Indexed OCR Text

Pages 21-40

٢١
المقدمة
(اختصمت الجنة والنار إلى ربهما)) الحديث. وفيه أنه ينشىء للنار خلقًا صوابه كما رواه في موضع
آخر من طريق عبد الرزاق عن همام عن أبي هريرة بلفظ، فأما الجنة فينشىء الله لها خلقًا، فسبق لفظ
الراوي من الجنة إلى النار، وصار منقلبًا. ولذا جزم ابن القيم بأنه غلط، ومال إليه البلقيني حيث
أنكر هذه الرواية، واحتج بقوله ولا يظلم ربك أحدا .
والمدبج بالموحدة والجيم رواية القرينين المتقاربين في السن والإسناد، أحدهما عن الآخر ،
كرواية كلٌ من أبي هريرة وعائشة عن الآخر، وكرواية التابعي عن تابعي مثله كالزهري وعمر بن
عبد العزیز و کذا من دونهما.
والمصحف الذي تغير بنقط الحروف أو حركاتها أو سكناتها، كحديث جابر رمي أُبّ يوم
الأحزاب على أكحله، صحفه غندر فقال أبي بالإضافة، وإنما هو أَبّ بن كعب وأبو جابر استشهد
قبل ذلك في أُحُد.
والناسخ والمنسوخ ويعرف النسخ بتنصيص الشارع عليه كحديث بريدة ((كنت نهيتكم عن زيارة
القبور فزوروها)) أو بجزم الصحابي بالتأخّر كقول جابر في السنن، كان آخر الأمرين من النبي وَّ
ترك الوضوء مما مسّت النار أو بالتاريخ، فإن لم يعرف فإن أمكن ترجيح أحدهما بوجه من وجوه
الترجيح متنّا أو إسنادًا لكثرة الرواة وصفاتهم تعين المصير إليه، وإلا فيجمع بينهما، فإن لم يمكن
یوقف عن العمل بأحدهما .
_والمختلف أن يوجد حديثان متضادّان في المعنى بحسب الظاهر، فيجمع بما ينفي التضاد،
كحديث ((لا عدوى ولا طيرة)) مع حديث ((فرّ من المجذوم)) وقد جمع بينهما بأن هذه الأمراض لا
تعدي بطبعها، ولكن جعل الله تعالى مخالطة المريض للصحيح سببًا لإعدائه وقد يتخلف.
ومن الأنواع رواية الآباء عن الأبناء، وهو كرواية الأكابر عن الأصاغر، ورواية الأبناء عن
الآباء، ويدخل في رواية الابن عن أبيه عن جدّه، وأكثر ما انتهت الآباء فيه إلى أربعة عشر أبًا،
والسابق اللاحق وهو من اشترك في الرواية عنه راويان متقدم ومتأخر تباين وقت وفاتيهما تباينًا
شديدًا فحصل بينهما أمر بعيد، وإن كان المتأخر غير معدود من معاصري الأوّل ومن طبقته. ومن
أمثلة ذلك أن البخاري حدث عن تلميذه أبي العباس السراج بأشياء في التاريخ وغيره، ومات سنة
ست وخمسين ومائتين، وآخر مَن حدّث عن السراج بالسماع أبو الحسين الخفاف ومات سنة ثلاث
وتسعين وثلثمائة، ومنه أن الحافظ السلفي سمع منه أبو علي البرداني أحد مشايخه حديثًا رواه عنه
ومات على رأس الخمسمائة، ثم كان آخر أصحابه بالسماع سبطه أبو القاسم عبد الرحمن بن مكي،
وكانت وفاته سنة خمسين وستمائة.
ومن فوائده تقرير حلاوة الإسناد فى القلوب والإخوة والأخوات، فمن أمثلة الاثنين هشام
وعمرو ابنا العاصي وزيد ويزيد ابنا ثابت، ومن الثلاثة سهل وعباد وعثمان بنو حنيف بالتصغير،

٢٢
المقدمة
ومن الأربعة سهيل وعبد الله الذي يقال له عباد ومحمد وصالح بنو أبي صالح ذكوان السمان، وفي
الصحابة عائشة وأسماء وعبد الرحمن ومحمد بنو أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنهم، وأربعة
ولدوا في بطن وكانوا علماء وهم محمد وعمر وإسماعيل، ومن لم يسمّ بنو أبي إسماعيل السلمي،
ومن الخمسة الرواة سفيان وآدم وعمران ومحمد وإبراهيم بنو عيينة، ومن الستة محمد وأنس ويحيى
ومعبد وحفصة وكريمة أولاد سيرين وكلهم من التابعين. من لم يرو عنه إلا واحد كرواية الحسن
البصري عن عمرو بن تغلب في صحيح البخاري، فإن عمرًا لم يرو عنه غير الحسن قاله مسلم
والحاكم، من له أسماء مختلفة ونعوت متعددة وفائدته الأمن من جعل الواحد اثنين، وتوثيق
الضعيف وتضعيف الثقة والاطلاع على صنيع المرسلين، ومن أمثلته محمد بن السائب الكلبي المفسّر
هو أبو النضر الذي روى عنه ابن إسحاق وهو حماد بن السائب الذي روى عنه أبو أسامة، وهو أبو
سعيد الذي يروي عنه عطية العوفي موهما أنه الخدري، وهو أبو هشام الذي روى عنه القاسم بن
الوليد، والمفردات من الأسماء فمن الصحابة سندر بفتح السين والدال المهملتين بينهما نون ساكنة
آخره راء، وكلدة بالدال المهملة، وفتحات ابن الحنبل بمهملة مفتوحة بعدها نون ساكنة فموحدة
فلام، ووابصة بموحدة مكسورة فمهملة ابن معبد. ومن غير الصحابة تدوم بفوقية مفتوحة ودال
مهملة مضمومة ابن صبح، أو بالتصغير الحميري وسعير بالمهملتين مصغرًا ابن الخمس بكسر الخاء
المعجمة وسكون الميم بعدها مهملة، والمفردات من الألقاب سفينة مولى رسول الله وَالر. ومن غير
الصحابة مندل بن علي العنزي واسمه فيما قيل عمرو، ومشكدانة بضم أوّله وثالثه وبعد الميم شين
معجمة وهي وعاء المسك. ومن الكنى أبو العبيد بضم المهملة ثم موحدة مفتوحة تصغير عبد، وأبو
العشراء بضم العين المهملة وفتح الشين المعجمة الدارمي، ومن الأنساب اللبقيّ بفتح اللام والموحدة
وكسر القاف علي بن سلمة. والكنى تسعة أقسام كنية لصاحب كنية أخرى غيرها ولا اسم له
غيرها، أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث أحد الفقهاء السبعة كنيته أبو عبد الرحمن، أو تكون
الكنية اسمه ولا كنية له كأبي بلال الأشعريّ بن شريك، أو تكون الكنية لقبًا وله اسم وتكنية غيرها
كأبي تراب لعلّ بن أبي طالب أبي الحسن، وأبي الزناد لعبد الله بن ذكوان أبي عبد الرحمن. أو يكون
له كنية أخرى غيرها أو أكثر من غير سبب لذلك. فمن أمثلة ذلك ذو الكنيتين عبد الملك بن
عبد العزيز بن جريج يكنى أبا خالد وأبا الوليد، ومن الثلاثة منصور الفراوي يكنى أبا بكر وأبا
الفتح وأبا القاسم، وکان یقال له ذو الکنی، أو تکون کنیته لا خلاف فيها وفي اسمه اختلاف کأبي
بصرة الغفاري، قيل في اسمه جميل بفتح الجيم، وقيل بالحاء المهملة المضمومة وفتح الميم وهو
الأصح، أو يكون مختلفًا في كنيته دون اسمه كأبيّ بن كعب، قيل في كنيته أبو المنذر وقيل أبو
الطفيل، أو يكون في كلٌ من اسمه وكنيته خلف كسفينة مولى رسول الله وَ له وهو لقب، وقيل في
اسمه صالح، وقيل عمير، وقيل مهران، وكنيته قيل أبو عبد الرحمن وقيل أبو البحتري، أو اتفقا
عليهما معًا كأبي عبد الله مالك بن أنس، أو يكون بكنيته أشهر منه باسمه كأبي إدريس الخولاني
اسمه عائذ الله .

٢٣
المقدمة
وفائدة هذا النوع البيان، فربما ذكر الراوي مرة بكنيته ومرة باسمه فيتوهم التعدّد مع كونهما
واحدًا، والألقاب نوع مهم قد تأتي في سياق الأسانيد مجردة عن الأسماء فيظن أنها أسماء فيجعل ما
ذكر باسمه في موضع وبلقبه في موضع آخر شخصين، والذي في البخاري منه: الأحول عامر بن
سليمان، الأزرق إسحق بن يوسف، الأعرج عبد الرحمن بن هرمز، الأعمش سليمان بن مهران،
الأغر أبو عبد الله سلمان، الباقر محمد بن علي بن حسين أبو جعفر، الحبر عبد الله بن عباس،
البطين مسلم بن عمران، بندار محمد بن بشار، البهيّ عبد الله بن بشار، الحذاء خالد بن مهران،
ختن المقري بكر بن خلف، دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم. ذو البطن أسامة بن زيد، ذو اليدين
الخرباق، الرشك يزيد الضبعي، سعدان اللخميّ سعيد بن يحيى بن صالح، سلمويه سليمان بن
صالح المروزي، سنيد مصغرًا اسمه الحسين، شاذان الأسود بن عامر، عارم محمد بن الفضل
السدوسي، عبدان عبد الله بن عثمان، عبدة بن سليمان اسمه عبد الرحمن، عبيد بن إسماعيل هو
عبيد الله، عويمر أبو الدرداء اسمه عامر، غندر محمد بن جعفر، فليح بن سليمان قيل اسمه
عبد الملك، قتيبة بن سعيد قيل اسمه يحيى، كاتب المغيرة اسمه وراد، الماجشون أبو سلمة، مسدد
اسمه عبد الملك، النبيل أبو عاصم الضحاك بن مخلد أبو الزناد لقب وكنيته أبو عبد الرحمن، ذات
النطاقين أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنهما.
والأنساب معرفتها مهمة فكثيرًا ما يكون نسبه لقبيلة أو بطن أو جدّ أو بلد أو صناعة أو
مذهب أو غير ذلك مما أكثره مجهول عند العامة معلوم عند الخاصة، فربما يقع في كثير منه
التصحيف ويكثر الغلط والتحريف، والذي في البخاري منها: الأشجعي عبيد الله بن عبد الرحمن،
الأويسي عبد العزيز بن عبد الله، الأنصاري شيخ البخاري محمد بن عبد الله بن المثنى، البدري أبو
مسعود عقبة بن عمرو، البراء أبو العالية نسب إلى بري السهام، التيمي سليمان، الثقفي
عبد الوهاب بن محمد بن عبد المجيد، الزبيدي محمد بن الوليد، الزبيري أبو أحمد محمد بن عبد الله
الأسدي، الزهري محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، السبيعي عمرو بن عبد الله
أبو إسحاق، السعيدي عمرو بن يحيى بن سعيد، الشعبي عامر بن شراحيل، الشيباني أبو إسحق
سليمان بن أبي سليمان، الصنابحي عبد الرحمن بن عسيلة، العدني عبد الله بن الوليد، العقدي
عبد الملك بن عمرو أبو عامر، العمري عبيد الله بن عمر بن حفص، الفروي إسحق بن محمد،
الفريابي محمد بن يوسف، الفزاري أبو إسحاق إبراهيم بن محمد الدمشقي، القمي هو يعقوب بن
عبد الله له موضع واحد في الطب، المجمر نعيم بن عبد الله، المحاربي عبد الله بن محمد، المسعودي
اسمه عبد الرحمن بن عبد الله، المعمري أبو سفيان محمد بن حميد، المقبري أبو سعيد كيسان وابنه
سعيد، المقدمي محمد بن أبي بكر، المقري أبو عبد الرحمن عبد الله بن يزيد، الملائي أبو نعيم
الفضل بن دکین.
ومن الرواة من نسب إلى غير أبيه كيعلى ابن منية نسب إلى جدّته واسم أبيه أمية، ومعاذ ومعوذ

٢٤
المقدمة
وعوذ بنو عفراء هي أمهم وأبوهم الحرث بن رفاعة، وعبد الله ابن بحينة هي أمه وأبوه مالك،
وعبد الله بن أبي ابن سلول هي أم أُتّ، ومنهم من نسب إلى زوج أمه كالمقداد بن الأسود. وقد
ينسب الراوي إلى نسبة يكون الصواب خلاف ظاهرها كأبي مسعود عقبة بن عمرو البدري، إذ إنه لم
ينسب لشهوده بدرًا في قول الجمهور وإن عدّه البخاري فيمن شهدها، بل كان ساكنًا بها،
وکسلیمان بن طرخان التيمي ليس من تیم بل نزل بها.
وأما المبهمات في الحديث وتكون في الإسناد والمتن من الرجال والنساء، ويتوصل لمعرفتها
بجمع طرق الحديث غالبًا. مثاله في السند إبراهيم بن أبي عبلة عن رجل عن واثلة، فالرجل هو
الغريق بفتح الغين المعجمة، وفي المتن حديث أبي سعيد الخدري في ناس من أصحاب النبي وَليل
مرّوا بحيّ فلم يضيفوهم فلدغ سيدهم فرقاه رجل منهم، الراقي هو أبو سعيد الراوي المذكور. وما
في البخاري من هذا النوع يأتي مفسرًا في مواضعه من هذا الشرح إن شاء الله تعالى بعون الله تعالى.
المؤتلف والمختلف وهو ما تتفق صورته خطأ وتختلف صفته لفظًا وهو مما يقبح جهله بأهل
الحديث، ومنه في البخاري الأحنف بالحاء المهملة والنون، وبالخاء المعجمة والمثناة التحتية، مكرز بن
حفص بن الأحنف، له ذكر في الحديث الطويل في قصة الحديبية. وبشار بالموحدة والمعجمة المشدّدة
والد بندار شيخ البخاري والجماعة، وبقية من فيه بهذه الصورة بالتحتية والسين المهملة المخففة
وبتقديم السين وتثقيل التحتية أبو المنهال سيار بن سلامة التابعي، إلى غير ذلك مما لا نطيل بسرده
لا سيما مع الاستغناء بذكره في هذا الشرح إن شاء الله تعالى بعونه. وإذا علم هذا فليعلم أن شرط
الراوي للحديث أن يكون مكلفًا عدلاً متقنًا ويعرف إتقانه بموافقة الثقات، ولا تضرّ مخالفته النادرة،
ويقبل الجرح إن بان سببه للاختلاف فيما يوجب الجرح بخلاف التعديل فلا يشترط، ورواية العدل
عمن سماه لا تكون تعديلاً، وقيل إن كانت عادته أن لا يروي إلا عن عدل كالشيخين فتعديل وإلا
فلا، ولا يقبل مجهول العدالة وكذا مجهول العين الذي لم تعرفه العلماء، وترفع الجهالة عنه رواية اثنين
مشهورين بالعلم. والصحابة كلهم عدول، وقبل المستور قوم ورجحه ابن الصلاح. ولا يقبل حديث
مبهم ما لم يسمّ إذ شرط قبول الخبر عدالة ناقله، ومن أبهم اسمه لا تعرف عينه فكيف تعرف عدالته
ولا يقبل من به بدعة كفر، أو يدعو إلى بدعة، وإلا قبل لاحتجاج البخاري وغيره بكثير من
المبتدعين غير الدعاة، ويقبل التائب. وينبغي أن يعرف من اختلط من الثقات في آخر عمره لفساد
عقله وخرفه ليتميز من سمع منه قبل ذلك فيقبل حديثه أو بعده فيرد، ومن روى عنه منهم في
الصحيحين محمول على السلامة، وقد أعرضوا عن اعتبار هذه الشروط في زماننا لإبقاء سلسلة
الإسناد فيعتبر البلوغ والعقل والستر والإتقان ونحوه. ولألفاظ التعديل مراتب أعلاها ثقة أو متقن
أو ضابط أو حجة، ثانيها خير صدوق مأمون لا بأس به وهؤلاء يكتب حديثهم، ثالثها شيخ وهذا
يكتب حديثه للاعتبار، رابعها صالح الحديث فيكتب وينظر فيه. ولألفاظ التجريح مراتب أيضًا
أدناها لين الحديث يكتب وينظر اعتبارًا، ثانيها ليس بقوي وليس بذاك، ثالثها مقارب الحديث أي

٢٥
المقدمة
رديئه، رابعها متروك الحديث وكذاب ووضاع ودجال وواهٍ وواه بمرّة بموحدة مكسورة فميم مفتوحة
وراء مشددة أي قولاً واحدًا لا تردّد فيه، وهؤلاء ساقطون لا يكتب عنهم، وفي رواية من أخذ على
الحديث (يعني أجرة) تردّد. وفي المتساهل في سماعه وإسماعه كمن لا يبالي بالنوم فيه، أو يحدّث لا
من أصل مصحح، أو كثير السهو في روايته إن حدث من غير أصل، أو أكثر الشواذ والمناكير في
حديثه، ومن غلط في حديثه فبينّ له وأصرّ عنادًا ونحوه سقطت روايته، ويستحب الاعتناء بضبط
الحديث وتحقيقه نقطًا وشكلاً وإيضاحًا من غير مشق ولا تعليق بحيث يؤمن معه اللبس أو إنما
يشكل المشكل ولا يشتغل بتقييد الواضح. وصوَّب عياض شكل الكل للمبتدىء وغير المعرب،
ورأى بعض مشايخنا الاقتصار في ضبط البخاري على رواية واحدة لا كما يفعله من ينسخ البخاري
من نسخة الحافظ شرف الدين اليونينيّ، لما يقع في ذلك من الخلط الفاحش بسبب عدم التمييز
ويتأكد ضبط الملبس من الأسماء، لأنه نقل محض لا مدخل للإفهام فيه، كبريد بضم الموحدة، فإنه
يشتبه بيزيد بالتحتية فضبط ذلك أولى لأنه ليس قبله ولا بعده شيء يدل عليه، ولا مدخل للقياس
فيه، وليقابل ما يكتبه بأصل شيخه أو بأصل أصل شيخه المقابل به أصل شيخه أو فرع مقابل بأصل
السماع، وليعن بالتصحيح بأن يكتب صح على كلام صح رواية، ومعنى لكونه عرضة للشك أو
الخلاف. وكذا بالتضبيب ويسمى التمريض بأن يمدّ خطًّا أوّله كرأس الصاد ولا يلصقه بالممدود عليه
على ثابت نقلاً فاسد لفظًا أو معنًى أو ضعيف أو ناقص، ومن الناقص موضع الإرسال. وإذا كان
للحديث إسنادان فأكثر كتب عند الانتقال من إسناد إلى إسناد ح مفردة مهملة إشارة إلى التحويل من
أحدهما إلى الآخر، ويأتي مبحثها إن شاء الله تعالى في أوائل الشرح. وإذا قرأ إسناد شيخه المحدّث
أوّل الشروع وانتهى عطف عليه بقوله في أوّل الذي يليه، وبه قال حدّثنا ليكون كأنه أسنده إلى
صاحبه في كل حديث.
وأنواع التحمل أعلاها السماع من لفظ الشيخ سواء قرأ بنفسه أو قرأ غيره على الشيخ، وهو
يسمع ويقول فيه عند الأداء أخبرنا، والأحوط الإفصاح. فإن قرأ بنفسه قال قرأت على فلان، وإلا
قال قرىء على فلان وأنا أسمع. ثم الإجازة المقرونة بالمناولة بأن يدفع إليه الشيخ أصل سماعه أو
فرعًا مقابلاً عليه، ويقول هذا سماعي أو روايتي عن فلان فاروه عني وأجزت لك روايته. ثم
الإجازة وهي أنواع أعلاها لمعين كأجزتك البخاري مثلاً أو أجزت فلانًا الفلاني جميع فهرستي
ونحوه، أو أجزته بجميع مسموعاتي أو مروياتي، أو أجزت للمسلمين أو لمن أدرك حياتي أو لأهل
الإقليم الفلاني. ويقول المحدث بها أنبأنا أو أنبأني، ثم المكاتبة بأن يكتب مسموعه أو مقروءه جميعه
أو بعضه لغائب أو حاضر بخطه أو بإذنه مقرونًا ذلك بالإجازة أولاً، ثم الإعلام بأن يقول له هذا
الكتاب رويته أو سمعته مقتصرًا على ذلك من غير إذن، وهذه جوّزها كثير من الفقهاء والأصوليين
منهم ابن جريج وابن الصباغ. ثم الوصية بأن يوصي الراوي عند موته أو سفره لشخص بكتاب
يرويه، فجوّزه محمد بن سيرين وعلّله عياض بأنه نوع من الإذن، والصحيح عدم الجواز إلا إن كان

٢٦
المقدمة
له من الموصي إجازة فتكون روايته بها لا بالوصية. ثم الوجادة بأن يقف على كتاب بخط يعرفه
لشخص عاصره أولاً فيه أحاديث يرويها ذلك الشخص ولم يسمعها ذلك الواجد ولا له منه إجازة،
فيقول وجدت أو قرأت بخط فلان كذا ثم يسوق الإسناد والمتن.
(تنبيه): وشرط صحة الإجازة أن تكون من عالم بالمجاز، والمجاز له من أهل العلم المجاز به
صناعة، وعن ابن عبد البر الصحيح أن الإجازة لا تقبل إلا لماهر بالصناعة حاذق فيها يعرف كيف
يتناولها، وما لا يشكل إسناده لكونه معروفًا معينًا وإن لم يكن كذلك لم يؤمن أن يحدث المجاز عن
الشيخ بما ليس من حديثه أو ينقص من إسناده الرجل والرجلين، وقال ابن سيد الناس أقل مراتب
المجيز أن يكون عالما بمعنى الإجازة العلم الإجماليّ من أنه روى شيئًا، وأن معنى إجازته لذلك الغير
في رواية ذلك الشيء عنه بطريق الإجازة المعهودة لا العلم التفصيلي بما روى، وبما يتعلق بأحكام
الإجازة. وهذا العلم الإجماليّ حاصل فيما رأيناه من عوّام الرواة، فإن انحط راوٍ في الفهم عن هذه
الدرجة، ولا إخال أحدًا ينحط عن إدراك هذا إذا عرف به فلا أحسبه أهلاً لأن يتحمل عنه بإجازة
ولا سماع، قال وهذا الذي أشرت إليه من التوسع في الإجازة هو طريق الجمهور، قال شيخنا:
وما عداه من التشديد فهو منافٍ لما جوّزت الإجازة له من بقاء السلسلة، نعم لا يشترط التأهّل حين
التحمل ولم يقل أحد بالأداء بدون شرط الرواية، وعليه يحمل قولهم أجزت له رواية كذا بشرطه،
ومنه ثبوت المرويّ من حديث المجيز، وقال أبو مروان الطبنيّ أنها لا تحتاج لغير مقابلة نسخة بأصول
الشيخ، وقال عياض: تصح بعد تصحيح روايات الشيخ ومسموعاته وتحقيقها وصحة مطابقة كتب
الراوي لها والاعتماد على الأصول المصححة، وكتب بعضهم لمن علم منه التأهيل أجزت له الرواية.
عني، وهو لما علم من إتقانه وضبطه غنيّ عن تقييدي ذلك بشرطه انتهى. وليصلح النيّة في
التحديث بحيث يكون مخلصًا لا يريد بذلك عرضًا دنيويًّا بعيدًا عن حب الرياسة ورعوناتها، وليقرأ
الحديث بصوت حسن فصيح مرتل، ولا يسرطه سردًا لئلا يلتبس أو يمنع السامع من إدراك بعضه،
وقد تسامح بعض الناس في ذلك وصار يعجل استعجالاً يمنع السامع من إدراك حروف كثيرة بل
كلمات، والله تعالى بمنّه وكرمه يهدينا سواء السبيل.
(لطيفة): أنبأني الحافظ نجم الدين ابن الحافظ تقيّ الدين وقاضي القضاة أبو المعالي
محب الدين المكيان بها، والمحدّث العلامة ناصر الدين أبو الفرج المدني بها، قالوا: أخبرنا الإمام
زين الدين بن الحسين وآخرون عن قاضي القضاة أبي عمر عبد العزيز عن قاضي القضاة بدر الدين
الكناني، قال: قرأت على الأستاذ أبي حيان محمد بن يوسف بن عليّ، قال حدّثنا الأستاذ أبو جعفر
أحمد بن إبراهيم بن الزبير، قال أبو عمرو لي منه إجازة، قال حدّثنا القاضي أبو عبد الله محمد بن
عبد الله بن أحمد الأزدي، قال حدّثنا أبو عبد الله محمد بن حسن بن عطية ح، قال أبو حيان وأنبأنا
الأصولي أبو الحسين ابن القاضي أبي عامر بن ربيع عن أبي الحسن أحمد بن عليّ الغافقي، قال أخبرنا
عياض ح، قال أبو حيان وكتب لنا الخطيب أبو الحجاج يوسف بن أبي ركانة عن القاضي أبي القاسم

٢٧
المقدمة
أحمد بن عبد الودود بن سمجون، قال وعياض أخبرنا القاضي أبو بكر محمد بن عبد الله بن العربي
المعافري، قال أخبرنا أبو محمد هبة الله بن أحمد الأكفاني، قال حدّثنا الحافظ عبد العزيز بن أحمد بن
محمد الكناني الدمشقي، حدّثنا أبو عصمة نوح بن الفرغاني، قال: سمعت أبا المظفر عبد الله بن
محمد بن عبد الله بن قتّ الخزرجي وأبا بكر محمد بن عيسى البخاري، قال سمعنا أبا ذر عمار بن
محمد بن مخلد التميمي يقول: سمعت أبا المظفر محمد بن أحمد بن حامد بن الفضل البخاري يقول:
((لما عزل أبو العباس الوليد بن إبراهيم بن زيد الهمداني عن قضاء الريّ ورد بخارى سنة ثمان عشرة
وثلاثمائة لتجديد مودة كانت بينه وبين أبي الفضل البلعمي فنزل في جوارنا، فحملني معلمي أبر
إبراهيم إسحق بن إبراهيم الختلي إليه فقال له أسألك أن تحدث هذا الصبي عن مشايخك، فقال ما لي
سماع، قال فكيف وأنت فقيه فما هذا، قال لأني لما بلغت مبلغ الرجال تاقت نفسي إلى معرفة
الحديث ورواية الأخبار وسماعها، فقصدت محمد بن إسماعيل البخاري ببخارى صاحب التاريخ
والمنظور إليه في علم الحديث، وأعلمته مرادي وسألته الإقبال على ذلك، فقال لي يا بني لا تدخل
في أمر إلا بعد معرفة حدوده والوقوف على مقاديره، فقلت عرّفني رحمك الله حدود ما قصدتك له
ومقادير ما سألتك عنه، فقال لي: اعلم أن الرجل لا يصير محدّثًا كاملاً في حديثه إلاّ بعد أن يكتب
أربعًا مع أربع، كأربع مثل أربع، في أربع عند أربع، بأربع على أربع، عن أربع لأربع، وكل هذه
الرباعيات لا تتم إلا بأربع مع أربع، فإذا تمت له كلها كان عليه أربع، وابتلي بأربع، فإذا صبر على
ذلك أكرمه الله تعالى في الدنيا بأربع، وأثابه في الآخرة بأربع. قلت له فسّر لي رحمك الله ما ذكرت
من أحوال هذه الرباعيات من قلب صافٍ بشرح كافٍ وبيان شافٍ طلبًا للأخر الوافي، فقال: نعم،
الأربعة التي يحتاج إلى كتبها هي أخبار الرسول وَل18 وشرائعه والصحابة رضي الله عنهم ومقاديرهم
والتابعين وأحوالهم وسائر العلماء وتواريخهم مع أسماء رجالهم وكناهم وأمكنتهم وأزمنتهم،
كالتحميد مع الخطب، والدعاء مع التوسّل، والبسملة مع السورة، والتكبير مع الصلوات. مثل
السندات والمرسلات والموقوفات والمقطوعات، في صغره وفي إدراكه وفي شبابه وفي كهولته، عند
فراغه وعند شغله وعند فقره وعند غناه، بالجبال والبحار والبلدان والبراري، على الأحجار
والأخزاف والجلود والأكتاف، إلى الوقت الذي يمكنه نقلها إلى الأوراق، عمّن هو فوقه وعمّن هو
مثله وعمّن هو دونه. وعن كتاب أبيه يتيقن أنه بخط أبيه دون غيره لوجه الله تعالى طلبًا لمرضاته،
والعمل بما وافق كتاب الله عز وجل منها، ونشرها بين طالبيها ومحبّيها، والتأليف في إحياء ذكره
بعده، ثم لا تتم له هذه الأشياء إلا بأربع هي من كسب العبد أعني معرفة الكتابة واللغة والصرف
والنحو، مع أربع هي من إعطاء الله تعالى، أعني القدرة والصحة والحرص والحفظ، فإذا تمت له
هذه الأشياء كلها هان عليه أربع: الأهل والمال والولد والوطن، وابتلي بأربع: بشماتة الأعداء
وملامة الأصدقاء وطعن الجهلاء وحسد العلماء. فإذا صبر على هذه المحن أكرمه الله عز وجل في
الدنيا بأربع: بعز القناعة وبهيبة النفس وبلذة العلم وبحياة الأبد. وأثابه في الآخرة بأربع: بالشفاعة
لمن أراد من إخوانه، وبظل العرش يوم لا ظل إلا ظله، وبسقي من أراد من حوض نبيّه وَله،

٢٨
المقدمة
وبمجاورة النبيّين في أعلى عليّين في الجنة، فقد أعلمتك يا بني مجملاً لجميع ما سمعت من مشايخي
متفرقًا في هذا الباب، فأقبل الآن إلى ما قصدت إليه أو دع. فهالني قوله فسكت متفكرًا وأطرقت
متأدبًا فلما رأى ذلك مني قال: وإن لم تطق حمل هذه المشاق كلها فعليك بالفقه يمكنك تعلمه وأنت
في بيتك قارّ ساكن لا تحتاج إلى بُعد الأسفار ووطء الديار وركوب البحار، وهو مع ذا ثمرة
الحديث، وليس ثواب الفقيه دون ثواب المحدّث في الآخرة، ولا عزه بأقل من عز المحدّث. فلما
سمعت ذلك نقص عزمي في طلب الحديث وأقبلت على دراسة الفقه وتعلمه إلى أن صرت فيه
متقدّمًا، ووقفت منه على معرفة ما أمكنني من تعلمه بتوفيق الله تعالى ومنّته، فلذلك لم يكن عندي ما
أمليه على هذا الصبيّ يا أبا إبراهيم. فقال له أبو إبراهيم إن هذا الحديث الواحد الذي لا يوجد عند
غيرك خير للصبي من ألف حديث نجده عند غيرك. انتهى)).
وقد قال الخطيب البغدادي الحافظ إن علم الحديث لا يعلق إلاّ بمن قصر نفسه عليه ولم يضم
غيره من الفنون إليه. وقال إمامنا الشافعي رحمه الله تعالى أتريد أن تجمع بين الفقه والحديث،
هيهات. والله سبحانه وتعالى ولي التوفيق والعصمة وله الحمد على كل حال وصلى الله على سيدنا
محمد وآله وصحبه وسلم.

الفصل الرابع
فيما يتعلق بالبخاري في صحيحه من تقرير شرطه وتحريره وضبطه وترجيحه على
غيره كصحيح مسلم ومن سار كسيره والجواب عما انتقده عليه النقاد من الأحاديث
ورجال الإسناد وبيان موضوعه، وتفرده بمجموعه، وتراجمه البديعة المثال، المنيعة
المنال وسبب تقطيعه للحديث واختصاره وإعادته له في الأبواب وتكراره وعدة
أحاديثه الأصول والمكرّرة حسبما ضبطه الحافظ ابن حجر وحرره
وهذا الفصل أعزّك الله تعالى لخصته من مقدّمة فتح الباري، مستمدًا من سيح فضله الجاري،
أنبأتني المسندة أم حبيبة زينب بنت الشوبكي المكية، أخبرنا البرهان بن صديق الرسام، أخبرنا أبو
النون يونس بن إبراهيم عن أبي الحسن بن المقير عن أبي المعمر المبارك بن أحمد الأنصاري، قال
أخبرنا أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي، قال في جزء شروط الأئمة له: اعلم أن البخاري
ومسلمًا ومن ذكرنا بعدهما لم ينقل عن واحد منهم أنه قال شرطت أن أخرّج في كتابي مما يكون على
الشرط الفلاني، وإنما يعرف ذلك من سبر كتبهم فيعلم بذلك شرط كل رجل منهم، واعلم أن
شرط البخاري ومسلم أن يخرجا الحديث المتفق على ثقة نقلته إلى الصحابي المشهور من غير اختلاف
بين الثقات الأثبات، ويكون إسناده متصلاً غير مقطوع، وإن كان للصحابي راويان فصاعدًا فحسن،
وإن لم يكن له إلّ راوٍ واحد إذا صح الطريق إلى ذلك الراوي أخرجاه.
ثم قال أخبرنا أبو بكر أحمد بن عليّ الأديب الشيرازي بنيسابور، قال: قال أبو عبد الله
محمد بن عبد الله يعني الحاكم في كتابه المدخل إلى الإكليل القسم الأوّل: من المتفق عليه اختيار
البخاري ومسلم وهو الدرجة الأولى من الصحيح. ومثاله الحديث الذي يرويه الصحابيّ المشهور عن
رسول الله وَّر، وله راويان ثقتان ثم يرويه عنه من أتباع التابعين الحافظ المتقن المشهور، وله رواة من
الطبقة الرابعة. ثم يكون شيخ البخاري ومسلم حافظًا متقنًا مشهورًا بالعدالة، فهذه الدرجة من
الصحيح اهـ. وتعقب ذلك الحافظ ابن طاهر فقال: إن الشيخين لم يشترطا هذا الشرط ولا نقل عن
واحد منهما أنه قال ذلك، والحاكم قدّر هذا التقدير وشرط لهما هذا الشرط على ما ظن، ولعمري
إنه لشرط حسن لو كان موجودًا في كتابيهما، إلا أنّا وجدنا هذه القاعدة التي أسّسها الحاكم منتقضة
في الكتابين جميعًا، فمن ذلك في الصحابيّ أن البخاري أخرج حديث قيس بن أبي حازم عن مرداس

٣٠
المقدمة
الأسلميّ، يذهب الصالحون أوّلاً فأوّلاً، وليس لمرداس راوٍ غير قيس. وأخرج مسلم حديث
المسيب بن حزن في وفاة أبي طالب، ولم يروِ عنه غير ابنه سعيد. وأخرج البخاري حديث الحسن
البصريّ عن عمرو بن تغلب ((إني لأعطي الرجل والذي أدع أحبّ إلّ)) الحديث. ولم يرو عن عمرو
غير الحسن في أشياء عند البخاري على هذا النحو. وأما مسلم فإنه أخرج حديث الأغر المزني ((إنه
ليغان على قلبي)) ولم يرو عنه غير أبي بردة في أشياء كثيرة اقتصرنا منها على هذا القدر، ليعلم أن
القاعدة التي أسّسها الحاكم لا أصل لها. ولو اشتغلنا بنقض هذا الفصل الواحد في التابعين وأتباعهم
وبمن روى عنهم إلى عصر الشيخين لأربى على كتابه المدخل، إلا أن الاشتغال بنقض كلام الحاكم لا
يفيد فائدة اهـ.
وقال الحافظ أبو بكر الحازمي: هذا الذي قاله الحاكم قول من لم يمعن الغوص في خبايا
الصحيح، ولو استقرأ الكتاب حق استقرائه لوجد جملة من الكتاب ناقضة لدعواه، وقد اتفق الأمة
على تلقي الصحيحين بالقبول، واختلف في أيّما أرجح. وصرّح الجمهور بتقديم صحيح
البخاري، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقضه. وأما ما نقل عن أبي عليّ النيسابوري أنه قال ما تحت
أديم السماء أصح من كتاب مسلم، فلم يصرح بكونه أصح من صحيح البخاري، لأنه إنما نفى
وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في
كتاب شارك كتاب مسلم في الصحة، يمتاز بتلك الزيادة عليه ولم ينفِ المساواة. كذلك ما نقل عن
بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق
وجودة الوضع والترتيب. ولم يفصح أحد بأن ذلك راجع إلى الأصحّيّة، ولو صرّحوا به لرد عليهم
شاهد الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب مسلم أتمّ منها في كتاب البخاري وأشد،
وشرطه فيها أقوى وأسد. أما رجحانه من حيث الاتصال فلاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له
لقاء من روى عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج أن لا يقبل
المعنعن أصلاً، وما ألزمه به ليس بلازم، لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في روايته
احتمال أن لا يكون سمع، لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسه، والمسألة مفروضة في غير
المدلس. وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط، فلأن الرجال الذين تكلم فيهم من رجال مسلم
أكثر عددًا من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج
حديثهم، بل غالبهم من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم وميز جيدها من موهومها، بخلاف
مسلم، فإن أكثر من تفرّد بتخريج حديثه ممن تكلم فيه ممن تقدّم عصره من التابعين ومن بعدهم،
ولا ريب أن المحدث أعرف بحديث شيوخه ممن تقدّم عنهم. وأما رجحانه من حيث عدم الشذوذ
والإعلال فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددًا مما انتقد على مسلم. وأما الجواب
عما انتقد عليه، فاعلم أنه لا يقدح في الشيخين كونهما أخرجا لمن طعن فيه، لأن تخريج صاحب
الصحيح لأي راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته، لا سيما وقد انضاف إلى

٣١
المقدمة
ذلك إطباق الأمة على تسميتهما بالصحيحين، وهذا إذا خرج له في الأصول، فإن خرج له في
المتابعات والشواهد والتعاليق فتتفاوت درجات من أخرج له في الضبط وغيره مع حصول اسم
الصدق لهم، فإذا وجدنا مطعونًا فيه فذلك الطعن مقابل لتعديل هذا الإمام، فلا يقبل التجريح إلا
مفسّرًا بقادح يقدح فيه، أو في ضبطه مطلقًا أو في ضبطه بخبر بعينه، لأن الأسباب الحاملة للأئمة
على الجرح متفاوتة، منها ما يقدح ومنها ما لا يقدح.
وقد كان أبو الحسن المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في الصحيح هذا جاز القنطرة،
يعني لا يلتفت إلى ما قيل فيه. وأما الأحاديث التي انتقدت عليهما فأكثرها لا يقدح في أصل
موضوع الصحيح، فإن جميعها واردة من جهة أخرى، وقد علم أن الإجماع واقع على تلقي كتابيهما
بالقبول والتسليم، إلا ما انتقد عليهما فيه. والجواب عن ذلك على سبيل الإجمال أنه لا ريب في
تقديم الشيخين على أئمة عصرهما، ومن بعده في معرفة الصحيح والمعلل، وقد روى الفربريّ عن
البخاري أنه قال: ما أدخلت في الصحيح حديثًا إلا بعد أن استخرت الله تعالى وثبتت صحته.
وقال مكّي بن عبدان: كان مسلم يقول عرضت كتابي على أبي زرعة، فكل ما أشار إلّ أن له
علة تركته .
فإذا علم هذا وتقرر أنهما لا يخرجان من الحديث إلا ما لا علة له أو له علة، إلا أنها غير
مؤثرة، وعلى تقدير توجيه كلام من انتقد عليهما يكون كلامه معارضًا لتصحيحهما، ولا ريب في
تقديمهما في ذلك على غيرهما، فيندفع الاعتراض من حيث الجملة.
وأما من حيث التفصيل فالأحاديث التي انتقدت عليهما تنقسم إلى ستة أقسام:
أوّلها: ما تختلف الرواية فيه بالزيادة والنقص من رجال الإسناد، فإن أخرج صاحب الحديث
الصحيح الطريق المزيدة وعلّله الناقد بالطريق الناقصة فهو تعليل مردود، لأن الراوي إن كان سمعه
في الطريق الناقصة فهو منقطع، والمنقطع من قسم الضعيف والضعيف لا يعلّ الصحيح، وإن أخرج
صاحب الصحيح الطريق الناقصة وعلله الناقد بالطريق المزيدة تضمن اعتراضه دعوى انقطاع فيما
صحّحه المصنف، فينظر إن كان مدلسًا من طريق أخرى، فإن وجد ذلك اندفع الاعتراض به، وإن
لم يوجد وكان الانقطاع فيه ظاهرًا، فمحصل الجواب عن صاحب الصحيح أنه إنما أخرج مثل ذلك
في باب ما له متابع وعاضد، وما حفته قرينة في الجملة تقويه، ويكون التصحيح وقع من حيث
المجموع. وفي البخاري ومسلم من ذلك حديث الأعمش عن مجاهد عن طاوس عن ابن عباس في
قصة القبرين، وأن أحدهما كان لا يستبرىء من بوله، قال الدارقطني: خالف منصور فقال عن
مجاهد عن ابن عباس، وأخرج البخاري حديث منصور على إسقاطه طاوسًا انتهى. وهذا الحديث
أخرجه البخاري في الطهارة عن عثمان بن أبي شيبة ،عن جرير، وفي الأدب عن محمد بن سلام عن
عبيدة بن حميد كلاهما عن منصور به، ورواه من طرق أخرى عن حديث الأعمش، وأخرجه باقي

٣٢
المقدمة
الأئمة الستة من حديث الأعمش أيضًا، وأخرجه أبو داود أيضًا والنسائي وابن خزيمة في صحيحه
من حديث منصور أيضًا، وقال الترمذي بعد أن أخرجه: رواه منصور عن مجاهد عن ابن عباس،
وحديث الأعمش أصح يعني المتضمن للزيادة، قال الحافظ ابن حجر: وهذا في التحقيق ليس بعلّة،
لأن مجاهدًا لم يوصف بالتدليس وسماعه من ابن عباس صحيح في جملة الأحاديث، ومنصور عندهم
أتقن من الأعمش مع أن الأعمش أيضًا من الحفاظ، فالحديث كيفما دار دار على ثقة، والإسناد
كيفما دار كان متصلاً. فمثل هذا لا يقدح في صحة الحديث إذا لم يكن راويه مدلسًا، وقد أكثر
الشيخان من تخريج مثل هذا ولم يستوعب الدارقطني انتقاده.
ثانيها: ما تختلف الرواة فيه بتغيير بعض الإسناد، فإن أمكن الجمع بأن يكون الحديث عند
ذلك الراوي على الوجهين جميعًا فأخرجهما المصنف ولم يقتصر على أحدهما، حيث يكون المختلفون
متعادلين في الحفظ والعدد كما في البخاري في بدء الخلق من حديث إسرائيل عن الأعمش ومنصور
جميعًا عن إبراهيم عن علقمة عن عبدالله، قال: ((كنّا مع النبيّ وَّر في غار فنزلت والمرسلات)) قال
الدارقطني لم يتابع إسرائيل عن الأعمش عن علقمة، أما عن منصور فتابعه شيبان عنه، وكذا رواه
مغيرة عن إبراهيم عنه انتهى. وقد حكى البخاري الخلاف فيه وهو تعليل لا يضر، وإن امتنع الجمع
بأن يكون المختلفون غير متعادلين بل متفاوتين في الحفظ والعدد، فيخرج المصنف الطريق الراجحة
ويعرض عن الطريق المرجوحة أو يشير إليها، والتعليل بجميع ذلك من أجل مجرد الاختلاف غير
قادح، إذ لا يلزم من مجرد الاختلاف اضطراب يوجب الضعف، وحينئذ فينتفي الاعتراض عما هذا
سبيله، وفي البخاري في الجنائز من هذا الثاني حديث الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب
عن جابر: أن النبيّ وَله كان يجمع بين قتلى أُحُد ويقدم أقرأهم. قال الدارقطني رواه ابن المبارك عن
الأوزاعي عن الزهري مرسلاً، ورواه معمر عن الزهري عن ابن أبي صعير عن جابر، ورواه
سليمان بن كثير عن الزهري حدّثني من سمع جابرًا وهو حديث مضطرب انتهى، قال الحافظ ابن
حجر: أطلق الدارقطني القول بأنه مضطرب مع إمكان نفي الاضطراب عنه بأن يفسر المبهم بالذي
في رواية الليث، وتحمل رواية معمر على أن الزهري سمعه من شيخين. وأما رواية الأوزاعي المرسلة
فقصر فيها بحذف الواسطة، فهذه طريقة من ينفي الاضطراب عنه، وقد ساق البخاري ذكر الخلاف
فيه، وإنما أخرج رواية الأوزاعي مع انقطاعها لأن الحديث عنده عن عبد الله بن المبارك عن الليث
والأوزاعي جميعًا عن الزهري، فأسقط الأوزاعي عبد الرحمن بن كعب وأثبته الليث وهما في الزهري
سواء، وقد صرّحا بسماعهما له منه، فقيل زيادة الليث لثقته، ثم قال بعد ذلك ورواه سليمان بن
كثير عن الزهري عمن سمع جابرًا، وأراد بذلك إثبات الواسطة بين الزهري وبين جابر فيه في
الجملة، وتأكيد رواية الليث بذلك، ولم نرها علة توجب اضطرابًا. وأما رواية معمر فقد وافقه عليها
سفيان بن عيينة فرواه عن الزهري عن ابن أبي صعير، وقال ثبتني فيه معمر فرجعت روايته إلى رواية
معمر.

٣٣
المقدمة
ثالثها: ما تفرد بعض الرواة بزيادة فيه دون من هو أكثر عددًا أو أضبط ممن لم يذكرها، فهذا
لا يؤثر التعليل به إلا إن كانت الزيادة منافية بحيث يتعذر الجمع، أما إذا كانت الزيادة لا منافاة فيها
بحيث تكون كالحديث المستقل فلا نعم إن صح بالدلائل أن تلك الزيادة مدرجة من كلام بعض
رواته فيؤثر ذلك.
رابعها: ما تفرّد به بعض الرواة ممن ضعف منهم، وليس في البخاري من ذلك غير حديثين،
وقد توبعا أحدهما حديث أبيّ بن عباس بن سهل بن سعد عن أبيه عن جدّه قال: كان للنبيّ وَل
فرس يقال له اللخيف. قال الدارقطني هذا ضعيف انتهى. وهو ابن سعد الساعدي الأنصاري الذي
ضعفه أحمد وابن معين، وقال النسائي ليس بالقوي، لكن تابعه عليه أخوه عبد المهيمن بن عباس
وروى له الترمذي وابن ماجة، وثانيهما في الجهاد من البخاري في باب: إذا أسلم قوم في دار
الحرب. حديث إسماعيل بن أبي أويس عن مالك عن زيد بن أسلم عن أبيه، أن عمر استعمل مولى
له يسمى هنيًا على الحمى الحديث بطوله، قال الدارقطني إسماعيل ضعيف. قال الحافظ ابن حجر
أظن أن الدارقطني إنما ذكر هذا الموضع من حديث إسماعيل خاصة وأعرض عن الكثير من حديثه
عند البخاري، لكون غيره شاركه في تلك الأحاديث وتفرد بهذا، فإن كان كذلك فلم ينفرد بل تابعه
عليه معن بن عيسى فرواه عن مالك كرواية إسماعيل سواء.
خامسها: ما حكم فيه بالوهم على بعض رواته فمنه ما يؤثر ومنه ما لا يؤثر.
سادسها: ما اختلف فيه بتغيير بعض ألفاظ المتن، فهذا لا يترتب عليه قدح لإمكان الجمع في
المختلف من ذلك أو الترجيح، كحديث جابر في قصة الجمل وحديثه في وفاء دين أبيه، وحديث
أبي هريرة في قصة ذي اليدين. وربما يقع التنبيه على شيء من هذه الأقسام في موضعه من هذا
الشرح بتوفيق الله تعالى ومعونته. والذي في البخاري من هذه الأقسام مائة حديث وعشرة أحاديث
شاركه في كثير منها مسلم لا نطيل بسردها، وأما الجواب عمن طعن فيه من رجال البخاري فليعلم
أن تخريج صاحب الصحيح لأيّ راوٍ كان مقتضٍ لعدالته عنده وصحة ضبطه وعدم غفلته مع ما
انضاف لذلك من إطباق جمهور الأمة على تسمية الكتابين بالصحيحين، وهذا معنى لم يحصل لغير من
خرج عنه في الصحيحين، فهو بمثابة إطباق الجمهور على تعديل من ذكر فيهما، ولا يقبل الطعن في
أحد من رواتهما إلا بقادح واضح، لأن أسباب القدح كما مرّ مختلفة، ومداره هنا على خمسة: البدعة
أو المخالفة أو الغلط أو جهالة الحال أو دعوى الانقطاع بالسند بأن يدعي في راويه أنه کان یدلس
ویرسل.
فأما البدعة فالموصوف بها إن كان غير داعية قبل وإلا فلا، وقال ابن دقيق العيد إن وافق غير
الداعية غيره فلا يلتفت إليه إخمادًا لبدعته وإطفاء لناره، وإن لم يوافقه أحد، ولم يوجد ذلك الحديث
إلا عنده مع كونه صادقًا متحرزًا عن الكذب مشهورًا بالتدين، وعدم تعلق ذلك الحديث ببدعته،
فينبغي أن تقدم مصلحة تحصيل ذلك الحديث ونشر تلك السنة على مصلحة إهانته.
إرشاد الساري/ ج ١ / م ٣

٣٤
المقدمة
وأما المخالفة وينشأ عنها الشذوذ والنكارة، فإذا روى الضابط والصدوق شيئًا فرواه من هو
أحفظ منه أو أكثر عددًا بخلاف ما روى، بحيث يتعذر الجمع على قواعد المحدثين فهذا شاذ، وقد
تشتد المخالفة أو يضعف الحفظ فيحكم على ما يخالف فيه بكونه منكرًا وهذا ليس في الصحيح منه
سوی نزر يسير .
وأما الغلط فتارة يكثر من الراوي وتارة يقل، فحيث يوصف بكونه كثير الغلط ينظر فيما
أخرج له إن وجد مرويًّا عنده أو عند غيره من رواية غير هذا الموصوف علم أن المعتمد أصل الحديث
لا خصوص هذه الطريق، وإن لم يوجد إلاّ من طريقه فهو قادح يوجب التوقف عن الحكم بصحة
ما هذا سبيله وليس في الصحيح بحمد الله من ذلك شيء.
وأما الجهالة فمندفعة عن جميع من أخرج لهم في الصحيح، لأن شرط الصحيح أن يكون
راويه معروفًا بالعدالة، فمن زعم أن أحدًا منهم مجهول فكأنه نازع المصنف في دعواه أنه معروف،
ولا ريب أن المدعي لمعرفته مقدّم على من يدعي عدم معرفته لما مع المثبت من زيادة العلم، ومع ذلك
فلا نجد في رجال الصحيح ممن يسوغ إطلاق اسم الجهالة عليه أصلاً.
وأما دعوى الانقطاع فمدفوعة عمن أخرج لهم البخاري لما علم من شرطه، ولا نطيل بسرد
أسمائهم ورد ما قيل فیھم.
وأما بيان موضوعه وتفرّده بمجموعه وتراجمه البديعة المثال المنيعة المنال، فاعلم أنه رحمه الله
تعالى قد التزم مع صحة الأحاديث استنباط الفوائد الفقهية والنكت الحكمية، فاستخرج بفهمه الثاقب
من المتون معاني كثيرة فرقها في أبوابه بحسب المناسبة، واعتنى فيها بآيات الأحكام وانتزع منها
الدلالات البديعة وسلك في الإشارات إلى تفسيرها السبل الوسيعة، ومن ثم أخلى كثيرًا من الأبواب
عن ذكره إسناد الحديث، واقتصر فيه على قوله فلان عن النبيّ بَّه ونحو ذلك، وقد يذكر المتن بغير
إسناد وقد يورده معلقًا لقصد الاحتجاج لما ترجم له وأشار للحديث لكونه معلومًا أو سبق قريبًا،
ويقع في كثير من أبوابه أحاديث كثيرة وفي بعضها حديث واحد وفي بعضها آية من القرآن فقط
وبعضها لا شيء فيه البتّة. وقد وقع في بعض نسخ الكتاب ضم باب لم يذكر فيه حديث، إلى
حديث لم يذكر فيه باب، فاستشكله بعضهم، لكن أزال الإشكال الحافظ أبو ذر الهروي بما رواه عن
الحافظ أبي إسحق المستملي، مما ذكره أبو الوليد الباجي بالموحدة والجيم في كتابه أسماء رجال
البخاري، قال: استنسخت كتاب البخاري من أصله الذي كان عند الفربري فرأيت أشياء لم تتم
وأشياء مبيضة، منها تراجم لم يثبت بعدها شيئًا وأحاديث لم يترجم لها، فأضفنا بعض ذلك إلى
بعض. قال الباجي: ومما يدل على صحة ذلك أن رواية المستملي والسرخسي والكشميهني وأبي زيد
المروزي مختلفة بالتقديم والتأخير، مع أنهم استنسخوها من أصل واحد، وإنما ذلك بحسب ما قد
رأى كل واحد منهم فيما كان في طرة أو رقعة مضافة أنه من موضع، فأضافها إليه: ويبينّ ذلك
أنك تجد ترجمتين وأكثر من ذلك متصلة ليس بينها أحاديث. قال الحافظ ابن حجر: وهذه قاعدة

٣٥
المقدمة
حسنة يفزع إليها بحيث يتعسر الجمع بين الترجمة والحديث وهي مواضع قليلة اهـ. وهذا الذي قاله
الباجي فيه نظر من حيث أن الكتاب قرىء على مؤلفه، ولا ريب أنه لم يقرأ عليه إلا مرتبًا مبوّبًا،
فالعبرة بالرواية لا بالمسودّة التي ذكر صفتها، ثم إن التراجم الواقعة فيه تكون ظاهرة وخفية،
فالظاهرة أن تكون الترجمة دالّة بالمطابقة لما يورده في مضمنها، وإنما فائدتها الإعلام بما ورد في ذلك
الباب من غير اعتبار لمقدار تلك الفائدة، كأنه يقول هذا الباب الذي فيه كيت وكيت. وقد تكون
الترجمة بلفظ المترجم له أو ببعضه أو بمعناه، وقد يأتي من ذلك ما يكون في لفظ الترجمة احتمال
لأكثر من معنى واحد فيعين أحد الاحتمالين بما يذكره تحتها من الحدیث، وقد يوجد فيه عكس ذلك
بأن يكون الاحتمال في الحديث والتعيين في الترجمة، والترجمة هنا بيان لتأويل ذلك الحديث نائبة
مناب قول الفقيه، مثلاً المراد بهذا الحديث العام الخصوص أو بهذا الحديث الخاص العموم إشعارًا
بالقياس لوجود العلة الجامعة، أو أن ذلك الخاص المراد به ما هو أعم مما يدل عليه ظاهره بطريق
الأعلى أو الأدنى، ويأتي في المطلق والمقيد نظير ما ذكر في العام والخاص، وكذا في شرح المشكل
وتفسير الغامض وتأويل الظاهر وتفصيل المجمل، وهذا الموضع هو معظم ما يشكل من تراجم
البخاري، ولذا اشتهر من قول جمع من الفضلاء: فقه البخاري في تراجمه، وأكثر ما يفعل ذلك إذا لم
يجد حديثًا على شرطه في الباب ظاهر المعنى في المقصد الذي يترجم به ويستنبط الفقه منه، وقد
يفعل ذلك لغرض شحذ الأذهان في إظهار مضمره واستخراج خبيئه، وكثيرًا ما يفعل ذلك أي هذا
الأخير حيث يذكر الحديث المفسر لذلك في موضع آخر متقدمًا أو متأخرًا، فكأنه يحيل عليه ويومىء
بالرمز والإشارة إليه، وكثيرًا ما يترجم بلفظ الاستفهام كقوله: باب هل يكون كذا، أو من قال كذا
ونحو ذلك. وذلك حيث لا يتجه له الجزم بأحد الاحتمالين، وغرضه بيان هل ثبت ذلك الحكم أو لم
يثبت، فيترجم على الحكم ومراده ما يفسر بعد من إثباته أو نفيه، أو أنه محتمل لهما، وربما كان
أحد المحتملين أظهر، وغرضه أن يبقي للناظر مجالاً وينبّه على أن هناك مجالاً أو تعارضًا يوجب
التوقف حيث يعتقد أن فيه إجمالاً أو يكون المدرك مختلفًا في الاستدلال به، وكثيرًا ما يترجم بأمر
ظاهر قليل الجدوى، لكنه إذا حقّقه المتأمل أجدى كقوله: باب قول الرجل ما صلينا. فإنه أشار به إلى
الرد على من كره ذلك. وكثيرًا ما يترجم بأمر يختص ببعض الوقائع لا يظهر في بادىء الرأي كقوله:
باب استياك الإمام بحضرة رعيته. فإنه لما كان الاستياك قد يظن أنه من أفعال المهنة، فلعل أن يظن
أن إخفاءه أولى مراعاة للمروءة، فلما وقع في الحديث أنه بَلّر استاك بحضرة الناس دل على أنه من
باب التطيب لا من الباب الآخر، نبه على ذلك ابن دقيق العيد، قال الحافظ ابن حجر: ولم أرَ هذا
في البخاري، فكأنه ذكره على سبيل المثال. وكثيرًا ما يترجم بلفظ يومىء إلى معنى حديث لم يصح
على شرطه أو يأتي بلفظ الحديث الذي لم يصح على شرطه صريحًا في الترجمة، ويورد في الباب ما يؤدي
معناه بأمر ظاهر وتارة بأمر خفيّ، من ذلك قوله: باب الأمراء من قريش. وهذا لفظ حديث يروى
عن علي وليس على شرط البخاري، وأورد فيه حديث لا يزال والٍ من قريش. وربما اكتفى أحيانًا
بلفظ الترجمة التي هي لفظ حديث لم يصح على شرطه وأورد معها أثرًا أو آية، فكأنه يقول لم يصح

٣٦
المقدمة
في الباب شيء على شرطي، وللغفلة عن هذه المقاصد الدقيقة، اعتد مَن لم يمعن النظر أنه ترك
الكتاب بلا تبييض. وبالجملة فتراجمه حيّرت الأفكار وأدهشت العقول والأبصار ولقد أجاد القائل:
أعيا فحول العلم حلّ رموز ما أبداه في الأبواب من أسرار
وإنما بلغت هذه المرتبة وفازت بهذه المنقبة لما روي أنه بيضها بين قبر النبي ل﴿ ومنبره، وأنه
كان يصلي لكل ترجمة ركعتين.
وأما تقطيعه للحديث واختصاره وإعادته له في الأبواب وتكراره فقال الحافظ أبو الفضل بن
طاهر في جواب المتعنت: اعلم أن البخاري رحمه الله تعالى كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع
ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ويستخرج منه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه، وقلما يورد
حديثًا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد، وإنما يورده من طريق أخرى لمعانٍ يذكرها، فمنها أنه
يخرّج الحديث عن صحابّ ثم يورده عن صحابيّ آخر، والمقصود منه أن يخرج الحديث من حدّ
الغرابة، وكذا يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلمّ جرًا إلى مشايخه، فيعتقد من يرى ذلك من
غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك، لاشتماله على فائدة زائدة، ومنها أنه صحح أحاديث على
هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معانٍ متغايرة، فيورده في كل باب من طريق غير الطريق
الأوّل، ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة وبعضهم مختصرة فيرويها كما جاءت ليُزيل الشبهة عن
ناقلها، ومنها أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدّث راوٍ بحديث فيه كلمة تحتمل معنى آخر،
فيورده بطرقه إذا صحّت على شرطه، ويفرد لكل لفظة بابًا مفردًا، ومنها أحاديث تعارض فيها
الوصل والإرسال ورجح عنده الوصل فاعتمده، وأورد الإرسال منبهًا على أنه لا تأثير له عنده في
الموصول، ومنها أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك، ومنها أحاديث زاد فيها
بعض الرواة رجلاً في الإسناد ونقصه بعضهم، فيوردها على الوجهين، حيث يصح عنده أن الراوي
سمعه من شيخ حدّثه به عن آخر، ثم لقي آخر فحدّثه به، فكان يرويه على الوجهين. ومنها أنه ربما
أورد حديثًا عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرّحًا فيها بالسماع على ما عرف من طريقه في
اشتراط ثبوت اللقاء من المعنعن.
وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره على بعضه أخرى، فلأنه إن كان المتن قصيرًا
ومرتبطًا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدًا، فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيًا عدم إخلائه
من فائدة حديثية وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك، فيستفاد بذلك
كثرة الطرق، لذلك الحديث، وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلاّ طريق واحد،
فيتصرّف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولاً وفي آخر معلقًا وتارة تامًا وأخرى مقتصرًا على طرفه
الذي يحتاج إليه في ذلك الباب، فإن كان المتن مشتملاً على جمل متعددة لا تعلّق لإحداها بالأخرى،
فإنه يخرّج كل جملة منها في باب مستقل فرارًا من التطويل، وربما نشط فساقه بتمامه. وقد ذكر أنه

٣٧
المقدمة
وقع في بعض نسخ البخاري في أثناء الحج بعد باب قصر الخطبة بعرفة باب التعجيل إلى الموقف،
قال أبو عبد الله: يزاد في هذا الباب حديث مالك عن ابن شهاب، ولكني لا أريد أن أدخل فيه
معادًا، وهذا كما قال في مقدمة الفتح يقتضي أنه لا يتعمد أن يخرّج في كتابه حديثًا معادًا بجميع
إسناده ومتنه، وإن كان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد وهو قليل جدًّا اهـ.
قلت وقد رأيت ورقة بخط الحافظ ابن حجر تعليقًا أحضرها إليّ صاحبنا الشيخ العلامة
المحدّث البدر المشهدي نصها: نبذة من الأحاديث التي ذكرها البخاري في موضعين سندًا ومتنّا،
حديث عبد الله بن مغفل ((رمى إنسان بجراب فيه شحم)) في آخر الخمس وفي الصيد والذبائح،
حديث ((في نحر البدن في الحج)) عن سهل بن بكار عن وهب ذكره في موضعين متقاربين، حديث
أنس ((أصيب حارثة فقالت أمه في غزوة بدر وفي الرقاق)) حديث ((أن رجلين خرجا ومعهما مثل
المصباحين)) في باب المساجد وفي باب انشقاق القمر، حديث أنس ((أن عمر استسقى بالعباس)) في
الاستسقاء ومناقب العباس: حديث أبي بكرة ((إذا التقى المسلمان)) في باب وإن طائفتان في كتاب
الإيمان وفي كتاب الديات، حديث أبي جحيفة ((سألت عليًّا هل عندكم شيء)) في باب المقاتلة وفي
باب لا يقتل مسلم بكافر. حديث حذيفة حدّثنا حديثين أحدهما في باب رفع الأمانة من الرقاق وفي
باب إذا بقي حثالة من الفتن. حديث أبي هريرة ((في قول رجل من أهل البادية لسنا أصحاب زرع))
في كتاب الحرث وفي التوحيد في كلام الرب مع الملائكة. حديث عمر ((كانت أموال بني النضير))
في باب المجنّ من الجهاد وفي التفسير. حديث أبي هريرة ((بينا أيوب يغتسل عريانًا)) في أحاديث
الأنبياء وفي التوحيد. حديث ((لا تقسم ورثتي)) في الخمس وقبله في الجهاد. حديث عبد الله بن
عمرو ((من قتل معاهدًا)) في الجزية وباب من قتل معاهدًا، وفي الديات باب من قتل ذميًّا. حديث
أبي سعيد ((إذا صلى أحدكم إلى شيء يستره) في الصلاة وفي صفة إبليس. حديث أبي هريرة ((وكّلني
بحفظ زكاة رمضان» في الوكالة وفي فضائل القرآن. حديث عدي بن حاتم ((جاء رجلان أحدهما
يشكو العيلة)) في الصدقة قبل الردّ وفي علامات النبوة. حديث أنس ((انهزم الناس يوم أُحُد)) في
غزوة أُحُد وفي الجهاد ومناقب طلحة. حديث أبي موسى ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى
أرض ذات نخل)) الحديث في علامات النبوّة وفي المغازي وفي التفسير. حديث ابن عباس («هذا
جبريل)) في غزوة بدر وفي غزوة أُحُد. حديث جابر ((أمر عليًّا أن يقيم على إحرامه)) في الحج وفي
بعث عليّ من المغازي، حديث عائشة ((كان يوضع إليّ المركز)) في الطهارة وفي الاعتصام. وهذا آخر
ما وجدته بخط الحافظ ابن حجر من ذلك، ورأيت في البخاري أيضًا حديث أبي هريرة: ((كان أهل
الكتاب يقرؤون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام» في باب لا تسألوا أهل الكتاب
عن شيء، من كتاب الاعتصام وفي تفسير سورة البقرة وفي باب ما يجوز من تفسير التوراة في
کتاب التوحید.
وأما اقتصاره أي البخاري على بعض المتن من غير أن يذكر الباقي في موضع آخر، فإنه لا يقع

٣٨
المقدمة
له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفًا على الصحابي وفيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصر
على الجملة التي يحكم لها بالرفع ويحذف الباقي، لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه، كما وقع له في
حديث هذيل بن شرحبيل عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: ((إن أهل الإسلام لا يسيبون
وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون)). هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوّله ((جاء رجل إلى
عبد الله بن مسعود فقال: إني أعتقت عبدًا لي سائبة فمات وترك مالاً ولم يدع وارثًا فقال عبد الله:
إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ولي نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت
وتحرجت في شيء فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال)) فاقتصر البخاري على ما يعطى حكم
الرفع من هذا الموقوف وهو قوله إن أهل الإسلام لا يسيبون، لأنه يستدعي بعمومه النقل عن
صاحب الشرع لذلك الحكم، واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه، وهذا من أخفى المواضع
التي وقعت له من هذا الجنس. فقد اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة حتى لو لم يظهر لإعادته فائدة من
جهة الإسناد ولا من جهة المتن، لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم الذي تشتمل عليه الترجمة
الثانية موجبًا لئلا يعدّ تكرارًا بلا فائدة. كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية وهي إخراجه
للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك.
وأما إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة فيوردها تارة مجزومًا بها كقال وفعل فلها حكم
الصحيح، وغير مجزوم بها كيروى ويذكر. فالمرفوع تارة يوجد في موضع آخر منه موصولاً وتارة
معلقًا، فالأوّل وهو الموصول إنما يورده معلقًا حيث يضيق مخرج الحديث إذ إنه لا يكرر إلا لفائدة،
فمتى ضاق المخرج واشتمل المتن على أحكام واحتاج إلى تكريره يتصرف في الإسناد بالاختصار
خوف التطويل، والثاني وهو ما لا يوجد فيه إلا معلقًا، فأما أن يذكره بصيغة الجزم فيستفاد منه
الصحة عن المضاف إلى من علق عنه وجوبًا لكن يبقى النظر فيمن أبرز من رجال ذلك الحديث، فمنه
ما يلحق بشرطه ومنه ما لا يلحق، فأما الأوّل فالسبب في كونه لم يوصل إسناده لكونه أخرج ما
يقوم مقامه فاستغنى عن إيراده مستوفيًّا ولم يهمله بل أورده معلقًا اختصارًا، أو لكونه لم يحصل عنده
مسموعًا، أو سمعه وشك في سماعه له من شيخه، أو سمعه مذاكرة فلم يسقه مساق الأصل،
وغالب هذا فيما أورده عن مشايخه، فمن ذلك أنه قال في كتاب الوكالة: قال عثمان بن الهيثم:
حدّثنا عوف حدّثنا محمد بن سيرين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: ((وكلني رسول الله وَلو بزكاة
رمضان)) الحديث بطوله، وأورده في مواضع أُخَر منها في فضائل القرآن وفي ذكر إبليس، ولم يقل
في موضع منها حدّثنا عثمان، فالظاهر أنه لم يسمعه منه. وقد استعمل البخاري هذه الصيغة فيما لم
يسمعه من مشايخه في عدة أحاديث، فيرودها عنهم بصيغة قال فلان، ثم يوردها في موضع آخر
بواسطة بينه وبينهم، ويأتي لذلك أمثلة كثيرة في مواضعها. فقال في التاريخ: قال إبراهيم بن موسى
حدّثنا هشام بن يوسف، فذكر حديثًا، ثم قال: حدّثوني بهذا عن إبراهيم. ولكن ليس ذلك مطّردًا
في كل ما أورده بهذه الصيغة. لكن مع هذا الاحتمال لا يجمل حمل جميع ما أورده بهذه الصيغة على

٣٩
المقدمة
أنه سمع ذلك من شيوخه، ولا يلزم من ذلك أن يكون مدلسًا عنهم. فقد صرّح الخطيب وغيره بأن
لفظ قال: لا يحمل على السماع إلا ممن عرف من عادته أنه لا يطلق ذلك إلا فيما سمع، فاقتضى
ذلك أن من لم يعرف ذلك من عادته كان الأمر فيه على الاحتمال.
وأما ما لا يلتحق بشرطه، فقد يكون صحيحًا على شرط غيره، كقوله في الطهارة. وقالت
عائشة: كان رسول الله * يذكر الله على كل أحيانه، فإنه حديث صحيح على شرط مسلم أخرجه
في صحيحه. وقد يكون حسنًا صالحًا للحجة كقوله فيها: وقال بهز بن حكيم عن أبيه عن جدّه الله
أحقّ أن يستحيا منه من الناس. فإنه حديث حسن مشهور عن بهز أخرجه أصحاب السنن. وقد
يكون ضعيفًا لا من جهة قدح في رجاله بل من جهة انقطاع يسير في إسناده كقوله في كتاب الزكاة .
وقال طاوس: قال معاذ بن جبل لأهل اليمن: ائتوني بعرض ثياب خميص أو لبيس في الصدقة مكان
الشعير والذرة أهون عليكم وخير لأصحاب محمد رَّر. فإن إسناده إلى طاوس صحيح إلا أن طاوسًا
لم يسمع من معاذ.
وأما ما يذكره بصيغة التمريض فلا يستفاد منه الصحة عن المضاف إليه لكن فيه ما هو صحيح
وفيه ما ليس بصحيح، فالأوّل لم يوجد فيه ما هو على شرطه إلا في مواضع يسيرة جدًّا ولا يذكرها
إلا حيث يذكر ذلك الحديث المعلق بالمعنى، ولم يجزم ذلك كقوله في الطب: ويذكر عن النبيّ وَّر
في الرقى بفاتحة الكتاب فإنه أسنده في موضع آخر من طريق عبيد الله بن الأخنس عن ابن أبي مليكة
عن ابن عباس أن نفرًا من أصحاب النبي ◌َّ مرّوا بحيّ فيه لديغ. فذكر الحديث في رقيتهم للرجل
بفاتحة الكتاب. وفيه قوله و سير لما أخبروه بذلك أن أحقّ ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله. فهذا لما
أورده بالمعنى لم يجزم به إذ ليس في الموصول أنه ◌َّهو ذكر الرقية بفاتحة الكتاب، إنما فيه أنه لم ينههم
عن فعله، فاستفيد ذلك من تقريره.
وأما ما لم يورده في موضع آخر مما أورده بهذه الصيغة فمنه ما هو صحيح إلا أنه ليس على
شرطه كقوله في الصلاة ويذكر عن عبد الله بن السائب قال: قرأ النبي ◌ّر المؤمنون في صلاة
الصبح حتى إذا جاء ذكر موسى وهارون أو ذكر عيسى أخذته سعلة فركع، وهو حديث صحيح على
شرط مسلم في صحيحه. ومنه ما هو حسن كقوله في البيوع: ويذكر عن عثمان بن عفان رضي الله
عنه أن النبي ◌َّر قال: ((إذا بعت فاكتل)). وهذا الحديث قد رواه الدارقطني من طريق عبيد الله بن
المغيرة وهو صدوق عن منقذ مولى عثمان وقد وثق عن عثمان وتابعه عليه سعيد بن المسيب. ومن
طريقه أخرجه أحمد في المسند إلا أن في إسناده ابن لهيعة، ورواه ابن أبي شيبة في مصنفه من حديث
عطاء عن عثمان وفيه انقطاع، فالحديث حسن لما عضده من ذلك. ومنه ما هو ضعيف فرد، إلا أن
العمل على موافقته كقوله في الوصايا عن النبي ◌َلّر أنه قضى بالدين قبل الوصية، وقد رواه الترمذي
موصولاً من حديث أبي إسحق السبيعيّ عن الحرث الأعور عن علّ والحرث ضعيف، وقد استغربه
الترمذي ثم حكى إجماع أهل المدينة على القول به. ومنه ما هو ضعيف فرد لا جابر له وهو في

٤٠
المقدمة
البخاري قليل جدًّا، وحيث يقع ذلك فيه يتعقبه المصنف بالتضعيف بخلاف ما قبله. ومن أمثلته قوله
في كتاب الصلاة: ويذكر عن أبي هريرة رفعه لا يتطوّع الإمام في مكانه. ولم يصح وهو حديث
أخرجه أبو داود من طريق ليث بن أبي سليم عن الحجاج بن عبيد عن إبراهيم بن إسماعيل عن أبي
هريرة، وليث بن أبي سليم ضعيف، وشيخ شيخه لا يعرف، وقد اختلف عليه فيه، فهذا حكم
جميع ما في البخاري من التعاليق المرفوعة بصيغتي الجزم والتمريض.
وأما الموقوفات فإنه يجزم فيها بما صح عنده ولو لم يكن على شرطه، ولا يجزم بما كان في
إسناده ضعف أو انقطاع إلا حيث يكون منجبرًا إما بمجيئه من وجه آخر وإما بشهرته عمّن قاله،
وإنما يورد ما يورد من الموقوفات من فتاوى الصحابة رضي الله عنهم والتابعين، وكتفاسيرهم لكثير
من الآيات على طريق الاستئناس والتقوية لما يختاره من المذاهب في المسائل التي فيها الخلاف بين
الأئمة، فحينئذ ينبغي أن يقال جميع ما يورده فيه إما أن يكون مما ترجم به أو مما ترجم له، فالمقصود
في هذا التأليف بالذات هو الأحاديث الصحيحة وهي التي ترجم لها. والمذكور بالعرض والتبع
الآثار الموقوفة والآثار المعلقة، نعم والآيات المكرّمة. فجميع ذلك مترجم به، إلا أنه إذا اعتبر بعضها
مع بعض واعتبرت أيضًا بالنسبة إلى الحديث يكون بعضها مع بعض منها مفسر ومفسر، ويكون
بعضها كالمترجم له باعتبار، ولكن المقصود بالذات هو الأصل. فقد ظهر أن موضوعه إنما هو
للمسندات والمعلق ليس بمسند، ولذا لم يتعرّض الدارقطني فيما تتبعه على الصحيحين إلى الأحاديث
والمعلقات، لعلمه بأنها ليست من موضوع الكتاب، وإنما ذكرت استئناسًا واستشهادًا اهـ. من
مقدّمة فتح الباري بحروفه وبالله تعالى التوفيق والمستعان.
وأما عدد أحاديث الجامع فقال ابن الصلاح سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون بتأخير الموحدة
عن السين فيهما بالأحاديث المكررة، وتبعه النووي وذكرها مفصلة، وساقها ناقلاً لها من كتاب
جواب المتعنت لأبي الفضل بن طاهر، وتعقب ذلك الحافظ أبو الفضل بن حجر رحمه الله تعالى بابًا
بابًا محرّرًا ذلك، وحاصله أنه قال جميع أحاديثه بالمكرر سوى المعلقات والمتابعات على ما حرّرته
وأتقنته سبعة آلاف بالموحدة بعد السين وثلثمائة وسبعة وتسعون حديثًا، فقد زاد على ما ذكروه مائة
حديث واثنين وعشرين حديثًا. والخالص من ذلك بلا تكرار ألفا حديث وستمائة وحديثان. وإذا
ضم له المتون المعلقة المرفوعة التي لم يوصلها في موضع آخر منه وهي مائة وتسعة وخمسون صار
مجموع الخالص ألفي حديث وسبعمائة وإحدى وستين حديثًا. وجملة ما فيه من التعاليق ألف وثلثمائة
وأحد وأربعون حديثًا وأكثرها مكرر مخرج في الكتاب أصول متونه، وليس فيه من المتون التي لم
تخرج في الكتاب، ولو من طريق أخرى إلا مائة وستون حديثًا. وجملة ما فيه من المتابعات والتنبيه
على اختلاف الروايات ثلثمائة وأربعة وأربعون حديثًا. فجملة ما في الكتاب على هذا بالمكرر تسعة
آلافٍ واثنان وثمانون حديثًا خارجًا عن الموقوفات على الصحابة والمقطوعات على التابعين فمن
بعدهم.