Indexed OCR Text

Pages 141-160

١٤١
فصل في بيان تقسيم مسلم للأحاديث
نسق يقتضيه تحقيقه، وكمال معرفته بمواقع الخطاب، ودقائق العلم وأصول القواعد،
وخفيات علم الأسانيد، ومراتب الرواة وغير ذلك.
فصل
[في بيان تقسيم مسلم للأحاديث]
ذكر مسلم رحمه الله في أول مقدمة صحيحه: أنه يقسم الأحاديث ثلاثة أقسام
الأول: ما رواه الحفاظ المتقنون. والثاني: ما رواه المستورون المتوسطون في الحفظ
والإتقان. والثالث: ما رواه الضعفاء والمتروكون. وأنه إذا فرغ من القسم الأول أتبعه
الثاني، وأما الثالث فلا يعرج عليه. فاختلف العلماء في مراده بهذا التقسيم، فقال
الإمامان الحافظان أبو عبد اللَّه الحاكم، وصاحبه أبو بكر البيهقي رحمهما اللَّه: إن المنية
اخترمت مسلماً رحمه اللّه قبل إخراج القسم الثاني، وأنه إنما ذكر القسم الأول. قال
القاضي عياض رحمه اللَّه: وهذا مما قبله الشيوخ والناس من الحاكم أبي عبد الله،
وتابعوه عليه. قال القاضي: وليس الأمر على ذلك(١) لمن حقق نظره، ولم يتقيد
بالتقلید، فإنك إذا نظرت تقسیم مسلم في کتابة الحدیث على ثلاث طبقات من الناس كما
قال، فذكر أن القسم الأول حديث الحفاظ، وأنه إذا انقضى هذا أتبعه بأحاديث من
لم يوصف بالحذق والإتقان، مع كونهم من أهل الستر والصدق، وتعاطي العلم، ثم
أشار إلى ترك حديث من أجمع العلماء، أو اتفق الأكثر منهم على تهمته، ونفي من اتهمه
بعضهم، وصححه بعضهم. فلم یذكره هنا ووجدته ذكر في أبواب كتابه حديث الطبقتين
الأوليين، وأتى بأسانيد الثانية منهما على طريق الاتباع للأولى والاستشهاد، أو حيث
لم يجد في الباب الأول شيئاً. وذكر أقواماً تكلم قوم فيهم، وزكاهم آخرون، وخرج
حديثهم ممن ضعف، أو اتهم ببدعة. وكذلك فعل البخاري، فعندي أنه أتى بطبقاته
الثلاث في كتابه على ما ذكر، ورتب في كتابه وبينه في تقسيمه، وطرح الرابعة كما نص
عليه. فالحاكم تأوّل أنه إنما أراد أن يفرد لكل طبقة كتاباً، ويأتي بأحاديثها خاصة مفردة،
وليس ذلك مراده، بل إنما أراد بما ظهر من تأليفه، وبان من غرضه أن يجمع ذلك في
الأبواب، ويأتي بأحاديث الطبقتين، فيبدأ بالأولى، ثم يأتي بالثانية على طريق
(١) صيانة صحيح مسلم: ٩١.

١٤٢
مقدمة الإمام النووي
الاستشهاد، والاتباع حتى استوفى جميع الأقسام الثلاثة. ويحتمل أن يكون أراد بالطبقات
الثلاث الحفاظ، ثم الذين يلونهم. والثالثة هي التي طرحها، وكذلك علل الحديث التي
ذكر، ووعد أنه يأتي بها قد جاء بها في مواضعها من الأبواب من اختلافهم في الأسانيد،
كالإرسال، والإسناد، والزيادة، والنقص، وذكر تصاحيف المصحفين، وهذا يدل على
استيفائه غرضه في تأليفه، وإدخاله في كتابه كلما وعد به. قال القاضي رحمه الله: وقد
فاوضت في تأويلي هذا ورأيي فيه من يفهم هذا الباب، فما رأيت منصفاً إلا صوّبه،
وبان له ما ذكرت، وهو ظاهر لمن تأمل الكتاب، وطالع مجموع الأبواب. ولا يعترض
على هذا بما قاله ابن سفيان صاحب مسلم: أن مسلماً أخرج ثلاثة كتب من المسندات
أحدها هذا الذي قرأه على الناس، والثاني يدخل فيه عكرمة، وابن إسحاق صاحب
المغازي وأمثالهما. والثالث يدخل فيه من الضعفاء(١)، فإنك إذا تأملت ما ذكر
ابن سفيان لم يطابق الغرض الذي أشار إليه الحاكم مما ذكر مسلم في صدر كتابه، فتأمله
تجده كذلك إن شاء اللّه تعالى. هذا آخر كلام القاضي عياض رحمه اللَّه، وهذا الذي
اختاره ظاهر جداً والله أعلم.
فصل
[أن الإمام مسلم لم يستدرك كل الصحيح]
ألزم الإمام الحافظ أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني رحمه اللَّه وغيره البخاري،
ومسلماً رضي الله عنهما إخراج أحاديث تركا إخراجها، مع أن أسانيدها أسانيد قد
أخرجا لرواتها في صحيحيهما بها(٢). وذكر الدارقطني، وغيره: أن جماعة من الصحابة
رضي الله عنهم رووا، عن رسول اللّه وَّر، ورويت أحاديثهم من وجوه صحاح لا مطعن
في ناقليها، ولم يخرجا من أحاديثهم شيئاً فيلزمهما إخراجها على مذهبيهما. وذكر
البيهقي: أنهما اتفقا على أحاديث من صحيفة همام بن منبه، وأن كل واحد منهما انفرد
عن الآخر بأحاديث منها، مع أن الإسناد واحد. وصنف الدارقطني، وأبو ذر الهروي في
هذا النوع الذي ألزموهما، وهذا الإلزام ليس بلازم في الحقيقة، فإنهما لم يلتزما استيعاب
الصحيح، بل صح عنهما تصريحهما: بأنهما لم يستوعباه، وإنما قصدا جمع جمل من
(١) صيانة صحيح مسلم: ٩٢.
(٢) المصدر السابق: ٩٥ .

١٤٣
فصل في استشهاد الإمام مسلم برواية الضعفاء
الصحيح(١). كما يقصد المصنف في الفقه جمع جملة من مسائله، لا أنه يحصر جميع
مسائله، لكنهما إذا كان الحديث الذي تركاه، أو تركه أحدهما مع صحة إسناده في
الظاهر أصلاً في بابه، ولم يخرجا له نظيراً، ولا ما يقوم مقامه، فالظاهر من حالهما أنهما
اطلعا فيه على علة، إن كانا روياه، ويحتمل أنهما تركاه نسياناً، أو إيثاراً لترك الإطالة،
أو رأيا أن غيره مما ذكراه يسد مسده، أو لغير ذلك والله أعلم.
فصل
[في استشهاد الإمام مسلم برواية الضعفاء]
عاب عائبون مسلماً بروايته في صحيحه عن جماعة من الضعفاء، والمتوسطين
والواقعين في الطبقة الثانية الذين ليسوا من شرط الصحيح. ولا عيب عليه في ذلك، بل
جوابه من أوجه ذكرها الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح رحمه الله(٢):
أحدها: أن يكون ذلك فيمن هو ضعيف عند غيره ثقة عنده، ولا يقال الجرح مقدم
على التعديل؛ لأن ذلك فيما إذا كان الجرح ثابتاً مفسر السبب، وإلا فلا يقبل الجرح إذا
لم يكن كذا. وقد قال الإمام الحافظ أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت الخطيب البغدادي،
وغيره ما احتج البخاري، ومسلم، وأبو داود به من جماعة علم الطعن فيهم من غيرهم
محمول على، أنه لم يثبت الطعن المؤثر مفسر السبب.
الثاني: أن يكون ذلك واقعاً في المتابعات والشواهد لا في الأصول، وذلك بأن
يذكر الحديث أولاً بإسناد نظيف رجاله ثقات، ويجعله أصلاً، ثم يتبعه بإسناد آخر،
أو أسانيد فيها بعض الضعفاء على وجه التأكيد بالمتابعة، أو لزيادة فيه تنبّه على فائدة فيما
قدمه. وقد اعتذر الحاكم أبو عبد اللَّه بالمتابعة والاستشهاد في إخراجه عن جماعة ليسوا
من شرط الصحيح منهم: مطر الوراق، وبقية بن الوليد، ومحمد بن إسحاق بن يسار،
وعبد الله بن عمر العمري، والنعمان بن راشد. وأخرج مسلم عنهم في الشواهد في أشباه
لهم کثیرین.
(١) والقصد من هذا ما أورده ابن الصلاح في علوم الحديث: ١٥ - ١٦ عن البخاري قوله: ما أدخلت
في كتاب الجامع إلا ما صح وتركت الصحاح لملال الطول. وكذلك جاء في تدريب الراوي: ٩٨/١
قول مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه.
(٢) صيانة صحيح مسلم: ٩٦.

١٤٤
مقدمة الإمام النووي
الثالث: أن يكون ضعف الضعيف الذي احتج به طرأ بعد أخذه عنه باختلاط حدث
عليه، فهو غير قادح فيما رواه من قبل في زمن استقامته، كما في أحمد بن
عبد الرحمن بن وهب بن أخي عبد اللَّه بن وهب. فذكر الحاكم أبو عبد اللَّه: أنه اختلط
بعد الخمسين ومائتين بعد خروج مسلم من مصر، فهو في ذلك كسعيد بن أبي عروبة،
وعبد الرزاق وغيرهما ممن اختلط آخراً. ولم يمنع ذلك من صحة الاحتجاج في
الصحيحين بما أخذ عنهم قبل ذلك.
الرابع: أن يعلو بالشخص الضعيف إسناده، وهو عنده من رواية الثقات نازل،
فيقتصر على العالي ولا يطول بإضافة النازل عليه مكتفياً بمعرفة أهل الشأن في ذلك.
وهذا العذر قد رويناه عنه تنصيصاً، وهو خلاف حاله فيما رواه عن الثقات، أولاً، ثم
أتبعه بمن دونهم متابعة، وكأن ذلك وقع منه على حسب حضور باعث النشاط وغيبته.
روينا عن سعيد بن عمرو البرذعي(١): أنه حضر أبا زرعة الرازي، وذكر صحيح مسلم،
وإنكار أبي زرعة عليه روايته فيه، عن أسباط بن نصر، وقطن بن نسير، وأحمد بن
عيسى المصري، وأنه قال أيضاً: يطرق لأهل البدع علينا، فيجدون السبيل، بأن يقولوا:
إذا احتج عليهم بحديث ليس هذا في الصحيح. قال سعيد بن عمرو: فلما رجعت إلى
نيسابور ذكرت لمسلم إنكار أبي زرعة، فقال لي مسلم: إنما قلت صحيح، وإنما
أدخلت من حديث أسباط، وقطن، وأحمد ما قد رواه الثقات عن شيوخهم، إلا أنه ربما
وقع إلي عنهم بارتفاع، ويكون عندي من رواية أوثق منهم بنزول، فأقتصر على ذلك،
وأصل الحديث معروف من رواية الثقات. قال سعيد: وقدم مسلم بعد ذلك الري،
فبلغني أنه خرج إلى أبي عبد الله محمد بن مسلم بن وادة، فجفاه وعاتبه على هذا
الكتاب، وقال له نحواً مما قاله لي أبو زرعة: إن هذا يطرق لأهل البدع. فاعتذر مسلم،
وقال: إنما أخرجت هذا الكتاب، وقلت: هو صحاح، ولم أقل أن ما لم أخرجه من
الحديث في هذا الكتاب فهو ضعيف، وإنما أخرجت هذا الحديث من الصحيح ليكون
مجموعاً عندي، وعند من يكتبه عني، ولا يرتاب في صحته. فقبل عذره وحمده. قال
الشيخ: وقد قدمنا عن مسلم أنه قال: عرضت كتابي هذا على أبي زرعة الرازي، فكل
ما أشار أن له علة تركته، وكل ما قال: أنه صحيح، وليست له علة، فهو هذا الذي
(١) انظر سؤالات البرذعي: ٢/ ٦٧٥.

١٤٥
فصل في بيان جملة من الكتب المخرجة
أخرجته. قال الشيخ: فهذا مقام وعر، وقد مهدته بواضح من القول، لم أره مجتمعاً في
مؤلف ولله الحمد. قال: وفيما ذكرته دليل على أن من حكم لشخص بمجرد رواية مسلم
عنه في صحيحه، بأنه من شرط الصحيح عند مسلم، فقد غفل وأخطأ، بل يتوقف ذلك
على النظر في أنه كيف روي عنه على ما بينّاه من انقسام ذلك والله أعلم.
فصل
[في بيان جملة من الكتب المخرجة على صحيح مسلم]
فقد صنف جماعات من الحفّاظ على صحيح مسلم كتباً، وكان هؤلاء تأخروا عن
مسلم، وأدركوا الأسانيد العالية، وفيهم من أدرك بعض شيوخ مسلم، فخرجوا أحاديث
مسلم في مصنفاتهم المذكورة بأسانيدهم تلك. قال الشيخ أبو عمرو رحمه اللَّه(١): فهذه
الكتب المخرجة تلتحق بصحيح مسلم في أن لها سمة الصحيح، وإن لم تلتحق به في
خصائصه كلها، ويستفاد من مخرجاتهم ثلاث فوائد: علو الإسناد، وزيادة قوة الحديث
بكثرة طرقه، وزيادة ألفاظ صحيحة مفيدة. ثم إنهم لم يلتزموا موافقته في اللفظ لكونهم
يروونها بأسانيد أخر، فيقع في بعضها تفاوت. فمن هذه الكتب المخرجة على صحيح
مسلم كتاب العبد الصالح أبي جعفر أحمد بن أحمد بن حمدان النيسابوري الزاهد
العابد، ومنها ((المسند الصحيح)) لأبي بكر محمد بن محمد بن رجا النيسابوري الحافظ،
وهو متقدم يشارك مسلماً في أكثر شيوخه، ومنها ((مختصر المسند الصحيح)) المؤلف
على كتاب مسلم للحافظ أبي عوانة يعقوب بن إسحاق الإسفرايني. روي فيه عن
يونس بن عبد الأعلى وغيره من شيوخ مسلم، ومنها كتاب أبي حامد الشازكي الفقيه
الشافعي الهروي يروي، عن أبي يعلى الموصلي، ومنها ((المسند الصحيح)) لأبي بكر
محمد بن عبد اللَّه الجوزقي النيسابوري الشافعي، ومنها («المسند المستخرج على كتاب
مسلم)) للحافظ المصنف أبي نعيم أحمد بن عبد اللَّه الأصبهاني، ومنها ((المخرج على
صحيح مسلم)) للإمام أبي الوليد حسان بن محمد القرشي الفقيه الشافع وغير ذلك
والله أعلم.
(١) صيانة صحيح مسلم: ٨٨ - ٩٠.

١٤٦
مقدمة الإمام النووي
فصل
[المستدركات على الصحيحين]
قد استدرك جماعة على البخاري، ومسلم أحاديث أخلا بشرطهما فيها، ونزلت
عن درجة ما التزماه، وقد سبقت الإشارة إلى هذا. وقد ألّف الإمام الحافظ أبو الحسن
علي بن عمر الدارقطني في بيان ذلك كتابه المسمى: ((بالاستدراكات والتتبع))، وذلك في
مائتي حديث مما في الكتابين ولأبي مسعود الدمشقي أيضاً عليهما استدراك،
ولأبي علي الغساني الجياني في كتابه تقييد المهمل في جزء العلل منه استدراك، أكثره
على الرواة عنهما، وفيه ما يلزمهما، وقد أجيب عن كل ذلك أو أكثره، وستراه في
مواضعه إن شاء اللَّه تعالى والله أعلم.
فصل
في معرفة الحديث الصحيح، وبيان أقسامه،
وبيان الحسن والضعيف وأنواعها
قال العلماء: الحديث ثلاثة أقسام(١): صحيح وحسن وضعيف. ولكل قسم أنواع،
فأما الصحيح فهو ما اتصل سنده بالعدول الضابطين من غير شذوذ ولا علة، فهذا متفق
على أنه صحيح، فإن اختل بعض هذه الشروط، ففيه خلاف وتفصيل نذكره إن شاء الله
تعالى. وقال الإمام أبو سليمان أحمد بن محمد بن إبراهيم بن الخطاب الخطابي الفقيه
الشافعي المتفنن: الحديث عند أهله ثلاثة أقسام: صحيح وحسن وسقيم، فالصحيح
ما اتصل سنده وعدّلت نقلته. والحسن ما عرف مخرجه، واشتهر رجاله، وعليه مدار
أكثر الحديث، وهو الذي يقبله أكثر العلماء، وتستعمله عامة الفقهاء. والسقيم على ثلاث
طبقات شرها الموضوع، ثم المقلوب، ثم المجهول. قال الحاكم أبو عبد اللَّه
النيسابوري في كتابه ((المدخل إلى كتاب الإكليل)): الصحيح من الحديث عشرة أقسام:
خمسة متفق عليها، وخمسة مختلف فيها. فالأول من المتفق عليه اختيار البخاري
ومسلم، وهو الدرجة الأولى من الصحیح، وهر أن لا يذكر إلا ما رواه صحابي مشهور،
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح: ٧ - ٢١، والمنهل الرزي: ٣١ - ٤٩، وفتح المغيث: ٤٢/١ و٦٢ - ٦٩
وغيرهم.

١٤٧
فصل في معرفة الحديث الصحيح
عن رسول اللّه ◌َلي له راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعي مشهور بالرواية، عن
الصحابة له أيضاً راويان ثقتان فأكثر، ثم يرويه عنه من أتباع الأتباع الحافظ المتقن
المشهور على ذلك الشرط، ثم كذلك قال الحاكم: والأحاديث المروية بهذه الشريطة
لا يبلغ عددها عشرة آلاف حديث. القسم الثاني مثل الأول، إلا أن راويه من الصحابة
لیس له إلا راوٍ واحد. القسم الثالث مثل الأول، إلا أن راویه من التابعین لیس له إلا راوٍ
واحد. القسم الرابع الأحاديث الأفراد الغرائب التي رواها الثقات العدول القسم الخامس
أحاديث جماعة من الأئمة، عن آبائهم، عن أجدادهم، ولم تتواتر الرواية، عن آبائهم،
عن أجدادهم بها إلا عنهم، كصحيفة عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده وبهز بن
حكيم، عن أبيه عن جده. وإياس بن معاوية، عن أبيه، عن جده. وأجدادهم صحابيون
وأحفادهم ثقاة. قال الحاكم: فهذه الأقسام الخمسة مخرجة في كتب الأئمة، فيحتج بها،
وإن لم يخرج منها في الصحيحين حديث يعني غير القسم الأول. قال: والخمسة
المختلف فيها المرسل، وأحاديث المدلسين إذا لم يذكروا سماعهم، وما أسنده ثقة،
وأرسله جماعة من الثقاة. وروايات الثقاة غير الحفاظ العارفين، وروايات المبتدعة إذا
كانوا صادقين. فهذا آخر كلام الحاكم، وسنتكلم عليه بعد حكاة قول الجياني إن شاء الله
تعالى. وقال أبو علي الغساني الجياني: الناقلون سبع طبقات ثلاث مقبولة، وثلاث
متروكة. والسابعة مختلف فيها، فالأولى: أئمة الحديث وحفاظه، وهم الحجة على من
خالفهم، ويقبل انفرادهم. الثانية: دونهم في الحفظ، والضبط لحقهم، في بعض
روايتهم وهم وغلط، والغالب على حديثهم الصحة، ويصحح ما وهموا فيه من رواية
الأولى، وهم لاحقون بهم. الثالثة: جنحت إلى مذاهب من الأهواء غير غالية ولا داعية،
وصح حديثها، وثبت صدقها، وقل وهمها، فهذه الطبقات احتمل أهل الحديث الرواية
عنهم، وعلى هذه الطبقات يدور نقل الحديث، وثلاث طبقات أسقطهم أهل المعرفة
الأولى: من وسم بالكذب ووضع الحديث. الثانية: من غلب عليه الغلط والوهم.
والثالثة: طائفة غلت في البدعة، ودعت إليها، وحرفت الروايات، وزادت فيها ليحتجوا
بها. والسابعة: قوم مجهولون انفردوا بروايات لم يتابعوا عليها، فقبلهم قوم، ووقفهم
آخرون. هذا كلام الغساني، فأما قوله: إن أهل البدع والأهواء الذين لا يدعون إليها،
ولا يغلون فيها يقبلون بلا خلاف، فليس كما قال، بل فيهم خلاف، وكذلك في الدعاة
خلاف مشهور سنذكرهما قريباً إن شاء اللَّه تعالى، حيث ذكره الإمام مسلم رحمه الله.

١٤٨
مقدمة الإمام النووي
وأما قوله في المجهولين خلاف، فهو كما قال. وقد أخل الحاكم بهذا النوع من المختلف
فيه، ثم المجهول أقسام مجهول العدالة ظاهراً وباطناً، ومجهولها باطناً مع وجودها
ظاهراً، وهو المستور ومجهول العين. فأما الأول، فالجمهور على أنه لا يحتج به. وأما
الآخران، فاحتج بهما كثيرون من المحققين. وأما قول الحاكم: إن من لم يرو عنه إلا
راوٍ واحد، فليس هو من شرط البخاري ومسلم، فمردود غلطه الأئمة فيه، بإخراجهما
حديث المسيب بن حزن والد سعيد بن المسيب في وفاة أبي طالب، لم يرو عنه غير ابنه
سعيد. وبإخراج البخاري حديث عمرو بن تغلب: ((إني لأعطي الرجل والذي أدع أحب
إلي)) لم يرو عنه غير الحسن. وحديث قيس بن أبي حازم، عن مرداس الأسلمي:
(يذهب الصالحون)). لم يرو عنه غير قيس. وبإخراج مسلم حديث رافع بن عمرو
الغفاري، لم يرو عنه غير عبد اللَّه بن الصامت. وحديث ربيعة بن كعب الأسلمي لم يرو
عنه غير أبي سلمة، ونظائر في الصحيحين لهذا كثيرة والله أعلم. وأما الأقسام المختلف
فيها، فسأعقد في كل واحد منها فصلاً إن شاء اللَّه تعالى ليكون أسهل في الوقوف عليه،
هذا ما يتعلق بالصحيح. وأما الحسن فقد تقدم قول الخطابي رحمه اللَّه: إنه ما عرف
مخرجه، واشتهر رجاله. وقال أبو عيسى الترمذي: الحسن ما ليس في إسناده من يتهم،
وليس بشاذ، وروي من غير وجه. وضبط الشيخ الإمام أبو عمرو بن الصلاح(١)
رحمه اللَّه الحسن فقال: هو قسمان. أحدهما: الذي لا يخلو إسناده من مستور
لم تتحقق أهليته، وليس كثير الخطأ فيما يرويه، ولا ظهر منه تعمد الكذب، ولا سبب
آخر مفسق، ويكون متن الحديث قد عرف بأن روي مثله، أو نحوه من وجه آخر. القسم
الثاني: أن يكون راويه من المشهورين بالصدق والأمانة، ولم يبلغ درجة رجال الصحيح
لقصوره عنهم في الحفظ والإتقان، إلا أنه مرتفع عن حال من يعد تفرده منكراً. قال:
وعلى القسم الأول ينزل كلام الترمذي. وعلى الثاني كلام الخطابي، فاقتصر كل واحد
منهما على قسم رآه خفياً. ولا بد في القسمين من سلامتهما من الشذوذ والعلة ثم
الحسن، وإن كان دون الصحيح، فهو كالصحيح في جواز الاحتجاج به والله أعلم. وأما
الضعيف: فهو ما لم يوجد فيه شروط الصحة، ولا شروط الحسن، وأنواعه كثيرة منها:
الموضوع، والمقلوب، والشاذ، والمنكر، والمعلل، والمضطرب وغير ذلك. ولهذه
(١) مقدمة ابن الصلاح: ١٥.

١٤٩
فصل في ألفاظ يتداولها أهل الحديث
الأنواع حدود، وأحكام، وتفريعات معروفة عند أهل هذه الصنعة، وقد أتقنها مع
ما يحتاج إليه طالب الحديث من الأدوات والمقدمات، ويستعين به في جميع الحالات
الإمام الحافظ أبو عمرو بن الصلاح في كتابه علوم الحديث. وقد اختصرته، وسهلت
طريق معرفته لمن أراد تحقيق هذا الفن، والدخول في زمرة أهله، ففيه من القواعد
والمهمات ما يلتحق به من حققه، وتكاملت معرفته له بالحفاظ المتقنين، ولا يسبقونه إلا
بكثرة الاطلاع على طرق الحديث، فإن شاركهم فيها لحقهم والله أعلم.
فصل
في ألفاظ يتداولها أهل الحديث (١)
المرفوع: ما أضيف إلى رسول اللَّه ◌َله خاصة لا يقع مطلقه على غيره، سواء كان
متصلاً أو منقطعاً. وأما الموقوف فما أضيف إلى الصحابي قولاً له، أو فعلاً أو نحوه
متصلاً كان أو منقطعاً، ويستعمل في غيره مقيداً، فيقال: حديث كذا وقفه فلان على
عطاء مثلاً. وأما المقطوع، فهو الموقوف على التابعي قولاً له، أو فعلاً متصلاً كان
أو منقطعاً. وأما المنقطع، فهو ما لم يتصل إسناده على أي وجه كان انقطاعه، فإن كان
الساقط رجلين، فأكثر سمي أيضاً معضلاً بفتح الضاد المعجمة. وأما المرسل فهو عند
الفقهاء، وأصحاب الأصول، والخطيب الحافظ أبي بكر البغدادي، وجماعة من
المحدثين ما انقطع إسناده على أي وجه كان انقطاعه، فهو عندهم بمعنى المنقطع. وقال
جماعات من المحدثين، أو أكثرهم: لا يسمى مرسلاً: إلا ما أخبر فيه التابعي، عن
رسول اللَّهُ بَّه، ثم مذهب الشافعي، والمحدثين، أو جمهورهم، وجماعة من الفقهاء:
أنه لا يحتج بالمرسل. ومذهب مالك وأبي حنيفة، وأحمد، وأكثر الفقهاء: أنه يحتج
به. ومذهب الشافعي: أنه إذا انضم إلى المرسل ما یعضده احتج به، وذلك بأن يروي
أيضاً مسنداً، أو مرسلاً من جهة أخرى، أو يعمل به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء.
وأما مرسل الصحابي وهو روايته ما لم يدركه أو يحضره، كقول عائشة رضي الله عنها:
أول ما بدىء به رسول اللَّه ◌َ ر من الوحي الرؤيا الصالحة. فمذهب الشافعي والجماهير:
أنه يحتج به. وقال الأستاذ الإمام أبو إسحاق الإسفرايني الشافعي: لا يحتج به، إلا أن
(١) انظر مقدمة ابن الصلاح: ٢١ - ٢٨، والمنهل الروي: ٥٠ - ٥٩، وتدريب الراوي: ١٨٢/١ - ١٨٥
وغيرهم.

١٥٠
مقدمة الإمام النووي
يقول: إنه لا يروى، إلا عن صحابي والصواب الأول.
فصل
[في قول الصحابي: كنا نفعل كذا أو كنا نقول كذا]
إذا قال الصحابي: كنا نقول أو نفعل، أو يقولون أو يفعلون كذا، أو كنا لا نرى،
أو لا يرون بأساً بكذا اختلفوا فيه، فقال الإمام أبو بكر الإسماعيلي: لا يكون مرفوعاً بل
هو موقوف. وسنذكر حكم الموقوف في فصل بعد هذا إن شاء اللَّه تعالى. وقال
الجمهور من المحدثين، وأصحاب الفقه، والأصول: إن لم يضفه إلى زمن
رسول اللَّه وَله، فليس بمرفوع، بل هو موقوف، وإن أضافه فقال: كنا نفعل في حياة
النبي ◌َّهر، أو في زمنه، أو وهو فينا، أو بين أظهرنا، أو نحو ذلك: فهو مرفوع. وهذا
هو المذهب الصحيح الظاهر، فإنه إذا فعل في زمنه وَلتر، فالظاهر اطلاعه عليه وتقريره
إياه وَ ﴿ وذلك مرفوع. وقال آخرون: إن كان ذلك الفعل مما لا يخفى غالباً كان مرفوعاً،
وإلا كان موقوفاً. وبهذا قطع الشيخ أبو إسحاق الشيرازي الشافعي والله أعلم. وأما إذا
قال الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنة كذا، فكله مرفوع على
المذهب الصحيح الذي قاله الجماهير من أصحاب الفنون. وقيل: موقوف. وأما إذا قال
التابعي: من السنّة كذا، فالصحيح أنه موقوف. وقال بعض أصحابنا الشافعيين: أنه
مرفوع مرسل. وأما إذا قيل: عند ذكر الصحابي يرفعه، أو ینھیه، أو يبلغ به، أو رواية،
فكله مرفوع متصل بلا خلاف. أما إذا قال التابعي: كانوا يفعلون، فلا يدل على فعل
جميع الأمة بل على بعض الأمة، فلا حجة فيه إلا أن يصرح بنقله، عن أهل الإجماع،
فیکون نقلاً للإجماع، وفي ثبوته بخبر الواحد خلاف.
فصل
[في الاحتجاج بالموقوف]
إذا قال الصحابي قولاً، أو فعل فعلاً، فقد قدمنا أنه يسمى: موقوفاً. وهل يحتج
به في تفصيل واختلاف؟ قال أصحابنا: إن لم ينتشر، فليس هو إجماعاً. وهل هو حجة
فيه قولان للشافعي رحمه اللّه، وهما مشهوران أصحهما الجديد: أنه ليس بحجة.
والثاني وهو القديم: أنه حجة، فإن قلنا: هو حجة قدم على القياس، ولزم التابعي وغيره

١٥١
فصل في الأسناد المعنعن
العمل به، ولم تجز مخالفته. وهل يخص به العموم؟ فيه وجهان، وإذا قلنا ليس بحجة،
فالقياس مقدم عليه، ويجوز للتابعي مخالفته، فأما إذا اختلف الصحابة رضي الله عنهم
على قولين، فإن قلنا بالجديد لم يجز تقليد واحد من الفريقين، بل يطلب الدليل، وإن
قلنا بالقديم فهما دليلان تعارضا، فيرجح أحدهما على الآخر بكثرة العدد، فإن استوى
العدد قدم بالأئمة، فيقدم ما عليه إمام منهم على ما لا إمام عليه. فإن كان الذي على
أحدهما أكثر عدداً ومع الأقل إمام فهما سواء، فإن استويا في العدد والأئمة، إلا أن في
أحدهما أحد الشيخين: أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما. وفي الآخر غيرهما، ففيه
وجهان لأصحابنا أحدهما: أنهما سواء. والثاني يقدم ما فيه أحدالشيخين هذا كله إذا
انتشر، أما إذا لم ينتشر، فإن خولف فحكمه ما ذكرناه، وإن لم يخالف، ففيه خمسة
أوجه لأصحابنا العراقيين. الأربعة الأولى منها، وهي مشهورة في كتبهم في الأصول،
وفي أوائل كتب الفروع، أحدها: أنه حجة وإجماع، وهذا الوجه هو الصحيح عندهم.
والثاني: أنه حجة وليس بإجماع. والثالث: إن كان فتوى فقيه، فهو حجة، وإن كان
حكم إمام، أو حاكم، فليس بحجة، وهو قول أبي علي بن أبي هريرة. والرابع ضده:
إن كان فتياً لم يكن حجة، وإن كان حاكماً أو إماماً كان إجماعاً. والخامس: أنه ليس
بإجماع، ولا حجة. وهذا الوجه هو المختار عند الغزالي في المستصفى. أما إذا قال
التابعي قولاً، ولم ينتشر، فليس بحجة بلا خلاف، وإن انتشر وخولف، فليس حجة
بلا خلاف. وإن انتشر ولم يخالف، فظاهر كلام جماهير أصحابنا أن حكمه حكم قول
الصحابي المنتشر من غير مخالفة. وحكى بعض أصحابنا فيه وجهي أصحهما هذا.
والثاني: ليس بحجة. قال صاحب الشامل من أصحابنا: الصحيح أنه يكون إجماعاً،
وهذا هو الأفقه، ولا فرق في هذا بين الصحابي والتابعي. وقد ذكرت هذا الفصل
بدلائله، وإيضاحه، ونسبة هذه الاختلافات إلى قائلها في شرح المهذب على وجه حسن
مختصر، وحذفت ذلك هنا اختصاراً والله أعلم.
فصل
في الإسناد المعنعن (١)
وهو فلان، عن فلان. قال بعض العلماء: هو مرسل، والصحيح الذي عليه
(١) انظر في مقدمة ابن الصلاح: ٢٨، وتدريب الراوي: ٢٤١/١.

١٥٢
مقدمة الإمام النووي
العمل. وقاله الجماهير من أصحاب الحديث، والفقه والأصول: إنه متصل بشرط أن
يكون المعنعن غير مدلس، وبشرط إمكان لقاء من أضيفت العنعنة إليهم بعضهم بعضاً،
وفي اشتراط ثبوت اللقاء، وطول الصحبة ومعرفته بالرواية عنه خلاف. منهم من
لم يشترط شيئاً من ذلك، وهو مذهب مسلم ادعى الإجماع عليه. وسيأتي الكلام عليه
حيث أذكره في أواخر مقدمة الكتاب إن شاء اللَّه تعالى. ومنهم من شرط ثبوت اللقاء
وحده، وهو مذهب علي بن المديني، والبخاري، وأبي بكر الصيرفي الشافعي،
والمحققين وهو الصحيح. ومنهم من شرط طول الصحبة، وهو قول: أبي المظفر
السمعاني الفقيه الشافعي. ومنهم من شرط أن يكون معروفاً بالرواية عنه، وبه قال:
أبو عمرو المقري. وأما إذا قال: حدثنا الزهري: أن ابن المسيب، قال: كذا، أو حدث
بكذا، أو فعل، أو ذكر، أو روى، أو نحو ذلك، فقال الإمام أحمد بن حنبل رحمه اللّه،
وجماعة: لا يلتحق ذلك بعن، بل يكون منقطعاً حتى يبين السماع. وقال الجماهير: هو
كعن محمول على السماع بالشرط المقدم، وهذا هو الصحيح. وفي هذا الفصل فوائد
كثيرة ينتفع بها إن شاء اللَّه تعالى في معرفة هذا الكتاب، وسترى ما يترتب عليه من
الفوائد إن شاء اللَّه تعالى، حيث تمر بمواضعها من الكتاب، ويستدل بذلك على غزارة
علم مسلم رضي الله عنه، وشدة تحريه وإتقانه، وإنه ممن لا يساوي في هذا بل لا يداني
رضي الله عنه.
فصل
[في الزيادات](١)
زيادات الثقة مقبولة مطلقاً عند الجماهير من أهل الحديث والفقه والأصول.
وقيل: لا تقبل. وقيل: تقبل إن زادها غير من رواه ناقصاً، ولا تقبل إن زادها هو. وأما
إذا روى العدل الضابط المتقن حديثاً انفرد به، فمقبول بلا خلاف. نقل الخطيب البغدادي
اتفاق العلماء عليه. وأما إذا رواه بعض الثقات الضابطين متصلاً، وبعضهم مرسلاً،
أو بعضهم موقوفاً، وبعضهم مرفوعاً، أو وصله هو، أو رفعه في وقت وأرسله أو وقفه
في وقت، فالصحيح الذي قاله المحققون من المحدثين، وقاله الفقهاء، وأصحاب
(١) انظر في مقدمة ابن الصلاح: ٤٠، والمنهل الروي: ٧١.

١٥٣
فصل في التدليس
الأصول. وصححه الخطيب البغدادي: أن الحكم لمن وصله، أو رفعه، سواء كان
المخالف له مثله، أو أكثر وأحفظ؛ لأنه زيادة ثقة وهي مقبولة. وقيل: الحكم لمن
أرسله أو وقفه. قال الخطيب، وهو قول أكثر المحدثين. وقيل: الحكم للأكثر. وقيل:
للأحفظ .
فصل
[في التدليس]
التدليس (١) قسمان: أحدهما: أن يروي عمن عاصره ما لم يسمع منه موهماً سماعه
قائلاً: قال فلان، أو عن فلان، أو نحوه. وربما لم يسقط شيخه، وأسقط غيره لكونه
ضعيفاً، أو صغيراً تحسيناً لصورة الحديث. وهذا القسم مكروه جداً، ذمه أكثر العلماء،
وكان شعبة من أشدهم ذماً له، وظاهر كلامه: أنه حرام، وتحريمه ظاهر، فإنه يوهم
الاحتجاج بما لا يجوز الاحتجاج به. ويتسبب أيضاً إلى إسقاط العمل بروايات نفسه مع
ما فيه من الغرور، ثم إن مفسدته دائمة، وبعض هذا يكفي في التحريم، فكيف باجتماع
هذه الأمور. ثم قال فريق من العلماء: من عرف منه هذا التدليس صار مجروحاً لا يقبل
له رواية في شيء أبداً. وأن بين السماع والصحيح ما قاله الجماهير من الطوائف: أن
ما رواه بلفظ محتمل لم يبين فيه السماع، فهو مرسل، وما بينه فيه كسمعت وحدثنا،
وأخبرنا وشبهها، فهو صحيح مقبول يحتج به. وفي الصحيحين وغيرهما من كتب
الأصول من هذا الضرب كثير لا يحصى، كقتادة، والأعمش، والسفيانين، وهشيم
وغيرهم. ودليل هذا أن التدليس ليس كذباً، وإذا لم يكن كذباً. وقد قال الجماهير: أنه
ليس محرماً. والراوي عدل ضابط، وقد بين سماعه وجب الحكم بصحته والله أعلم. ثم
هذا الحكم في المدلس جاز فيمن دلس مرة واحدة، ولا يشترط تكرره منه. واعلم أن
ما كان في الصحيحين عن المدلسين بعن ونحوها، فمحمول على ثبوت السماع من جهة
أخرى. وقد جاء كثير منه في الصحيح بالطريقين جميعاً، فيذكر رواية المدلس بعن، ثم
يذكرها بالسماع، ويقصد به هذا المعنى الذي ذكرته، وسترى من ذلك إن شاء الله تعالى
جملاً مما ننبه عليه في مواضعه إن شاء اللَّه تعالى، وربما مررنا بشيء منه على قلة من
غير تنبيه عليه اكتفاء بالتنبيه على مثله قريباً منه والله أعلم. وأما القسم الثاني من
(١) انظر في مقدمة ابن الصلاح: ٣٤، والمنهل الروي: ٦٣، وفتح المغيث: ١٧٩/١.

١٥٤
مقدمة الإمام النووي
التدليس: فإنه يسمي شيخه أو غيره، أو ينسبه أو يصفه أو يكنيه بما لا يعرف به كراهة أن
يعرف، ويحمله على ذلك كونه ضعيفاً أو صغيراً، أو يستنكف أن يروي عنه لمعنى آخر،
أو يكون مكثراً من الرواية عنه، فيريد أن يغيره كراهة تكرير الرواية عنه على صورة
واحدة، أو لغير ذلك من الأسباب. وكراهة هذا القسم أخف، وسببها توعير طريق معرفته
والله أعلم.
فصل
[في معرفة الاعتبار والمتابعة، والشاهد والإفراد، والشاذ والمنكر](١)
فإذا روى حماد مثلاً حديثاً، عن أويب، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة رضي اللَّه
عنه، عن النبي وَله ينظر هل رواه ثقة غير حماد، عن أيوب، أو عن ابن سيرين غير
أيوب؟ أو عن أبي هريرة غير ابن سيرين؟ أو عن النبي وَّ غير أبي هريرة؟ فأي ذلك
وجد علم أن له أصلاً يُرجع إليه، فهذا النظر والتفتيش يسمى اعتباراً وأما المتابعة، فأن
يرويه عن أيوب غير حماد، أو عن ابن سيرين غير أيوب، أو عن أبي هريرة غير
ابن سيرين، أو عن النبي و لم غير أبي هريرة، فكل واحد من هذه الأقسام يسمى متابعة،
وأعلاها الأولى، وهي: متابعة حماد في الرواية، عن أيوب، ثم ما بعدها على الترتيب.
وأما الشاهد فأن يروي حديث آخر بمعناه، وتسمى المتابعة شاهداً، ولا يسمى الشاهد
متابعة. وإذا قالوا في نحو هذا تفرد به أبو هريرة، أو ابن سيرين، أو أيوب، أو حماد كان
مشعراً بانتفاء وجوه المتابعات كلها. واعلم أنه يدخل في المتابعات والاستشهاد رواية
بعض الضعفاء، ولا يصلح لذلك كل ضعيف، وإنما يفعلون هذا لكون التابع لا اعتماد
عليه، وإنما الاعتماد على من قبله. وإذا انتفت المتابعات وتمحض فرداً، فله أربعة
أحوال. حال: يكون مخالفاً لرواية من هو أحفظ منه، فهذا ضعيف، ويسمى: شاذاً
ومنكراً. وحال: لا يكون مخالفاً، ويكون هذا الراوي حافظاً ضابطاً متقناً، فيكون
صحيحاً. وحال: يكون قاصراً عن هذا، ولكنه قريب من درجته، فيكون حديثه حسناً.
وحال: يكون بعيداً عن حاله، فيكون شاذاً منكراً مردوداً، فتحصل أن الفرد قسمان
مقبول ومردود، والمقبول ضربان: فرد لا يخالف، وراويه كامل الأهلية. وفرد هو قريب
(١) انظر في مقدمة ابن الصلاح: ٣٦ - ٣٨، والمنهل الروي: ٦٧ - ٧٣، وفتح المغيث: ١٩٦ - ٢١٩.

١٥٥
فصل في أحرف مختصرة
منه. والمردود أيضاً ضربان: فرد مخالف للأحفظ، وفرد ليس في راويه من الحفظ
والإتقان ما يجبر تفرده والله أعلم.
فصل
[في حكم المختلط]
إذا خلط الثقة لاختلال ضبطه بحرف، أو هرم، أو لذهاب بصره، أو نحو ذلك قبل
حديث من أخذ عنه قبل الاختلاط، ولا يقبل حديث من أخذ بعد الاختلاط، أو شككنا
في وقت أخذه. فمن المخلطين: عطاء بن السائب، وأبو إسحاق السبيعي، وسعيد
الجريري، وسعيد بن أبي عروبة، وعبد الرحمن بن عبد اللَّه المسعودي، وربيعة أستاذ
مالك، وصالح مولى التؤمة، وحصين بن عبد الوهاب الكوفي، وسفيان بن عيينة. قال
يحيى القطان: أشهد أنه اختلط سنة سبع وتسعين، وتوفي سنة تسع وتسعين.
وعبد الرزاق بن همام عمي في آخر عمره، فكان يتلقن. وعارم اختلط آخراً. واعلم أن
ما كان من هذا القبيل محتجاً به في الصحيحين، فهو مما علم أنه أخذ قبل الاختلاط.
فصل
[في أحرف مختصرة في بيان الناسخ والمنسوخ](١)
وحكم الحديثين المختلفين ظاهراً. أما النسخ فهو رفع الشارع حكماً منه متقدماً
(١) اعلم أن معرفة ناسخ الحديث ومنسوخه ليس بالأمر الهين فقد روي أن الإمام علي رضي الله عنه مرّ
على قاصٍ، فقال: تعرف الناسخ والمنسوخ، فقال :. لا، فقال: هلكت وأهلكت. فتح المغيث
٦٧/٣.
وقال الحازمي في كتابه ((الناسخ والاعتبار المنسوخ)) وأسند عن حذيفة: أنه سئل عن شيء فقال:
إنما يفتي من عرف الناسخ والمنسوخ وقالوا: من يعرف ذلك قالوا: عمر. تدريب الراوي ٢/ ١٩٠ .
وقال ابن الصلاح: هذا في فهم مستصعبٍ وروينا عن الزهري رضي اللَّه عنه أنه قال: أعي الفقهاء
وأعجزهم أن يعرفوا ناسخ حديث رسول اللّه وَّلهو من منسوخه.
وكان للشافعي رضي الله عنه فيه يد طولى وسابقة أولى، روينا عن محمد بن سالم بن مرارة أحد
أئمة الحديث أن أحمد بن حنبل قال له وقد قدم من مصر: كتبت كتب الشافعي. فقال: لا. قال:
فرضت، ما علمنا المجمل في المفسر ولا ناسخ حديث رسول اللَّه ◌َ لچر من منسوخه حتى جالسنا
الشافعي. والسخاوي ص ٦٧/٣ .
وقال الحافظ ابن حجر في شر النخبة: وتسميته ناسخاً مجازاً، لأن الناسخ في الحقيقة هو اللَّه
تعالی.

١٥٦
مقدمة الإمام النووي
بحكم منه متأخر (١) هذا هو المختار في حده. وقد قيل: فيه غير ذلك(٢)، وقد أدخل فيه
كثيرون، أو الأكثرون من المصنفين في الحديث ما ليس منه(٣)، بل هو من قسم
التخصيص(٤)، أو ليس منسوخاً ولا مخصصاً، بل مؤولاً (٥) أو غير ذلك. ثم النسخ
(١) وهذا الذي حده به الإمام النووي تبع فيه حد ابن الحاجب في (مختصره) ص ١٦٠. وحد الامدي
في كتابه الإحكام ١٦٠/٢ - ١٦٣ فإنها حده برفع الحكم اختاره السبكي في كتابه جمع الجوامع
٥٠/٢٠. قلت: وهذا تعريف عليه أثر أئمة الحديث، وهو سالم من الاعتراضات التي وردت على
غيره، فالمراد برفع الحكم قطع تعلقه عن المكلفين، واحترز به عن بيان المجمل، وبإضافته المشارع
عن أخبار بعض من شاهد النسخ من الصحابة، فإنه لا يكون نسخاً، وإن لم يحصل التكليف به لمن
لم يبلغه قبل ذلك إلا بإخباره، وبالحكم عن رفع الإباحة الأصلية، فإنه لا يسمى نسخاً، وبالمتقدم
عن التخصيص المتصل بالتكليف، كالاستثناء ونحوه، وبقوله بحكم منه متأخر، عن رفع الحكم
بموت المكلف أو زوال تكليفه بجنون ونحوه، وعن انتهائه بانتهاء الوقت. تدريب الراوي ٢/ ١٩٠.
(٢) كتعريف الرازي في كتابه (المحصول) ٠٠٠/٢، والغزالي في المستصفى ٦٩/١ حيث عرفه بأنه:
الخطاب الدال على ارتفاع الحكم الثابت بالخطاب المتقدم على وجه لولاه لكان ثابتاً، مع تراخيه
عنه.
وقال الحافظ العراقي: وقد اعترض عليه بأن التعبير برفع الحكم ليس بجيد لأن الحكم قديم لا يرتفع
والجواب عنه إنما المراد برفع الحكم قطع تعلقه بالمكلف التقييد والإيضاح ص ٢٣٩.
ويلاحظ أن التعبير بالتراخي أو التأخر يغني عن عبارة (لولاه لكان مستمراً ثابتاً) فالجمع بينهما في
تعريف الغزالي تكرار. الوسيط في أصول الفقه الإسلامي ٢٣١/٢ .
(٣) قلت: وهذا خاصة عند المتقدمين؛ لأن: ((النسخ عندهم في الإطلاق أعم منه في كلام الأصوليين،
فقد يطلقون على تقييد المطلق نسخاً، وعلى تخصيص العموم بدليل متصل أو منفصل نسخاً، وعلى
بيان المبهم والمجمل نسخاً، كما يطلقون على رفع الحكم الشرعي بدليل شرعي متأخر نسخاً، لأن
جميع ذلك مشترك في معنى واحد وهو أن النسخ في الاصطلاح المتأخر اقتضى أن الأمر المتقدم
غير مراد في التكليف وإنما المراد ما جيء به آخراً فالأول غير معمول به والثاني هو المعمول به ...
فلما كان كذلك استسهل إطلاق لفظ النسخ في جهة هذه المعاني لرجوعها إلى شيء واحد»
الموافقات للشاطبي ٦٥/٣.
(٤) قلت: يترك النسخ والتخصيص في وجه ويفترقان في وجه آخر،
فيشتركان في: ((أن ظاهر العام يقتضي شمول الحكم لجميع ما يتناوله اللفظ، فلما جاء الخاص
أخرج حكم ظاهر العام عن الاعتبار فأشبه الناسخ والمنسوخ)» الشاطبي ٦٥/٣ .
ويفترقان في: ((أن اللفظ العام لم يهمل مدلوله جملة، وإنما أهمل منه ما دل عليه الخاص، وبقي
السائر على الحكم الأول)) بخلاف النسخ الذي يخرج المتكلم عن اللفظ ما قصد به الدلالة عليه
فيرفع حكم الأول بجملته بالناسخ بعد أن كان متعلقاً ابتداءً بجميع الأفراد.
(٥) وهذا ما ذهب إليه الإمام الشاطبي بقوله: إن غالب ما ادعي فيه النسخ إذا تأمل وجدته متنازعاً =

١٥٧
فصل في أحرف مختصرة
يعرف بأمور منها: تصريح رسول اللَّه ◌َلي به: ((كنت نهيتكم عن زيارة القبور
فزوروها))(١). ومنها قول الصحابي: كان آخر الأمرين ترك الوضوء مما مست النار(٢).
ومنها ما يعرف بالتاريخ(٣)، ومنها ما يعرف بالإجماع، كقتل شارب الخمر في المرة
ومحتملاً قريباً من التأويل. الموافقات ٦٥/٣.
=
(١) أخرجه مسلم في كتاب الجنائز باب: استئذان النبي و 8* ربه عز وجل في زيارة قبر أمه
(حديث ١٠٥)، في كتاب الأضاحي باب (١٨/٥) وفي الأشربة (٤/٥)، وأخرجه الترمذي في
كتاب الجنائز باب: ما جاء في الرخصة في زيارة القبور حديث (١٠٥٤) وقال: حديث حسن
صحیح.
وابن ماجه له كتاب الجنائز باب: ما جاء في زيارة القبور حديث (١٥٧١). قلت: كان تصريح
رسول اللَّه وله في زيارة القبور بقوله فزوروها نسخاً لنهيه عن الزيارة ناهيك عن قول رسول اللّه ◌َله
رخص في زيارة القبور.
(٢) أخرجه أبو داود في كتاب الطهارة باب: ترك الوضوء مما مست النار (١٩٢)، وأخرجه النسائي في
كتاب الطهارة باب: ترك الوضوء مما غيرت النار (١٨٥).
قلت: زيد بن ثابت الذي قال فيه: سمعت رسول اللَّه وَ ل﴿ يقول: ((توضؤوا مما مست النار)). أخرجه
مسلم في باب الحيض باب الوضوء مما مست النار (الحديث ٩٠) وأخرجه أبو داود في الطهارة
باب التشدید في ذلك حديث (١٥٩).
وأخرجه النسائي في كتاب الطهارة في باب: الوضوء مما غيرت النار حديث (١٧٩).
قال الحاكم: وهذا الحديث ناسخ لحديث أبي أيوب الأنصاري الذي قال فيه. قال النبي مت 9:
توضؤوا مما غيرت النار. أخرجه الإمام النسائي في كتاب الطهارة (١٧٦). ولقد ذكر ذلك الحاكم
في كتابه علوم الحديث نقلاً عن شيخه أبو عبد اللَّه الصفار الذي قال: هذا الأمر - أي حديث
أبي أيوب - منسوخ والناسخ له ما حدثنا به أبو العباس عن جابر. وذكر الحديث ص ٨٥.
(٣) كحديث شداد بن أوس مرفوعاً: انظر الحاجم والمحجوم أو أبو داود في كتاب الصوم باب: في
الصائم يحتجم (٢٣٦٩) وابن ماجه في كتاب الصوم باب الحجامة حديث (١٦٨١).
وذكر الشافعي أنه منسوخ بحديث ابن عباس أن رسول اللّه ◌َو احتجم وهو صائم محرم.
أخرجه البخاري في كتاب الطب باب أيَّ ساعة يحتجم حديث (٥٣٦٩). والترمذي في كتاب الصوم
باب الرخصة في الحجامة حديث (٧٧٦) وابن ماجه في كتاب الصيام باب ما جاء في الحجامة
للصائم وهو احتجم رسول اللَّه ◌ُ ﴾ وهو صائم محرم حديث (١٦٨٢) وقد توهم الإمام السيوطي في
كتابه تدريب الراوي ٢/ ١٩١ حيث نسب هذا الحديث إلى الإمام مسلم في صحيحه، وإنما حديث
الإمام مسلم هو: أن النبي احتجم وهو محرم من غير زيادة: صائم.
قلت: وقوله: (ما يعرف بالتاريخ) أي: الزمن الذي ذكر فيه الحكم أو فعله النبي ﴿ ﴿ه. أما قوله:
((أفطر الحاجم والمحجوم)) كان في شهر رمضان زمن الفتح سنة ثمان وهو سابق لفعله: أنه احتجم
وهو صائم محرم في سنة عشر في حجة الوداع، فكان فعله ناسخاً لقوله عليه الصلاة والسلام.

١٥٨
مقدمة الإمام النووي
الرابعة (١)، فإنه منسوخ عرف نسخه بالإجماع (٢). والإجماع لا يُنسخ. ولا يَنسخ (٢)،
لكن يدل على وجود ناسخ والله أعلم. وأما إذا تعارض حديثان في الظاهر، فلا بد من
الجمع بينهما، أو ترجيح أحدهما. وإنما يقوم بذلك غالباً الأئمة الجامعون بين الحديث
والفقه، والأصولين المتمكنون في ذلك الغائصون على المعاني الدقيقة الرائضون أنفسهم
في ذلك، فمن كان بهذه الصفة لم يشكل عليه شيء من ذلك، إلا النادر في بعض
الأحيان.
(١) أخرجه النسائي في الأشربة حديث (٥٧٦٥).
هذا حديث منسوخ وقد رواه أصحاب السنن الأربعة في حديث معاوية قال: قال رسول اللَّه ◌ِطليقته: من
شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه وأخرجه ابن ماجه في كتاب الحدود باب من شرب
الخمر مراراً حديث (٢٥٧٢) وأبو داود في كتاب الحدود باب: إذا تتابع في شرب الخمر حديث
(٤٤٨٤) وأخرجه الترمذي في كتاب الحدود باب ما جاء من شرب الخمر فاجلدوه ومن عاد في
الرابعة فاقتلوه حديث (١٤٤٤).
قال أبو عيسى تعليقاً على الحديث السابق : ... وإنما كان هذا في أول الأمر ثم نسخ بعد، هكذا
روى محمد بن إسحاق عن محمد بن المنكدر عن جابر بن عبد اللَّه عن النبي وَ لاغير قال: إن من
شرب الخمر فاجلدوه، فإن عاد في الرابعة فاقتلوه، قال ثم أتى النبي وَ له بعد ذلك برجل قد شرب
الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله(١). وذهبت الظاهرية، وبعض مشايخ الحنفية وبعض الحنابلة،
وبعض المعتزلة وعيسى بن أبان إلى أنه يجوز النسخ بالإجماع لكن لا بنفسه، بل بسند من النصوص
قلت: وهذا مراده بقوله لكن يدل على وجود ناسخ والله أعلم. وكذلك رواية الزهري عن قبيصة بن
ذؤيب بعد أن ذكر الحديث عن النبي و ﴿ قال: فأتي برجل قد شرب فجلده، ثم أتي به فجلده ثم
أتي به فجلده ورفع القتل وكانت رخصة. فكان هذا الفعل ناسخاً لقوله عليه الصلاة والسلام فإن عاد
في الرابعة فاقتلوه والله أعلم. أخرجه أبو داود حديث (٤٤٨٤).
(٢) قلت: لم يكن الإجماع هو الناسخ بل فعل النبي ◌َّلير بدليل ما رواه قبيصة بن ذؤيب وجابر بن
عبد الله ولكن كان الإجماع على ترك العمل به لأنه دل على ناسخ غيره كما قاله ابن الصلاح في
مقدمته ص (١٤٠) والدليل على هذا قوله بعد ذلك والإجماع لا يَنْسَخُ ولا يُنْسَخ.
(٣) قرر جمهور العلماء أن الإجماع لا يكون منسوخاً ولا ناسخاً. كشف الأسرار ٨٩٥/٣، المستصفى
٨١/١، ومختصر ابن الحاجب ص ١٦٩، أصول السرخسي ٢/ ٦٦ .
أما كون الإجماع لا يكون منسوخاً قلت: إن حديث رسول اللَّهِ وَ ل﴿ لا يصلح أن يكون ناسخاً
للإجماع؛ لأن الإجماع لا يكون إلا بعد وفاة النبي وَ ل ﴾، والنسخ لا يكون بعد موته فلا ينسخه
حديث الرسول اَلله .
أما كون الإجماع لا يكون ناسخاً لحديث رسول اللّه وَ ل﴿ قلت: لأن الإجماع لا ينعقد على خلاف
النص، لافتقاره إلى مستند فإن وجد مستند نص آخر غير مستند الإجماع كان هو الناسخ
لا الإجماع.

١٥٩
فصل في أحرف مختصرة
ثم المختلف قسمان:
أحدهما: يمكن الجمع بينهما، فيتعين ويجب العمل بالحديثين جميعاً (١)، ومهما
أمكن حمل كلام الشارع على وجه يكون أعم للفائدة تعين المصير إليه، ولا يصار إلى
النسخ مع إمكان الجمع (٢)؛ لأن في النسخ إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل
به (٣). ومثال الجمع حديث: ((لا عدوى)) (٤). مع حديث: ((لا يورد ممرض على
مصح)) (٥) . وجه الجمع أن الأمراض لا تعدي بطبعها، ولكن جعل الله سبحانه وتعالى
مخالطتها سبباً للأعداء. ففي في الحديث الأول ما يعتقده الجاهلية من العدوى بطبعها،
وأرشد في الثاني إلى مجانبة ما يحصل عنده الضرر عادة بقضاء الله وقدره وفعله. القسم
قلت: وهذا ما حصل في قتل شارب الخمر في المرة الرابعة واللَّه أعلم.
(١) وهذا هو الذي صرّح به أهل أصول الحديث. انظر: فتح المغيث ٨٢/٣، ومقدمة ابن الصلاح
ص ١٤٣، وتدريب الراوي ٢/ ١٩٧، والمنهل الروي.
(٢) قلت: وهذا عليه أكثر الشافعية، ولكن اختار جمع من الحنفية تقديم النسخ على الجمع ((فإن علم
المتأخر منها فناسخ، وإلا فإن أمكن الجمع بينهما باعتبار مخلص من الحكم أو المحل أو الزمان
فذاك، وإلا يترك العمل بالدليلين)). التلويح ١٠٣/٢ .
(٣) وعد الإمام أبي الحسنات اللكنوي إخراج أحد الحديثين عن كونه مما يعمل به عند النسخ أمراً غير
لائق، ثم قال: فالأولى أن يطلب الجمع بين المتعارضين بأي وجه كان، شرط تعمق النظر وغوص
الفكر. الأجوبة الفاضلة ص ١٨٣، وقال الحازمي: ادعاء النسخ مع إمكان الجمع بين الحديثين
على خلاف الأصل. الاعتبار ص ٦٩ .
(٤) حديث: ((لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح، والفأل الصالح الكلمة الحسنة)) أخرجه
البخاري في كتاب الطب (١٧/٧) باب الفأل، وباب لا عدوى، ومسلم في كتاب السلام
باب الطيرة والفأل ... الخ حديث (٢٢٢٤)، والترمذي في كتاب السير باب: في الطيرة حديث
(١٦١٥) وأبو داود في كتاب الطب باب: في الطيرة حديث (٣٩١٦) وابن ماجه في كتاب الطب
باب من كان يعجبه الفأل ... إلخ حديث (٣٥٣٧).
(٥) حديث: ((لا يورد ممرض على مصح))، أخرجه الإمام مسلم في كتاب السلام باب: لا عدوى
ولا طيرة ولا هامة ولا صغر ... إلخ.
قلت: وعد الصحابي أبو هريرة رضي اللَّه عنه هذا الحديث ناسخاً لحديث: ((لا عدوى لا طيرة).
فقد قال أبو سلمة - وهو راوي الحديث عن أبي هريرة - كان أبو هريرة يحدثها كلتيهما عن
رسول اللَّه ◌َ ﴿ بمعنى أنه يجمع بين الحديثين، ثم صمت أبو هريرة بعد ذلك عن قوله: ((لا عدوى))
وأقام على: ((أن لا يورد ممرض على مصح)) ثم قال: فلا أدري أنسي أبو هريرة، أو نسخ أحد
القولين الآخر؟ والله أعلم.

١٦٠
مقدمة الإمام النووي
الثاني: أن يتضادا بحيث لا يمكن الجمع بوجه (١)، فإن علمنا أحدهما ناسخاً قدمناه،
وإلا عملنا بالراجح منهما، كالترجيح بكثرة الرواة وصفاتهم. وسائر وجوه الترجيح وهي
نحو خمسين وجهاً (٢) جمعها الحافظ أبو بكر الحازمي في أول كتابه الناسخ والمنسوخ.
وقد جمعتها أنا مختصرة ولا ضرورة إلى ذكرها هنا كراهة للتطويل واللَّه أعلم.
فصل
[في معرفة الصحابي والتابعي]
هذا الفصل مما يتأكد الاعتناء به، وتمس الحاجة إليه فبه يعرف المتصل من
المرسل. فأما الصحابي: فكل مسلم رأى رسول اللَّهُ وَلتر ولو لحظة. هذا هو الصحيح
في حده (٣)، وهو مذهب أحمد بن حنبل، وأبي عبد اللَّه البخاري في صحيحه (٤)
والمحدثين كافة. وذهب أكثر أصحاب الفقه، والأصول إلى: أنه من طالت صحبته
له وَ﴾. قال الإمام القاضي أبو الطيب الباقلاني: لا خلاف بين أهل اللغة: أن
.
(١) معنى قوله: لا يمكن الجمع بوجه: أي لا يمكن التمييز بين السابق واللاحق بأن أبهم التاريخ.
(٢) وعدها الإمام العراقي مائة ويزيد في التقييد والإيضاح وسردهم باختصار ص ٢٤٥ .
راجع في ذلك مقدمة ابن الصلاح ص ١٤٣ والأجوبة الفاضلة ص ١٨٣ وتدريب الراوي ١٩٦/٢ ،
والمنهل الروي ص ١٥٩، باب: معرفة مختلف الحدیث وحكمه.
٠
(٣) قلت: وهذا التعريف ليس كاملاً فكان من الأولى أن يعرف الصحابي بقوله: هو من لقي النبي ◌َّهر
مسلماً مؤمناً به ومات على إسلامه وإيمانه؛ لأن التعريف الذي ذكره الإمام النووي ثم أتبعه بقوله هو
الصحيح لا يدخل فيه من لم يره # لعارض كالعمى، فإن كان فاعل الرؤية الرائي الأعمى
کابن مکتوم ونحوه فهو صحابي بلا خلاف ولا رؤية له، ومن رآه کافراً ثم أسلم بعد موته کرسول
قیصر فلا صحبة له، ومن رآه بعد موته ټ# قبل الدفن، وقد وقع ذلك لأبي ذؤيب خويلد بن خالد
الهذلي، فإنه لا صحبة له، ومن صحبه ثم ارتد كقرة بن ميسرة والأشعث بن قيس فالظاهر أنها
محبطة - أي الردة - للصحبة السابقة، وأما من رجع إلى الإسلام في حياته، كعبد اللَّه بن أبي السرح
فلا مانع من دخوله في الصحبة . اهـ.
وكذلك اشترطوا أموراً باللقبة أو بالرؤية وهي: أن يكون الرائي بالغاً فمحمود بن الربيع وهو الذي
عقل منه النبي ◌َّلخير مجة سحبها في وجهه وهو ابن خمس سنين، قال أبو حاتم: له رؤية وليست له
صحبة.
(٤) في أول كتاب فضائل الصحابة ثم قال الإمام البخاري: ومن صحب النبي و # أو رآه من المسلمين
فهو من أصحابه.