Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
الرّاعِي فَقَتَلُوهُ، وَأَطْرَدُوا النَّعَمَ فَما يُسْتَبْطَأُ مِنْ هُؤُلاءٍ قَتَلُوا النَّفْسَ وَحَارَبُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، وَخَوَّفُوا
رَسُولَ اللهِ وَ﴿ِ فَقالَ: ((سُبْحانَ الله)) فَقُلْتُ: تَتَّهِمُنِي قالَ: حَدَّثَنَا بِهُذا أَنَسٌ قَالَ: وَقالَ يا أَهْلَ كَذا
إِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرِ مَا أَبْقَى الله هذَا فِيَكُمْ وَمِثْلِ هذا.
وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني قال: (حدّثنا محمد بن عبد الله الأنصاري) أحد
شيوخ المؤلف روى عنه هنا بواسطة قال: (حدّثنا ابن عون) هو عبد الله بن عون بن أرطبان المزني
البصري (قال: حدّثني) بالإفراد (سلمان) بفتح السين وسكون اللام مكبرًا ولأبي ذر عن
الكشميهني سليمان بضم السين وفتح اللام مصغرًا والصواب الأول كما ذكره ابن طاهر
وعبد الغني المقدسي وغيرهما (أبو رجاء مولى أبي قلابة) بكسر القاف عبد اللَّه بن زيد (من أبي
قلابة أنه كان جالسًا خلف عمر بن عبد العزيز) وكان قد أبرز سريره للناس ثم أذن لهم فدخلوا
(فذكروا) القسامة لما استشارهم عمر فيها (وذكروا) له شأنها (فقالوا) نقول فيها القود (وقالوا قد
أقادت بها الخلفاء) قبلك. وفي المغازي من طريق أيوب والحجاج الصواف عن أبي رجاء فقالوا
حق قضى بها رسول الله و ﴿ وقضت بها الخلفاء قبلك (فالتفت) عمر رحمة الله عليه (إلى أبي قلابة
وهو خلف ظهره فقال: ما تقول يا عبد اللَّه بن زيد، أو قال ما تقول يا أبا قلابة؟) شك الراوي.
زاد في الديات من طريق الحجاج عن أبي عثمان عن أبي رجاء فقلت: يا أمير المؤمنين عندك
رؤوس الأجناد وأشراف العرب أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد
زنى ولم يروه أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص
أنه سرق أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. (قلت) زاد في الديات أيضًا والله (ما علمت نفسًا حلّ
قتلها في الإسلام إلا رجل زنى بعد إحصان، أو قتل نفسًا بغير نفس، أو حارب الله ورسوله وَالي)
سقطت التصلية لأبي ذر وزاد في الديات وارتد عن الإسلام.
(فقال عنبسة) بفتح العين المهملة وسكون النون وفتح الموحدة والسين المهملة ابن سعيد بن
العاص بن أمية القرشي الأموي (حدّثنا أنس) هو ابن مالك (بكذا وكذا) يعني بحديث العرنيين
قال أبو قلابة (قلت): ولأبي ذر فقلت: (إياي حدث أنس قال: قدم قوم) من عكل أو عرينة
ثمانية سنة ست (على النبي ◌َل﴿ فكلموه) بعد أن بايعوه على الإسلام (فقالوا: قد استوخمنا هذه
الأرض) أي استثقلنا المدينة فلم يوافق هواؤها أبداننا وكانوا قد سقموا (فقال) وليسله:
(هذه نعم) أي إبل (لنا تخرج) لترعى مع إبل الصدقة (فاخرجوا فيها فاشربوا من ألبانها
وأبوالها) للتداوي فليس فيه دليل على الإباحة في غير حال الضرورة. وعن ابن عباس مرفوعًا
فيما رواه ابن المنذر أن ((في أبوال الإبل شفاء للذربة بطونهم)) والذرب فساد المعدة فلا دلالة فيه
على الطهارة (فخرجوا فيها فشربوا من أبوالها وألبانها واستصحوا) أي حصلت لهم الصحة من
ذلك الداء (ومالوا على الراعي) يسار النوبي (فقتلوه واطردوا النعم) بتشديد الطاء أي ساقوها سوقًا
شديدًا (فما يستبطأ) بضم أوّله وسكون المهملة وبعد الفوقية موحدة ساكنة فطاء مهملة فهمزة مبنيًا

١٨٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
للمفعول استفعال من البطء الذي هو نقيض السرعة أي شيء يستبطأ به (من هؤلاء) العكليين.
وفي نسخة أخرى فما يستبقي بالقاف بدل الطاء من غير همز أي ما يترك من هؤلاء استفهام فيه
معنى التعجب كالسابق (قتلوا النفس وحاربوا الله ورسوله) في رواية حميد عن أنس عند الإمام
أحمد وهربوا محاربين (وخوّفوا رسول الله ﴿ فقال): أي عنبسة متعجبًا من أبي قلابة (سبحان الله)
قال أبو قلابة (فقلت) لعنبسة (تتهمني) فيما رويته من حديث أنس، وفي الديات فقال عنبسة بن
سعيد والله أن سمعت كاليوم قط فقلت: أتردّ عليّ حديثي يا عنبسة؟ (قال): لا ولكن جئت
بالحديث على وجهه (حدّثنا بهذا أنس قال) أبو قلابة: (وقال) عنبسة: (يا أهل كذا) أي يا أهل
الشام لأن وقوع ذلك كان بها وقول الحافظ ابن حجر أنه وقع التصريح به في رواية الديات لم أره
فلعله سهو (إنكم لن تزالوا بخير ما أبقى الله) بفتح الهمزة والقاف مبنيًا للفاعل (هذا) أبا قلابة
(فيكم ومثل هذا) ولأبي ذر أو وهو شك من الراوي، ولأبي ذر أيضًا عن الحموي والمستملي: ما
أبقى مثل هذا فيكم برفع مثل وضم همزة أبقى وكسر قافه وللكشميهني ما أبقى الله مثل هذا فيكم
بإظهار الفاعل، وفي نسخة ما بقي بإسقاط الألف، وفي الديات والله لا يزال هذا الجند بخير ما
عاش هذا الشيخ بين أظهرهم.
وهذا الحديث مرّ في الطهارة في أبوال الإبل والمغازي، ويأتي إن شاء الله تعالى بعون الله في
الدیات مع بقية مباحثه.
٦ - باب قَوْلِهِ: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥]
(باب قوله) تعالى: (﴿والجروح قصاص﴾) [المائدة: ٤٥] أي ذات قصاص فيما يمكن أن
يقتص منه، وهذا تعميم بعد التخصيص لأن الله تعالى ذكر النفس والعين والأنف والأذن فخص
الأربعة بالذكر، ثم قال والجروح قصاص على سبيل العموم فيما يمكن أن يقتص منه كاليد
والرجل، وأما ما لا يمكن ككسر في عظم أو جراحة في بطن يخاف منها التلف فلا قصاص فيه
بل فيه الأرش والحكومة وسقط لفظ باب لغير أبي ذر وقوله للكشميهني والحموي.
٤٦١١ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ سَلامِ، أَخْبَرَنا الْفَزَارِيُّ عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله تَعْالى
عَنْهُ قالَ: كَسَرَتِ الرَّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مالِكِ ثَنِيَّةَ جارِيَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصاصَ
فَأَتَوُا النَّبِيِّ وَّهِ فَأَمَرَ النَّبِيِّ ◌َّهِ بِالْقِصاصِ. فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ عَمُّ أَنَسِ بْنِ مالِكٍ: لا وَالله لاَ
تُكْسَرُ سِنُها يا رَسُولَ الله فَقَالَ رَسُولُ اللهِ وَّةِ: ((يَا أَنَسُ كِتابُ الله الْقِصَاصُ)) فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا
الأَرْشَ فَقالَ رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((إِنَّ مِنْ عِبادِ الله مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى الله لِأَبَرَّهُ».
وبه قال: (حدّثني) بالإفراد (محمد بن سلام) السلمي مولاهم البخاري البيكندي قال:
(أخبرنا الفزاري) بفتح الفاء والزاي وبعد الألف راء مروان بن معاوية بن الحارث (عن حميد)
الطويل (عن أنس) هو ابن مالك الأنصاري (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: كسرت الربيع) بضم

١٨٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
الراء وفتح الموحدة وبعد التحتية المكسورة المشددة عين مهملة (وهي عمة أنس بن مالك ثنية جارية
من الأنصار) أي شابة غير رقيقة ولم تسم (فطلب القوم) أي قوم الجارية (القصاص) من الربيع
(فأتوا النبي ◌َلي) ليحكم بينهم (فأمر النبي ◌َّه بالقصاص) من الربيع (فقال أنس بن النضر) بالضاد
الساكنة (عم أنس بن مالك: لا والله لا تكسر سنها) ولأبي ذر: ثنيتها (يا رسول الله) ليس ردّا
للحكم بل نفي لوقوعه لما كان له عند الله من القرب والثقة بفضل الله تعالى ولطفه أنه لا يخيبه بل
يلهمهم العفو (فقال رسول الله (وَ﴾):
(يا أنس كتاب الله القصاص) بالرفع مبتدأ وخبر قال تعالى: ﴿والسن بالسن﴾ إن قلنا شرع
من قبلنا شرع لنا ما لم يرد ناسخ (فرضي القوم) فتركوا القصاص عن الربيع (وقبلوا الأرش فقال
رسول الله* إن من عباد الله من لو أقسم على الله لأبره) في قسمه.
وهذا الحديث قد سبق في باب الصلح في الدية من كتاب الصلح.
٧ - باب ﴿يَا أَيُّها الرَّسُولُ بَلْغْ ما أَنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ [المائدة: ٦٧]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿يا أيها الرسول بلغ﴾) جميع (﴿ما أنزل إليك من
ربك﴾) [المائدة: ٦٧] إلى كافة الناس مجاهرًا به غير مراقب أحدًا ولا خائف مكروهًا قال مجاهد
فیما رواه ابن أبي حاتم: لما نزلت يا أيها الرسول بلّغ ما أنزل إليك من ربك قال: يا رب كيف
أصنع وأنا وحدي يجتمعون عليّ؟ فنزلت ﴿وإن لم تفعل فما بلغت رسالته﴾ أي فإن أهملت شيئًا
من ذلك فما بلغت رسالته لأن ترك إبلاغ البعض محبط للباقي لأنه ليس بعضه أولى من بعض
وبهذا تظهر المغايرة بين الشرط والجزاء.
قال ابن الحاجب: الشرط والجزاء إذا اتحدا كان المراد بالجزاء المبالغة فوضع قوله فما بلغت
رسالته موضع أمر عظيم أي: فإن لم تفعل فقد ارتكبت أمرًا عظيمًا.
وقال في الانتصاف قال: وإن لم تفعل ولم يقل وإن لم تبلغ ليتغايرا لفظًا وإن اتحدا معنى
وهي أحسن بهجة من تكرار اللفظ الواحد في الشرط والجزاء، وهذا من محاسن علم البيان وقدّر
المضاف وهو قوله جميع ما أنزل لأنه صلوات الله وسلامه عليه كان مبلغًا، فعلى هذا فائدة الأمر
المبالغة والكمال يعني ربما أتاك الوحي بما تكره أن تبلغه خوفًا من قومك فبلغ الكل ولا تخف.
وقال الراغب فيما حكاه الطيبي فإن قيل: كيف قال وإن لم تفعل فما بلغت رسالته وذلك
كقولك إن لم تبلغ فما بلغت قيل: معناه وإن لم تبلغ كل ما أنزل إليك تكون في حكم من لم يبلغ
شيئًا مما أنزل الله بخلاف ما قالت الشيعة، إنه قد كتم أشياء على سبيل التقية. وعن بعض الصوفية
ما يتعلق به مصالح العباد وأمر بإطلاعهم عليه فهو منزه عن كتمانه، وأما ما خص به من الغيب
ولم یتعلق به مصالح أمته فله بل علیه كتمانه.

١٨٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
٤٦١٢ - حقثنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، عَنْ إِسْماعِيلَ، عَنِ الشّغْبِيِّ، عَنْ
مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها قالَتْ: مَنْ حَدَّثَكَ أَنَّ مُحَمَّدًا وَّهِ كَتَمَ شَيْئًا مِمَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ فَقَدْ
كَذَبَ وَاللهِ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلْغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآيَةَ.
وبه قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) الفريابي قال: (حدّثنا سفيان) الثوري (عن إسماعيل) هو
ابن أبي خالد البجلي الكوفي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن مسروق) هو ابن الأجدع (عن
عائشة رضي الله عنها) أنها (قالت: من حدثك أن محمدًا وَل﴿ كتم شيئًا مما أنزل عليه) بضم الهمزة
مبنيًّا للمفعول ولأبي ذر عن الكشميهني مما أنزل الله عليه (فقد كذب والله يقول ﴿يا أيها الرسول
بلّغ ما أنزل إليك من ربك﴾ الآية) وسقط لفظ من ربك لغير أبي ذر.
وفي الصحيحين عنها: لو كان محمد رَالتر كاتما شيئًا لكتم هذه الآية ﴿وتخفي في نفسك ما
الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه﴾ [الأحزاب: ٣٧] وقد شهدت له أمته بإبلاغ الرسالة
وأداء الأمانة واستنطقهم بذلك في أعظم المحافل في خطبته يوم حجة الوداع، وقد كان هناك من
أصحابه نحو من أربعين ألفًا كما ثبت في صحيح مسلم.
وحديث الباب أخرجه المؤلف هنا مختصرًا وفي مواضع أخر مطولاً، ومسلم في كتاب
الإيمان، والترمذي والنسائي في كتاب التفسير من سننهما من طريق عن الشعبي.
٨ - باب قَوْلِهِ: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ الله بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [المائدة: ٨٩]
(باب قوله) عز وجل (﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)) [المائدة: ٨٩] هو قول المرء
بلا قصد لا والله وبلى والله، وهذا مذهب الشافعي، وقيل الحلف على غلبة الظن وهو مذهب أبي
حنيفة، وقيل اليمين في الغضب، وقيل في النسيان، وقيل الحلف على ترك المأكل والمشرب
والملبس، والصحيح أنه اليمين من غير قصد.
٤٦١٣ - حدثنا عَلِيُّ بْنُ سَلَمَةَ، حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ سُعَيْرٍ، حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةَ
رَضِيَ الله عَنْهَا أُنْزِلَتْ هُذِهِ الآيَةُ ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللهِ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ﴾ فِي قَوْلِ الرَّجُلِ: لأْ وَالله،
وَبَلَى وَالله. [الحديث ٤٦١٣ - أطرافه في: ٦٦٦٣].
وبه قال: (حدّثنا علي بن سلمة) بفتح اللام اللبقي بفتح اللام والموحدة المخففة وبعد القاف
تحتية وللحموي والكشميهني علي بن عبد الله قيل وهو خطأ قال: (حدّثنا مالك بن سعير) بسين
مضمومة فعين مفتوحة مهملتين مصغرًا ابن الخمس بكسر الخاء المعجمة وسكون الميم بعدها سين
مهملة الكوفي صدوق وضعفه أبو داود، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث وآخر في
الدعوات وكلاهما قد توبع عليه عنده، وروى له أصحاب السنن قال (حدّثنا هشام عن أبيه)
عروة بن الزبير بن العوّام (عن عائشة رضي الله عنها) أنها قالت: (أنزلت هذه الآية ﴿لا يؤاخذكم

١٨٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
الله باللغو في أيمانكم﴾ في قول الرجل لا والله وبلى والله) أي كل واحدة منهما إذا قالها مفردة
لغو فلو قالهما معًا فالأولى لغو والثانية منعقدة لأنها استدراك مقصود قاله الماوردي فيما نقله عنه
في الفتح ومباحث ذلك تأتي إن شاء الله تعالى في الإيمان.
٤٦١٤ - هقائنا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجاءٍ، حَدَّثَنا النَّضْرُ، عَنْ هِشام قالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي عَنْ
عَائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها أَنَّ أَباها كانَ لا يَحْنَثُ فِي يَمِينٍ حَتَّى أَنْزَلَ اللهِ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ:
لأَ أَزْى يَمِينًا أُرِى غَيْرَها خَيْرًا مِنْها إلاَّ قَبِلْتُ رُخْصَةَ الله وَفَعَلْتُ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ. [الحديث
٤٦١٤ - أطرافه في: ٦٦٢١].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (أحمد بن أبي رجاء) ضد الخوف واسمه
عبد الله بن أيوب الحنفي الهروي قال: (حدّثنا النضر) بالضاد المعجمة ابن شميل المازني (عن
هشام) أنه (قال: أخبرني) بالإفراد (أبي) عروة بن الزبير (عن عائشة رضي الله عنها أن أباها) أبا
بكر الصديق رضي الله تعالى عنه (كان لا يحنث في يمين). وعند ابن حبان كان رسول الله واله
إذا حلف على يمين لم يحنث وما في البخاري هو الصحيح كما في الفتح (حتى أنزل الله كفارة
اليمين) في القرآن فكفارته إطعام عشرة مساكين الخ (قال أبو بكر: لا أرى) بفتح الهمزة أي لا
أعلم (يمينًا أرى) بضم الهمزة أي أظن (غيرها) ولأبي ذر عن الكشميهني أن غيرها (خيرًا منها إلا
قبلت رخصة الله وفعلت الذي هو خير) أي وكفرت عن يميني، وعن ابن جريج مما نقله الثعلبي
في تفسيره أنها نزلت في أبي بكر حلف أن لا ينفق على مسطح لخوضه في الإفك فعاد إلى مسطح
بما كان ينفقه وسقط لغير أبي ذر باب قوله وثبت له والله أعلم.
٩ - باب قَولِهِ:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتٍ ما أَحَلَّ اللهَ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٨٧]
(باب قوله) عز وجل: (﴿يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم))
[المائدة: ٨٧] أي ما طاب ولذ منه، وقد كان النبي ◌ّله يأكل الدجاج ويحب الحلو أو العسل،
وحكي عن الحسن أنه قال لبعض الأولياء لما منع نفسه أكل الدجاج والفالوذج: أترى لعاب النحل
بلباب البر بخالص السمن يعيبه مسلم ولما نقل له عن بعضهم أنه لا يأكل الفالوذج ويقول لا
أؤذي شكره قال: أيشرب الماء البارد؟ قيل: نعم. قال: إنه جاهل أن نعمة الله تعالى فيه أكثر من
الفالونج اهـ.
نعم من ترك لذات الدنيا وشهواتها وانقطع إلى الله تعالى متفرغًا لعبادته من غير ضرر نفس
ولا تفويت حق ففضيلة لا منع منها بل هو مأمور بها وقد سقط (﴿يا أيها الذين آمنوا﴾) لأبي ذر
وثبت لفظ باب له.

١٨٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
٤٦١٥ - حدثنا عَمْرُو بْنُ عَوْنٍ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ عَنْ إسْمَاعِيلَ، عَنْ قَيْسٍ عَنْ عَبْدِ اللَّه رَضِيَ
الله تَعالَى عَنْهُ قالَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ النَّبِيِّ وَهُ وَلَيْسَ مَعَنا نِسَاءٌ فَقُلْنا: أَلا نَخْتَصِي؟ فَنَهاتُا عَنْ ذُلِكَ
فَرَخَّصَ لَنا بَعْدَ ذُلِكَ أَنْ نَتَزَوَّجَ الْمَرْأَّةَ بِالثَّوْبِ، ثُمَّ قَرَّأَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّاتٍ ما
أَحَلّ الله لَكُمْ﴾ [الحديث ٤٦١٥ - طرفاه في: ٥٠٧١ _ ٥٠٧٥].
وبه قال: (حدّثنا عمرو بن عون) بفتح العين فيهما السلمي الواسطي نزيل البصرة قال:
(حدّثنا خالد) هو ابن عبد اللّه الطحان (عن إسماعيل) هو ابن أبي خالد (عن قيس) هو ابن أبي
حازم (عن عبد اللّه) هو ابن مسعود (رضي الله تعالى عنه) أنه (قال: كنا نغزو مع النبي وَّه وليس
معنا نساء فقلنا: ألا نختصي) بالخاء المعجمة والصاد المهملة أي ألا نستدعي من يفعل بنا الخصاء
أو نعالج ذلك بأنفسنا والخصاء الشق على الأنثيين وانتزاعهما (فنهانا عن ذلك) نهي تحريم لما فيه
من تغيير خلق الله وقطع النسل وكفر النعمة لأن خلق الشخص رجلاً من النعم العظيمة وقد
يفضي ذلك بفاعله إلى الهلاك، (فرخص لنا بعد ذلك أن نتزوج المرأة بالثوب) أي إلى أجل وهو
نكاح المتعة وليس قوله بالثوب قيدًا فيجوز بغيره مما يتراضيان عليه (ثم قرأ) ابن مسعود (﴿يا أيها
الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم﴾) قال النووي: في استشهاد ابن مسعود بالآية أنه
كان يعتقد إباحة المتعة كابن عباس، ولعله لم يكن حينئذٍ بلغه الناسخ ثم بلغه فرجع بعد.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في النكاح وكذا مسلم وأخرجه النسائي في التفسير.
١٠ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ والأَنْصابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ﴾
[المائدة: ٩٠] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: الأَزْلامُ: الْقِداحُ يَقْتَسِمُونَ بِها فِي الأَمُورِ، وَالنُّصُبُ:
أَنْصَابٌ يَذْبَحُونَ عَلَيْها. وَقَالَ غَيْرُهُ: الزَّلَمُ الْقِدْحُ لا رِيشَ لَهُ وَهُوَ واحِدُ الأَزْلامِ،
وَالإِسْتِقْسامُ: أَنْ يُجِيلَ الْقِداحَ فَإِنْ نَهَتْهُ أَنْتَهَى وَإِنْ أَمَرَتْهُ فَعَلَ ما تَأْمُرُهُ. يُجِيلُ يُدِيرُ وَقَدْ
أَعْلَمُوا الْقِداحَ أَعْلامَا بِضُرُوبٍ يَسْتَقْسِمُونَ بِها، وَفَعَلْتُ مِنْهُ قَسَمْتُ وَالْقُسُومُ الْمَصْدَرُ.
(باب قوله) جل وعلا (﴿إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾) خبر عن الأشياء
المتقدمة وإنما أخبر عن جمع بمفرد لأنه على حذف مضاف أي إنما تعاطي الخمر الخ (﴿من
عمل الشيطان﴾﴾ [المائدة: ٩٠] لأنه مسبب من تسويله وتزيينه والظرف في موضع رفع صفة
لرجس.
(وقال) بالواو ولأبي ذر قال: (ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما مما وصله ابن المنذر من
طريق علي بن أبي طلحة عنه (الأزلام) هي (القداح) أي السهام التي (يقتسمون بها في الأمور) في
الجاهلية (والُصب) ولأبي ذر بإسقاط الواو. والنصب بضم النون والصاد قال ابن عباس مما وصله

١٨٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
ابن أبي حاتم هي (أنصاب) كانوا ينصبونها (يذبحون عليها) وقال ابن قتيبة حجارة ينصبونها
ويذبحون عندها فتنصب عليها دماء الذبائح.
(وقال غيره) أي غير ابن عباس (الزلم) بفتحتين هو (القدح) بكسر القاف وسكون الدال وهو
السهم الذي (لا ريش له وهو واحد الأزلام) ويقال للسهم أوّل ما يقطع قطع ثم ينحت ويبرى
فيسمى بريًا ثم يقوّم فيسمى قدحًا، ثم يراش ويركب نصله فيسمى سهمًا (والاستقسام) هو (أن
يجيل) بالجيم (القداح) قيمها (فإن نهته) بأن خرج نهاني ربي (انتهى) وترك (وإن أمرته) بأن خرج
أمرني ربي (فعل ما تأمره) زاد أبو ذر به وأن معنى قوله (يجيل) بضم التحتية وكسر الجيم أي
(يدير) من الإدارة وكانوا يعطون القيم على إجالتها مائة درهم (وقد أعلموا القداح) وكانت سبعة
مستوية موضوعة في جوف الكعبة عند هبل أعظم أصنامهم (أعلامًا) يكتبونها عليها (بضروب) أي
بأنواع من الأمور، فعلى واحد أمرني ربي، وعلى الآخر نهاني ربي، وعلى آخر واحد منكم، وعلى
آخر من غيركم، وعلى آخر ملصق، وعلى آخر العقل والسابع غفل أي ليس عليه شيء. وكانوا
(يستقسمون) أي يطلبون (بها) بيان قسمهم من الأمر الذي يريدونه كسفر أن نكاح أو تجارة أو
اختلفوا فيه من نسب أو أمر قتيل أو حمل عقل وهو الدية أو غير ذلك من الأمور العظيمة، فإن
أجالوه على نسب وخرج منكم كان وسطًا فيهم وإن خرج من غيركم كان حلفًا فيهم وإن خرج
ملصقًا كان على حاله، وإن اختلفوا في العقل فمن خرج عليه قدحه يحمله وإن خرج الغفل الذي
لا علامة عليه أجالوا ثانيًا حتى يخرج المكتوب عليه وقد نهاهم الله عن ذلك وحرمه وسماه فسقًا.
ووقع في رواية يستقسمون به بتذكير الضمير أي يستقسمون بذلك الفعل (وفعلت منه قسمت) قال
في العمدة: أشار به إلى أن من أراد أن يخبر عن نفسه من لفظ الاستقسام يقول قسمت بضم التاء
(والقسوم) بضم القاف على وزن فعول (المصدر).
٤٦١٦ - حدثنا إِسْحُقُ بْنُ إِبْراهِيمَ، أَخْبَرَنا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عُمَرَ بْنِ
عَبْدِ الْعَزِيزِ قالَ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُما قالَ: نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنَّ
فِي الْمَدِينَةِ يَوْمَئِذٍ لَخَمْسَةً أَشْرِبَةٍ ما فِيها شَرابُ الْعِنَبِ. [الحديث ٤٦١٦ - أطرافه في: ٥٥٧٩].
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (إسحاق بن إبراهيم) المعروف بابن راهويه قال:
(أخبرنا محمد بن بشر) بكسر الموحدة وسكون المعجمة ابن الفرافصة أبو عبد الله العبدي الكوفي
قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عمر بن عبد العزيز) بن مروان بن الحكم القرشي الأموي المدني
(قال: حدّثني) بالإفراد (نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: نزل تحريم الخمر وإن
في المدينة) ولأبي ذر وإن بالمدينة بالموحدة بدل في (يومئذٍ) قبل تحريمها (لخمسة أشربة) شراب
العسل والتمر والحنطة والشعير والذرة (ما فيها شراب العنب).
وهذا الحديث من أفراده.

١٨٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
٤٦١٧ - حدّثنا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ عُلَيَّةً، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزُ بْنُ صُهَيْبٍ، قَالَ:
قالَ أَنَسُ بْنُ مالِكِ رَضِيَ الله تَعالَى عَنْهُ: ما كانَ لَنا خَمْرٌ غَيْرُ فَضِيخِكُمْ هذَا الَّذِي تُسَمُونَهُ
الْفَضِيخَ، فَإِنِّي لَقَائِمٌ أَسْقِي أَبَا طَلْحَةً وَفُلانًا وَفُلانًا إِذْ جاءَ رَجُلٌ فَقَالَ: وَهَلْ بَلَغَكُمُ الْخَبَرُ؟ فَقالُوا:
وَما ذاكَ؟ قالَ: حُرِّمَتِ الْخَمْرُ، قالُوا: آهْرِقْ هُذِهِ الْقِلالَ يا أَنَسُ، قالَ: فَمَا سَأَلُوا عَنْها وَلا
رَاجَعُوها بَعْدَ خَبَرِ الرَّجُلِ.
وبه قال: (حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) الدورقي قال: (حدّثنا ابن علية) بضم العين المهملة
وفتح اللام وتشديد التحتية إسماعيل بن إبراهيم وعلية أمه قال: (حدّثنا عبد العزيز بن صهيب)
بضم المهملة وفتح الهاء آخره موحدة مصغرًا البناني البصري (قال: قال أنس بن مالك رضي الله
تعالى عنه ما كان خمر غير فضيخكم) بفتح الفاء وكسر الضاد وبالخاء المعجمتين شراب يتخذ من
البسر وحده من غير أن تمسه النار والفضخ الكسر لأن البسر يشدخ ويترك في وعاء حتى يغلي
(هذا الذي تسمونه الفضيخ فإني لقائم أسقي أبا طلحة) زيد بن سهل الأنصاري زوج أم أنس
(وفلانًا وفلانًا) وقع من تسمية من كان مع أبي طلحة عند مسلم أبو دجانة وسهيل ابن بيضاء وأبو
عبيدة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل وأبو أيوب (إذ جاء رجل) لم يسم (فقال): وفي الفرع قال:
(وهل بلغكم الخبر؟ فقالوا: وما ذاك؟ قال: حرمت الخمر) أي حرمها الله تعالى على لسان
رسوله ﴿ قالوا: (أهرق) بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة فراء مكسورة أمر من أهراق، ولأبي ذر عن
الحموي والمستملي: هرق بفتح الهاء وكسر الراء من غير همز وله أيضًا عن الكشميهني أرق بهمزة
مفتوحة فراء مكسورة من غير هاء.
قال السفاقسي: الجمع بين الهاء والهمزة ليس بجيد لأن الهاء بدل من الهمزة فلا يجمع
بينهما. وأجيب: بأنهم قد جمعوا بينهما كما في الصحاح وغيره، وصرح به سيبويه أي صب (هذه
القلاب يا أنس) بكسر القاف أي الجرار التي لا يقل أحدها إلا القوي من الرجال (قال) أي أنس:
(فما سألوا عنها ولا راجعوها بعد خبر الرجل). ففيه قبول خبر الواحد.
وهذا الحديث أخرجه مسلم في الأشربة.
٤٦١٨ - حدّثنا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنا ابْنُ عُيَيْنَة، عَنْ عَمْرٍو، عَنْ جابِرٍ، قَالَ: صَبِّحَ
أُناسٌ غَدَاةً أُحُدٍ الْخَمْرَ فَقُتِلُوا مِنْ يَوْمِهِمْ جَمِيعًا شُهدَاءَ وَذْلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِها.
وبه قال: (حدّثنا صدقة بن الفضل) المروزي قال: (أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن عمرو)
هو ابن دينار (عن جابر) هو ابن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أنه (قال: صبح أناس)
بفتح الصاد وتشديد الموحدة (غداة أُحد) سنة ثلاث (الخمر) وفي الجهاد من طريق علي بن
عبد الله المديني اصطبح ناس الخمر يوم أحد أي شربوه صبوحًا أي بالغداة (فقتلوا من يومهم
جميعًا شهداء) وعند الإسماعيلي من طريق القواريري عن سفيان اصطبح قوم الخمر أول النهار

١٨٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
وقتلوا آخر النهار شهداء (وذلك قبل تحريمها) وزاد البزار في مسنده فقالت اليهود: قد مات بعض
الذين قتلوا وهي في بطونهم فأنزل الله تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح
فيما طعموا﴾ [المائدة: ٩٣] وفي سياق هذا الحديث غرابة وفي مسلم من حديث سعد بن أبي
وقاص قال: صنع رجل من الأنصار طعامًا فدعانا فشربنا الخمر قبل أن تحرّم حتى سكرنا فتفاخرنا
الحديث، وفيه فنزلت ﴿إنما الخمر والميسر﴾ إلى قوله: ﴿فهل أنتم منتهون﴾ .
وحديث الباب أخرجه البخاري أيضًا في الجهاد والمغازي.
٤٦١٩ - هقلنا إسْحُقُ بْنُ إِبْراهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، أَخْبَرَنا عيسى وَابْنُ إذْرِيسَ عَنْ أَبِي حَيَّانَ،
عَنِ الشّعْبِيِّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: سَمِعْتُ عُمَرَ رَضِيَ الله عَنْهُ عَلَى مِنْبَرِ النَّبِيِّ وَّهِ يَقُولُ: أَمَّا بَعْدُ
أَيُّها النَّاسُ إِنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ، وَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ: مِنَ الْعِنَبِ، وَالنَّمْرِ، وَالْعَسَلِ، وَالْحِنْطَةِ،
وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ ما خامَرَ الْعَقْلَ. [الحديث ٤٦١٩ - أطرافه في ٥٥٨١ - ٥٥٨٨- ٥٥٨٩.
٧٣٣٧].
وبه قال: (حدّثنا إسحاق بن إبراهيم) بن راهويه (الحنظلي) قال: (أخبرنا عيسى) بن
يونس بن أبي إسحق السبيعي (وابن إدريس) عبد الله الأودي الكوفي كلاهما (عن أبي حيان) بفتح
الحاء المهملة وتشديد التحتية يحيى بن يزيد التيمي (عن الشعبي) عامر بن شراحيل (عن ابن عمر)
رضي الله عنهما أنه (قال: سمعت عمر رضي الله عنه على منبر النبي ◌َّر يقول: أما بعد أيها
الناس إنه نزل تحريم الخمر وهي من خمسة من العنب والتمر والعسل والحنطة والشعير) وفي هذا
بيان حصول الخمر مما ذكر وليس للحصر لخلوّ التركيب عن أداته، ولتعقيبه بقوله (والخمر ما خامر
العقل) أي ستره وغطاه كالخمار سواء كان مما ذكر أو من غيره كأنواع الحبوب والنبات كالأفيون
والحشيش، ولا تعارض بين قول ابن عمر أوّلاً نزل تحريم الخمر وأن بالمدينة يومئذٍ لخمسة أشربة
ما فيها شراب العنب، وبين قول عمر نزل تحريم الخمر وهي من خمسة الخ لأن الأوّل أفاد أن
التحريم نزل في حالة لم يكن شراب العنب فيها بالمدينة، والقول الثاني وهو قول عمر لا يقتضي
أن شراب العنب كان بالمدينة إذ ذاك بوجه وحينئذٍ فلا تعارض كما لا يخفى.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الاعتصام والأشربة، ومسلم في آخر الكتاب، وأبو داود في
الأشربة وكذا الترمذي والنسائي فيه وفي الوليمة.
١١ - باب ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
◌ُنَاحٌ فِيما طَعِمُوا﴾ - إِلَى قَوْلِهِ - ﴿وَالله يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾
هذا (باب) بالتنوين في قوله عز وجل: (﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح﴾)
إثم (﴿فيما طعموا﴾) تقول طعمت الطعام والشراب ومن الشراب والمراد ما لم يحرم عليهم لقوله

١٩٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
إذا ما اتقوا أي اتقوا المحرم (إلى قوله: ﴿والله يحب المحسنين)) وسقط لأبي ذر قوله إلى قوله الخ
وقال بعد طعموا الآية وسقط لغيره لفظ باب.
٤٦٢٠ - حدّثنا أَبُو النُّعْمانِ، حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ، حَدَّثَنَا ثَابِتْ، عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ:
أَنَّ الْخَمْرَ الَّتِي أُهْرِيقَتِ الْفَضِيخُ. وَزادَنِي مُحَمَّدٌ عَنْ أَبِي النُّعْمانِ قالَ: كُنْتُ سَاقِيَ الْقَوْمَ فِي مَنْزِلٍ
أَبِي طَلْحَةَ فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ فَأَمَرَ مُنادِيًا فَنادَى فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ: أَخْرُحْ فَأَنْظُرْ ما هذا الصَّوْتُ قالَ:
فَخَرَجْتُ فَقُلْتُ: هذا مُنادٍ يُنادِي أَلا إِنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَقالَ لِي: اذْهَبْ فَأَهْرِقْها، قالَ: فَجَرَتْ
فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، قالَ: وَكانَتْ خَمْرُهُمْ يَوْمَئِذِ الْفَضِيخَ، فَقالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي
بُطُونِهِمْ قالَ: فَأَنْزَلَ الله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣].
وبه قال: (حدّثنا أبو النعمان) محمد بن الفضل السدوسي عارم قال: (حدّثنا حماد بن زيد)
اسم جدّه درهم الجهضمي قال: (حدّثنا ثابت) هو ابن أسلم البناني (عن أنس رضي الله عنه أن
الخمر التي أهريقت) بضم الهمزة وسكون الهاء آخره تاء تأنيث ولأبي ذر هريقت بضم الهاء من
غير همزة (الفضيخ) بالضاد والخاء المعجمتين مرفوع خبر أن وهو المتخذ من البسر كما مرّ قريبًا.
قال البخاري: (وزادني محمد) هو ابن سلام لا ابن يحيى الذهلي ووهم من قال إنه هو
ويؤيده ما في رواية أبي ذر حيث قال، محمد البيكندي: وقد تبين بهذا أن قول صاحب المصابيح
تبعًا لما في التنقيح أن القائل زادني هو الفربري ومحمد هو البخاري سهو وظهر أن البخاري سمع
هذا الحديث من أبي النعمان مختصرًا ومن محمد بن سلام البيكندي مطوّلاً (عن أبي النعمان قال):
أي أنس (كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة) الأنصاري (فنزل تحريم الخمر فأمر) أي النبي الهول
(مناديًا) قال الحافظ ابن حجر لم أر التصريح باسمه (فنادى) بتحريمها وكان ذلك عام الفتح سنة
ثمان لحديث ابن عباس عند أحمد ولفظه: قال سألت ابن عباس عن بيع الخمر فقال: كان
لرسول الله * صديق من ثقيف أو دوس فلقيه يوم الفتح براوية خمر يهديها إليه فقال: يا فلان أما
علمت أن الله حرمها؟ فأقبل الرجل على غلامه فقال: بعها. فقال: إن الذي حرم شربها حرم
بيعها (فقال أبو طلحة): أي لأنس (أخرج فانظر ما هذا الصوت. قال) أنس: (فخرجت) أي
فسمعت ثم عدت إلى أبي طلحة (فقلت) له: (هذا مناد ينادي ألا إن الخمر قد حرمت) حرمها الله
على لسان رسوله وَ﴿ (فقال لي: اذهب فأهرقها) بهمزة مفتوحة فهاء ساكنة مجزوم على الأمر، ولأبي
ذر عن الحموي والمستملي فهرقها بفتح الهاء من غير همز وله أيضًا عن الكشميهني فأرقها بهمزة
مفتوحة فراء مكسورة (قال): فأرقتها (فجرت) أي سالت (يفي سكك المدينة) أي طرقها (قال)
أنس (وكانت خمرهم يومئذٍ الفضيخ فقال بعض القوم: قتل قوم وهي في بطونهم).
وعند النسائي والبيهقي من طريق ابن عباس قال نزل تحريم الخمر في ناس شربوا فلما ثملوا
عبثوا فلما صحوا جعل بعضهم يرى الأثر بوجه الآخر فنزلت فقال ناس من المتكلفين، وعند

١٩١
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
البزار أن الذين قالوا ذلك كانوا من اليهود، وأفاد في الفتح أن في رواية الإسماعيلي عن ابن
ناجية عن أحمد بن عبدة ومحمد بن موسى عن حماد في آخر هذا الحديث قال حماد: فلا أدري هذا
يعني قوله فقال بعض القوم الخ في الحديث أي عن أنس أو قاله ثابت أي مرسلاً (قال: فأنزل الله
تعالى: ﴿ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا﴾) والمعنى بيان أنه لا جناح
عليهم فيما طعموه إذا ما اتقوا المحارم، والحكم عام وإن اختص السبب فالجناح مرتفع عن كل
من يطعم شيئًا من المستلذات إذا اتقى الله فيما حرم عليه منها ودام على الإيمان أو ازداد إيمانًا
عند من يقول به.
وقال في فتوح الغيب: والمعنى ليس المطلوب من المؤمنين الزهادة عن المستلذات وتحريم
الطيبات وإنما المطلوب منهم الترقي في مدارج التقوى والإيمان إلى مراتب الإخلاص ومعارج
القدس والكمال وذلك بأن يثبتوا على الاتقاء عن الشرك وعلى الإيمان بما يجب الإيمان به، وعلى
الأعمال الصالحة لتحصل الاستقامة التامة فيتمكن بالاستقامة من الترقي إلى مرتبة المشاهدة ومعارج
أن تعبد الله كأنك تراه وهو المعنى بقوله وأحسنوا وبها يمنح الزلفى عند الله ويحقه أن الله يحب
المحسنين اهـ.
وقال غيره: والتفسير باتقاء الشرك لا يلائم صفة الكمال وأن قوله وعملوا الصالحات أي
باشروا الأعمال الصالحة واتقوا الخمر والميسر بعد تحريمهما أو داوموا على التقوى والإيمان ثم
اتقوا سائر المحرمات أو ثبتوا على التقوى وأحسنوا أعمالهم وأحسنوا إلى الناس بالمواساة معهم في
الإنفاق عليهم من الطيبات، وقيل: التقوى عن الكفر والكبائر والصغائر وأضعف ما قيل فيه أنه
للتكرار والتأكید.
قال القاضي: ويحتمل أن يكون هذا التكرار باعتبار الأوقات الثلاثة أو باعتبار الحالات
الثلاثة استعمال الإنسان التقوى والإيمان بينه وبين نفسه وبينه وبين الناس وبينه وبين الله، ولذلك
بدل الإيمان بالإحسان في الكرة الثالثة إشارة إلى ما قاله عليه الصلاة والسلام في تفسيره أو
باعتبار المراتب الثلاث المبدأ والوسط والمنتهى، أو باعتبار ما يتقى فإنه ينبغي أن يترك المحرمات
توقيًا من العذاب والشبهات تحرزًا عن الوقوع في الحرام وبعض المباحات تحفظًا للنفس عن الخسة
وتهذيبًا لها عن دنس الطبيعة اهـ.
وختم الكلام يشعر بأن من فعل ذلك من المحسنين وأنه يستجلب المحبة الإلهية وسيأتي مزيد
لشرح حديث الباب إن شاء الله تعالى في الأشربة.
١٢ - باب قَوْلِهِ:
﴿لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١]
(باب قوله) عز وجل (﴿لا تسألوا﴾) الرسول وَالخير (﴿عن أشياء أن تبد لكم﴾) أي تظهر

١٩٢
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
لكم (﴿تسؤكم﴾﴾ [المائدة: ١٠١] والجملة الشرطية وما عطف عليها وهو أن تسألوا عنها صفة
لأشياء، ومعنى حين ينزل القرآن أي ما دام النبي وَلقر في الحياة فإنه قد يؤمر بسبب سؤالكم
بتكاليف تسوءكم وتتعرضون الشدائد العقاب بالتقصير في أدائها وسقط لفظ باب قوله لغير أبي
ذر.
٤٦٢١ - حدثنا مُنْذِرُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمْنِ الْجَارُودِيُّ، حَدَّثَنَا أَبِي حَدِّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ
مُوسَى بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسِ رَضِيَ الله عَنْهُ قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِوَّهِ خُطْبَةً ما سَمِعْتُ مِثْلَها قَطْ
قالَ: (لَوْ تَعْلَمُونَ ما أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلاً وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا» قالَ: فَغَطَى أَصْحَابُ رَسُولِ الله آ﴾
وُجُوهَهُمْ لَهُمْ خَنِينٌ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي؟ قَالَ: فُلأَنٌ. فَتَزَلَتْ هُذِهِ الآيَةُ: ﴿لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ
تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾. رَواهُ النَّضْرُ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةً عَنْ شُعْبَةً.
وبه قال: (حذّثنا) بالجمع ولأبي ذر حدّثني (منذر بن الوليد بن عبد الرحمن الجارودي)
بالجيم العبدي البصري قال: (حدّثنا أبي) الوليد قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج (عن موسى بن
أنس عن) أبيه (أنس) هو ابن مالك (رضي الله عنه) أنه (قال: خطب رسول الله صل* خطبة ما
سمعت مثلها قط) وكان فيما رواه النضر بن شميل عن شعبة عند مسلم قد بلغه عن أصحابه
شيء فخطب بسبب ذلك (قال):
(لو تعلمون) من عظمة الله وشدّة عقابه بأهل الجرائم وأهوال القيامة (ما أعلم لضحكتم
كثيرًا) (قال) أنس (فغطى أصحاب رسول الله وَلفي وجوههم لهم خنين) بالخاء المعجمة للكشميهني
أي صوت مرتفع من الأنف بالبكاء مع غنة، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي: حنين بالحاء المهملة
أي صوت مرتفع بالبكاء من الصدر وهو دون الانتحاب (فقال رجل) هو عبد الله بن حذافة أو
قيس بن حذافة أو خارجة بن حذافة وكان يطعن فيه (من أبي؟ قال) وَلير: أبوك (فلان) أي حذافة
(فنزلت هذه الآية ﴿لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾).
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الرقاق والاعتصام ومسلم في فضائل النبي ◌َّر والترمذي في
التفسير والنسائي في الرقائق.
(رواه) أي حديث الباب (النضر) بن شميل فيما وصله مسلم (وروح بن عبادة) مما وصله
البخاري في الاعتصام كلاهما (عن شعبة) بن الحجاج بإسناده وعند ابن جرير عن قتادة عن أنس
أن النبي ﴿ سألوه حتى أحفوه بالمسألة فصعد المنبر فقال: لا تسألوني اليوم عن شيء إلاّ بينته
لكم فأشفق الصحابة أن يكون بين يدي أمر قد حضر قال: فجعلت لا ألتفت يمينا وشمالاً إلا
وجدت كلاً لافّا رأسه في ثوبه يبكي فأنشأ رجل كان يلاحي فيدعى لغير أبيه فقال: يا نبي الله
من أبي؟ قال: ((أبوك حذافة)) ثم قام عمر فقال: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولاً
عائذًا بالله من شر الفتن الحديث.

١٩٣
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
٤٦٢٢ - حدثنا الْفَضْلُ بْنُ سَهْلٍ، قالَ: حَدَّثَنا أَبُو النَّضْرِ، حَدَّثَنَا أَبُو خَيْئَمَةَ حَدَّثَنَا أَبُو
الْجُوَيْرَيَّةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله عَنْهُما قالَ: كانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللهِ وَّةِ اسْتِهْزَاءٌ فَيَقُولُ
الرَّجُلُ مَنْ أَبِي؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضَلُ ناقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي؟ فَأَنْزَلَ الله فِيهِمْ هُذِهِ الآيَةَ: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْياءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ حَتَّى فَرَغْ مِنَ الآيَةِ كُلِّها.
وبه قال: (حدّثنا) ولأبي ذر حدّثني بالإفراد (الفضل بن سهل) البغدادي (قال: حدّثنا أبو
النضر) بإسكان الضاد المعجمة هاشم بن القاسم الخراساني قال: (حدّثنا أبو خيثمة) بفتح الخاء
المعجمة والمثلثة بينهما تحتية ساكنة زهير بن معاوية الجعفي الكوفي قال: (حدّثنا أبو الجويرية) بضم
الجيم مصغرًا حطان بكسر الحاء وتشديد الطاء المهملتين ابن خفاف بضم الخاء المعجمة وتخفيف
الفاء الجرمي بفتح الجيم (عن ابن عباس رضي الله عنهما) أنه (قال: كان قوم يسألون
رسول الله * استهزاء فيقول الرجل) له عليه الصلاة والسلام: (من أبي؟ ويقول الرجل تضل
ناقته أين ناقتي؟ فأنزل الله فيهم هذه الآية: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم
تسؤكم﴾ حتى فرغ من الآية كلها) سقط إن تبد لكم تسؤكم في رواية أبي ذر.
وهذا الحديث من أفراد البخاري، وقيل نزلت في شأن الحج فعن علي لما نزلت ﴿ولله على
الناس حج البيت﴾ [آل عمران: ٩٧] قالوا: يا رسول الله أفي كل عام؟ فسكت فقالوا: يا
رسول الله أفي كل عام؟ قال ((لا، ولو قلت نعم لوجبت)) فأنزل الله عز وجل ﴿يا أيها الذين آمنوا
لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم﴾ رواه الترمذي وقال حديث غريب.
١٣ - باب ﴿مَا جَعَلَ الله مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حام﴾ [المائدة: ١٠٣]
﴿وَإِذْ قَالَ الله﴾ يَقُولُ: قَالَ الله ﴿وَإِذْ﴾ هُهُنَا صِلَةٌ ﴿الْمَائِدَةُ﴾ أَضْلُها مَفْعُولَةٌ: كَعِيشَةٍ
راضِيَّةٍ وَتَطْلِيقَةٍ بائِنَةٍ وَالْمَعْنَى مَيْدَ بِها صاحِبُها مِنْ خَيْرِ يُقالُ: مادَنِي يَمِيدُنِي، وَقالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: مُتَوَفِيكَ مُمِيتُكَ.
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولا
حام﴾) [المائدة: ١٠٣] ويجوز كون جعل بمعنى سمى فيتعدى لاثنين أحدهما محذوف أي ما سمى
الله حيوانًا بحيرة، ومنع أبو حيان كون جعل هنا بمعنى شرع أو وضع أو أمر، وخرج الآية على
التصيير وجعل المفعول الثاني محذوفًا أي ما صير الله بحيرة مشروعة.
(﴿وإذ قال الله﴾) ﴿يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس﴾ [المائدة: ١١٦] معناه (يقول قال
الله) غرضه أن لفظ قال الذي هو ماض بمعنى يقول المضارع لأن الله تعالى إنما يقول هذا القول
يوم القيامة توبيخًا للنصارى وتقريعًا، ويؤيده قوله: ﴿هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم﴾ وذلك في
القيامة (﴿وإذ﴾ ههنا صلة) أي زادة لأن إذ للماضي والقول في المستقبل، وقال غيره إذ قد تجيء
إرشاد الساري/ ج ١٠ / م ١٣

١٩٤
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
بمعنی إذا کقوله: ﴿ولو ترى إذ فزعوا﴾ [سبأ: ٥١] وقوله:
ثم جزاك الله عني إذ جزى جنات عدن في السموات العلا
وصوّب ابن جرير قول السدي أن هذا كان في الدنيا حين رفع إلى السماء الدنيا.
(المائدة) في قوله: ﴿هل يستطيع ربك أن ينزل علينا مائدة من السماء﴾ [المائدة: ١١٢]
(أصلها مفعولة)، مراده أن لفظ المائدة وإن كان على لفظ فاعلة فهو بمعنى مفعولة يعني ميمودة
لأن ماد أصله ميد قلبت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها والمفعول منها للمؤنث مميودة (كعيشة
راضية) وإن كانت على وزن فاعلة فهي بمعنى مرضية لامتناع وصف العيشة بكونها راضية وإنما
الرضا وصف صاحبها (وتطليقة بائنة) التمثيل بهذه غير واضح لأن لفظ بائنة هنا على أصله بمعنى
قاطعة لأن التطليقة البائنة تقطع حكم العقد (والمعنى) من حيث اللغة (ميد بها صاحبها من خير)،
يعني امتير بها لأن ماده يميده لغة في ماره يميره من الميرة ومن حيث الاشتقاق (يقال مادني
يميدني). من باب فعل يفعل بفتح العين في الماضي وكسرها في المستقبل وقال أبو حاتم المائدة
الطعام نفسه والناس يظنونها الخوان . اهـ.
لكن قال في الصحاح: المائدة خوان عليه طعام فإذا لم يكن عليه طعام فليس بمائدة وإنما
هو خوان.
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما رواه ابن أبي حاتم من طريق علي بن أبي طلحة
عنه في قوله تعالى: ﴿يا عيسى إني﴾ ((متوفيك)) [آل عمران: ٥٥] معناه (مميتك) وهذه الآية
من سورة آل عمران. قيل: وذكرها هنا لمناسبة ﴿فلما توفيتني﴾ وكلاهما في قصة عيسى.
٤٦٢٣ - هذانا مُوسَى بْنُ إِسْماعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْراهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صالِحِ بْنِ كَيْسانَ، عَنِ
ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، قالَ: الْبَحِيرَةُ الَّتِي يُمْنَعُ دَرُها لِلطَّوَاغِيتِ فَلَا يَخْلُبُهَا أَحَدٌ مِنَ
النَّاسِ والسّائِبَةُ كانُوا يُسَيِّبُونَها لِلِهَتِهِمْ لا يُحْمَلُ عَلَيْها شَيْءٌ قالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ قالَ
رَسُولُ اللهِوَلِ: ((رَأَيْتُ عَمْرَو بْنَ عامِرِ الْخُزَاعِيِّ يَجُرْ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَانَ أَوَّلَ مَنْ سَيِّبَ السَّوائِبَ))
وَالْوَصِيلَةُ: النَّقَةُ الْبِكْرُ تُبِكُرُ فِي أَوَّلِ نَتَاجِ الإِبِلِ ثُمَّ تُثَنَّى بَعْدُ بِأُنْثَى وَكَانُوا يُسَيُِّونَهُمْ لِطَوَاغِيتِهِمْ أَنْ
وَصَلَتْ إِحْدَاهُمَا بِالأُخْرَى لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَّرٌ وَالْحَامُ فَخْلُ الإِبِلِ يَضْرِبُ الضَّرابَ الْمَعْدُودَ فَإِذْا قَضى
ضِرابَهُ وَدَعُوهُ لِلطَّواغِيتِ وَأَعْفَوْهُ مِنَ الْحَمْلِ فَلَمْ يُحْمَلْ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَسَمَّوْهُ الْحَامِيَ. وَقَالَ أَبُو
الْيَمانِ أَخْبَرَنا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ، سَمِعْتُ سَعِيدًا قالَ: يُخْبِرُهُ بِهِذا قالَ: وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةً سَمِعْتُ
النّبِيِّ ◌َ﴿ نَخْوَهُ. وَرَواهُ ابْنُ الْهادِ عَنِ ابْنِ شِهابٍ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ الله عَنْهُ سَمِعْتُ
التَِّيَّ ◌َ.
وبه قال: (حدثنا موسى بن إسماعيل) التبوذكي البصري قال: (حدّثنا إبراهيم بن سعد)

١٩٥
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
بسكون العين ابن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو إسحلق المدني نزيل بغداد (عن
صالح بن كيسان) بفتح الكاف المدني مؤذّب ولد عمر بن عبد العزيز (عن ابن شهاب) محمد بن
مسلم الزهري (عن سعيد بن المسيب) بن حزن القرشي المخزومي قال ابن المديني لا أعلم في
التابعين أوسع علمًا منه أنه (قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت) أي لبنها لأجل الأصنام (فلا
يحلبها أحد من الناس) ذكر أو أنثى، وخص أبو عبيدة المنع بالنساء دون الرجال، وقال غيره:
البحيرة فعيلة بمعنى مفعولة واشتقاقها من البحر وهو الشق يقال بحر ناقته إذا شق أذنها، واختلف
فيها فقيل: هي الناقة تنتج خمسة أبطن آخرها ذكر فتشق أذنها وتترك فلا تركب ولا تحلب ولا
تطرد عن مرعى ولا ماء.
(والسائبة) بوزن فاعلة بمعنى مسيبة (كانوا يسيبونها لآلهتهم) لأجلها تذهب حيث شاءت (لا
يحمل عليها شيء) ولا تحبس عن مرعى ولا ماء، وذلك أن الرجل كان إذا مرض أو غاب له
قريب نذر إن شفاه الله أو مريضه أو قدم غائبه فناقته سائبة فهي بمنزلة البحيرة، وقيل: هي من
جميع الأنعام.
(قال) أي سعيد بن المسيب بالسند المذكور (وقال أبو هريرة) رضي الله تعالى عنه (قال
رسول الله (صَاد):
(رأيت عمرو بن عامر الخزاعي) بضم الخاء المعجمة وتخفيف الزاي، وسبق في باب إذا
انفلتت الدابة في الصلاة ورأيت فيها عمرو بن لحيّ بضم اللام وفتح الحاء المهملة. قال الكرماني:
عامر اسم ولحيّ لقب أو بالعكس أو أحدهما اسم الجدّ، وقال البرماوي: إنما هو عمرو بن لحيّ
اسمه ربيعة بن حارثة بن عمرو اهـ.
وعند أحمد من حديث ابن مسعود مرفوعًا: إن أو، من سيب السوائب وعبد الأصنام أبو
خزاعة عمرو بن عامر، وعند عبد الرزاق من حديث زيد بن أسلم مر فوعًا: عمرو بن لحي أخو
بني كعب. قال ابن كثير: فعمرو هذا ابن لحي بن قمع أحد رؤساء حراعة الذين ولوا البيت بعد
جرهم.
وعند ابن جرير عن أبي هريرة أن رسول الله و الله قال: لأكتم بن الجون ((يا أكتم رأيت
عمرو بن لحيّ بن قمعة بن خندف)) (يجر قصبه) بضم القاف وسكون الصاد المهملة وبعدها موحدة
يعني أمعاءه (في النار كان أوّل من سيب السوائب). قال سعيد بن المسيب: مما هو موقوف مدرج
لا مرفوع (والوصيلة) فعيلة بمعنى فاعلة هي (الناقة البكر تبكر) أي تبادر (في أوّل نتاج الإبل)
بأنثى (ثم تثنى) بفتح المثلثة وتشديد النون المكسورة (بعد بأنثى) ليس بينهما ذكر (وكانوا يسيبونهم)
ولأبي ذر يسيبونها أي الوصيلة (لطواغيتهم) بالمثناة الفوقية من أجل (أن وصلت) بفتح الواو في
الفرع كأصله وفي نسخة بضمها (إحداهما) أي إحدى الأنثيين (ب) الأنثى (الأخرى ليس بينهما
ذكر) ويجوز كسر الهمز من أن وصلت وهو الذي في الفرع ولم يضبطها في الأصل، وقيل

١٩٦
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
الوصيلة من جنس الغنم فقيل هي الشاة تنتج سبعة أبطن عناقين عناقين فإذا ولدت في آخرها
عناقًا وجديًا قيل وصلت أخاها فجرت مجرى السائبة وقيل غير ذلك.
(والحام) هو (فحل الإبل يضرب الضراب المعدود) فينتج من صلبه بطن بعد بطن إلى عشرة
أبطن (فإذا قضى ضرابه ودعوه) بتخفيف الدال، ولأبي ذر ودّعوه بتشديدها (للطواغيت) أي تركوه
لأجل الطواغيت (وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي) لأنه حمى ظهره وقيل
الحام الفحل يولد لولده، وقيل الذي يضرب في إبل الرجل عشر سنين.
(وقال أبو اليمان) الحكم بن نافع ولأبي ذر وقال لي أبو اليمان (أخبرنا شعيب) هو ابن أبي
حمزة الحمصي (عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب أنه قال: (سمعت سعيدًا) يعني ابن المسيب
(قال بخبره بهذا) بتحتية مضمومة فحاء معجمة ساكنة فموحدة من الإخبار أي سعيد بن المسيب
يخبر الزهري، ولأبي ذر عن الحموي والمستملي قال: بحيرة بهذا بموحدة مفتوحة فحاء مهملة
فتحتية ساكنة إشارة إلى تفسير البحيرة وغيرها كما في رواية إبراهيم بن سعد عن صالح بن كيسان
عن الزهري. (قال): أي سعيد بن المسيب (وقال أبو هريرة) رضي الله عنه (سمعت النبي اَلول
نحوه) أي المذكور في الرواية السابقة وهو قوله البحيرة التي يمنع درها للطواغيت.
(ورواه) أي الحديث المذكور (ابن الهاد) يزيد بن عبد الله بن أسامة الليثي (عن ابن شهاب)
الزهري (عن سعيد) هو ابن المسيب (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) أنه قال: (سمعت
النبي ( 18) وهذا رواه ابن مردويه من طريق حميد بن خالد المهري عن ابن الهاد ولفظه: رأيت
عمرو بن عامر الخزاعي يجر قصبه في النار وكان أول من سيب السوائب، والسائبة التي كانت
تسيب فلا يحمل عليها شيء إلى آخر التفسير المذكور، وقال الحافظ ابن كثير فيما رأيته في تفسيره
قال الحاكم: أراد البخاري أن يزيد بن عبد الله بن الهاد رواه عن عبد الوهاب بن بخت عن
الزهري كذا حكاه شيخنا أبو الحجاج المزي في الأطراف وسكت ولم ينبه عليه، وفيما قاله الحاكم
نظر فإن الإمام أحمد وأبا جعفر بن جرير روياه من حديث الليث بن سعد عن ابن الهاد عن
الزهري نفسه والله أعلم.
٤٦٢٤ - حدثني مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي يَعْقُوبَ أَبُو عَبْدِ اللَّه الْكِرْمانِيُّ، حَدَّثَنَا حَسَّانُ بْنُ إِنْراهِيمَ،
حَدَّثَنا يُونُسُ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُزْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّه تَعالى عَنْهُا قالَتْ: قالَ
رَسُولُ اللهِ وَّهِ: ((رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَخْطِمُ بَعْضُها بَعْضًا، وَرَأَيْتُ عَمْرًا يَجُرُّ قُصْبَهُ وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ سَيّبَ
السَّوائِبَ)).
وبه قال: (حدَّثني) بالإفراد (محمد بن أبي يعقوب) إسحق (أبو عبد الله الكرماني) بكسر
الكاف وضبطه النووي بفتحها والأول هو المشهور قال: (حدّثنا حسان بن إبراهيم) بن عبد الله
الكرماني أبو هشام العنزي بنون مفتوحة بعدها زاي مكسورة قال: (حدّثنا يونس) بن يزيد الأيلي

١٩٧
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
(عن الزهري) محمد بن مسلم بن شهاب (عن عروة) بن الزبير بن العوّام (أن عائشة رضي الله
عنها قالت: قال رسول الله (مَآلتر):
(رأيت جهنم) حقيقة أو عرض عليه مثالها وكان ذلك في كسوف الشمس (يحطم) بكسر
الطاء أي يأكل (بعضها بعضًا ورأيت عمرًا) هو ابن عامر الخزاعي (يجر قصبه) بضم القاف وسكون
المهملة أمعاءه أي في النار وسقط للعلم به (وهو أول من سيّب السوائب).
وقد سبق هذا الحديث مطوّلاً في أبواب العمل في الصلاة من وجه آخر عن يونس بن
يزيد.
١٤ - باب ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [المائدة: ١١٧]
هذا (باب) بالتنوين في قوله تعالى: (﴿وكنت عليهم شهيدًا﴾) رقيبًا كالشاهد لم أمكنهم من
هذا القول الشنيع وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون
الله﴾ فضلاً عن أن يعتقدوه (﴿ما دمت فيهم فلما توفيتني﴾) أي بالرفع إلى السماء لقوله تعالى:
﴿إني متوفيك ورافعك﴾ [آل عمران: ٥٥] والتوفي أخذ الشيء وافيًا والموت نوع منه (﴿كنت
أنت الرقيب عليهم﴾) المراقب لأحوالهم فتمنع من أردت عصمته بأدلة العقل والآيات التي أنزلت
إليهم (﴿وأنت على كل شيء شهيد﴾) [المائدة: ١١٧] مطلع عليه مراقب له.
قال في فتوح الغيب: فإن قلت: إذا كان الشهيد بمعنى الرقيب فلمّ عدل عنه إلى الرقيب
في قوله تعالى: ﴿كنت أنت الرقيب عليهم﴾ مع أنه ذيل الكلام بقوله: ﴿وأنت على كل شيء
شهيد﴾؟ وأجاب: بأنه خولف بين العبارتين ليميز بين الشهيدين والرقيبين فيكون عيسى عليه
السلام رقيبًا ليس كالرقيب الذي يمنع ويلزم بل هو كالشاهد على المشهود عليه ومنعه بمجرد
القول، وأنه تعالى هو الذي يمنع منع إلزام بنصب الأدلة وإنزال البينات وإرسال الرسل، وسقط
لأبي ذر قوله: ﴿فلما توفيتني﴾ الخ ... وقال بعد قوله: ﴿ما دمت فيهم) الآية.
٤٦٢٥ - حدّثنا أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنا الْمُغِيرَةُ بْنُ النُّعْمانِ، قالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ
جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ الله تَعالى عَنْهُما قالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللهِ وَِّ فَقالَ: ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ
إِنَّكُمْ مَخْشُورُونَ إِلَى الله حُفاةً عُراةً غُزِلاَ))، ثُمَّ قالَ: ((﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنا إِنَّا
كُنَّ فَاعِلِينَ﴾)) إِلَى آخِرِ الآيَةَ. ثُمَّ قالَ: ((أَلَأْ وَإِنَّ أَوَّلَ الْخَلَائِقِ يُكْسُى يَوْمَ الْقِيامَةِ إِبْراهِيمُ، أَلا وَإِنَُّ
يُجاءُ بِرِجالٍ مِنْ أُمَّتِي فَيُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ الشّمالِ فَأَقُولُ: يَا رَبِّ أُصَيْحَابِي فَيُقالُ: إِنَّكَ لا تَذْرِي ما
أَحْدَثُوا بَعْدَكَ، فَأَقُولُ: كَما قالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفِّيْتَنِي
كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ﴾ فَيُقالُ: إِنَّ هُؤُلاءِ لَمْ يَزالُوا مُرْتَدِينَ عَلى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فارَقْتَهُمْ)).

١٩٨
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك قال: (حدّثنا شعبة) بن الحجاج قال:
(أخبرنا المغيرة بن النعمان) النخعي الكوفي (قال: سمعت سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم
الكوفي (عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما) أنه (قال: خطب رسول الله وَلخر فقال):
(يا أيها الناس إنكم محشورون) أي مجموعون يوم القيامة (إلى الله) تعالى حال كونكم (حفاة
عراة غرلاً) بضم الغين وسكون الراء جمع أغرل وهو الأقلف، والغرلة القلفة التي تقطع من ذكر
الصبي. قال ابن عبد البر: يحشر الآدمي عاريًا ولكل من الأعضاء ما كان له يوم ولد فمن قطع
له شيء يرد حتى الأقلف. وقال أبو الوفاء بن عقيل: حشفة الأقلف موقاة بالقلفة فلما أزالوها
في الدنيا أعادها الله في الآخرة ليذيقها من حلاوة فضله، وسقط لأبي ذر: عراة (ثم قال) عليه
الصلاة والسلام: ولأبي ذر عن الكشميهني ثم قرأ: (﴿كما بدأنا أول خلق نعيده وعدًا علينا إنا
كنا فاعلين﴾) [الأنبياء: ١٠٤] (إلى آخر الآية). قال في شرح المشكاة: إن قيل سياق الآية في
إثبات الحشر والنشر لأن المعنى نوجدكم عن العدم كما أوجدناكم أولاً عن العدم فكيف يستشهد
بها للمعنى المذكور؟ وأجاب: بأن سياق الآية دل على إثبات الحشر وإشارتها على المعنى المراد من
الحديث فهو من باب الإدماج.
(ثم قال) عليه الصلاة والسلام: (ألا) بالتخفيف للاستفتاح (وإن أول الخلائق يكسى يوم
القيامة إبراهيم) الخليل وَل لأنه أول من عري في ذات الله حين أرادوا إلقاءه في النار ولا يلزم
من أوليته لذلك تفضيله على نبينا وَ ﴿ لأنا نقول إذا استأثر الله عبدًا بفضيلة على آخر واستأثر
المستأثر عليه على المستأثر بتلك الواحدة بغيرها أفضل منها كانت الفضيلة له، فحلة نبينا ويلي التي
يكساها بعد الخليل حلة خضراء وهي حلة الكرامة بقرينة إجلاسه عند ساق العرش فهي أعلى
وأكمل فتجبر بنفاستها ما فات من الأولية ولا خفاء بأن منصب الشفاعة حيث لا يؤذن لأحد غير
نبينا فيه لم يبق سابقة لأولي السابقة ولا فضيلة لذوي الفضائل إلا أتت عليها وكم له من فضائل
مختصة به لم يسبق إليها ولم يشارك فيها (ألا) بالتخفيف أيضًا (وإنه يجاء) بضم الياء وفتح الجيم
(برجال من أمتي فيؤخذ بهم ذات الشمال) جهة النار (فأقول: يا رب أصيحابي) بضم الهمزة وفتح
المهملة مصغرًا والتصغير يدل على التقليل والمراد أنهم تأخروا عن بعض الحقوق وقصروا فيها أو
من ارتد من جفاة الأعراب ولأبي ذر عن الكشميهني أصحابي بالتكبير (فيقال: إنك لا تدري ما
أحدثوا بعدك فأقول: كما قال العبد الصالح) عيسى وَّر: (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم
فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم﴾) وزاد أبو ذر ﴿وأنت على كل شيء شهيد﴾.
وهذا موضع الترجمة على ما لا يخفى.
(فيقال: إن هؤلاء لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ) بالنون لأبي ذر عن الكشميهني مذ
(فارقتهم) لم يرد به خواص الصحابة الذين رموه وعرفوا بصحبته فقد صانهم الله تعالى وعصمهم
من ذلك وإنما ارتد قوم من جفاة الأعراب من المؤلفة قلوبهم ممن لا بصيرة له في الدين.

١٩٩
كتاب تفسير القرآن/ سورة المائدة
وهذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الرقاق بعون الله تعالى وقوته.
١٥ - باب قَوْلِهِ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]
(باب قوله) عز وجل: ((إن تعذبهم فإنهم عبادك﴾) أي إن عذبتهم فلا تعذب إلا عبادك
ولا اعتراض على المالك فيما يتصرف فيه من ملكه وهم يستحقون ذلك حيث عبدوا غيرك (﴿وإن
تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)) [المائدة: ١١٨]. إن قيل: كيف جاز أن يقول وأن تغفر
لهم فتعرّض بسؤاله العفو عنهم مع علمه أنه تعالى قد حكم بأنه من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه
الجنة؟ أجيب: بأن هذا ليس بسؤال وإنما هو كلام على طريق إظهار قدرته تعالى على ما يريد وعلى
مقتضى حكمه وحكمته، ولذا قال: فإنك أنت العزيز الحكيم تنبيهًا على أنه لا امتناع لأحد من
عزته ولا اعتراض في حكمه وحكمته فإن عذبت فعدل وإن غفرت ففضل. قال:
أذنبت ذنبًا عظيمًا وأنت للعفو أهل
فإن عفوت ففضل وإن جزيت فعدل
وعدم غفران الشرك مقتضى الوعيد فلا امتناع فيه لذاته وسقط قوله: ﴿وإن تغفر لهم﴾ الخ
لأبي ذر وقال بعد قوله: ﴿فإنهم عبادك﴾ الآية.
٤٦٢٦ - حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرِ، حَدَّثَنَا سُفْيانُ، حَدَّثَنَا الْمُغِيرَةُ بْنُ الثَّعْمانِ، قالَ: حَدَّثَنِي
سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ النِّّ ◌َِّ قَالَ: ((إِنَّكُمْ مَخْشُورُونَ، وَإِنَّ ناسًا يُؤْخَذُ بِهِمْ ذاتَ
الشّمالِ فَأَقُولُ: كما قالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ﴾ - إِلى قَوْلِهِ .
﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ .
وبه قال: (حدّثنا محمد بن كثير) العبدي البصري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (سفيان)
الثوري قال: (حدّثنا) ولأبي ذر: أخبرنا (المغيرة بن النعمان) النخعي (قال: حدثني) بالإفراد
(سعيد بن جبير) الأسدي مولاهم (عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما (عن النبي (وَلاي) أنه
(قال):
(إنكم محشورون) أي يوم القيامة وزاد في الرواية السابقة إلى الله (وإن ناسًا) ولأبي ذر عن
الكشميهني وأن رجالاً (يؤخذ بهم ذات الشمال) جهة النار (فأقول كما قال العبد الصالح) عيسى
ابن مريم ◌َلّر: (﴿وكنت عليهم شهيدًا ما دمت فيهم) - إلى قوله - ﴿العزيز الحكيم)).
فإن قلت: ما وجه مناسبة العزيز الحكيم بعد التعذيب والمغفرة وبالنظر إلى القسم الآخر
الغفور أنسب ظاهرًا؟ أجيب: بأن مجموع الوصفين لمجموع الحكمين كأنه قال: إن تعذبهم فإنهم

٢٠٠
كتاب تفسير القرآن/ سورة الأنعام
عبادك ولا يفوتك ولا يؤدك تعذيبهم وأن تغفر لهم فإنك أنت الحكيم الذي لا يفعل إلا بمقتضى
الحكمة لا بالنظر إلى أنهم يستحقون المغفرة بل باعتبار أن فعلك لا يكون إلا على وجه الصواب.
وهذا الحديث أخرجه أيضًا في الرقاق وأحاديث الأنبياء، ومسلم في صفة القيامة،
والترمذي في الزهد، والنسائي في الجنائز والتفسير.
([٦] سورة الأنعام)
عن ابن عباس فيما رواه الطبراني نزلت سورة الأنعام بمكة ليلاً جملة حولها سبعون ألف
ملك يجأرون حولها بالتسبيح. وروى الحاكم في مستدركه عن جعفر بن عون، حدّثنا
إسماعيل بن عبد الرحمن، حدّثنا محمد بن المنكدر عن جابر لما نزلت سورة الأنعام سبح
رسول الله وَي﴿ ثم قال: (لقد شيع هذه السورة ما سدّ الأفق) ثم قال: صحيح على شرط مسلم
فإن إسماعيل هو السدي. قال الذهبي: لا والله لم يدرك جعفر السدي وأظن هذا موضوعًا، وعند
ابن مردويه عن أنس بن مالك مرفوعًا: نزلت سورة الأنعام معها موكب من الملائكة سدّ ما بين
الخافقين لهم زجل بالتسبيح والأرض بهم ترتج ورسول الله وهو يقول: سبحان الله الملك العظيم.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمُنِ الرَّحِيمِ
[٦] سُورَةُ الأنعامِ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْتَتُهُمْ مَعْذِرَتُهُمْ مَعْرُوشاتٍ: ما يُعْرَشُ مِنَ الْكَرمِ وَغَيْرِ ذُلِكَ،
حَمُولَةً: ما يُحْمَلُ عَلَيْها، وَلَلَبَسْنا: لَشَبِّهْنا، وَيَتْأَوْنَ، يَتَبَاعَدُونَ، تُبْسَلَ: تُفْضَحَ، أُبْسِلُوا:
أُفْضِحُوا، باسِطُو أَيْدِيهِمُ: الْبَسْطُ الضَّرْبُ، إِسْتَكْثَرْتُمْ: أَضْلَلْتُمْ كَثِيرًا. ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ: جَعَلُوا لله
مِنْ ثَمَراتِهِمْ وَمَا لَهُمْ نَصِيبًا وَلِلشَّيْطانِ وَالأَوْثانِ نَصِيبًا. أَكِنَّةً وَاحِدُها: كِنانٌ، أَمَّا اشْتَمَلَتْ يَعْنِي هَلْ
تَشْتَمِلُ إِلاَّ عَلى ذَكْرٍ أَوْ أُنْثُى؟ فَلِمَ تُحَرِّمُونَ بَعْضًا وَتُحِلُونَ بَعْضًا. مَسْفُوحًا: مُهْرَاقًا، صَدَفَ:
أَغْرَضَ. أُبْلِسُوا: أُوِيسُوا. أُبْسِلُوا: أُسْلِمُوا. سَرْمَدًا: دائِمًا. اسْتَهْوَتْهُ: أَضَلَّتْهُ. تَمْتَرُونَ: تَشُكُونَ،
وَقْرًا: صَمَمْ، وَأَمَّا الْوِقْرُ فَإِنَّهُ الْحِمْلُ. أَساطِيرُ: واحِدُها أُسْطُورَةٌ وَإِسْطَارَةٌ وَهِيَ الثُّرَّهاتُ،
الْبَأْسَاءُ: مِنَ الْبَأْسِ وَيَكُونُ مِنَ الْبُؤْسِ. جَهْرَةً: مُعايَنَةً، الصُّوَرُ: جَمَاعَةُ صُورَةٍ كَقَوْلِهِ: سُورَةٌ
وَسُوَرّ، مَلَكُوتَ: مُلْكَ مِثْلَ رَهَبُوتٍ خَيْرٌ مِنْ رَحَمُوتٍ وَتَقُولُ تُرْهَبُ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تُرْحَمَ، جَنَّ :
أَظْلَمَ، تَعالى: عَلَا، وَإِنْ تَعْدِلْ: تُقْسِطْ، لا يُقْبَلْ مِنْها فِي ذُلِكَ الْيَوْمِ، يُقالُ: عَلَى الله حُسْبَانُهُ أَنْ
حِسابُهُ، وَيُقالُ حُسْبانًا: مَرامِيَ وَرُجُومًا لِلشَّياطِينِ. مُسْتَقَرُّ: فِي الصُّلْبِ، وَمُسْتَوْدَعْ: فِي الرَّحْمِ،
الْقِنْوُ الْعِذْقُ وَالاثْنَانِ قِنْوانٍ وَالْجَماعَةُ أَيْضًا قِنْوانٌ مِثْلُ صِنْوٍ وَصِنْوانٍ.
(بسم الله الرحمن الرحيم) سقطت البسملة لغير أبي ذر.