Indexed OCR Text

Pages 201-220

٢٠١
كفر المرتدين بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم
عَبَيْدُ الله بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتَّ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ لَّا تُوُفِّ رَسُولُ الله صَلّىاللهُ
أيضا عن أبى صالح وقد تقدم أن اسم أبى هريرة عبد الرحمن بن صخر على الاصح من نحو
ثلاثين قولا وأن اسم أبى صالح ذكوان السمان وأن اسم أبى سفيان طلحة بن نافع وأن اسم الاعمش
سليمان بن مهران . وأماغياث فبالغين المعجمة وآخره مثلثة . وفيه أبو الزبير وقد تقدم فى كتاب
الإيمان أن اسمه محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة فوق وفيه أبو غسان المسمعى مالك بن
عبد الواحد هو بكسر الميم الاولى وفتح الثانية واسكان المهملة بينهما منسوب الى مسمع بن ربيعة
وتقدم بیانصرفغسان وعدمه وأنه يجوز الوجهانفيه . وفيهواقد بن محمد وهو بالقاف وقدقدمنا
فى الفصول أنه ليس فى الصحيحين وافدبالفاء بل كله بالقاف. وفيه أبو خالد الاحمر وأبو مالك عن
أبيه فأبو مالك اسمه سعد بن طارق وطارق صحابى وقد تقدم ذكرهما فى باب أركان الاسلام وتقدم
فيه أيضا أن أبا خالد اسمه سليمان بن حيان بالمثناة وفيه عبد العزيز الدراوردى وهو بفتح الدال
المهملة وبعدها راء ثم ألف ثم واو مفتوحة ثم راء أخرى ساكنة ثم دال أخرى ثم ياء النسب
واختلف فى وجه نسبته فالاصح الذى قاله المحققون أنه نسبة الى درامجرد بفتح الدال الاولى
وبعدها راء ثم ألف ثم باء موحدة مفتوحة ثم جيم مكسورة ثم راء ساكنة ثم دال فهذا قول
جماعات من أهل العربية واللغة منهم الاصمعى وأبو حاتم السجستانى وقاله من المحدثين أبو عبد الله
البخارى الامام وأبو حاتم بن حبان البستى وأبو نصر الكلاباذى وغيرهم قالوا وهو من شواذ
النسب قال أبو حاتم وأصله درابی أو جردی ودرابى أجود قالوا ودرابجرد مدينة بفارس قال
البخارى والكلاباذى كان جد عبد العزيز هذا منها وقال البستى كان أبوه منها وقال ابن قتيبة
وجماعة من أهل الحديث هو منسوب الى دراورد ثم قيل دراورد هى درامجرد وقيل بل هى
قرية بخراسان وقال السمعانى فى كتاب الانساب قيل انه من أندرابه يعنى بفتح الهمزة وبعدها
نون ساكنة ثم دال مهملة مفتوحة ثم راء ثم ألف ثم باء موحدة ثم هاء وهى مدينة من عمل بلخ
وهذا الذى قاله السمعانى لائق بقول من يقول فيه الاندراوردى . وأما فقهه ومعانيه فقوله
﴿لما توفى رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف أبو بكر رضى الله عنه بعده وكفرمن کفر
٢٦٠- ١))

٢٠٢
أصناف المرتدين
عَلَيْه وَسَلَ وَاسْتَخْلفَ أَبُوبَكْر بَعْدَهُ وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ منَ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّاب
//٥
من العرب) قال الخطابي رحمه الله فى شرح هذا الكلام كلاما حسنا لابد من ذكره لما فيه من
الفوائد قال رحمه اللّه ما يجب تقديمه فى هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين صنف ارتدوا
عن الدين ونابذوا الملة وعادوا إلى الكفر وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله وكفر من كفر
من العرب وهذه الفرقة طائفتان أحداهما أصحاب مسيلمة من بنى حنيفة وغيرهم الذين صدقوه
على دعواه فى النبوة وأصحاب الاسود العنسى ومن كان من مستجيبيه من أهل اليمن وغيرهم وهذه
الفرقة بأسرها منكرة النبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم مدعية النبوة لغيره فقاتلهم أبو بكر
رضى الله عنه حتى قتل الله مسيلمة باليمامة والعنسى بصنعاء وانفضت جموعهم وهلك أكثرهم
والطائفة الأخرى ارتدوا عن الدين واذكروا الشرائع وتركوا الصلاة والزكاة وغيرها من أمور
الدين وعادوا إلى ما كانوا عليه فى الجاهلية فلم يكن يسجد لله تعالى فى بسيط الارض الا فى
ثلاثة مساجد مسجد مكة ومسجد المدينة ومسجد عبد القيس فى البحرين فى قرية يقال لها
جواثا ففى ذلك يقول الأعور الشنى يفتخر بذلك
والمنبران وفصل القول فى الخطب
والمسجد الثالث الشرقی كان لنا
أيام لامنبر للناس نعرفه
الا بطيبة والمحجوب ذى الحجب
وكان هؤلاء المتمسكون بدينهم من الازد محصورين بجوائًا إلى أن فتح الله سبحانه على المسلمين
اليمامة فقال بعضهم وهو رجل من بنى أبى بكر بن كلاب يستنجد أبا بكر الصديق رضى الله عنه
وفتيان المدينة أجمعينا
ألا أبلغ أبا بكر رسولا
قعود فى جواثا محصرينا
فهل لكم الى قوم كرام
دماء البدن تغشى الناظرينا
كأن دماءهم فى كل فج
وجدنا النصر للمتوكلينا
توكلنا على الرحمن انا
والصنف الآخر هم الذين فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة
ووجوب أدائها الى الامام وهؤلاء على الحقيقة أهل بغى وانما لم يدعوا بهذا الأسم فى ذلك

٢٠٣
وجوب قتال تارك أحد أركان الاسلام
الزمان خصوصاً لدخولهم فى غمار أهل الردة فأضيف الاسم فى الجملة الى الردة اذ كانت أعظم
الامرين وأهمهما وأرخ قتال أهل البغى فى زمن على بن أبى طالب رضى الله عنه اذكانوا
منفردين فى زمانه لم يختلطوا بأهل الشرك وقد كان فى ضمن هؤلاء المانعين للزكاة من كان يسمح
بالزكاة ولا يمنعها الا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأى وقبضوا على أيديهم فى ذلك كبنى
يربوع فانهم قد جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها الى أبى بكر رضى الله عنه
فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم وفى أمر هؤلاء عرض الخلاف و وقعت الشبهة لعمر
رضى الله عنه فراجع أبا بكر رضى الله عنه وناظره واحتج عليه بقول النبي صلى الله عليه وسلم أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لااله الا الله فمن قال لا اله الا الله فقد عصم نفسه وماله وكان هذا
من عمر رضى الله عنه تعلقا بظاهر الكلام قبل أن ينظر فى آخره ويتأمل شرائطه فقال له أبو
بكر رضى الله عنه أن الزكاة حق المال يريد أن القضية قد تضمنت عصمة دم ومال معلقة بايفاء
شرائطها والحكم المعلق بشرطين لا يحصل باحدهما والآخر معدوم ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة
اليها وكان فى ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان اجماعامن الصحابة وكذلك
رد المختلف فيه الى المتفق عليه فاجتمع فى هذه القضية الاحتجاج من عمر رضى الله عنه بالعموم
ومن أبى بكررضى الله عنه بالقياس ودل ذلك على أن العموم يخص بالقياس وأن جميع ما تضمنه
الخطاب الوارد فى الحكم الواحد من شرط واستثناء مراعى فيه ومعتبر صحته به فلما استقر عند
عمر صحة رأى أبى بكر رضى الله عنهما وبان لهصوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله فلما
رأيت الله قد شرح صدر أبى بكر للقتال عرفت أنه الحق يشير الى انشراح صدره بالحجة التى
أدلى بها والبرهان الذى أقامه نصا ودلالة وقد زعم زاعمون من الرافضة أن أبا بكر رضى الله عنه
أول من سبى المسلمون وأن القوم كانوا متأولين فى منع الصدقة وكانوا يزعمون أن الخطاب فى
فى قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم أن صلاتك سكن لهم
خطاب خاص فى مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم دون غيره وأنه مقيد بشرائط لا توجد فيمن
سواه وذلك أنه ليس لأحد من التطهير والتزكية والصلاة على المتصدق ماللنبي صلى الله عليه
وسلم ومثل هذه الشبهة اذا وجد كان ما يعذر فيه أمثالهم ويرفع به السيف عنهم وزعموا أن
قتالهم كان عسفا قال الخطابى رحمه الله وهؤلاء الذين زعموا ماذكرناه قوم لاخلاق لهم فى الدين

٢٠٤
عدم جوازسبي المرتد
وأنما رأس مالهم البهت والتكذيب والوقيعة فى السلف وقد بينا أن أهل الردة كانوا أصنافامنهم
من ارتد عن الملة ودعا الى نبوة مسيلمة وغيره ومنهم من ترك الصلاة والزكاة وأنكر الشرائع
كلها وهؤلاء هم الذين سماهم الصحابة كفارا ولذلك رأى أبو بكر رضى الله عنه سبي ذاريهم
وساعده على ذلك أكثر الصحابة واستولد على بن أبى طالب رضى الله عنه جارية من سبي بنى
حنيفة فولدت له محمد الذى يدعى ابن الحنفية ثم لم ينقض عصر الصحابة حتى أجمعوا على أن المرتد
لا يسبى فأما مانعو الزكاة منهم المقيمون على أصل الدين فانهم أهل بغى ولم يسموا على الانفراد
منهم كفارا وان كانت الردة قد أضيفت اليهم لمشاركتهم المرتدين فى منع بعض ما منعوه من حقوق
الدين وذلك أن الردة اسم لغوى وكل من انصرف عن أمر كان مقبلا عليه فقد أرتد عنه وقد
وجد من هؤلاء القوم الانصراف عن الطاعة ومنع الحق وانقطع عنهم اسم الثناء والمدح بالدين
وعلق بهم الاسم القبيح لمشاركتهم القوم الذين كان ارتدادهم حقا. وأما قوله تعالى خذمن أموالهم
صدقة وما ادعوه من كون الخطاب خاصا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فان خطاب كتاب الله
تعالى على ثلاثة أوجه خطاب عام كقوله تعالى يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم الى الصلاة الآية وكقوله
تعالى يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام وخطاب خاص للنبي صلى الله عليه وسلم لا يشركهفيه
غيره وهو ما أبين به عن غيره بسمة التخصيص وقطع التشريك كقوله تعالى ومن الليل فتهجد به
نافلة لك وكقوله تعالى خالصة لك من دون المؤمنين وخطاب مواجهة للنبي صلى الله عليه وسلم
وهو وجميع أمته فى المراد به سواء كقوله تعالى أقم الصلاة لدلوك الشمس وكقوله تعالى فاذا
قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم وكقوله تعالى واذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة
ونحو ذلك من خطاب المواجهة فكل ذلك غير مختص برسول الله صلى الله عليه وسلم بل تشاركه
فيه الأمة فكذا قوله تعالى خذ من أموالهم صدقة فعلى القائم بعده صلى اللّه عليه وسلم بأمر
الامة أن يحتذى حذوه فى أخذها منهم وانما الفائدة فى مواجهة النبى صلى الله عليه وسلم بالخطاب
أنه هو الداعى الى الله تعالى والمبين عنه معنى ما أراد فقدم اسمه فى الخطاب ليكون سلوك الأمر
فى شرائح الدين على حسب ما ينهجه ويبينه لهم وعلى هذا المعنى قوله تعالى يا أيها النبى إذا طلقتم النساء
فطلقوهن لعدتهن فافتح الخطاب النبوة باسمه خصوصا ثم خاطبه وسائر أمته بالحكم عموما
وربما كان الخطاب له مواجهة والمراد غيره كقوله تعالى فان كنت في شك مما أنزلنا إليك

٢٠٥
كفر من أنكر ركناً من أركان الاسلام
فاسئل الذين يقرؤن الكتاب من قبلك الى قوله فلا تكونن من الممترين ولا يجوز أن يكون
صلى الله عليه وسلم قد شك قط فى شىء مما أنزل اليه فأما التطهير والتزكية والدعاء من الامام
لصاحب الصدقة فان الفاعل فيها قد ينال ذلك كله بطاعة الله وطاعة رسوله صلى الله عليه وسلم
فيها وكل ثواب موعود على عمل بركان فى زمنه صلى اللّه عليه وسلم فائه باق غير منقطع ويستحب
للامام وعامل الصدقة أن يدعو للصدق بالنماء والبركة فى ماله ويرجى أن يستجيب الله ذلك ولا
يخيب مسألته فان قيل كيف تأولت أمر الطائفة التى منعت الزكاة على الوجه الذى ذهبت اليه
وجعلتهم أهل بغى وهل اذا أنكرت طائفة من المسلمين فى زماننا فرض الزكاة وامتنعوا من
أدائها يكون حكمهم حكم أهل البغى قلنالا فان من أنكرفرض الزكاة فى هذه الأزمان كان كافرا
باجماع المسلمين والفرق بين، هؤلاء وأولئك أنهم أنما عذروا لأسباب وأمور لا يحدث مثلها فى
هذا الزمان منها قرب العهد بزمان الشريعة الذى كان يقع فيه تبديل الأحكام بالنسخ ومنها أن
القوم كانواجهالا بأمورالدين وكان عهدهم بالاسلام قريبافدخلتهم الشبهة فعذروا فأما اليوم وقد
شاع دين الاسلام واستفاض فى المسلمين علم وجوب الزكاة حتى عرفها الخاص والعام واشترك فيه
العالم والجاهل فلا يعذر أحد بتأويل يتأوله فى انكارها وكذلك الأمر فى كل من أنكر شيئا
مما أجمعت الأمة عليه من أمور الدين اذا كان علمه منتشرا كالصلوات الخمس وصوم شهر رمضان
والاغتسال من الجنابة وتحريم الزنا والخمر ونكاح ذوات المحارم ونحوها من الأحكام الا أن
يكون رجلا حديث عهد بالاسلام ولا يعرف حدوده فانه اذا أنكر شيئا منها جهلا به لم يكفر
وكان سبيله سبيل أولئك القوم فى بقاء اسم الدين عليه فأما ما كان الاجماع فيه معلومامن طريق
علم الخاصة كتحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها وأن القاتل عمدالايرث وأن للجدة السدس
وما أشبه ذلك من الأحكام فان من أنكرها لا يكفر بل يعذر فيها لعدم استفاضة عليها فى العامة
قال الخطابي رحمه الله وانما عرضت الشبهة ان تأوله على الوجه الذى حكيناه عنه لكثرة ما دخله من
الحذف فى رواية أبى هريرة وذلك لأن القصد به لم يكن سياق الحديث على وجه وذكر القصة
فى كيفية الردة منهم وانما قصد به حكاية ماجرى بين أبى بكر وعمر رضى الله عنهما وما تنازعاه
فى استباحة قتالهم ويشبه أن يكون أبو هريرة انما لم يعن بذكر جميع القصة اعتمادا على معرفة
المخاطبين بها اذ كانوا قد علموا كيفية القصة و يبين لك أن حديث أبى هريرة مختصر أن عبدالله

٠٠
٢٠٦
قبول اسلام من أظهر الاسلام وأسر الكفر
لِأَبِ بَكْرِ كَيْفَ تُقَاتُ النَّاسَ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّالهُ عَلَيْهِ وَسَّ أَمْتُ أَنْ أَقَتَلَ النَّسَ
خَّى يَقُولُوا لَ الْلَ الَّ اللهُ فَنْ قَالَ لَ الْهَالَ اللهُفَقَدْ عَصَ مَنْ مَهُ وَنَفْسَهُ الَّبَحَقّه وَحَسَابُهُ
ابن عمر وأنسا رضى الله عنهم روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة ففى حديث ابن عمر رضى الله
عنهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله
وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم
الا بحق الاسلام وحسابهم على الله وفى رواية أنس رضى الله عنه أن أقاتل الناس حتى يشهدوا
أن لا اله الا الله وأن محمداً عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا
صلاتنا فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم الابحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على
المسلمين والله أعلم. هذا آخر كلام الخطابى رحمه الله قلت وقد ثبت فى الطريق الثالث المذكور
فى الكتاب من رواية أبى هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أقاتل الناس حتى يشهدوا
أن لا اله الاالله ويؤمنوا بى وبما جئت به فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم الابحقهاوفى
استدلال أبى بكر واعتراض عمر رضى الله عنهما دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم
مارواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة وكأن هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادات التى فى رواياتهم فى مجاس
آخر فان عمر رضى الله عنه لوسمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث فانه بهذه الزيادة حجة عليه
ولو سمع أبو بكر رضى الله عنه هذه الزيادة لاحتج بها ولما احتج بالقياس والعموم والله أعلم
قوله ﴿أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله الا الله فمن قال لااله الا الله فقد عصم منى ماله
ونفسه الا بحقه وحسابه على اللّه) قال الخطابي رحمه الله معلوم أن المراد بهذا أهل الأوثان
دون أهل الكتاب لانهم يقولون لا اله الا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف قال ومعنى
وحسابه على الله أى فيما يستسرون به ويخفونه دون ما يخلون به فى الظاهر من الأحكام الواجبة
قال ففيه أن من أظهر الاسلام وأسر الكفر قبل اسلامه فى الظاهر وهذا قول أكثر العلماء
وذهب مالك الى أن توبة الزنديق لا تقبل ويحكى ذلك أيضا عن أحمد بن حنبل رضى الله عنهما
هذا كلام الخطابى وذكر القاضي عياض معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال اختصاص عصمة

٢٠٧
الكلام على توبة الزنديق
عَلَى اَللّه فَقَالَ أَبُو بَكْر وَالله لَقَاتَلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلاةِ وَالزَّكَةَ فَنَّالَّكَ حَقُّ الْمَالِ وَُّه
لَّوْ مَنَعُونِى عِقَالاً كَانُوا يُؤُونَهُ الَى رَسُولِ اللهِ صَلَى الُهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ لَقَاتَتُهُمْ عَلَى مَنْعِه فَقَالَ
المال والنفس بمن قال لا اله الا الله تعبير عن الاجابة الى الايمان وأن المراد بهذا مشركو
العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد وهم كانوا أول من دعى الى الاسلام وقوتل عليه فأماغيرهم
ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفى فى عصمته بقوله لا اله الا الله أذ كان يقولها فى كفره وهى من
اعتقاده فلذلك جاء فى الحديث الآخر وأنى رسول الله ويقيم الصلاة ويؤتى الزكاة هذا كلام
القاضى قلت ولابد مع هذا من الايمان بجميع ماجاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم كما جاء
فى الرواية الأخرى لأبى هريرة هى مذكورة فى الكتاب حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا
بى وبما جئت به والله أعلم. قلت اختلف أصحابنا فى قبول توبة الزنديق وهو الذى ينكر
الشرع جملة فذكروا فيه خمسة أوجه لاصحابنا أصحها والاصوب منها قبولها مطلقا للأحاديث
الصحيحة المطلقة والثانى لاتقبل و یتحتم قتله لكنه ان صدق فى توبته نفعه ذلك فى الدار
الآخرة وكان من أهل الجنة والثالث أن تاب مرة واحدة قبلت توبته فان تكرر ذلك منه لم
تقبل والرابع ان أسلم ابتداء من غير طلب قبل منه وان كان تحت السيف فلا والخامس ان كان
داعيا الى الضلال لم يقبل منه والاقبل منه والله أعلم. قوله رضى الله عنه ﴿والله لأقاتلن من
فرق بين الصلاة والزكاة) ضبطنا بوجهين فرق وفرق بتشديد الراء وتخفيفها ومعناه من
أطاع فى الصلاة وجحد الزكاة أو منعها وفيه جواز الحلف وان كان فى غير مجلس الحاكم وأنه
ليس مكروها اذا كان لحاجة من تفخيم أمر ونحوه . قوله ﴿ والله لو منعونى عقالا كانوا يؤدونه
الى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقائلتهم على منعه) هكذا فى مسلم عقالا وكذا فى بعض
روايات البخارى وفى بعضها عناقا بفتح العين وبالنون وهى الأنثى من ولد المعزو كلاهما صحيح
وهو محمول على أنه كرر الكلام مرتين فقال فى مرة عقالا وفى الأخرى عناقا فروى عنه
اللفظان فأما رواية العناق فهى محمولة على ما اذا كانت الغنم صغارا كلها بأن ماتت أماتها فى بعض
الحول فاذا حال حول الأمات زكى السخال الصغار بحول الأمات سواء بقى من الأمات شىء

٢٠٨
بيان المراد من العقال
أم لاهذا هو الصحيح المشهور وقال أبو القاسم الانماطى من أصحابنا لا يزكى الأولاد بحول
الأمات الا أن يبقى من الأمات نصاب وقال بعض أصحابنا الا أن يبقى من الأمهات شىء
ويتصور ذلك فيما اذا مات معظم الكبار وحدثت صغار فحال حول الكبار على بقيتها وعلى
الصغار والله أعلم. وأما رواية عقالا فقد اختلف العلماء قديما وحديثا فيها فذهب جماعة
منهم الى أن المراد بالعقال زكاة عام وهو معروف فى اللغة بذلك وهذا قول النسائى والنضر بن
شميل وأبى عبيدة والمبرد وغيرهم من أهل اللغة وهو قول جماعة من الفقهاء واحتج هؤلاء على أن
العقال يطلق على زكاة العام بقول عمرو بن العداء
سعى عقالا فلم يترك لنا سبدا فكيف لو قد سعى عمرو عقالين
أراد مدة عقال فنصبه على الظرف وعمر و هذا الساعى هو عمرو بن عتبة بن أبى سفيان ولاه عمه
معاوية بن أبى سفيان رضى الله عنهما صدقات كلب فقال فيه قائلهم ذلك قالوا ولأن العقال
الذى هو الحبل الذى يعقل به البعير لا يجب دفعه فى الزكاة فلا يجوز القتال عليه فلا يصح حمل
الحديث عليه وذهب كثيرون من المحققين الى أن المراد بالعقال الحبل الذى يعقل به البعير
وهذا القول يحكى عن مالك وابن أبي ذئب وغيرهما وهو اختيار صاحب التحرير وجماعة من
حذاق المتأخرين قال صاحب التحرير قول من قال المراد صدقة عام تعسف وذهاب عن طريقة
العرب لأن الكلام خرج مخرج التضييق والتشديد والمبالغة فتقتضى قلة ما علق به القتال
وحقارته واذا حمل على صدقة العام لم يحصل هذا المعنى قال ولست أشبه هذا الا بتعسف من قال
فى قوله صلى الله عليه وسلم لعن الله السارق يسرق البيضة فتقطع يده ويسرق الحبل فتقطع يده
أن المراد بالبيضة بيضة الحديد التى يغطى بها الرأس فى الحرب وبالحبل الواحد من حبال السفينة
وكل واحد من هذين يبلغ دنانير كثيرة قال بعض المحققين أن هذا القول لا يجوز عند من
يعرف اللغة ومخارج كلام العرب لأن هذا ليس موضع تكثير لما يسرقه فيصرف اليه بيضة
تساوى دنانير وحبل لا يقدر السارق على حمله وليس من عادة العرب والعجم أن يقولوا
قبح الله فلانا عرض نفسه للضرب فى عقد جوهر وتعرض لعقوبة الغلول فى جراب مسك
وانما العادة فى مثل هذا أن يقال لعنه الله تعرض لقطع اليد فى حبل رث أو فى كبة شعر وكل
ما كان من هذا أحقر كان أبلغ فالصحيح هذا أنه أراد به العقال الذى يعقل به البعير ولم يرد

٢٠٩
بيان المراد من العقال
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّبِ فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ الَّ أَنْ رَأيْتُ اَللّهَ عَزْ وَجَلَّ قَدْ شَرَحَ صَدْرَ أَبِى بَكْر لِلْقَتَال
٠٠٠٠
عينه وانما أراد قدر قيمته والدليل على هذا أن المراد به المبالغة ولهذا قال فى الرواية الأخرى
عناقا وفى بعضها لو منعونى جديا أذوط والأذوط صغير الفك والذقن هذا آخر كلام صاحب
التحرير وهذا الذى اختاره هو الصحيح الذى لا ينبغى غيره وعلى هذا اختلفوا فى المراد بمنعونى
عقالا فقيل قدر قيمته وهو ظاهر متصور فى زكاة الذهب والفضة والمعشرات والمعدن والزكاة
وزكاة الفطر وفى المواشى أيضا فى بعض أحوالها كما اذا وجب عليه سن فلم يكن عنده ونزل
الى سن دونها واختار أن يرد عشرين درهما فمنع من العشرين قيمة عقال وما اذا كانت غنمه
سخالا وفيها سخلة فمنعها وهى تساوى عقالا ونظائر ما ذكرته كثيرة معروفة فى كتب الفقه
وانما ذكرت هذه الصورة تنبيها بها على غيرها وعلى أنه متصور ليس بصعب فانى رأيت كثيرين
من لم يعان الفقه يستصعب تصوره حتى حمله بعضهم وربما وافقه بعض المتقدمين على أن ذلك
للمبالغة وليس متصورا وهذا غلط قبيح وجهل صريح وحكى الخطابى عن بعض العلماء أن
معناه منعونى زكاة لعقال اذا كان من عروض التجارة وهذا تأويل صحيح أيضا ويجوز أن يراد
منعونى عقالا أى منعونى الحبل نفسه على مذهب من يجوز القيمة ويتصور على مذهب الشافعى
رحمه الله على أحد أقواله فان الشافعى فى الواجب فى عروض التجارة ثلاثة أقوال أحدها يتعين
أن يأخذ منها عرضا حبلا أو غيره كما يأخذ من الماشية من جنسها والثانى أنه لا يأخذ الا دراهم
أو دنانير ربع عشر قيمته كالذهب والفضة والثالث يتخير بين العرض والنقد والله أعلم . وحكى
الخطابى عن بعض أهل العلم أن العقال يؤخذ مع الفريضة لأن على صاحبها تسليمها وانما يقع
قبضها التام برباطها قال الخطابى قال ابن عائشة كان من عادة المصدق اذا أخذ الصدقة أن يعمد
الى قرن وهو بفتح القاف والراء وهو حبل فيقرن به بين بعيرين أى يشده فى أعناقهما لئلا
تشرد الابل وقال أبو عبيد وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم محمد بن مسلمة على الصدقة فكان
يأخذ مع كل فريضتين عقالهما وقرانهما وكان عمر رضى الله عنه أيضا يأخذ مع كل فريضة
عقالا والله أعلم. قوله (فما هو الا أن رأيت الله تعالى قد شرح صدر أبى بكر للقتال
(٠ ٢٧ - ١)

٢١٠
كفاية اعتقاد الاسلام بغير تعلم الأدلة فى الايمان
فَعَرَفَتْ أَنّهُ الْحَقّ وحّشنْ أَبُوَ الطَّاهِر وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْنَى وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا
وَقَالَ الْآخَرَانِ أَخْبَنَا أَبْنُ وَهْبِ قَالَ أَخْرَبِ يُونُ عَنِ أَبْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّقَى سَعِيدُ
ابْنُ الْمُسَيِّبِ أَنّ ◌َ هُرَيْرَةَ أَخْبَهُأَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَّ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أَقْتِلَ النَّسَ
خَّى يَقُولُوا لَ الْهَالّ ◌َهُ فَنْ قَالَ لَ لَالَّ لهُ عَصَ مِى مَ وَنَفْسَهُ الَّتِحَقَّهِ وَحِسَابُ
عَلَى الله حدثنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدَ الضَّ أَخْرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِ الَّرَاوَرْدِىَّ عَنِ الْعَلَامِ
ح وَحَدََّ أَمَّةُ بْنُ بِسْطَامَ وَالَفْظُ لَهُ ◌َدََّيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّثَ رَوْعٌ عَنِ الْعَلَمِ
أَبْنِ عَبْدِ الرَّحْنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَّيْهِ عَنْ أَبِ هُرَيْةَ عَنْ رَسُولِ الَّه صَلَّاللهُ عَلَيْهِ وَسَم ◌َلَ
أُمْتُ أَنْ أُقَ النَّاسَ خَّى يَشْهُوا أَنْ لَ الهَالَّ ◌َلَهُ وَيُؤْمِنُوا بِى وَبِمَا جِثْتُ بِه ◌َذَا فَعَلُوا
فعرفت أنه الحق ) معنى رأيت علمت وأيقنت ومعنى شرح فتح ووسع ولين ومعناه علمت
بأنه جازم بالقتال لما ألقى الله سبحانه وتعالى فى قلبه من الطمأنينة لذلك واستصوابه ذلك
ومعنى قوله عرفت أنه الحق أى بما أظهر من الدليل وأقامه من الحجة فعرفت بذلك
أن ما ذهب اليه هو الحق لا أن عمر قلد أبا بكر رضى الله عنهما فان المجتهد لا يقلد المجتهد
وقد زعمت الرافضة أن عمر رضى الله عنه أنما وافق أبا بكر تقليدا وبنوه على مذهبهم
الفاسد فى وجوب عصمة الأئمة وهذه جهالة ظاهرة منهم والله أعلم . قوله صلى الله
عليه وسلم فى الرواية الأخرى (أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله الا الله ويؤمنوا
فى وبما جئت به﴾ فيه بيان ما اختصر فى الروايات الأخر من الاقتصار على قول لا اله الا الله
وقد تقدم بيان هذا وفيه دلالة ظاهرةلمذهب المحققين والجماهير من السلف والخلف أن الانسان
اذا اعتقد دين الاسلام اعتقادا جازما لاترددفيه كفاه ذلك وهو مؤمن من الموحدين ولا يجب
عليه تعلم أدلة المتكلمين ومعرفة الله تعالى بها خلافا لمن أوجب ذلك وجعله شرطا فى كونه من

٢١١
فضل أبى بكر الصديق رضى اللّه تعالى عنه
ذَلِكَ عَصَمُوا مِّ دِمَ هُمْ وَأَمْوَهُ الَّبِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَىاللهِ وحَمَنْ أَبُوبَكْرِبْنُ أَبِ شَيَْةَ
◌ََّ حَقْصُ بْنُ غَكِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِ سَقْيَنَ عَنْ جَابِ وَعَنْ أَبِ صَالحٍ عَنْ أَنْ هُرَرَةَ
قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى الُهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ أَمِرْتُ أَنْ أَقَتِلَ النَّاسَ بِثْلِ حَدِيثِ أَبْنِ الْمُسَيَبِ عَنْ
أَبِ هُرَيْرَةَ حَ وَحَدَّتِى أَبُو بَكْرِبْنُ أَبِ شَمْيَةَ حَدََّنَا وَكِعٌ حَ وَحَدَّتَى مُمَدُ بْنُ الْمُشَى حَدَثَ
عَبْدُ الَّحْنِ يَعْنِى أَبْنَ مَهْدِيّ ◌َلاَ جَمِعًا حَدََّ سُفْيَنُ عَنْ أَبِ الزَُّّرِ عَنْ جَابِ قَلَ قَالَ
رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمْأُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ خَّى يَقُولُوا لَ لهَالَّ لَهُفَذَا قَلُوا
لَهَالَّ ◌َلَهُ عَصَمُوا مِّ دِعَهُمْ وَهُمْ الَّ بِحَقّهَ وَحِسَابُهُمْعَلَى اللهِثُمَ قَمَا أَنْتَ مُذَكَّرُ
◌َسْتَ عَلَيْ بِمُسَيْطِرِ حَّشْا أَبُ غَسَّانَ المسْمَعِىُّ مَالِكُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ حَدَّ عَبْدُ المَك
٠٠
أهل القبلة وزعم أنه لا يكون له حكم المسلمين الا به وهذا المذهب هو قول كثير من المعتزلة
وبعض أصحابنا المتكلمين وهو خطأ ظاهر فان المراد التصديق الجازم وقد حصل ولأن النبى
صلى الله عليه وسلم اكتفى بالتصديق بما جاء به صلى الله عليه وسلم ولم يشترط المعرفة بالدليل
فقد تظاهرت بهذا أحاديث فى الصحيحين يحصل بمجموعها التواتر بأصلها والعلم القطعى وقد
تقدم ذكر هذه القاعدة فى أول الايمان والله أعلم . قوله ﴿ ثم قرأ انما أنت مذكر لست
عليهم بمسيطر) قال المفسرون معناه أنما أنت واعظ ولم يكن صلى الله عليه وسلم أمر اذذاك
الا بالتذكير ثم أمر بعد بالقتال والمسيطر المساط وقيل الجبار وقيل الرب والله أعلم واعلم أن
هذا الحديث بطرقه مشتمل على أنواع من العلوم وجمل من القواعد وأنا أشير الى أطراف منها
مختصرة ففيه أدل دليل على شجاعة أبى بكر رضى الله عنه وتقدمه فى الشجاعة والعلم على
غيره فانه ثبت للقتال فى هذا الموطن العظيم الذى هو أكبر نعمة أنعم الله تعالى بها على المسلمين
بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم واستفبط رضي الله عنه من العلم بدقيق نظره ورصانة فكره

٢١٢
فضل أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه
أَبْنُ الصَّبَّاحِ عَنْ شُعْبَ عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللهِبْنِ عُمَرَ عَنْ أَّهِ عَنْ عَبْدِ الله
آبْنَ مُمَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمْأُمِرْتُ أَنْ أَقَتِلَ اَلَنَّسَ حَّ يَشْهَدُوا أَنْ
لَ الْهَ الَّ اللهُ وَأَنَّ مَُّدًا رَسُولُ الله وَيُقِيمُوا الصَّلاَةَ وَيُؤْتُوا الَّْكَاةَ فَذَا فَعَلُوا عَصَمُوا مِنّى
دِمَ هُمْ وَّوَالهُمْ إِلَّ بِحَقْهَا وَحِسَانُهُمْ عَلَى اللهِ وحَثْنَا سُوَدُ بنُ سَعِدٍ وَابْنُ أَبِ عُمَرَ فَلاَ
حَتَمَرْوَانُ يَعْنَنِ الْقَرَادِىَّ عَنْ أَبِ مَالِك عَنْ أَيْهِ قَالَ سَمْتُ رَسُولَ الله صَلَّى اللهُعَلَيه
وَسَلَ يَقُولُ مَنْ قَالَ لَ إِلَ إلّ ◌َلَهُ وَكَفَرَ بِمَا يُعَدُّ مِنْ دُونِ اللهِ حَرُمَ مَهُ وَدَمُ وَحِسَابُ
عَلَىالله وحَّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِ شَيْةَ حَدَّثَنَا أَبُ خَلِ الْأَحْمُرُحِ وَحَدَّثَنِهِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْب
حَدَّثَنَزِيدُ بْنُ هُرُونَ كَهُمَا عَنْ أَبِ مَالِكِ عَنْ أَيْهِأَّهُسَعَ الَّيِّ صَلَى اللهُعَلَّهِ وَ يَقُولُ
مَنْ وَحَدَ الله ثُمَ ذَكَرَ بِثْلِهِ
٠٠٠٠
مالم يشاركه فى الابتداء به غيره فلهذا وغيره مما أكرمه الله تعالى به أجمع أهل الحق على أنه
أفضل أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد صنف العلماء رضى الله عنهم فى معرفة رجحانه
أشياء كثيرة مشهورة فى الأصول وغيرهاومن أحسنها كتاب فضائل الصحابة رضى الله عنهم للامام
أبى المظفر منصور بن محمد السمعانى الشافعى وفيه جواز مراجعة الأئمة والأ كابر ومناظرتهم لاظهار
الحق وفيه أن الايمان شرطه الاقرار بالشهادتين مع اعتقادهما واعتقاد جميع ماأتى به رسول
الله صلى الله عليه وسلم وقد جمع ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله أقاتل الناس حتى يقولوا لااله الا
الله ويؤمنوابى وبما جئت بهوفيه وجوب الجهادوفيه صيانة مال من أتى بكلمة التوحيد ونفسه
ولو كان عند السيف وفيه أن الأحكام تجرى على الظاهر والله تعالى يتولى السراء وفيه جواز
القياس والعمل به وفيه وجوب قتال مانعى الزكاة أو الصلاة أو غيرهما من واجبات الاسلام
قليلا كان أو كثيرا لقوله رضى الله عنه لو منعونى عقالا أو عناقا وفيه جواز التمسك بالعمرم لقوله

١١٣
الدليل على صحة اسلام من حضره الموت مالم يغرغر
وحَّشْ حَرْمَةُ بْنُ يَحْيِىَ التّحِىُّ أَخْبَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبِ قَالَ أَخْبَرَفِ يُونُسُ عَنِ
فان الزكاة حق المال وفيه وجوب قتال أهل البغى وفيه وجوب الزكاة فى السخال تبعاًلأمهاتها
وفيه اجتهاد الأئمة فى النوازل وردها الى الأصول ومناظرة أهل العلم فيها ورجوع من ظهر له
الحق الى قول صاحبه وفيه ترك تخطئة المجتهدين المختلفين فى الفروع بعضهم بعضا وفيه أن الاجماع
لا ينعقد اذا خالف من أهل الحل والعقد واحد وهذاهو الصحيح المشهور وخالف فيه بعض أصحاب
الأصول وفيه قبول توبة الزنديق وقد قدمت الخلاف فيه واضحا والله سبحانه وتعالى أعلم
بالصواب وله الحمد والنعمة والفضل والمنة وبه التوفيق والعصمة
-- هوّ باب الدليل على صحة اسلام من حضره الموت
(مالم يشرع فى النزع وهو الغرغرة ونسخ جواز الاستغفار للمشركين والدليل على أن)
(من مات على الشرك فهو من أصحاب الجحيم ولا ينقذه من ذلك شىء من الوسائل)
فيه حديث وفاة أبى طالب وهو حديث اتفق البخارى ومسلم على اخراجه فى صحيحيهما من
رواية سعيد بن المسيب عن أبيه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يروه عن المسيب الا
ابنه سعيد كذا قاله الحفاظ وفى هذا رد على الحاكم أبى عبد الله بن البيع الحافظ رحمه الله
فى قوله لم يخرج البخارى ولا مسلم رحمهما الله عن أحد من لم يرو عنه الا راو واحد ولعله
أراد من غير الصحابة والله أعلم . أما أسماء رواة الباب ففيه حرملة التجيبى وقد تقدم بيانه
فى المقدمة وأن الأشهر فيه ضم التاء ويقال بفتحها واختاره بعضهم وتقدمت اللغات
الست فى يونس فيها وتقدم فيها الخلاف فى فتح الياء من المسيب والد سعيد هذا خاصة
وكسرها وأن الأشهر الفتح واسم أبى طالب عبد مناف واسم أبى جهل عمرو بن هشام . وفيه
صالح عن الزهرى عن ابن المسيب هو صالح بن كيسان وكان أكبر سنا من الزهرى وابتدأ بالتعلم
من الزهرى ولصالح تسعون سنة مات بعد الأربعين ومائة واجتمع فى الاسناد طرفتان
احداهما رواية الأكابر عن الأصاغر والأخرى ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض . وفيه أبوحازم
عن سهل عن أبى هريرة وقد تقدم أن أباحازم الراوى عن أبى هريرة اسمه سلمان مولى عزة

٢١٤
وفاة أبى طالب
آبْ شَهَابِ قَالَ أَخْبَنِى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِهِ قَالَ لَّا حَضَرَتْ أَبَ طَلب الْوَانُ جَهُ
رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُعَلَيْهِ وَسَلَمَ فَوَجَدَ عِنْدَهُأَ جَهْلِ وَعَبْدَاللهِبْنَ أَبِى أُمَةَ بْنِ الْغِيرَةِ فَقَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّ لهُعَلَيْهِ وَسَلَّ يَعِّ قُلْ لَ إِلَإلَّ لهُ كَ أَشْهَدُلَكَ بِهَا عِنْدَ الله فَلَ أَبُوُ جَهْل
وَعَبْدُ لّهِنْأَبِ أْمَ يَا طَلِ أَتْغَبُ عَنْ مَِّةٍ عَبْدِالْطَلِ فَم ◌َلْ رَسُولُ لَهِ صَلَّ لَهُ عَةٌ
وَ يَعْرِضُهَا عَلَيْهِ وَيُعِيدُ لَّهُ تِلْكَ الْقَ حَى قَالَ أَبُو طَالِبٍ آخِرَمَا كَّهُمْ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ
اْطَلَبِ وَأَّى أَنْ يَقُولَ لَ إِلهَإِلَ لَهُفَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّالَهُ عَلَيْهِ وَسَمَا وَلَّه ◌َأَسْتَغْفِرَنَّ
◌َكَ مَالَمْ أَنَّهَ عَنْكَ فَنْزَلَ الله عَزَّ وَجَلَّ مَا كَانَ لَِّ وَلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوالِلُْشْرِكِينَ
وأما أبو حازم عن سهل بن سعد فاسمه سلمة بن دينار. وأما قوله ﴿ لما حضرت أبا طالب
الوفاة) فالمراد قربت وفاته وحضرت دلائلها وذلك قبل المعاينة والنزع ولو كان فى حال المعاينة
والنزع لما نفعه الايمان ولقول الله تعالى وليست التوبة الذين يعملون السيئات حتى اذا
حضر أحدهم الموت قال انى تبت الآن ويدل على أنه قبل المعاينة محاورته للنبي صلى الله عليه
وسلم ومع كفار قريش قال القاضى عياض رحمه الله وقد رأيت بعض المتكلمين على هذا الحديث
جعل الحضورهنا على حقيقة الاحتضار وأن النبي صلى الله عليه وسلم رجا بقوله ذلك حينئذ
أن تناله الرحمة ببركته صلى الله عليه وسلم قال القاضى رحمه الله وليس هذا بصحيح لما قدمناه
وأما قوله ( فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعرضها عليه ويعيد له تلك المقالة) فهكذا
وقع فى جميع الاصول و يعيدله يعنى أبا طالب وكذا نقله القاضى رحمه الله عن جميع الأصول
والشيوخ قال وفى نسخة ويعيدان له على التثفية لأبى جهل وابن أبى أمية قال القاضى وهذا
أشبه وقوله يعرضها بفتح الياء وكسر الراء . وأما قوله (قال أبو طالب آخر ما كلمهم به هو على
ولة عبد المطلب) فهذا من أحسن الآداب والتصرفات وهو أن من حكى قول غيره القبيح أنى
به بضمير الغيبة لقبح صورة لفظه الواقع. وأما قوله صلى الله عليه وسلم (أم والله لأستغفرن

٢١٥
وفاة أبى طالب وما نزل فى شأنه
وَلَوْ كَنُوا أُولِ قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَّنَ لَهُمْ أَهُمْ أَمْحَابُ الَْحِيمِ وَ اللهُ تَعَلَى فِى أَِّ طَالِبٍ
فَقَالَ لِرَسُولِ اللهِ صَلَّىالهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَيْتَ وَلَكِنَّ ◌ُهُيَهْدِى مَنْ
يَشَدُوَهُوَ أَعْم ◌ِْهَدِينَ وحَّثَنْا أَسْحُقُ بْنُ ابَْهِيمِ وَعَبْدُ بْنُ حُمْدٍ قَ أَخْرِنَا عَبْدُ الَّزَّق
أَخْبَرَنَا مَعَمَرْ حِ وَحَدَقَذَا حَسَنَ الْخُلْوَانِى وَعَبْدُ بْنَ حَمَيْد قَالَا حَدَّثَنَا يَعْقَوَبَ وَهَوَ ابْنَ ابْرَاهِيمَ
لك) فهكذا ضبطناه أم من غير ألف بعد الميم وفى كثير من الأصول أوا كثرها أما والله.
بألف بعد الميم وكلاهما صحيح قال الامام أبو السعادات هبة الله بن على بن محمد العلوى
الحسنى المعروف بابن الشجرى فى كتابة الامالى ما المزيدة للتوكيد ركبوها مع همزة الاستفهام
واستعملوا مجموعهما على وجهين أحدهما أن يراد به معنى حقا فى قولهم أما والله لأفعلن
والآخر أن يكون افتتاحا للكلام بمنزلة ألا كقولك أما ان زيدا منطلق وأكثر ما تحذف
ألفها اذا وقع بعدها القسم ليدلوا على شدة اتصال الثانى بالاول لان الكلمة اذا بقيت على
حرف واحد لم تقم بنفسها فعلم بحذف ألف ما افتقارها الى الاتصال بالهمزة والله تعالى أعلم
وفيه جواز الحلف من غير استحلاف وكان الحلف هنا لتوكيد العزم على الاستغفار
وتطييبا لنفس أبى طالب وكانت وفاة أبى طالب بمكة قبل الهجرة بقليل قال ابن فارس مات
أبو طالب ولر ول الله صلى الله عليه وسلم تسع وأربعون سنة وثمانية أشهر وأحد عشر
يوما وتوفيت خديجة أم المؤمنين رضى الله عنها بعد موت أبى طالب بثلاثة أيام وأما قول
اللّه تعالى ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين فقال المفسرون وأهل المعانى
معناه ما ينبغى لهم قالوا وهو نهى والواو فى قوله تعالى ولو كانوا أولى قربى واو الحال والله
أعلم . وأما قوله (عز وجل انك لا تهدي من أحببت ولكن اللّه يهدى من يشاء وهو
أعلم بالمهتدين) فقد أجمع المفسرون على أنها نزلت فى أبى طالب وكذا نقل اجماعهم على
هذا الزجاج وغيره وهى عامة فانه لايهدى ولا يضل الا اللّه تعالى قال الفراء وغيره قوله تعالى
من أحببت يكون على وجهين أحدهما معناه من أحببته لقرابته والثانى من أحببت أن يهتدى

٢١٦
موت أبى طالب وما نزل فى شأنه
ابْ سَعْدِ قَالَ حَدََّى أَبِ عَنْ صَالحِ كَلَ هُمَا عَنِ الزُّهْرِىّ بِهَذَا الْأَسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ
٠
١
صَالح ◌َتْهَى عِنْدَ قَوْلِ ◌َنْزَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ فِيهِ وَلَمْ يَذْكُرِالْآَ يَتَيْنِ وَقَالَ فِى حَدِيثه وَيَعُودَانِ
فى تلْكَ الْمَقَالَةَ وَفِى حَديث مَعْمَر مَكَانَ هَذه الْكَلِمَة فَمْ يَزَالَا بِه حّثنا محَمَّد بن عَبَاد
وَبْنُ أَبِ عُمَ قَالَ حَدَّثَنَا مَرْوَاتُ عَنْ بَرِدَ وَهُوَُّ كَيْسَانَ عَنْ أَبِ حَزِمٍ عَنْ أَبِ هُمَرَةَ
قَالَ قَالَ رَسُولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ لَعَمْهِ عِنْدَ أْلَّوْتِ قُلْ لَا إلَهَ إِلَّ اَللّهُ أَشْهَدُ لَكَ بِهَا
يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَى فَأَنْزَلَ اللهُ أَنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ الْآيَةَ حّثنا محمد بن حليمِ
آبْ مَيْمُونِ حَدَّثَنَا يَ بْنُ سَعِيدٍ حََّا يَزِيدُ بْنُ كَيْسَانَ عَنْ أَبِ حَازِمِ الْأَشْجَعِّ عَنْ
أَبِ هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ لِعَمِّهِ قُلْ لَا إِلهَإِلَّ لَهُ أَنْهُ لَكَ بَها
يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالَ لَوْ لَا أَنْ تُعِرَ فِ قُرَيْشٌ يَقُولُونَ أَمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْجَرَعُ لَأَقْرَرْتُ بِهَا
عَيْنَكَ فَأَنْلَ اللهُأَنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَنْ يَشَاءُ
قال ابن عباس ومجاهد ومقاتل وغيرهم وهو أعلم بالمهتدين أى بمن قدر له الهدى والله أعلم . أما
قوله ﴿يقولون انما حمله على ذلك الجزع لأقررت بها عينك) فهكذا هو فى جميع الاصول
وجميع روايات المحدثين فى مسلم وغيره الجزع بالجيم والزاى وكذا نقله القاضى عياض وغيره
عن جميع روايات المحدثين وأصحاب الاخبار أى التواريخ والسير وذهب جماعات من أهل
اللغة إلى أنه الخرع بالخاء المعجمة والراء المفتوحتين أيضا ومن نص عليه كذلك الهروى فى
الغريبين ونقله الخطابى عن ثعلب مختارا له وقاله أيضا شمر ومن المتأخرين أبو القاسم الزمخشرى
قال القاضى عياض رحمه اللّه ونبهنا غير واحد من شيوخنا على أنه الصواب قالوا والخرع هو
الضعف والخور قال الازهرى وقيل الخرع الدهش قال شمر كل رخو ضعيف خريع وخرع

٢١٧
من مات على التوحيد دخل الجنة
حَّشْا أَبُوبَكْرِبْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبِ كَلَاهُمَا عَنْ أَسْمَاعِيلَ بْنِ ابْرَاهِيمَ قَالَ
قال والخرع الدهش قال ومنه قول أبى طالب والله أعلم. وأما قوله لأقررت بها عينك فأحسن
ما يقال فيه ما قاله أبو العباس ثعلب قال معنى أقر الله عينه أى بلغه الله أمنيته حتى ترضى نفسه
وتقر عينه فلا تستشرف لشىء وقال الاصمعى معناه أبرد الله دمعته لأن دمعة الفرح باردة
وقيل معناه أراه الله ما يسره والله أعلم
باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا
هذا الباب فيه أحاديث كثيرة وتنتهى الى حديث العباس ابن عبد المطلب رضى الله عنه ذاق
طعم الإيمان من رضى بالله رباً واعلم أن مذهب أهل السنة وما عليه أهل الحق من السلف
والخلف أن من مات موحدا دخل الجنة قطعا على كل حال فإن كان سالما من المعاصى كالصغير
والمجنون والذى اتصل جنونه بالبلوغ والتائب توبة صحيحة من الشرك أو غيره من المعاصى اذا
لم يحدث معصية بعد توبته والموفق الذى لم يبتل بمعصية أصلا فكل هذا الصنف يدخلون الجنة
ولا يدخلون النار أصلا لكنهم يردونها على الخلاف المعروف فى الورود والصحيح أن المراد
به المرور على الصراط وهو منصوب على ظهر جهنم أعاذنا الله منها ومن سائر المكروه. وأما
من كانت له معصية كبيرة ومات من غير توبة فهو فى مشيئة الله تعالى فان شاء عفا عنه وأدخله
الجنة أولا وجعله كالقسم الاول وان شاء عذبه القدر الذى يريده سبحانه وتعالى ثم يدخله الجنة
فلا يخلد فى النار أحدمات على التوحيد ولو عمل من المعاصى ما عمل كما أنه لا يدخل الجنة أحد مات
على الكفر ولو عمل من أعمال البر ما عمل هذا مختصر جامع لمذهب أهل الحق فى هذه المسئلة وقد
تظاهرت أدلة الكتاب والسنة واجماع من يعتد به من الأمة على هذه القاعدة وتواترت بذلك نصوص
تحصل العلم القطعى فاذا تقررت هذه القاعدة حمل عليها جميع ماورد من أحاديث الباب وغيره فاذا ورد
حديث فى ظاهره مخالفة وجب تأويله عليها ليجمع بين نصوص الشرع وسنذ كر من تأويل بعضها
ما يعرف به تأويل الباقى ان شاء الله تعالى والله أعلم. وأما شرح أحاديث الباب فنتكلم عليها مرتبة
لفظا ومعنى أسنادا ومتنا. فقوله فى الاسناد الاول (عن اسماعيل بن ابراهيم وفى رواية أبى بكر
( ٢٨ - ١)

٢١٨
من مات على التوحيد دخل الجنة
أَبُوبَكْر حَدَّثَ أَبْنُ عُلَ عَنْ خَالِ قَالَ حَدَّثَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ حُرَانَ عَنْ عُمَنَ قَالَ قَالَ
رَسُولُ اللهِ صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ مَنْ مَاتَ وَهُوَ يَعْلَّ أَنَهُلَ الْهَالَّ ◌َهُ دَخَلَ الْجَنَّ حَّثَنْ
ابن أبى شيبة حدثنا ابن علية عن خالد قال حدثنى الوليد بن مسلم عن حمران عن عثمان رضى
الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من مات وهو يعلم أن لا اله الا الله دخل الجنة)
أما اسماعيل بن ابراهيم فهو ابن علية وهذا من احتياط مسلم رحمه الله فان أحد الراويين قال
ابن علية والآخر قال اسماعيل بن ابراهيم فبينهما ولم يقتصر على أحدهما وعلية أم اسماعيل
وكان يكره أن يقال له ابن علية وقد تقدم بيانه . وأما خالد فهو ابن مهران الحذاء كما بينه فى
الرواية الثانية وهو مدود وكنيته أبو المنازل بالميم المضمومة والنون والزأى واللام قال أهل
العلم لم يكن خالد حذاء قط ولكنه كان يجلس اليهم فقيل له الحذاء لذلك هذا هو المشهور وقال
فهد بن حيان بالفاء انما كان يقول احذوا على هذا النحو فلقب بالحذاء وخالد يعد فى التابعين
وأما الوليد بن مسلم بن شهاب العنبرى البصرى أبو بشر فروى عن جماعة من التابعين وربما
اشتبه على بعض من لم يعرف الاسماء بالوليد بن مسلم الاموى مولاهم الدمشقى أبى العباس
صاحب الأوزاعى ولا يشتبه ذلك على العلماء به فانهما مفترقان فى النسب الى القبيلة والبلدة
والكنية كما ذكرنا وفى الطبقة فان الاول أقدم طبقة وهو فى طبقة كبار شيوخ الثانى ويفترقان
أيضا فى الشهرة والعلم والجلالة فان الثانى متميز بذلك كله قال العلماء انتهى علم الشام اليه والى
اسماعيل بن عياش وكان أجل من ابن عياش رحمهم الله أجمعين والله أعلم. وأما حمران فيضم
الحاء المهملة واسكان الميم وهو حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان رضى الله عنه كنية حمران
أبو يزيد كان من سبى عين التمر. وأما معنى الحديث وما أشبه فقد جمع فيه القاضى عياض
رحمه الله كلاما حسنا جمع فيه نفائس فأنا أنقل كلامه مختصرا ثم أضم بعده اليه ما حضرنى من
زيادة قال القاضى عياض رحمه الله اختلف الناس فيمن عصى اللّه تعالى من أهل الشهادتين
فقالت المرجئة لا تضره المعصية مع الايمان وقالت الخوارج تضره ويكفربها وقالت المعتزلة
يخلد فى النار اذا كانت معصيته كبيرة ولا يوصف بأنه مؤمن ولا كافر ولكن يوصف بأنه

٢١٩
من مات على التوحيد دخل الجنة
فاسق وقالت الاشعرية بل هو مؤمن وان لم يغفرله وعذب فلا بد من اخراجه من النار
وادخاله الجنة قال وهذا الحديث حجة على الخوارج والمعتزلة وأما المرجئة فان احتجت بظاهره
قلنا محمله على أنه غفرله أو أخرج من النار بالشفاعة ثم أدخل الجنة فيكون معنى قوله صلى الله
عليه وسلم دخل الجنة أى دخلها بعد مجازاته بالعذاب وهذا لابد من تأويله لما جاء فى ظواهر
كثيرة من عذاب بعض العصاة فلابد من تأويل هذا لئلا تتناقض نصوص الشريعة وفى قوله
صلى الله عليه وسلم وهو يعلم اشارة الى الرد على من قال من غلاة المرجئة ان مظهر الشهادتين
يدخل الجنة وان لم يعتقد ذلك بقلبه وقد قيد ذلك فى حديث آخر بقوله صلى الله عليه وسلم
غير شاك فيهما وهذا يؤكد ماقلناه قال القاضى وقد يحتج به أيضا من يرى أن مجرد معرفة
القلب نافعة دون النطق بالشهادتين لاقتصاره على العلم ومذهب أهل السنة أن المعرفة مرتبطة
بالشهادتين لا تنفع احداهما ولا تنجى من الناردون الاخرى الالمن لم يقدر على الشهادتين لآفة
بلسانه أولم تمهله المدة ليقولها بل اخترمته المنية ولاحجة لمخالف الجماعة بهذا اللفظ اذقد ورد
مفسرا فى الحديث الآخر من قال لااله الا الله ومن شهد أن لا اله الا الله وأنى رسول اللّه وقد
جاء هذا الحديث وأمثاله كثيرة فى ألفاظها اختلاف ولمعانيها عند أهل التحقيق ائتلاف نجاء
هذا اللفظ فى هذا الحديث وفى رواية معاذ عنه صلى الله عليه وسلم من كان آخر كلامه لا اله
الا الله دخل الجنة وفى رواية عنه صلى الله عليه وسلم من لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة
وعنه صلى الله عليه وسلم ما من عبد يشهد أن لااله الا الله وأن محمدا رسول اللّه الاحرمه الله
على النار ونحوه فى حديث عبادة بن الصامت وعتبان بن مالك وزاد فى حديث عبادة على ما كان
من عمل وفى حديث أبى هريرة لا يلقى الله تعالى بهما عبد غير شاك فيهما الادخل الجنة وان
زنى وإن سرق وفى حديث أنس حرم الله على النار من قال لا اله الا الله يبتغى بذلك وجه الله
تعالى وهذه الاحاديث كلها سردها مسلم رحمه الله فى كتابه فحكى عن جماعة من السلف رحمهم
الله منهم ابن المسيب أن هذا كان قبل نزول الفرائض والأمر والنهى وقال بعضهم هى مجملة
تحتاج الى شرح ومعناه من قال الكلمة وأدى حقها وفريضتها وهذا قول الحسن البصرى وقيل
أن ذلك لمن قالها عند الندم والتوبة ومات على ذلك وهذا قول البخارى وهذه التأويلات انما
هي اذا حملت الاحاديث على ظاهرها وأما اذا نزلت منازلها فلا يشكل تأويلها على ما يينه

٢٢٠
من مات تائبا حرم على النار
المحققون فنقرر أولا أن مذهب أهل السنة بأجمعهم من السلف الصالح وأهل الحديث والفقهاء
والمتكلمين على مذهبهم من الاشعريين أن أهل الذنوب فى مشيئة الله تعالى وأن كل من مات
على الايمان وتشهد مخلصا من قلبه بالشهادتين فانه يدخل الجنة فان كان تائبا أو سلما من
المعاصى دخل الجنة برحمة ربه وحرم على النار بالجملة فان حملنا اللفظين الواردين على هذا فيمن
هذه صفته كان بينا وهذا معنى تأويلى الحسن والبخارى وان كان هذا من المخلطين بتضييع
ما أوجب الله تعالى عليه أو بفعل ما حرم عليه فهو فى المشيئة لا يقطع فى أمره بتحريمه على
النار ولا باستحقاقه الجنة لأول وهلة بل يقطع بأنه لابد من دخوله الجنة آخرا وحاله قبل ذلك
فى خطر المشيئة ان شاء اللّه تعالى عذبه بذنبه وان شاء عفا عنه بفضله ويمكن أن تستقل
الاحاديث بنفسها ويجمع بينها فيكون المراد باستحقاق الجنة ما قدمناه من اجماع أهل السنة أنه
لابد من دخولها لكل موحد إما معجلا معافى وإما مؤخرا بعد عقابه والمراد بتحريم النار
تحريم الخلود خلافا للخوارج والمعتزلة فى المسئلتين ويجوز فى حديث من كان آخر كلامه
لا اله الا الله دخل الجنة أن يكون خصوصا لمن كان هذا آخر نطقه وخاتمة لفظه وان كان قبل
مخلطا فيكون سببا لرحمة الله تعالى اياه ونجاته رأسا من النار وتحريمه عليها بخلاف من لم يكن
ذلك آخر هانه من الموحدين المخلطين وكذلك ما ورد فى حديث عبادة من مثل هذا ودخوله
من أى أبواب الجنة شاء يكون خصوصا لمن قال ما ذكره النبى صلى الله عليه وسلم وقرن
بالشهادتين حقيقة الإيمان والتوحيد الذى ورد فى حديثه فيكون له من الاجر ما يرجح على
سيئاته ويوجب له المغفرة والرحمة ودخول الجنة لأول وهلة ان شاء الله تعالى والله أعلم هذا
آخر كلام القاضى عياض رحمه اللّه وهو فى نهاية الحسن . وأما ما حكاه عن ابن المسيب وغيره
فضعيف باطل وذلك لان راوى أحد هذه الاحاديث أبو هريرة رضى الله عنه وهو متأخر
الاسلام أسلم عام خيبر سنة سبع بالاتفاق وكانت أحكام الشريعة مستقرة وأكثر هذه الواجبات
كانت فروضها مستقرة وكانت الصلاة والصيام والزكاة وغيرها من الاحكام قد تقرر فرضها
وكذا الحج على قول من قال فرض سنة خمس أو ست وهما أرجح من قول من قال سنة تسع
والله أعلم. وذكر الشيخ أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله تعالى تأويلا آخر فى الظواهر الواردة
بدخول الجنة بمجرد الشهادة فقال يجوز أن يكون ذلك اقتصارا من بعض الرواة نشأ من