Indexed OCR Text

Pages 241-260

٢٤١
کتاب العلم/ باب ٧
وهو أبرويز بن هرمز بن أنو شروان وليس هو أنو شروان (فلما قرأه)، وللحموي والمستملي قرأ
بحذف الهاء أي قرأ كسرى الكتاب (مزقه) أي خرقه. قال ابن شهاب الزهري: (فحسبت أن ابن
المسيب) بفتح المثناة التحتية وكسرها. قال السفاقسي: وبالفتح رويناه (قال) ولما مزقه وبلغ النبي ◌ِّل
ذلك غضب (فدعا عليهم رسول الله (وَل في أن) أي بأن (يمزقوا) أي بالتمزيق فإن مصدرية (كل ممزق)
بفتح الزاي في الكلمتين أي يمزقوا غاية التمزيق، فسلط الله على كسرى ابنه شيرويه فقتله بأن مزق
بطنه سنة سبع فتمزق ملكه كل ممزق وزال من جميع الأرض واضمحل بدعوته وَ لَه. ووجه الدلالة
من الحديث كما قال ابن المنير: أنه وَلو لم يقرأ الكتاب على رسوله، ولكن ناوله إياه وأجاز له أن
يسند ما فيه عنه، ويقول: هذا كتاب رسول الله وَله، ويلزم المبعوث إليه العمل بما فيه وهذه ثمرة
الإجازة في الحديث. وفي هذا الحديث من اللطائف التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والإخبار،
ورجاله كلهم مدنيون وفيه تابعي عن تابعي، وأخرجه المؤلف في المغازي وفي خبر الواحد وفي
الجهاد، وهو من أفراده عن مسلم، وأخرجه النسائي في السير.
٦٥ - حقّثنا محمدُ بنُ مُقاتِلِ أبو الحَسَنِ قَالَ أخبرنا عبدُ اللَّهِ قال: أخبرَنا شُعْبَةُ عنْ قتادَةَ عنْ
أَنَسٍ بنِ مالكِ قال: كَتَبَ النبيُّ وَّلَ كِتابًا - أو أرادَ أنْ يكتُبَ - فقيل له: إنَّهم لا يَقْرَؤُون كِتَابًا إلاَّ مَخْتومًا،
فانَّخَذَ خاتَمًا مِنْ فِضَّةٍ نَقْشُهُ: محمدٌ رَسُولُ اللَّهِ. كأنّي أَنظُرُ إلى بَياضِه في يَدِهِ، فقلتُ لقَتَادَةَ: مَنْ قَال
نَقْشُه محمدٌ رسولُ الله؟ قال: أنَسٌ. [الحديث ٦٥ - أطرافه في: ٢٩٣٨، ٥٨٧٠، ٥٨٧٢، ٥٨٧٤،
٥٨٧٥، ٥٨٧٧، ٧١٦٢].
وبه قال (حدّثنا محمد بن مقاتل) بصيغة الفاعل من المقاتلة بالقاف والمثناة الفوقية وكنيته (أبو
الحسن) المتوفى آخر سنة ست وعشرين ومائتين ولابن عساكر أبو الحسن المروزي (قال: أخبرنا)
وللأصيلي حدّثنا (عبد الله) بن المبارك لأنه إذا أطلق عبد الله فيمن بعد الصحابة فالمراد هو (قال:
أخبرنا شعبة) بن الحجاج (عن قتادة) بن دعامة السدوسي (عن أنس بن مالك) وسقط لأبي ذر وابن
عساكر ابن مالك رضي الله عنه (قال):
(كتب النبي ◌َّ) أي كتب الكاتب بأمره (كتابًا) إلى العجم أو إلى الروم كما صرّح بهما في
كتاب اللباس عند المؤلف (أو أراد أن يكتب) أي أراد الكتابة فأن مصدرية وهو شك من الراوي أنس
(فقيل له) وَّر (إنهم) أي الروم أو العجم (لا يقرؤون كتابًا إلا مختومًا) خوفًا من كشف أسرارهم
ومختومًا نصب على الاستثناء لأنه من كلام غير موجب، (فاتخذ) عليه الصلاة والسلام (خاتمًا من فضة
نقشه) بسكون القاف مبتدأ (محمد رسول الله ( *) مبتدأ وخبر والجملة خبر عن الأول، والرابط كون
الخبر عين المبتدأ كأنه قيل نقشه هذا المذكور (كأني أنظر إلى بياضه) حال كونه (في يده) الكريمة وهو
من باب إطلاق الكل وإرادة الجزء وإلا فالخاتم ليس في اليد بل في إصبعها وفيه القلب لأن الأصبع
/ ٥ ١٦
+ ١/ م
أشاد المساء/ =
شاد السا

٢٤٢
كتاب العلم/ باب ٨
في الخاتم لا الخاتم في الأصبع ومثله عرضت الناقة على الحوض. قال شعبة: (فقلت لقتادة) ابن
دعامة (من قال نقشه محمد رسول الله وَله قال أنس) قاله.
٨ - باب مَنْ قَعَدَ حيثُ يَنتهي به
المَجْلِسُ، ومَنْ رأىْ فُرْجَةً في الحَلْقةِ فجلسَ فيها
(باب) حكم (من قعد حيث) بالبناء على الضم وموضعه نصب على الظرفية (ينتهي به المجلس
ومن رأى فرجة) بضم الفاء فعلة بمعنى المفعول كالقبضة بمعنى المقبوض (في الحلقة) بإسكان اللام
لا بفتحها على المشهور قال العسكري هي كل مستدير خالي الوسط والجمع حلق بفتح الحاء واللام
(فجلس فيها) أي في الفرجة وفي رواية إليها، وإنما قال في الحلقة دون أن يقول في المجلس ليطابق
لفظ الحديث، وقال في الأوّل به المجلس لأن الحكم فيهما واحد.
٦٦ - هقثنا إسماعيلُ قال: حدَّثني مالكٌ عن إسحقَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ أبي طلحةَ أن أبا مُرَّةَ
مَوْلى عقيلِ بنِ أبي طالبٍ أخبرَهُ عن أبي واقِدِ اللَّيْئِيِّ ((أنَّ رسولَ اللّهِ وَلَهَ بَينما هوَ جالسٌ في
المسجدِ والناسُ معهُ إِذْ أقبَلَ ثلاثةُ نَفَرٍ، فَأقبَلَ اثنانِ إلى رسولِ اللَّهِ وَ﴿وَ وذهبَ واحدٌ. قال: فوقفا
عَلَى رسولِ اللهِ وَ لهَ، فأمّا أحَدُهما فرأى فُرْجَةً في الحَلْقَةِ فجلَسَ فيها، وأمّا الآخَرُ فجلَسَ خَلْفَهُمْ،
وأمّا الثالثُ فأذبَرَ ذاهبًا. فلمّا فَرَغَ رسولُ اللَّهِ وَ ل﴿ قال: ألا أخبركم عن النفر الثلاثة؟ أما أحدهم
فأوى إلى الله تَعَالى فآواه الله إلَيْهِ، وأما الآخر فاستحيا فاستحيا الله منه، وأما الآخر فأعرَضَ
فأعْرَضَ اللَّهُ عنه)). [الحديث ٦٦ - طرفه في: ٤٧٤].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا إسماعيل) بن أبي أويس (قال: حدّثني) بالإفراد (مالك) إمام
الأئمة (عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة) الأنصاري البخاري ابن أخي أنس لأمه التابعي المتوفى
سنة اثنتين وثلاثين ومائة (أن أبا مرة) بضم الميم وتشديد الراء اسمه يزيد (مولى عقيل بن أبي طالب)
بفتح العين (أخبره عن أبي واقد) بالقاف المكسورة والدال المهملة اسمه الحرث بن مالك أو ابن عوف
الصحابي (الليثي) بالمثلثة البدري في قول بعضهم المتوفى بمكة سنة ثمان وستين، وليس له في
البخاري إلا هذا الحديث، وقد صرح أبو مرة في رواية النسائي من طريق يحيى بن أبي كثير عن
إسحق فقال عن أبي مرة أن أبا واقد حدّثه.
(أن رسول الله وَيقول بينما) بزيادة الميم (هو) مبتدأ خبره (جالس) حال كونه (في المسجد) المدني
(والناس معه) جملة حالية (إذ أقبل) جواب بينما (ثلاثة نفر) بالتحريك، ولم يسم واحد من الثلاثة أي
ثلاثة رجال من الطريق فدخلوا المسجد كما في حديث أنس، فإذا ثلاثة نفر مارّين (فأقبل اثنان) منهم
(إلى رسول الله ◌َ ﴿ وذهب واحد. قال: فوقفا على) مجلس (رسول الله وَله) أو على هنا بمعنى عند
قاله في الفتح. وتعقبه صاحب عمدة القاري بأنها لم تجىء بمعناها، وزاد الترمذي والنسائي وأكثر

٢٤٣
كتاب العلم/ باب ٩
رواة الموطأ، فلما وقفا سلما (فأما) بفتح الهمزة وتشديد الميم تفصيلية (أحدهما) بالرفع مبتدأ خبره
(فرأى فرجة) بضم الفاء (في الحلقة فجلس فيها) وأتى بالفاء في قوله فرأى لتضمن أما معنى الشرط
ولابن عساكر فرجة بفتح الفاء وهي والضم لغتان وهي الخلل بين الشيئين قاله النووي فيما نقله في
عمدة القاري، (وأما الآخر) بفتح الخاء أي الثاني (فجلس خلفهم) بالنصب على الظرفية (وأما الثالث
فأدبر) حال كونه (ذاهبًا) أي أدبر مستمرًا في ذهابه ولم يرجع، وإلا فأدبر بمعنى مرّ ذاهبًا (فلما فرغ
رسول الله (*) مما كان مشتغلاً به من تعليم القرآن أو العلم أو الذكر أو الخطبة أو نحو ذلك (قال
ألا) بالتخفيف حرف تنبيه والهمزة يحتمل أن تكون للاستفهام ولا للنفي (أخبركم عن النفر الثلاثة)
فقالوا: أخبرنا عنهم يا رسول الله. فقال: (أما أحدهم فأوى) بقصر الهمزة أي لجأ (إلى الله تعالى) أو
انضم إلى مجلس الرسول وَ لقر (فآواه الله إليه) بالمد أي جازاه بنظير فعله بأن ضمه إلى رحمته ورضوانه
أو يؤويه يوم القيامة إلى ظل عرشه، فنسبة الإيواء إلى الله تعالى مجاز لاستحالته في حقه تعالى، فالمراد
لازمه وهو إرادة إيصال الخير، ويسمى هذا المجاز مجاز المشاكلة والمقابلة. (وأما الآخر) بفتح الخاء
(فاستحيا) أي ترك المزاحمة حياء من الرسول وَ ل# ومن أصحابه وعند الحاكم، ومضى الثاني قليلاً ثم
جاء فجلس. قال في الفتح: فالمعنى أنه استحيا من الذهاب عن المجلس كما فعل رفيقه الثالث،
(فاستحيا الله منه) بأن رحمه ولم يعاقبه فجازاه بمثل ما فعل، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة لأن الحياء
تغير وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يذم به، وهذا محال على الله تعالى فيكون مجازاً عن ترك
العقاب، وحينئذ فهو من قبيل ذكر الملزوم وإرادة اللازم. (وأما الآخر) وهو الثالث (فأعرض) عن
مجلس رسول الله وَله ولم يلتفت إليه بل ولّ مدبرًا (فأعرض الله) تعالى (عنه) أي جازاه بأن سخط
عليه، وهذا أيضًا من قبيل المشاكلة لأن الإعراض هو الالتفات إلى جهة أخرى، وذلك لا يليق
بالباري تعالى فيكون مجازًا عن السخط والغضب، ويحتمل أن هذا كان منافقًا فأطلع الله النبي ◌َّر
على أمره، ورواة هذا الحديث مدنيون وفيه التحديث بالجمع والإفراد والعنعنة والأخبار وتابعي عن
مثله. وأخرجه المؤلف في الصلاة، ومسلم والترمذي في الاستئذان، والنسائي في العلم.
٩ - باب قولِ النبيِّ وَّهِ: ((رُبَّ مُبَلِّغ أوْعى من سامِع))
(باب قول النبي ◌ّ﴿ رب مبلغ) بفتح اللام لا بكسرها إليه عني يكون (أوعى) أي أفهم لما
أقوله (من سامع) مني، وقول مجرور بالإضافة، ورب حرف جر يفيد التقليل لكنه كثر في الاستعمال
للتكثير بحيث غلب حتى صارت كأنها حقيقة فيه وتنفرد عن أحرف الجر بوجوب تصديرها وتنكير
مجرورها ونعته إن كان ظاهرًا وغلبة حذف معداها ومضيه وبزيادتها في الإعراب دون المعنى ومحل
مجرورها رفع على الابتداء نحو قوله: هنا رب مبلغ فإنه وإن كان مجرورًا بالإضافة لكنه مرفوع على
الابتدائية محلاً وخبره يكون المقدّر، وأوعى صفة للمجرور، وأما في نحو: ربّ رجل لقيت فنصب
على المفعولية في نحو: ربّ رجل صالح لقيت فرفع أو نصب.

٢٤٤
كتاب العلم/ باب ٩
٦٧ - حدثنا مُسَدَّدٌ قال: حدَّثَنا بِشْرٌ قال: حدَّثَنا ابنُ عَوْنِ عنِ ابنِ سِيرِينَ عن
عبد الرحمنِ بنِ أبي بَكرَةَ عنْ أبيهِ ذَكَرَ النبيَّ وَ قَعَدَ عَلَى بَعِيرِهِ وأمْسَكَ إنسانٌ بخِطامِه - أو
بزِمامِه - قال: أيُّ يَومِ هذا؟ فسَكَثْنا حتى ظَنْنا أنه سيُسَمِّيهِ سِوى اسْمِهِ. قال: أليسَ الشَّحر؟
قلنا: بَلى. قال: فأيُّ شَهرِ هذا فسَكْتْنا حتى ظَنًا أنه سيُسَمِّيه بغيرِ اسمهِ، فقال أليسَ بذِي الحِجَّة؟
قلنا: بلى. قال: فإنَّ دِماءَكمْ وأمْوالَكم وأعراضَكمْ بَينَكم حَرامٌ كحُرْمةِ يومِكم هذا، في شَهِرِكِمْ
هذا، في بَلَدِكمْ هذا. لِيُبَلْغِ الشاهِدُ الغائبَ، فإنَّ الشاهِدَ عَسى أن يبَلْغَ مَن هُوَ أوْعى لهُ منه.
[الحديث ٦٧ - أطرافه في: ١٠٥، ١٧٤١، ٣١٩٧، ٤٤٠٧، ٤٦٦٢، ٥٥٥٠، ٧٠٧٨، ٧٤٤٧].
وبه قال: (حدّثنا مسدد) هو ابن مسرهده(قال: حدَّثنا بشر) بكسر الموحدة وسكون الشين
المعجمة ابن المفضل بن لاحق الرّقاشي البصري، المتوفى سنة تسع وثمانين ومائة قال: (حدّثنا ابن
عون) بالنون عبد الله بن أرطبان البصري الثقة الفاضل من السادسة، المتوفى سنة إحدى وخمسين
ومائة. وقال ابن حجر: سنة خمسين على الصحيح (عن ابن سيرين) محمد (عن عبد الرحمن بن أبي
بكرة) بن الحرث الثقفي البصري أوّل من ولد في الإسلام بالبصرة سنة أربع عشرة المتوفى سنة تسع
وتسعين (عن أبيه) أبي بكرة نفيع بضم النون وفتح الفاء.
(ذكر) أي أبو بكرة أي أنه كان يحدثهم فذكر (النبي نَّر) وفي رواية ابن عساكر وأبي الوقت
والأصيلي عن أبيه أن النبي بَّر، وفي رواية أبي ذر وأبي الوقت وابن عساكر في نسخة قال: ذكر
بضم أوّله وكسر ثانيه النبي ◌َّل# بالرفع نائب عن الفاعل أي قال أبو بكرة: حال كونه قد ذكر
النبي ◌ِّر، وعند النسائي عن أبي بكرة قال: وذكر النبي وَ لّ قالوا: وللحال؛ ويجوز أن تكون
للعطف على أن يكون المعطوف عليه محذوفًا (قعد) عليه الصلاة والسلام (على بعيره) بمنى يوم النحر
في حجة الوداع، وإنما قعد عليه لحاجته إلى إسماع الناس، فالنهي عن اتخاذ ظهورها منابر محمول
على ما إذا لم تدع الحاجة إليه (وأمسك إنسان بخطامه) بكسر الخاء (أو بزمامه) وهما بمعنى، وإنما
شك الراوي في اللفظ الذي سمعه وهو الخيط الذي تشد فيه الحلقة التي تسمى البرة بضم الموحدة
وتخفيف الراء المفتوحة ثم يشد في طرفه المقود والإنسان الممسك هنا هو أبو بكرة لرواية الإسماعيلي
الحديث بسنده إلى أبي بكرة. قال: خطب رسول الله وَليل على راحلته وأمسكت أنا قال بخطامها أو
زمامها، أو كان الممسك بلالاً لرواية النسائي عن أم الحصين قالت: حججت فرأيت بلالاً يقود
بخطام راحلة النبي 8ّ* أو عمرو بن خارجة لما في السنن من حديثه قال: كنت آخذًا بزمام ناقته
عليه الصلاة والسلام، وفائدة إمساك الزمام صون البعير عن الاضطراب والإزعاج لراكبه ثم (قال)
عليه الصلاة والسلام، وفي رواية أبوي ذر والوقت والأصيلي فقال: (أي يوم هذا) برفع أي والجملة

٢٤٥
كتاب العلم / باب ٩
وقعت مقول القول، (فسكتنا) عطف على قال (حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه قال: أليس) هو
(النحر؟ قلنا) وفي رواية أبي الوقت فقلنا: (بلى) حرف يختص بالنفي ويفيد إبطاله وهو هنا مقول
القول أقيم مقام الجملة التي هي مقول القول (قال) عليه الصلاة والسلام: (فأيّ شهر هذا؟ فسكتنا
حتى ظننا أنه سيسمّيه بغير اسمه. فقال) عليه الصلاة والسلام، ولأبي الوقت وابن عساكر قال:
(أليس بذي الحجة) بكسر الحاء كما في الصحاح، وقال الزركشي: هو المشهور وأباه قوم، وقال
القزاز: الأشهر فيه الفتح (قلنا بلى) وقد سقط من رواية الحموي والمستملي والأصيلي السؤال عن
الشهر، والجواب الذي قبله ولفظهم أي يوم هذا فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه سوى اسمه. قال:
أليس بذي الحجة وتوجيهه ظاهر وهو من إطلاق الكل على البعض، وفي رواية كريمة فأيّ بلد هذا
فسكتنا حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه. قال: أليس بمكة، وفي رواية الكشميهني وكريمة بالسؤال
عن الشهر، والجواب الذي قبله كمسلم وغيره مع السؤال عن البلد والثلاثة ثابتة عند المؤلف في
الأضاحي والحج. (قال) بِالر: (فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرام كحرمة يومكم هذا
في شهركم هذا في بلدكم هذا) أي: فإن سفك دمائكم وأخذ أموالكم وثلب أعراضكم، لأن
الذوات لا تحرم فيه فيقدر لكل ما يناسبه كذا قاله الزركشي والبرماوي والعيني والحافظ ابن حجر،
وفي إطلاقهم هذا اللفظ نظر لأن سفك الدم وأخذ المال وثلب العرض إنما يحرم إذا كان بغير حق،
فالإفصاح به متعين، والأولى كما أفاده في مصابيح الجامع أن يقدر في الثلاثة كلمة واحدة وهي لفظة
انتهاك التي موضوعها تناول الشيء بغير حق كما نص عليه القاضي، فكأنه قال: فإن انتهاك دمائكم
وأموالكم وأعراضكم ولا حاجة إلى تقديره مع كل واحد من الثلاثة لصحة انسحابه على الجميع
وعدم احتياجه إلى التقييد بغير الحقيقة. والأعراض جمع عرض بكسر العين وهو موضع المدح والذم
من الإنسان سواء كان في نفسه أو في سلفه، وشبه الدماء والأموال والأعراض في الحرمة باليوم
والشهر والبلد لاشتهار الحرمة فيها عندهم، وإلاّ فالمشبه إنما يكون دون المشبه به، ولهذا قدّم السؤال
عنها مع شهرتها لأن تحريمها أثبت في نفوسهم، إذ هي عادة سلفهم وتحريم الشرع طارىء، وحينئذ
فإنما شبه الشيء بما هو أعلى منه باعتبار ما هو مقرر عندهم (ليبلغ الشاهد) أي الحاضر في المجلس
(الغائب) عنه ولام ليبلغ مكسورة فعل أمر ظاهره الوجوب وكسرت غينه لالتقاء الساكنين، والمراد
تبليغ القول المذكور أو جميع الأحكام (فإن الشاهد عسى أن يبلغ من) أي الذي (هو أوعى له) أي
للحديث (منه) صلة لأفعل التفضيل وفصل بينهما بله للتوسع في الظرف، كما يفصل بين المضاف
والمضاف إليه كقراءة ابن عامر زين لكثير من المشركين قتل أولادهم شركائهم بضم الزاي ورفع اللام
ونصب الدال وخفض الهمزة، والفاصل غير أجنبي. واستنبط من الحديث أن حامل الحديث يؤخذ
عنه وإن كان جاهلاً بمعناه وهو مأجور بتبليغه محسوب في زمرة أهل العلم. وفي هذا الحديث
التحديث والعنعنة، ورواته كلهم بصريون، وأخرجه المؤلف في الحج والتفسير والفتن وبدء الخلق،
ومسلم في الديّات، والنسائي في الحج والعلم.

٢٤٦
كتاب العلم/ باب ١٠
١٠ - باب العِلمُ قبلَ القولِ والعَملِ،
لِقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أنه لا إلهَ إلاّ اللَّهُ﴾ فبدأ بالعِلم
وأنَّ العُلماءَ همْ وَرَثَةُ الأنبياءِ، وَرَّثوا العِلمَ، مَنْ أَخَذَهُ أخَذَ بِحَظُ وافِرٍ، ومَن سَلَك طَرِيقًا
يَطلُبُ به علمًا سَهَّلَ اللَّهُ له طرِيقًا إلى الجنَّة. وقال جلَّ ذِكرُه: ﴿إنَّما يخشى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ
العُلَماءُ﴾. وقال: ﴿وما يَعقِلُها إلاّ العالِمون﴾. ﴿وقالوا لو كنَّا نَسْمَعُ أو نَعقِلُ ما كُنَّا في أصحابٍ
السَّعِير﴾. وقال: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعلَمون﴾. وقال النبيُّ وَّهِ: ((مَن يُرِدِ اللَّهُ
بِهِ خَيرًا يُفَقِّهْهُ)). وإنّما العِلمُ بالتَّعَلُّم. وقال أبو ذَرَ: لَوْ وَضَعْتُمْ الصَّمْصامةَ على هذِه - وأشارَ إلى
قَفاهُ - ثم ظَنَنتُ أَنِّي أَنْفِذُ كلمةً سَمِعتُها مِنَ النبيِّ وَ لَهَ قبلَ أن تُجيزوا عليَّ لأنْفَذْتُها. وقال ابنُ
عبّاسٍ: كونوا رَبَائِينَ حُلَماءَ فُقَهَاءَ عُلَمَاءَ. ويقال: الرَّانِيُّ الذي يُربِي الناسَ بصِغار العِلمِ قبل كِبارِه.
هذا (باب) بالتنوين وهو ساقط في رواية الأصيلي (العلم قبل القول والعمل) لتقدمه بالذات
عليهما لأنه شرط في صحتهما إذ إنه مصحح للنيّة المصححة للعمل، فنسبه المؤلف على مكانة العلم
خوفًا من أن يسبق إلى الذهن من قولهم لا ينفع العلم إلا بالعمل توهين أمر العلم والتساهل في طلبه
(لقول الله تعالى) وللأصيلي عز وجل (فاعلم) أي يا محمد (أنه لا إله إلاّ الله فبدأ) تعالى (بالعلم) أوّلاً
حيث قال: فاعلم ثم قال: واستغفر إشارة إلى القول والعمل، وهذا وإن كان خطابًا له عليه الصلاة
والسلام فهو يتناول أمته أو الأمر للدوام والثبات كقوله: ﴿يا أيها النبي اتق الله﴾ [الأحزاب: ١] أي
دُم على التقوى، (وأن العلماء هم ورثة الأنبياء) بفتح همزة أن عطفًا على سابقه أو بكسرها على الحكاية
(ورثوا) بتشديد الراء المفتوحة أي الأنبياء أو بالتخفيف مع الكسر أي العلماء ورثوا (العلم من أخذه أخذ)
من ميراث النبوّة (بحظ وافر) أي بنصيب كامل، وهذا كله قطعة من حديث عند أبي داود والترمذي وابن
حبّان والحاكم مصححًا من حديث أبي الدرداء، وضعفه غيرهم بالاضطراب في سنده، لكن له شواهد
يتقوّى بها ومناسبته للترجمة من جهة أن الوارث قائم مقام المورث فله حكمه فيما قام مقامه فيه. (ومن
سلك طريقًا) حال كونه (يطلب به) أي السالك (علمًا سهل الله له طريقًا) أي في الآخرة أو في الدنيا
بأن يوفّقه للأعمال الصالحة الموصلة (إلى الجنة) أو هو بشارة بتسهيل العلم على طالبه لأن طلبه من الطرق
الموصلة إلى الجنة، ونكر علمًا كطريقًا ليندرج فيه القليل والكثير وليتناول أنواع الطرق الموصلة إلى
تحصيل العلوم الدينية. وهذه الجملة أخرجها مسلم من حديث الأعمش عن أبي صالح والترمذي
وقال: حسن، وإنما لم يقل صحيح لتدليس الأعمش، لكن في رواية مسلم عن الأعمش حدّثنا أبو
صالح فانتفت تهمة تدليسه. وفي مسند الفردوس بسنده إلى سعيد بن جبير قال: قال رسول الله وَ لآه
(«ارحموا طالب العلم فإنه متعوب البدن لولا أنه يأخذ بالعجب لصافحته الملائكة معاينة ولكن يأخذ
بالعجب ويريد أن يقهر من هو أعلم منه)). (وقال) الله (جل ذكره) وفي رواية جل وعز: (إنما يخشى
الله) أي يخافه (من عباده العلماء) [فاطر: ٢٨] الذين علموا قدرته وسلطانه، فمن كان أعلم كان
أخشى لله، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: ((أنا أخشاكم لله وأتقاكم له)). (وقال) تعالى: (وما

٢٤٧
كتاب العلم/ باب ١٠
يعقلها) أي الأمثال المضروبة وحسنها وفائدتها (إلا العالمون) [العنكبوت: ٤٣] الذين يعقلون عن الله
فيتدبرون الأشياء على ما ينبغي. وقال تعالى حكاية عن قول الكفار حين دخولهم النار: (وقالوا لو
كنا نسمع) أي كلام الرسل فنقبله جملة من غير بحث وتفتيش اعتمادًا على ما لاح من صدقهم
بالمعجزات (أو نعقل) فنفكر في حكمه ومعانيه تفكر المستبصرين (ما كنا في أصحاب السعير)
[الملك: ١٠] أي في عدادهم وفي جملتهم. (وقال) تعالى (﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين
لا يعلمون﴾) [الزمر: ٩] قال القاضي ناصر الدين رحمه الله تعالى نفي الاستواء الفريقين باعتبار القوة
العلمية بعد نفيها باعتبار القوّة العملية على وجه أبلغ لمزيد فضل العلم، وقيل: تقرير للأوّل على
سبيل التشبيه أي كما لا يستوي العالمون والجاهلون لا يستوي القانتون والعاصون.
(وقال النبي (وَّر) فيما وصله المؤلف بعد بابين (من يرد الله به خيرا يفقهه) في الدين،
وللمستملي يفهمه بالهاء المشددة المكسورة بعدها ميم، وأخرجه بهذا اللفظ ابن أبي عاصم في كتاب
العلم بإسناد حسن والتفقّه هو التفهّم، (وإنما العلم بالتعلم) بضم اللام المشددة على الصواب، وليس
هو من كلام المؤلف، فقد رواه ابن أبي عاصم والطبراني من حديث معاوية مرفوعًا وأبو نعيم
الأصفهاني في رياض المتعلمين من حديث أبي الدرداء مرفوعًا: إنما العلم بالتعلّم وإنما الحلم
بالتحلّم ومن يتحرّ الخير يعطه، وفي بعض النسخ وهو في أصل فرع اليونينية بالتعليم بكسر اللام
وبالمثناة التحتية وفي هامشها بالتعلم بضم اللام قال: وهو الصواب.
(وقال أبو ذر) جندب بن جنادة فيما وصله الدارمي في مسنده وغيره من حديث أبي مرثد لما
قال له رجل والناس مجتمعون عليه عند الجمرة الوسطى يستفتونه: ألم تنه عن الفتيا وكان الذي منعه
عثمان لاختلاف حصل بينه وبين معاوية بالشام في تأويل: ﴿والذين يكنزون الذهب والفضة﴾ [التوبة:
٣٤] فقال معاوية: نزلت في أهل الكتاب خاصة. وقال أبو ذر: نزلت فينا وفيهم، وأدّى
ذلك إلى انتقال أبي ذر عن المدينة إلى الربذة (لو وضعتم الصمصامة) بالمهملتين الأولى مفتوحة أي السيف
الصارم الذي لا ينثني أو الذي له حد واحد (على هذه وأشار إلى قفاه) كذا في فرع اليونينية وفي
غيره إلى القفا وهو مقصور يذكر ويؤنث، (ثم ظننت أني أنفذ) بضم الهمزة وكسر الفاء آخره معجمة
أي أمضي (كلمة سمعتها من النبي وَّه) ولأبوي ذر والوقت وابن عساكر رسول الله (وَ لّ قبل أن
تجيزوا) بضم المثناة الفوقية وكسر الجيم وبعد التحتية زاي الصمصامة (علي) أي على قفاي، والمعنى
قبل أن تقطعوا رأسي (لأنفذتها) بفتح الهمزة والفاء وتسكين الذال المعجمة، وإنما فعل أبو ذر هذا
حرصًا على تعليم العلم طلبًا للثواب وهو يعظم مع حصول المشقة، واستشكل الإتيانُ هنا بلو لأنها
لامتناع الثاني لامتناع الأوّل، وحينئذ فيكون المعنى انتفاء الإنفاذ لانتفاء الوضع وليس المعنى عليه.
وأجيب بأن ((لو)) هنا لمجرد الشرط كان من غير أن يلاحظ الامتناع أو المراد أن الإنفاذ حاصل على
تقدير الوضع، فعلى تقدير عدم الوضع حصوله أولى فهو مثل قوله عليه السلام: نعم العبد صهيب

٢٤٨
كتاب العلم/ باب ١١
لو لم يخف الله لم يعصه، ولأبي الوقت هنا زيادة وهي قول النبي وقّ ليبلغ الشاهد الغائب وتقدم
قريبًا .
(وقال ابن عباس) رضي الله عنهما فيما وصله ابن أبي عاصم والخطيب بإسناد حسن (كونوا
ربانيين) أي (حلماء) جمع حليم باللام (فقهاء) جمع فقيه، وفي رواية حكماء بالكاف جمع حكيم
(علماء) جمع عالم وهذا تفسير ابن عباس. وقال البيضاوي والرباني المنسوب إلى الرب بزيادة الألف
والنون كاللحياني والرقباني وهو الكامل في العلم والعمل. وقال البخاري حكاية عن قول بعضهم.
(ويقال الرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره) أي بجزئيات العلم قبل كلياته أو بفروعه
قبل أصوله أو بوسائله قبل مقاصده، أو ما وضح من مسائله قبل ما دقّ منها. ولم يذكر المؤلف
حديثًا موصولاً، ولعله اكتفى بما ذكره أو غير ذلك من الاحتمالات والله أعلم.
١١ - باب ما كانَ النبيُّ نَّهِ يَتَخَوَّلُهُمْ بِالمَوْعِظَةِ والعِلم كيّ لا يَنْفِروا
(باب ما كان) أي باب كون (النبي ◌َّر يتخوّلهم) بالخاء المعجمة واللام أي يتعهد أصحابه
(بالموعظة) بالنصح والتذكير بالعواقب (والعلم) من عطف العام على الخاص، وإنما عطفه لأنها
منصوصة في الحديث الآتي وذكر العلم استنباطًا (كي لا ينفروا) بفتح المثناة التحتية وكسر الفاء أي
یتباعدوا .
٦٨ - هذّثنا محمدُ بنُ يوسُفَ قال: أخبرنا سُفْيانُ عنِ الأعمشِ عن أبي وائلٍ عنِ ابنِ مَسعودٍ
قال: كان النبيُّ وَ ﴿ يَتَخَوَّلُنا بالْموعِظةِ في الأيّامِ كَراهةَ السَّآَمةِ علينا. [الحديث ٦٨ - طرفاه في:
٧٠، ٦٤١١].
وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدّثنا محمد بن يوسف) بن واقد الفريابي الضبي، المتوفى في
ربيع الأول سنة اثنتي عشرة ومائتين وليس هو محمد بن يوسف البيكندي لأنه إذا أطلق في هذا
الكتاب محمد بن يوسف تعين الأوّل (قال: أخبرنا) وفي رواية ابن عساكر والأصيلي حدّثنا (سفيان)
الثوري (عن الأعمش) سليمان بن مهران (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة الكوفي (عن ابن مسعود)
عبد الله رضي الله عنه أنه (قال):
(كان النبي وَل﴿ يتخوّلنا) بالخاء المعجمة واللام أي يتعهدنا، والمعنى كان يراعي الأوقات في
تذكيره ولا يدخل ذلك في كل يوم أو هي بالمهملة أي يطلب أحوالنا التي ننشط منها للموعظة.
وصوّبها أبو عمرو الشيباني. وعن الأصمعي يتخوّننا بالمعجمة والنون أي يتعهدنا (بالموعظة في الأيام)
فكان يراعي الأوقات في وعظنا فلا يفعله كل يوم (كراهة) بالنصب مفعول له أي لأجل كراهة
(السآمة) أي الملالة من الموعظة (علينا). وفي رواية الأصيلي وأبي ذر عن الحموي كراهية بزيادة مثناة
تحتية وهما لغتان والجار والمجرور متعلق بالسآمة على تضمين السآمة معنى المشقة أي كراهة المشقة

٢٤٩
كتاب العلم/ باب ١٢
علينا، أو بتقدير الصفة أي كراهة السآمة الطارئة علينا، أو الحال أي كراهة السآمة حال كونها طارئة
علينا، أو بمحذوف أي كراهة السآمة شفقة علينا.
٦٩ - هذثنا محمد بن بَشّارٍ قال: حدَّثَنا يحيى بن سَعيدٍ قال: حدَّثَنَا شُعْبةُ قال: حدّثني أبو
التَّاح عن أنسٍ عن النبيِّ نَّهِ قال: ((يَسِّروا ولا تُعَسِّروا، وبَشِّروا ولا تُنَفِّروا)). [الحديث ٦٩ - طرفه
في: ٦١٢٥].
وبه قال: (حدّثنا محمد بن بشار) بفتح الموحدة وتشديد المعجمة ابن داود الملقب ببندار بضم
الموحدة وسكون النون وبالدال المهملة العبدي نسبة إلى عبد مضر بن كلاب البصري، المتوفى في
رجب سنة اثنتين وخمسين ومائتين (قال: حدّثنا يحيى) وفي رواية أبي ذر والأصيلي وأبي الوقت (ابن
سعيد) أي الأحول القطان (قال: حدّثنا شعبة) بن الحجاج (قال: حدّثني) بالإفراد (أبو التياح) بفتح
المثناة الفوقية وتشديد التحتية آخره مهملة يزيد بن حميد بالتصغير الضبعي بضم المعجمة وفتح الموحدة
نسبة إلى ضبعة بن يزيد، المتوفى سنة سبع وعشرين ومائة (عن أنس) أي ابن مالك كما في رواية
الأصيلي (عن النبي وَّة) أنه (قال):
(يسروا) أمر من اليسر نقيض العسر (ولا تعسروا) نهي من عسر تعسيرًا، واستشكل الإتيان
بالثاني بعد الأوّل لأن الأمر بالإتيان بالشيء نهي عن ضده. وأجيب بأنه إنما صرح باللازم للتأكيد
وبأنه لو اقتصر على الأول لصدق على من أتى به مرة وأتى بالثاني غالب أوقاته، فلما قال: ولا
تعسروا انتفى التعسير في كل الأوقات من جميع الوجوه، (وبشروا) أمر من البشارة وهي الإخبار
بالخير نقيض النذارة (ولا تنفروا) نهي من نفر بالتشديد أي بشروا الناس أو المؤمنين بفضل الله وثوابه
وجزيل عطائه وسعة رحمته، ولا تنفروهم بذكر التخويف وأنواع الوعيد لا يقال كان المناسب أن يأتي
بدل ولا تنفروا ولا تنذروا لأنه نقيض التبشير لا التنفير لأنهم قالوا: المقصود من الإنذار التنفير،
فصرّح بما هو المقصود منه ولم يقتصر على أحدهما كما لم يقتصر في الأوّلين لعموم النكرة في سياق
النفي، لأنه لا يلزم من عدم التعسير ثبوت التيسير، ولا من عدم التنفير ثبوت التبشير، فجمع بين
هذه الألفاظ لثبوت هذه المعاني لا سيما والمقام مقام إطناب، وفي قوله: بشروا بعد يسروا الجناس
الخطي.
١٢ - باب مَنْ جَعَلَ لأهلِ العِلم أَيَّامًا مَعلومةً
هذا (باب من جعل لأهل العلم أيامًا معلومة) بالجمع في الأول والإفراد في الثاني أو بالجمع
فيهما أو بالإفراد فيهما، فالأوّل لكريمة، والثاني للكشميهني، والثالث لغيرهما، وباب خبر مبتدأ
محذوف ومضاف لتاليه.

٢٥٠
كتاب العلم/ باب ١٣
٧٠ - حدثنا عثمانُ بنُ أبي شَيْبةَ قال: حدَّثَنا جَرِيرٌ عن مَنْصورٍ عن أبي وائل قال: كان
عبدُ اللَّهِ يُذَكِّرُ الناسَ في كلِّ خَمِيسٍ، فقال له رجُل: يا أبا عبدِ الرحمنِ لَوَدِدْتُ أَنَّكَ ذَكرْتَنا كلَّ
يَوْم. قال: أما إنّهُ يَمْنَعُنِي مِنْ ذُلكَ أَنِّي أَكْرَهُ أنْ أُمِلَّكُمْ، وإنِّي أَتَخوَّلُكُمْ بِالمَوْعِظةِ كما كانَ النبيُّ ◌َه
يَتَخَوَّلُنا بها مَخافَةَ السَّمَةِ علينا.
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا عثمان بن أبي شيبة) هو عثمان بن محمد بن إبراهيم بن أبي
شيبة بن عثمان بن خواستي بضم الخاء المعجمة وبعد الألف سين مهملة ساكنة ثم مثناة فوقية
العبسي الكوفي، المتوفى لثلاث بقين من المحرم سنة تسع وثلاثين ومائتين (قال: حدّثنا جرير) هو ابن
عبد الحميد بن قرط العبسي الكوفي، المتوفى في سنة ثمان أو سبع وثمانين ومائة (عن منصور) هو
ابن المعتمر بن عبد الله المتوفى سنة ثلاث أو اثنتين وثلاثين ومائة (عن أبي وائل) شقيق بن سلمة أنه
(قال) :
(كان عبد الله) بن مسعود رضي الله عنه (يذكر الناس في كل خميس فقال له) أي لابن مسعود
(رجل). قال في فتح الباري: يشبه أن يكون هو يزيد بن عبد الله النخعي (يا أبا عبد الرحمن) وهو
كنية ابن مسعود (لوددت) أي والله لأحببت (أنك) بفتح الهمزة مفعول سابقه (ذكرتنا) بتشديد الكاف
(كل) أي في كل (يوم). قاله استحلاء للذكر لما وجد من بركته ونوره. (قال) عبد الله: (أما) بفتح
الهمزة وتخفيف الميم حرف تنبيه عند الكرماني واستفتاح بمنزلة ألا أو بمعنى حقًّا عند غيره (إنه)
بكسر الهمزة أو بفتحها على قول إن أما بمعنى حقًّا والضمير للشأن (يمنعني من ذلك أني) بفتح
الهمزة فاعل يمنعني (أكره أن أَملكم) بضم الهمزة وكسر الميم وتشديد اللام المفتوحة أي أكره
إملالكم وضجركم (وإني) بكسر الهمزة (أتخولكم) بالخاء المعجمة أي أتعهدكم (بالموعظة كما كان
النبي ◌َّي* يتخوّلنا بها) أي بالموعظة في مظان القبول ولا يكثر (مخافة السآمة علينا) إما أن يتعلق
بالمخافة أو بالسآمة. وزعم بعضهم أن الصواب يتحولنا بالحاء المهملة، لكن الروايات الصحيحة
بالخاء المعجمة .
١٣ - باب مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيرًا يُفَقهْهُ في الدِّين
هذا (باب) بالتنوين (من) أي الذي (يرد الله به خيرًا) بالنصب مفعول يرد المجزوم لأنه فعل
الشرط إذ الموصول متضمن معنى الشرط وكسر لالتقاء الساكنين وجواب الشرط (يفقهه) فالهاء
ساكنة، وفي رواية للكشميهني زيادة (في الدين) وهي ساقطة عند الباقين، والفقه في الأصل الفهم
يقال: فقه الرجل بالكسر يفقه فقهًا إذا فهم وعلم، وفقه بالضم إذا صار فقيهًا عالمًا وجعله العرف
خاصًّا بعلم الشريعة ومخصصًا بعلم الفروع وإنما خصّ علم الشريعة بالفقه لأنه علم مستنبط
بالقوانين والأدلة والأقيسة والنظر الدقيق بخلاف علم اللغة والنحو وغيرهما .

٢٥١
كتاب العلم/ باب ١٣
روي: أن سليمان نزل على نبطية بالعراق فقال لها: هل هنا مكان نظيف أصلي فيه؟ فقالت :
طهّر قلبك وصلٌ حيث شئت. فقال: فقهت وفطنت الحق، ولو قال: علمت لم يقع هذا الموقع،
ومفهومه أن من لم يتفقه في الدين فقد حرم الخير.
٧١ - حدثنا سَعيدُ بنُ عُفَيرِ قال: حدَّثَنا ابنُ وَهْبٍ عن يونُسَ عنِ ابنِ شِهابٍ قال: قال
◌ُمَيدُ بنُ عبدِ الرحمَنِ سَمِعْتُ مُعاوِيةَ خَطِيبًا يقول: سَمِعْتُ النبيِّ وَّهِ يقول: ((مَنْ يُرِدِ اللَّهُ به خَيرًا
يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ. وإنَّما أنا قاسِمٌ، واللَّهُ يُعطِي. ولنْ تزالَ هذهِ الأمّةُ قائِمةٌ على أمْرِ اللَّهِ لا يَضُرُّهمْ
مَنْ خالَفَهُم حتى يأتيَ أمرُ اللَّه)). [الحديث ٧١ - أطرافه في: ٣٣١٦، ٣٦٤١، ٧٣١٢، ٧٤٦٠].
وبالسند السابق إلى المؤلف قال: (حدثنا سعيد بن عفير) بضم العين المهملة وفتح الفاء
وسكون المثناة التحتية آخره راء المصري واسم أبيه كثير بمثلثة، وإنما نسبه المؤلف لجده لشهرته به،
المتوفى سنة ست وعشرين ومائتين (قال: حدّثنا ابن وهب) بسكون الهاء واسمه عبد الله بن مسلم
القرشي المصري الفهري الذي لم يكتب الإمام مالك لأحد الفقه إلا له فيما قيل؛ المتوفى بمصر سنة
سبع وتسعين ومائة لأربع بقين من شعبان (عن يونس) بن يزيد الأيلي (عن ابن شهاب) الزهري
(قال: قال حميد بن عبد الرحمن) بن عوف وحاء حميد مضمومة، وفي نسخة حدّثني بالإفراد
حميد بن عبد الرحمن قال: (سمعت معاوية) بن أبي سفيان صخر بن حرب كاتب الوحي لرسول
الله وَلهذا المناقب الجمة، المتوفى في رجب سنة ستين وله من العمر ثمان وسبعون سنة، وله في
البخاري ثمانية أحاديث أي سمعت قوله حال كونه (خطيبًا) حال كونه (يقول سمعت النبي) وفي
رواية الأصيلي: سمعت رسول الله (َ﴾﴾ أي كلامه حال كونه (يقول):
(من يرد الله) عز وجل بضم المثناة التحتية وكسر الراء من الإرادة وهي صفة مخصصة لأحد
طرفي الممكن المقدر بالوقوع (به خيرًا) أي جميع الخيرات أو خيرًا عظيمًا (يفقهه) أي يجعله فقيهًا (في
الدين) والفقه لغة الفهم والحمل عليه هنا أولى من الاصطلاحي ليعم فهم كل من علوم الدين، ومن
موصول فيه معنى الشرط كما مرّ، ونكر خيرًا ليفيد التعميم لأن النكرة في سياق الشرط كهي في
سياق النفي أو التنكير للتعظيم إذ إن المقام يقتضيه، ولذا قدر كما مرّ بجميع وعظيم (وإنما أنا قاسم)
أي أقسم بينكم تبليغ الوحي من غير تخصيص (والله يعطي) كل واحد منكم من الفهم على قدر ما
تعلقت به إرادته تعالى، فالتفاوت في أفهامكم منه سبحانه، وقد كان بعض الصحابة يسمع الحديث
فلا يفهم منه إلا الظاهر الجلي ويسمعه آخر منهم أو من القرن الذي يليهم أو تمن أتى بعدهم فيستنبط
منه مسائل كثيرة ﴿وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء﴾ [الجمعة: ٤].
وقال الطيبي: الواو في قوله: وإنما أنا قاسم للحال من فاعل يفقهه أو من مفعوله، فعلى
الثاني فالمعنى أن الله تعالى يعطي كلاًّ ممن أراد أن يفقهه استعدادًا لدرك المعاني على قدره له، ثم

٢٥٢
كتاب العلم/ باب ١٤
يلهمني بإلقاء ما هو لائق باستعداد كل واحد، وعلى الأوّل فالمعنى أني ألقي على ما يسنح لي وأسوّي
فيه ولا أرجح بعضهم على بعض، والله يوفق كلاًّ منهم على ما أراد وشاء من العطاء انتهى.
وقال غيره: المراد القسم المالي، لكن سياق الكلام يدل على الأوّل إذ إنه أخبر من أراد به خيرًا
يفقهه في الدين، وظاهره يدل على الثاني لأن القسمة حقيقية في الأموال. نعم يتوجه السؤال عن
وجه المناسبة بين اللاحق والسابق، وقد يجاب بأن مورد الحديث كان عند قسمة مال وخصص عليه
الصلاة والسلام بعضهم بزيادة لمقتض اقتضاه فتعرض بعض من خفي عليه الحكمة، فرد عليه واله
بقوله: ((من يرد الله به خيرًا)) الخ أي من أراد الله به الخير يزيد له في فهمه في أمور الشرع فلا
يتعرض لأمر ليس على وفق خاطره إذ الأمر كله لله وهو الذي يعطي ويمنع ويزيد وينقص،
والنبي بَّه قاسم بأمر الله ليس بمعطٍ حتى ينسب إليه الزيادة والنقصان، واستشكل الحصر بإنما مع
أنه عليه الصلاة والسلام له صفات أخرى سوى قاسم. وأجيب بأن هذا ورد ردًا على من اعتقد أنه
عليه الصلاة والسلام يعطي ويقسم فلا ينفي إلا ما اعتقده السامع لا كل صفة من الصفات وفيه
حذف المفعول.
(ولن تزال هذه الأمة قائمة) بالنصب خبر تزال (على أمر الله) على الدين الحق (لا يضرهم من)
أي الذي (خالفهم حتى يأتي أمر الله). وحتى غاية لقوله لن تزال، واستشكل بأن ما بعد الغاية
مخالف لما قبلها إذ يلزم منه أن لا تكون هذه الأمة يوم القيامة على الحق. وأجيب: بأن المراد من
قوله: أمر الله التكاليف وهي معدومة فيها، أو المراد بالغاية هنا تأكيد التأبيد على حدّ قوله تعالى:
﴿ما دامت السماوات والأرض﴾ [هود: ١٠٨] أو هو غاية كقوله: لا يضرهم لأنه أقرب، ويكون
المعنى حتى يأتي بلاء الله فيضرهم حينئذ فيكون ما بعدها مخالفًا لما قبلها.
١٤ - باب الفَهْم في العِلم
(باب الفهم) بإسكان الهاء وفتحها لغتان (في العلم) أي المعلوم أي إدراك المعلومات، وإلا
فالفهم نفس العلم كما فسّره به الجوهري. كذا قاله الحافظ ابن حجر والبرماوي تبعًا للكرماني،
وعورض بأن العلم عبارة عن الإدراك الجلي، والفهم جودة الذهن، والذهن قوّة تقتنص بها الصور
والمعاني وتشمل الإدراكات العقلية والحسية. وقال الليث: يقال فهمت الشيء إذا عقلته وعرفته،
ويقال: فهم بتسكين الهاء وفتحها وهذا قد فسر الفهم بالمعرفة وهو عين العلم.
٧٢ - حدثنا عليَّ حدَّثَنَا سُفيانُ قال: قال لي ابنُ أبي نُجَيْحِ عن مُجاهِدٍ قال: صَحِبْتُ ابنَ
عُمَرَ إلى المَدِينةِ فلم أسْمَعْهُ يُحدِّثُ عن رسولِ اللَّهِ وَهِ إلاّ حَدِيثًا واحِدًا قال: كُنّا عندَ النبيّ ◌َّه
فَأَتِي بِجُمّارٍ فقال: ((إنَّ منَ الشَّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُها كمَثَلِ المُسْلم. فأردتُ أنْ أقولَ هيَ النَّخلةُ، فإذا أنا
أصغَرُ القومِ فِسَكتُ. قال النبيُّ بِّهِ: هيَ النَّخلةُ)).

٢٥٣
كتاب العلم/ باب ١٥
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدّثنا علي) وفي رواية أبي ذر بن عبد الله أي المديني أعلم أهل
زمانه بهذا الشأن، المتوفى فيما قاله المؤلف لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة أربع وثلاثين ومائتين قال:
(حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال، قال لي ابن أبي نجيح) بفتح النون هو عبد الله واسم أبيه يسار
القدري الموثق من أبي زرعة المتوفى سنة إحدى وثلاثين ومائة. وفي مسند الحميدي عن سفيان حدّثني
ابن أبي نجيح (عن مجاهد) أي ابن جبر بفتح الجيم وسكون الموحدة وقيل جبير مصغر المخزومي
الإمام المتفق على جلالته وتوثيقه، المتوفى سنة مائة وليس له في هذا الكتاب إلا هذا (قال: صحبت
ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما (إلى المدينة) النبوية (فلم أسمعه) حال كونه (يحدّث عن رسول
الله وَالٍ إلا حديثًا واحدًا قال):
(كنا) ولغير أبي الوقت واحدًا كنا (عند النبي (وَلي فأتي) بضم الهمزة (بجمار) بضم الجيم
وتشديد الميم وهو شحم النخيل (فقال) وَالجر: (إن من الشجر شجرة مثلها كمثل) بفتح الميم والمثلثة
فيهما أي صفتها العجيبة كصفة (المسلم) قال ابن عمر: (فأردت أن أقول) في جواب قول
الرسول * حدّثوني ما هي كما صرّح به في غير هذا الرواية (هي النخلة، فإذا أنا أصغر القوم
فسكت) تعظيمًا للأكابر (قال) وفي رواية أبي الوقت وابن عساكر فقال (النبي ◌َّر: هي النخلة).
فإن قلت: ما وجه مناسبة الحديث للترجمة؟ أجيب: من كون ابن عمر لما ذكر النبي وَلّ المسألة
عند إحضار الجمار إليه فهم أن المسؤول عنه النخلة بقرينة الإتيان بجمارها.
١٥ - باب الاغْتِباطِ في العِلم والحِكمةِ
قال عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَفَقَّهوا قبلَ أن تَسُودوا. قال أبو عبدِ اللَّهِ: وبعد أن تَسودوا. وقد
تَعلَّمَ أصحابُ النبيِّ نَّهِ فِي كِبَرِ سِنْهمْ.
هذا (باب الاغتباط في العلم والحكمة) من باب العطف التفسيري، أو من باب عطف الخاص
على العام. والاغتباط بالغين المعجمة افتعال من الغبطة وهي تمنّ مثل ما للمغبوط من غير زواله عنه
بخلاف الحسد فإنه مع تمني الزوال عنه. (قال عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) فيما رواه ابن
عبد البر بسند صحيح من حديث ابن سيرين عن الأحنف عنه (تفقهوا قبل أن تسوّدوا) بضم المثناة
الفوقية وتشديد الواو أي تصيروا سادة من ساد قومه يسودهم سيادة. قال أبو عبيدة أي تفقهوا وأنتم
صغار قبل أن تصيروا سادة فتمنعكم الأنفة عن الأخذ عمن هو دونكم فتبقوا جهالاً، ولا وجه لمن
خصّه بالتزوّج لأن السيادة أعم لأنها قد تكون به وبغيره من الأشياء الشاغلة، ولا يخفى تكلف من
جعله من السواد في اللحية فيكون أمر الشباب بالتفقه قبل أن تسودّ لحيته، والكهل قبل أن تتحوّل
لحيته من السواد إلى الشيب، وزاد الكشميهني في روايته (قال أبو عبد الله) أي المؤلف وفي نسخة
وقال محمد بن إسماعيل: (وبعد أن تسوّدوا) وإنما عقب المؤلف السابق بهذا اللاحق ليبين أن لا

٢٥٤
كتاب العلم/ باب ١٥
مفهوم له خوف أن يفهم منه أن السيادة مانعة من التفقه، وإنما أراد عمر رضي الله عنه أنه قد يكون
سببًا للمنع لأن الرئيس قد يمنعه الكبر والاحتشام أن يجلس مجلس المتعلمين. (وقد تعلم أصحاب
النبي ◌َّ في كبر سنّهم) أورده تأكيدًا للسابق، وليس قول عمر رضي الله عنه هنا من تمام الترجمة،
نعم قال البرماوي وغير تبعًا للكرماني إلا أن يقال الاغتباط في الحكمة على القضاء لا يكون إلا قبل
كون الغابط قاضيًا. قالوا: ويؤوّل حينئذ بمصدر، والتقدير باب الاغتباط وقول عمر انتهى. وتعقب
بأنه كيف يؤوّل الماضي بالمصدر وتأويل الفعل بالمصدر لا يكون إلا بوجود أن المصدرية .
٧٣ - حدّثنا الحُميدي قال: حدَّثَنَا سُفيان قال: حدَّثني إسماعيلُ بنُ أبي خالدٍ - على غيرِ ما
حدَّثنَاهُ الزُّهريُّ - قال: سَمعتُ قَيسَ بنَ أبي حازم قال: سمعتُ عبدَ اللَّهِ بنَ مَسعودٍ قال: قال
النبيُّ نَّهِ: ((لا حَسَدَ إلاّ في اثنتين: رجلٌ آتاهُ اللَّهُ مَالاً فسُلْطَ علىْ هَلَكَتِهِ في الحقِّ، ورَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ
الحكمةَ فهُوَ يَقْضي بها ويُعَلِّمُها)). [الحديث ٧٣ - أطرافه في: ١٤٠٩، ٧١٤١، ٧٣١٦].
وبه قال: (حدّثنا الحميدي) أبو بكر عبد الله بن الزبير بن عيسى المكي، المتوفى سنة تسع
عشرة ومائتين (قال: حدّثنا سفيان) بن عيينة (قال: حدّثني) بالإفراد وفي رواية أبوي ذر والوقت
حدّثنا (إسماعيل بن أبي خالد على غير ما) أي على غير اللفظ الذي (حدّثناه الزهري) محمد بن
مسلم بن شهاب المسوق روايته عند المؤلف في التوحيد، والحاصل أن ابن عيينة روى الحديث عن
إسماعيل بن أبي خالد وساق لفظه هنا، وعن الزهري وساق لفظه في التوحيد، وسيأتي ما بين
الروايتين من التخالف في اللفظ إن شاء الله تعالى. (قال) أي إسماعيل بن أبي خالد (سمعت
قيس بن أبي حازم) بالحاء المهملة والزاي (قال: سمعت عبد الله بن مسعود) رضي الله عنه أي كلامه
حال كونه (قال: قال النبي ◌َّ).
(لا حسد) جائز في شيء (إلا في) شأن (اثنتين) بتاء التأنيث أي خصلتين، وللمؤلف في
الاعتصام اثنين بغير تاء أي في شيئين (رجل) بالرفع بتقدير إحدى الاثنتين خصلة رجل، فلما حذف
المضاف اكتسب المضاف إليه إعرابه والجر بدل من اثنين، وأما على رواية تاء التأنيث فبدل أيضًا على
تقدير حذف المضاف أي خصلة رجل لأن الاثنتين معناه كما مرّ خصلتان والنصب بتقدير أعني وهو
رواية ابن ماجة (آتاه الله) بمدّ الهمزة كاللاحقة أي أعطاه (مالاً فسلّط) بضم السين مع حذف الهاء
وهي لأبي ذر وعبر بسلط ليدل على قهر النفس المجبولة على الشح، ولغير أبي ذر فسلطه (على هلكته)
بفتح اللام والكاف أي إهلاكه بأن أفناه كله (في الحق) لا في التبذير ووجوه المكاره. (ورجل)
بالحركات الثلاث كما مرّ (آتاه الله الحكمة) القرآن أو كل ما منع من الجهل وزجر عن القبيح (فهو
يقضي بها) بين الناس (ويعلمها) لهم وأطلق الحسد وأراد به الغبطة وحينئذ فهو من باب إطلاق
المسبب على السبب، ويؤيده ما عند المؤلف في فضائل القرآن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه
باللفظ فقال: ليتني أوتيت مثل ما أوتي فلان فعملت بمثل ما يعمل، فلم يتمنّ السلب بل أن يكون

٢٥٥"
كتاب العلم/ باب ١٦
مثله أو الحسد على حقيقته، وخصّ منه المستثنى لإباحته كما خصّ نوع من الكذب بالرخصة، وإن
كانت جملته محظورة فالمعنى هنا لا إباحة في شيء من الحسد إلا فيما كان هذا سبيله أي لا حسد
محمود إلا في هذين، فالاستثناء على الأوّل من غير الجنس، وعلى الثاني منه كذا قرره الزركشي
والبرماوي والكرماني والعيني. وتعقبه البدر الدماميني بأن الاستثناء متصل على الأوّل قطعًا، وأما
على الثاني فإنه يلزم على إباحة الحسد في الاثنتين كما صرح به، والحسد الحقيقي وهو كما تقرر تمنّي
زوال نعمة المحسود عنه وصيرورتها إلى الحاسد لا يباح أصلاً، فكيف يباح تمنّ زوال نعمة الله تعالى
عن المسلمين القائمين بحق الله فيها؟ انتهى.
١٦ - باب ما ذُكِرَ في ذَهابٍ مُوسىٌ رَِّ في البحرِ
إلى الخضِرِ وقولهِ تعالى: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ على أنْ تُعَلَّمَني﴾ الآية
(باب ما ذكر في ذهاب موسى) بن عمران زاد الأصيلي (مَ ل#$) المتوفى وعمره مائة وستون سنة
فيما قاله الفربري في التيه في سابع آذار لمضي ألف سنة وستمائة وعشرين سنة من الطوفان (في
البحر إلى الخضر) عليهما السلام بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين، وقد تسكن الضاد مع كسر الخاء
وفتحها، وكنيته أبو العباس. واختلف في اسمه كأبيه وهل هو نبي أو رسول أو ملك؟ وهل هو
حيّ أو ميت؟ فقال ابن قتيبة: اسمه بليا بفتح الموحدة وسكون اللام وبمثناة تحتية ابن ملكان بفتح
اليم وسكون اللام، وقيل: إنه ابن فرعون صاحب موسى وهو غريب جدًّا، وقيل: ابن مالك وهو
أخو إلياس، وقيل ابن آدم لصلبه رواه ابن عساكر بإسناده إلى الدار قطني. والصحيح أنه نبي معمر
محجوب عن الأبصار وأنه باقٍ إلى يوم القيامة لشربه من ماء الحياة وعليه الجماهير واتفاق الصوفية
وإجماع كثير من الصالحين، وأنكر جماعة حياته منهم: المؤلف وابن المبارك والحربي وابن الجوزي،
ويأتي ما في ذلك من المباحث إن شاء الله تعالى، وظاهر التبويب أن موسى عليه الصلاة والسلام
ركب البحر لما توجه في طلب الخضر واستشكل فإن الثابت عند المصنف وغيره أنه إنما ذهب في
البر وركب البحر في السفينة مع الخضر بعد اجتماعهما. وأجيب: بأن مقصود الذهاب إنما حصل
بتمام القصة، ومن تمامها أنه ركب مع الخضر البحر فأطلق على جميعها ذهابًا مجازًا من إطلاق اسم
الكل على البعض، أو من قبيل تسمية السبب باسم ما تسبب عنه. وعند عبد بن حميد عن أبي العالية
أن موسى التقى بالخضر في جزيرة من جزائر البحر، ولا ريب أن التوصل إلى جزيرة البحر لا يقع
إلا بسلوك البحر غالبًا، وعنده من طريق الربيع بن أنس قال: انجاب الماء عن مسلك الحوت فصار
طاقة مفتوحة فدخلها موسى على إثر الحوت حتى انتهى إلى الخضر، فهذا يوضح أنه ركب البحر
إليه، وهذان الأثران الموقوفان رجالهما ثقات.
(و) باب (قوله تعالى ﴿هل أتبعك على أن تعلّمني﴾) أي على شرط أن تعلمني وهو في موضع.
الحال من الكاف (الآية) بالنصب بتقدير، فذكر على المفعولية وزاد الأصيلي في روايته باقي الآية وهو

٢٥٦
كتاب العلم/ باب ١٦
قوله: ﴿مما علمت رشدًا﴾ [الكهف: ٦٦] أي علمًا ذا رشد وهو إصابة الخير، وقرأ يعقوب وأبو
عمرو والحسن واليزيدي بفتح الراء والشين والباقون بضم الراء وسكون الشين، وهما لغتان كالبخل
والبخل وهو مفعول تعلمني ومفعول علمت العائد محذوف، وكلاهما منقول من علم الذي له مفعول
واحد، ويجوز أن يكون علة لأتبعك أو مصدرًا بإضمار فعله، ولا ينافي نبوّته وكونه صاحب شريعة
أن يتعلم من غيره ما لم يكن شرطًا في أبواب الدين، فإن الرسول ينبغي أن يكون أعلم ممن أرسل
إليه فيما بعث به من أصول الدين وفروعه لا مطلقًا، وكأنه راعى في ذلك غاية الأدب والتواضع
فاستجهل نفسه واستأذن أن يكون تابعًا له وسأل منه أن يرشده وينعم عليه بتعليم بعض ما أنعم الله
عليه قاله البيضاوي.
٧٤ - حدثني محمدُ بن غُرَيرِ الزُّهْريَّ قال: حَدَّثَنَا يَعقوبُ بنُ إبراهيمَ قال: حدَّثَني أبي عنْ
صالح عنِ ابنِ شِهابٍ حَدَّثَ أنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بنَ عبدِ اللَّهِ أخبرَهُ عنِ ابنِ عبّاسِ أَنَّهُ تَمارَى هُوَ والحُرُّ بِنُ قَيْسٍ
ابْنِ حِصْنِ الفزارِيُّ في صاحبٍ موسى، فَقَالَ ابنُ عبّاسٍ: هو خَضِرٌ. فمرَّ بِهما أُبِيُّ بنُ كَعْبٍ فَدَعاهُ ابنُ
عبّاسٍ فقال: إنِّي تَمارَيتُ أنا وصاحِبي هذا في صاحبٍ موسى الذي سَألَ موسى السَّبيلَ إلى لُقِيْهِ، هلْ
سمعتَ النبيّ پ﴿ يَذْكرُ شَأْنَه؟ قال: نعم، سمعت رسول الله پ يَذْكُر شَأْنَهُ يقول: «بينما موسی في ملأ
من بني إسرائيل إذ جاءه رجل فقال: هل تعلم أحَدًا أعْلَمَ منكَ؟ قال موسى: لا، فأوحى اللَّهُ إلى
موسى: بَلَى عَبدُنا خَضِرٌ. فسألَ موسى السَّبيلَ إليهِ، فجعلَ اللَّهُ له الحُوتَ آيَةً، وقِيلَ له: إذا فَقَدْتَ
الحوثَ فارجعْ فإنَّك سَتَلْقاهُ. وكانَ يَتَّبِعُ أثَرَ الحوتِ في البحرِ. فقال لموسى فَتَاهُ: أَرَأيْتَ إذْ أوَينا إلى
الصَّخْرةِ فإنّي نسيتُ الحوتَ، وما أنسانِيهِ إلاّ الشيطانُ أنْ أذْكُرَه. قال: ذلكَ ما كنّا نَبْغي. فازْتَدّا على
آثارِهِما قَصصًا، فَوَجَدا خَضِرًا، فكانَ مِنْ شأنِهما الذي قَصَّ اللَّهُ عزَّ وجلَّ في كتابهِ)). [الحديث ٧٤ .
أطرافه في: ٧٨، ١٢٢، ٢٢٦٧، ٢٧٢٨، ٣٢٧٨، ٣٤٠٠، ٣٤٠١، ٤٧٢٥، ٤٧٢٦، ٤٧٢٧،
٦٦٧٢، ٧٤٧٨].
وبالسند إلى المؤلف قال (حدّثني) بالإفراد وللأصيلي وابن عساكر حدّثنا (محمد بن غرير) بغين
معجمة مضمومة وراء مكررة الأولى منهما مفتوحة بينهما مثناة تحتية ساكنة ابن الوليد القرشي
(الزهري) المدني نزيل سمرقند (قال: حدّثنا يعقوب بن إبراهيم) بن سعد القرشي المدني الزهري
سكن بغداد وتوفي بها في شوّال سنة ثمان ومائتين (قال: حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي وابن عساكر
حدّثنا (أبي) إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (عن صالح) أي ابن كيسان بفتح
الكاف المدني التابعي، المتوفى وهو ابن مائة سنة ونيف وستين سنة (عن ابن شهاب) الزهري أنه
(حدث) وفي رواية الحموي والمستملي حدّثه (أن عبيد الله) بالتصغير (ابن عبد الله) بالتكبير ابن عتبة
أحد الفقهاء السبعة (أخبره عن ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهما.

٢٥٧
كتاب العلم/ باب ١٦
(أنه تمارى) أي تجادل وتنازع (هو) أي ابن عباس (والحرّ) بضم الحاء المهملة وتشديد الراء (ابن
قيس) بفتح القاف وسكون المثناة التحتية آخره مهملة (ابن حصن) بكسر الحاء وسكون الصاد
المهملتين الصحابي (الفزاري) بفتح الفاء والزاي ثم الراء نسبة إلى فزارة بن شيبان (في صاحب
موسى) عليه الصلاة والسلام هل هو خضر أم غيره (فقال ابن عباس) رضي الله عنهما: (هو خضر)
بفتح أوّله وكسر ثانيه أو يكسر أوّله وإسكان ثانيه، ولم يذكر مقالة الحرّ بن قيس، قال الحافظ ابن
حجر: ولا وقفت على ذلك في شيء من طرق هذا الحديث. (فمرّ بهما) أي بابن عباس والحرّ بن
قيس (أُبيّ بن كعب) هو ابن المنذر الأنصاري المتوفى سنة تسع عشرة أو عشرين أو ثلاثين (فدعاه)
أي ناداه (ابن عباس) رضي الله عنهما وفسره السفاقسي فيما نقله عنه الزركشي وغيره بقيامه إليه أي
ثم سأله، وعلّل بأن ابن عباس كان آدب من أن يدعو أُبيًّا مع جلالته انتهى. وليس في دعائه أن
يجلس عندهم لفصل الخصومة ما يخل بالأدب، وقد روي فمر بهما أَّ بن كعب فدعاه ابن عباس
فقال: يا أبا الطفيل هلمّ إلينا فهو صريح في المراد (فقال: إني تماريت) أي اختلفت (أنا وصاحبي
هذا) الحرّ بن قيس (في صاحب موسى الذي سأل موسى) وللأصيلي زيادة بَّر (السبيل إلى لقيه)
بلام مضمومة فقاف مكسورة فمثناة تحتية مشدّدة (هل سمعت النبي (وَل#) حال كونه (يذكر شأنه.
قال) أُتّ (نعم سمعت رسول الله) وفي رواية ابن عساكر النبي (مَ*) زاد في رواية (يذكر شأنه) حال
كونه (يقول بينما) بالميم (موسى) عليه الصلاة والسلام (في ملأ) بالقصر أي في جماعة أو أشراف
(من بني إسرائيل) وهم أولاد يعقوب عليه السلام، وكان أولاده اثني عشر وهم الأسباط وجميع بني
إسرائيل منهم (جاءه رجل) جواب بينما والفصيح في جوابه كما تقرر ترك إذ وإذا نعم ثبتت إذ في
رواية أبي ذر كما في فرع اليونينية كهي. قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على تسمية الرجل (فقال:
هل تعلم أحدًا أعلم منك) بنصب أعلم صفة لأحدًا؟ (قال) وفي رواية الأصيلي فقال (موسى لا)
أعلم أحدًا أعلم مني، وفي التفسير فسئل أيّ الناس أعلم؟ فقال: أنا فعتب الله عليه أي تنبيهًا له
وتعليمًا لمن بعده، ولئلا يقتدي به غيره في تزكية نفسه فيهلك، ولا ريب أن في هذه القصة أبلغ ردّ
على من في هذا العصر حيث فاه بقوله: أنا أعلم خلق الله، وإنما ألجىء موسى للخضر للتأديب لا
للتعليم فافهم. (فأوحى الله) زاد الأصيلي: عز وچل (إلى موسى بلى) بفتح اللام وألف كعلى (عبدنا
خضر) أعلم منك بما أعلمته من الغيوب وحوادث القدرة مما لا تعلم الأنبياء منه إلا ما أعلموا به
كما قال سيدهم وصفوتهم صلوات الله وسلامه عليه وعليهم في هذا المقام: ((إني لا أعلم إلا ما
علمني ربي)) وإلاّ فلا ريب أن موسى عليه الصلاة والسلام أعلم بوظائف النبوّة وأمور الشريعة
وسياسة الأمة. وفي رواية الكشميهني بل بإسكان اللام والتقدير، فأوحى الله إليه لا تطلق النفي بل
قل خضر، لكن استشكل على هذه الرواية قوله عبدنا إذ إن المقام يقتضي أن يقول عبد الله أو عبدك،
وأجيب: بأنه ورد على سبيل الحكاية عن الله تعالى، وأضافه تعالى إليه للتعظيم، (فسأل موسى)
عليه الصلاة والسلام (السبيل إليه) أي إلى الخضر فقال: اللّهمَّ ادللني عليه (فجعل الله له) أي لأجله
(الحوت آية) أي علامة لمكان الخضر ولقيه (وقيل له) يا موسى (إذا فقدت الحوت) بفتح القاف
إرشاد الساري/ ج ١ / م ١٧

٢٥٨
كتاب العلم/ باب ١٧
(فارجع فإنك ستلقاه) وذلك أنه لما سأل موسى السبيل إليه. قال الله تعالى: اطلبه على الساحل عند
الصخرة. قال: يا رب كيف لي به؟ قال: تأخذ حوتًا في مكتل فحيث فقدته فهو هناك، فقيل أخذ
سمكة مملوحة وقال لفتاه: إذا فقدت الحوت فأخبرني (وكان) وللأصيلي وأبي الوقت وابن عساكر
فكان (يتبع) بتشديد المثناة الفوقية (أثر الحوت في البحر، فقال لموسى فتاه) يوشع بن نون فإنه كان
يخدمه ويتبعه ولذلك سماه فتاه (أرأيت) ما دهاني (إذ) أي حين (أوينا إلى الصخرة) يعني الصخرة
التي رقد عندها موسى عليه الصلاة والسلام، أو الصخرة التي دون نهر الزيت، وذلك أن موسى لما
رقد اضطرب الحوت المشوي ووقع في البحر معجزة لموسى أو الخضر عليهما السلام. وقيل: إن
يوشع، حمل الخبز والحوت في المكتل ونزلا ليلاً على شاطىء عين تسمى عين الحياة، فلما أصاب
السمكة روح الماء وبرده عاشت، وقيل: توضأ يوشع من تلك العين فانتضح الماء على الحوت فعاش
ووقع في الماء. (فإني نسيت الحوت) فقدته أو نسيت ذكره بما رأيت (وما أنسانيه إلا الشيطان أن
أذكره) قال البيضاوي: وما أنساني ذكره إلا الشيطان فإن أن أذكره بدل من الضمير وهو اعتذار عن
نسيانه بشغل الشيطان له بوساوسه، والحال وإن كانت عجيبة لا ينسى مثلها لكنه لما ضري بمشاهدة
أمثالها عند موسى وألفها قلَّ اهتمامه بها، ولعله نسي ذلك لاستغراقه في الاستبصار وانجذاب
شراشره إلى جناب القدس بما عراه من مشاهدة الآيات الباهرة، وإنما نسبه إلى الشيطان هضمًا
لنفسه. (قال) موسى (ذلك) أي فقدان الحوت (ما كنا نبغي) أي الذي نطلبه علامة على وجدان
المقصود (فارتدًا على آثارهما) فرجعا في الطريق الذي جاء فيه يقصّان (قصصًا) أي يتبعان آثارهما
اتباعًا أو مقتصّين حتى أتيا الصخرة (فوجدا خضرًا) عليه الصلاة والسلام (فكان من شأنهما) أي
الخضر وموسى (الذي قصّ الله عز وجل في كتابه) من قوله تعالى: ﴿قال له موسى هل أتبعك﴾
[الكهف: ٩٦] إلى آخر ذلك والله أعلم.
١٧ - باب قولِ النبيِّ بَِّ: ((اللَّهُمَّ عَلَمْهُ الكِتابَ))
(باب قول النبي وَّ رِ اللَّهمَّ علمه) أي حفظه أو فهمه (الكتاب) أي القرآن، والضمير يحتمل أن
يكون لابن عباس لسبق ذكره في الحديث السابق إشارة إلى أن ما وقع من غلبته للحرّ بن قيس إنما
كان بدعائه له ◌َ﴾، أو استعمل لفظ الحديث الآتي ترجمة إشارة إلى أن ذلك لا يختص جوازه به،
والضمير على هذا الغير المذكور، وهل يقال لمثل هذا مما سبق في الباب سنده تعليق فيه خلاف.
٧٥ - حدّثنا أبو مَعْمَرِ قال: حَدَّثَنا عبدُ الْوارِثِ قال: حدَّثَنا خالدٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عنِ ابنِ عبَّاسٍ
قال: ضَمَّني رسولُ اللَّهِ وَ﴿ وقال: ((اللّهْمَّ عَلَّمْهُ الكِتابَ)). [الحديث ٧٥ - أطرافه في: ١٤٣،
٣٧٥٦، ٧٢٧٠].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حدثنا أبو معمر) بميمين مفتوحتين بينهما عين مهملة ساكنة آخره
راء عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج البصري المقعد بضم الميم وفتح العين المنقري الحافظ القدري

٢٥٩
كتاب العلم/ باب ١٨
الموثق من ابن معين، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائتين (قال: حدثنا عبد الوارث) بن سعيد بن
ذكوان التميمي العنبري أبو عبيدة البصري، المتوفى في المحرم سنة ثمانين ومائة. (قال حدّثنا خالد)
هو ابن مهران الحذاء ولم يكن حذاء، وإنما كان يجلس إليهم التابعي الموثق من يحيى وأحمد، المتوفى
سنة إحدى وأربعين ومائة (عن عكرمة) أبي عبد الله المدني المتكلم فيه لرأيه رأي الخوارج، نعم
اعتمده البخاري في أكثر ما يصح عنه من الروايات، المتوفى سنة خمس أو ست أو سبع ومائة (عن
ابن عباس) عبد الله رضي الله عنهما (قال):
(ضمني رسول الله) وفي رواية لأبي ذر النبي (َ﴾) إلى نفسه أو صدره كما في رواية مسدّد
عن عبد الوارث (وقال: اللّهمَّ علّمه) أي عرفه (الكتاب) بالنصب مفعول ثانٍ والأوّل الضمير أي
القرآن، والمراد تعليم لفظه باعتبار دلالته على معانيه، وفي رواية عطاء عن ابن عباس عند الترمذي
والنسائي أنه وستر دعا له أن يؤتى الحكمة مرتين. وفي رواية ابن عمر عند البغوي في معجم
الصحابة مسح رأسه وقال «اللّهمَّ فقهه في الدين وعلّمه التأويل)) وفي رواية طاوس مسح رأسه
وقال: ((اللّهمَّ علّمه الحكمة وتأويل الكتاب)) وقد تحققت إجابته بَّ، فقد كان ابن عباس بحر العلم
وحبر الأمة ورئيس المفسرين وترجمان القرآن.
١٨ - باب مَتى يَصِحُ سَماعُ الصغيرِ؟
هذا (باب) بالتنوين (متى يصح سماع الصغير) وللكشميهني الصبي، ومراده أن البلوغ ليس
شرطًا في التحمل.
٧٦ - هذثنا إسماعيلُ بنُ أبي أُوَيْسٍ قال: حدَّثَني مالِكٌ عنِ ابنِ شِهابٍ عن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ
عبدِ اللهِ بنِ عُثْبةً عن عبدِ اللَّهِ بنِ عبّاسٍ قال: أقبلتُ راكبًا عَلَى حِمارٍ أتانٍ - وَأنا يَوْمَئذٍ قد ناهَزْتُ
الاخْتِلامَ - ورسولُ اللَّهِ وَّهِ يُصَلِّي بمنَى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ بَعضِ الصَّفِّ، وأرسَلْتُ
الأتانَ تَرِتَعُ وَدَخَلْتُ الصفَّ، فَلَمْ يُنْكَّرْ ذُلِكَ عليَّ. [الحديث ٧٦ - أطرافه في: ٤٩٣، ٨٦١،
١٨٥٧، ٤٤١٢].
وبالسند إلى المؤلف قال: (حذّثنا إسماعيل بن أبي أُويس) كما في رواية كريمة (قال: حدثني)
بالإفراد (مالك) هو ابن أنس الإمام (عن ابن شهاب) الزهري (عن عبيد الله) بتصغير العبد (ابن
عبد الله بن عتبة) بضم العين وسكون المثناة الفوقية وفتح الموحدة (عن عبد الله بن عباس) رضي الله
عنهما (قال):
(أقبلت) حال كوني (راكبًا على حمار أتان) بفتح الهمزة وبالمثناة الفوقية الأنثى من الحمير، ولما
كان الحمار شاملاً للذكر والأنثى خصّصه بقوله: أتان، وإنما لمن يقل حمارة، ويكتفى عن تعميم حمار
ثم تخصيصه لأن التاء تحتمل الوحدة كذا قاله الكرماني، لكن تعقبه البرماوي بأن حمارًا مفرد لا اسم

٢٦٠
كتاب العلم/ باب ١٨
جنس جمعي كتمر. وقال العيني: الأحسن في الجواب أن الحمارة قد تطلق على الفرس الهجين كما
قاله الصغاني، فلو قال على حمارة لربما كان يفهم أنه أقبل على فرس هجين وليس الأمر كذلك، على
أن الجوهري حكى أن الحمارة في الأنثى شاذة وأتان بالجر والتنوين كسابقه على النعت أو بدل الغلط
أو بدل بعض من كل، لأن الحمار يطلق على الجنس فيشمل الذكر والأنثى أو بدل كل من كل نحو
شجرة زيتونة، ويروى بإضافة حمار إلى أتان أي حمار هذا النوع وهو الأتان. قال البدر الدماميني،
قال سراج بن عبد الملك: كذا وجدته مضبوطًا في بعض الأصول، واستنكرها السهيلي وقال: إنما
يجوّزه من جوّز إضافة الشيء إلى نفسه إذا اختلف اللفظان، وذكر ابن الأثير أن فائدة التنصيص على
كونها أُنثى الاستدلال بطريق الأولى على أن الأنثى من بني آدم لا تقطع الصلاة لأنهنّ أشرف،
وعورض بأن العلة ليست مجرد الأنوثة فقط بل الأنوثة بقيد البشرية لأنها مظنة الشهوة.
(وأنا يومئذ قد ناهزت) أي قاربت (الاحتلام ورسول الله وَ ل قر يصلي بمنى) بالصرف وعدمه
والأجود الصرف وكتابته بالألف وسميت بذلك لما يمنى أي يراق بها من الدماء (إلى غير جدار) قال
في فتح الباري: أي إلى غير سترة أصلاً قاله الشافعي، وسياق الكلام يدل عليه لأن ابن عباس
أورده في معرض الاستدلال على أن المرور بين يدي المصلي لا يقطع صلاته، ويؤيده رواية البزار
بلفظ: والنبي # يصلي المكتوبة ليس شيء يستره (فمررت بين يدي) أي قدام (بعض الصف)
فالتعبير باليد مجاز وإلا فالصف لا يد له (وأرسلت الأنان ترتع) أي تأكل وترتع مرفوع، والجملة في
محل نصب على الحال من الأتان وهي حال مقدّرة لأنه لم يرسلها في تلك الحال، وإنما أرسلها قبل
مقدّرًا كونها على تلك الحال، وجوّز ابن السيد فيه أن يريد لترتع، فلما حذف الناصب رفع كقوله
تعالى: ﴿قل أفغير الله تأمروني أعبد﴾ [الزمر: ٦٤] قاله البدر الدماميني، وقيل ترتع تسرع في المشي
والأوّل أصوب، ويدل عليه رواية المؤلف في الحج نزلت عنها فرتعت (ودخلت الصف)
وللكشميهني فدخلت بالفاء في الصف (فلم ينكر) بفتح الكاف (ذلك علىّ) أي لم ينكره علي رسول
الله ◌َل* ولا غيره، واستدل المؤلف بسياق هذا على ما ترجم له، وهو أن التحمل لا يشترط فيه كمال
الأهلية، وإنما يشترط عند الأداء، ويلحق بالصبي في ذلك العبد والفاسق والكافر، وأدخل المصنف
هذا الحديث في ترجمة سماع الصبي وليس فيه سماع لتنزيل عدم إنكار المرور منزلة قوله إنه جائز،
والمراد من الصغير غير البالغ، وذكره مع الصبي من باب التوضيح والبيان.
٧٧ - حدثني محمدُ بنُ يوسُفَ قال: حدَّثَنَا أبو مُسْهِرٍ قال: حدَّثَني محمدُ بنُ حَرْبٍ قَال حدَثَني
الزُّبَيْدِيُّ عنِ الزُّهْرِيِّ عن محمودِ بنِ الرَّبيعِ قال: عَقَّلْتُ منَ النبيِّ وَّهِ مَجَّةً مَجَّها في وَجْهي وأنا ابنُ
خَمْسٍ سِنِينَ مِنْ دَلْوٍ. [الحديث ٧٧ - أطرافه في: ١٨٩، ٨٣٩، ١١٨٥، ٦٣٥٤، ٦٤٢٢].
وبه قال (حدّثني) بالإفراد، وللأصيلي وأبي ذر وابن عساكر حدّثنا (محمد بن يوسف) هو
البيكندي كما جزم به البيهقي وغيره، وقيل: هو الفريابي وردّ بأنه لا رواية له عن أبي مسهر الآتي