Indexed OCR Text

Pages 301-320

٣٠١
کتاب العلم/ باب ٣٨
والسلام نهى عن مطلق الكذب، (فإنه) أي الشأن (من كذب عليّ فليلج النار) أي فليدخل فيها هذا
جزاؤه وقد يعفو الله تعالى عنه، ولا يقطع عليه بدخول النار كسائر أصحاب الكبائر غير الكفر، وقد
جعل الأمر بالولوج مسببًا عن الكذب لأن لازم الأمر الإلزام، والإلزام يولج النار بسبب الكذب
عليه أو هو بلفظ الأمر ومعناه الخبر، ويؤيده رواية مسلم: ((من يكذب عليَّ يلج النار)) ولابن ماجة:
(فإن الكذب علَّ يولج النار)) وقيل: دعاء عليه ثم أخرج مخرج الذم.
١٠٧ - حقثنا أبو الوَلِيدِ قال: حدَّثَنا شُعْبةُ عن جامعِ بنِ شَدّادٍ عن عامرِ بنِ عبدِ اللهِ بنِ
الزُّبَيْرِ عنْ أبيهِ قال: قلتُ للزَّبَيرِ: إنّ لا أسْمَعُكَ تُحدِّثُ عنْ رسولِ اللهِ وَ﴿ كما يُحَدِّثُ فُلانٌ
وفُلانٌ. قال: أما إنِّي لم أُفَارِقْهُ، ولكن سَمعتُه يَقولُ: ((مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النار)).
وبه قال: (حدّثنا أبو الوليد) هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري (قال: حدّثنا شعبة) بن
الحجاج (عن جامع بن شداد) المحاربي الكوفي الثقة، المتوفى سنة ثمان عشرة ومائة (عن عامر بن
عبد الله بن الزبير) بن العوام الأسدي القرشي، المتوفى سنة أربع وعشرين ومائة (عن أبيه)
عبد الله بن الزبير الصحابي أول مولود في الإسلام للمهاجرين بالمدينة وكان أطلس لا لحية له،
وتوفي سنة اثنتين وسبعين أنه (قال):
(قلت للزبير) بن العوام بتشديد الواو حواري رسول الله والقهر وأحد العشرة المبشرين بالجنة
المتوفى بوادي السباع بناحية البصرة سنة ست وثلاثين بعد منصرفه من وقعة الجمل، وله في البخاري
تسعة أحاديث (إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله پێ کما يحدّث فلان وفلان) أي کتحديث فلان
وفلان وسمى منهما في رواية ابن ماجة عبد الله بن مسعود (قال) أي الزبير: (أما) بفتح الهمزة
وتخفيف الميم حرف استفتاح ولذا كسرت همزة إن بعدها في قوله: (إني لم أفارقه) وَلّ زاد
الإسماعيلي منذ أسلمت، والمراد المفارقة العرفية الصادقة بأغلب الأوقات، وإلا فقد هاجر إلى الحبشة
ولم يكن مع النبي ◌ِّر في حال هجرته إلى المدينة لكن أجيب عن هجرة الحبشة بأنها كانت قبل ظهور
شوكة الإسلام أي ما فارقته عند ظهور شوكته (ولكن) وللأصيلي وابن عساكر وأبي ذر والحموي
ولكني، وفي رواية مما ليس في اليونينية ولكنني إذ يجوز في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها
وعدمه (سمعته) وَّر (يقول: من كذب عليّ فليتبوأ) بكسر اللام على الأصل وبسكونها على المشهور
ومن موصول متضمن معنى الشرط والتالي صلته وفليتبوأ جوابه أمر من التبوّء أي فليتخذ (مقعده من
النار) أي فيها. والأمر هنا معناه الخبر أي أن الله تعالى يبوئه مقعده من النار، أو أمر على سبيل
التهكم والتغليظ، أو أمر تهديد أو دعاء على معنى بوّأه الله، وإنما خشي الزبير من الإكثار أن يقع
في الخطأ وهو لا يشعر لأنه وإن لم يأثم بالخطأ لكنه قد يأثم بالإكثار، إذ الإكثار مظنة الخطأ، والثقة
إذا حدَّث بالخطأ فحمل عنه وهو لا يشعر أنه خطأ يعمل به على الدوام للوثوق بنقله فيكون سببًا
للعمل بما لم يقله الشارع، فمن خشي من الإكثار الوقوع في الخطأ لا يؤمن عليه الإثم إذا تعمد
الإكثار، فمن ثم توقف الزبير وغيره من الصحابة عن الإكثار من التحديث، وأما من أكثر منهم

٣٠٢
کتاب العلم/ باب ٣٨
فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبّت أو طالت أعمارهم فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا
فلم يمكنهم الكتمان قاله الحافظ ابن حجر.
١٠٨ - حدثنا أبو مَعْمَرٍ قال: حدَّثَنا عبدُ الوارِثِ عن عبدِ العزِيزِ قال أنسٌ: إنَّهُ لَيَمْنَعُني أنْ
أُحَدْثَكم حَدِيثًا كثيرًا أنَّ النبيَّ وَّهَا قَال: ((مَنْ تَعمَّدَ عَلَيَّ كَذِبًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَفْعَدَهُ مِنَ النار)).
وبه قال: (حدّثنا أبو معمر) بفتح الميمين وسكون العين المهملة عبد الله بن عمرو المنقري
البصري المعروف بالمقعد (قال: حدّثنا عبد الوارث) بن سعيد التيمي البصري (عن عبد العزيز) بن
صهيب الأعمى البصري أنه قال: (قال أنس) أي ابن مالك رضي الله عنه، وفي رواية أبوي ذر
والوقت بإسقاط قال الأولى:
(إنه ليمنعني أن أحدثكم) بكسر همزة إن الأولى مع التشديد، وفتح الثانية مع التخفيف أي
ليمنعني تحديثكم (حديثًا كثيرًا) بالنصب فيهما والمراد جنس الحديث، ومن ثم وصفه بالكثرة (أن
النبي ◌َّر قال: من تعمد علّ كذبًا) عامّ في جميع أنواع الكذب لأن النكرة في سياق الشرط كالنكرة
في سياق النفي في إفادة العموم، والمختار أن الكذب عدم مطابقة الخبر للواقع ولا يشترط في كونه
كذبًا تعمده والحديث يشهد له لدلالته على انقسام الكذب إلى متعمد وغيره (فليتبوأ مقعده من النار)
فأفاد أنس أن توقّيه من التحديث لم يكن للامتناع من أصل التحديث للأمر بالتبليغ، وإنما هو الخوف
الإكثار المفضي إلى الخطأ. وقد ذهب الجويني إلى كفر من كذب متعمدًا عليه صلوات الله وسلامه
عليه، ورده عليه ولده إمام الحرمين وقال: إنه من هفوات والده، وتبعه من بعده فضعفوه، وانتصر
له ابن المنير بأن خصوصية الوعيد توجب ذلك إذ لو كان بمطلق النار لكان كل كاذب كذلك
عليه وعلى غيره، فإنما الوعيد بالخلود. قال: ولهذا قال فليتبوأ أي فليتخذها مباءة ومسكنًا وذلك
هو الخلود، وبأنّ الكاذب عليه في تحليل حرام مثلاً لا ينفك عن استحلال ذلك الحرام أو الحمل على
استحلاله، واستحلال الحرام كفر والحمل على الكفر كفر، وأجيب عن الأوّل: بأن دلالة التبوّء على
الخلود غير مسلمة ولو سلم فلا نسلم أن الوعيد بالخلود مقتضٍ للكفر بدليل متعمد القتل الحرام.
وأجيب عن الثاني: بأنّا لا نسلم أن الكذب عليه ملازم لاستحلاله ولا لاستحلال متعلقه فقد يكذب
عليه في تحليل حرام مثلاً مع قطعه بأن الكذب عليه حرام، وأن ذلك الحرام ليس بمستحل كما تقدم
العصاة من المؤمنین علی ارتكابهم الكبائر مع اعتقادهم حرمتها انتهى:
١٠٩ - حدثنا المكيُّ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثَنَا يَزِيدُ بنُ أبي عُبَيدٍ عن سَلَمَةَ بنِ الأَْوَعِ: سَمِعْتُ
النبيَّ وَّ يقولُ: ((مَنْ يَقُلْ عَلَيَّ ما لم أقُلْ فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ مِنَ النار)).
وبه قال: (حدّثنا المكي) وفي رواية أبي ذر: حدّثني المكي بالإفراد والتعريف، وفي أخرى:
حدّثني مكي بالإفراد والتنكير (ابن إبراهيم) البلخي (قال: حدّثنا يزيد بن أبي عبيد) بضم العين

٣٠٣
كتاب العلم/ باب ٣٨
الأسلمي، المتوفى بالمدينة سنة ست أو سبع وأربعين ومائة (عن سلمة) بفتح السين واللام (ابن
الأكوع) واسم الأكوع سنان بن عبد الله السلمي المدني، المتوفى بالمدينة سنة أربع وسبعين وهو ابن
ثمانين سنة، وله في البخاري عشرون، حديثًا .
(سمعت النبي (#) أي كلامه حال كونه (يقول: من يقل علي) أصله يقول حذفت الواو
للجزم لأجل الشرط (ما لم أقلن) أي الذي لم أقله وكذا لو نقل ما قاله بلفظ يوجب تغير الحكم أو
نسب إليه فعلاً لم يرد عنه (فليتبوأ) جواب الشرط السابق (مقعده من النار) لما فيه من الجرأة على
الشريعة وصاحبها ويتر، فلو نقل العالم معنى قوله بلفظ غير لفظه لكنه مطابق لمعنى لفظه فهو سائغ
عند المحققين، وفي هذا الحديث زيادة على ما سبق التصريح بالقول لأن السابق أعمّ من نسبة القول
والفعل إليه.
١١٠ - حدثنا موسى قال: حدَّثَنا أبو عوانةَ عن أبي حَصِينٍ عن أبي صالحٍ عن أبي هُرَيرةَ عنِ
النبيِّ وَّهِ قال: ((تَسَمَّوا باسْمي، ولا تَكتَنُوا بِكُنْيَتِي. ومَنْ رآني في المَنامِ فقدْ رآني، فإنَّ الشيطانَ لا
يَتَمثَّلُ فِي صُورَتِي. ومَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأُ مَفْعَدَهُ منَ النار)). [الحديث ١١٠ - أطرافه في:
٣٥٣٩، ٦١٨٨، ٠،٦١٩٧ ٦٩٩٣].
وبه قال (حدّثنا) وفي رواية حدّثني (موسى) بن إسماعيل المنقري التبوذكي البصري (قال:
حدّثنا أبو عوالة) الوضاح اليشكري (عن أبي حصين) بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين عثمان بن
عاصم الكوفي، المتوفى سنة سبع أو ثمان وعشرين ومائة (عن أبي صالح) ذكوان السمان المدني (عن
أبي هريرة الدوسي رضي الله عنه (عن النبي وَلير قال):
(تسموا) بفتح التاء والسين والميم المشددة أمر بصيغة الجمع من باب التفعّل (باسمي) محمد
وأحمد (ولا تكتنوا) بفتح التاءين بينهما كاف، ساكنة، وفي رواية الأربعة ((ولا تكنوا)) بفتح الكاف
ونون مشددة من غير تاء ثانية من باب التفعّل من تكنى يتكنى تكنيًّا، وأصله لا تتكنوا فحذفت
إحدى التاءين أو بضم التاء وفتح الكاف وضم النون المشددة من باب التفعيل من كنى يكني تكنية،
أو بفتح التاء وسكون الكاف وكلها من الكناية (بكنيتي) أبي القاسم وهو من باب عطف المنفي على
المثبت. (ومن رآني في المنام فقد رآني) حقًّا (فإن الشيطان لا يتمثل في صورتي) أي لا يتمثل
بصورتي، وتأتي مباحث ذلك إن شاء الله تعالى. وفي كتابي المواهب من ذلك ما يكفي ويشفي. (ومن
كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار) مقتضى هذا الحديث استواء تحريم الكذب عليه في كل
حال سواء في اليقظة والنوم، وقد أورد المصنف حديث من كذب عليّ ههنا عن جماعة من الصحابة
علي والزبير وأنس وسلمة وأبي هريرة وهو حديث في غاية الصحة ونهاية القوّة، وقد أطلق القول
بتواتره جماعة وعورض بأن المتواتر شرطه استواء طرفيه وما بينهما في الكثرة وليست موجودة في كل

٣٠٤
كتاب العلم/ باب ٣٩
طريق بمفردها، وأجيب: بأن المراد من إطلاق تواتره رواية المجموع عن المجموع من ابتدائه إلى
انتهائه في كل عصر، وهذا كافٍ في إفادة العلم.
٣٩ - باب كِتابة العِلم
هذا (باب كتابة العلم).
١١١ - حدثنا ابْنُ سَلام قال: أخبرَنا وَكيعٌ عَنْ سُفيانَ عن مُطَرِّفٍ عنِ الشَّعبيِّ عن أبي
جُحَيْفَةَ قال: قلتُ لعَليٍّ هل عِنْدكم كِتاب؟ قال: لا إلاّ كتابُ اللَّهِ، أو فَهُمْ أُعطِيَهُ رجلٌ مُسلمٌ، أو
ما في هذِهِ الصَّحيفةِ، قال: قلت: وما هي هذه الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، ولا يقتل
مسلم بكافر. [الحديث ١١١ - أطرافه في: [١٨٧٠، ٣٠٤٧، ٣١٧٢، ٣١٧٩، ٦٧٥٥، ٦٩٠٣،
٦٩١٥، ٧٣٠٠].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا ابن سلام) بالتخفيف. قال في الكمال: وقد يشدده من لا
يعرف، وقال الدارقطني: بالتشديد لا بالتخفيف البيكندي ولغير أبي ذر محمد بن سلام (قال:
أخبرنا وكيع) أي ابن الجراح بن مليح الكوفي، المتوفى يوم عاشوراء سنة سبع وسبعين ومائة (عن
سفيان) الثوري أو ابن عيينة، وجزم في فتح الباري بالأوّل لشهرة وكيع بالرواية عنه، ولو كان ابن
عيينة لنسبه المؤلف لأن إطلاق الرواية عن متّفقي الاسم يقتضي أن يحمل من أهملت نسبته على من
يكون له به خصوصية من إكثار ونحوه، وتعقبه العيني بأن أبا مسعود الدمشقي قال في الأطراف:
إنه ابن عيينة. (عن مطرف) بضم الميم وفتح الطاء وكسر الراء المشددة آخره فاء ابن طريف بطاء
مهملة مفتوحة الحارثي، المتوفى سنة ثلاث وثلاثين ومائة (عن الشعبي) بفتح الشين وسكون العين
المهملة واسمه عامر (عن أبي جحيفة) بضم الجيم وفتح الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية وبالفاء
واسمه وهب بن عبد الله السوائي بضم السين المهملة وتخفيف الواو وبالمد الكوفي من صغار
الصحابة، المتوفى سنة اثنتين وسبعين (قال):
(قلت لعلي) وللأصيلي زيادة ابن أبي طالب (هل عندكم) أهل البيت النبوي أو الميم للتعظيم
(كتاب) أي مكتوب خصّكم به رسول الله بَّر دون غيركم من أسرار علم الوحي كما يزعم الشيعة
(قال) علي: (لا) كتاب عندنا (إلا كتاب الله) بالرفع بدل من مستثنى منه (أو فهم) بالرفع (أعطيه)
بصيغة المجهول وفتح الياء (رجل مسلم) من فحوى الكلام ويدركه من باطن المعاني التي هي غير
الظاهر من نصه ومراتب الناس في ذلك متفاوتة، ويفهم منه جواز استخراج العالم من القرآن بفهمه
ما لم يكن مقولاً عن المفسرين إذا وافق أصول الشريعة ورفع فهم بالعطف على سابقه، فالاستثناء
متصل قطعًا. وأما قول الحافظ ابن حجر: الظاهر أنه منقطع فمدفوع بأنه لو كان من غير الجنس
لكان قوله أو فهم منصوبًا لأنه عطف على المستثنى، والمستثنى إذا كان من غير جنس المستثنى منه

٣٠٥
کتاب العلم/ باب ٣٩
يكون منصوبًا وما عطف عليه كذلك ثم عطف على قوله كتاب الله. قوله: (أو ما) أي الذي (في
هذه الصحيفة) وهي الورقة المكتوبة وكانت معلقة بقبضة سيفه إما احتياطًا أو استحضارًا، وإما لكونه
منفردًا بسماع ذلك، وللنسائي فأخرج كتابًا من قراب سيفه (قال) أبو جحيفة (قلت وما) وفي رواية
الكشميهني فما وكلاهما للعطف أي أيّ شيء (في هذه الصحيفة؟ قال) علي رضي الله عنه، فيها
(العقل) أي حكم العقل وهو الدية لأنهم كانوا يعقلون فيها الإبل ويربطونها بفناء دار المستحق
للعقل، والمراد أحكامها ومقاديرها وأصنافها وأسنانها، (وفكاك) بفتح الفاء ويجوز كسرها وهو ما
يحصل به خلاص (الأسير ولا يقتل مسلم بكافر) بضم اللام عطف جملة فعلية على جملة اسمية أي
فيها العقل وفيها حرمة قصاص المسلم بالكافر. وفي رواية الأصيلي والكشميهني: وأن لا يقتل بزيادة
أن المصدرية الناصبة وعطفت الجملة على المفرد لأن التقدير فيها أي الصحيفة حكم العقل وحكم
تحريم قتل المسلم بالكافر، فالخبر محذوف. وحينئذ فهو عطف جملة على جملة، وحرمة قصاص المسلم
بالكافر هو مذهب إمامنا الشافعي ومالك وأحمد والأوزاعي والليث وغيرهم من العلماء، خلافًا
للحنفية. ويدل لهم أنّ النبي ◌َّ قتل مسلمًا بمعاهد وقال: (أنا أكرم من وفى بذمته) الحديث. رواه
الدارقطني لكنه ضعيف فلا يحتج به، وتمام البحث في ذلك يأتي في محلّه إن شاء الله تعالى.
ووقع عند المصنف ومسلم قال: ما عندنا شيء نقرؤه إلا كتاب الله، وهذه الصحيفة فإذا فيها
المدينة حرم، ولمسلم وأخرج صحيفة مكتوبة فيها لعن الله من ذبح لغير الله، وللنسائي فإذا فيها
المؤمنون يتكافؤون دماءهم يسعى بذمتهم أدناهم الحديث، ولأحمد فيها فرائض الصدقة. والجمع بين
هذه أنّ الصحيفة كانت واحدة وكان جميع ذلك مكتوبًا فيها فنقل كلٍّ من الرواة عنه ما حفظ.
١١٢ - حدثنا أبو نُعَيم الفَضْلُ بنُ دُكَين قال: حدَّثَنَا شَيبانُ عن يحيى عن أبي سَلمَةً عن
أبي هُرَيرةً أنَّ خُزاعَةَ قتَلوا رَجُلاً من بني لَيثٍ عامَ فَتْحِ مَكةَ بقَّتِيلٍ منهم قَتَلوه، فأُخْبِرَ بذلكَ
النبيُّ وَّ فِرَكِبَ راحلَتَه فخطَبَ فقال: ((إنَّ اللَّهَ حَبَسَ عن مَكَةَ القَتْلَ - أو الغِيلَ. شَكَّ أبو
عبدِ اللَّهِ - وسَلَّطَ عليهم رسولَ اللَّهِ بِّهِ وَالمُؤْمِنِينَ. ألا وإنَّها لم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبلي، ولا تَحِلّ لأحَدٍ
بَعدي. ألا وإنَّها حَلَّتْ لي ساعةً مِن نهار. ألا وإنَّها ساعتي هذه حرامٌ: لا يُختَلِى شَوْكُها، ولا
يُعْضَدُ شَجَرُها، ولا تُلْتَقطُ ساقِطَتُها إلا لمُنْشِد. فمَنْ قِتِلَ فهوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ: إمَّا أنْ يُعقَلَ، وإمّا أنْ
يُقادَ أهلُ القَتِيلِ)). فجاءَ رَجُلٌ مِن أهلِ الْيَمَنِ فقال: اكتُبْ لي يا رسولَ اللَّهِ. فقال: ((اكتُبوا لأبي
فلان)). فقال رجُلٌ من قُرَيشِ: إلاّ الإذْخِرَ يا رسولَ اللَّهِ، فإنّا نَجعَلُهُ في بيوتِنا وقبورِنا. فقال
النبيُّ وَّهِ: ((إلاّ الإِذْخِرَ)). قال أبو عبدِ اللَّهِ: يُقالُ يُقادُ بالقاف. فقِيلَ لأبي عبدِ اللَّهِ أيُّ شيءٍ كَتَبَ
لهُ؟. قال: كَتبَ له هذهِ الخُطْبَةَ. [الحديث ١١٢ - طرفاه في: ٢٤٣٤، ٦٨٨٠].
وبه قال: (حدّثنا أبو نعيم الفضل بن دكين) بضم الدال المهملة وفتح الكاف (قال: حدّثنا
شيبان) بفتح المعجمة وسكون المثناة التحتية ابن عبد الرحمن النحوي المؤدب البصري الثقة، المتوفى
السابع/ = ١/ ٢٠٠
اشـ

٣٠٦
كتاب العلم/ باب ٣٩
سنة أربع وستين ومائة في خلافة المهدي (عن يحيى) بن أبي كثير صالح بن المتوكل الطائي مولاهم
العطار أحد الأعلام الثقات العباد، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة. وقيل: سنة اثنتين وثلاثين (عن
أبي سلمة) بفتح اللام عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف (عن أبي هريرة) رضي الله عنه. وللمؤلف.
في الديّات: حدّثنا أبو سلمة قال: حدّثنا أبو هريرة:
(أن خزاعة) بضم الخاء المعجمة وبالزاي غير منصرف للعلمية والتأثيث وهم حي من الأزد
(قتلوا رجلاً من بني ليث عام فتح مكة بقتيل منهم قتلوه). في السيرة أن خراش بن أمية الخزاعي
قتل جندب بن الأقرع الهذلي بقتيل قتل في الجاهلية يقال له أحمر، وعلى هذا فيكون قوله أنّ خزاعة
قتلوا أي واحد منهم فأطلق عليه اسم الحيّ مجازًا (فأخبر) بضم الهمزة وكسر الموحدة (بذلك النبيّ)
بالرفع نائب الفاعل (َ ﴿ فركب راحلته) الناقة التي تصلح أن يرحل عليها (فخطب) رسول الله القد
(فقال: إن الله) عز وجل (حبس) أي منع (عن مكة القتل) بالقاف المفتوحة والمثناة الفوقية (أو الفيل)
بالفاء المكسورة والمثناة التحتية الحيوان المشهور (شك أبو عبد الله) أي البخاري وسقتط قوله شك أبو
عبد الله عند أبي ذر وابن عساكر وللأربعة قال أبو عبد الله كذا قال أبو نعيم هو الفضل بن دكين،
وأراد به أن الشك فيه من شيخه واجعلوا بصيغة الأمر، وللأصيلي واجعلوه بضمير النصب أي
اجعلوا اللفظ على الشك الفيل بالفاء أو القتل بالقاف وغيره أي غير أبي نعيم ممن رواه عن الشيباني
رفيقًا لأبي نعيم وهو عبيد الله بن موسى، ومن رواه عن يحيى رفيقًا لشيبان وهو حرب بن شداد
كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الديات يقول الفيل بالفاء من غير شك، والمراد بحبس الفيل أهل
الفيل الذين غزوا مكة فمنعها الله تعالى منهم كما أشار إليه تعالى في القرآن، وهذا تصريح من
المصنف بأن الجمهور على رواية الفيل بالفاء، وفي بعض النسخ مما ليس في اليونينية أن الله حبس عن
مكة القتل أو الفيل كذا قال أبو نعيم، واجعلوا على الشك الفيل أو القتل. وفي رواية قال محمد أي
البخاري: وجعلوه أي الرواة على الشك كذا قال أبو نعيم الفيل أو القتل. وقال البرماوي كالكرماني
الفتك بالفاء والكاف أي سفك الدم على غفلة أي بدل القتل، ووجهه ظاهر، لكن لا أعلمه روي
كذلك ولا يبعد أن يكون تصحيفًا .
ثم عطف على السابق قوله: (وسلط عليهم) بضم السين بالبناء للمفعول (رسول الله) نائب عن
الفاعل (َ﴿ والمؤمنون) رفع بالواو عطف عليه كذا في رواية أبي ذر ولغيره وسلّط بفتح السين أي الله
رسول الله مفعوله والمؤمنين نصب بالياء عطف عليه (ألا) بفتح الهمزة وتخفيف اللام أن الله قد حبس
عنها (وإنها) ولأبي ذر فإنها بالفاء (لم تحل) بفتح أوّله وكسر ثانيه (لأحد قبلي ولا تحل) بضم اللام وفي
رواية الكشميهني ولم تحل (لأحد بعدي) واستشكلت هذه الرواية، فإن لم تقلب المضارع ماضيًا ولفظ
بعدي للاستقبال فكيف يجتمعان؟ وأجيب بأن المعنى لم يحكم الله في الماضي بالحال في المستقبل (ألا)
بالتخفيف مع الفتح أيضًا (وإنها) بالعطف على مقدر كالسابقة (أحلّت لي ساعة من نهار ألا) بالتخفيف
أيضًا (وإنها) بواو العطف كذلك (ساعتي) أي في ساعتي (هذه) التي أتكلم فيها بعد الفتح (حرام)

٣٠٧
کتاب العلم/ باب ٣٩
بالرفع على الخبرية لقوله إنها أي مكة واستشكل بكون مكة مؤنثة فلا تطابق بين المبتدأ والخبر
المذكور. وأجيب: بأنه مصدر في الأصل يستوي فيه التذكير والتأنيث والإفراد والجمع (لا يختلى)
يضم أوّله وبالمعجمة أي لا يقطع ولا يجز (شوكها) إلا المؤذي كالعوسج واليابس كالحيوان المؤذي
والصيد الميت (ولا يعضد) بضم أوّله وفتح ثالثه المعجم أي لا يقطع (شجرها ولا تلتقط) بالبناء
للمفعول (ساقطتها) أي ما سقط فيها بغفلة مالكه (إلا لمنشد) أي معرف فليس لواجدها غير التعريف
ولا يملكها هذا مذهبنا، (فمن قتل) بضم أوله و کسر ثانيه أي قتل له قتیل كما في الدیات عند
المصنف (فهو بخير النظرين) أي أفضلهما، ولغير الكشميهني بخير بالتنوين وإسقاط النظرين. وفي
نسخة الصغاني فمن قتل له قتيل وصحح على قوله له قتيل، كذا قدر المحذوف هنا الحافظ ابن حجر
كالخطابي، وتعقبه العيني بأنه يلزم منه حذف الفاعل. وقال البرماوي: أي المستحق لديته بخير وهو
معنى قول البدر الدماميني يمكن جعل الضمير من قوله فهو عائدًا إلى الولي المفهوم من السياق. وقال
العيني: التحقيق أن يقدر فيه مبتدأ محذوف وحذفه سائغ، والتقدير فمن أهله قتل فهو بخير النظرين
فمن مبتدأ وأهله قتل جملة من المبتدأ والخبر وقعت صلة للموصول، وقوله: فهو مبتدأ وقوله بخير
النظرين خبره، والجملة خبر المبتدأ الأوّل والضمير في قتل يرجع إلى الأهل المقدر. وقوله: هو
يرجع إلى من والباء في بخير النظرين متعلق بمحذوف تقديره فهو مرضي بخير النظرين أو عامل أو
مأمور.
(إما أن يعقل وإما أن يقاد) أي يمكن (أهل القتيل) من القتل يقال أقدت القاتل بالمقتول أي
اقتصصته منه، فالنائب عن الفاعل ضمير يعود للمفعول أي يؤخذ له القود أو نحو ذلك، وبهذا
يزول الإشكال إذ لولا التقدير كان المعنى وإما أن يقتل أهل القتيل وهو باطل، قال الدماميني: ولعل
يقاد يمكن من القود وهو القتل. أي: وإما أن يمكن أهل القتيل من القود فيستقيم المعنى والفعلان
مبنيان للمفعول وهمزة إما التفصيلية مكسورة وأن المصدرية مفتوحة في الأربعة. (فجاء رجل من
أهل اليمن) هو أبو شاه بشين معجمة وهاء منوّنة كما في فتح الباري (فقال: اكتب لي) أي الخطبة
التي سمعتها منك (يا رسول الله. فقال) وَلجر: (اكتبوا لأبي فلان) أي لأبي شاه (فقال رجل من
قريش) هو العباس بن عبد المطلب قل يا رسول الله لا يختلى شوكها ولا يعضد شجرها (إلا الإذخر
يا رسول الله) بكسر الهمزة وسكون الذال وكسر الخاء المعجمتين وهو نبت معروف طيب الرائحة
ويجوز فيه الرفع على البدل من السابق والنصب على الاستثناء لكونه واقعًا بعد النفي، (فإنا نجعله في
بيوتنا) للسقف فوق الخشب أو يخلط بالطين لئلا ينشق إذا بني به (وقبورنا) نسدّ به فرج اللحد
المتخللة بين اللبنات (فقال النبي ( *): بوحي في الحال أو قبل ذلك أنه إن طلب منه أحد استثناء
شيء منه فاستثنه (إلا الإذخر) وللأصيلي إلا الإذخر مرتين فتكون الثانية للتأكيد. وفي فرع اليونينية
هنا زيادة وهي (قال أبو عبد الله) أي البخاري (يقال يقاد بالقاف فقيل لأبي عبد الله أي شيء كتب
له؟ فقال: كتب له هذه الخطبة). وليس هذا التفسير عند أبي ذر والأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر.

٣٠٨
کتاب العلم/ باب ٣٩
١١٣ - حدثنا عَلِيُّ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثَنا سُفيانُ قال: حدَّثَنا عمرو قال: أخبرني
وَهْبُ بنُ مُنَبِّهِ عن أخيهِ قال: سَمعتُ أبا هُرَيرةَ يقول: ما مِنْ أصحابِ النبيِّ وَلِّ أَحَدُ أكثرَ حَدِيثًا
عنهُ منّي، إلاّ ما كان من عبدِ اللَّهِ بنِ عمرو فإنه كان يكتُبُ ولا أكتُبُ. تابَعَهُ مَعْمَرٌ عن هَمّامٍ عن
أبي هُرَيرة.
- وبه قال: (حدّثنا علي بن عبد الله) المديني الإمام (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا
عمرو) هو ابن دينار المكي الجمحي أحد الأئمة المجتهدين، المتوفى سنة ست وعشرين ومائة (قال:
أخبرني) بالإفراد (وهب بن منبه) بضم الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشددة ابن كامل بن سيج
بفتح السين المهملة، وقيل بكسرها وسكون المثناة التحتية في آخره جيم الصنعاني الأنباري الذماري
بالمعجمة، المتوفى سنة أربع عشرة ومائة (عن أخيه) همام بن منبه المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة
(قال: سمعت أبا هريرة) عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه (يقول):
(ما من أصحاب النبي ◌َّلغير أحد) بالرفع اسم ما النافية (أكثر) بالنصب خبرها (حديثًا) بالنصب
على التمييز (عنه) وَّر (مني) وفي رواية أبي ذر أكثر بالرفع صفة أحد كذا أعربه العيني والكرماني
والزركشي، وتعقبه البدر الدماميني فقال قوله اسم ما يقتضى أنها عاملة وأحد الشروط متخلف وهو
تأخير الخبر واغتفارهم لتقدّم الظرف دائمًا إنما هو إذا كان معمولاً للخبر لا خبرًا، وأما نصب أكثر
فيحتمل أن يكون حالاً من الضمير المستكنّ في الظرف المتقدم على بحث فيه فتأمله. قال: والذي
يظهر أن (ما) هذه مهملة غير عاملة عمل ليس، وأن أحد مبتدأ وأكثر صفته ومن أصحاب النبي وَ ليهدد
خبره اهـ.
(إلا ما كان من عبد الله بن عمرو) أي ابن العاص رضي الله عنهما (فإنه كان يكتب و) أنا
(لا أكتب) أي لكن الذي كان من عبد الله بن عمرو وهو الكتابة لم يكن مني والخبر محذوف بقرينة
ما في الكلام سواء لزم منه كونه أكثر حديثًا لما تقتضيه عادة الملازمة مع الكتابة أم لا. ويجوز أن
يكون الاستثناء متصلاً نظرًا إلى المعنى إذ حديثًا وقع تمييزًا، والتمييز كالمحكوم عليه فكأنه قال: ما
أحد حديثه أكثر من حديثي إلا أحاديث حصلت من عبد الله، ويفهم منه جزم أبي هريرة رضي الله
عنه بأنه ليس في الصحابة أكثر حديثًا عن النبي ◌ِّ منه إلا عبد الله بن عمرو مع أن الموجود عن
عبد الله بن عمرو أقل من الموجود المرويّ عن أبي هريرة بأضعاف لأنه سكن مصر، وكان الواردون
إليها قليلاً بخلاف أبي هريرة فإنه استوطن المدينة وهي مقصد المسلمين من كل جهة، وروى عنه فيما
قاله المؤلف نحو من ثمانمائة رجل، ورُويَ عنه من الحديث خمسة آلاف وثلاثمائة حديث ووجد
لعبد الله سبعمائة حديث (تابعه) أي تابع وهب بن منبه في روايته لهذا الحديث عن همام (معمر) هو
ابن راشد (عن همام عن أبي هريرة) كما أخرجها عبد الرزاق عن معمر.

٣٠٩
کتاب العلم/ باب ٣٩
١١٤ - هذّثنا يَحيى بنُ سُليمانَ قال: حدَّثني ابنُ وَهْبٍ قال: أخبرَني يونُسُ عن ابنِ شِهابٍ
عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عبدِ اللَّهِ عنِ ابنِ عبّاسٍ قال: لمّا اشتدَّ بالنبيِّ ◌َّهِ وَجَعُه قال: ((اثتوني بکِتابِ
أكتُبْ لكمْ كتابًا لا تَضِلُوا بَعدَه)) قال عُمَرُ إِنَّ النبيَّ وَ غَلَبَهُ الوَجَعُ، وعِنْدَنا كتابُ اللَّهِ حَسْبُنا.
فاختَلَفوا، وكثُرَ اللغَطُ. قال: قوموا عنِّي، ولا يَنْبَغِي عندِي التَّنَازُعِ. فخرَجَ ابنُ عبّاسٍ يقول: إنَّ
الرَّزِيئةَ كُلَّ الرَّزِيئةِ ما حالَ بينَ رسولِ اللهِ وَ لَه وبينَ كِتابِه. [الحديث ١١٤ - أطرافه في: ٣٠٥٣،
٣١٦٨، ٤٤٣١، ٤٤٣٢، ٥٦٦٩، ٧٣٦٦].
وبه قال (حدّثنا يحيى بن سليمان) بن يحيى الجعفي المكّي المتوفى بمصر سنة سبع أو ثمان
وثلاثين ومائتين (قال: حدّثني) بالإفراد (ابن وهب) عبد الله المصري (قال: أخبرني) بالإفراد
(يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) محمد بن مسلم الزهري (عن عبيد الله) بضم العين (ابن
عبد الله) بن عتبة أحد الفقهاء السبعة (عن ابن عباس) رضي الله عنهما (قال):
(لما اشتد) أي حين قوي (بالنبي {* وجعه) الذي توفي فيه يوم الخميس قبل موته بأربعة أيام
(قال: ائتوني بكتاب) أي بأدوات الكتاب كالدواة والقلم أو أراد بالكتاب ما من شأنه أن يكتب فيه
كالكاغد وعظم الكتف كما صرح به في رواية مسلم (أكتب لكم) بالجزم جوابًا للأمر ويجوز الرفع
على الاستئناف أي آمر من يكتب لكم (كتابًا) فيه النص على الأئمة بعدي أو أبين فيه مهمات
الأحكام (لا تضلوا بعده) بالنصب على الظرفية، وتضلوا بفتح أوّله وكسر ثانيه مجزوم بحذف النون
بدلاً من جواب الأمر. (قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمن حضره من الصحابة: (إن
النبي وَ لجر غلبه الوجع و) الحال (عندنا كتاب الله) هو (حسبنا) أي كافينا، فلا نكلف رسول الله وله
ما يشق عليه في هذه الحالة من إملاء الكتاب ولم يكن الأمر في ائتوني للوجوب، وإنما هو من باب
الإرشاد للأصلح للقرينة الصارفة للأمر عن الإيجاب إلى الندب، وإلا فما كان يسوغ لعمر رضي الله
عنه الاعتراض على أمر الرسول عليه الصلاة والسلام على أنّ في تركه عليه الصلاة والسلام الإنكار
على عمر رضي الله عنه دليلاً على استصوابه، فكان توقف عمر صوابًا، لا سيما والقرآن فيه تبيان
لكل شيء، ومن ثم قال عمر: حسبنا كتاب الله (فاختلفوا) أي الصحابة عند ذلك فقالت طائفة:
بل نكتب لما فيه من امتثال أمره وزيادة الإيضاح، (وكثر) بضم المثلثة (اللغط) بتحريك اللام والغين
المعجمة أي الصوت والجلبة بسبب ذلك، فلما رأى ذلك عليه الصلاة والسلام (قال) وفي رواية
فقال بفاء العطف وفي أخرى وقال بواوه (قوموا عني) أي عن جهتي (ولا ينبغي عندي التنازع)
بالضم فاعل ينبغي، (فخرج ابن عباس) من المكان الذي كان به عندما تحدث بهذا الحديث وهو
(يقول: إن الرزيئة) بفتح الراء وكسر الزاي بعدها ياء ساكنة ثم همزة وقد تسهل وتشدد الياء (كل
الرزيئة) بالنصب على التوكيد (ما حال) أي الذي حجز (بين رسول الله (وَ لغل وبين كتابه) وقد كان
عمر أفقه من ابن عباس حيث اكتفى بالقرآن على أنه يحتمل أن يكون و چ# كان ظهر له حين همّ
بالكتاب أنه مصلحة، ثم ظهر له أو أوحي إليه بعد أنّ المصلحة في تركه ولو كان واجبًا لم يتركه عليه

٣١٠
كتاب العلم/ باب ٤٠
الصلاة والسلام لاختلافهم لأنه لم يترك التكليف لمخالفة من خالف، وقد عاش بعد ذلك أيامًا ولم
يعاود أمرهم بذلك. ويستفاد من هذا الحديث جواز كتابة الحديث الذي عقد المؤلف الباب له، وكذا
من حديث علي وقصة أبي شاه الإذن فيها، لكن يعارض ذلك حديث أبي سعيد الخدري المروي في
مسلم مرفوعًا ((لا تكتبوا عني شيئًا غير القرآن)) وأجيب: بأن النهي خاص بوقت نزول القرآن خشية
التباسه بغيره، والإذن في غير ذلك أو الإذن ناسخ للنهي عند الأمن من الالتباس، أو النھي خاص
بمن خشي منه الاتكال على الكتاب دون الحفظ والإذن لمن أمن منه ذلك. وقد كره جماعة من
الصحابة والتابعين كتابة الحديث واستحبوا أن يؤخذ عنهم حفظًا كما أخذوا حفظًا، لكن لما قصرت
الهمم وخشي الأئمة ضياع العلم دوّنوه وأوّل من دوّن الحديث ابن شهاب الزهري على رأس المائة
بأمر عمر بن عبد العزيز، ثم كثر التدوين ثم التصنيف وحصل بذلك خير كثير ولله الحمد والمنة.
٤٠ - باب العِلمِ والعِظَةِ بِاللّيلِ
(باب) تعليم (العلم والعظة) بكسر العين أي الوعظ، وفي بعض النسخ واليقظة (بالليل).
١١٥ - حدثنا صَدَقَةُ أخبرنا ابنُ عُيَينَة عن مَعْمَرِ عنِ الزُّهْرِيِّ عن هِندٍ عن أُمّ سَلمَةَ. وعَمْرٌو
وَيحيى بنُ سَعيدٍ عن الزُّهْرِيِّ عن هندٍ عن أُمّ سَلمَةً قالت: استيْقَظَ النبيُّ مَرِ ذاتَ لَيلةٍ فقال:
((سُبحانَ اللَّهِ ماذا أُنْزِلَ الليلةَ مِنَ الفِتَنِ، وماذا فُتِحَ من الخَزَائنِ. أيقِظوا صَواحِبَ الحُجَرِ، فَرُبَّ
كاسِيَةٍ في الدُّنْيا عارِيَةٍ في الآخرة)). [الحديث ١١٥ - أطرافه في: ١١٢٦، ٣٥٩٩، ٥٨٤٤،
٦٢١٨، ٧٠٦٩].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا صدقة) بن الفضيل المروزي، المتوفى سنة ثلاث أو ست
وعشرين ومائتين وانفرد المؤلف به عن الستة (قال: أخبرنا ابن عيينة) سفيان (عن معمر) بفتح الميمين
وسكون العين بينهما ابن راشد (عن الزهري) محمد بن مسلم (عن هند) بنت الحرث الفراسية بكسر
الفاء وبالسين المهملة، وللكشميهني عن امرأة بدلها (عن أم سلمة) هند وقيل: رملة أم المؤمنين بنت
سهل بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ورثت عن النبي وَّرَ علمًا كثيرًا، لها في البخاري
أربعة أحاديث، وتوفيت سنة تسع وخمسين رضي الله عنها. (وعمرو) بالرفع على الاستئناف والمعنى أن
ابن عيينة حدّث عن معمر عن الزهري، ثم قال: وعمرو وكأنه حدّث بحذف صيغة الأداء كما هي
عادته، ويجوز الجرّ في عمرو عطفًا على معمر وهو الذي في الفرع مصححًا عليه. قال القاضي
عياض: والقائل وعمرو هو ابن عيينة، وعمرو هذا هو ابن دينار، (ويحيى بن سعيد) هو الأنصاري
لا القطان إذ هو لم يلق الزهري حتى يكون سمع منه (عن) ابن شهاب (الزهري عن هند) وفي رواية
الأربعة عن امرأة بدل قوله في هذا الإسناد الثاني عن هند، وفي هامش فرع اليونينية، ووقع عند
الحموي والمستملي في الطريق الثاني عن هند عن أم سلمة كما في الحديث قبله، ولغيرهما عن امرأة

٣١١
كتاب العلم/ باب ٤١
قال: وفي نسخة صحيحة مرقوم على قوله عن امرأة علامة أبي الهيثم، والأصيلي وابن عساكر وابن
السمعاني في أصل سماعه عن أبي الوقت في خانقاه السميساطي اهـ. والحاصل أن الزهري ربما
أبهمها وربما سماها (عن أم سلمة) رضي الله عنها أنها (قالت):
(استيقظ) أي تيقظ فالسين ليست هنا للطلب أي انتبه (النبي) وفي رواية أبي ذر رسول
الله (َّ ذات ليلة) أي في ليلة ولفظ ذات زيدت للتأكيد، وقال جار الله: هو من إضافة المسمى إلى
اسمه وكان عليه الصلاة والسلام في بيت أم سلمة لأنها كانت ليلتها (فقال: سبحان الله ماذا)
استفهام متضمن معنى التعجب لأن سبحان تستعمل له (أنزل) بضم الهمزة وللكشميهني أنزل الله
(الليلة) بالنصب ظرفًا للإنزال (من الفتن وماذا فتح من الخزائن) عبر عن العذاب بالفتن لأنها أسبابه
وعن الرحمة بالخزائن لقوله تعالى: ﴿خزائن رحمة ربك﴾ [ص: ٩] واستعمل المجاز في الإنزال،
والمراد به إعلام الملائكة بالأمر المقدور، وكأنه ◌َ ﴿ رأى في المنام أنه سيقع بعده فتن وتفتح لهم
الخزائن؛ أو أوحى الله تعالى إليه ذلك قبل النوم فعبّر عنه بالإنزال وهو من المعجزات، فقد فتحت
خزائن فارس والروم وغيرهما كما أخبر عليه الصلاة والسلام (أيقظوا) بفتح الهمزة أي نبهوا
(صواحب) وفي رواية صواحبات (الحجر) بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجرة وهي منازل
أزواجه ﴿ ﴿ وخصّهنّ لأنهنّ الحاضرات حينئذ (فربّ كاسية في الدنيا) أثوابًا رقيقة لا تمنع إدراك
البشرة أو نفيسة (عارية) بتخفيف الياء أي معاقبة (في الآخرة) بفضيحة التعرّي أو عارية من الحسنات
في الآخرة، فندبهنّ بذلك إلى الصدقة وترك السرف. ويجوز في عارية الجر على النعت لأن ربّ عند
سيبويه حرف جر يلزم صدر الكلام والرفع بتقدير هي، والفعل الذي يتعلق به محذوف. واختار
الكسائي أن تكون رب اسمًا مبتدأ والمرفوع خبرها وهي هنا للتكثير وفعلها الذي تتعلق به ينبغي أن
يكون محذوفًا غالبًا، والتقدير: رب كاسية عارية عرفتها، والحديث يأتي في الفتن إن شاء الله تعالى.
٤١ - باب السَّمَرِ في العِلْم
(باب السمر) بفتح السين والميم وهو الحديث في الليل (في العلم) وللأربعة بالعلم، وفي
اليونينية في العلم وضبب عليه، ومكتوب على الهامش بالعلم مصحح عليه، ولغیر أبي ذر باب
بالتنوين مقطوعًا عن الإضافة أي هذا باب في بيان السمر بالعلم.
١١٦ - حدثنا سَعيدُ بنُ عُفَيرٍ قال: حدَّثني اللّيثُ قال: حدَّثني عبدُ الرحمنِ بنُ خالدٍ عن
ابنِ شِهابٍ عن سالمٍ وأبي بَكرِ بنِ سُليمانَ بنِ أبي حَثْمةَ أنَّ عبدَ اللهِ بنَ عُمَر قال: صلَّى بنا
النبيُّ وََّ العِشاءَ في آخِرِ حَياتِهِ، فلمّا سَلَّمَ قام فقال: ((أرأيتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هُذهِ، فإنَّ رَأْسَ مَائِ سَنةٍ
منها لا يَبقىْ مِمَّنْ هوَ عَلَى ظَهرِ الأرضِ أحَد)). [الحديث ١١٦ - طرفاه في: ٥٦٤، ٦٠١].

٣١٢
كتاب العلم/ باب ٤١
وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء (قال:
حدّثني) بالإفراد وللأصيلي حدّثنا (الليث) بن سعد عالم مصر (قال: حدثني) بالإفراد
(عبد الرحمن بن خالد) زاد في رواية أبي ذر ابن مسافر أي الفهمي مولى الليث بن سعد أمير مصر
لهشام بن عبد الملك، المتوفى سنة سبع وعشرين ومائة، وفي رواية حدّثني الليث حدّثه عبد الرحمن
أي أنه حدّثه عبد الرحمن (عن ابن شهاب) الزهري (عن سالم) أي ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب
(وأبي بكر بن سليمان بن أبي حثمة) بفتح الحاء المهملة وسكون المثلثة، ولم يخرج له المؤلف سوى هذا
الحديث مقرونًا بسالم.
(أن عبد الله بن عمر) بن الخطاب رضي الله عنهما (قال: صلّ بنا النبي) وفي رواية الأربعة
لنا باللام بدل الباء يعني إمامًا لنا، وإلاّ فالصلاة لله لا لهم، وفي رواية أبي ذر عن الكشميهني
رسول الله بدل قوله النبي (وَلقر العشاء) بكسر العين والمد أي صلاة العشاء (في آخر حياته) قبل موته
عليه الصلاة والسلام بشهر، (فلما سلّم) من الصلاة (قام فقال: أرأيتكم) أي أخبروني وهو من
إطلاق السبب على المسبب لأن مشاهدة هذه الأشياء طريق إلى الإخبار عنها والهمزة فيه مقررة أي قد
رأيتم ذلك فأخبروني (ليلتكم) أي شأن ليلتكم أو خبر ليلتكم (هذه) هل تدرون ما يحدث بعدها من
الأمور العجيبة، وتاء أرأيتكم فاعل والكاف حرف خطاب لا محل لها من الإعراب ولا تستعمل إلا
في الاستخبار عن حالة عجيبة، وليلتكم نصب مفعول ثانٍ لأخبروني، (فإن رأس) وللأصيلي فإن
على رأس (مائة سنة منها) أي من تلك الليلة (لا يبقى تمن هو على ظهر الأرض أحد) ممن ترونه أو
تعرفونه عند مجيئه، أو المراد أرضه التي بها نشأ ومنها بعث كجزيرة العرب المشتملة على الحجاز
وتهامة ونجد فهو على حدّ قوله تعالى: ﴿أو يُنْفَوْا من الأرض﴾ [المائدة: ٣٣] أي بعض الأرض التي
صدرت الجناية فيها، فليست أل للاستغراق، وبهذا يندفع قول من استدل بهذا الحديث على موت
الخضر عليه السلام كالمؤلف وغيره، إذ يحتمل أن يكون الخضر في غير هذه الأرض المعهودة، ولئن
سلمنا أن أل للاستغراق فقوله أحد عموم يحتمل إذ على وجه الأرض الجنّ والإنس والعمومات
يدخلها التخصيص بأدنى قرينة، وإذا احتمل الكلام وجوهًا سقط به الاستدلال قاله الشيخ
قطب الدين القسطلاني. وقال النووي: المراد أن كل من كان تلك الليلة على الأرض لا يعيش بعدها
أكثر من مائة سنة سواء قلّ عمره قبل ذلك أم لا، وليس فيه نفي حياة أحد يولد بعد تلك الليلة مائة
سنة .
١١٧ - حدّثنا آدمُ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: حدَّثَنَا الحَكَمُ قال: سمعتُ سَعيدَ بنَ جُبَيْرِ عنِ ابنِ
عبّاسٍ قال: بِتُّ في بَيْتٍ خالَتِي مَيْمونَةَ بنتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النبيِّ نََّ، وكان النبيُّ نََّ عِنْدَها في
لَيْلَتِهَا، فَصَلَّى النبيُّ وَّهِ العِشاءَ، ثمَّ جاءَ إلى مَنزِلِه فصلَّى أربعَ ركعاتٍ، ثمَّ نامَ. ثمَّ قامَ، ثمّ قال:
(نَامَ الغُلَيِّمُ)) - أو كلمةٌ تُشْبِهُهَا - ثم قامَ، فقُمْتُ عنْ يَسارِهِ فجعَلَني عنْ يمِينِهِ. فصلَّى خَمْسَ
رَكْعاتٍ، ثمَّ صلَّى رَكْعَتينٍ، ثمَّ نامَ حتّى سَمِعْتُ غَطِيطَه - أو خطيطه - ثمَّ خَرَجَ إلى الصلاة.

٣١٣
كتاب العلم/ باب ٤١
[الحديث ١١٧ - أطرافه فى: ١٣٨، ١٨٣، ٦٩٧، ٦٩٨، ٦٩٩، ٧٢٦، ٧٢٨، ٨٥٩، ٩٩٢٤،
١١٩٨، ٤٥٦٩، ٤٥٧٠، ٤٥٧١، ٤٥٧٢، ٥٩١٩، ٦٢١٥، ٦٣١٦، ٧٤٥٢].
وبه قال: (حدثنا آدم) أي ابن أبي إياس (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثنا الحكم)
بفتح الحاء والكاف ابن عتبة بضم العين تصغير عتبة ابن النهاس فقيه الكوفة، المتوفى سنة أربع عشرة
وقيل: خمس عشرة ومائة.
(قال: سمعت سعيد بن جبير عن ابن عباس) رضي الله عنهما أنه (قال):
(بت) بكسر الموحدة من البيتوتة (في بيت خالتي ميمونة بنت الحرث) الهلالية (زوج
النبي 9َّ) وهي أخت أمه لبابة الكبرى بنت الحرث ولبابة هذه أوّل امرأة أسلمت بعد خديجة،
وتوفيت ميمونة رضي الله عنها سنة إحدى وخمسين بسرف بالمكان الذي بنى بها فيه النبي ◌َّر وصلى
عليها ابن عباس لها في البخاري سبعة أحاديث. (وكان النبي ◌َّر عندها في ليلتها) المختصة بها
بحسب قسم النبي ◌َّوبين أزواجه (فصلى النبي ◌َّر العشاء) في المسجد، (ثم جاء) منه (إلى منزله)
الذي هو بيت ميمونة أم المؤمنين، والفاء في فصلى هي التي تدخل بين المجمل والمفصل لأنّ التفصيل
إنما هو عقب الإجمال لأن صلاته عليه الصلاة والسلام العشاء ومجيئه إلى منزله كانا قبل كونه عند
ميمونة ولم يكونا بعد الكون عندها. (فصلى) عليه الصلاة والسلام عقب دخوله (أربع ركعات ثم
نام) بعد الصلاة على التراخي، (ثم قام) من نومه (ثم قال: نام الغليم) بضم الغين المعجمة وفتح
اللام وتشديد المثناة التحتية تصغير شفقة، ومراده ابن عباس وقوله نام استفهام حذفت همزته لقرينة
المقام أو إخبار منه عليه الصلاة والسلام بنومه (أو) قال (كلمة تشبهها) أي تشبه كلمة نام الغليم شك
من الراوي وعبر بكلمة على حدّ كلمة الشهادة (ثم قام) عليه الصلاة والسلام في الصلاة، (فقمت
عن يساره) بفتح الياء وكسرها شبّهوها في الكسر بالشمال وليس في كلامهم كلمة مكسورة الياء إلا
هذه، وحكي التشديد للسين لغة فيه عن ابن عباد (فجعلني عن يمينه فصلى) وفي رواية ابن عساكر
وصلّ (خمس ركعات) وفي الرفع كأصله من غير رقم عشرة ركعة، (ثم صلى ركعتين ثم نام) عليه
الصلاة والسلام (حتى) أي إلى أن (سمعت غطيطه) بفتح الغين المعجمة وكسر المهملة الأولى وهو
صوت نفس النائم عند استثقاله. وفي العباب وغطيط النائم والمخنوق نخيرهما (أو خطيطه) بفتح
الخاء المعجمة وكسر المهملة شك من الراوي وهو بمعنى الأوّل، ثم استيقظ عليه الصلاة والسلام (ثم
خرج إلى الصلاة) ولم يتوضأ لأن من خصائصه أن نومه مضطجعًا لا ينقض وضوءه لأن عينه تنامان
ولا ينام قلبه، لا يقال إنه معارض بحديث نومه عليه الصلاة والسلام في الوادي إلى أن طلعت
الشمس لأن الفجر والشمس إنما يدركان بالعين لا بالقلب. ويأتي تمام البحث في ذلك في ذكر
تهجده عليه الصلاة والسلام.

٣١٤
كتاب العلم/ باب ٤٢
فإن قلت: ما المناسبة بين هذا الحديث والترجمة؟ أجيب: باحتمال أن يطلق السمر على الكلمة
وهي هنا قوله عليه الصلاة والسلام: ((نام الغليم)) أو هو ارتقاب ابن عباس لأحواله عليه الصلاة
والسلام، لأنه لا فرق بين التعلم من القول والتعلم من الفعل. وتعقب بأن المتكلم بالكلمة الواحدة
لا يسمى سامرًا، وبأن صنيع ابن عباس يسمى سهرًا لا سمرًا لأنّ السمر لا يكون إلا عن تحدّث.
وأجيب: بأن حقيقة السمر التحدّث بالليل ويصدق بكلمة واحدة ولم يشترط أحد التعدّد، وكما
يطلق السمر على القول يطلق على الفعل بدليل قولهم: سمر القوم الخمر إذا شربوها ليلاً. وأجاب
الحافظ ابن حجر: بأن المناسبة مستفادة من لفظ آخر في هذا الحديث بعينه من طريق أخرى في
التفسير عند المؤلف بلفظ: بتّ في بيت ميمونة، فتحدّث رسول الله وَ له مع أهله ساعة قال: وهذا
أولى من غير تعسّف ولا رجم بالظن، لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من الخوض فيه بالظن.
وتعقبه العيني بأن من يعقد بابًا بترجمة ويضع فيه حديثًا، وكان قد وضع هذا الحديث في باب آخر
بطريق أخرى وألفاظ متغايرة هل يقال مناسبة الترجمة في هذا الباب تستفاد من ذلك الحديث الموضوع
في الباب الآخر. قال: وأبعد من هذا أنه علّل ما قاله بقوله لأن تفسير الحديث بالحديث أولى من
الخوض فيه بالظن، لأن هؤلاء ما فسروا الحديث هنا بل ذكروا مطابقة الترجمة بالتقارب.
٤٢ - باب حِفظِ العِلم
هذا (باب حفظ العلم) وسقط لفظ باب للأصيلي.
١١٨ - حدّثنا عبدُ العَزيزِ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: حدَّثني مالكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عنِ الأعْرَجِ عن
أبي هُرَيرةً قال: إنَّ الناسَ يقولون: أكثَرَ أبو هُرَيرةَ. وَلَوْلا آيَتانِ في كِتابِ اللَّهِ ما حدَّثْتُ حَديثًا. ثمَّ
يَتلو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ البَيِّناتِ - إلى قوله تعالى - الرَّحِيمُ﴾. إنَّ إخوانَنا مِن
المُهاجِرِينَ كانَ يَشْغَلُهُمُ الصَّفْقُ بالأسْواقِ، وإنَّ إخوانَنا مِنَ الأنصارِ كان يَشْغَلُهُمُ العَمَلُ في أموالِهِمْ
وإنَّ أبا هُرَيرةَ كانَ يَلْزَمُ رسولَ اللَّهِ وَلّهِ بِشِبَعِ بَطنِه، وَيخضُرُ ما لا يَحْضُرون، وَيَحْفَظُ ما لا
يَحْفَظون. [الحديث ١١٨ - أطرافه فى: ١١٩، ٢٠٤٧، ٢٣٥٠، ٣٦٤٨، ٧٣٥٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد العزيز بن عبد الله) أي الأويسي المدني (قال: حدّثني)
بالتوحيد (مالك) هو ابن أنس إمام الأئمة (عن ابن شهاب) الزهري (عن الأعرج) عبد الرحمن بن
هرمز (عن أبي هريرة) رضي الله عنه (قال):
(إن الناس يقولون أكثر أبو هريرة) أي الحديث كما في البيوع وهو حكاية كلام الناس وإلاّ
لقال أكثرت. زاد المصنف في رواية في الزراعة ويقولون ما للمهاجرين والأنصار لا يحدّثون مثل
أحاديثه، (ولولا آيتان) موجودتان (في كتاب الله) تعالى (ما) أي لما (حدّثت حديثًا). قال الأعرج (ثم
يتلو) أبو هريرة: (﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى﴾) إلى قوله تعالى: ((الرحيم))

٣١٥
كتاب العلم/ باب ٤٢
[البقرة: ١٥٩] وعبَّر بالمضارع فى قوله: ويتلو استحضارًا لصورة التلاوة، والمعنى لولا أن الله تعالى
ذم الكاتمين للعلم لما حدّثتكم أصلاً، لكن لما كان الكتمان حرامًا وجب الإظهار، فلذلك حصلت
الكثرة عنده، ثم ذكر سبب الكثرة بقوله: (إن إخواننا) جمع أخ ولم يقل إخوانه ليعود الضمير على أبي
هريرة لغرض الالتفات وعدل عن الإفراد إلى الجمع لقصد نفسه وأمثاله من أهل الصفة وحذف
العاطف على جعله جملة استئنافية كالتعليل للإكثار جوابًا للسؤال عنه، والمراد أخوّة الإسلام (من
المهاجرين) الذين هاجروا من مكة إلى المدينة (كان يشغلهم) بفتح أوّله وثالثه من الثلاثي، وحكي
ضم أوّله من الرباعي وهو شاذ (الصفق بالأسواق) بفتح الصاد وإسكان الفاء كناية عن التبايع لأنهم
كانوا يضربون فيه يدًا بيد عند المعاقدة وسميت السوق لقيام الناس فيها على سوقهم، (وإن إخواننا
من الأنصار) الأوس والخزرج (كان يشغلهم العمل في أموالهم) أي القيام على مصالح زرعهم (وإن
أبا هريرة) عدل عن قوله: وإني لقصد الالتفات (كان يلزم رسول الله (وَلقر بشبع بطنه) كذا للأصيلي
بموحدة في أوّله، وفي رواية الأربعة باللام وكلاهما للتعليل أي لأجل شبع بطنه وهو بكسر الشين
المعجمة وفتح الموحدة. وعن ابن دريد إسكانها وعن غيره الإسكان اسم لما أشبعك من الشيء، وفي
رواية ابن عساكر في نسخة ليشبع بطنه بلام كي ويشبع بصورة المضارع المنصوب، والمعنى أنه كان
يلازم قانعًا بالقوت لا يتجر ولا يزرع، (ويحضر ما لا يحضرون) من أحوال النبي ◌َّر لأنه يشاهد ما
لا يشاهدون، (ويحفظ ما لا يحفظون) من أقواله لأنه يسمع ما لا يسمعون.
١١٩ - حدثنا أحمدُ بنُ أبي بَكرِ أبو مُصْعَبٍ قال: حدَّثَنا محمدُ بن إبراهيمَ بنِ دِينارٍ عنِ ابنِ
أبي ذِئبٍ عن سَعيدِ المَقْبُريّ عن أبي هُرَيرةَ قال: ((قلتُ يا رسولَ اللَّهِ، إنِّي أسمعُ منكَ حَدِيثًا كثيرًا
أنساهُ. قال: ابسُطْ رِداءَكَ. فَبَسَطْتُه. قال: فَغَرَفَ بِيدَيهِ ثمّ قال: ضُمَّهُ، فضَمَمْتُه، فما نَسيتُ شيئًا
بعده» .
حقّثنا إبراهيمُ بنُ المنذِرِ قال: أخبرنا ابنُ أبي فُدَيكِ بهذا. أو قال: غَرَفَ بيدِه فيه.
وبه قال: (حدّثنا أحمد بن أبي بكر) زاد في رواية عن أبي ذر وابن عساكر والأصيلي (أبو
مصعب) وهو كنية أحمد وهو أشهر بها وسقطت في رواية أبي ذر والأصيلي، واسم أبي بكر القاسم بن
الحرث بن زرارة بن مصعب بن عبد الرحمن بن عوف الزهري العوفي قاضي المدينة وعالمها صاحب
مالك، المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين عن اثنتين وتسعين سنة (قال: حدثنا محمد بن إبراهيم بن
دينار) مفتي المدينة مع إمامها مالك بن أنس، المتوفى سنة اثنتين وثمانين ومائة (عن ابن أبي ذئب)
بكسر الذال المعجمة، وهو محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحرث بن أبي ذئب القرشي المدني
العامري. قال الإمام أحمد: كان ابن أبي ذئب أفضل من مالك إلا أن مالكًا أشد تنقية للرجال منه،
المتوفى بالكوفة سنة تسع وخمسين ومائة (عن سعيد) أي ابن أبي سعيد (المقبري) بفتح الميم وضم

٣١٦
کتاب العلم/ باب ٤٢
الموحدة المدني (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال: قلت يا رسول الله) وفي رواية ابن عساكر
قلت لرسول الله الخير :
(إني أسمع منك حديثًا كثيرًا) صفة لقوله حديثًا لأنه اسم جنس يتناول القليل والكثير (أنساه)
صفة ثانية لحديثًا والنسيان زوال علم سابق عن الحافظة والمدركة والسهو زواله عن الحافظة فقط،
ويفرق بينه وبين الخطأ بأن السهو ما ينتبه صاحبه بأدنى تنبيه بخلاف الخطأ. (قال) أي النبي وَّر لأبي
هريرة وفي رواية فقال: (ابسط رداءك فبسطته) أي لما قال ابسط امتثلت أمره فبسطته، وإلا فيلزم منه
عطف الخبر على الإنشاء وهو مختلف فيه. (قال فغرف) عليه الصلاة والسلام (بيديه) من فيض فضل
الله فجعل الحفظ كالشيء الذي يغرف منه ورمى به في ردائه ومثل بذلك في عالم الحس. (ثم قال)
عليه الصلاة والسلام لأبي هريرة: (ضمه) بالهاء مع ضم الميم تبعًا للضاد وفتحها وهي رواية أبي ذرّ
لأن الفتح أخف الحركات وكسرها لأن الساكن إذا حرك حرك بالكسر وفك الإدغام فيصير اضممه
والهاء فيه ترجع إلى الحديث، كما يدل عليه قوله في غير الصحيح فغرف بيده ثم قال: ضم
الحديث، وعند المصنف في بعض طرقه: لن يبسط أحدكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه ثم يجمعها
إلى صدره، وقد وقع في جامع الترمذي وحلية أبي نعيم التصريح بهذه المقالة المبهمة في حديث أبي
هريرة، قال: قال رسول الله وَّل: ((ما من رجل يسمع كلمة أو كلمتين مما فرض الله تعالى عليه
فيتعلمهن ويعلمهن إلا دخل الجنة)). ووقع في رواية الكشميهني وعزاها في الفرع للحموي
والمستملي ضم بغير هاء.
قال أبو هريرة: (فضممته فما نسيت شيئًا بعده) أي بعد الضم وفي رواية الأكثر بعد مقطوع
عن الإضافة مبني على الضم وتنكير شيئًا بعد النفي ظاهر العموم في عدم النسيان منه لكل شيء في
الحديث وغيره لأن النكرة في سياق النفي تدل عليه، لكن وقع في رواية ابن عيينة وغيره عن
الزهري في الحديث السابق ما نسيت شيئًا سمعته منه وعند مسلم من رواية يونس فما نسيت بعد
ذلك اليوم شيئًا حدّثني به وهو يقتضي تخصيص عدم النسيان بالحديث، وأخصُّ منه ما جاء في رواية
شعيب حيث قال: فما نسيت من مقالته تلك شيئًا، فإنه يفهم تخصيص عدم النسيان بهذه المقالة
فقط. لكن سياق الكلام يقتضي ترجيح رواية يونس ومن وافقه لأن أبا هريرة نبّه به على كثرة
محفوظه من الحديث فلا يصح حمله على تلك المقالة وحدها، ويحتمل أن يكون وقعت له قضيتان،
فالتي رواها الزهري مختصة بتلك المقالة، والتي رواها سعيد المقبري عامّة، هكذا قرره في فتح الباري
وهذا من المعجزات الظاهرات حيث رفع ويله من أبي هريرة النسيان الذي هو من لوازم الإنسان حتى
قيل إنه مشتق منه، وحصول هذا في بسط الرداء الذي ليس للعقل فيه مجال.
وبه قال: (حدّثنا إبراهيم بن المنذر) بالذال المعجمة وسبق في أوّل كتاب العلم (قال: أخبرنا
ابن أبي فديك) بضم الفاء وفتح الدال المهملة وهو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن أبي فديك
واسم أبي فديك دينار المدني الليثي، المتوفى سنة مائتين، وابن أبي فديك يرويه عن ابن أبي ذئب كما

٣١٧
كتاب العلم/ باب ٤٢
عند المؤلف في علامات النبوّة (بهذا) أي بهذا الحديث (أو قال) وفي رواية الكشميهني وقال: (غرف
بيده فيه) بالإفراد مع زيادة فيه والضمير للثوب، وللمستملي وحده يحذف فيه بالحاء المهملة والذال
المعجمة والفاء من الحذف وهو الرمي، لكن حديث علامات النبوّة المنبّه عليه فيما سبق ليس فيه إلا
الغرف، وبه استوضح الحافظ ابن حجر على أن يحذف تصحيف مع ما استشهد به مما في طبقات ابن
سعد عن ابن أبي فديك حيث قال: فغرف. وتعقبه العيني بأن ما قاله لا يكون دليلاً لما ادعاه من
التصحيف، ولو كان كذلك لنّه عليه صاحب المطالع، وأجيب بأنه لا يلزم من كون صاحب المطالع
لم ينبّه عليه أن لا يكون تصحيفًا انتهى. لكن يبقى طلب الدليل على كونه تصحيفًا فافهم، وهذا
المذكور من قوله: حدّثنا إبراهيم بن المنذر إلى آخر قوله فغرف أو يحذف بيده فيه ساقط في رواية أبي
ذر والأصيلي والمستملي وابن عساكر.
١٢٠ - حقثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني أخي عنِ ابنِ أبي ذِئبٍ عن سَعيدٍ المَقْبُريُّ عن أبي
هُرَيرةً قال: حَفِظْتُ من رسولِ اللهِ وَهَ وِعاءَينٍ: فأمّا أحدُهما فِبَتَثْتُه، وأمّا الآخَرُ فلو بَتَثْتُه قُطِعَ هذا
البُلْعوم.
وبه قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالتوحيد وللأصيلي حدّثنا (أخي)
عبد الحميد بن أبي أويس (عن ابن أبي ذئب) محمد بن عبد الرحمن السابق قريبًا (عن سعيد المقبري)
بضم الموحدة (عن أبي هريرة) رضي الله عنه أنه (قال):
(حفظت عن رسول الله (وَ) وفي رواية الكشميهني من بدل عن وهي أصرح في تلقّيه من
النبي ◌َّ بلا واسطة (وعاءين) بكسر الواو والمدّ تثنية وعاء وهو من باب ذكر المحل وإرادة الحال أي
نوعين من العلم. (فأما أحدهما) أي أحد ما في الوعاءين من نوعي العلم (فبثئته) بموحدة مفتوحة
ومثلثتين بعدهما مثناة فوقية ودخلته الفاء لتضمنه معنى الشرط أي نشرته زاد الأصيلي فبثثته في
الناس، (وأما) الوعاء (الآخر فلو بثئته) أي نشرته في الناس (قطع) وفي رواية لقطع (هذا البلعوم)
بضم الموحدة مرفوعًا لكونه ناب عن الفاعل وكُنِّي به عن القتل، وزاد في رواية ابن عساكر
والأصيلي وأبي الوقت وأبي ذر والمستملي، قال أبو عبد الله أي البخاري: البلعوم مجرى الطعام أي
في الحلق وهو المريء. قاله القاضي والجوهري وابن الأثير، وعند الفقهاء الحلقوم مجرى النفس
خروجًا ودخولاً والمريء مجرى الطعام والشراب وهو تحت الحلقوم، والبلعوم تحت الحلقوم، وأراد
بالوعاء الأوّل ما حفظه من الأحاديث وبالثاني ما كتمه من أخبار الفتن وأشراط الساعة وما أخبر به
الرسول عليه الصلاة والسلام من فساد الدين على يدي أغيلمة من سفهاء قريش، وقد كان أبو هريرة
يقول: لو شئت أن أسميهم بأسمائهم أو المراد الأحاديث التي فيها تبيين أسماء أمراء الجور وأحوالهم
وذمهم، وقد كان أبو هريرة يكني عن بعض ذلك ولا يصرّح خوفًا على نفسه منهم، كقوله: أعوذ
بالله من رأس الستين وإمارة الصبيان يشير إلى خلافة يزيد بن معاوية لأنها كانت سنة ستين من
الهجرة، واستجاب الله تعالى دعاء أبي هريرة فمات قبلها بسنة، وسيأتي ذلك مع مزيد له في كتاب

٣١٨
كتاب العلم/ باب ٤٣
الفتن إن شاء الله تعالى أو المراد به علم الأسرار المصون عن الأغيار المختص بالعلماء بالله من أهل
العرفان والمشاهدات والاتقان التي هي نتيجة علم الشرائع والعمل بما جاء به الرسول وص له والوقوف
عند ما حدّه وهذا لا يظفر به إلا الغوّاصون في بحر المجاهدات، ولا يسعد به إلا المصطفون بأنوار
المشاهدات، لكن في كون هذا هو المراد نظر من حيث إنه لو كان كذلك لما وسع أبا هريرة كتمانه
مع ذكره من الآية الدالّة على ذم كتمان العلم لا سيما هذا الشأن الذي هو لبّ ثمرة العلم وأيضًا
فإنه نفى بثّه على العموم من غير تخصيص، فكيف يستدل به لذلك؟ وأبو هريرة لم يكشف مستوره
فيما أعلم، فمن أين علم أن الذي كتمه هو هذا فمن ادّعى ذلك فعليه البيان فقد ظهر أن الاستدلال
بذلك لطريق القوم فيه ما فيه على أنهم في غنية عن الاستدلال إذ الشريعة ناطقة بأدلتهم، ومن
تصفح الأخبار وتتبع الآثار مع التأمّل والاستنارة بنور الله ظهر له ما قلته والله يهدينا إلى سواء
السبيل .
٤٣ - باب الإنصاتِ للعُلَماء
هذا (باب الإنصات) بكسر الهمزة أي السكوت والاستماع (للعلماء) أي لأجل ما يقولونه.
١٢١ - حدثنا حَجَاجٌ قال: حدَّثَنَا شُعبةُ قال: أخبرَني عَليُّ بنُ مُذْرِكٍ عن أبي زُرعةَ عن جَرِيرٍ
أنَّ النبيَّ نَّه قال له في حَجَّةِ الوَداع: اسْتَنْصِتِ الناسَ. فقال: ((لا تَرجِعوا بَعدِي كُفّارًا يَضرِبُ
بَعضُكم رِقَابَ بَعضٍ)). [الحديث ١٢١ - أطرافه في: ٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا حجاج) هو ابن منهال (قال: حدّثنا شعبة) أي ابن الحجاج
(قال: أخبرني) بالتوحيد (علي بن مدرك) بضم الميم وكسر الراء النخعي الكوفي، المتوفى سنة عشرين
ومائة (عن أبي زرعة) هرم بفتح الهاء وكسر الراء، زاد في رواية أبي ذر والأصيلي ابن عمرو (عن
جرير) هو ابن عبد الله البجلي، وهو جدّ أبي زرعة الراوي عنه هنا لأبيه وكان بديع الجمال طويل
القامة بحيث يصل إلى سنام البعير وكان نعله ذراعًا وسبق في باب الدين النصيحة.
(أن النبي بَِّيُ قال له) وعند المؤلف في حجة الوداع أنّ النبي ◌َّ قال لجرير (في حجة الوداع)
بفتح الحاء والواو عند جمرة العقبة واجتماع الناس للرمي وغيره (استنصت الناس) استفعال من
الإنصات ومعناه طلب السكوت، وقد أنكر بعضهم لفظه له من قوله قال له في حجة الوداع معلّلاً
بأن جريرًا أسلم قبل وفاته عليه الصلاة والسلام بأربعين يومًا، وتوقف المنذري لثبوتها في الطرق
الصحيحة وقد ذكر غير واحد أنه أسلم في رمضان سنة عشر فأمكن حضوره مسلمًا لحجة الوداع
وحينئذ فلا خلل في الحديث (فقال) عليه الصلاة والسلام بعد أن أنصتوا: (لا ترجعوا) أي لا
تصيروا (بعدي) أي بعد موقفي هذا أو بعد موتي (كفّارًا) نصب خبر لا ترجعوا المفسر بلا تصيروا
(يضرب بعضكم رقاب بعض) مستحلين لذلك ويضرب بالرفع على الاستئناف بيانًا لقوله: لا

٣١٩
كتاب العلم/ باب ٤٤
ترجعوا أو حالاً من ضمير ترجعوا أي لا ترجعوا بعدي كفّارًا حال ضرب بعضكم رقاب بعض أو
صفة. أي لا ترجعوا بعدي كفّارًا متّصفين بهذه الصفة القبيحة أي ضرب بعضكم، وجوّز ابن مالك
وأبو البقاء جزم الباء بتقدير شرط أي: فإن ترجعوا يضرب بعضكم بعضًا، والمعنى لا تتشبهوا
بالكفار في قتل بعضهم بعضًا، ويأتي تمام البحث إن شاء الله تعالى في الفتن أعاذ الله تعالى منها .
٤٤ - باب ما يُسْتَحَبُّ لِلْعالِم
إذا سُئِلَ أيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ فَيَكِلُ العِلمَ إلى اللَّهِ
هذا (باب ما يستحب) أي الذي يستحب (للعالم إذا سئل أي الناس) أي أيّ شخص من
أشخاص الناس (أعلم) من غيره (فيكل) أي فهو يكل (العلم إلى الله) وحينئذ فإذا شرطية والفاء في
جوابها، والجملة بيان لما يستحب أو إذا ظرف ليستحب والفاء تفسيرية على أن يكل في تقدير أن أي
ما يستحب وقت السؤال هو الوكول إلى الله تعالى.
١٢٢ - حدثنا عبدُ اللَّهِ بنُ محمدٍ قال: حدَّثَنا سُفيانُ قال: حدَّثَنا عَمَرٌو قال: أخبرَني
سعيدُ بنُ جُبَيرٍ قال: قلتُ لابنِ عبّاسٍ إنَّ نَوْفًا البَكاليَّ يَزْعُم أنَّ موسى ليسَ بموسى بني إسرائيلَ
إنَّما هوَ موسى آخَرُ، فقال: كَذَبَ عَدوُ اللَّهِ، حدَّثَنَا أُبِيُّ بِنُ كَعْبٍ عنِ النبيِّ نَّه قال: ((قامَ موسى النبيُّ
خَطيِّبًا في بني إسْرائيلَ، فَسُئِلَ: أُّ الناسِ أعْلَمُ؟ فقال: أنا أعْلَمُ. فَعَتَبَ اللَّهُ عليهِ إذْ لم يَرُدَّ العِلمَ
إليهِ، فأوحى اللَّهُ إليهِ أنَّ عَبدًا مِن عِبادي بِمَجْمَعِ الْبَحرَينِ هوَ أعلَمُ مِنكَ. قال: ربِّ وكيفَ لي به؟
فقيلَ له: احْمِلْ حُوتًا في مِكْتَلٍ، فإذا فَقَدْتَهُ فهوَ ثَمَّ. فانطَلَقَ وانطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بنِ نُونٍ، وحمّلا
حُوتًا في مِكْتَلٍ، حتّى كانا عندَ الصَّخْرَةِ وضَعا رَؤُوسَهما وناما، فانْسَلَّ الحوتُ مِنَ المَكْتَلِ فَاتَّخَذَ
سَبِيلَهُ فِي البَحرِ سَرَبا، وكان لموسى وفَتاهُ عَجَبًا. فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِما ويَوْمِهما، فلما أصبَحَ قال
موسى لِفتاهُ: آتِنَا غَداءَنا، لقدْ لَقِينا مِن سَفَرِنا هذا نَصبًا. ولمْ يجِدْ مُوسى مَسَّا مِنَ النَّصَبِ حتّى
جاوَزَ المكانَ الَّذِي أُمِرَ بِهِ. فقال له فتاهُ: أرأيتَ إذْ أوَينا إلى الصخرةِ فإنِي نَسيتُ الحُوتَ. قال
موسى: ذُلكَ ما كُنّا نَبْغِي. فارْتَدًا عَلَى آثارِهِما قَصَصًا، فلمّا أَتَيا، إلى الصخرةِ إذا رَجُلٌ مُسَجَّى
بِثَوبٍ - أو قال: تَسَجَّى بِثَوبِهِ - فسَلَّمَ موسى، فقال الخَضِرُ: وأنَّى بأرضِكَ السلامُ؟ فقال: أنا
موسى. فقال: موسى بني إسرائيلَ؟ قال: نعم. قال: هل أَتَّبِعُكَ عَلَى أنْ تُعَلِّمَنِي مِمّا عُلِّمْتَ
رُشْدًا. قال: إنَّكَ لن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبرًا. يا موسى إنِّي عَلَى عِلمٍ مِن عِلمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيه لا تَعْلَمُه
أنتَ، وأنتَ عَلَى عِلم عَلَّمَكَ اللَّهُ لا أعْلَمُه. قال: سَتَجِدُني إنْ شاءَ اللَّهُ صابِرًا ولا أعْصِي لكَ أمرًا.
فانطَلقا يَمْشِيانِ على ساحِلِ البحرِ ليسَ لَهُما سَفينةٌ، فمرَّتْ بهما سَفينةٌ، فكلَّموهُمْ أنْ يَحمِلوهُما،
فِعُرِفَ الْخَضِرُ فحَملوهُما بِغَيرِ نَوْلٍ. فجاء عُصفورٌ فَوَقَعَ على حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقْرَ نَقْرةً أو نَقرَتَينِ

٣٢٠
كتاب العلم/ باب ٤٤
في البحرِ، فقال الخَضِرُ: يا موسى، ما نَقَصَ عِلمي وعِلمُكَ مِن عِلم اللَّهِ إلاّ كتَقْرةِ هذا العُصفور
في البحرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إلى لَوْحِ مِن ألْواحِ السَّفينةِ فَتَزَعَهُ. فقال موسى: قَوْمٌ حَملونا بِغَيرِ نَولٍ
عَمَدْتَ إلى سَفينتِهِم فخَرَقْتَها لتُغْرِقُ أهلَها. قَال: ألم أقُلْ لكَ إِنكَ لنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صبرًا. قال: لا
تُؤَاخِذْني بِمَا نَسِيتُ. فكانَتِ الأُولى مِن موسى نِسيانًا. فَانْطَلَقا، فإذا غُلامٌ يَلْعَبُ معَ الغِلْمانِ، فأخَذَ
الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَغَ رَأْسَهُ بيدِه. فقال موسى: أقَتَلْتَ نَفْسًا زكِيَّةً بغَيرِ نفسٍ؟ قال: ألم أقُلْ
لك إنَّكَ لنْ تَستَطِيعَ معِيَ صَبْرًا؟ (وقال ابن عيينة: هذا أوكد) فانطلقا حتى قال أتيا أهل قرية استطعما
أهلها فأبوا أن يضيفوهما، فوجدا فيها جِدارًا يُرِيدُ أنْ يَنْقَضَّ فأقامَه، قال الخَضِرُ بِيَدِهِ فأقامَه. قال
موسى: لوْ شِئْتَ لاتَّخَذْتَ عليهِ أجْرًا. قال: هذا فِراقُ بَيني وبَينِكَ. قال النبيُّ وَّهِ: يَرحَمُ اللَّه
موسى، لَوَدِذْنا لو صَبَر حتّى يُقَصُّ علينا مِن أمرِهِما)).
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عبد الله بن محمد) هو الجعفي المسندي بفتح النون (قال:
حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثنا) وفي رواية ابن عساكر أخبرنا (عمرو) بفتح العين وهو ابن
دينار (قال: أخبرني) بالتوحيد (سعيد بن جبير) بضم الجيم وفتح الموحدة (قال):
(قلت لابن عباس) رضي الله عنهما (إن نوفًا) بفتح النون وسكون الواو آخره منصوبًا باسم إن
منصرفًا في الفصحى بطن من العرب، ولئن سلمنا عجمته فمنصرف أيضًا لسكون وسطه كنوح
ولوط واسم أبي نوف فضالة بفتحتين القاص (البكالي) بكسر الموحدة وفتحها وتخفيف الكاف وحكي
تشديدها مع فتح الموحدة وعزاه في المطالع لأكثر المحدثين، والصواب التخفيف نسبة إلى بني بكال
بطن من حمير وهو نصب نعتًا لنوف وكان تابعًا عالمًا إمامًا لأهل دمشق وهو ابن امرأة كعب الأحبار
على المشهور (يزعم أن) بفتح الهمزة مفعول يزعم أي يقول: إن (موسى) صاحب الخضر (ليس
بموسى بني إسرائيل) المرسل لهم والباء زائدة للتوكيد حذفت في رواية الأربعة وأضيف لبني
إسرائيل مع العلمية لأنه نكر بأن أوّل بواحد من الأمة المسماة ثم أضيف إليه (إنما هو موسى آخر)
بتنوين موسى لكونه نكرة فانصرف لزوال علميته، وفي رواية بترك التنوين، قال الحافظ ابن حجر:
كذا في روايتنا بغير تنوين فيهما وهو علم على شخص معين. قالوا: إنه موسى بن ميشا بكسر الميم
وسكون المثناة التحتية وبالشين المعجمة (فقال) ابن عباس: (كذب عدوّ الله) نوف خرج منه مخرج
الزجر والتحذير لا القدح في نوف، لأن ابن عباس قال ذلك في حال غضبه وألفاظ الغضب تقع
على غير الحقيقة غالبًا وتكذيبه له لكونه قال غير الواقع ولا يلزم منه تعمده.
(حدّثنا) في رواية أبوي ذر والوقت حدّثني (أبي بن كعب) الصحابي رضي الله عنه (عن
النبي وَلّ) أنه (قال قام موسى النبي وَّ) حال كونه (خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم)
أي منهم على حدّ الله أكبر أي من كل شيء (فقال: أنا أعلم) الناس أي بحسب اعتقاده وهذا أبلغ