Indexed OCR Text

Pages 281-300

٢٨١
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
النَّبِيِّ بََّ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: هُوَ وَالله خَيْرٌ فَلَمْ أَزَلْ أُراجِعُهُ حَتَّى شَرَحَ الله صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ
لَهُ صَدْرَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ الْقُرْآنَ أَجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ وَالأَكْتَافِ وَالْعُسُبِ وَصُدُورٍ
الرِّجالِ حَتَّى وَجَدْتُ مِنْ سُورَةِ الثَّوْبَةِ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ الأَنْصارِيِّ لَمْ أَجِدْهُمَا مَعَ أَحَدٍ غَيْرِهِ ﴿لَقَدْ
جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِثُمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] إِلى آخِرِها.
وَكَانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيهَا الْقُرْآنُ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى تَوَفَّاهُ اللَّهُ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتَّى تَوَفَّاهُ الله
ثُمَّ عِنْدَ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ. تابَعَهُ عُثْمانُ بْنُ عُمَرَ، وَاللَّيْثُ عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ. وَقَالَ
اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمِنِ بْنُ خالِدٍ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ وَقالَ: مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ الأَنْصَارِيِّ. وَقَالَ
مُوسَى، عَنْ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ شِهابٍ مَعَ أَبِي خُزَيْمَةَ، وَتَابَعَهُ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ عَنْ أَبِيهِ.
وَقَالَ أَبُو ثابِتٍ: حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ وَقَالَ مَعَ خُزَيْمَةً أَوْ أَبِي خُزَيْمَةً .
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة (عن
الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (ابن السباق) بالسين المهملة
والموحدة المشددة المفتوحتين وبعد الألف قاف عبيد المدني الثقفي أبو سعيد (أن زيد بن ثابت
الأنصاري رضي الله عنه وكان ممن يكتب الوحي) لرسول الله وَ الر (قال: أرسل إلي أبو بكر)
الصديق في خلافته. قال الحافظ أبو الفضل: ولم أقف على اسم الرسول إليه بذلك (مقتل أهل
اليمامة) ظرف زمان أي أيام، والمراد عقب مقاتلة الصحابة رضي الله تعالى عنهم مسيلمة الكذاب
سنة إحدى عشرة بسبب ادعائه النبوّة وارتداد كثير من العرب وقتل كثير من الصحابة (وعنده
عمر) بن الخطاب رضي الله تعالى عنه (فقال) لي (أبو بكر: إن عمر أتاني فقال: إن القتل قد
استحرّ) بسين مهملة ساكنة ففوقية ثم مهملة فراء مشددة مفتوحات أي اشتدّ وكثر (يوم) القتال
الواقع في (اليمامة بالناس) قيل قتل بها من المسلمين ألف ومائة وقيل ألف وأربعمائة منهم سبعون
جمعوا القرآن أي مجموعهم لا إن كل فرد جمعه (وإني أخشى أن يستحر القتل) أي يكثر (بالقراء في
المواطن) التي يقع فيها القتال مع الكفار (فيذهب كثير من القرآن إلا أن تجمعوه وإني لأرى أن
تجمع) أنت (القرآن) ولأبي ذر: أن يجمع القرآن بضم أوّل يجمع مبنيًا للمفعول (قال أبو بكر:
قلت): ولأبي ذر فقلت (العمر: كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله وَّر؟ فقال) لي (عمر: هو)
أي جمع القرآن (والله خير) من تركه وهو ردّ لقوله كيف أفعل شيئًا لم يفعله رسول الله وَّو إنما لم
يجمعه رسول الله ◌َّو لما كان يترقبه من النسخ (فلم يزل عمر يراجعني فيه) في جمع القرآن (حتى
شرح الله لذلك صدري ورأيت الذي رأى عمر) إذ هو من النصح لله ولرسوله ولكتابه وأذن فيه
عليه الصلاة والسلام بقوله في حديث أبي سعيد عند مسلم: (لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن)
وغايته جمع ما كان مكتوبًا قبل فلا يتوجه اعتراض الرافضة على الصديق.
(قال زيد بن ثابت): قال أبو بكر ذلك (وعمر عنده جالس لا يتكلم) ولأبي ذر جالس عنده

٢٨٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة
(فقال) لي (أبو بكر: إنك) يا زيد (رجل شاب) أشار إلى نشاطه وقوّته فيما يطلب منه وبعده عن
النسيان (عاقل) تعي المراد (ولا نتهمك) بكذب ولا نسيان والذي لا يتهم تركن النفس إليه
وسقطت الواو لأبي ذر (كنت تكتب الوحي لرسول الله وَ﴾) أي فهو أكثر ممارسة له من غيره
فجمع هذه الخصوصيات الأربعة فيه يدل على أنه أولى بذلك ممن لم تجتمع فيه (فتتبع القرآن فاجمعه)
وقد كان القرآن كله كتب في العهد النبوي لكن غير مجموع في موضع واحد ولا مرتب السور
قال زيد: (فوالله لو كلفني) أي أبو بكر (نقل جبل من الجبال ما كان أثقل عليّ مما أمرني به من
جمع القرآن) قال ذلك خوفًا من التقصير في إحصاء ما أمر بجمعه (قلت) للعمرين (كيف تفعلان
شيئًا لم يفعله النبي) ولأبي ذر رسول الله (وَّ؟ فقال) لي (أبو بكر: هو والله خير فلم أزل أراجعه
حتى شرح الله صدري للذي شرح الله له صدر أبي بكر وعمر) لما في ذلك من المصلحة العامة
(فقمت فتتبعت القرآن) حال كوني (أجمعه) مما عندي وعند غيري (من الرقاع) بكسر الراء جمع رقعة
من أديم أو ورق أو نحوهما (والأكتاف) بالمثناة الفوقية جمع كتف عظم عريض في أصل كتف
الحيوان ينشف ويكتب فيه (والعسب) بضم العين والسين المهملتين آخره موحدة جمع عسيب وهو
جريد النخل يكشطون خوصه ويكتبون في طرفه العريض (وصدور الرجال) الذين جمعوا القرآن
وحفظوه كاملاً في حياته ◌َّ ر كأبي بن كعب ومعاذ بن جبل فيكون ما في الرقاع والأكتاف
وغيرهما تقريرًا على تقرير (حتى وجدت من سورة التوبة آيتين مع خزيمة الأنصاري) هو ابن
ثابت بن الفاكه الخطمي ذو الشهادتين (لم أجدهما) أي الآيتين (مع أحد غيره) كذا بالنصب على
كشط في الفرع كأصله وفي فرع آخر غيره بالجر أي لم أجدهما مع غير خزيمة مكتوبتين فالمراد
بالنفي نفي وجودهما مكتوبتين لا نفي كونهما محفوظتين.
وعند ابن أبي داود من رواية يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب فجاء خزيمة بن ثابت فقال:
إني رأيتكم تركتم آيتين لم تكتبوهما قالوا: وما هما؟ قال: تلقيت من رسول الله وَلاو (﴿لقد جاءكم
رسول من أنفسكم﴾) إلى آخر السورة. فقال عثمان: وأنا أشهد فأين ترى أن نجعلهما. قال:
اختم بهما آخر ما نزل من القرآن.
وعن أبي العالية عن أبي بن كعب عند عبد اللَّه ابن الإمام أنهم جمعوا القرآن في المصاحف
في خلافة أبي بكر، وكان رجال يكتبون ويملي عليهم أبي بن كعب، فلما انتهوا إلى هذه الآية ثم
انصرفوا صرف الله قلوبهم بأنهم قوم لا يفقهون فظنوا أن هذا آخر ما نزل من القرآن فقال لهم
أبي بن كعب: إن رسول الله وَلو أقرأني بعدها آيتين ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم﴾ إلى ﴿وهو
رب العرش العظيم﴾ التوبة: ١٢٨].
وعند أحمد قال: أتى الحارث بن خزيمة بهاتين الآيتين ﴿لقد جاءكم رسول﴾ إلى عمر بن
الخطاب فقال: من معك على هذا؟ قال: لا أدري والله إني أشهد لسمعتهما من رسول الله واله
ووعيتهما وحفظتهما فقال عمر: وأنا أشهد لسمعتهما من رسول الله وَظهر ﴿لقد جاءكم رسول من

٢٨٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة يونس
أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم﴾ (إلى آخرها) وسقط لأبي ذر: حريص عليكم (وكانت
الصحف التي جمع فيها القرآن عند أبي بكر حتى توفاه الله ثم عند عمر حتى توفاه الله ثم عند
حفصة بنت عمر) رضي الله تعالى عنهما.
(تابعه) أي تابع شعيبًا في روايته عن الزهري (عثمان بن عمر) بضم العين وفتح الميم ابن
فارس البصري العبدي فيما وصله أحمد وإسحق في مسنديهما عنه (و) تابعه أيضًا (الليث) بن
سعد الإمام فيما وصله المؤلف في فضائل القرآن وفي التوحيد كلاهما (عن يونس) بن يزيد الأيلي
(عن ابن شهاب) الزهري.
(وقال الليث) بن سعد فيما وصله أبو القاسم البغوي في فضائل القرآن (حدّثني) بالإفراد
(عبد الرحمن بن خالد) الفهمي أمير مصر (عن ابن شهاب) الزهري فزاد الليث فيه شيخًا آخر عن
الزهري (وقال مع أبي خزيمة الأنصاري) وهو ابن أوس بن أصرم بن ثعلبة بن غنم بن مالك بن
النجار بلفظ الكنية فخالف السابق.
(وقال موسى) بن إسماعيل فيما وصله المؤلف في فضائل القرآن (عن إبراهيم) بن سعد أنه
قال: (حدّثنا ابن شهاب) الزهري وقال: (مع أبي خزيمة) بلفظ الكنية. (وتابعه) أي وتابع
موسى بن إسماعيل في روايته عن إبراهيم (يعقوب بن إبراهيم عن أبيه) إبراهيم بن سعد المذكور
على قوله أبي خزيمة بالكنية وهذه وصلها أبو بكر بن أبي داود في كتاب المصاحف وغيره.
(وقال أبو ثابت) محمد بن عبيد اللَّه المدني فيما وصله المؤلف في الأحكام (حذّثنا
إبراهيم) بن سعد المذكور (وقال مع خزيمة أو أبي خزيمة) بالشك والتحقيق كما قال في فتح
الباري أن آية التوبة مع أبي خزيمة بالكنية، وآية الأحزاب مع خزيمة.
وهذا الحديث أخرجه الترمذي في التفسير والنسائي في فضائل القرآن.
بسم الله الرحمن الرحيم
[١٠] سُورَةُ يُونُسَ
١ - باب
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿فَأَخْتَلَطَ﴾ [يونس: ٢٥] فَنَبَتَ بِالْمَاءِ مِنْ كُلِّ لَوْنٍ ﴿وَقالُوا أَتَّخَذَ اللَّهُ
وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ [يونس: ٦٨] وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ [يونس: ٢]
مُحَمَّدْ بَّهِ وَقَالَ مُجاهِدٌ: خَيْرٌ. يُقالُ: ﴿تِلْكَ آيَاتُ﴾ يَعْنِي هذِهِ أَعْلَامُ الْقُرْآنِ، وَمِثْلُهُ ﴿حَتَّى إِذَا
كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾ [يونس: ٢٢] الْمَعْنَى بِكُمْ ﴿دَعْوَاهُمْ﴾ دعاؤُهُمْ ﴿أُحِيطَ بِهِمْ﴾ دَنَّوْا
مِنَ الْهَلَكَةِ ﴿أَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ [البقرة: ٨١] فَتَّبَعَهُمْ وَأَتْبَعَهُمْ وَاحِدٌ. ﴿عَذْوًا﴾ مِنَ الْعُذْوانِ،

٢٨٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة يونس
وَقَالَ مُجاهِدٌ: ﴿يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ﴾ [يونس: ١١] قَوْلُ الإِنْسانِ لِوَلَدِهِ
وَمَالِهِ إِذا غَضِبَ اللَّهُمَّ لا تُبَارِكْ فِيهِ وَالْعَنْهُ ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] لأُهْلِكَ مَنْ دُعِيَ
عَلَيْهِ وَلأَماتَهُ. ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى﴾ [يونس: ٢٦] مِثْلُها حُسْنَى ﴿وَزِيادَةٌ﴾ مَغْفِرَةٌ، وَقَالَ
غَيْرُهُ النَّظَرُ إِلى وَجْهِهِ. ﴿اَلْكِبْرِياءُ﴾ الْمُلْكُ.
([١٠] سورة يونس)
مكية وهي مائة وتسع آيات وقدم أبو ذر السورة على البسملة.
(وقال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما، وفي نسخة باب وقال ابن عباس فيما وصله ابن
أبي حاتم من طريق ابن جريج عن عطاء عنه (﴿فاختلط)﴾ [يونس: ٢٤] زاد أبو ذر والوقت ﴿به
نبات الأرض﴾ أي (فنبت بالماء من كل لون) مما يأكل الناس من الحنطة والشعير وسائر حبوب
الأرض.
(﴿وقالوا: اتخذ الله ولدًا﴾) حين قالوا الملائكة بنات الله وقالت اليهود عزير ابن الله، وقالت
النصارى عيسى ابن الله، وسقطت الواو في بعض النسخ موافقة للفظ التنزيل (﴿سبحانه﴾) تنزيها
له عن اتخاذ الولد (﴿هو الغني﴾) [يونس: ٦٨] عن كل شيء فهو علة للتنزيه عن اتخاذ الولد
وسقط وقالوا الخ لأبي ذر وليس فيه حديث مسوق فيحتمل إرادته لتخريج ما يناسب ذلك فبيض
له ولم یتیسر له إیراده هنا.
(وقال زيد بن أسلم) أبو أسامة مولى عمر بن الخطاب مما وصله ابن جرير (﴿أن لهم قدم
صدق﴾) [يونس: ٢] هو (محمد وَّل98) وأخرج الطبري من طريق الحسن أو قتادة قال محمد شفيع
لهم ووصله ابن مردويه من حديث علي ومن حديث أبي سعيد بإسنادين ضعيفين.
(وقال مجاهد): هو ابن جبر فيما وصله الفريابي من طريق ابن أبي نجيح عنه قدم صدق
قال: (خير) ورجحه ابن جرير لقول العرب لفلان قدم صدق في كذا أي قدّم فيه خير أو قدم
سوء في كذا إذا قدم فيه شرًا (يقال ﴿تلك آيات﴾) قال أبو عبيدة (يعني هذه أعلام القرآن) وأراد
أن معنى تلك هذه (ومثله) من حيث صرف الكلام عن الخطاب إلى الغيبة كما أن في الأوّل
صرف اسم الإشارة عن الغائب إلى الحاضر (﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾)
[يونس: ٢٢] (المعنى بكم) قال في الكشاف: وتبعه البيضاوي واللفظ للأوّل وفائدة صرف الكلام
عن الخطاب إلى الغيبة المبالغ كأنه يذكر لغيرهم حالهم ليعجبهم منها ويستدعي منهم الإنكار
والتقبيح، وسقط قوله يقال الخ لأبي ذر.
(﴿دعواهم﴾) ولأبي ذر يقال دعواهم قال أبو عبيدة: (دعاؤهم) في الجنة اللهم إنا نسبحك
تسبيحًا.
١

٢٨٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة يونس
(﴿أحيط بهم﴾) [يونس: ٢٢] قال أبو عبيدة (دنوا من الهلكة) زاد غيره وسدت عليهم
مسالك الخلاص كمن أحاط به العدوّ (﴿أحاطت به خطيئته﴾) [البقرة: ٨١] أي من جميع جوانبه.
(﴿فأتبعهم﴾) بتشديد المثناة الفوقية (وأتبعهم) بفتح الهمزة وسكون الفوقية (واحد) في المعنى
والوصل والقطع والتخفيف والتشديد وبه قرأ الحسن يريد قوله تعالى: ﴿فأتبعهم فرعون وجنوده﴾
[يونس: ٩٠].
(﴿عدوًا﴾) [يونس: ٩٠] يريد قوله تعالى: بغيًا وعدوًا (من العدوان) أي لأجل البغي
والعدوان .
(وقال مجاهد) فيما وصله الفريابي وعبد بن حميد من طريق ابن أبي نجيح عنه في قوله
تعالى: (﴿ولو يعجل الله للناس الشر استعجالهم بالخير﴾) [يونس: ١١] هو (قول الإنسان لولده
وماله إذا غضب اللهم لا تبارك فيه) وفي الفرع له فيه وليس له في أصله (والعنه ﴿لقضي إليهم
أجلهم﴾ [يونس: ١١] (لأهلك من دعي عليه) بضم همزة أهلك ودال دعي مبنيين للمفعول ولأبي
ذر لأهلك من دعا عليه بفتحهما (ولأماته) قال في فتوح الغيب (﴿ولو يعجل الله﴾) متضمن معنى
نفي التعجيل لأن لو لتعليق ما امتنع بامتناع غيره يعني لم يكن التعجيل ولا قضاء العذاب فيلزم
من ذلك حصول المهلة وهذا لطف من الله تعالى بعباده ورحمة. وفي حديث مسلم عن جابر
مرفوعًا لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم ولا تدعوا على أموالكم لا توافقوا من الله
ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم ففيه النهي عن ذلك.
(﴿للذين أحسنوا الحسنى﴾) [يونس: ٢٦] قال مجاهد فيما وصله الفريابي وعد أي (مثلها
حسنى ﴿وزيادة﴾) أي (مغفرة) ولأبوي الوقت وذر ورضوان (وقال غيره): قيل هو أبو قتادة
(النظر إلى وجهه) تعالى. وقد رواه مسلم والترمذي وغيرهما من حديث صهيب مرفوعًا وروي عن
الصديق وحذيفة وابن عباس وغيرهم من السلف والخلف.
(﴿الكبرياء﴾) قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وتكون لكما الكبرياء﴾ [يونس: ٧٨] هو
(الملك) بضم الميم لأن النبي إذا صدق صارت مقاليد أمته وملكهم إليه.
٢ - باب ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ
فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيَا وَعَدْوَا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قالَ
آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُوا إِسْرائيلَ وَأَنا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].
﴿نُتْجِيكَ﴾ [يونس: ٩٢]: نُلْقِيكَ عَلى نَجْوَةٍ مِنَ الأَرْضِ وَهُوَ النَّشَزُ الْمَكانُ الْمُرْتَفِعِ
(﴿وجاوزنا﴾) وفي نسخة: باب وجاوزنا (﴿ببني إسرائيل البحر﴾) بحر القلزم حافظين لهم
وكانوا فيما قيل ستمائة ألف وعشرين ألف مقاتل لا يعدون فيهم ابن عشر سنين لصغره ولا ابن

٢٨٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة يونس
ستين لكبره (﴿فأتبعهم﴾) أي أدركهم (﴿فرعون وجنوده بغيًا وعدوًا﴾) عند شروق الشمس وكانوا
فيما قيل ألف ألف وستمائة ألف وفيهم مائة ألف حصان أدهم ليس فيها أنثى.
وعن ابن عباس فيما رواه ابن مردويه بسنده كان مع فرعون سبعون قائدًا مع كل قائد
سبعون ألفًا وكان فرعون في الدهم وهارون على مقدمة بني إسرائيل وموسى في الساقة فلما قربت
مقدمة فرعون منهم قال بنو إسرائيل لموسى: هذا البحر أمامنا إن دخلناه غرقنا وفرعون خلفنا إن
أدركنا قتلنا قال: ﴿كلا إن معي ربي سيهدين﴾ فأوحى الله إليه ﴿أن اضرب بعصاك البحر﴾ فضربه
﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ وصار اثني عشر طريقًا لكل سبط واحد، وأمر الله الريح
فنشفت أرضه وتخرق الماء بين الطرق كهيئة الشبابيك ليرى كل قوم الآخرين لئلا يظنوا أنهم هلكوا
وجاوزت بنو إسرائيل البحر، فلما خرج آخرهم منه انتهى فرعون وجنوده إلى حافته من الناحية
الأخرى فلما رأى ذلك هاله وأحجم وهاب وهمّ بالرجوع وهيهات ولات حين مناص نفذ القدر
واستجيبت الدعوة وجاء جبريل على فرس أنثى وخاض البحر فلما شم أدهم فرعون ريح فرس
جبريل اقتحم وراءه ولم يملك فرعون من أمره شيئًا واقتحمت الخيول خلفه في البحر وميكائيل في
ساقتهم يسوقهم ولا يترك أحدًا منهم إلا ألحقه بهم فلما تكاملوا وهمّ أوّلهم بالخروج منه أمر الله
القادر القاهر البحر فانطبق عليهم فلم ينج منهم أحد وجعلت الأمواج ترفعهم وتخفضهم وتراكمت
الأمواج فوق فرعون ((حتى إذا أدركه الغرق﴾) وغشيته سكرات الموت ((قال)) وهو كذلك
حين لا ينفع نفسًا إيمانها (﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين﴾)
[يونس: ٩٠] وما علم اللعين أن التوبة عند المعاينة غير نافعة فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا
بأسنا ولذا قال الله تعالى في جواب فرعون ﴿الآن﴾ أي أتؤمن وقت الاضطرار ﴿وقد عصيت
قبل﴾ [يونس: ٩٠].
وفي حديث ابن عباس عند أحمد وغيره مرفوعًا: لما قال فرعون ﴿آمنت أنه لا إله إلا الذي
آمنت به بنو إسرائيل﴾ قال لي جبريل: لو رأيتني وقد أخذت من حال البحر فدسته في فيه مخافة
أن تناله الرحمة. ورواه الترمذي وقال حسن وحال البحر هو طينه الأسود، والمعنى لو رأيتني
لرأيت أمرًا عجيبًا يبهت الواصف عن كنهه، فإني لما شاهدت تلك الحالة بهت غضبًا على عدوّ الله
لادعائه تلك العظمة فعمدت إلى حال البحر فأدسه في فيه مخافة أن تدركه الرحمة لسعتها،
والحاصل أنه إنما فعل ذلك غضبًا لله وعلمًا منه أنه لا ينفعه الإيمان لا أنه كره إيمانه لأن كراهة
الإيمان من الكافر كفر، لكن قال أبو منصور الماتريدي في التأويلات: الرضا بالكفر ليس بكفر
مطلقًا إنما يكون كذلك إذا رضي بكفر نفسه لا بكفر غيره، ويؤيده قصة ابن أبي سرح المروية في
سنن أبي داود والنسائي لما جاء يوم الفتح بين يدي النبي ◌ّله وطلب المبايعة ثلاث مرات وكل
ذلك يأبى ثم بايعه ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حين رآني
كففت عن بيعته فيقتله الحديث.

٢٨٧
کتاب تفسير القرآن/ سورة يونس
وقيل إنما قصد فرعون بقوله الخلاص أو لأنه كان لمجرد التعليق كما قال: آمنت به بنو
إسرائيل فكأنه قال لا أعرفه فكيف يزول كفره بهذا التقليد، وقد روي أن جبريل استفتاه ما قولك
في عبد لرجل نشأ في ماله ونعمته وجحد حقه وادعى السيادة دونه، فكتب يقول الوليد بن
مصعب جزاء العبد الخارج على سيده الكافر نعماه أن يغرق في البحر فلما ألجمع الغرق ناوله
جبريل خطه فعرفه، وسقط لأبي ذر ﴿فأتبعهم﴾ الخ وقال إلى قوله: ﴿وأنا من المسلمين﴾.
(﴿ننجيك)) [يونس: ٩٢] بسكون النون وتخفيف الجيم من أنجى وهي قراءة يعقوب وفي
نسخة ننجيك بتخفيف الجيم أي (نلقيك على نجوة من الأرض وهو) أي النجوة (النشز) بفتح
النون والمعجمة آخره زاي وهو (المكان المرتفع). وقرأ ابن السميقع ننحيك بالحاء المهملة المشددة أي
نلقيك بناحية مما يلي البحر ليراك بنو إسرائيل. قال كعب: رماه إلى الساحل كأنه ثور.
وروى ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس قال: لما خرج موسى عليه الصلاة
والسلام وأصحابه قال: من تخلف من قوم فرعون ما غرق فرعون وقومه، ولكنهم في خزائن
البحر يتصيدون فأوحى الله تعالى إلى البحر أن الفظ فرعون عريانًا فلفظه عريانًا أصلع أخينس
قصيرًا. ومن طريق ابن أبي نجيح عن مجاهد ﴿ببدنك﴾ قال بجسدك. ومن طريق أبي صخر المدني
قال: البدن الدرع الذي كان عليه قيل، وكانت له درع من ذهب يعرف بها وكان في أنفسهم أن
فرعون أعظم شأنًا من أن يغرق.
٤٦٨٠ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بِشْرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ
جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ وَ الْمَدِينَةَ وَالْيَهُودُ تَصُومُ عاشُورَاءَ
فَقالُوا: هذا يَوْمُ ظَهَرَ فِيهِ مُوسى عَلَى فِرْعَوْنَ فَقالَ النَّبِيِّ وَّرِ لأَصْحابِهِ: ((أَنْتُمْ أَحَقُّ بِمُوسَى مِنْهُمْ
فَصُومُوا)) .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن بشار) بالموحدة والمعجمة المشددة بندار العبدي
البصري قال: (حدّثنا غندر) محمد بن جعفر البصري قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي
بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة جعفر بن أبي وحشية واسمه إياس اليشكري البصري (عن
سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: قدم النبي ◌َّلغز المدينة) فأقام بها إلى
عاشوراء من السنة الثانية (و) إذا (اليهود تصوم عاشوراء) فسألهم (فقالوا: هذا يوم ظهر فيه
موسى على فرعون) وفي رواية فقال لهم: ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم
أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكرًا فنحن نصومه (فقال النبي ◌َّة
لأصحابه: أنتم أحق بموسى منهم فصوموا).
ومطابقته للترجمة في رواية أنجى الله فيه موسى وأغرق فيه فرعون وقومه كما لا يخفى،
وسبق حديث الباب في الصيام بنحوه.

٢٨٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمْنِ الرَّحِيمِ
[١١] سُورَةُ هُودٍ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: عَصِيبٌ: شَدِيدٌ، لا جَرَمَ: بَلى. (وَقالَ غَيْرُهُ: وَحاقَ: نَزَلَ، يَحِيقُ:
يَنْزِلُ، يَؤُوسٌ، فَعُولٌ مِنْ يَتِسْتُ، وَقَالَ مُجاهِدٌ: تَبْتَئِسْ: تَحْزَنْ، يَثْتُونَ صُدُورَهُمْ شَكَّ وَآقْتِراءٌ فِي
الْحَقْ، لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ مِنَ اللهِ إِنْ أَسْتَطَاعُوا) (وَقَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ الأَوَّاهُ الرَّحِيمُ بِالْحَبَشِيَّةِ، وَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: بادِىءَ الرَّأْىِ مَا ظَهَرَ لَنا، وَقَالَ مُجاهِدٌ: الْجُودِيُّ: جَبَلٌ بِالْجَزِيرَةِ، وَقالَ الْحَسَنُ: إِنَّكَ
لأَنْتَ الْحَلِيمُ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَقْلِعِي: أَمْسِكِي، عَصِيبٌ: شَدِيدٌ، لا جَرَمَ: بَلِى،
وَفَارَ الثّْورُ: نَبَعَ الْمَاءُ، وَقَالَ عِكْرِمَةُ: وَجْهُ الأَرْضِ).
([١١] سورة هود عليه الصلاة والسلام)
(بسم الله الرحمن الرحيم)
مائة وثلاث وعشرون آية [بسم الله الرحمن الرحيم] سقطت البسملة لغير أبي ذر.
(قال ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما فيما وصله ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي
طلحة عنه في قوله تعالى حكاية عن لوط عليه الصلاة والسلام حين جاءته الملائكة في صورة
غلمان وظن أنهم أناس فخاف عليهم أن يقصدهم قومه فيعجز عن مدافعتهم هذا يوم
(﴿عصيب﴾) أي (شديد) وفي قوله: (﴿لا جرم﴾) أي (بلى) أي حقًّا أنهم في الآخرة هم
الأخسرون (وقال غيره) في قوله تعالى: (﴿وحاق﴾) أي (نزل) بهم وأصابهم (يحيق) أي (ينزل)
وفي قوله تعالى: ((إنه ليؤوس﴾ يؤوس فعول من يئست) والمعنى ولئن أذفنا الإنسان حلاوة
نعمة يجد لذتها ثم سلبناها منه أنه لقطوع رجاءه من فضل الله لقلة صبره وعدم ثقته به كفور لأن
الوصف باليؤوس لا يليق إلا بالكافر فإنه يقع في اليأس إذا سلبت نعمته والمسلم يثق بالله أن
يعيدها أحسن ما كانت.
(وقال مجاهد) في قوله تعالى: فلا (﴿تبتئس﴾) أي لا (تحزن) وهذا وصله الطبري من طريق
ابن أبي نجيح عن مجاهد كقوله في قوله تعالى: ﴿ألا أنهم﴾ (﴿يثنون صدروهم﴾ شك وافتراء)
بالفاء والذي في أكثر الفروع المقابلة على اليونينية وامتراء (في الحق) بالميم (﴿ليستخفوا منه﴾)
[هود: ٥] أي (من الله إن استطاعوا) وهذه الألفاظ المفسرة كلها من البسملة إلى هنا ثابتة في رواية
الأبوين ومقدمة عندهما ومؤخرة في رواية غيرهما عن تاليها.
(وقال أبو ميسرة) ضد الميمنة عمرو بن شرحبيل الهمداني التابعي في قوله عز وجل ﴿إن
إبراهيم لأوّاه﴾ (الأوّاء: الرحيم بالحبشية) بالتحتية المشددة والذي في اليونينية بإسقاطها وهذا

٢٨٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
ذكره المؤلف في ترجمة إبراهيم من أحاديث الأنبياء.
(وقال ابن عباس) في قوله تعالى: ((بادىء الرأي﴾) أي (ما ظهر لنا) من غير تعمق.
(وقال مجاهد) في قوله جل وعز: ﴿واستوت على (﴿الجوديّ﴾) [هود: ٤٤] (الجوديّ جبل
بالجزيرة) التي بين دجلة والفرات قرب الموصل تشامخت الجبال يومئذٍ من الغرق وتطاولت وتواضع
هو الله عز وجل فلم يغرق. وقال قتادة: استوت عليه شهرًا يعني حتى نزلوا منها (وقال الحسن)
البصري (﴿إنك لأنت الحليم)) باللام (يستهزئون به. وقال ابن عباس (أقلعي﴾ أمسكي) عن
المطر (﴿عصيب﴾) أي (شديد) ولأبي ذر وقال ابن عباس عصيب شديد (﴿لا جرم﴾) أي (بلى)
((وفاز التنور﴾ نبع الماء) فيه وارتفع كالقدر يفور والتنور تنور الخبز وابتداء النبوع منه خارق
للعادة وكان في الكوفة في موضع مسجدها أو في الهند وقيل في غيرهما. (وقال عكرمة): التنور
(وجه الأرض) وقيل: هو أشرف موضع فيها.
١ - باب
﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيابَهُمْ يَعْلَمُ ما يُسِرُونَ وَما
يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمْ بِذاتِ الصُّدُورِ﴾ [هود: ٥] وَقالَ غَيْرُهُ: وَحاقَ: نَزَلَ، يَحِيقُ: يَنْزِلُ. يَؤُوسٌ:
فَعُولٌ مِنْ يَئِسْتُ. وَقَالَ مُجاهِدٌ: تَبْتَئِسْ: تَحْزَنْ، يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ: شَكٍّ وَامْتِراءٌ فِي الْحَقِّ،
لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ، مِنَ اللهِ إِنِ اسْتَطاعُوا.
((ألا إنهم يثنون صدورهم﴾) مضارع ثنى يثني ثنيًا أي طوى وانحرف وصدورهم مفعول،
والمعنى يحرفون صدورهم ووجوههم عن الحق وقبوله (﴿ليستخفوا منه﴾) اللام متعلقة بيثنون كما
قاله الحوفي وغيره والمعنى إنهم يفعلون ثني الصدور لهذه العلة. وقال الزمخشري ومن تبعه:
متعلقة بمحذوف تقديره ويريدون ليستخفوا من الله فلا يطلع رسوله والمؤمنين على ازورارهم ونظير
اضمار يريدون لعود المعنى إلى إضماره الإضمار في قوله: ﴿أن اضرب بعصاك البحر فانفلق﴾
معناه فضرب فانفلق، لكن قال في الدر ليس المعنى الذي يقودنا إلى إضمار الفعل هناك كالمعنى هنا
لأن ثم لا بدّ من حذف معطوف عليه يضطر العقل إلى تقديره لأنه ليس من لازم الأمر بالضرب
انفلاق البحر فلا بدّ أن يتعقل فضرب فانفلق، وأما في هذه فالاستخفاء علة صالحة لثنيهم
صدورهم فلا اضطرار بنا إلى إضمار الإرادة. قال في فتوح الغيب: شبهه بقوله (اضرب بعصاك)
في مجرد إرادة التقدير ليستقيم المعنى وروي عنه في الحاشية ثني الصدر بمعنى الاعراض إظهار
للنفاق فلم يصح أن يتعلق به لام التعليل، فوجب إضمار ما يصح تعلقها به من شيء يستوي معه
المعنى فلذلك قدر ويريدون ليستخفوا من الله أي يظهرون النفاق ويريدون مع ذلك أن يستخفوا
منه ((ألا حين يستغشون ثيابهم﴾) يجعلونها أغشية وأغطية والناصب للظرف مضمر قدره في
الكشاف بيريدون أي يريدون الاستخفاء حين يستغشون ثيابهم كراهة أن يسمعوا القرآن أو الناصب
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٩

٢٩٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
له قوله (﴿يعلم﴾﴾ أي ألا يعلم (﴿ما يسرون﴾) في قلوبهم (﴿وما يعلنون﴾) بأفواههم فلا تفاوت
في علمه بين سرهم وعلنهم (﴿إنه عليم بذات الصدور)) [هود: ٥] بأسرار ذوات الصدور.
(وقال غيره): أي غير عكرمة (﴿وحاق﴾) أي (نزل يحيق ينزل يؤوس فعول من يئست)
بسكون السين (وقال مجاهد: تبتئس) بفوقيتين مفتوحتين بينهما موحدة ساكنة أي (تحزن ﴿يثنون
صدورهم﴾ شك وامتراء في الحق ﴿ليستخفوا منه﴾) أي (من الله إن استطاعوا).
٤٦٨١ - حدثنا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنُ صَبَّاحِ، حَدَّثَنَا حَجَّاجْ، قال: قال ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادِ بْنُ جَعْفَرَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقْرَأْ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ تَنْتَوْنِي صُدُورُهُمْ﴾ [هود: ٥]
قالَ: سَأَلْتُهُ عَنْها فَقالَ: أُناسٌ كانُوا يَسْتَحْيُونَ أَنْ يَتَخَلَّوْا فَيُفْضُوا إِلى السَّماءِ وَأَنْ يُجامِعُوا نِساءَهُمْ
فَيُفْضُوا إِلَى السَّماءِ فَتَزَلَ ذلِكَ فِيهِمْ. [الحديث ٤٦٨١ - أطرافه في: ٤٦٨٢ - ٤٦٨٣].
وبه قال: (حدّثنا الحسن بن محمد بن صباح) بالصاد المهملة والموحدة المشددة وبعد الألف
حاء مهملة الزعفراني قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن محمد الأعور (قال قال ابن جريج) عبد الملك
(أخبرني) بالإفراد (محمد بن عباد بن جعفر) المخزومي (أنه سمع ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما
(يقرأ: ﴿إلا أنهم تثنوني﴾) بفتح الفوقية والنون الأولى بينهما مثلثة ساكنة وبعد الواو الساكنة نون
أخرى مكسورة ثم ياء تحتية مضارع اثنوني على وزن افعوعل يفعوعل كاعشوشب يعشوشب من
الثني وهو بناء مبالغة لتكرير العين ((صدورهم﴾) بالرفع على الفاعلية ولأبي ذر يثنوني بالتحتية
بدل الفوقية صدورهم بالنصب (قال) أي محمد بن عباد (سألته عنها فقال: أناس كانوا يستحيون)
من الحياء ولأبي ذر يستخفون من الاستخفاء (أن يتخلوا) أي أن يدخلوا في الخلاء (فيفضوا إلى
السماء وأن يجامعوا نساءهم فيفضوا إلى السماء) بعوراتهم مكشوفات فيميلون صدورهم ويغطون
رؤوسهم استخفاء (فنزل ذلك فيهم) ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم﴾ [هود: ٥] الآية. إلى
آخرها.
٤٦٨٢ - حدثنا إِبْراهِيمُ بْنُ مُوسى، أَخْبَرَنا هِشامٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، وَأَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ بْنُ
عَبَّادِ بْنِ جَعْفٍَ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَرَّأَ ﴿أَلا إِنَّهُمْ تَثْنَوْنِي صُدُورُهُمْ﴾ قُلْتُ: يا أَبا الْعَبَّاسِ ما تَثْنَوْنِي
صُدُورُهُم؟ قالَ: كانَ الرَّجُلُ يُجامِعُ امْرَأَتَهُ أوْ يَتَخَلَّى فَيَسْتَحِي، فَنَزَلَتْ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ
صُدُورَهُمْ﴾ .
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (إبراهيم بن موسى) الفراء الرازي الصغير قال: (أخبرنا هشام)
هو ابن يوسف الصنعاني (عن ابن جريج) عبد الملك (وأخبرني محمد بن عباد بن جعفر) بالواو
عطفًا على مقدر أي أخبرني غير محمد بن عباد ومحمد بن عباد (أن ابن عباس) رضي الله تعالى
عنهما قرأ: (ألا أنهم تثنوني﴾) بفتح الفوقية والنون الأولى وكسر الثانية كذا في الفرع وأصله
وبعدها تحتية ((صدورهم﴾) بالرفع ولأبي ذر: يثنون بضم النون الأولى وفتح الثانية وإسقاط

٢٩١
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
التحتية بعدها صدورهم نصب على المفعولية قال محمد بن عباد (قلت: يا أبا العباس) هي كنية
عبد الله بن عباس (ما تثنوني) بفتح النون الأولى وبعد الثانية تحتية (صدورهم) بالرفع (قال: كان
الرجل يجامع امرأته فيستحي) وفي نسخة فيستحيي بمثناتين تحتيتين (أو يتخلى فيستحي) من
كشف عورته (فنزلت): (﴿إلا أنهم يثنون صدورهم﴾) ولأبي ذر: تثنوني بفتح الفوقية والنون
صدورهم رفع.
٤٦٨٣ - حدّثَنا الْحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا عَمْرٌو، قَالَ قَرَأَ ابْنُ عَبَّاسِ: ﴿أَلا إِنَّهُمْ
يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ [هود: ٥] وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنِ ابْنِ
عَبَّاسِ يَسْتَغْشُونَ: يُغَطُّونَ رُؤُوسَهُمْ، سِيءَ بِهِمْ: ساءَ ظَنُّهُ بِقَوْمِهِ، وَضاقَ بِهِمْ: بِأَضْيافِهِ. بِقِطْعٍ مِنَ
اللَّيْلِ: بِسَوادٍ. إِلَيْهِ أُنِيبُ : أَرْجِعُ.
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) عبد الله بن الزبير قال: (حدّثنا سفيان) بن عيينة قال: (حدّثنا
عمرو) هو ابن دينار (قال: قرأ ابن عباس ﴿إلا أنهم يثنون﴾) بالتحتية المفتوحة وضم النون الأولى
وفتح الأخرى من غير تحتية ((صدورهم﴾) نصب على المفعولية ولأبي ذر يثنوني بإثبات التحتية بعد
النون وضم النون الأولى صدورهم بالنصب والتأنيث مجازي فجاز تذكير الفعل باعتبار تأويل فاعله
بالجمع وتأنيثه باعتبار تأويله بالجماعة، وفي بعض الحواشي الموثوق بها وهو في اليونينية قال
الحموي يروى عن ابن عباس ثلاثة أوجه. تثنون أي بالفوقية وضم النون الأولى وفتح الثانية وهي
قراءة الجمهور، ويثنوني أي بالتحتية وضم النون الأولى وبعد الثانية تحتية، وتثنوني أي بالفوقية
وفتح النون الأولى وتحتية بعد الثانية (﴿ليستخفوا منه إلا حين يستغشون ثيابهم)) [هود: ٥].
(وقال غيره): أي غير عمرو بن دينار فيما وصله الطبري من طريق علي بن أبي طلحة (عن
ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى: ﴿يستغشون﴾ أي (يغطون رؤوسهم) قال الحافظ
ابن حجر: وتفسير التغشي بالتغطية متفق عليه وتخصيص ذلك بالرأس يحتاج إلى توقيف وهو
مقبول من ابن عباس.
وقوله في قصة لوط: ((سيء بهم﴾) أي (ساء ظنه بقومه ﴿وضاق بهم)) [هود: ٧٧].
أي (بأضيافه) فالضمير الأول للقوم والثاني للأضياف فاختلف الضميران والأكثرون على اتحادهما
کما مرّ قريبًا.
وقوله تعالى للوط: ﴿فأسر بأهلك﴾ (بقطع من الليل)) [هود: ٨١] أي (بسواد) وصله ابن
أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس وقال قتادة فيما وصله عبد الرزاق بطائفة من
الليل.
(﴿إليه أنيب﴾) ولغير أبي ذر: وقال مجاهد أنيب (أرجع) زاد في نسخة إليه وسقط لغير
أبوي ذر والوقت إليه الأولى.

٢٩٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْماءِ﴾ [هود: ٧]
(باب قوله) جل وعلا: (﴿وكان عرشه على الماء﴾) [هود: ٧] قبل خلق السموات
والأرض. وعن ابن عباس وكان الماء على متن الربح.
٤٦٨٤ - حدثنا أَبُو الْيَمانِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزنادِ، عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَِّ قالَ: ((قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْكَ)) وَقالَ: ((يَدُ الله
مَلَأَى لا يَغِيضُها نَفَقَةُ سَخَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ)). وَقَالَ: ((أَرَأَيْتُمْ ما أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ فَإِنَّهُ
لَمْ يَغِضْ ما فِي يَدِهِ وَكانَ عَرْشُهُ عَلى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ يَخْفِضُ وَيَرْفَعُ)). اغْتَرَاكَ: أَفْتَعَلْتَ مِنْ
عَرَوْتُهُ أَيْ أَصَبْتُهُ. وَمِنْهُ يَعْرُوهُ، وَأَعْتَرانِي. آخِذٌ بِناصِيَتِها: أَيْ فِي مُلْكِهِ وَسُلْطانِهِ. عَنِيدٌ وَعَنُودٌ
وَعانِدٌ وَاحِدٌ. هُوَ تَأْكِيدُ الثَّجَبُّرِ. وَيَقُولُ الأَشْهادُ وَاحِدُهُ شاهِدٌ مِثْلُ: صاحِبٍ وَأَصْحابٍ.
اسْتَعْمَرَكُمْ: جَعَلَكُمْ عُمَّارًا أَعْمَرْتُهُ الدَّارَ فَهِيَ عُمْرَى جَعَلْتُها لَهُ، نَكِرَهُمْ وَأَنْكَرَهُمْ وَاسْتَنْكَرَهُمْ
وَاحِدٌ. حَمِيدٌ مَجِيدٌ كَأَنَّهُ فَعِيلٌ مِنْ ماجِدٍ. مَحْمُودٌ: مِنْ حَمِدَ. سِجْيلْ: الشَّدِيدُ الْكَبِيرُ، سِجْيلٌ
وَسِجْينٌ وَاللَّمُ وَالنُّونُ أُخْتَانِ وَقَالَ تَمِيمُ بْنُ مُقْبِلٍ :
وَرَجْلَةٍ يَضْرِبُونَ الْبَيْضَ ضاحِيَةً ضَرْبًا تَواطى بِهِ الأَبْطَالُ سِجِّينا
وبه قال: (حدّثنا أبو اليمان) الحكم بن نافع قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال:
(حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (عن الأعرج) عبد الرحمن بن هرمز (عن أبي هريرة رضي
الله عنه أن رسول الله) ولأبي ذر عن رسول الله (وَ﴾ قال):
(قال الله عز وجل أَنفق أُنفق عليك) بفتح الهمزة في الأولى وضمها في الثانية وجزم الأول
بالأمر والثاني بالجواب. (وقال يد الله ملأى) كناية عن خزائنه التي لا تنفذ بالعطاء أي (لا
يغيضها) بفتح التحتية وكسر الغين وبالضاد المعجمتين بينهما تحتية ساكنة أي لا ينقصها (نفقة سحاء
الليل والنهار) بنصبهما على الظرفية وسحاء بسين وحاء مشددة مهملتين ممدودًا يقال سح يسح فهو
ساح وهي سحاء وهي فعلاء لا أفعل لها كهطلاء، ويروى سحاب بالتنوين على المصدر أي دائمة
الصب والهطل بالعطاء ووصفها بالامتلاء لكثرة منافعها فجعلها كالعين التي لا يغيضها الاستقاء
ولا ينقصها الامتياح قاله ابن الأثير. ولفظ بيده حكمه حكم سائر المتشابهات تأويلاً وتفويضًا
(وقال أرأيتم) أي أخبروني (ما أنفق) أي الذي أنفقه (منذ) بالنون ولأبي ذر مذ (خلق السماء
والأرض فإنه لم يغض) بفتح التحتية وكسر الغين وبالضاد المعجمتين لم ينقص (ما في يده وكان
عرشه على الماء وبيده الميزان) كناية عن العدل بين الخلق (يخفض ويرفع) من باب مراعاة النظير أي
يخفض من يشاء ويرفع من يشاء ويسع الرزق على من يشاء ويقتره على من يشاء.
وهذا الحديث أخرجه في التوحيد والنسائي في التفسير ببعضه.

٢٩٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
(﴿اعتراك﴾﴾ [هود: ٥٤] من باب (افتعلت) وفي رواية عن الكشميهني أيضًا افتعلك بكاف
الخطاب من باب الافتعال. قال العيني: والصواب أن يقال اعترى افتعل فلا يحتاج لكاف الخطاب
في الوزن (من عروته أي أصبته). قال الجوهري: عروت الرجل أعروه عروًا إذا ألممت به وأتيته
طالبًا فهو معروّ وفلان تعروه الأضياف وتعتر به أي تغشاه (ومنه) أي ومن هذا الأصل قولهم
فلان (يعروه) أي يصيبه (واعتراني) أي تغشاني.
(﴿آخذ بناصيتها﴾﴾ [هود: ٥٦] (أي في ملكه) بضم الميم في الفرع وفي اليونينية بكسرها
(وسلطانه) فهو مالك لها قادر عليها يصرفها على ما يريد بها وهذا كله من قوله اعتراك إلى هنا
ثابت في رواية الكشميهني فقط.
(﴿عنيد﴾) بالياء في قوله: ﴿واتبعوا أمر كل جبار عنيد﴾ [هود: ٥٩]. (وعنود) بالواو
(وعاند) بالألف (واحد) قال أبو عبيدة (هو تأكيد التجبر) وقال غيره هو من عند عندًا وعندًا
وعنودًا إذا طغى، والمعنى عصوا من دعاهم إلى الإيمان، وأطاعوا من دعاهم إلى الكفران.
(﴿ويقول الأشهاد)) [هود: ١٨] قال أبو عبيدة (واحده شاهد مثل صاحب وأصحاب)
وهذا ثابت هنا لأبي ذر فقط وسيأتي بعد إن شاء الله تعالى، والمراد بالأشهاد هنا الملائكة والنبيون
والمؤمنون وعن قتادة الخلائق وهو أعم وقيل الجوارح.
(﴿استعمركم﴾﴾ [هود: ٦١] (جعلكم عمارًا) يقال (يعمرته الدار فهي عمرى) أي (جعلتها
له) ملكًا مدة عمره وهذا تفسير أبي عبيدة وقيل استعمركم فيها أقدركم على عمارتها وأمركم بها.
وقوله: (﴿فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم﴾﴾ [هود: ٧٠] قال أبو عبيدة ﴿نكرهم﴾
أي الثلاثي المجرد (وأنكرهم) الثلاثي المزيد فيه (واستنكرهم) الذي هو من باب الاستفعال كلها
(واحد) في المعنى وهو الإنكار، وذلك أن الخليل عليه الصلاة والسلام لما جاءه الرسل وهم
جبريل ومن معه من الملائكة وجاء بعجل مشوي ورأى أيديهم لا تصل إليه أنكر ذلك، وخاف أن
يريدوا به مكروهًا فقالوا له: لا تخف إنا ملائكة مرسلة بالعذاب إلى قوم لوط عليه الصلاة والسلام
وإنما لم نمد أيدينا إليه لأنا لا نأكل.
(﴿حميد مجيد﴾) [هود: ٧٣] (كأنه) أي مجيد على وزن (فعيل من) صيغة (ماجد) والتعبير
بكأن فيه شيء فإنه بوزن فعيل من غير شك، وقال القشيري قيل هو بمعنى العظيم الرفيع القدر
فهو فعيل بمعنى مفعول وقيل معناه الجزيل العطاء فهو فعيل بمعنى فاعل وحميد أي (محمود) لفعل
ما يستحق به الحمد يوصل العبد إلى مراده فلا يبعد أن يرزق الولد في ابان الكبر وهو مأخوذ (من
حمد) بفتح الحاء وفي نسخة حمد بضمها مبنيًّا للمجهول فهو حامد.
(﴿سجيل﴾) يريد قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾ [هود: ٨٢] قال أبو
عبيدة هو (الشديد الكبير) بالموحدة من الحجارة الصلبة. واستشكله السفاقسي كابن قتيبة بأنه لو

٢٩٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
كان معنى السجيل الشديد لما دخلت عليه من وكان يقال حجارة سجيلاً لأنه لا يقال حجارة من
شديد. وأجيب: باحتمال حذف الموصوف أي وأرسلنا عليهم حجارة كائنة من شديد كبير أي من
حجر قوي شديد صلب (سجيل) باللام (وسجين) بالنون بمعنى واحد (واللام والنون أختان) من
حيث إنهما من حروف الزوائد وكل منهما يقلب عن الآخر.
(وقال تميم بن مقبل): العامري العجلاني الشاعر المخضرم مما يشهد لذلك:
(ورجلة) بفتح الراء وسكون الجيم والجر أي ورب رجلة جمع راجل خلاف الفارس
(يضربون البيض) بفتح الموحدة في الفرع جمع بيضة وهي الخوذة أي يضربون مواضع البيض وهي
الرؤوس، وفي نسخة البيض بكسر الموحدة جمع أبيض وهو السيف أي يضربون بالبيض على نزع
الخافض (ضاحية) بالضاد المعجمة أي في وقت الضحوة أو ظاهرة (ضربًا تواصى) بحذف إحدى
التاءين إذ أصله تتواصى (به الأبطال) أي الشجعان (سجينًا) بكسر السين وتشديد الجيم وبالنون
أي شدیدًا.
٣ - باب
﴿وَإِلى مَذْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [هود: ٨٤] أَيْ إِلى أَهْلِ مَذْيَنَ لأَنَّ مَذْيَنَ بَلَدٌ وَمِثْلُهُ ﴿وَأَسْأَلِ
الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢] ﴿وَأَسْأَلِ الْعِيرَ﴾ يَغْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ وَالْعِيرِ ﴿وَرَاءَكُمْ ظِهْرِيًّا﴾ [هود: ٩٢]
يَقُولُ: لَمْ تَلْتَفِتُوا إِلَيْهِ. وَيُقالُ إِذا لَمْ يَقْضِ الرَّجُلُ حاجَتَهُ ظَهَرَتْ بِحَاجَتِي وَجَعَلَتْنِي ظِهْرِيًّا
وَالظُّهْرِيُّ هُهُنَا أَنْ تَأْخُذَ مَعَكَ دابَّةً أَوْ وِعاءَ تَسْتَظْهِرُ بِهِ، أَراذِلُنا: سُقاطُنا، إِجْرامِي: هُوَ مَصْدَرٌ مِنْ
أَجْرَمْتُ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ: جَرَمْتُ. الْفُلْكُ وَالْفَلَكُ: وَاحِدٌ وَهيَ السَّفِينَةُ، وَالسُّفْنُ. مُجْراها:
مَدْفَعُها وَهْوَ مَصْدَرُ أَجْرَيْتُ، وَأَرْسَيْتُ حَبَسْتُ وَيُقْرَأُ مَرْساها مِنْ رَسَتْ هِيَ وَمَجْراها مِنْ جَرَتْ
هِيَ وَمُجْرِيها وِمُرْسِيها مِنْ فُعِلَ بِها الرَّاسِياتُ ثابِتَاتٌ. [الحديث ٤٦٨٤ - أطرافه في: ٥٣٥٢-
٧٤١١ - ٧٤١٩ - ٧٤٩٦].
(﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا﴾) [هود: ٨٤] أي وأرسلنا (إلى أهل مدين) أخاهم شعيبًا (لأن
مدين بلد) بناه مدين فسمى باسمه فهو على حذف مضاف (ومثله) في ذلك (﴿واسأل القرية﴾)
[يوسف: ٨٢] أي واسأل العير يعني أهل (القرية والعير) ولأبي ذر وأصحاب العير وكان أهل
قرية شعيب مطففين فأمرهم بالتوحيد أولاً لأنه للأصل ثم إن يوفوا حقوق الناس ولا ينقصوهم.
(﴿وراءكم ظهريًا﴾) [هود: ٩٢] يريد قول شعيب لما قال له قومه: ﴿ولولا رهطك لرجمناك﴾
[هود: ٩١] ﴿يا قوم أرهطي أعز عليكم من الله واتخذتموه وراءكم ظهريًا﴾ [هود: ٩٢] (يقول لم تلتفتوا
إليه) أي جعلتم أمر الله خلف ظهوركم تعظمون أمر رهطي وتتركون تعظيم الله تعالى ولا تخافونه
(ويقال: إذا لم يقض الرجل حاجته) أي حاجة زيد مثلاً (ظهرت بحاجتي) ولأبي ذر لحاجتي باللام بدل

٢٩٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
الموحدة كأنه استخف بها (وجعلتني) ولأبي ذر عن الكشميهني وجعلني بإسقاط الفوقية (ظهريًا) أي
خلف ظهرك (والظهري: هلهنا أن تأخذ معك دابة أو وعاء تستظهر به) عند الحاجة إن احتجت
لكن هذا لا يصح أن يفسر به ما في القرآن فحذف هلهنا كما لأبي ذر أوجه.
(﴿أراذلنا﴾) يريد قول قوم نوح عليه السلام: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾
[هود: ٢٧] أي (سقاطنا) بضم السين وتخفيف القاف وهو الذي في اليونينية وفي بعضها سقاطنا
بتشديدها وفي نسخة أسقاطنا أي أخساؤنا وهذا كله من قوله: ﴿وإلى مدين﴾ إلى هنا ثابت
للكشميهني فقط وسقط لأبي ذر وقوله أخاهم شعيبًا.
(﴿إجرامي﴾) يريد قوله: ﴿قل إن افتريته فعليّ إجرامي﴾ (هو مصدر من أجرمت) بالهمزة
(وبعضهم يقول): من (جرمت) ثلاثي مجرد والمعنى إن صح أني افتريته فعلي وبال إجرامي وحيث
لم يصح فأنا بريء من نسبة الافتراء إليّ وأم في قوله أم يقولون منقطعة تفيد الإضراب عن النصح
فيكون نسبة الافتراء إلى نوح، وذهب بعضهم إلى أنه اعتراض خوطب به النبي وَلقر وسقط لفظ
هو الذي بعد إجرامي لأبي ذر.
(﴿الفلك﴾) بضم الفاء وسكون اللام (والفلك واحد) بفتحتين كذا في الفرع وأصله وفي
نسخة الفلك والفلك بضم الفاء فيهما وإسكان اللام وفتحها في الثاني، وفي نسخة الفلك والفلك
بفتحتين في الأول وبضم ثم سكون في الثاني ورجحه السفاقسي وقال الأول واحد، والثاني جمع
مثل أسد وأسد، وفي أخرى الفلك والفلك بضم ثم سكون فيهما جمعًا، وصوبه القاضي عياض
والمراد أن الجمع والواحد بلفظ واحد في التنزيل في المفرد ﴿في الفلك المشحون﴾ وفي الجمع
﴿حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم﴾ (وهي السفينة) في الواحد (والسفن) في الجمع واللفظ
وإن كان واحدًا لكنه مختلف بحسب التقدير فضمة فلك للواحد كضمة قفل وضمة فلك للجمع
کضمة أُسد.
(﴿مجراها﴾) بضم الميم يريد قوله تعالى: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها﴾ [هود: ٤١].
أي (مدفعها) بفتح الميم وفي بعض الأصول موقفها بالواو والقاف والفاء وعزي لرواية القابسي قال
الحافظ ابن حجر: وهو تصحيف لم أره في شيء من النسخ وهو فاسد المعنى (وهو) أي مجراها
(مصدر أجريت وأرسيت) أي (حبست ويقرأ) بالتحتية، ولأبي ذر: وتقرأ بالفوقية (﴿مرساها))
بفتح الميم (من رست هي) أي السفينة أي ركدت واستقرت (ومجراها) بفتح الميم (من جرت هي)
وفتح الميمين وهي قراءة المطوّعي عن الأعمش (و) يقرأ أيضًا (مجريها ومرسيها) بضم الميم وياء
ساكنة فيهما بدل الألف مع كسر الراء والسين وهي قراءة الحسن، والمعنى الله مجريها ومرسيها
وهي مأخوذة (من فعل بها) بكسر ميم من وضم فاء فعل مبنيًا للمفعول ولأبي ذر ومجراها ومرسيها
بضم الميمين وهي قراءة الحرمين والبصري والشامي وأبي بكر وقرأ حفص والأخوان بفتح الميم في
الأول وضمها في الثاني فالفتح من الثلاثي والضم من الرباعي.

٢٩٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
(الراسيات) ولأبي ذر: راسيات (ثابتات) يريد قوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قدور راسيات﴾
[سبأ: ١٣]. وذكره استطرادًا لذكر مرساها.
٤ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هُؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ
أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] واحِدُ الأَشْهادِ شاهِدٌ مِثْلُ صاحِبٍ وَأَضْحاب
(باب قوله) عز وجل: (﴿ويقول الأشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على
الظالمين﴾﴾ [هود: ١٨]. وسقط لأبي ذر (﴿على ربهم)) الخ وقال الآية. (واحد الأشهاد) ولأبي
ذر: واحدة الأشهاد (شاهد) بتاء التأنيث في الفرع والذي في اليونينية واحده بضم الدال والهاء
شاهد (مثل صاحب وأصحاب) وقد ثبت ذكر هذا بلفظ: ويقول الأشهاد واحدها شاهد مثل
صاحب وأصحاب في رواية أبي ذر في غير هذا الموضع قريبًا.
٤٦٨٥ - حدثنا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، وَهِشامٌ قالا: حَدَّثَنَا قَتَادَةُ عَنْ
صَفْوانَ بْنِ مُخْرِزٍ قَالَ: بَيْنا ابْنُ عُمَرَ يَطُوفُ إِذْ عَرْضَ رَجُلٌ فَقالَ: يا أَبا عَبْدِ الرَّحْمْنِ، أَوْ قالَ يا
ابْنَ عُمَرَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ وَّهِ فِي النَّجْوى؟ فَقالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ◌َّهَ يَقُولُ: ((يُذْنَى الْمُؤْمِنُ مِنْ
رَبِِّ)) وَقَالَ هِشامٌ: ((يَذْنُو الْمُؤْمِنُ حَتَّى يَضَعَ عَلَيْهِ كَنَفَهُ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهِ، تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا يَقُولُ أَعْرِفُ
رَبِّ يَقُولُ: أَغْرِفُ مَرْتَيْنِ، فَيَقُولُ: سَتَرْتُها فِي الدُّنْيَا وَأَغْفِرُها لَكَ الْيَوْمَ، ثُمَّ تُطْوِى صَحِيفَةُ حَسَناتِهِ
وَأَمَّا الآخَرُونَ أَوِ الْكُفَّارُ فَيُنادَى عَلَى رُؤُوسِ الأَشْهَادِ هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ)). وَقالَ شَيْبانٌ
عَنْ قَتَادَةَ حَدَّثَنَا صَفْوانُ.
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) بضم الزاي مصغرًا
قال: (حذّثنا سعيد) هو ابن أبي عروبة (وهشام) هو ابن أبي عبد اللَّه الدستوائي (قالا: حدّثنا
قتادة) بن دعامة (عن صفوان بن محرز) بضم الميم وسكون الحاء المهملة وكسر الراء آخره زاي أنه
(قال: بينا) بغير ميم (ابن عمر) عبد الله (يطوف) بالكعبة (إذ عرض) له (رجل) لم يسم (فقال) له
(يا أبا عبد الرحمن أو قال يا ابن عمر) وسقط لأبي ذر لفظ قال (هل سمعت النبي ◌َّر في
النجوى؟) التي تكون في القيامة بين الله تعالى وبين المؤمنين (فقال): ولأبي ذر قال: (سمعت
النبي ◌َّه يقول):
(يدنى المؤمن من ربه) بضم الياء وفتح النون من يدني مبنيًا للمفعول أي يقرب منه.
(وقال هشام) الدستوائي: (يدنو المؤمن) بفتح الياء وضم النون أي يقرب من ربه (حتى
يضع عليه) ربه (كنفه) بنون مفتوحة أي جانبه والدنو والكنف مجازان والمراد الستر والرحمة (فيقرره
بذنوبه) ولأبي ذر فيقرره بنصب الراء يقول له (تعرف ذنب كذا؟ يقول) العبد (أعرف رب يقول
أعرف مرتين) بحذف أداة النداء من الأولى وهي المنادى في الثانية (فيقول) الله جل وعلا (سترتها)

٢٩٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
أي عليك (في الدنيا وأغفرها لك اليوم ثم تطوى صحيفة حسناته) بضم التاء الفوقية وفتح الواو
مبنيًا للمفعول من الطيّ ولأبي ذر عن الكشميهني ثم يعطى من الإعطاء مبنيًا للمفعول صحيفة
نصب على المفعولية أي يعطى هو صحيفة حسناته (وأما الآخرون) بالمد وفتح الخاء المعجمة
(والكفار) بالشك من الراوي (فينادى) بالتحتية وفتح الدال (على رؤوس الأشهاد هؤلاء الذين
كذبوا ربهم) زاد أبو ذر: ألا لعنة الله على الظالمين، وهذا وعيد شديد.
(وقال شيبان) بن عبد الرحمن النحوي مما وصله ابن مردويه (عن قتادة حدّثنا صفوان) أي
عن ابن عمر.
وهذا الحديث سبق في المظالم.
٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ
إِذا أَخَذَ الْقُرِى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢] الرِّفْدُ: الْمَرْفُودُ:
الْعَوْنُ: الْمُعِينُ، رَفَذْتُهُ: أَعَنْتُهُ، تَزْكَنُوا: تَمِيلُوا، فَلَوْلا كانَ: فَهَلاَّ كانَ،
أُتْرِقُوا: أُهْلِكُوا، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ شَدِيدٌ وَصَوْتٌ ضَعِيفٌ
(باب قوله) سبحانه وتعالى: ((وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى﴾) وكذلك خبر مقدم
وأخذ مبتدأ مؤخر والتقدير ومثل ذلك الأخذ أي أخذ الله الأمم السالفة أخذ ربك وإذا ظرف
ناصبة المصدر قبله والمسألة من باب التنازع فإن الأخذ بطلب القرى وأخذ الفعل أيضًا يطلبها
فالمسألة من أعمال الثاني للحذف من الأول (﴿وهي ظالمة﴾) جملة حالية (﴿إن أخذه أليم شديد﴾)
[هود: ١٠٢] وجيع صعب على المأخوذ وفيه تحذير عظيم عن الظلم كفرًا كان أو غيره لغيره أو
لنفسه ولكل أهل قرية ظالمة.
(﴿الرفد المرفود﴾) [هود: ٩٩] قال أبو عبيدة (العون المعين) بضم الميم وكسر العين فسر
المرفود بالمعين. قال في المصابيح وفيه نظر، وقال البرماوي: والوجه المعان، ثم وجهه كالكرماني
بأن يكون الفاعل فيه بمعنى المفعول أو يكون من باب ذي كذا أي عون ذي إعانة وفي نسخة
المعان بالألف بدل المعين (رفدته) أي (أعنته).
وقوله تعالى: (﴿ولا﴾ ﴿تركنوا﴾) ﴿إلى الذين ظلموا﴾ [هود: ١١٣] أي لا (تميلوا) إليهم
أدنى ميل فإن الركون هو الميل اليسير كالتزيي بزيهم وتعظيم ذكرهم أو لا ترضوا أعمالهم. روى
عبد بن حميد من طريق الربيع بن أنس: لا تركنوا إلى الذين ظلموا لا ترضوا أعمالهم فمن استعان
بظالم فكأنه قد رضي بفعله وإذا كان في الركون إلى من وجد منه ما يسمى ظلمًا هذا الوعيد
الشديد فما ظنك بالركون إلى الموسومين بالظلم ثم بالميل إليهم كل الميل ثم بالظلم نفسه والانهماك
فیه أعاذنا الله من كل مكروه بمنّه وكرمه.

٢٩٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
(﴿فلولا كان﴾﴾ [هود: ١١٦] أي (فلا كان) وهي في حرف ابن مسعود رواه عبد الرزاق
وسقط من تركنوا إلى هنا لأبي ذر.
(﴿أترفوا﴾) أي (أهلكوا) قال في الفتح: هو تفسير باللازم أي كان الترف سببًا لإهلاكهم.
(وقال ابن عباس: زفير وشهيق) الزفير صوت (شديد و) الشهيق (صوت ضعيف) وقال في
الأنوار الزفير إخراج النفس والشهيق رده وسقط لأبي ذر قول ابن عباس هذا الخ.
٤٦٨٦ - حدثنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنا أَبُو مُعاوِيَةً، حَدَّثَنَا بُرَيْدُ بْنُ أَبِي بُرْدَةَ، عَنْ أَبِي
بُرْدَةً، عَنْ أَبِي مُوسى رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُ قالَ: قالَ رَسُولُ اللَّهِ وَّهِ: ((إِنَّ اللّهَ لَيُمْلِي لِلظَّالِمِ حَتَّى
إِذَا أَخَذَهُ لَمْ يُقْلِتْهُ)) قَالَ ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرِى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ
شَدِيدٌ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا أبو معاوية) محمد بن خازم بالخاء
والزاي المعجمتين بينهما ألف وآخره ميم الضرير قال: (حدّثنا بريد بن أبي بردة) بضم الموحدة
وفتح الراء في الأول وضم الموحدة وسكون الراء في الثاني وهو جد بريد واسم أبيه عبد اللَّه بن
أبي بردة (عن) جده (أبي بردة) عامر (عن) أبيه (أبي موسى) عبد الله بن قيس الأشعري (رضي الله
تعالى عنه) أنه (قال: قال رسول الله (صَل ◌ٍ):
(إن الله ليملي) اللام للتأكيد ويملي أي يمهل (للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته) بضم أوله أي لم
يخلصه أبدًا لكثرة ظلمه بالشرك فإن كان مؤمنًا لم يخلصه مدة طويلة بقدر جنايته. (قال) أي أبو
موسى (ثم قرأ) # ### (﴿وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد)).
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأدب والترمذي والنسائي في التفسير وابن ماجه في
الفتن.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ
وَزُلْفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ [هود: ١١٤]
وَزُلْفًا ساعاتٍ: بَعْدَ ساعاتٍ، وَمِنْهُ سُمِّيَتِ الْمُزْدَلِفَةُ. الزُّلَفُ مَنْزِلَةٌ: بَعْدَ مَنْزِلَةٍ
وَأَمَّا زُلْفِى فَمَصْدَرٌ مِنَ الْقُرْبِى، ازْدَلَفُوا: اجْتَمَعُوا، أزْلَفْنا: جَمَعْنَا
(باب قوله) تعالى: ((وأقم الصلاة﴾) المفروضة (﴿طرفي النهار﴾) ظرف لأقم قال في الدر:
ويضعف أن يكون ظرفًا للصلاة كأنه قيل أقم الصلاة الواقعة في هذين الوقتين والطرف وإن لم
يكن ظرفًا لكنه لما أضيف إلى الظرف أعرب بإعرابه كقوله: أتيت أول النهار وآخره ونصف الليل
بنصب هذه كلها على الظرف لما أضيفت إليه وإن كانت ليست موضوعة للظرفية (﴿وزلفًا من

٢٩٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة هود
الليل﴾) نصب على طرفي فينتصب على الظرف إذ المراد به ساعات الليل القريبة أو على المفعول به
نسقًا على الصلاة واختلف في طرفي النهار وزلف الليل فقيل الطرف الأول الصبح والثاني الظهر
والعصر والزلف المغرب والعشاء وقيل الطرف الأول الصبح والثاني العصر والزلف المغرب والعشاء
وليست الظهر في هذه الآية على هذا القول بل على غيرها وقيل الطرفان الصبح والمغرب وقيل غير
ذلك وأحسنها الأول (﴿إنَّ الحسنات يذهبن السيئات﴾) أي تكفرها (﴿ذلك ذكرى للذاكرين﴾)
[هود: ١١٤] عظة لمن يتعظ إذا وعظ.
(﴿وزلفًا﴾): بفتح اللام أي (ساعات بعد ساعات) واحدتها زلفة أي ساعة ومنزلة (ومنه
سميت المزدلفة) أي لمجيء الناس إليها في ساعات من الليل أو لازدلافهم يعني لاقترابهم إلى الله
وحصول المنزلة لهم عنده فيها (الزلف منزلة بعد منزلة) فتكون بمعنى المنازل (وأما زلفى فمصدر
من القربى) قال الله تعالى: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ [ص: ٢٥] (ازدلفوا) بالدال بعد
الزاي أي (اجتمعوا أزلفنا) أي (جمعنا) قال تعالى: ﴿وأزلفنا ثمّ الآخرين﴾ [الشعراء: ٦٤]. أي
جمعنا.
٤٦٨٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ التَّيْمِيِّ، عَنْ أَبِي عُثْمانَ، عَنِ
ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالَى عَنْهُ أَنَّ رَجُلاً أَصابَ مِنَ امْرَأَةٍ قُبْلَةٌ فَأَتَّى رَسُولَ اللَّهِ وَّهِ فَذَكَرَ ذَلِكَ
لَهُ فَأَنْزِلَتْ عَلَيْهِ ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَى النَّهارِ وَزُلْفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذلِكَ
ذِكْرِى لِلذَّاكِرِينَ﴾ قالَ الرَّجُلُ: أَلِي هذِهِ؟ قالَ: ((لِمَنْ عَمِلَ بِها مِنْ أُمَّتِي)).
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهد قال: (حدّثنا يزيد بن زريع) مصغرًا ولغير أبي ذر
هو ابن زريع قال: (حدّثنا سليمان التيمي عن أبي عثمان) عبد الرحمن النهدي (عن ابن مسعود)
عبد الله (رضي الله تعالى عنه أن رجلاً) هو أبو اليسر كعب بن عمرو وقيل نبهان التمار وقيل
عمرو بن غزية (أصاب من امرأة) من الأنصار كما عند ابن مردويه (قبلة فأتى رسول الله الخولى
فذكر ذلك له).
وعند مسلم وأصحاب السنن من طريق سماك بن حرب عن إبراهيم النخعي عن علقمة
والأسود عن ابن مسعود: جاء رجل إلى النبي 9ّ فقال: يا رسول الله إني وجدت امرأة في
بستان ففعلت بها كل شيء غير أني لم أجامعها قبلتها ولزمتها فافعل بي ما شئت.
(فأنزلت عليه) وَ لتر والفاء عاطفة على مقدر أي فذكر له فسكت رسول الله ◌َلحر وصلى
الرجل مع النبي ◌َ ◌ّهو كما في حديث أنس فأنزل الله: (﴿وأقم الصلاة طرفي النهار وزلفًا من الليل
إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين﴾ قال الرجل: ألي هذه؟) بفتح الهمزة للاستفهام
أي أهذه الآية بأن صلاتي مذهبة لمعصيتي مختصة بي أو عامة للناس كلهم (قال) عليه الصلاة
والسلام: (لمن عمل بها من أمتي).

٣٠٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة يوسف
واستنبط ابن المنذر منه أنه لا حدّ على من وجد مع أجنبية في لحاف واحد وفيه عدم الحدّ
في القبلة ونحوها وسقوط التعزير عمن أتى شيئًا منها وجاء تائبًا نادمًا.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلاة كفارة من المواقيت من كتاب الصلاة.
[١٢] سُورَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةِ وَالسَّلامُ
(بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) وَقَالَ فُضَيْلُ: عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مُتْكًا الأُتْرُجُ، قَالَ
فُضَيْلٌ: الأُتْرُجُ بِالْحَشِيَّةِ: مُتْكًا، وَقَالَ ابْنُ عُبَيْنَةً عَنْ رَجُلٍ، عَنْ مُجاهِدٍ مُتْكًا الأَتْرُجُ، قَالَ فُضَيْلٌ:
الأُتْرُجُ بِالْحَبَشَةِ: مُتْكًا، كُلِّ شَيْءٍ قُطِعَ بِالسِّكْيْنِ، وَقَالَ قَنَادَةُ: لَذُو عِلْمٍ عامِلٌ بِما عَلِمَ، وَقَالَ ابْنُ
جُبَيْرٍ: صُواعْ مَكُوكُ الْفارِسِيِّ الَّذِي يَلْتَقِي طَرَفاهُ، كانَتْ تَشْرَبُ بِهِ الأَعاجِمُ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:
تُفَنِّدُونِ: تُجَهُلُونٍ، وَقَالَ غَيْرُهُ: غَيَابَةٌ كُلُّ شَيْءٍ غَيَّبَ عَنْكَ شَيْئًا فَهُوَ غَيَابَةٌ، وَالْجُبُّ: الرِّكِيَّةُ الَّتِي
لَمْ تُطْوَ، بِمُؤْمِنٍ لَنا: بِمُصَدِّقٍ، أَشْدَّهُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ فِي النَّقْصَانِ يُقالُ: بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغُوا أَشُدَّهُمْ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَاحِدُها شَدَّ. وَالْمُتَّكَأُ مَا أَتَّكَأْتَ عَلَيْهِ لِشَرَابٍ أَوْ لِحَدِيثٍ أَوْ لِطَعامٍ وَأَبْطَلَ الَّذِي
قالَ الأَتْرُجُ: وَلَيْسَ فِي كَلامِ الْعَرَبِ الأَتْرُجُ فَلَمَّا أَخْتُجَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُ الْمُتَكَاءُ مِنْ نَمارِقَ فَرُوا إِلَى شَرِّ
مِنْهُ فَقالُوا: إِنَّمَا هُوَ الْمُتْكُ ساكِنَّةَ النَّاءِ وَإِنَّمَا الْمَتْكُ طَرَفُ الْبَظْرِ وَمِنْ ذلِكَ قِيلَ لَها؛ مَتْكَاءُ وَابْنُ
الْمَتْكَاءِ فَإِنْ كانَ ثَمَّ أَتْرُجُّ فَإِنَّهُ بَعْدَ الْمُتَّكٍَ، شَغَفَها يُقالُ: بَلَغَ إِلى شِغافِها وَهُوَ غِلافُ قَلْبِها وَأَمَّا
شَعَفَها: فَمِنَ الْمَشْعُوفِ، أَصْبُ: أَمِيلُ، أَضْغاثُ أَخْلامِ: ما لا تَأْوِيلَ لَهُ، وَالضُّغْتُ: مِلْءُ الْيَدِ
مِنْ حَشِيشٍ وَمَا أَشْبَهَهُ وَمِنْهُ وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْئًا لاَ مِنْ قَوْلِهِ أَضْغَاثُ أَحْلامِ وَاحِدُها: ضِغْتُ، نَمِيرُ:
مِنَ الْمِيرَةِ. وَنَزْدادُ كَيْلَ بَعِيرٍ: مَا يَحْمِلُ بَعِيرٌ، آوَى إِلَيْهِ: ضَمَّ إِلَيْهِ، السَّقَايَةُ: مِكْيالٌ. اسْتَيْأَسُوا:
يَئِسُوا. وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ: مَغْناهُ الرَّجَاءُ، خَلَصُوا نَجِيًّا: اعْتَرَفُوا نَجِيًّا وَالْجَمْعُ أَنْجِيَةٌ
يَتَنَاجُونَ الْوَاحِدُ نَجِيٍّ وَالاثْنَانِ وَالْجَمْعُ نَجِيٍّ وَأَنْجِيَةٌ. تَفْتَأُ: لا تَزَالُ. حَرَضًا مُخْرَضًا: يُذِيبُكَ
الْهَمُّ، تَحَسَّسُوا: تَخَبَّرُوا، مُزْجاةً: قَلِيلَةٌ، غاشِيَةٌ مِنْ عَذابِ اللَّهِ عامَّةٌ مُجَلَّلَةٌ.
([١٢] سورة يوسف عليه الصلاة والسلام)
مكية وهي مائة وإحدى عشرة آية.
(بسم الله الرحمن الرحيم) كذا لأبي ذر وسقطت لغيره.
(وقال فضيل): بضم الفاء وفتح المعجمة ابن عياض بن موسى الزاهد المتوفى بمكة سنة سبع
وثمانين ومائة مما وصله ابن المنذر ومسدد في مسنده (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين
ابن عبد الرحمن السلمي (عن مجاهد) هو ابن جبر المفسر (متكأ) بضم الميم وسكون الفوقية وتنوین
الكاف من غير همز وهي قراءة ابن عباس وابن عمر ومجاهد وقتادة والجحدري (الأترج) بضم