فلم أر مثلهم أبطال حرب غداة الروع إذ خيف البوار
وأصله من الكساد كما قيل:
كسد حتى فسد، ولما كان الكساد يؤدي إلى الفساد والهلاك أطلق عليه البوار والفعل منه
(بار يبور بورًا) بفتح الموحدة وسكون الواو (﴿قومًا بورًا﴾) أي (هالكين) قاله أبو عبيدة وغيره،

٣٢٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
ويحتمل أن يكون بورًا مصدرًا وصف به الجمع وأن يكون جمع بائر في المعنى ومن وقوع البور على
الواحد قوله :
يا رسول المليك إن لساني راتق ما فتقت إذ أنا بور
وثبت قوله قومًا بورًا لأبي ذر.
٤٧٠٠ - حدّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عَطاءٍ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ
﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا﴾ [إبراهيم: ٢٨] قالَ: هُمْ كُفَّارُ أهْلِ مَكَّةً.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدثنا سفيان) بن عيينة (عن عمرو) هو
ابن دينار (عن عطاء) هو ابن أبي رباح أنه (سمع ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما يقول في قوله
تعالى: ((ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرًا﴾ قال: هم كفار أهل مكة) وعند الطبري من طريق
أخرى عن ابن عباس أنه سأل عمر عن هذه الآية فقال من هم؟ قال هم الأفجران من بني مخزوم
وبني أمية أخوالي وأعمامك فأما أخوالي فاستأصلهم الله يوم بدر وأما أعمامك فأملى الله لهم إلى
حين والمراد كما في الفتح بعض بني أمية وبني مخزوم فإن بني مخزوم لم يستأصلوا يوم بدر بل
المراد بعضهم كأبي جهل من بني مخزوم وأبي سفيان من بني أمية وعنده أيضًا من وجه آخر ضعيف
عن ابن عباس هم جبلة بن الأيهم والذين اتبعوه من العرب فلحقوا بالروم. قال الحافظ ابن كثير
والمشهور الصحيح عن ابن عباس هو القول الأول وإن كان المعنى يعم جميع الكفار فإن الله تعالى
بعث محمدًاً مَّ رحمة للعالمين ونعمة للناس.
وهذا الحديث ذكره في غزوة بدر.
[١٥] سُورَةُ الْحِجْرِ
وَقَالَ مُجاهِدٌ: صِراطْ عَلَيَّ مُسْتَقِيمُ الْحَقُّ يَرْجِعُ إِلَى اللهِ وَعَلَيْهِ طَرِيقُهُ. لَبِإِمامِ مُبِينٍ عَلَى
الطَّرِيقِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: لَعَمْرُكَ: لَعَيْشُكَ، قَوْمٌ مُنْكُرُونَ أَنْكَرَهُمْ لُوطُ. وَقَالَ غَيْرُهُ: كِتَابٌ
مَعْلُومُ: أَجَلٌ. لَوْ ما تَأْتِينا: هَلاَ تَأْتِينا. شِيَعْ: أُمَمْ. وَلِلأَوْلِياءِ أَيْضًا شِيَعٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
يُهْرَعُونَ: مُسْرِعِينَ. لِلْمُتَوَسِمِينَ: لِلنَّاظِرِينَ. سُكْرَتْ: غُشْيَتْ. بُرُوجَا: مَنازِلَ لِلشّمْسِ وَالْقَمَرِ.
لَواقِحَ: مَلَاقِحَ مُلْقِحَةً. حَمَا: جَماعَةُ حَمْأَةٍ وَهُوَ الطِّينُ الْمُتَغَيِّرُ. وَالْمَسْئُونُ: الْمَصْبُوبُ. تَوْجَلْ:
تَخَفْ. دابِرَ: آخِرَ. لَبِإِمامِ مُبِينٍ: الإمامُ كُلُّ ما أَتْتَمَمْتَ وَاهْتَدَيْتَ بِهِ. الصَّيْحَةُ: الْهَلَكَةُ.
([١٥] سورة الحجر)
ولأبي ذر عن المستملي تفسير سورة الحجر وهي مكية وآيها تسع وتسعون، وزاد أبو ذر:
بسم الله الرحمن الرحيم.

٣٢٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
(وقال مجاهد) هو ابن جبر فيما وصله الطبري من طرق عنه في قوله تعالى: هذا (﴿صراط
علّ مستقيم)) [الحجر: ٤١] معناه (الحق يرجع إلى الله وعليه طريقه) لا يعرّج على شيء. وقال
الأخفش: علّ الدلالة على الصراط المستقيم، وقال غيرهما أي من مر عليه مرّ علّ أي على
رضواني وكرامتي وقيل عليّ بمعنى إلي وهذا إشارة إلى الإخلاص المفيض من المخلصين وقيل إلى
انتفاء تزيينه وإغوائه.
وقوله: وإنهما (﴿لبإمام مبين﴾) [الحجر: ٧٩] أي (على الطريق) الواضح والإمام اسم لما
يؤتم به. قال الفراء والزجاج: إنما جعل الطريق إمامًا لأنه يؤم ويتبع. قال ابن قتيبة: لأن المسافر
يأتم به حتى يصير إلى الموضع الذي يريده ومبين أي في نفسه أو مبين لغيره لأن الطريق يهدي إلى
المقصد وضمير التثنية في وإنهما الأرجح أنه لقريتي قوم لوط وأصحاب الأيكة وهم قوم شعيب
لتقدمهما ذكرًا وقوله (لبإمام مبين على الطريق) ثابت لأبي ذر عن المستملي.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم في قوله (﴿لعمرك﴾)
معناه (لعيشك) والعمر والعمر بفتح العين وضمها واحد وهما مدة الحياة ولا يستعمل في القسم
إلا بالفتح. وفي هذه الآية شرف نبينا محمد بي لتر لأن الله تعالى أقسم بحياته ولم يفعل ذلك البشر
سواه على ما نقل عن ابن عباس، أو الخطاب هنا للوط عليه الصلاة والسلام. قالت الملائكة له
ذلك، والتقدير لعمرك قسمي والقسم بالعمر في القرآن وأشعار العرب وفصيح كلامها في غير
موضع، وهو من الأسماء اللازمة للإضافة فلا يقطع عنها ويضاف لكل شيء، لكن منع بعض
أصحاب المعاني فيما ذكره الزهراوي إضافته إلى الله لأنه لا يقال لله تعالى عمر، وإنما هو بقاء أزلي
وقد سمع إضافته إلى الله تعالى قال:
إذا رضيت عليّ بنوقشير لعمر الله أعجبني رضاها
ومنع بعضهم إضافته إلى ياء المتكلم قال لأنه حلف بحياة المقسم وقد ورد ذلك قال النابغة:
لعمري وما عمري عليّ بهين لقد نطقت بطلاً عليّ الأقارع
(﴿قوم منكرون﴾ [الحجر: ٦٢] أنكرهم لوط) قيل لأنهم سلموا ولم يكن من عادتهم وقيل
لأنهم كانوا على صورة الشباب المرد فخاف هجوم القوم فقال هذه الكلمة يعني تنكركم نفسي
وتنفر عنكم فقالت الملائكة ما جئناك بما تنكر بل جئناك بما يسرك ويشفي لك من عدوّك وهو
العذاب الذي توعدتهم به فيمترون فيه وسقط قوله لعمرك إلى هنا لأبي ذر إلا في رواية المستملي.
(وقال غيره) غير ابن عباس في قوله تعالى: (﴿إلا ولها كتاب معلوم﴾) [الحجر: ٤] أي
(أجل) أي أن الله تعالى لا يهلك أهل قرية إلا ولها أجل مقدر كتب في اللوح المحفوظ أو كتاب
مختص به.
(﴿لو ما تأتينا﴾) أي (هلا تأتينا) يا محمد بالملائكة لتصديق دعواك إن كنت صادقًا أو

٣٣٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
لتعذيبنا على تكذيبك كما جاءت الأمم السابقة فإنا نصدقك حينئذٍ فقال الله تعالى ما تنزل الملائكة
إلا تنزيلاً ملتبسًا بالحق أي الوجه الذي قدرناه واقتضته حكمتنا ولا حكمة في إتيانكم فإنكم لا
تزدادون إلا عنادًا وكذا لا حكمة في استئصالكم مع أنه سبقت كلمتنا بإيمان بعضكم أو أولادكم
وسقط لفظ تأتينا لأبي ذر.
(﴿شيع﴾) في قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا من قبلك في شيع الأولين﴾ [الحجر: ١٠] معناه
(أمم)، قاله أبو عبيدة (و) يقال (للأولياء أيضًا شيع). وقال: غيره: شيع جمع شيعة وهي الفرقة
المتفقة على طريق ومذهب من شاعه إذا تبعه ومفعول أرسلنا في قوله (ولقد أرسلنا من قبلك)
محذوف أي أرسلنا رسلاً من قبلك دل الإرسال عليهم وفيه تسلية للنبي وَّ و حيث نسبوه إلى
الجنون أي عادة هؤلاء مع الرسل ذلك.
(وقال ابن عباس) فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله تعالى
في سورة هود: ﴿وجاءه قومه﴾ ﴿يهرعون﴾ [هود: ٧٨] أي (مسرعين) إليه.
وقوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات﴾ (﴿للمتوسمين)) [الحجر: ٧٥] أي (للناظرين) قال
ثعلب الواسم الناظر إليك من قرنك إلى قدمك وفيه معنى التثبت الذي هو الأصل في التوسم
وقال الزجاج: حقيقة المتوسمين في اللغة المتثبتين في نظرهم حتى يعرفوا سمة الشيء وعلامته وهو
استقصاء وجوه التعرف قال :
أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثت إليّ عريفها يتوسم
وقال مجاهد: معنى الآية للمتفرسين، وقال قتادة للمعتبرين، وقال مقاتل للمتفكرين، والمراد
صيحة العذاب الذي أخذ قوم لوط داخلين في شروق الشمس رفع جبريل عليه الصلاة والسلام
مدينتهم إلى السماء ثم قلبها وسقط قوله وقال ابن عباس إلى للناظرين لأبي ذر.
وقوله تعالى: ﴿لقالوا إنما﴾ (﴿سكرت)) [الحجر: ١٥] بتشديد الكاف أي (غُشيت) بضم
الغين وتشديد الشين المكسورة المعجمتين وقيل سدت يعني لو فتحنا على هؤلاء المقترحين بابًا من
السماء فظلوا صاعدين إليها مشاهدين لعجائبها أو مشاهدين لصعود الملائكة وهو جواب لقوله:
﴿لو ما تأتينا بالملائكة﴾ لقولوا لشدة عنادهم إنما غشيت أو سدت أبصارنا بالسحر وسقط من قوله
وقال مجاهد إلى هنا للحموي والكشميهني.
وقوله: ﴿أرسلنا ولقد جعلنا في السماء﴾ (﴿بُروجَا﴾﴾ [الحجر: ١٦] أي (منازل للشمس
والقمر). قال عطية هي قصور في السماء عليها الحرس.
وقوله: ﴿أرسلنا الرياح﴾ (﴿لواقح)) [الحجر: ٢٢] أي (ملاقح) و (ملقحة) بفتح القاف
وكسرها جمعه لأنه من ألقح يلقح فهو ملقح فحقه ملاقح فحذفت الميم تخفيفًا وهذا قول أبي عبيدة
قال الجوهري ولا يقال ملاقح وهو من النوادر وقيل لواقح جمع لاقح يقال لقحت الريح إذا حملت

٣٣١
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
الماء وقال الأزهري حوامل السحاب كقولك ألقحت الناقة فلقحت إذا حملت الجنين في بطنها
فشبهت الريح بها قال:
إذا لقحت حرب عوان مضرة ضروس تهزّ الناس أنيابها عصل
قال ابن عباس: الرياح لواقح الشجر والسحاب. وقال عبيد بن عمير: يبعث الله الريح
المبشرة فتقم الأرض قمًّا ثم يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف السحاب بعضه
إلى بعض فتجعله ركامًا ثم يبعث اللواقح فتلقح الشجر، وقال أبو بكر بن عياش: لا تقطر قطرة
من السماء إلا بعد أن تعمل الرياح الأربعة فيه فالصبا تهيجه والشمال تجمعه والجنوب تذره
والدبور تفرقه.
وقوله: من ((حما﴾) هو (جماعة حمأة) بفتح الحاء وسكون الميم (وهو الطين المتغير) الذي
اسود من طول مجاورة الماء.
(والمسنون) هو (المصبوب) لييبس كأنه أفرغ الحمأ فصور فيه تمثال إنسان أجوف فيبس حتى
إذا نقر صلصل ثم غيره بعد ذلك طورًا بعد طور حتى سواه ونفخ فيه من روحه.
لا (﴿توجل﴾) أي لا (تخف) وكان خوفه من توقع مكروه حيث دخلوا بغير إذن في غير
وقت الدخول.
(دابر) في قوله: ﴿وقضينا إليه ذلك الأمر أن دابر هؤلاء﴾ [الحجر: ٦٦] أي (آخر) هؤلاء
مقطوع مستأصل يعني يستأصلون عن آخرهم حتى لا يبقى منهم أحد.
(﴿لبإمام مبين﴾) [الحجر: ٧٩] قال أبو عبيدة (الإمام كل ما ائتممت واهتديت به) وسبق
فيه زيادة حيث ذكر في هذه السورة فالتفت إليه وسقط قوله ﴿لبإمام﴾ إلى هنا للحموي
والکشمیهني.
(الصيحة) أي أخذتهم (الهلكة) وزاد أبو ذر هنا باب قوله جل وعلا:
١ - باب ﴿إِلَّ مَنِ أَسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهابٌ مُبِينٌ﴾ [الحجر: ١٨]
(﴿إِلا من استرق السمع﴾) [الحجر: ١٨] الاستثناء منقطع أي لكن من استرق السمع أو
متصل، والمعنى أنها لم تحفظ منه ومحل الاستثناء على الوجهين نصب ويجوز أن يكون في محل جر
بدلاً من كل شيطان أو رفع بالابتداء وخبره الجملة من قوله فاتبعه فيكون منقطعًا واستراقهم
اختلاسهم سرًا (﴿فأتبعه شهاب مبين﴾) شعلة من نار تظهر للناظر على شكل العمود وتطلق
للكوكب والسنان لما فيهما من البريق.
٤٧٠١ - حدّثنا عَلِي بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ

٣٣٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ وَ ◌ّهِ قالَ: ((إِذا قَضى اللَّهُ الأَمْرَ فِي السَّماءِ ضَرَبَتِ الْمَلائِكَةُ بِأَجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ
كَالسِّلْسِلَةٍ عَلَى صَفْوانٍ)) قالَ عَلِيٍّ: وَقَالَ غَيْرُهُ: صَفْوانٍ يَنْفُذُهُمْ ذَلِكَ فَإِذا فُزْعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا:
ماذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا: لِلَّذِي قالَ الْحَقَّ: وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، فَيَسْمَعُها مُسْتَرقُو السَّمْعِ: وَمُسْتَرِقُو
السَّمْعِ هَكَذَا واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ وَوَصَفَ سُفْيَانُ بِيَدِهِ وَفَرَّجَ بَيْنَ أَصابِعِ يَدِهِ الْيُمْنَى نَصَبَها بَعْضَها فَوْقَ
بَعْضٍ فَرُبَّمَا أَدرَكَ الشِّهابُ الْمُسْتَمِعُ قَبْلَ أَنْ يَرْمِيَ بِها إِلى صاحِبِهِ، فَيُخْرِقُهُ وَرُبَّما لَمْ يُذْرِكُهُ حَتَّى
يَرْمِيَ بِهَا إِلَى الَّذِي يَلِيهِ إِلَى الَّذِي هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ حَتَّى يُلْقُوهَا إِلى الأَرْضِ وَرُبَّما قالَ سُفْيَانُ: حَتَّى
تَنْتَهِيَ إِلَى الأَرْضِ فَتُلْقَى عَلَى فَمِ السَّاحِرِ فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةً كَذْبَةٍ فَيَصْدُقُ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ يُخْبِرْنا
يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، يَكُونُ كَذا وَكَذَا فَوَجَدْناهُ حَقًّا لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا سفيان) هو ابن عيينة (عن عمرو)
هو ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه (يبلغ به
النبي ◌َّ﴾﴾ لم يقل سمعت بدل يبلغ لاحتمال الواسطة أو نسي كيفية التحمل أنه (قال):
(إذا قضى الله الأمر) أي إذا حكم الله بأمر من الأمور (في السماء) ولأبي ذر إذا قضي بضم
القاف مبنيًا للمفعول الأمر رفع نائب عن الفاعل (ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا) بضم الخاء
وسكون الضاد المعجمتين مصدر بمعنى خاضعين أي منقادين طائعين (لقوله) تعالى (﴿كالسلسلة﴾)
أي القول المسموع يشبه صوت وقع السلسلة (على صفوان) بسكون الفاء وهو الحجر الأملس،
ولأبي ذر وأبي الوقت والأصيلي وابن عساكر: كأنه سلسلة وللأصيلي أيضًا كأنها وفي حديث ابن
مسعود مرفوعًا عند ابن مردويه: (إذا تكلم الله بالوحي يسمع أهل السموات صلصلة كصلصلة
السلسلة على الصوفان فيفزعون ويرون أنه من أمر الساعة).
(قال علي) قال الكرماني هو ابن المديني شيخ المؤلف (وقال غيره) أي غير سفيان بن عيينة
ولم يعرف الحافظ ابن حجر هذا الغير (صفوان) بفتح الفاء (ينفذهم) بفتح التحتية وضم الفاء
بعدها ذال معجمة (ذلك) القول ولا ضمير في ينفذهم إلى الملائكة أي ينفذ الله القول إليهم (فإذا
فزع) أي أزيل الخوف (عن قلوبهم قالوا) أي الملائكة (ماذا قال ربكم: قالوا) أي المقربون من
الملائكة كجبريل وميكائيل مجيبين (للذي قال) يسأل قال الله القول (الحق وهو العلي الكبير).
وفي حديث النّاس بن سمعان عند الطبراني مرفوعًا: ((إذا تكلم الله بالوحي أخذت السماء
رجفة شديدة من خوف الله فإذا سمع بذلك أهل السماء صعقوا وخروا سجدًا فيكون أوّلهم يرفع
رأسه جبريل فيكلمه الله من وحيه بما أراد فينتهي به على الملائكة كلما مر بسماء سأله أهلها ماذا
قال ربنا؟ قال الحق فينتهي به حيث أمر)).
(فيسمعها) أي تلك الكلمة وهي القول الذي قاله الله (مسترقو السمع) بحذف النون
للإضافة (ومسترقو السمع) ولأبي ذر: ومسترق السمع بالإفراد مبتدأ خبره (هكذا واحد فوق آخر

٣٣٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
ووصف سفيان) بن عيينة كيفية المستمعين بركوب بعضهم على بعض (بيده وفرج) ولأبي ذر ففرّج
بالفاء بدل الواو (بين أصابع يده اليمنى نصبها بعضها فوق بعض) والجملة اعتراض بين قوله فوق
آخر وبين قوله (فربما أدرك الشهاب المستمع قبل أن يرمي بها) أي بالكلمة (إلى صاحبه) ولأبي ذر
يرمى بالبناء للمجهول به بالتذكير (فيحرقه) بالنصب عطفًا على السابق ولأبي ذر فيحرقه بالرفع
(وربما لم يدركه) الشهاب (حتى يرمي بها) ولأبي ذر حتى يرمى بها بضم الياء وفتح الميم مبنيًا
للمفعول (إلى الذي يليه إلى الذين هو أسفل) بالرفع (منه) ولأبي ذر: أسفل بالنصب على الظرفية
وقوله إلى الذي هو أسفل بدل من سابقه (حتى يلقوها إلى الأرض، وربما قال سفيان) بن عيينة
(حتى تنتهي إلى الأرض) جملة اعتراض (فتلقى) بضم التاء مبنيًا للمفعول أي الكلمة (على فم
الساحر) وهو المنجم (فيكذب معها) أي مع تلك الكلمة الملقاة (مائة كذبة) بفتح الكاف وسكون
المعجمة (فيصدق) بفتح التحتية وسكون الصاد ولأبي ذر فيصدّق مبنيًا للمفعول الساحر في كذباته
(فيقولون) أي السامعون منه: (ألم يخبرنا) الساحر ولأبي ذر عن الكشميهني: ألم يخبرونا أي السحرة
فيكون لفظ المفرد في الأوّل للجنس (يوم كذا وكذا يكون كذا وكذا) كناية عن الخرافات التي أخبر
بها الساحر (فوجدناه) أي الخبر الذي أخبر به (حقًّا للكلمة) أي لأجل الكلمة (التي سمعت من
السماء).
وهذا الحديث أخرجه المؤلف في التفسير أيضًا وفي التوحيد، وأبو داود في الحروف،
والترمذي في التفسير، وأخرجه ابن ماجه في السنّة.
٠٠٠٠ . حدثنا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
إِذا قَضى الله الأَمْرَ وَزادَ وَالْكَاهِنِ، وَحَدَّثَنَا سُفْيَانُ فَقَالَ: قَالَ عَمْرٌو: سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ، حَدَّثَنَا أَبُو
هُرَيْرَةَ قالَ: إِذَا قَضَى اللَّهُ الأَمْرَ وَقالَ: عَلَى فَمِ السَّاحِرِ قُلْتُ لِسُفْيَانَ أَنْتَ سَمِعْتَ عَمْرًا قالَ
سَمِعْتُ عِكْرِمَةَ قالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ لِسُفْيَانَ: إِنَّ إِنْسانًا رَوى عَنْكَ عَنْ عَمْرٍو،
عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَرْفَعُهُ أَنَّهُ قَرَأَ فُرْغَ قالَ سُفْيَانُ: هَكَذا قَرَأَ عَمْرُو فَلا أَذْرِي سَمِعَهُ
هَكَذا أَمْ لا. قالَ سُفْيانُ: وَهِيَ قِراءَتُنا. [الحديث ٤٧٠١ - طرفاه في: ٤٨٠٠ - ٧٤٨١].
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد اللَّه) المديني قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
عمرو) هو ابن دينار (عن عكرمة) مولى ابن عباس (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (إذا قضى
الأمر، وزاد) على قوله فم الساحر (والكاهن) وسقط لغير أبي ذر الواو من قوله والكاهن.
(حدّثنا سفيان) بن عيينة، ولأبي ذر: حدّثنا علي بن عبد اللَّه أي المديني قال: حدّثنا سفيان
(فقال) في حديثه (قال عمرو) هو ابن دينار (سمعت عكرمة) يقول (حدّثنا أبو هريرة) رضي الله
تعالى عنه (قال: إذا قضى الله الأمر وقال على فم الساحر) كالرواية السابقة لكنه في هذه صرح هنا
بالتحديث والسماع قال علي بن عبد الله (قلت لسفيان) بن عيينة (أأنت سمعت عمرًا) ثبت لأبي

٣٣٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
ذر أأنت سمعت عمرًا وسقط لغيره (قال: سمعت عكرمة. قال: سمعت أبا هريرة) رضي الله
عنه؟ (قال: نعم) قال علي بن المديني (قلت لسفيان: إن إنسانًا) لم أعرف اسمه (روى عنك عن
عمرو عن عكرمة عن أبي هريرة ويرفعه) أي الحديث أبو هريرة إلى النبي بَّر (أنه قرأ فزع) بالزاي
والعين المهملة ولأبي ذر عن المستملي والكشميهني فرغ بالراء والغين المعجمة مبنيًّا للمفعول فيهما.
(قال سفيان) بن عيينة (هكذا) بالراء والمعجمة أو بالعكس والظاهر الأول (قرأ عمرو) هو
ابن دينار (فلا أدري سمعه هكذا) بالراء (أم لا؟ قال سفيان: وهي) بالراء (قراءتنا) وهي قراءة
الحسن أيضًا أي حتى إذا أفنى الله الوجل انتفى بنفسه.
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الحجر: ٨٠]
(باب قوله) عز وجل: (﴿ولقد كذب أصحاب الحجر﴾) وادي ثمود بين المدينة والشأم
(﴿المرسلين)) [الحجر: ٨٠] صالحًا ومن كذب واحدًا من المرسلين فكأنما كذب الجميع أو صالحا
ومن معه من المؤمنين وسقط قوله: باب قوله لغير أبي ذر.
٤٧٠٢ - حدّثنا إِبْراهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ، حَدَّثَنَا مَعْنٌ، قالَ: حَدَّثَنِي مالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
دِينارٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ لِأَضْحَابِ الْحِجْرِ:
((لا تَدْخُلُوا عَلى هؤلاءِ الْقَوْمِ إِلاَّ أَنْ تَكُونُوا باكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا باكِينَ فَلا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ أَنْ
يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَهُمْ)) .
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إبراهيم بن المنذر) الحزامي قال: (حدّثنا معن)
بفتح الميم وبعد العين المهملة الساكنة نون ابن يحيى القزاز أبو عيسى المدني (قال: حدّثني) بالإفراد
(مالك) الإمام (عن عبد اللَّه بن دينار) العدوي مولاهم أبي عبد الرحمن المدني مولى ابن عمر (عن
عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله وَ﴿ قال لأصحاب الحجر): أي لأصحابه
عليه الصلاة والسلام الذين قدموا الحجر لما مروا به معه في حال توجههم إلى تبوك:
(لا تدخلوا على هؤلاء القوم) المعذبين في ديارهم (إلاّ أن تكونوا باكين) من الخوف (فإن لم
تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم) أي خشية أن يصيبكم (مثل ما أصابهم) من العذاب
لأن من دخل عليهم ولم يبك اعتبارًا بأحوالهم فقد شابههم في الإهمال ودل على قساوة قلبه فلا
يأمن أن يجرّه ذلك إلى العمل بمثل أعمالهم فيصيبه مثل ما أصابهم.
وهذا الحديث قد مرّ في باب الصلاة في مواضع الخسف من كتاب الصلاة.
٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمِ﴾ [الحجر: ٨٧]
(باب قوله) تعالى: (﴿ولقد آتيناك سبعًا من المثاني﴾) صيغة جمع واحدة مثناةٍ والمثناة كل شيء

٣٣٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
يثنى من قولك ثنيت الشيء ثنيًا أي عطفته وضممت إليه آخر والمراد سبع من الآيات أو من السور
يو من الفوائد ليس في اللفظ ما يعين أحدها (﴿والقرآن العظيم)) [الحجر: ٨٧]. من عطف
العام على الخاص إذ المراد بالسبع إما الفاتحة أو السور الطوال أو من عطف بعض الصفات على
بعض أو الواو مقحمة.
٤٧٠٣ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنا شُعْبَةُ، عَنْ خُبَيْبٍ بْنٍ
عَبْدِ الرَّحْمْنِ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عاصِمٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى، قَالَ: مَرَّ بِي النَّبِيِّ وَّهِ وَأَنَا
أُصَلِّي فَدَعانِي فَلَمْ آَتِهِ حَتَّى صَلَّيْتُ ثُمَّ أَتَيْتُ فَقَالَ: ((ما مَنَعَكَ أَنْ تَأْتِيَ؟)) فَقُلْتُ: كُنْتُ أُصَلِّي
فَقالَ: ((أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَسْتَجِيبُوا للَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾)) [الأنفال: ٢٤] ثُمَّ
قالَ: ((أَلا أُعَلْمُكَ أَعْظَمَ سُورَةٍ فِي الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ أَخْرُجَ مِنَ الْمَسْجِدِ؟)) فَذَهَبَ النَّبِيِّ وَّهُ لِيَخْرُجُ
فَذَكَّرْتُهُ فَقَالَ: ((الْحَمْدُ للَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾)) هِيَ السَّبْعُ الْمَثانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ الَّذِي أُوتِيتُهُ)).
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة
بندار العبدي البصري قال: (حدّثنا غندر) هو لقب محمد بن جعفر الهذلي البصري قال: (حدّثنا
شعبة) بن الحجاج (عن خبيب بن عبد الرحمن) بضم الخاء المعجمة وفتح الموحدة الأولى مصغرًا
الأنصاري المدني (عن حفص بن عاصم) هو ابن عمر بن الخطاب (عن أبي سعيد بن المعلى) بضم
الميم وفتح العين واللام المشددة اسمه الحارث أو رافع أو أوس الأنصاري أنه (قال: مرّ بي
النبي ( 18) أي في المسجد (وأنا أصلي فدعاني فلم آته) بمد الهمزة (حتى صليت ثم أتيت) بحذف
ضمير النصب (فقال):
(ما منعك أن تأتي) ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: أن تأتيني (فقلت: كنت أصلي فقال:
ألم يقل الله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول﴾) [الأنفال: ٢٤] زاد أبو ذر هنا
﴿إذا دعاكم لما يحييكم﴾ فيه وجوب إجابته عليه الصلاة والسلام ونص جماعة من الأصحاب على
عدم بطلان الصلاة وفيه بحث سبق في البقرة فالتفت إليه (ثم قال) عليه الصلاة والسلام وسقطا
لأبي ذر (ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن) فيه جواز تفضيل بعض القرآن على بعض.
واستشكل، وأجيب: بأن التفضيل إنما هو من حيث المعاني لا من حيث الصفة فالمعنى أن ثواب
بعضه أعظم من بعض (قبل أن أخرج من المسجد فذهب النبي (وَل# ليخرج) زاد غير أبي ذر من
المسجد (فذكرته) بذلك بتشديد الكاف (فقال): هي (﴿الحمد لله رب العالمين﴾) يعني الفاتحة (هي
السبع) لأنها سبع آيات بالبسملة (المثاني) لأنها تثنى كل ركعة أو غير ذلك مما مرّ بالبقرة (والقرآن
العظيم الذي أوتيته) وسبق الحديث بالبقرة.
٤٧٠٤ - حدثنا آدَمُ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ الْمَقْبُرِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ: ((أُمُّ الْقُرْآنِ هِيَ السَّبْعُ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ)).

٣٣٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
وبه قال: (حدّثنا آدم) بن أبي إياس قال: (حدّثنا ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن قال:
(حدّثنا) ولأبي ذر: حدّثني بالإفراد (سعيد) هو ابن أبي سعيد كيسان (المقبري عن أبي هريرة رضي
الله عنه) أنه (قال: قال رسول الله وَ لخر):
(أم القرآن) مبتدأ خبره (هي السبع المثاني والقرآن العظيم) عطف على أم القرآن لا على السبع
المثاني وإفراد الفاتحة بالذكر في الآية مع كونها جزءًا من القرآن يدل على مزيد اختصاصها
بالفضيلة .
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في الصلاة والترمذي في التفسير.
٤ - باب قَوْله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١]
﴿الْمُقْتَسِمِينَ﴾: الَّذِينَ حَلَفُوا، وَمِنْهُ لا أُقْسِمُ أَيْ أُقْسِمُ، وَتُقْرَأْ:
لِأُقْسِمُ، قاسَمَهُما حَلَفَ لَهُما وَلَمْ يَخْلِفا لَهُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ تَقَاسَمُوا: تَحالَقُوا
(قوله) ولأبي ذر باب قوله عز وجل: (﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾) [الحجر: ٩١]
نعت للمقتسمين أو بدل منه أو بيان (﴿المقتسمين﴾) أي (الذين حلفوا) جعله من القسم لا من
القسمة أي مثل ما أنزلنا على الرهط الذين تقاسموا على أن يبيتوا صالحا وذلك في قوله تعالى:
﴿قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه﴾ [النمل: ٤٩] وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله. قال
في الكشاف: والاقتسام بمعنى التقاسم ولعل المؤلف اعتمد في هذا القول على ما رواه الطبري
عن مجاهد أن المراد بقوله المقتسمين قوم صالح الذي تقاسموا على إهلاكه (ومنه) أي من معنى
المقتسمين (﴿لا أقسم﴾ أي أقسم) فلا مقحمة (وتقرأ لأقسم) بغير مد وهي قراءة ابن كثير على
أن اللام جواب لقسم مقدر تقديره لأنا أقسم أو والله لأنا أقسم. (﴿قاسمهما﴾) ولأبي ذر
وقاسمهما أي (حلف لهما) أي حلف إبليس لآدم وحوّاء (ولم يحلفا له) فليس هو من باب
المفاعلة.
(وقال مجاهد): فيما أخرجه الفريابي (﴿تقاسموا﴾) بالله لنبيتنه أي (تحالفوا) وقد مرّ
والجمهور على أنه من القسمة.
٤٧٠٥ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، أَخْبَرَنا أَبُو بِشْرٍ، عَنْ سَعِيدٍ بْنِ جُبَيْرٍ
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُما: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ قَالَ: هُمْ أَهْلُ الْكِتابِ،
جَزَّؤُوهُ أَجْزاءٌ فَآمَنُوا بِبَعْضِهِ وَكَفَرُوا بِبَعْضِهِ.
وبه قال: (حدّثنا) ولغير أبي ذر: حدّثني بالإفراد (يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال:
(حدّثنا هشيم) بضم الهاء مصغرًا ابن بشير بضم الموحدة وفتح المعجمة الواسطي قال: (أخبرنا أبو

٣٣٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة الحجر
بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري (عن سعيد بن جبير
عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) في قوله تعالى: (﴿الذين جعلوا القرآن عضين﴾ قال: هم
أهل الكتاب جزؤوه) وفي نسخة الذين جزؤوه (أجزاء فآمنوا ببعضه) مما وافق التوراة (وكفروا
ببعضه) مما خالفها .
٤٧٠٦ - حدثني عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي ظَبْيانَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِيَ اللَّه تَعالَى عَنْهُمَا ﴿كَما أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُفْتَسِمِينَ﴾ قالَ: آمَنُوا بِبَعْضِ وَكَفَرُوا بِبَعْضٍ الْيَهُودُ
وَالنَّصارى.
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد ولأبي ذر: حدّثنا (عبيد الله بن موسى) بضم العين وفتح
الموحدة مصغرًا ابن باذام العبسي الكوفي (عن الأعمش) سليمان بن مهران الكوفي (عن أبي
ظبيان) بفتح الظاء المعجمة وسكون الموحدة حصين بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرًا ابن
جندب المذحجي بفتح الميم وإسكان المعجمة وكسر المهملة وبالجيم (عن ابن عباس رضي الله تعالى
عنهما) في قوله تعالى: (﴿كما أنزلنا على المقتسمين﴾) [الحجر: ٩٠] (قال: آمنوا ببعض وكفروا
ببعض) أي (اليهود والنصارى).
وعن ابن عباس أيضًا المقتسمين الذين اقتسموا طرق مكة يصدّون الناس عن الإيمان
برسول الله * قيل يقرب عددهم من أربعين، وقيل كانوا خمسة. الأسود بن عبد يغوث،
والأسود بن المطلب، والعاص بن وائل؛ والحارث بن قيس، والوليد بن المغيرة وقيل غير ذلك.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾
[الحجر: ٩٩] قَالَ سَالِمُ الْيَقِينُ: الْمَوْتُ
(باب قوله) تعالى: (﴿واعبد ربك حتى يأتيك اليقين)) [الحجر: ٩٩]. (قال سالم): هو ابن
عبد الله بن عمر بن الخطاب مما وصله إسحاق بن إبراهيم البستي والفريابي وعبد بن حميد
(اليقين) هو (الموت) لأنه أمر متيقن وهو مروي عن ابن عباس أيضًا.
فإن قيل: ما الفائدة في هذا التوقيت مع أن كل واحد يعلم أنه إذا مات سقطت عنه
العبادات؟ أجيب: بأن المراد واعبد ربك في جميع زمان حياتك ولا تخل لحظة من لحظات الحياة
من العبادات.
وروى جبير بن نفير مرسلاً أن النبي وَ # قال: ((ما أوحي إلّ أن أجمع المال وأكون من
التاجرين ولكن أوحي إلي أن سبّح بحمد ربك وكن من الساجدين واعبد ربك حتى يأتيك اليقين»
رواه البغوي في شرح السنّة وسقط باب قوله لغير أبي ذر كقوله: اليقين من قوله اليقين الموت.
إرشاد الساري/ ج ١٠/ م ٢٢

٣٣٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة النحل
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ
[١٦] سُورَةُ النَّخلِ
رُوحُ الْقُدُسِ: جِبْرِيلُ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ. فِي ضَيْقٍ يُقالُ: أَمْرٌ ضَيْقْ، وَضَيْقٌ مِثْلُ هَيْنٍ
وَهَيِّنٍ، وَلَيْنٍ وَلَيْنٍ، وَمَيْتٍ وَمَيْتٍ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: تَتَفَيَّأُ ظِلالُهُ: تَتَهَيَّأُ. سُبُلَ رَبِّكَ: ذُلُلاً لا
يَتَوَعَّرُ عَلَيْها مَكانٌ سَلَّكَتْهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ فِي تَقَلَّبِهِمْ: اخْتِلافِهِمْ. وَقَالَ مُجاهِدٌ تَمِيدُ: تَكَفَّأُ.
مُفْرَطُونَ: مَنْسِيُّونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَأَسْتَعِذْ بِاللهِ هَذا مُقَدَّمْ وَمُؤَخَّرٌ وَذَلِكَ أَنَّ
الاسْتِعاذَةَ قَبْلَ الْقِراءَةِ وَمَعْنَاهَا الاعْتِصامُ بِالله، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ تَسِيمُونَ: تَرْعَوْنَ. شاكِلَتِهِ: ناحِيَتِهِ.
قَصْدُ السَّبِيلِ: الْبَيَانُ. الدُّفْءُ: مَا اسْتَدْفَأْتَ، تُرِيحُونَ بِالْعَشِيِّ، وَتَسْرَحُونَ بِالْغَدَاةِ، بِشِقٌ: يَعْنِي
الْمَشَقَّةَ، عَلَى تَخَوُّفٍ: تَنَقُّصٍ، الأَنْعامِ لَعِبْرَةً وَهِيَ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ وَكَذَلِكَ النَّعَمُ الأَنْعامُ: جَمَاعَةُ
النَّعَم. أَكْنَانًا وَاحِدُها كِنَّ. مِثْلُ حِمْلَ وَأَخْمالٍ، سَرابِيلَ: قُمُصٌ، تَقِيكُمُ الْحَرَّ. وَأَمَّا سَرابِيلَ
تَقِيكُمَّ بَأْسَكُمْ. فَإِنَّها الدُّرُوعُ، دَخَلاً بَيْتَكُمْ كُلِّ شَيْءٍ لَمْ يَصِحَّ: فَهُوَ دَخَلْ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حَفَدَةً:
مِنْ وَلَدِ الرَّجُلِ. السَّكَرُ: ما حُرُمَ مِنْ ثَمَرَتِها، وَالرِّزْقُ الْحَسَنُ: ما أَحَلَّ اللهِ، وَقالَ ابْنُ عُيَيْنَةً عَنْ
صَدَقَةَ: أَنْكَاثًا هِيَ خَرْقَاءُ كانَتْ إِذا أَبْرَمَتْ غَزَلَها نَقَصَتْهُ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودِ الأُمَّةُ: مُعَلْمُ الْخَيْرِ .
وَالْقَانِتُ: الْمُطِيعُ.
(بسم الله الرحمن الرحيم)
([١٦] سورة النحل)
سقطت البسملة لغير أبي ذر.
ولغير أبي ذر باب تفسير سورة النحل. (﴿روح القدس﴾) من ربك هو (جبريل) قاله ابن
مسعود فيما رواه ابن أبي حاتم وأضيف جبريل إلى القدس وهو الطهر كما تقول: حاتم الجود
وزيد الخير، والمراد الروح المقدس قاله الزمخشري، ثم استشهد المؤلف لقوله روح القدس جبريل
بقوله: (﴿نزل به الروح الأمين﴾) [الشعراء: ١٩٣] وهو يردّ ما رواه الضحاك أن ابن عباس فيما
رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف قال: روح القدس الاسم الذي كان عيسى عليه الصلاة والسلام
پيچيپ به الموتى.
وقوله: ﴿ولا تك﴾ (﴿في ضيق﴾) [النحل: ٢٧] (يقال أمر ضيق) بسكون التحتية
(وضيق) بتشديدها (مثل هين وهين ولين ولين وميت وميت) لغتان وكسر الضاد ابن كثير
وفتحها غيره فقيل هما بمعنى في هذا المصدر كالقول والقيل؛ وقيل المفتوح مخفف من ضيق
كميت في ميت.

٣٣٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة النحل
قال في اللباب؛ هذا من الكلام المقلوب لأن الضيق صفة والصفة تكون حاصلة في
الموصوف ولا يكون الموصوف حاصلاً في الصفة فكأن المعنى ولا يكون الضيق فيك إلا أن الفائدة
في قوله: ﴿ولا تك في ضيق﴾ [النحل: ٢٧] هو أن الضيق إذا عظم وقوي صار كالشيء المحيط
بالإنسان من كل الجوانب وصار كالقميص المحيط به فكانت الفائدة في ذكر هذا اللفظ هذا المعنى.
(قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: (﴿تتفيأ ظلاله﴾) [النحل: ٤٨]
أي (تتهيأ) كذا نقل والصواب تتميل.
وقوله تعالى: (﴿فاسلكي سبل ربك ذللاً﴾) [النحل: ٦٩] قال مجاهد فيما رواه الطبري (لا
يتوعر) بالعين المهملة (عليها مكان سلكته) وذللاً جمع ذلول ويجوز أن يكون حالاً من السبل أي
ذللها لها الله تعالى كقوله: ﴿جعل لكم الأرض ذلولاً﴾ [الملك: ١٥] وأن يكون حالاً من فاعل
اسلكي أي مطيعة منقادة بمعنى أن أهلها ينقلونها من مكان إلى مكان ولها يعسوب إذا وقف
وقفت وإذا سار سارت وانتصاب سبل مفعولاً به أي اسلكي في طلب تلك الثمرات سبل ربك
الطرق التي أفهمك وعلمك في عمل العسل أو على الظرفية أي فاسلكي ما أكلت في سبل ربك
أي في مسالكه التي تحيل فيها قدرته النور ونحوه عسلاً.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (﴿في تقلبهم)) أي (اختلافهم) وقال غيره في
أسفارهم وقال ابن جريج في إقبالهم وإدبارهم.
(وقال مجاهد): فيما وصله الفريابي (﴿تميد﴾) من قوله: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد
بكم﴾ [النحل: ١٥] أي (تكفأ) بتشديد الفاء وتتحرك وتميل بما عليها من الحيوان فلا يهنأ لهم
عيش بسبب ذلك. قال الحسن: فيما رواه عبد الرزاق لما خلقت الأرض كانت تميد فقالوا ما هذه
بمقرة على ظهرها أحدًا فأصبحوا وقد خلقت الجبال فلم تدر الملائكة مم خلقت الجبال.
وفي حديث أنس مرفوعًا عند الترمذي نحوه.
(﴿مفرطون﴾) قال مجاهد: فيما وصله الطبري (منسيون) فيها.
(وقال غيره): أي غير مجاهد في وقوله تعالى: (﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله﴾) زاد أبو
ذر: ﴿من الشيطان الرجيم﴾ [النحل: ٩٨]. (هذا مقدم ومؤخر وذلك أن الاستعاذة قبل القراءة).
وهذا قاله أبو عبيدة. وقال ابن عطية: فإذا وصلة بين الكلامين والعرب تستعملها في مثل هذا
وتقدير الآية فإذا أخذت في قراءة القرآن فاستعذ.
وقال في الأنوار كالكشاف: أي فإذا أردت قراءة القرآن فأضمر الإرادة. قال الزمخشري:
لأن الفعل يوجد عند القصد والإرادة من غير فاصل وعلى حسبه فكان منه بسبب قوي وملابسة
ظاهرة، وهذا مذهب الجمهور من القراء وغيرهم.
:

٣٤٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة النحل
قال الشيخ بهاء الدين السبكي: في شرح التلخيص وعليه سؤال وهو أن الإرادة إن أخذت
مطلقًا لزم استحباب الاستعاذة بمجرد ذلك وإن أخذت الإرادة بشرط اتصالها بالقراءة استحال
تحقق العلم بوقوعها ويمتنع حينئذ استحباب الاستعاذة قبل القراءة.
قال في المصابيح: بقي عليه قسم آخر باختياره يزول الإشكال وذلك أنا لا نأخذ الإرادة
مطلقًا ولا نشترط اتصالها بالقراءة وإنما نأخذها مقيدة بأن لا يعن له صارف عن القراءة فلا يلزم
حينئذ استحباب الاستعاذة بعد طروء العزم على عدم القراءة ولا يلزم أيضًا استحالة تحقق العلم
بوقوعها فزال الإشكال ولله الحمد.
(ومعناها) أي الاستعاذة (الاعتصام بالله) من وساوس الشيطان، والجمهور على أن الأمر بها
للاستحباب والخطاب للرسول، والمراد منه الكل لأن الرسول إذا كان محتاجًا للاستعاذة عند القراءة
فغيره أولى.
(وقال ابن عباس): فيما وصله الطبري (﴿تسيمون﴾) أي (ترعون) من سامت الماشية أو
أسامها صاحبها .
(﴿شاكلته﴾) في سورة الإسراء أي على (ناحيته) ولأبي ذر عن الحموي نيته بدل ناحيته أي
التي تشاكل حاله في الهدى والضلال وذكر هذا هنا لعله من ناسخ.
وقوله: وعلى الله (﴿قصد السبيل﴾ البيان). [النحل: ٥] للطريق الموصل إلى الحق رحمة منه
وفضلاً.
(الدفء) في قوله تعالى: ﴿لكم فيها دفء﴾ [النحل: ٥] (ما استدفأت) به مما يقي البرد.
(﴿تريحون﴾) تردّونها من مراعيها أو من مراحها. (بالعشي ﴿وتسرحون﴾) تخرجونها
(بالغداة) إلى المرعى.
(﴿بشق﴾) الأنفس (يعني المشقة) والكلفة.
(﴿على تخوف﴾) أي (تنقص) شيئًا بعد شيء في أنفسهم وأموالهم حتى يهلكوا من تخوّفته
إذا تنقصته .
وروي بإسناد فيه مجهول عن عمر أنه قال على المنبر: ما تقولون فيها؟ فسكتوا. فقام شيخ
من هذيل فقال: هذه لغتنا التخوّف التنقص. فقال: هل تعرف العرب ذلك في أشعارها؟ قال:
نعم. قال شاعرنا أبو كبير يصف ناقته:
تخوّف الرحل منها تامكًا قردًا كما تخوّف عود النبعة السفن
فقال عمر: أيها الناس عليكم بديوانكم لا تضلوا قالوا وما ديواننا؟ قال: شعر الجاهلية فإن
فيه تفسير كتابكم.