Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة [٩] سُورَةُ بَراءَةً ﴿وَلِيجَةً﴾ كُلِّ شَيْءٍ أَدْخَلْتَهُ فِي شَيْءٍ، ﴿الشُّقَّةُ﴾: السَّفَرُ، الْخَبالُ: الْفَسادُ، وَالْخَبالُ: الْمَوْتُ، وَلا تَفْتِنِي: لا تُوَبِّخْنِي، كَرْهًا وَكُزْهَا وَاحِدٌ، مُدَّخَلاً: يَدْخُلُونَ فِيهِ يَجْمَحُونَ: يُسْرِعُونَ، وَالْمُؤْتَفِكَاتُ أَنْتَفَكَتٍ: أَنْقَلَبَتْ بِهَا الأَرْضُ، أَهْوَى: أَلْفَاهُ فِي هُوَّةٍ، عَدْنٍ خُلْدٍ عَدَنْتُ بِأَرْضِ أَيْ أَقَمْتُ، وَمِنْهُ مَعْدِنْ وَيُقالُ فِي مَعْدِنِ صِدْقٍ فِي مَنْبِتِ صِدْقٍ، ﴿الْخَوَالِفُ﴾: الْخَالِفُ الَّذِي خَلَفَّنِي فَقَعَدَ بَعْدِي، وَمِنْهُ يَخْلُقُهُ فِي الْغَابِرِينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النِّسَاءُ مِنَ الْخَالِفَةِ، وَإِنْ كانَ جَمْعَ الذُّكُورِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجَدْ عَلى تَقْدِيرِ جَمْعِهِ إِلاَّ حَرْفانٍ، فَارِسٌ، وَفَوارِسٌ وَهُالِكٌ وَهَوَالِكُ: الْخَيْراتُ وَاحِدُها خَيْرَةٌ، وَهِيَ الْفَواضِلُ. مُرْجَوْنَ: مُؤَخَّرُونَ، الشّفاشَفِيرٌ وَهُوَ حَدَّهُ، وَالْجُرُفُ: ما تَجَرَّفَ مِنَ السُّيُولِ وَالأَوْدِيَةِ. هارٍ: هائِرٍ، لأَوَّاهْ شَفَقًا وَفَرَقًا وَقَالَ الشَّاعِرُ: إِذا ما قُمْتُ أَرْحَلُها بِلَيْلِ تَأَوَّهُ آهَةَ الرَّجُلِ الْحَزِينِ يُقالُ: تَهَوَّرَتِ الْبِثْرُ: إِذَا أَنْهَدَمَتْ وَأَنَّهَارَ مِثْلُهُ. ([٩] سورة براءة) مدنية ولها أسماء أخر تزيد على العشرة منها: التوبة والفاضحة والمقشقشة لأنها تدعو إلى التوبة وتفضح المنافقين وتقشقشهم أي تبرىء منهم وهي من آخر ما نزل ولم يكتبوا بسملة أو لها أمان وبراءة نزلت لرفعه أو توفي رسول الله وي ليه ولم يبين موضعها، وكانت قصتها تشابه قصة الأنفال لأن فيها ذكر العهود وفي براءة نبذها فضمت إليها. (﴿وليجة﴾) يريد قوله تعالى: ﴿ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة﴾ [التوبة: ١٦] (كل شيء أدخلته في شيء) وهي فعيلة من الولوج كالدخيلة وهي نظير البطانة والداخلة والمعنى لا ينبغي أن يوالوهم ويفشوا إليهم أسرارهم وسقط قوله وليجة الخ لأبي ذر وثبت لغيره. (﴿الشقة﴾) في قوله: ﴿بعدت عليهم الشقة﴾ [التوبة: ٤٢] هي (السفر) وقيل هي المسافة التي تقطع بمشقة يقال شقة شاقة أي بعدت عليهم الشاقة البعيدة أي يشق على الإنسان سلوكها. (الخبال) في قوله: ﴿ما زادوكم إلا خبالاً﴾ [التوبة: ٤٧] (الفساد) والاستثناء يجوز أن يكون منقطعًا أي أنه لم يكن في عسكر رسول الله وَلغير خبال فيزيد المنافقون فيه، وكأن المعنى ما زادوكم قوّة ولا شدة لكن خبالاً وأن يكون متصلاً وذلك أن عسكر الرسول و ﴿ في غزوة تبوك كان فيهم منافقون كثير ولهم لا محالة خبال فلو خرج هؤلاء لالتأموا مع الخارجين فزاد الخبال. (والخبال: الموت) كذا في جميع الروايات والصواب الموتة بضم الميم وزيادة هاء آخره وهو ضرب من الجنون. إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٦ ٢٤٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة وقوله تعالى: (﴿ولا تفتني﴾) أي (لا توبخني) من التوبيخ ولأبي ذر عن المستملي لا توهني بالهاء وتشديد النون من الوهن وهو الضعف ولابن السكن ولا تؤثمني بمثلثة مشددة وميم ساكنة من الإثم وصوبه القاضي عياض. (﴿كرهًا﴾) بفتح الكاف (وكرها) بضمها (واحد) في المعنى ومراده قوله تعالى: ﴿قل أنفقوا طوعًا أو كرهًا﴾ وسقط كرهًا الخ لأبي ذر. (﴿مدخلاً﴾) بتشديد الدال يريد لو يجدون ملجأ أو مغارات أو مدخلاً أي: (يدخلون فيه) والمدخل السرب في الأرض وقوله تعالى: ﴿لولوا إليه وهم﴾ (﴿يجمحون﴾) [التوبة: ٥٧] أي (يسرعون) إسراعًا لا يردّهم شيء كالفرس الجموح. وقوله: ﴿وأصحاب مدين﴾ (﴿والمؤتفكات)) [التوبة ٧٠] وهي قريات قوم لوط (ائتفكت) أي (انقلبت بها) أي القريات (الأرض) فصار عاليها سافلها وأمطروا حجارة من سجيل. (﴿أهوى﴾) يريد: ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ بسورة النجم يقال: (ألقاه في هؤة) بضم الهاء وتشديد الواو أي مكان عميق وذكرها استطرادًا. وقوله تعالى: ﴿في جنات﴾ ((عدن)) [التوبة: ٧٢] أي (خلد) بضم الخاء المعجمة وسكون اللام يقال (عدنت بأرض أي أقمت) بها (ومنه معدن) وهو الموضع الذي يستخرج منه الذهب والفضة ونحوهما (ويقال) فلان (في معدن صدق) أي (في منبت صدق) كأنه صار معدنًا له للزومه له وسقط لأبي ذر من عدنت الخ. (﴿الخوالف﴾) يريد قوله: ﴿رضوا بأن يكونوا مع الخوالف﴾ [التوبة: ٨٧] وفسره بقوله (الخالف الذي خلفني فقعد بعدي ومنه) أي من هذا اللفظ (يخلفه في الغابرين). قال عليه الصلاة والسلام في حديث أم سلمة ((اللهم اغفر لأبي سلمة وارفع درجته في المهديين واخلفه في عقبه في الغابرين)) رواه مسلم. قال النووي أي الباقين (ويجوز أن يكون النساء من الخالفة) وهي المرأة (وإن) بالواو ولأبي ذر: فإن (كان) خوالف (جمع الذكور فإنه لم يوجد على تقدير جمعه) على فواعل (الآخر فإن فارس وفوارس وهالك وهوالك) قاله أبو عبيدة. وزاد ابن مالك شاهق وشواهق وناکس ونواکس وداجن ودواجن وهذه الخمسة جمع فاعل وهو شاذ، ولأبي ذر: وهالك في الهوالك. والمفهوم من أوّل كلام البخاري أن خوالف جمع خالف وحينئذٍ إنما يجوز أن يكون النساء إذا كان يجمع الخالفة على خوالف وإنما الخالف يجمع على الخالفين بالياء والنون والمشهور في فواعل أنه جمع فاعلة فإن كان من صفة النساء فواضح وقد تحذف الهاء في صفة المفرد من النساء، وإن كان من صفة الرجال فالهاء للمبالغة يقال رجل خالفة لا خير فيه والأصل في جمعه بالنون كما مرّ، والمراد بالخوالف في الآية النساء والرجال العاجزون والصبيان فجمع بجمع ٢٤٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة المؤنث تغليبًا لكونهن أكثر في ذلك من غيرهن. قوله: ﴿وأولئك لهم﴾ (﴿الخيرات﴾) [التوبة: ٨٨] (واحدها خيرة) بفتح الخاء وسكون التحتية آخرها هاء تأنيث (وهي الفواضل) بالضاد المعجمة قاله أبو عبيدة. قوله: ﴿وآخرون﴾ (﴿مرجون﴾) [التوبة: ١٠٦] أي (مؤخرون) لأمر الله ليقضي فيهم ما هو قاض وهذه ساقطة لأبي ذر. (الشفا) بفتح الشين المعجمة والفاء مقصورًا يريد قوله تعالى: ﴿على شفا جرف هار﴾ [التوبة: ١٠٩] وفسر الشفا بقوله: (شفير) ولأبي ذر الشفير ثم قال: (وهو) أي الشفير (حده) بالدال بعد الحاء المهملتين وللکشميهني وهو حرفه أي جانبه. (والجرف ما تجرف من السيول والأودية) أي يحفر بالماء فصار واهيًا. (﴿هار﴾) أي (هائر) يقال انهارت البئر إذا تهدمت. قال القاضي: وإنما وضع شفا الجرف وهو ما جرفه الوادي الهائر في مقابلة التقوى تمثيلاً لما بنوا عليه أمر دينهم في البطلان وسرعة الانطماس ثم رشحه بانهياره به في النار ووضعه في مقابلة الرضوان تنبيهًا على أن تأسيس ذلك على أمر يحفظه عن النار ويوصله إلى رضوان الله تعالى ومقتضياته التي الجنة أدناها وتأسيس هذا على ما هم بسببه على صدد الوقوع في النار ساعة فساعة ثم إن مصيرهم إلى النار لا محالة اهـ. وقوله: ﴿إن إبراهيم﴾ (﴿لأوّاه﴾﴾ [التوبة: ١١٤] أي (شفقًا وفرقًا) كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه وفيه بيان الحامل له على الاستغفار لأبيه مع شكاسته عليه. (وقال الشاعر:) وهو المثقب بتشديد القاف المفتوحة العبدي واسمه جحاش بن عائذ بن محصن، وسقط لفظ الشاعر لغير أبي ذر. (إذا ما قمت أرحلها بليل). بفتح الهمزة والحاء المهملة من رحلت الناقة أرحلها إذا شددت الرحل على ظهرها والرحل أصغر من القتب. (تأوّه آهة) بمدّ الهمزة وللأصيلي أهة (الرجل الحزين). بتشديد الهاء وقصر الهمزة قال الحريري في درة الغوّاص يقولون في التأوّه أوّه والأفصح أن يقال أوه بكسر الهاء وضمها وفتحها والكسر أغلب وعليه قول الشاعر: وقد شدّد بعضهم الواو فقال: أوّه، ومنهم من حذف الهاء وكسر الواو فقال أوّ، وتصريف الفعل منها أوّه وتأوّه والمصدر والآهة ومنه قول مثقب العبدي: إذا ما قمت أرحلها بليل. ٢٤٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة البيت. وهذا البيت من جملة قصيدة أوّلها: ومنعك ما سألت كأن تبيني أفاطم قبل بينك متعيني تمزّ بـها رياح الصيف دوني ولا تعدي مواعد كاذبات فإني لو تخالفني شمالي لما أتبعتها أبدًا يميني (يقال: تهوّرت البئر إذا انهدمت وإنها مثله) كذا لأبوي ذر والوقت وسقط لغيرهما. ١ - باب قَوْلِهِ: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ١] أَذانٌ: إعْلامٌ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُذُنْ يُصَدِّقُ، تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِها وَنَحْوُها كَثِيرٌ، وَالزَّكَاةُ: الطَّاعَةُ وَالإِخْلاصُ. لا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ: لَا يَشْهَدُونَ أَنْ لا إِلَّهَ إلاَّ الله. يُضاهُونَ: يُشْبِهُونَ (باب قوله) عز وجل: ((براءة من الله ورسوله﴾) أي هذه براءة مبتدأ صدورها من الله تعالى وغاية انتهائها (﴿إلى الذين عاهدتم من المشركين﴾﴾ [التوبة: ١] فبراءة خبر مبتدأ محذوف وقيل مبتدأ خبره إلى الذين وجاز الابتداء بالنكرة لأنها تخصصت بالجار بعدها، والمعنى أن الله ورسوله برنا من العهد الذي عاهدتم به المشركين وذلك أنهم عاهدوا مشركي العرب فنكثوا ولم يف به إلا بنو ضمرة وبنو كنانة فأمرهم بنبذ العهد إلى من نقضه وأمروا أن يسيحوا الأربعة الأشهر الحرم صيانة لها من القتال. وقوله: (﴿أذان﴾) أي (إعلام) يقال آذنته إيذانًا وأذانًا وهو اسم قام مقام المصدر، وسقط هذا لغير أبي ذر. (وقال ابن عباس) رضي الله عنهما مما رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عنه في قوله ويقولون هو (أذن يصدق) كل ما سمع وسمي بالجارحة للمبالغة كأنه من فرط سمعه صار جملة آلة السماع كما سمي الجاسوس عينًا لذلك. وقوله: ﴿خذ من أموالهم صدقة﴾ (﴿تطهرهم وتزكيهم بها)) [التوبة: ١٠٣] بمعنى واحد لأن الزكاة والتزكية في اللغة الطهارة (ونحوها) وفي نسخة ونحو هذا (كثير) في القرآن أو في لغات العرب (والزكاة الطاعة والإخلاص) أي تأتي بمعناهما رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (﴿تطهرهم وتزكيهم بها﴾) قال الزكاة طاعة الله والإخلاص. وقوله تعالى في سورة فصلت: ﴿وويل للمشركين الذين﴾ (﴿لا يؤتون الزكاة﴾) [فصلت: ٦] قال ابن عباس فيما رواه علي بن أبي طلحة عنه (لا يشهدون أن لا إله إلا الله) وهذا ذكره استطرادا. ٢٤٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة وقوله تعالى: (يضاهون) قال ابن عباس فيما رواه ابن أبي حاتم عن علي بن أبي طلحة عنه (يشبهون) وقال: أبو عبيدة هي التشبيه وقال القاضي أي يضاهي قولهم قول الذين كفروا فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه والمضاهاة المشابهة وهذا أخبار من الله تعالى عن قول اليهود: عزير ابن الله، والنصارى المسيح ابن الله فأكذبهم الله تعالى بقوله: ﴿وذلك قولهم بأفواههم﴾ [التوبة: ٣٠] والتقييد بكونه بأفواههم مع أن القول لا يكون إلا بالفم للإشعار بأنه لا دليل عليه فهو كالمهملات لم يقصد بها الدلالة على المعاني، وقول اليهود هذا كان مذهبًا مشهورًا عندهم أو قاله بعض من متقدميهم أو من كان بالمدينة، وإنما ذلك لأنه لم يبق فيهم بعد وقعة بختنصر من يحفظ التوراة فلما أحياه الله بعد مائة عام وأملى عليهم التوراة حفظًا فتعجبوا من ذلك، وقالوا ما هذا إلا لأنه ابن الله والدليل على أن هذا القول كان فيهم أن الآية قرئت عليهم فلم يكذبوا مع تهالکهم على التكذيب. ٤٦٥٤ - حدّثنا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي إِسْحُقَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْبَراءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ الله يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ بَراءَةُ. وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن أبي إسحاق) عمرو بن عبد الله السبيعي أنه (قال: سمعت البراء) بن عازب (رضي الله عنه يقول: آخر آية نزلت) عليه وَل و (﴿يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة﴾) في آخر سورة النساء (وآخر سورة نزلت) عليه عليه الصلاة والسلام (براءة). فإن قلت: سبق في آخر سورة البقرة من حديث ابن عباس أن آخر آية الربا وعند النسائي من حديث ابن عباس أن سورة النصر آخر سورة نزلت. أجيب: بأن المراد آخرية مخصوصة لأن الأولية والآخرية من الأمور النسبية، وأما السورة فإن آخرية النصر باعتبار نزولها كاملة بخلاف براءة فالمراد أوّلها أو معظمها، وإلا ففيها آيات كثيرة نزلت قبل سنة الوفاة النبوية وسيكون لنا عودة إلى الإلمام بشيء من مبحث ذلك بسورة النصر إن شاء الله تعالى بعون الله وقوته. ٢ - باب قَوْلِهِ: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرِ وَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِينَ﴾ سِيحُوا: سِيرُوا (باب قوله) تعالى: ((فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾) أوّلها شوّال وآخرها سلخ المحرم قاله الزهري أو من يوم النحر إلى عشرين من ربيع الآخر. واستشكل ابن كثير الأوّل بأنهم كيف يحاسبون بمدّة لم يبلغهم حكمها وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر كما يأتي إن شاء الله تعالى. واستشكل غيره القولين بأنه لم يكن ذلك كله الأشهر الحرم ٢٤٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة المشار إليها في قوله: فإذا انسلخ الأشهر الحرم. وأجيب: باحتمال أن يكون من قبيل التغليب وهذا أمر من الله لناقضي العهد كما مرّ. روى سعيد بن منصور والنسائي عن زيد بن يثيع بتحتية مضمومة وقد تبدل همزة بعدها مثلثة مفتوحة فتحتية ساكنة فعين مهملة الهمداني الكوفي المخضرم قال: سألت عليًّا بأي شيء بعثت؟ قال: بأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يطوف بالبيت عريان ولا يجتمع مسلم ومشرك في الحج بعد عامهم هذا، ومن كان له عهد فعهده إلى مدته ومن لم يكن له عهد فأربعة أشهر، واستدل بهذا الأخير كما قاله ابن حجر وغيره على أن قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾ مختص بمن لم يكن له عهد مؤقت أو من لم يكن له عهد أصلاً، وأما من له عهد مؤقت فهو إلى مدته وروى الطبري من طريق ابن إسحاق قال: هم صنفان. صنف كان له عهد دون أربعة أشهر فأمهل تمام أربعة أشهر وصنف كانت مدة عهده بغير أجل فقصرت على أربعة أشهر وعن ابن عباس أن الأربعة الأشهر أجل من كان له عهد مؤقت بقدرها أو يزيد عليها وأن من ليس له عهد فانقضاؤه إلى سلخ المحرم لقوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين﴾ [التوبة: ٥] وعن الزهري قال: كان أول أربعة الأشهر عند نزول براءة في شوال، وكان آخرها آخر المحرم وبذلك يجمع بين الأربعة الأشهر وبين قوله: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾. (﴿واعلموا أنكم غير معجزي الله﴾) أي لا تفوتونه وإن أمهلكم (﴿وإن الله مُخزي الكافرين﴾) [التوبة: ٢] مذلهم بالقتل والأسر في الدنيا والعذاب في الآخرة. (سيحوا) قال أبو عبيدة: أي (سيروا) وقال غيره: اتسعوا في السير وابعدوا عن العمارات وسقط باب قوله لغير أبي ذر. ٤٦٥٥ - حدّثنا سَعِيدُ بْنُ عُفَيْرِ، قالَ حَدَّثَنِي اللَّيْثُ، قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ: وَأَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمنِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي مُؤَذْنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النَّحْرِ يُؤَذُِّونَ بِمِنَّى أَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلاَ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزِيانْ قالَ حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ: ثُمَّ أَزْدَفَ رَسُولُ اللَّهِ وَهَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَراءَةً قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذَّنَ مَعَنا عَلِيِّ يَوْمَ النَّخْرِ فِي أَهْلٍ مِنَى بِبَراءَةً، وَأَنْ لاَ يَحُجَّ بَعْدَ الْعامِ مُشْرِكٌ وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزيانٌ. وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (سعيد بن عفير) هو سعيد بن كثير بن عفير بضم العين المهملة وفتح الفاء المصري (قال: حدثني) بالإفراد (الليث) بن سعد الإمام المصري (قال: حدّثني) بالإفراد أيضًا (عقيل) بضم العين المهملة وفتح القاف ابن خالد الأيلي ولأبي ذر عن عقيل (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (وأخبرني) بالإفراد وواو العطف. قال في الكواكب: إشعارًا بأنه أخبره أيضًا بغير ذلك فهو عطف على مقدر قال في الفتح: ولم أر في طرق ٢٤٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة حديث أبي هريرة عن أبي بكر زيادة إلا ما وقع في رواية شعيب عن الزهري فإن فيها: كان المشركون يوافون بالتجارة فينتفع بها المسلمون فلما حرم الله على المشركين أن يقربوا المسجد الحرام وجد المسلمون في أنفسهم مما قطع عليهم من التجارة فنزلت ﴿وإن خفتم عيلة﴾ [التوبة: ٢٨] الآية ثم أحل في الآية الأخرى الجزية الحديث. وأخرجه الطبراني وابن مردويه مطولاً. وقال في العمدة: ولم يعين الكرماني المقدر، والظاهر أن المقدر هكذا عن ابن شهاب حدثني وأخبرني (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف الزهري المدني قال: وتظهر الفائدة فيه على قول من يقول بالفرق بين حدّثنا وأخبرنا كذا قال فليتأمل. (أن أبا هريرة رضي الله عنه قال: بعثني أبو بكر) الصديق رضي الله عنه (في تلك الحجة) زاد في الحج من طريق يحيى بن بكير التي أمره عليها رسول الله ◌َير قبل حجة الوداع (في مؤذنين) جمع مؤذن من الإيذان وهو الإعلام (بعثهم يوم النحر) سنة تسع من الهجرة (يؤذنون) أي يعلمون الناس (بمنى أن لا يحج) بفتح الهمزة وتشديد اللام ونصب يحج بأن ولا نافية (بعد العام) المذكور (مشرك) هو منتزع من قوله تعالى: ﴿فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] والمراد الحرم كله (ولا يطوف بالبيت عريان) بنصب يطوف عطفًا على يحج واحتج به الأئمة الثلاثة على وجوب ستر العورة في الطواف خلافًا لأبي حنيفة حيث جوّز طواف العريان ولأبي ذر لا يحج بالرفع ولا نافية مخففة ويطوف رفع عطفًا على يحج. (قال حميد بن عبد الرحمن) بالسند السابق (ثم أردف رسول الله (8#) أبا بكر (بعلي بن أبي طالب). وعند الإمام أحمد من حديث أنس بن مالك وقال الترمذي حسن غريب أنه وصف بعث ببراءة مع أبي بكر، فلما بلغ ذا الحليفة قال: ((لا يبلّغها إلا أنا أو رجل من أهل بيتي)) فبعث بها مع علي رضي الله عنه (وأمره) ولأبي ذر: فأمره (أن يؤذن ببراءة) أي ببعضها وقد نبه في الفتح على أن هذا المقدار من الحديث مرسل لأن حميد لم يدرك ذلك ولا صرح بسماعه له من أبي هريرة. (قال أبو هريرة) رضي الله عنه بالإسناد المذكور قال في الفتح: وكأن حميدًا حمل قصة توجه علي من المدينة إلى أن لحق أبا بكر عن غير أبي هريرة وحمل بقية القصة كلها عن أبي هريرة (فأذن معنا علي) رضي الله عنه (يوم النحر في أهل منى ببراءة) ولأبي ذر عن الكشميهني. قال أبو بكر بدل قال أبو هريرة. قال الحافظ ابن حجر: وهو غلط فاحش مخالف لرواية الجميع، وإنما هو كلام أبي هريرة قطعًا فهو الذي كان يؤذن بذلك (وأن لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان) وزاد أحمد من رواية محرز بن أبي هريرة عن أبيه: ولا يدخل الجنة إلا مؤمن. فإن قلت: فما فائدة قوله ولا يدخل الجنة إلا مؤمن؟ أجيب: الإعلام بأن المشرك بعدها لا يقبل منه بعد هذا غير الإيمان لقوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم﴾ [التوبة: ٥]. ٢٤٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة وقد سبق حديث الباب في الصلاة والحج. ٣ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأكْبَرِ أَنَّ الله بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولَهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَتَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي الله وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ آذَنَّهُمْ: أَعْلَمَهُمْ (باب قوله) عز وجل (﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾) يوم عرفة كذا روي عن علي وعمر فيما رواه ابن جرير وعن ابن عباس ومجاهد فيما رواه ابن أبي حاتم، وروي مرسلاً عن مخرمة أن رسول الله * خطب يوم عرفة فقال: هذا يوم الحج الأكبر، وقيل إنه يوم النحر وإليه ذهب حميد بن عبد الرحمن كما سيأتي إن شاء الله تعالى قريبًا في باب ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾ [التوبة: ٤]. وروي عن ابن عمر وقف رسول الله وَّي يوم النحر عند الجمرات في حجة الوداع فقال: ((هذا يوم الحج الأكبر)) وبه قال كثيرون لأن أعمال المناسك تتم فيه والجمهور أن الحج الأصغر العمرة وقيل الأصغر يوم عرفة والأكبر يوم النحر، وقيل حجة الوداع هي الأكبر لما وقع فيها من إعزاز الإسلام وإذلال الكفر (﴿أن الله بريء من المشركين ورسوله﴾) رفع مبتدأ والخبر محذوف أي ورسوله بريء منهم أو معطوف على الضمير المستكن في بريء وجاز ذلك للفصل المسوّغ للعطف فرفعه على هذا بالفاعلية (﴿فإن تبتم فهو خير لكم﴾) أي فالتوب عن الشرك أو المتاب عن المعصية خير من البقاء عليها وأفعل التفضيل لمطلق الخيرية (﴿وإن توليتم﴾) أعرضتم (﴿فاعلموا أنكم غير معجزي الله﴾) بل هو قادر عليكم وأنتم تحت قهره (﴿وبشر الذين كفروا بعذاب أليم﴾) [التوبة: ٣] في الدنيا بالخزي والنكال وفي الآخرة بالمقامع والأغلال والبشارة تهكم، وسقط لأبي ذر فإن تبتم الخ وقال بعد قوله ورسوله إلى المتقين وساق في نسخة الآية كلها إلى آخر المتقين (آذنهم) بمدّ الهمزة أي (أعلمهم) وسقط ذلك لأبي ذر. ٤٦٥٦ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، قالَ: حَدَّثَنِي عُقَيْلٌ قَالَ ابْنُ شِهابٍ: فَأَخْبَرَنِي حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمُنِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ قالَ: بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فِي الْمُؤَذِنِينَ بَعَثَهُمْ يَوْمَ الْنَّحْرِ يُؤَذُِّونَ بِمِنَى أَنْ لا يَحُجِّ بَعْدَ الْعامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزيانٌ قالَ حُمَيْدٌ: ثُمَّ أَرْدَفَ النِّيُّ لَهَ بِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذِّنَ بِبَراءَةً قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: فَأَذْنَ مَعَنا عَلِيَّ فِي أَهْلٍ مِنَّى يَوْمَ النَّحْرِ بِبَرَاءَةً وَأَنْ لا يَحُجَّ بَعْدَ الْعامِ مُشْرِكٌ، وَلا يَطُوف بِالْبَيْتِ عُزيانٌ. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن يوسف) التنيسي قال: (حدّثنا الليث) بن سعد الإمام (قال حدّثني) بالإفراد (عقيل) بضم العين المهملة ابن خالد (قال ابن شهاب) الزهري (فأخبرني) بالإفراد ٢٤٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة (حميد بن عبد الرحمن) بن عوف حميد بالحاء المهملة وفي آل ملك عبيد وهي في اليونينية مصلحة حميد بالحاء المهملة (أن أبا هريرة) رضي الله عنه (قال: بعثني أبو بكر رضي الله عنه في تلك الحجة) التي كان أبو بكر فيها أميرًا على الحاج (في المؤذنين) الذين (بعثهم يوم النحر) سمى الحافظ ابن حجر ممن كان مع الصديق في تلك الحجة سعد بن أبي وقاص وجابرًا فيما أخرجه الطبري (يؤذنون بمنى أن لا يحج) بتشديد اللام (بعد العام) الذي وقع فيه الإعلام (مشرك ولا يطوف بالبيت عريان). بنصب يطوف وإنما كانت مباشرة أبي هريرة لذلك بأمر الصديق، لأن الصدّيق كان هو الأمير على الناس في تلك الحجة، وكان عليّا لم يطق التأذين وحده فاحتاج لمعين على ذلك، فكان أبو هريرة ينادي بما يلقيه إليه علّ مما أمر بتبليغه، ويدل لذلك حديث محرز بن أبي هريرة عن أبيه قال: كنت مع علي حين بعثه النبي ◌َّر ببراءة إلى أهل مكة فكنت أنادي معه بذلك حتى يصحل صوتي وكان ينادي قبلي حتى يعني. (قال حميد): هو ابن عبد الرحمن المذكور بالسند المذكور (ثم أردف النبي ◌َّر) الصديق (بعلّ بن أبي طالب) وسقط ابن أبي طالب لأبي ذر، وفي نسخة: ثم أردف النبي وَّرِ علي بن أبي طالب بإسقاط حرف الجر (فأمره أن يؤذن ببراءة) أي ببضع وثلاثين آية منها منتهاها عند قوله: ولو كره المشركون ففيه تجوز. (قال أبو هريرة) بالإسناد السابق: (فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر ببراءة) من أولها إلى (ولو كره المشركون) (و) ببعض ما اشتملت عليه (أن لا يحج بعد العام مشرك) وهو قوله تعالى: ﴿إنما المشركون نجس فلا يقربوا المسجد الحرام بعد عامهم هذا﴾ [التوبة: ٢٨] وبهذا يندفع استشكال أن عليّا كان مأمورًا بأن يؤذن ببراءة فكيف أذن بأن لا يحج بعد العام مشرك كما قاله الكرماني: (ولا يطوف بالبيت عريان) وبراءة مجرور وعلامة الجر فتحة وهو الثابت في الروايات ويجوز رفعه منوّنًا على الحكاية. ٤ - باب ﴿إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ (﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين﴾﴾ [التوبة: ١] استثناء من المشركين والتقدير براءة من الله إلى المشركين إلا من الذين لم ينقضوا وسقط هذا لأبي ذر. ٤٦٥٧ - حدثنا إسْحُقُ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْراهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صالِحِ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ أَنَّ حُمَيْدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمِنِ أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ، أَخْبَرَهُ أَنْ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بَعَثَهُ فِي الْحَجَّةِ الَّتِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ وَلَهَ عَلَيْهَا قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي رَهْطٍ يُؤَذِّنُ فِي النَّاسِ أَنْ لاَ يَحُجَّنَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكْ، وَلا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُزْيانٌ، فَكَانَ حُمَيْدٌ يَقُولُ يَوْمُ النَّحْرِ يَوْمُ الْحَجْ الأَكْبَرِ مِنْ أَجْلِ حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةً. ٢٥٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحلق) هو ابن منصور أبو يعقوب الكوسج المروزي قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) قال: (حدّثنا أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) هو ابن كيسان (عن ابن شهاب) الزهري (أن حميد بن عبد الرحمن) بن عوف (أخبره أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر رضي الله عنه بعثه) أي بعث أبا هريرة (في الحجة التي أمره) بتشديد الميم أي جعله (رسول الله ﴿) أميرًا (قبل حجة الوداع في رهط) هو ما دون العشرة من الرجال (يؤذن) ولأبي ذر عن الكشميهني: يؤذنون (في الناس) بمنى (أن لا يحجن) بنون التوكيد الثقيلة (بعد العام مشرك ولا يطوف) بالنصب (بالبيت عريان فكان حميد يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر من أجل حديث أبي هريرة) وهذه الزيادة أدرجها شعيب عن أبي هريرة كما في الجزية، ولفظه عن أبي هريرة: بعثني أبو بكر فيمن يؤذن يوم النحر بمنى: لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان ويوم الحج الأكبر يوم النحر، وإنما قيل الأكبر من أجل قول الناس الحج الأصغر، فنبذ أبو بكر إلى الناس في ذلك العام فلم يحج عام حجة الوداع التي حج فيها النبي وَلجر مشرك، وقول حميد هذا استنبطه من قوله تعالى: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ [التوبة: ٣] ومن مناداة أبي هريرة بذلك بأمر أبي بكر يوم النحر، فدل على أن المراد بيوم الحج الأكبر يوم النحر وسياق رواية شعيب يوهم أن ذلك مما نادى به أبو هريرة وليس كذلك فقد تظافرت الروايات عن أبي هريرة بأن الذي كان ينادي به أبو هريرة هو ومن معه من قبل أبي بكر شيئان منع حج المشركين ومنع طواف العريان، وأن عليًا أيضًا كان ينادي بهما وكان يزيد من كان له عهد فعهده إلى مدته وأن لا يدخل الجنة إلا مسلم وكأن هذه الأخيرة كالتوطئة لأن لا يحج بعد العام مشرك، وأما التي قبلها فهي التي اختص علي بتبليغها قاله في الفتح. ٥ - باب ﴿فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمانَ لَهُمْ﴾ هذا (باب) بالتنوين في قوله سبحانه وتعالى: ((فقاتلوا أئمة الكفر﴾) أي فقاتلوا المشركين الذين نقضوا العهد وطعنوا في دينكم بصريح التكذيب وتقبيح أحكام الله فوضع أئمة الكفر موضع المضمر إذ التقدير فقاتلوهم للإشارة إلى أنهم بذلك صاروا رؤساء الكفرة وقادتهم أو المراد رؤساؤهم وخصوا بذلك لأن قتلهم أهم (﴿إنهم لا أيمان لهم﴾) [التوبة: ١٢] بفتح الهمزة جمع يمين وهو المناسب للنكث ومعنى نفيها عنهم أنهم لا يوفون بها وإن صدرت منهم واستشهد به الحنفية على أن يمين الكافر لا تكون شرعية، وعند الشافعية يمين شرعية بدليل وصفها بالنكث وقرأ ابن عامر بكسرها مصدر آمن يؤمن إيمانًا أي لا تصدق لهم أو لا أمان لهم وسقط باب لغير أبي ذر. ٤٦٥٨ - حدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَى، حَدَّثَنَا يَخيى حَدَّثَنا إسْماعِيلُ، حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ، قالَ: كُنَّا عِنْدَ حُذَيْفَةَ فَقالَ: ما بَقِيَ مِنْ أَصْحابِ هذِهِ الآيَةِ إِلاَّ ثَلاثَةٌ وَلا مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ، ٢٥١ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة فَقَالَ أَغْرَابِيٍّ: إِنَّكُمْ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ وَّهِ تُخْبِرُونَا فَلا نَذْرِي فَمَا بَالُ هَؤُلاءِ الَّذِينَ يَبْقُرُونَ بُيُوتَنا وَيَسْرِقُونَ أَعْلاقَنا؟ قَالَ: أُولَئِكَ الْفُسَّاقُ أَجَلْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلاَّ أَرْبَعَةٌ أَحَدُهُمْ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَوْ شَرِبَ الْمَاءَ الْبَارِدَ لَما وَجَدَ بَرْدَهُ. وبه قال: (حدّثنا محمد بن المثنى) العنزي الزمن قال: (حدّثنا يحيى) بن سعيد القطان قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي خالد قال: (حدّثنا زيد بن وهب) الجهني أبو سليمان الكوفي المخضرم (قال: كنا عند حذيفة) بن اليمان (فقال: ما بقي من أصحاب هذه الآية إلا ثلاثة)، كذا وقع مبهمًا عند البخاري، ووافقه النسائي وابن مردويه كلاهما على الإبهام وإيراد ذلك هنا وهو يومىء إلى أن المراد الآية المسوقة هنا. وروى الطبري من طريق حبيب بن حسان عن زيد بن وهب قال كنا عند حذيفة فقرأ هذه الآية: ﴿فقاتلوا أئمة الكفر﴾ قال: ما قوتل أهل هذه الآية بعد، لكن وقع عند الإسماعيلي من رواية ابن عيينة عن إسماعيل بن أبي خالد بلفظ ما بقي من المنافقين من أهل هذه الآية ﴿لا تتخذوا عدوّي وعدوّكم أولياء﴾ [الممتحنة: ١] الآية إلا أربعة نفر، إن أحدهم لشيخ كبير. قال الإسماعيلي: إن كانت الآية ما ذكر في خبر ابن عيينة فحق هذا الحديث أن يخرج في سورة الممتحنة، والمراد بكونهم لم يقاتلوا أن قتالهم لم يقع لعدم وقوع الشرط لأن لفظ الآية وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا فلما لم يقع منهم نكث ولا طعن لم يقاتلوا. وقوله: إلا ثلاثة سمي منهم في رواية أبي بشر عن مجاهد أبو سفيان بن حرب وفي رواية معمر عن قتادة أبو جهل بن هشام وعتبة بن ربيعة وأبو سفيان وسهيل بن عمرو، وتعقب بأن أبا جهل وعتبة قتلا ببدر وإنما ينطبق التفسير على من نزلت الآية المذكورة وهو حي فيصح في أبي سفيان وسهيل بن عمرو وقد أسلما قاله في الفتح. وقال البرماوي كالكرماني: أي ثلاثة آمنوا ثم ارتدوا وطعنوا في الإسلام من ذوي الرئاسة والتقدم فيه أي في الكفر. (ولا من المنافقين) الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (إلا أربعة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسميتهم انتهى، وقد كان حذيفة صاحب سر رسول الله وَلقر في شأن المنافقين يعرفهم دون غيره. (فقال أعرابي): لم يعرف اسمه (إنكم أصحاب محمد وَ ل#) بنصب أصحاب بدلاً من الضمير في إنكم أو منادى مضاف منه الأداة (تخبرونا) بسكون الخاء وبفتحها مع تشديد الموحدة وفي نسخة تخبروننا بنونين على الأصل لأن النون لا تحذف إلا لناصب أو جازم والأولى لغة فصيحة لبعض العرب وزاد الإسماعيلي عن أشياء (فلا ندري فما بال هؤلاء الذين يبقرون) بمثناة تحتية مفتوحة فموحدة ساكنة فقاف مضمومة وفي رواية غير أبي ذر يبقرون بضم التحتية وفتح الموحدة وتشديد القاف مكسورة أي يفتحون أو ينقبون (بيوتنا) وفي نسخة: ينقرون بالنون الساكنة بدل الموحدة وضم القاف (ويسرقون أعلاقنا)؟ بالعين المهملة والقاف أي نفائس أموالنا، وفي بعض ٢٥٢ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة النسخ أغلاقنا بالمعجمة وكذا وجد مضبوطًا بخط الحافظ الشرف الدمياطي، لكن قال السفاقسي: لا أعلم له وجهًا. قال في فتح الباري: ويمكن توجيهه بأن الإغلاق جمع غلق بفتحتين وهو ما يغلق ويفتح بالمفتاح، والغلق أيضًا الباب فالمعنى يسرقون مفاتيح الإغلاق ويفتحون الأبواب ويأخذون ما فيها، أو المعنى يسرقون الأبواب وتكون السرقة كناية عن قلعها وأخذها ليتمكنوا من الدخول فيها . (قال) حذيفة (أولئك) أي الذين يبقرون ويسرقون (الفساق) أي لا الكفار ولا المنافقون (أجل) أي نعم (لم يبق منهم إلا أربعة أحدهم شيخ كبير) لم يعرف اسمه (لو شرب الماء البارد لما وجد برده) لذهاب شهوته وفساد معدته بسبب عقوبة الله له في الدنيا فلا يفرق بين الأشياء. ٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُتْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشْرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ (باب قوله) عز وجل (﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾) والذين بالواو استئنافية مبتدأ ضمن معنى الشرط ودخلت الفاء في خبره وهو قوله: (﴿فبشرهم بعذاب أليم)) [التوبة: ٣٤] لذلك ووحد الضمير والسابق شيئان الذهب والفضة لأنه يعود على المكنوزات وهي أعم من النقدين أو عودًا إلى الفضة لأنها أقرب مذكور، واكتفى ببيان حال صاحبها عن بيان حال صاحب الذهب، أو لأن الفضة أكثر انتفاعًا في المعاملات من الذهب وتخصيصهما بالذكر مع أن غيرهما إن لم تؤد زكاته كأموال التجارة يعذب صاحبه لكونهما ثمنّا له في الغالب، وأصل الكنز الجمع وكل شيء جمع بعضه إلى بعض فهو مكنوز، وأكثر علماء الصحابة على أن الكنز المذموم هو المال الذي لا تؤدى زكاته. وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض، وقيل: المال الكثير إذا جمع فهو الكنز المذموم وإن أديت زكاته، واستدل له بعموم اللفظ، وقوله عليه الصلاة والسلام المروي في حديث علي عند عبد الرزاق ولفظه عن علّ في قوله تعالى: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ الآية قال النبي وَليقول: ((تبًا للذهب تبًا للفضة)) يقولها ثلاثًا. قال: فشق ذلك على أصحابه وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر رضي الله عنه: أنا أعلم لكم ذلك فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم ذلك وقالوا: فأي المال نتخذ؟ قال: ((لسانًا ذاكرًا وقلبًا شاكرًا وزوجة تعين أحدكم على دينه)) ويمكن أن يجاب بحمل ذلك على ترك الأولى لا أنه يعذب الإنسان على مال جمعه من حل وأخرج عنه حق الله تعالى، وقد قال عليه الصلاة والسلام ((نعم المال الصالح للرجل الصالح)) وسقط باب قوله لغير أبي ذر. ٤٦٥٩ - حدثنا الْحَكّمُ بْنُ نافِعِ، أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنا أَبُو الزِّنادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمنِ ٢٥٣ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة الأَعْرَجِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ قالَ: حَدْثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَهِ يَقُولُ: ((يَكُونُ كَتْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ شُجاعًا أَقْرَعَ)). وبه قال: (حدّثنا الحكم بن نافع) أبو اليمان الحمصي قال: (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي حمزة قال: (حدّثنا أبو الزناد) عبد الله بن ذكوان (أن عبد الرحمن) بن هرمز (الأعرج حدثه أنه قال: حدّثني) بالإفراد (أبو هريرة رضي الله عنه أنه سمع رسول الله وَلاي يقول): (يكون كنز أحدكم) بالكاف كذا في الفرع كأصله وغيرهما وفي نسخة مكنز أحدهم (يوم القيامة شجاعًا أقرع) أي حية تمعط جلد رأسها لكثرة السم وطول العمر وزاد أبو نعيم في مستخرجه يفر منه صاحبه ويطلبه أنا كنزك فلا يزال به حتى يلقمه أصبعه. وقد سبق الحديث في الزكاة بتمامه من وجه آخر وقد أورده هنا مختصرًا. ٤٦٦٠ - حدّثنا قُتَنِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ، قَالَ: مَرَرْتُ عَلى أَبِي ذَرَّ بِالرَّبَذَةِ فَقُلْتُ: ما أَنْزَلَكَ بِهِذِهِ الأَرْضِ قالَ: كُنَّا بِالشَّامِ فَقَرَأْتُ: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشْرُهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمِ﴾ [التوبة: ٣٤] قالَ مُعاوِيَةُ: ما هذِهِ فِينَا ما هذِهِ إلاَّ فِي أهْلِ الْكِتابِ، قالَ: قُلْتُ إِنَّها لَفِينا وَفِيهِمْ. وبه قال: (حدّثنا قتيبة بن سعيد) الثقفي قال: (حدّثنا جرير) بفتح الجيم ابن عبد الحميد (عن حصين) بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين ابن عبد الرحمن السلمي الكوفي (عن زيد بن وهب) الجهني الهمداني الكوفي أنه (قال: مررت على أبي ذر) جندب بن جنادة على الأصح (بالربذة) بالراء والموحدة والمعجمة المفتوحات موضع قريب من المدينة (فقلت) له: (ما أنزلك بهذه الأرض؟ قال: كنا بالشام فقرأت) قوله تعالى: ((والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم﴾ قال معاوية) بن أبي سفيان حين كان أميرًا على الشام: (ما هذه) الآية (فينا) نزلت (ما هذه إلا في أهل الكتاب). نظرًا إلى سياق الآية لأنها نزلت في الأحبار والرهبان الذين لا يؤتون الزكاة (قال) أبو ذر: (قلت) لمعاوية: (إنها لفينا وفيهم) نزلت نظرًا إلى عموم الآية، وزاد في الزكاة فكان بيني وبينه في ذلك، وكتب إلى عثمان رضي الله عنه يشكوني فكتب إلّ عثمان أن أقدم المدينة فقدمتها فكثر عليّ الناس حتى كأنهم لم يروني قبل ذلك فذكرت ذلك لعثمان فقال: إن شئت تنحيت فكنت قريبًا فذاك الذي أنزلني هذا المنزل. ٧ - باب قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿يَوْمَ يُخْمِى عَلَيْها فِي نَارِ جَهَنَّمَ نَتُكْوى بِها جِباهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هذا ما كَتَرْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَكْتِزُونَ﴾ (باب قوله عز وجل ﴿يوم يحمى عليها﴾) أي المكنوزات أو الدراهم (﴿في نار جهنم)) يجوز كون يحمي من حميته أو أحميته ثلاثيًا أو رباعيًا يقال: حميت الحديدة وأهميتها أي أوقدت عليها ٢٥٤ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة لتحمي والفاعل المحذوف هو النار تقديره يوم تحمى النار عليها فلما حذف الفاعل ذهبت علامة التأنيث لذهابه كقولك: رفعت القصة إلى الأمير ثم تقول رفع إلى الأمير (﴿فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم﴾) تخصيص هذه الأعضاء لأن جمع المال والبخل به كان لطلب الوجاهة فوقع العذاب بنقيض المطلوب والظهر لأن البخيل يولي ظهره عن السائل أو لأنها أشرف الأعضاء لاشتمالها على الدماغ والقلب والكبد (﴿هذا ما كنزتم لأنفسكم﴾) معمول لقول محذوف أي يقال لهم هذا ما كنزتم لمنفعة أنفسكم فصار مضرة لها وسبب تعذيبها (﴿فذوقوا ما كنتم تكنزون﴾) [التوبة: ٣٥] أي: جزاء الذين كنتم تكنزونه لأن المكنوز لا يذاق. وثبت باب قوله عز وجل لأبي ذر وسقط له جباههم الخ وقال بعد قوله فتكوى بها الآية. ٤٦٦١ - وقال أَحْمَدُ بْنُ شَبِيبٍ بْنِ سَعِيدٍ، حَذْثَنا أَبِي عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ خَالِدِ بْنِ أَسْلَمَ قالَ: خَرَجْنا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقالَ: هَذَا قَبْلَ أَنْ تُنْزَلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طُهْرًا لِلأَمْوالِ. وبه قال: (وقال أحمد بن شبيب بن سعيد) بفتح المعجمة وكسر الموحدة الأولى فيما وصله أبو داود في الناسخ والمنسوخ ووقع في رواية الکشمیھني في باب ما أدی زکاته فلیس بکنز حدثنا أحمد بن شبيب قال: (حدّثنا أبي) شبيب بن سعيد البصري (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري (من خالد بن أسلم) أخي زيد بن أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه (قال: خرجنا مع عبد الله بن عمر) رضي الله عنهما زاد في الزكاة فقال أعرابي أخبرني قول الله ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله﴾ (فقال هذا قبل أن تنزل الزكاة) إذ كانت الصدقة فرضًا بما فضل عن الكفاية لقوله تعالى: ﴿ويسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة: ٢١٩] قاله ابن بطال: (فلما أنزلت) آية الزكاة (جعلها الله) أي الزكاة (طُهرًا للأموال) ولمخرجها عن رذائل الأخلاق. ٨ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَواتِ وَالأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمْ﴾ الْقَيِّمُ: هُوَ الْقَائِمُ (باب قوله) جل وعلا (﴿إن عدة الشهور عند الله﴾) العدة مصدر بمعنى العدد وعند الله نصب به أي أن مبلغ عددها عنده تعالى: (﴿اثنا عشر شهرًا﴾) نصب على التمييز (واثنا عشر) خبر إن (﴿في كتاب الله﴾) في اللوح المحفوظ لأنه أصل الكتب أو القرآن أو فيما حكم به وهو صفة لاثنا عشر (﴿يوم خلق السموات والأرض﴾) متعلق بكتاب على جعله مصدرًا (﴿منها أربعة حرم﴾) [التوبة: ٣٦] وإنما قيل لهذا المقدار من الزمان شهر لأنه يشهر بالقمر ومنه ابتداؤه وانتهاؤه والقمر هو الشهر قال: فأصبح أجلى الطرف ما يستزيده يرى الشهر قبل الناس وهو كحيل ٢٥٥ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة (﴿القيم﴾) قال أبو عبيدة في مجازه (هو القائم) أي المستقيم وزاد أبو ذر ذلك الدين أي تحريم الأشهر الحرم هو الدين المستقيم دين إبراهيم وتخصيص بعض الزمان بالحرمة كليلة القدر والجمعة والعيد بالفضل دون بعض أن النفوس مجبولة على الشر يشق عليها الامتناع عن الشر بالكلية فمنعت عنه في بعض الأوقات لحرمته وقد كانوا يعظمون هذه الأشهر حتى لو لقي الرجل قاتل أبيه لم يقتله فأكد الله تعالى ذلك بأن منع الظلم فيها بقوله ﴿فلا تظلموا فيهن أنفسكم﴾ أي لا تحلوا حرامها ولذا قيل لا يحل القتال فيها ولا في الحرم، والجمهور على أن حرمة المقاتلة فيها منسوخة، ويؤيده ما روي أنه * حاصر الطائف في شهر حرام وهو ذو القعدة كما ثبت في الصحيحين أنه حاصرها أربعين يومًا وسقط باب قوله لغير أبي ذر. ٤٦٦٢ - حدثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُوبَ، عَنْ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنٍ أَبِي بَكْرَةَ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ ﴿ قَالَ: ((إِنَّ الزَّمانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السّمُواتِ وَالأَرْضَ السَّنَّةُ آتْنَا عَشَرَ شَهْرًا مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلاثٌ مُتَوالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ، وَذُو الْحَجَّةِ، وَالْمُحَرِّمُ، وَرَجَبُ مُضَرَ الَّذِي بَيْنَ جُمادَى وَشَعْبَانَ)). وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن عبد الوهاب) الحجبي البصري قال: (حدّثنا حماد بن زيد) بتشديد الميم ابن درهم الأزدي الجهضمي البصري (عن أيوب) السختياني (عن محمد) هو ابن سيرين (عن ابن أبي بكرة) عبد الرحمن (عن) أبيه (أبي بكرة) نفيع بن الحارث ولأبي ذر عن أبيه بدل عن أبي بكرة (عن النبي ◌َ﴾) أنه (قال) في خطبته في حجة الوداع بمنى في أوسط أيام التشريق : أيها الناس (إن الزمان قد استدار) استدارة (كهيئته) أي مثل حالته (يوم خلق الله السموات والأرض) أي عالج الحج إلى ذي الحجة وبطل النسيء وهو تأخير حرمة الشهر إلى شهر آخر وذلك أنهم كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلوه وحرموا مكانه شهرًا آخر ورفضوا خصوص الأشهر، واعتبروا مجرد العدد، وقيل: كانوا يستحلون القتال في المحرم لطول مدة التحريم بتوالي ثلاثة أشهر محرمة ثم يحرمون صفر مكانه فكأنهم يقترضونه ثم يوفونه، وقيل كانوا يحلون المحرم مع صفر من عام ويسمونهما صفرين ثم يحرمونها من عام قابل ويسمونها محرمين، وقيل بل كانوا ربما احتاجوا إلى صفر إيضافًا حلوه وجعلوا مكانه ربيعًا ثم يدور كذلك التحريم والتحليل بالتأخير على السنة كلها إلى أن جاء الإسلام فوافق حجة الوداع رجوع التحريم إلى المحرم الحقيقي وصار الحج مختصًا بوقت معين، واستقام حساب السنة ورجع إلى الأصل الموضوع يوم خلق السموات والأرض. (السنة) العربية الهلالية (اثنا عشر شهرًا) على ما توارثوه من إبراهيم وإسماعيل عليهما الصلاة والسلام وذلك بعدد البروج التي تدور الشمس فيها السنة الشمسية. فإذا دار القمر فيها ٢٥٦ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة كلها كملت دورته السنوية وإنما جعل الله تعالى الاعتبار بدور القمر لأن ظهوره في السماء لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب بل هو أمر ظاهر مشاهد بالبصر بخلاف سير الشمس فإنه تحتاج معرفته إلى حساب فلم يحوجنا إلى ذلك كما قال عليه الصلاة والسلام ((إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب الشهر هكذا وهكذا، الحديث. واعلم أن السنة والحول والعام مترادفة فمعناها واحد كما هو ظاهر كلام كثير من اللغويين وهي مشتملة على ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا وخمس وسدس يوم كذا ذكره صاحب المهذب من الشافعية في الطلاق قالوا: لأن شهرًا منها ثلاثون وشهرًا تسع وعشرون إلا ذا الحجة فإنه تسع وعشرون وخمس يوم وسدس يوم، واستشكله بعضهم وقال: لا أدري ما وجه زيادة الخمس والسدس: وصحح بعضهم أن السنة الهلالية ثلاثمائة وخمسة وخمسون يومًا، وبه جزم ابن دحية في كتاب التنوير وذلك مقدار قطع البروج الاثني عشر التي ذكرها الله تعالى في كتابه، وفرق بعضهم بين السنة والعام فيكونان متباينين فقال: إن العام من أول المحرم إلى آخر ذي الحجة والسنة من كل يوم إلى مثله من القابل نقله ابن الخباز في شرح اللمع له، وسمي العام عامًا لأن الشمس عامت فيه حتى قطعت جملة الفلك لأنها تقطع الفلك كله في السنة مرة وتقطع في كل شهر برجًا من البروج الاثني عشر وإنما علق الله تعالى على الشمس أحكام اليوم من الصلاة والصيام حيث كان ذلك مشاهدًا بالبصر لا يحتاج إلى حساب ولا كتاب فالصلاة تتعلق بطلوع الفجر وطلوع الشمس وزوالها ومصير ظل كل شيء مثله بعد الذي زالت عليه الشمس وبغروب الشمس، والسنة القمرية أقل من الشمسية بمقدار معلوم وبسبب ذلك النقصان تنتقل الشهور القمرية من فصل إلى آخر فيقع الحج في الشتاء تارة وفي الصيف أخرى، وذكر الطبري أنهم كانوا يجعلون السنة ثلاثة عشر شهرًا ومن وجه آخر يجعلونها اثني عشر شهرًا وخمسة وعشرين يومًا فتدور الأيام والشهور كذلك، وقول أن حجة الصديق رضي الله تعالى عنه سنة تسع كانت في ذي القعدة فيه نظر لأن الله تعالى قال: ﴿وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر﴾ الآية وإنما نودي بذلك في حجة أبي بكر فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يوم الحج الأكبر﴾. (منها أربعة حُرُم) لعظم حرمتها وعظم الذنب فيها أو لتحريم القتال فيها (ثلاث متواليات) أي متتابعات وهو تفسير للأربعة الحرم. قال ابن التين فيما نقله في الفتح: الصواب ثلاثة متوالية يعني لأن المميز الشهر قال ولعله أعاد على المعنى أي ثلاث مدد متواليات لكن إذا لم يذكر التمييز جاز التذكير والتأنيث، ولأبي ذر: ثلاثة متواليات (ذو القعدة وذو الحجة) بفتح القاف والحاء (والمحرم ورجب مضر) وهي القبيلة المشهورة وأضافه إليها لأنهم كانوا متمسكين بتعظيمه (الذي بين جمادى) الآخرة (وشعبان) وهذا تأكيد وتصحيح لقول مضر نافيًّا به قول ربيعة أن رجبًا المحرم هو الشهر الذي بين شعبان وشوّال وهو رمضان اليوم، وإنما كانت الأشهر الأربعة ثلاثة سرد وواحد فرد لأجل أداء مناسك الحج والعمرة، فحرم قبل شهر الحج شهر ليسار فيه إلى الحج وهو ذو القعدة لأنهم يقعدون فيه عن القتال، وحرم شهر ذي الحجة لأنهم يوقعون فيه الحج ويشتغلون ٢٥٧ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة بأداء المناسك، وحرم بعده شهر آخر وهو المحرم ليرجعوا فيه إلى أقصى بلادهم آمنين وحرم رجب في وسط الحول لأجل زيارة البيت والاعتمار به لمن يقدم إليه من أقصى جزيرة العرب فيزوره ثم يعود إلى وطنه آمنًا، وقد تمسك من قال بأنها من سنتين بقوله ثلاث متوالیات من حیث کونها ثلاثًا تواليات وهي ذو القعدة وذو الحجة والمحرم وواحد فرد وهو رجب، وقد روي من حديث ابن عمر مرفوعًا أوّلهن رجب لكن في إسناده ضعف، وعن أهل المدينة أنها من سنتين وأولها ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم ثم رجب آخرها، وعن بعض أهل المدينة أيضًا أن أولها رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة ثم المحرم، وعن أهل الكوفة أنها من سنة واحدة أوّلها المحرم ثم رجب ثم ذو القعدة ثم ذو الحجة. واختلف أيها أفضل؟ فقال بعض الشافعية: رجب، وضعفه النووي وغيره وقيل: المحرم قاله الحسن، ورجحه النووي وقيل ذو الحجة. وروي عن سعيد بن جبير وغيره قال بعضهم: إذا رأيت العرب السادات قد تركوا العادات وحرموا الغارات قالوا محرم، وإذا ضعفت أبدانهم واصفرت ألوانهم قالوا اصفر، وإذا زهت البساتين وظهرت الرياحين قالوا ربيعان، وإذا قلت الثمار وجمد الماء قالوا جماديان، وإذا هاجت الرياح وجرت الأنهار وترجبت الأشجار قالوا رجب، وإذا بانت الفصائل وتشعبت القبائل قالوا شعبان، وإذا حمي الفضا وطغى جمر الغضى قالوا رمضان، وإذا قلّ السحاب وكثر الذباب وشالت الأذناب قالوا شوّال، وإذا قعد التجار عن الأسعار قالوا ذو القعدة، وإذا قصدوا الحج من كل فج وأظهروا العج والثج قالوا ذو الحجة. وهذا الحديث ذكره في بدء الخلق. ٩ - باب قَوْلِهِ: ﴿ثَانِي أَثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ إِذْ يَقُولُ لِصاحبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ الله مَعَنا﴾ ناصِرْنَا السَّكِينَةُ: فَعِيلَةٌ مِنَ السُّكُونِ (باب قوله) تعالى وسقط من اليونينية لغير أبي ذر (﴿ثاني اثنين﴾) نصب على الحال من مفعول أخرجه وهو مثل خامس خمسة أي أحد اثنين (﴿إذ هما في الغار﴾). أي حصلا فيه والغار ثقب في الجبل يجمع على غيران (﴿إذ يقول﴾) وَّر (﴿لصاحبه﴾) وهو أبو بكر الصديق فيه دليل على أن من أنكر كون أبي بكر من الصحابة كفر لتكذيبه القرآن. فإن قلت: لا دلالة في اللفظ على خصوصه. أجيب: بأن الإجماع على أنه لم يكن غيره (﴿لا تحزن إن الله معنا﴾﴾ [التوبة: ٤٠] أي (ناصرنا) وسقط لغير أبي ذر ﴿إذ يقول لصاحبه لا تحزن إن الله معنا﴾ وقال معنا ناصرنا. (السكينة: فعيلة من السكون) يريد تفسير قوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته عليه﴾ أي على الصديق أي ما ألقى في قلبه من الأمنة التي سكن عندها وعلم أنهم لا يصلون إليه وقيل الضمير عائد على النبي 8* قال بعضهم وهذا أقوى والسكينة هي ما ينزله الله على أنبيائه من الحياطة والخصائص التي لا تصلح إلا لهم كقوله تعالى: ﴿فيه سكينة من ربكم﴾ [البقرة: ٢٤٨]. إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٧ ٢٥٨ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة ٤٦٦٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا حَبَّنٌ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا ثابِتٌ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: حَدْثَنِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ وَِّ فِي الْغَارِ فَرَأَيْتُ آثارَ الْمُشْرِكِينَ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ رَفَعَ قَدَمَهُ رَآنًا قالَ: ((ما ظَنُّكَ بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثالِثُهُما؟)). وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسندي قال: (حدّثنا حبان) بفتح الحاء المهملة وتشديد الموحدة ابن هلال الباهلي قال: (حدّثنا همام) بفتح الهاء وتشديد الميم ابن يحيى بن دينار العوذي بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري قال: (حدّثنا ثابت) هو ابن أسلم البناني قال: (حدّثنا أنس) هو ابن مالك (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو بكر) الصديق (رضي الله عنه قال: كنت مع النبي ◌َّير في الغار) بثور أطحل خلف مكة من طريق اليمن (فرأيت آثار المشركين) لما طلعوا فوق الغار وفي رواية: فرفعت رأسي فإذا أنا بأقدام القوم (قلت: يا رسول الله لو أن أحدهم رفع قدمه) بالإفراد (رآنا: قال) عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر (ما ظنك باثنين) يريد نفسه الشريفة وأبا بكر (الله ثالثهما) بالنصر والمعونة. ٤٦٦٤ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدْثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قالَ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ابْنِ الزُّبَيْرِ قُلْتُ: أَبُوهُ الزُّبَيْرُ، وَأُمُّهُ أَسْمَاءُ، وَخالَتُهُ عَائِشَةُ، وَجَدَّهُ أَبُو بَكْرٍ وَجَدَّتُهُ صَفِيَّةُ فَقُلْتُ لِسُفْيانَ: إِسْنادُهُ فَقالَ: حَدَّثَنَا فَشَغَلَهُ إِنْسانٌ وَلَمْ يَقُلْ ابْنُ جُرَيْجِ. [الحديث ٤٦٦٤ - أطرافه في: ٤٦٦٥، ٤٦٦٦]. وبه قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) الجعفي المسندي قال: (حدّثنا ابن عيينة) سفيان (عن ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز (عن ابن أبي مليكة) عبد الله بن عبد الرحمن (عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه قال حين وقع بينه) أي بين ابن عباس (وبين ابن الزبير) عبد الله بسبب البيعة، وذلك أن ابن الزبير امتنع من مبايعة يزيد بن معاوية لما مات أبوه وأصر على ذلك حتى مات يزيد ثم دعا ابن الزبير إلى نفسه بالخلافة فبويع بها وأطاعه أهل الحجاز ومصر والعراق وخراسان وكثير من أهل الشام ثم غلب مروان على الشام وقتل الضحاك بن قيس الأمير من قبل ابن الزبير، ثم توفي مروان سنة خمس وستين وقام عبد الملك ابنه مقامه وغلب المختار بن أبي عبيد على الكوفة ففر منه من كان من قبل ابن الزبير، وكان محمد بن الحنفية وعبد الله بن عباس مقيمين بمكة مدة قتل الحسين فدعاهما ابن الزبير إلى البيعة له فامتنعا وقالا: لا نبايع حتى يجتمع الناس على خليفة وتبعهما على ذلك جماعة فشدد ابن الزبير عليهم وحصرهم فبلغ ذلك المختار فجهز إليهم جيشًا فأخرجوهما واستأذنوهما في قتال ابن الزبير فامتنعا وخرجا إلى الطائف قال ابن أبي مليكة : (قلت) أي لابن عباس كالمنكر عليه امتناعه من مبايعة ابن الزبير معددًا شرفه واستحقاقه للخلافة: (أبوه الزبير) بن العوام أحد العشرة المبشرة بالجنة (وأمه أسماء) بنت أبي بكر الصديق ٢٥٩ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة (وخالته عائشة) أم المؤمنين (وجدّه أبو بكر) صاحب النبي وَّر في الغار (وجدته) أم أبيه الزبير (صفية) بنت عبد المطلب عمة النبي وَظاهر. قال: عبد الله بن محمد المسندي شيخ المؤلف (فقلت لسفيان) بن عيينة: (إسناده) أي هذا الحديث ما هو إسناده؟ ويجوز النصب على تقدير: اذكر إسناده أي هل العنعنة بواسطة أو بدونها (فقال) أي سفيان: (حدّثنا فشغله إنسان) بكلام أو نحوه (ولم يقل ابن جريج) بالرفع أي لم يقل حدّثنا ابن جريج فاحتمل أن يكون أراد أن يدخل بينهما واسطة، واحتمل أن لا يدخلها، ولذلك استظهر البخاري فأخرج الحديث من وجه آخر عن ابن جريج ثم من وجه آخر عن شيخه. ٤٦٦٥ - حدثني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، قالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنا حَجَّاجْ قالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَكَانَ بَيْتَهُما شَيْءٌ فَغَدَوْتُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: أَتْرِيدُ أَنْ تُقاتِلَ ابْنَ الزُّبَيْرِ فَتُحِلَّ حَرَمَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: مَعاذَ اللهِ إِنَّ اللهِ كَتَبَ ابْنَ الزَّبَيْرِ وَبَنِي أُمَيَّةَ مُحِلْينَ وَإِنِّي وَاللهِ لا أُحِلُّهُ أَبَدًا قالَ: قالَ النَّاسُ بايع لايْنِ الزُّبَيْرِ فَقُلْتُ: وَأَيْنَ بِهِذا الأَمْرِ عَنْهُ أَمَّا أَبُوهُ فَحَوارِيُّ النَّبِيِّ وَّهِ، يُرِيدُ الزُّبَيْرَ. وَأَمَّا جَدَّهُ فَصاحِبُ الْغارِ، يُرِيدُ أَبَا بَكْرٍ. وَأَمَّا أُمُّهُ فَذاتُ النّطاقِ يُرِيدُ أَسْمَاءَ وَأَمَّا خالَتْهُ فَأُمُّ الْمُؤْمِنِينَ يُرِيدُ عَائِشَةَ، وَأَمَّا عَمَّتُهُ فَزَوْجُ النَّبِيِّ نَّهِ يُرِيدُ خَدِيجَةَ، وَأَمَّا عَمَّةُ النَّبِيِّ وَّرِ فَجَدَّتُهُ، يُرِيدُ صَفِيَّةَ، ثُمَّ عَفِيفٌ فِي الإسْلامِ قارِئٌ لِلْقُرْآنِ وَاللهِ إِنْ وَصَلُونِي وَصَلُونِي مِنْ قَرِيبٍ وَإِنْ رَبُّونِي رَبُّونِي أَكْفَاءٌ كِرامٌ فَثَرَ الْتُّوَيْتَاتِ وَالأُساماتِ وَالْحُمَيْداتِ يُرِيدُ أَبْطُنَا مِنْ بَنِي أَسَدٍ بَنِي تُوَيْتٍ وَبَنِي أُسَامَةَ وَبَنِي أَسَدٍ إِنَّ ابْنَ أَبِي الْعاصِ بَرَزَ يَمْشِي الْقُدَمِيَّةَ يَعْنِي عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوانَ وَإِنَّهُ لَوَّى ذَنَبَهُ يَعْنِي ابْنَ الزُّبَيْرِ . وبه قال: (حدثني) بالإفراد (عبد الله بن محمد) هو المسندي السابق (قال: حدثني) بالإفراد (يحيى بن معين) بفتح الميم البغدادي الحافظ المشهور امام الجرح والتعديل المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائتين بالمدينة النبوية وله بضع وسبعون سنة قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن محمد المصيصي (قال ابن جريج) عبد الملك (قال ابن أبي مليكة) عبد اللّه (وكان بينهما) أي بين ابن الزبير وابن عباس (شيء) مما يصدر بين المتخاصمين وقيل كان اختلافًا في بعض قراءات القرآن (فغدوت على ابن عباس فقلت) له: (أتريد أن تقاتل ابن الزبير) بهمزة الاستفهام الإنكاري (فتحل) بالنصب وفي اليونينية فتحل بالرفع (حرم الله)؟ وفي نسخة ما حرم الله أي من القتال في الحرم (فقال) أي ابن عباس (معاذ الله) أي أتعوّذ بالله عن إحلال ما حرم الله (إن الله كتب) أي قدر (ابن الزبير وبني أمية محلين) مبيحين القتال في الحرم. قال في فتح الباري: وإنما نسب ابن الزبير لذلك وإن كان بنو أمية هم الذين ابتدؤوه بالقتال وحصروه، وإنما بدا منه أولاً دفعهم عن نفسه لأنه بعد أن ردهم الله عنه حصر بني هاشم ليبايعوه فشرع فيما يؤذن بإباحة القتال في الحرم (إني) أي قال ابن عباس وإني (والله لا أحله) أي القتال فيه (أبدًا) وإن قوتلت فيه. ٢٦٠ كتاب تفسير القرآن/ سورة التوبة قال ابن أبي مليكة بالإسناد السابق: (قال) ابن عباس (قال الناس) الذين من جهة ابن الزبير (بايع) بكسر التحتية والجزم على الأمر (لابن الزبير) بالخلافة. قال ابن عباس (فقلت) لهم: (وأين بهذا الأمر عنه؟) أي الخلافة يريد أنها ليست بعيدة عنه لما له من الشرف بأسلافه الذين ذكرهم بقوله (أما أبوه فحواري النبي ( *) بالحاء المهملة أي ناصره (يريد) بذلك ابن عباس (الزبير وأما جده فصاحب الغار يريد) بذلك ابن عباس (أبا بكر) الصديق رضي الله عنه (وأما أمه فذات النطاق) بالإفراد لأنها شقت نطاقها لسفرة رسول الله وَ ل﴿ وسقائه عند الهجرة (يريد) ابن عباس بذلك (أسماء) بنت أبي بكر (وأما خالته فأم المؤمنين يريد) ابن عباس (عائشة) رضي الله عنها (وأما عمته فزوج النبي ﴿ ﴿ يريد) ابن عباس (خديجة) وأطلق عليها عمته تجوّزًا وإنما هي عمة أبيه لأنها خديجة بنت خويلد بن أسد والزبير هو ابن العوّام بن خويلد بن أسد (وأما عمة النبي الفيوم فجدته) أم أبيه (يريد) ابن عباس (صفية) بنت عبد المطلب ثم ذكر شرفه بصفته الذاتية الحميدة بقوله: (ثم عفيف في الإسلام) نزيه عما يشين من الرذائل (قارىء للقرآن) زاد ابن أبي خيثمة في تاريخه هنا وتركت بني عمي أي أذعنت لابن الزبير وتركت بني عمي بني أمية (والله إن وصلوني) أي بنو أمية (وصلوني من قريب) أي بسبب القرابة، وذلك لأن عباسًا هو ابن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف وأمية بن عبد شمس بن عبد مناف، فعبد المطلب ابن عم أمية جد مروان بن الحكم بن أبي العاص، وهذا شكر من ابن عباس لبني أمية وعتب على ابن الزبير (وإن ربوني) أي كانوا عليّ أمراء (ربوني) بفتح الراء وضم الموحدة المشددة فيهما وهو في الثاني من باب أكلوني البراغيث، وللكشميهني ربوني ربني (أكفاء) بالإفراد على الأصل ورفع أكفاء بسابقه أي أمثال واحدها كفء (كرام) في أحسابهم. وعند أبي مخنف الأخباري من طريق أخرى أن ابن عباس لما حضرته الوفاة بالطائف جمع بنيه فقال: يا بني إن ابن الزبير لما خرج بمكة شددت أزره ودعوت الناس إلى بيعته وتركت بني عمنا من بني أمية الذين إن قتلونا أكفاء وإن ربونا ربونا كرامًا، فلما أصاب ما أصاب جفاني فهذا صريح أن مراد ابن عباس بنو أمية لا بنو أسد رهط ابن الزبير، وقال الأزرقي: كان ابن الزبير إذا دعا الناس في الإذن بدأ ببني أسد على بني هاشم وبني عبد المطلب وغيرهم، فلذا قال ابن عباس: (فآثر) بالمد والمثلثة أي اختار ابن الزبير بعد أن أذعنت له وتركت بني عمي على (التويتات) جمع تويت مصغر توت بمثناتين وواو (والأسامات) بضم الهمزة جمع أسامة (والحميدات) بضم الحاء المهملة مصغر حمد (يريد) ابن عباس (أبطئًا) بفتح الهمزة وسكون الموحدة وضم الطاء المهملة جمع بطن وهو ما دون القبيلة وفوق الفخذ وقال: أبطنًا ولم يقل بطونًا لأن الأول جمع قلة فعبّر به تحقيرًا لهم (من بني أسد بني تويت) كذا في غير ما فرع من الفروع المقابلة على أصل اليونيني وكذا رأيتها فيه بني تويت. وقال الحافظ ابن حجر: قوله ابن تويت كذا وقع أي في روايات البخاري وصوابه بني تويت نبه عليه عياض وهو في مستخرج أبي نعيم بني على الصواب اهـ.