Indexed OCR Text
Pages 401-420
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٨
٤٠١
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٨
عَبْدِ الله رَضِيَ الله عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ﴿ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ، فَأَمَرَنَا رَسُولُ الله ◌ِ ﴿ أَنْ
نَجْعَلَهَا عُمْرَةٌ ، وَنَحِلُّ ، قَالَ: وَكَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَجْعَلْهَا عُمْرَةٌ .
١٨/١٨ - باب : في المتعة بالحج والعمرة
٢٩٣٩ - ١/١٤٥ - وحدّثنا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وِابْنُ بَشَارٍ، قَالَ ابْنُ المُثْنَّى: حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ
جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ. قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِ نَضْرَةَ قَالَ: كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَأْمُرُ
بِالْمُتْعَةِ ، وَكَانَ ابْنُ الزُّبَيْرِ يَنْهَىْ عَنْهَا، قَالَ: فَذَكَرْتُ ذُلِكَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَقَالَ: عَلَىْ يَدَيَّ
دَارَ الْحَدِيثُ /، تَمَتِّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهَ، فَلَمَّا قَامَ عُمَرُ قَالَ: إِنَّ اللهَ كَانَ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ جَّلـ
ج ١٢
بِمَا شَاءَ، وَإِنَّ الْقُرْآن قَدْ نَزَلَ مَنَازِلَهُ، فَأَيُُّّوا الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ | لله |، كَمَا أَمَرَكُمُ الله، (١) فَأَبِتُّوا
وَاتَّقُوا(١) نِكَاحَ هَذِهِ النِّسَاءِ ، فَلَنْ أُوتَىْ بِرَجُلٍ نَكَحَ امْرَأَةً إِلَىْ أَجْلٍ، إلَّ رَجَمْتُهُ بِالْحِجَارَةِ .
وَحَدَّثَنِيِ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا عَقَّانُ، حَدَّثَنَا هِمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ
فِي الْحَدِيثِ: فَافْصِلُوا حَجَّكُمْ مِنْ عُمْرَتِكُمْ ، فَإِنَّهُ أَتَمُّ لِحَجِّكُمْ ، وَأَتَمُّ لِعُمْرَتِكُمْ .
٢٩٣٩ - انفرد به مسلم، تحفة الأشراف (١٠٤٢٥).
قوله: (كان ابن عباس يأمرنا بالمتعة وكان ابن الزبيرينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال:
على يدي دار الحديث تمتعنا مع رسول اللَّه :﴿ فلما قام عمر قال: إن اللَّه يحل لرسوله ما شاء بما شاء وإن
القرآن قد نزل منازله فأتموا الحج والعمرة كما أمركم الله وأبنوا نكاح هذه النساء فلن أوتي برجل نكح امرأة
إلى أجل إلا رجمته بالحجارة) وفي الرواية الأخرى عن عمر رضي الله عنه (فافصلوا حجكم من عمرتكم
فإنه أتم لحجكم وأتم لعمرتكم) وذكر بعد هذا من رواية أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أنه كان يفتي
بالمتعة، ويحتج بأمر النبي و # له بذلك، وقول عمر رضي الله عنه أن نأخذ بكتاب الله، فإن اللَّه تعالى ١٦٨/٨
أمر بالإتمام، وذكر عن عثمان أنه كان ينهى عن المتعة أو العمرة، وأن علياً خالفه في ذلك وأهل بهما
جميعاً، وذكر قول أبي ذر رضي الله عنه: ((كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد ﴿ خاصة)) وفي رواية
((رخصة)) وذكر قول عمران بن حصين: ((أن النبي ) أعمر طائفة من أهله في العشر فلم تنزل آية تفسخ
ذلك)) وفي رواية: ((جمع بين حج وعمرة ثم لم ينزل فيها كتاب ولم ينه)) قال المازري: اختلف في المتعة
التي نهى عنها عمر في الحج، فقيل هي فسخ الحج إلى العمرة، وقيل هي العمرة في أشهر الحج ثم الحج
من عامه، وعلى هذا إنما نهى عنها ترغيباً في الإفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها أو تحريمها،
وقال القاضي عياض: ظاهر حديث جابر وعمران وأبي موسى، أن المتعة التي اختلفوا فيها إنما هي فسخ
(1-1) في المطبوعة: وأبتوا.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٢
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
٢٩٤٠ - ٢/١٤٦ - وحدّثنا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ وَقُتِبَةُ، جَمِيعاً عَنْ حَمَّادٍ ، قَالَ خَلَفْ :
حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ / ، عَنْ أَيُوبَ، قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِداً يُحَدِّثُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ الله
عَنْهُمَا، قَالَ: قَدِمْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ:﴿ وَنَحْنُ نَقُولُ: لَبِّكَ! بِالْحَجِّ، فَأَمْرَنَا رَسُولُ اللهِ﴾ِ أَنْ
نَجْعَلَهَا عُمْرَةً . /
ج ١٢
١/٨١
ج ١٢
٨١/ب
١٩/١٩ - باب: حجة النبيّ ◌َ *
١/١٤ - حدّثنا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، جَمِيعاً عَنْ حَاتِمٍ ، قَالَ
٢٩٤٠ - أخرجه البخاري في كتاب: الحج، باب: من لىّ بالحج وسماه (الحديث ١٥٧٠)، تحفة
الأشراف (٢٥٧٥).
٢٩٤١ - أخرجه أبو داود في كتاب: المناسك، باب: صفة حجة النبي (الحديث ١٩٠٥) و(الحديث ١٩٠٩)،
وأخرجه ابن ماجه في كتاب: المناسك، باب: حجة رسول اللَّه# (الحديث ٣٠٧٤)، تحفة الأشراف (٢٥٩٣).
الحج إلى العمرة، قال: ولهذا كان عمر رضي الله عنه يضرب الناس عليها، ولا يضربهم على مجرد التمتع
في أشهر الحج، وإنما ضربهم على ما أعتقده هو وسائر الصحابة، أن فسخ الحج إلى العمرة كان
مخصوصاً في تلك السنة، للحكمة التي قدمنا ذكرها، قال ابن عبد البر: لا خلاف بين العلماء أن التمتع
المراد بقول الله تعالى: ﴿فمن تمتع بالعمرة إلى الحج فما استيسر من الهدي﴾(١) هو الاعتمار في أشهر
الحج قبل الحج، قال: ومن التمتع أيضاً القران، لأنه تمتع بسقوط سفره للنسك الآخر من بلده، قال: ومن
التمتع أيضاً فسخ الحج إلى العمرة، هذا كلام القاضي.
قلت: والمختار أن عمر وعثمان وغيرهما، إنما نهوا عن المتعة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم
الحج من عامه، ومرادهم نهي أولوية للترغيب في الإفراد لكونه أفضل، وقد انعقد الإجماع بعد هذا على
جواز الإفراد والتمتع والقران من غير كراهة، وإنما اختلفوا في الأفضل منها.
وقد سبقت هذه المسألة في أوائل هذا الباب مستوفاة والله أعلم، وأما قوله في متعة النكاح وهي
١٦٩/٨ نكاح المرأة إلى أجل، فكان مباحاً ثم نسخ يوم خيبر، ثم أبيح يوم الفتح، ثم نسخ في أيام الفتح، وأستمر
تحريمه إلى الآن وإلى يوم القيامة، وقد كان فيه خلاف في العصر الأول ثم أرتفع، وأجمعوا على تحريمه،
وسيأتي بسط أحكامه في كتاب النكاح إن شاء اللّه تعالى.
باب: حجة النبي *
٢٩٤٢ - ٢٩٤٧ - فيه حديث جابر رضي الله عنه، وهو حديث عظيم، مشتمل على جمل من الفوائد،
ونفائس من مهمات القواعد، وهو من إفراد مسلم، لم يروه البخاري في صحيحه، ورواه أبو داود کرواية
مسلم، قال القاضي: وقد تكلم الناس على ما فيه من الفقه وأكثروا، وصنف فيه أبو بكر بن المنذر جزءاً
(١) سورة البقرة، الآية: ١٩٦.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٣
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
أَبُو بَكْرٍ : حَدِّثَنَا حَاتِمُ بْنُ أَسْمَاعِيلَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ: دَخَلْنَا عَلَىْ
جَابِرِ بْنِ عَبْدِ الله، فَسَأَلَ عَنِ الْقَوْمِ حَتَّى انْتَهَىْ إِلَيٍّ، فَقُلْتُ: أَنَا مُحَمِّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنٍ ،
فَأَهْوَىْ بِيِّدِهِ إِلَىْ رَأْسِي فَزَعَ زِرِّي الْأَعْلَىْ، ثُمَّ نَزَعَ زِرِّي الْأسْفَلَ، ثُمُ وَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ ثَدْبَيِّ وَأَنَا
يَوْمَئِذٍ غُلَامٌ شَابٍّ، فَقَالَ: مَرْحَباً بِكَ، يَا ابْنَ أَخِي! سَلْ عَمَّا شِئْتَ، فَسَأَلْتُهُ، وَهُوَ أَعْمَىْ،
وَحَضَرَ وَقْتُ الصَّلَةِ /، فَقَامَ فِي نِسَاجَةٍ مُلْتَحِفاً بِهَا، كُلَّمَا وَضَعَهَا عَلَىْ مَنْكِبِهِ رَجَعَ طَرَفَاهَا إِلَيْهِ مِنْ
ج ١٣
١/٢
كبيراً، وخرج فيه من الفقه مائة ونيفاً وخمسين نوعاً، ولو تقصى لزيد على هذا القدر قريب منه، وقد سبق
الاحتجاج بنكت منه في أثناء شرح الأحاديث السابقة، وسنذكر ما يحتاج إلى التنبيه عليه على ترتيبه إن
شاء الله تعالى .
قوله: (عن جعفر بن محمد عن أبيه قال: دخلنا على جابر بن عبد اللَّه فسأل عن القوم حتى أنتهى
إلي فقلت أنا محمد بن علي بن حسين فأهوى بيده إلى رأسي فنزع زري الأعلى ثم نزع زري الأسفل ثم
وضع كفه بين ثديي وأنا يومئذٍ غلام شابٍ فقال: مرحباً بك يا ابن أخي سل عما شئت فسألته وهو أعمى
فحضر وقت الصلاة فقام في نساجة ملتحفاً بها كلما وضعها على منكبه رجع طرفاها إليه من صغرها ورداؤه
إلى جنبه على المشجب فصلى بنا) هذه القطعة فيها فوائد منها أنه يستحب لمن ورد عليه زائرون أو ضيفان ١٧٠/٨
ونحوهم أن يسأل عنهم لينزلهم منازلهم، كما جاء في حديث عائشة رضي الله عنها أمرنا رسول اللَّه مصطل أن
ننزل الناس منازلهم، وفيه إكرام أهل بيت رسول اللّه له كما فعل جابر بمحمد بن علي، ومنها استحباب
قوله للزائر والضيف ونحوهما مرحباً، ومنها ملاطفة الزائر بما يليق به وتأنيسه، وهذا سبب حل جابر زري
محمد بن علي ووضع يده بین ثدییه.
وقوله: (وأنا يومئذ غلام شاب) فيه تنبيه على أن سبب فعل جابر ذلك التأنيس لكونه صغيراً، وأما
الرجل الكبير فلا يحسن إدخال اليد في جيبه والمسح بين ثدييه، ومنها جواز إمامة الأعمى البصراء
ولا خلاف في جواز ذلك، لكن اختلفوا في الأفضل على ثلاثة مذاهب، وهي ثلاثة أوجه لأصحابنا.
أحدها: إمامة الأعمى أفضل من إمامة البصير، لأن الأعمى أكمل خشوعاً لعدم نظره إلى
الملهيات.
والثاني: البصير أفضل لأنه أكثر احترازاً من النجاسات.
والثالث: هما سواء لتعادل فضيلتهما، وهذا الثالث هو الأصح عند أصحابنا وهو نص الشافعي،
ومنها أن صاحب البيت أحق بالإمامة من غيره، ومنها جواز الصلاة في ثوب واحد مع التمكن من الزيادة
عليه .
ومنها جواز تسمية الثدي للرجل، وفيه خلاف لأهل اللغة منهم من جوزه كالمرأة ومنهم من منعه،
وقال: يختص الثدي بالمرأة، ويقال في الرجل ثندؤة، وقد سبق إيضاحه في أوائل كتاب الإيمان في حديث
الرجل الذي قتل نفسه، فقال فيه النبي (9: ((إنه من أهل النار)).
وقوله: (قام في نساجة) هي بكسر النون وتخفيف السين المهملة وبالجيم، هذا هو المشهور في
نسخ بلادنا، ورواياتنا لصحيح مسلم وسنن أبي داود ووقع في بعض النسخ في ساجة بحذف النون، ونقله
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٤
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
صِغَرِهَا، وَرِدَاؤُهُ إِلَى جَنْبِهِ، عَلَى الْمِشْجَبِ، فَصَلَّىْ بِنَا، فَقُلْتُ: أَخْبِرْنِي عَنْ حَجَّةٍ
رَسُولِ اللهِلَ﴿ه، فَقَّالَ بِيَدِهِ، فَعَقَدَ تِسْعاً، فَقَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللهِ﴾ُ مَّكَثَ تِسْعَ سِنِينَ لَمْ يَحْجِّ ،
ثُمَّ أَذَّنَ فِي النَّاسِ فِي الْعَاشِرَةِ ، أَنَّ رَسُولَ الله :﴿ حَاجِّ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ بَشَرٌ كَثِيرٌ، كُلُّهُمْ يَلْتَمِسُ
أَنْ يَأْتَمَّ بِرَسُولِ اللهِوَ﴿َ، وَيَعْمَلَ مِثْلَ عَمَلِهِ، فَخَرَجْنَا معَهُ، حَتَّىْ أَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ ، فَوَلَدَتْ
١٣٢ أَسْمَاءُ / بِنْتُ عُمَّيْسٍ مُحَمَّدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، فَأَرْسَلَتْ إِلَىْ رَسُولِ اللهِ ﴾َ: كَيْفَ أَصْنَعُ؟ قَالَ :
٢/ ب
(اغْتَسِلِي، وَاسْتَخْفِرِي بِثَوْبٍ وَأَحْرِبِي)) فَصَلَّى رَسُولُ اللهِلَّهِ فِي الْمَسْجِدِ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ،
القاضي عياض عن رواية الجمهور، قال: وهو الصواب قال: والساجة والساج جميعاً ثوب كالطيلسان
وشبهه، قال: ورواية النون وقعت في رواية الفارسي، قال: ومعناه ثوبٍ ملفق، قال: قال بعضهم: النون
خطأ وتصحيف، قلت ليس كذلك، بل كلاهما صحيح ويكون ثوباً ملفقاً على هيأة الطيلسان.
قال القاضي: في ((المشارق الساج والساجة الطيلسان وجمعه سيجان، قال: وقيل: هي الخضر منها
خاصة، وقال الأزهري: هو طيلسان مقور ينسج كذلك، قال: وقيل: هو الطيلسان الحسن، قال: ويقال
الطيلسان بفتح اللام وكسرها وضمها وهي أقل.
وقوله: (ورداؤه إلى جنبه على المشجب) هو بميم مكسورة ثم شين معجمة ساكنة ثم جيم ثم باء
١٧١/٨ موحدة، وهو أسم لأعواد يوضع عليها الثياب ومتاع البيت.
قوله: (أخبرني عن حجة رسول اللَّه {له) هي بكسر الحاء وفتحها والمراد حجة الوداع.
قوله: (أن رسول اللّه ◌َ لخل مكث تسع سنين لم يحج) يعني مكث بالمدينة بعد الهجرة.
قوله: (ثم أذن في الناس في العاشرة أن رسول اللَّه ﴿﴿ حاج) معناه أعلمهم بذلك، وأشاعه بينهم
ليتأهبوا للحج معه، ويتعلموا المناسك والأحكام ويشهدوا أقواله وأفعاله، ويوصيهم ليبلغ الشاهد الغائب،
وتشيع دعوة الإسلام، وتبلغ الرسالة القريب والبعيد، وفيه أنه يستحب للإمام إيذان الناس بالأمور المهمة
ليتأهوا لها.
قوله: (كلهم يلتمس أن يأتم برسول اللَّه ◌َ#) قال القاضي: هذا مما يدل على أنهم كلهم أحرموا
بالحج، لأنه لو أحرم بالحج وهم لا يخالفونه، ولهذا قال جابر: وما عمل من شيء عملنا به، ومثله توقفهم
عن التحلل بالعمرة ما لم يتحلل حتى أغضبوه واعتذر إليهم، ومثله تعليق علي وأبي موسى إحرامهما على
إحرام النبي *.
قوله# لأسماء بنت عميس وقد ولدت: (اغتسلي واستثفري بثوب وأحرمي) فیه استحباب غسل
الإحرام للنفساء، وقد سبق بيانه في باب مستقل فيه أمر الحائض والنفساء والمستحاضة بالاستثمار، وهو أن
تشد في وسطها شيئاً، وتأخذ خرقة عريضة تجعلها على محال الدم، وتشد طرفيها من قدامها ومن ورائها في
١٧٢/٨ ذلك المشدود في وسطها، وهو شبيه بثفر الدابة بفتح الفاء، وفيه صحة إحرام النفساء، وهو مجمع عليه
والله أعلم.
قوله: (فصلى ركعتين) فيه استحباب ركعتي الإحرام وقد سبق الكلام فيه مبسوطاً.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٥
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
حَتَّى إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ ، نَظَرْتُ إِلِىْ مَدِّ بَصَرِي بَيْنَ يَدَيْهِ ، مِنْ رَاكِبٍ وَمَاشٍ ، وَعَنْ
يَمِينِهِ مِثْلَ ذَلِكَ، وَعَنْ يَسَارِهِ مِثْلَ ذلِكَ، وَمِنْ خَلْفِهِ مِثْلَ ذُلِكَ، وَرَسُولُ اللهِ:﴿ بَيْنَ أَظْهُرِنَا ،
وَعَلَيْهِ يَنْزِلُ الْقُرْآنُ، وَهُوَ يَعْرِفُ تَأْوِيلَهُ، وَمَا عَمِلَ بِهِ مِنْ شَيْءٍ عَمِلْنَا بِهِ، فَأَهَلِّ بِالتَّوْحِيدِ: ((لَبِّكَ
اللَّهُمَّ! لَبِّكَ ، لَبِّيْكَ / لَا شَرَيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ، وَالْمُلْكِ لاَ شْرِكَ لَكَ)) ،
ج ١٣
١/٣
قوله: (ثم ركب القصواء) هي بفتح القاف وبالمد، قال القاضي، ووقع في نسخة العذرى القصوى
بضم القاف والقصر، قال: وهو خطأ قال القاضي: قال ابن قتيبة: كانت للنبي # نوق القصواء والجدعاء
والعضباء، قال أبو عبيد: العضباء أسم لناقة النبي 8# ولم تسم بذلك لشيء أصابها، قال القاضي: قد
ذكر هنا أنه ركب القصواء، وفي آخر هذا الحديث خطب على القصواء، وفي غير مسلم: ((خطب على
ناقته الجدعاء))، وفي حديث آخر: ((على ناقة خرماء))، وفي آخر: ((العضباء))، وفي حديث آخر: ((كانت له
ناقة لا تسبق))، وفي آخر: ((تسمى مخضرمة)).
وهذا كله يدل على أنها ناقة واحدة خلاف ما قاله ابن قتيبة، وأن هذا كان أسمها أو وصفها لهذا الذي
بها خلاف ما قال أبو عبيد، لكن يأتي في كتاب النذر أن القصواء غير العضباء، كما سنبينه هناك،
قال الحربي: العضب والجدع والخرم والقصو والخضرمة في الآذان، قال ابن الأعرابي: القصواء التي
قطع طرف أذنها، والجدع أكثر منه، وقال الأصمعي: والقصو مثله قال: وكل قطع في الأذن جدع، فإن
جاوز الربع فهي عضباء، والمخضرم مقطوع الأذنين، فإن أصطلمتا فهي صلماء، وقال أبو عبيد: القصواء
المقطوعة الأذن عرضاً، والمخضرمة المستأصلة والمقطوعة النصف فما فوقه، وقال الخليل: المخضرمة
مقطوعة الواحدة، والعضباء مشقوقة الأذن، قال الحربي: فالحديث يدل على أن العضباء أسم لها وإن
كانت عضباء الأذن فقد جعل أسمها، هذا آخر كلام القاضي، وقال محمد بن إبراهيم التيمي التابعي
وغيره: أن العضباء والقصواء والجدعاء أسم لناقة واحدة كانت لرسول اللّه لله والله أعلم.
قوله: (نظرت إلى مد بصري) هكذا هو في جميع النسخ مد بصري، وهو صحيح، ومعناه منتهى
بصري، وأنكر بعض أهل اللغة مد بصري، وقال: الصواب مد بصري وليس هو بمنكر، بل هما لغتان المد
أشهر.
قوله: (بين يديه من راكب وماش) فيه جواز الحج راكباً وماشياً وهو مجمع عليه، وقد تظاهرت عليه
دلائل الكتاب والسنة وإجماع الأمة قال اللّه تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالاً وعلى كل ١٧٣/٨
ضامر﴾(١) وأختلف العلماء في الأفضل منهما، فقال مالك والشافعي وجمهور العلماء: الركوب أفضل
اقتداء بالنبي ◌َّير، ولأنه أعون له على وظائف مناسكه، ولأنه أکثر نفقة، وقال داود: ماشياً أفضل لمشقته،
وهذا فاسد لأن المشقة ليست مطلوبة.
قوله: (وعليه ينزل القرآن وهو يعرف تأويله) معناه الحث على التمسك بما أخبركم عن فعله في
حجته تلك.
قوله: (فأهل بالتوحيد) يعني: قوله لبيك لا شريك لك، وفيه إشارة إلى مخالفة ما كانت الجاهلية
(١) سورة: الحج، الآية: ٢٧ .
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٦
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ، فَلَمْ يَرُدُّ رَسُولُ اللهِ﴿ عَلَيْهِمْ شَيْئاً مِنْهُ، وَلَزِمَ رَسُولُ اللهَِّ
تَلْبِّهُ، قَالَ جَابِرٌ رَضِيَ الله عَنْهِ: لَسْنَا نَنْوِي إِلَّ الْحَجِّ، لَسْنَا نَعْرِفُ الْعُمْرَةَ، حَتَّى إِذَا أَتَيْنَا الْبَيْتْ
مَعَهُ، اسْتَلَمَ الرُّكْنَ فَرَمَلَ ثَلَاثاً وَمَشَىْ أَرْبَعاً، ثُمَّ نَفَذَ إلَىْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَقَرَأْ
﴿ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى﴾(١) فَجَعَلَ الْمَقَامَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْتِ، فَكَانَ أَبِي يَقُولُ - وَلَا
تقوله في تلبيتها من لفظ الشرك، وقد سبق ذكر تلبيتهم في باب التلبية.
قوله: (فأهل بالتوحيد لبيك اللهم لبيك لا شريك لك لبيك إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك
لك وأهل الناس بهذا الذي يهلون به فلم يرد رسول الله﴿ شيئاً منه ولزم رسول اللّه ﴿ تلبيته) قال
القاضي عياض رحمه اللّه تعالى: فيه إشارة إلى ما روي من زيادة الناس في التلبية من الثناء والذكر،
كما روي في ذلك عن عمر رضي الله عنه، أنه كان يزيد لبيك ذا النعماء والفضل الحسن لبيك مرهوباً منك
ومرغوباً إليك، وعن ابن عمر رضي الله عنه لبيك وسعديك والخير بيديك والرغباء إليك والعمل، وعن
أنس رضي الله عنه لبيك حقاً تعبداً ورقاً، قال القاضي: قال أكثر العلماء: المستحب الاقتصار على تلبية
رسول اللّه ﴿، وبه قال مالك والشافعي والله أعلم.
قوله: (قال جابر: لسنا ننوي إلا الحج لسنا نعرف العمرة) فيه دليل لمن قال بترجيح الإفراد، وقد
سبقت المسألة مستقصاة في أول الباب السابق.
١٧٤/٨
قوله: (حتى أتينا البيت) فيه بيان أن السنة للحاج أن يدخلوا مكة قبل الوقوف بعرفات ليطوفوا للقدوم
وغير ذلك.
قوله: (حتى إذا أتينا البيت معه استلم الركن فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً) فيه أن المحرم إذا دخل مكة
قبل الوقوف بعرفات يسن له طواف القدوم وهو مجمع عليه، وفيه أن الطواف سبع طوافات، وفيه أن السنة
أيضاً الرمل في الثلاث الأول ويمشي على عادته في الأربع الأخيرة، قال العلماء: الرمل هو أسرع المشي مع
تقارب الخطا وهو الخبب، قال أصحابنا: ولا يستحب الرمل إلا في طواف واحد في حج أو عمرة، أما إذا
طاف في غير حج أو عمرة فلا رمل بلا خلاف، ولا يسرع أيضاً في كل طواف حج، وإنما يسرع في واحد
منها، وفيه قولان مشهوران للشافعي أصحهما طواف يعقبه سعي ويتصور ذلك في طواف القدوم، ويتصور
في طواف الإفاضة ولا يتصور فيه طواف الوداع، والقول الثاني أنه لا يسرع إلا في طواف القدوم سواء أراد
السعي بعده أم لا، ويسرع في طواف العمرة إذ ليس فيها إلا طواف واحد والله أعلم، قال أصحابنا:
والاضطباع سنة في الطواف، وقد صح فيه الحديث في سنن أبي داود والترمذي وغيرهما، وهو أن يجعل
وسط ردائه تحت عاتقه الأيمن، ويجعل طرفيه على عاتقه الأيسر، ويكون منكبه الأيمن مكشوفاً، قالوا:
وإنما يسن الاضطباع في طواف يسن فيه الرمل على ما سبق تفصيله والله أعلم.
وأما قوله: (استلم الركن) فمعناه مسحه بيده، وهو سنة في كل طواف، وسيأتي شرحه واضحاً حيث
ذكره مسلم بعد هذا إن شاء الله تعالى .
قوله: (ثم نفر إلى مقام إبراهيم عليه السلام فقرأ: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾(١) فجعل
(1) سورة: البقرة، الآية: ١٢٥.
(١) سورة: البقرة، الآية: ١٢٥.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٧
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
ج ١٣
٣/ب
أَعْلَمُهُ ذَكَرَهُ إِلَّ عَنِ النِّبِيِّ ◌َهَ -: كَانَ يَقْرَأُ / فِي الرِّكْعَتَيْنِ قُلْ هُوَ الله أَحَدٌ ، وَقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ،
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الرُّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ، ثُمِّ خَرَجَ مِنَ الْبَابِ إِلَى الصَّفَا، فَلَمَّا دَنَا مِنَ الصَّفَا قَرَأَ: ﴿إِنَّ الصَّفَا
وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾(١) «أَبْدَأْ بِمَا بَدَأَ الله بِهِ)) قَبَدَأَ بِالصَّفَا، فَرِقِيَ عَلَيْهِ، حَتَّى رَأَى الْبَيْتَ فَاسْتَقْبَلَ
المقام بينه وبين البيت) هذا دليل لما أجمع عليه العلماء أنه ينبغي لكل طائف إذا فرغ من طوافه أن يصلي
خلف المقام ركعتي الطواف، واختلفوا هل هما واجبتان أم سنتان؟ وعندنا فيه خلاف حاصله ثلاثة أقوال
أصحها: أنهما سنة، والثاني: أنهما واجبتان، والثالث: إن كان طوافاً واجباً فواجبتان وإلا فسنتان، وسواء
قلنا واجبتان أو سنتان لوتركهما لم يبطل طوافه، والسنة أن يصليهما خلف المقام، فإن لم يفعل ففي
الحجر، وإلا ففي المسجد، وإلا ففي مكة وسائر الحرم، ولو صلاهما في وطنه وغيره من أقاصي الأرض
جاز وفاتته الفضيلة، ولا تفوت هذه الصلاة ما دام حياً، ولو أراد أن يطوف أطوفة استحب أن يصلي عقب
كل طواف ركعتيه، فلو أراد أن يطوف أطوفة بلا صلاة ثم يصلي بعد الأطوفة لكل طواف ركعتيه قال ١٧٥/٨
أصحابنا: يجوز ذلك، وهو خلاف الأول، ولا يقال مكروه، وممن قال بهذا المسور بن مخرمة وعائشة
وطاوس وعطاء وسعيد بن جبير وأحمد وإسحاق وأبو يوسف، وكرهه ابن عمر والحسن البصري والزهري
ومالك والثوري وأبو حنيفة وأبو ثور ومحمد بن الحسن وابن المنذر ونقله القاضي عن جمهور الفقهاء.
قوله: (فكان أبي يقول ولا أعلمه ذكره إلا عن النبي # كان يقرأ في الركعتين قل هو الله أحد وقل
يا أيها الكافرون) معنى هذا الكلام، أن جعفر بن محمد روی هذا الحديث عن أبيه عن جابر. قال: كان
أبي يعني: محمداً يقول: أنه قرأ هاتين السورتين، قال جعفر: ولا أعلم أبي ذكر تلك القراءة عن قراءة
جابر في صلاة جابر، بل عن جابر عن قراءة النبي 8 في صلاة هاتين الركعتين.
قوله: ﴿قل هو الله أحد﴾(١) و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾(٢) معناه قرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة قل
يا أيها الكافرون، وفي الثانية بعد الفاتحة قل هو الله أحد، وأما قوله لا أعلم ذكره إلا عن النبي ولو ليس
هو شكاً في ذلك، لأن لفظة العلم تنافي الشك، بل جزم برفعه إلى النبي ، وقد ذكره البيهقي بإسناد
صحيح على شرط مسلم عن جعفر بن محمد عن أبيه عن جابر أن النبي ## طاف بالبيت فرمل من الحجر
الأسود ثلاثاً، ثم صلى ركعتين قرأ فيهما قل يا أيها الكافرون وقل هو الله أحد.
قوله: (ثم رجع إلى الركن فاستلمه ثم خرج من الباب إلى الصفا) فيه دلالة لما قاله الشافعي وغيره
من العلماء، أنه يستحب للطائف طواف القدوم إذا فرغ من الطواف وصلاته خلف المقام أن يعود إلى
الحجر الأسود فيستلمه، ثم يخرج من باب الصفا ليسعى، واتفقوا على أن هذا الاستلام ليس بواجب،
وإنما هو سنة لو ترکه لم يلزمه دم.
قوله: (ثم خرج من الباب إلى الصفا فلما دنا من الصفا قرأ ﴿إن الصفا والمروة من شعائر اللَّه﴾(٣)
أبدأ بما بدأ الله به فبدأ بالصفا فرقى عليه حتى رأى البيت فاستقبل القبلة فوحد اللَّه وصبر وقال لا إلّه ١٧٦/٨
إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير لا إله إلا الله وحده أنجز وعده
(1) سورة: البقرة، الآية: ١٥٨.
(١) سورة: الإخلاص، الآية: ١.
(٢) سورة: الكافرون، الآية: ١.
(٣) سورة: البقرة، الآية: ١٥٨ .
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٨
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
الْقِبْلَةَ، فَوَحَّدَ الله، وَكَبَِّهُ، وَقَالَ: ((لَا إِلَهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ
عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، لَ إِلَّهَ إِلَّ الله وَحْدَهُ، أَنْجَزَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ)) .
ثُمَّ دَعَا بَيْنَ ذَلِكَ، فَقَالَ(١) مِثْلَ هَذَا ثَلاَثَ مَرَّاتٍ، ثُمَّ نَزَلَ إِلَى الْمَرْوَةِ، حَتَّى | إِذَا | انْصَبَتْ قَدَمَاهُ
ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ثم دعا بين ذلك قال مثل هذا ثلاث مرات ثم نزل إلى المروة) في هذا
اللفظ أنواع من المناسك منها: أن السعي يشترط فيه أن يبدأ من الصفا، وبه قال الشافعي ومالك
والجمهور، وقد ثبت في رواية النسائي في هذا الحديث بإسناد صحيح أن النبي# قال: ((ابدؤا بما
بدأ الله به)) هكذا بصيغة الجمع، ومنها أنه ينبغي أن يرقى على الصفا والمروة، وفي هذا الرقي خلاف،
قال جمهور أصحابنا: هو سنة ليس بشرط ولا واجب فلو تركه صح سعيه لكن فاتته الفضيلة، وقال
أبو حفص بن الوكيل من أصحابنا: لا يصح سعيه حتى يصعد على شيء من الصفا، والصواب الأول.
قال أصحابنا: لكن يشترط أن لا يترك شيئاً من المسافة بين الصفا والمروة فليلصق عقبيه بدرج
الصفا، وإذا وصل المروة ألصق أصابع رجليه بدرجها، وهكذا في المرات السبع يشترط في كل مرة أن
يلصق عقبيه بما يبدأ منه وأصابعه بما ينتهي إليه، قال أصحابنا: يستحب أن يرقى على الصفا والمروة حتى
يرى البيت إن أمكنه، ومنها أنه يسن أن يقف على الصفا مستقبل الكعبة ويذكر اللَّه تعالى بهذا الذكر
المذكور ويدعو ويكرر الذكر والدعاء ثلاث مرات، هذا هو المشهور عند أصحابنا، وقال جماعة من
أصحابنا: يكرر الذكر ثلاثاً والدعاء مرتين فقط، والصواب الأول.
قوله : (وهزم الأحزاب وحده) معناه هزمهم بغير قتال من الآدميين ولا بسبب من جهتهم، والمراد
بالأحزاب الذين تحزبوا على رسول اللَّه # يوم الخندق، وكان الخندق في شوال سنة أربع من الهجرة،
وقيل: سنة خمس.
١٧٧/٨
قوله: (ثم نزل إلى المروة حتى انصبت قدماه في بطن الوادي حتى إذا صعدتا مشى حتى أتى
المروة) هكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن جميع النسخ، قال: وفيه إسقاط لفظة لا بد
منها، وهي حتى أنصبت قدماه رمل في بطن الوادي ولا بد منها، وقد ثبتت هذه اللفظة في غير رواية
مسلم، وكذا ذكرها الحميدي في الجمع بين الصحيحين، وفي الموطأ. حتى إذا أنصبت قدماه في بطن
الوادي سعى حتى خرج منه، وهو بمعنى رمل هذا كلام القاضي، وقد وقع في بعض نسخ صحيح مسلم
حتى إذا أنصبت قدماه في بطن الوادي سعى، كما وقع في الموطأ وغيره والله أعلم.
وفي هذا الحديث استحباب السعي الشديد في بطن الوادي حتى يصعد، ثم يمشي باقي المسافة
إلى المروة على عادة مشيه، وهذ السعي مستحب في كل مرة من المرات السبع في هذا الموضع، والمشي
مستحب فيما قبل الوادي وبعده، ولو مشى في الجميع أو سعى في الجميع أجزأه وفاتته الفضيلة، هذا
مذهب الشافعي وموافقيه، وعن مالك فيمن ترك السعي الشديد في موضعه روايتان إحداهما: كما ذكر،
والثانية تجب عليه إعادته .
(1) في المطبوعة: قال.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٠٩
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
فِي بِطْنِ / الْوَادِي سَعَىْ، حَتَّى إِذَا صَعِدَتَا مَشىْ، حَتَّىْ أَتَى الْمَرْوَةَ، فَفَعَلَ عَلَى الْمَرْوَةِ كَمَا فَعَلّ
ج ١٣
عَلَى الصَّفَا، حَتَّى إِذَا كَانَ آخِرُ طَوَافِهِ عَلَى الْمَرْوَةِ فَقَالَ: ((لَوْ أَنِّي اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَذْبَرْتُ
لَمْ أَسُقِ الْهَدْيَ، وَجَعَلْتُهَا عُمْرَةٌ، فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلْيَحِلَّ، وَلْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً)) ،
فَقَامَ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جُعْثُمٍ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! أَلِعَامِنَا هَذَا أَمْ لِأَبَدٍ؟ فَشَبَّكَ رَسُولُ اللهِلَه
أَصَابِعَهُ وَاحِدَةً فِي الأَخْرَىْ، وَقَالَ: ((دَخَلَتِ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ)) مَرْتَيْنِ ((لَ بَلْ لِأَبَدِ أَبِدٍ )) . وَقَدِمَ
عَلِيٌ مِنَ الْيَمَنِ بِيُذْنِ النَّبِيِّ ◌َهَ /، فَوَجَدَ فَاطِمَةَ رَضِيَ الله عَنْهَا مِمِّنْ حَلِّ، وَلَبِسَتْ ثِيَاباً صَبِيغاً ،
ج ١٣
وَاكْتَحَلَتْ، فِأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: إِنَّ أَبِي أَمَرَنِي بِهَذَا، قَالَ : فَكَانَ عَلِيّ يَقُولُ ،
٤/ب
بِالْعِرَاقِ: فَذَهَبْتُ إِلَىْ رَسُولِ اللهِ﴾ مُحَرَّشاً عَلَىْ فَاطِمَةَ، لِلَّذِي صَنَعَتْ، مُسْتَفْتِياً
لِرَسُولِ اللهِوَّ فِيمَا ذَكَرَتْ عَنْهُ، فَأَخْبَرْتُهُ أَنِّي أَنْكَرْتُ ذَلِكَ عَلَيْهَا، فَقَالَ: ((صَدَقَتْ صَدَقَتْ،
مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟)) قَالَ: قُلْتُ: اللَّهُمُّ! إِنِّي أُهِلُ بِمَا أَهَلَّ بِهِ رَسُولُكَ، قَالَ: ((فَإِنَّ
مَعِ الْهَدَْ فَلَا تَحِلُّ)». قَالَ: فَكَانَ جَمَّاعَةُ الْهَدْيِ الَّذِي قَدِمَ بِهِ عَلِيٍّ مِنَ الْيَمْنِ وَالَّذِي أَتَّى بِهِ / ٤ !!
قوله: (ففعل على المروة مثل ما فعل على الصفا) فيه أنه يسن عليها من الذكر والدعاء والرقي مثل
ما يسن على الصفا، وهذا متفق عليه.
قوله: (حتى إذا كان آخر طواف على المروة) فيه دلالة لمذهب الشافعي والجمهور أن الذهاب من
الصفا إلى المروة يحسب مرة، والرجوع إلى الصفا ثانية، والرجوع إلى المروة ثالثة، وهكذا فيكون ابتداء
السبع من الصفا وآخرها بالمروة، وقال ابن بنت الشافعي وأبو بكر الصيرفي من أصحابنا: يحسب الذهاب
إلى المروة والرجوع إلى الصفا مرة واحدة، فيقع آخرِ السبع في الصفا، وهذا الحديث الصحيح يرد
عليهما، وكذلك عمل المسلمين على تعاقب الأزمان والله أعلم.
قوله: (فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول اللَّه ألعامنا هذا أم لأبد﴾ إلى آخره، هذا ١٧٨/٨
الحديث سبق شرحه واضحاً في آخر الباب الذي قبل هذا، وجعشم بضم الجيم ويضم الشين المعجمة
وفتحها ذكره الجوهري وغيره.
قوله: (فوجد فاطمة ممن حل ولبست ثياباً صبيغاً واكتحلت فأنكر ذلك عليها) فيه إنكار الرجل على
زوجته ما رآه منها من نقص في دينها، لأنه ظن أن ذلك لا يجوز فأنكره.
قوله: (فذهبت إلى رسول اللَّه ه محرشاً على فاطمة التحريش الإغراء، والمراد هنا أن يذكر له
ما يقتضي عتابها.
قوله: (قلت إني أهل بما أهل به رسول اللّه ،﴿) هذا قد سبق شرحه في الباب قبله، وأنه يجوز
تعلیق الإحرام بإحرام کإحرام فلان.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٠
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
النّبِيُّ :﴿ مِائَةً، قَالَ: فَحَلَّ النَّاسُ كُلُّهُمْ وَقَصِّرُوا، إلّ النّبِيِّ :﴿ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَلَمَّا كَانَ
يَوْمُ التِّرْوِيَةِ تَوَجَّهُوا إِلَىْ مِنِى، فَأَهَلُوا بِالحَجِّ، وَرَكِبَ رَسُولُ اللهِ﴾ فَصَلَّىْ بِهَا الْظُهْرَ وَالعَصْرَ
وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ ، ثُمَّ مَكْثَ قَلِيلاً حَتَّى طَلَعَتِ الشِّمْسُ، وَأَمَرَ بِقُبَّةٍ مِنْ شَعَرٍ تُضْرَبُ لَهُ
قوله: (فحل الناس كلهم وقصروا إلا النبي # ومن كان معه هدي) هذا أيضاً تقدم شرحه في الباب
السابق، وفيه إطلاق اللفظ العام وإرادة الخصوص، لأن عائشة لم تحل ولم تكن ممن ساق الهدي،
والمراد بقوله حل الناس كلهم أي معظمهم، والهدي بإسكان الدال وكسرها وتشديد الياء مع الكسر
وتخفف مع الإسكان.
١٧٩/٨
وأما قوله: (وقصروا) فإنما قصروا ولم يحلقوا، مع أن الحلق أفضل لأنهم أرادوا أن يبقى شعر يحلق
في الحج، فلو حلقوا لم يبق شعر، فكان التقصير هنا أحسن ليحصل في النسكين إزالة شعر والله أعلم.
قوله: (فلما كان يوم التروية توجهوا إلى منى فأهلوا بالحج) يوم التروية هو الثامن من ذي الحجة سبق
بيانه، واشتقاقه مرات، وسبق أيضاً مرات أن الأفضل عند الشافعي وموافقيه، أن من كان بمكة وأراد
الإحرام بالحج أحرم يوم التروية عملاً بهذا الحديث، وسبق بيان مذاهب العلماء فيه، وفي هذا بيان أن
السنة أن لا يتقدم أحد إلى منى قبل يوم التروية، وقد كره مالك ذلك، وقال بعض السلف: لا بأس به
ومذهبنا أنه خلاف السنة.
قوله: (وركب النبي ﴿ فصلى بها الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر) فيه بيان سنن:
إحداها: أن الركوب في تلك المواطن أفضل من المشي، كما أنه في جملة الطريق أفضل من
المشي، هذا هو الصحيح في الصورتين أن الركوب أفضل، وللشافعي قول آخر ضعيف، أن المشي
أفضل، وقال بعض أصحابنا: الأفضل في جملة الحج الركوب، إلا في مواطن المناسك، وهي مكة ومنى
ومزدلفة وعرفات والتردد بينهما.
والسنة الثانية: أن يصلي بمنى هذه الصلوات الخمس، والثالثة أن يبيت بمنى هذه الليلة، وهي ليلة
التاسع من ذي الحجة، وهذا المبيت سنة ليس بركن ولا واجب، فلو تركه فلا دم عليه بالإجماع.
قوله: (ثم مكث قليلاً حتى طلعت الشمس) فيه أن السنة أن لا يخرجوا من منى حتى تطلع الشمس،
وهذا متفق عليه.
قوله: (وأمر بقبة من شعر تضرب له بنمرة) فيه استحباب النزول بنمرة إذا ذهبوا من منى، لأن السنة
أن لا يدخلوا عرفات إلا بعد زوال الشمس، وبعد صلاتي الظهر والعصر جمعاً، فالسنة أن ينزلوا بنمرة،
فمن كان له قبة ضربها، ويغتسلون للوقوف قبل الزوال، فإذا زالت الشمس سار بهم الإمام إلى مسجد
إبراهيم عليه السلام، وخطب بهم خطبتين خفيفتين ويخفف الثانية جداً، فإذا فرغ منها صلى بهم الظهر
والعصر جامعاً بينهما، فإذا فرغ من الصلاة سار إلى الموقف.
١٨٠/٨
وفي هذا الحديث جواز الاستظلال للمحرم بقبة وغيرها، ولا خلاف في جوازه للنازل، واختلفوا في
جوازه للراكب، فمذهبنا جوازه، وبه قال كثيرون، وكرهه مالك وأحمد، وستأتي المسألة مبسوطة في
موضعها إن شاء الله تعالى، وفيه جواز اتخاذ القباب وجوازها من شعر.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١١
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
بِنْمِرَةَ، فَسَارَ رَسُولُ اللهِوَهُ وَلاَ تَشُكُّ قُرَيْشٌ إِلَّ أَنَّهُ وَاقِفٌ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ، كَمَا كَانَتْ قُرَيْشٌ
تَصْنَعُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَأَجَازَ رَسُولُ اللهِوَ / حَتَّى أَتَىْ عَرَفَةَ، فَوَجَدَ الْقُبَّةَ قَدْ ضُرِبَتْ لَهُ بِثْمِرَةً ،
فَنَزَلَ بِهَا، حَتَّى إِذَا زَاغَتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بِالْقَصْوَاءِ ، فَرُحِلَتْ لَهُ ، فَأَتَىْ بَطْنَ الْوَادِي، فَخَطَبَ النَّاسَ
ج ١٣
٥/ب
قوله: (بنمرة) هي بفتح النون وكسر الميم هذا أصلها، ويجوز فيها ما يجوز في نظيرها وهو إسكان
الميم مع فتح النون وكسرها، وهي موضع بجنب عرفات، وليست من عرفات.
قوله: (ولا تشك قريش إلا أنه واقف عند المشعر الحرام كما كانت قريش تصنع في الجاهلية) معنى
هذا، أن قريشاً كانت في الجاهلية تقف بالمشعر الحرام، وهو جبل في المزدلفة يقال له: قزح، وقيل: إن
المشعر الحرام كل المزدلفة، وهو بفتح الميم على المشهور، وبه جاء القرآن، وقيل: بكسرها، وكان سائر
العرب يتجاوزون المزدلفة ويقفون بعرفات، فظنت قريش أن النبي ولا يقف في المشعر الحرام على
عادتهم ولا يتجاوزه، فتجاوزه النبي ## إلى عرفات لأن اللَّه تعالى أمره بذلك في قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا
من حيث أفاض الناس﴾(١) أي: سائر العرب غير قريش، وإنما كانت قريش تقف بالمزدلفة لأنها من
الحرم، وكانوا يقولون نحن أهل حرم اللَّه فلا نخرج منه.
قوله: (فأجاز رسول اللَّه ولا حتى أتى عرفة فوجد القبة قد ضربت له بنمرة فنزل بها حتى إذا زاغت
الشمس) أما أجاز، فمعناه جاور المزدلفة ولم يقف بها بل توجه إلى عرفات.
وأما قوله: (حتى أتى عرفة) فمجاز، والمراد قارب عرفات، لأنه فسره بقوله وجد القبة قد ضربت
بنمرة فنزل بها، وقد سبق أن نمرة ليست من عرفات، وقد قدمنا أن دخول عرفات قبل صلاتي الظهر والعصر
جميعاً خلاف السنة.
قوله: (حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له فأتى بطن الوادي فخطب الناس) أما القصواء
فتقدم ضبطها وبيانها واضحاً في أول هذا الباب.
وقوله (فرحلت) هو بتخفيف الحاء أي: جعل عليها الرحل.
وقوله: (بطن الوادي) هو وادي عرنة بضم العين وفتح الراء وبعدها نون، وليست عرنة من أرض ١٨١/٨
عرفات عند الشافعي والعلماء كافة إلا مالكاً فقال: هي من عرفات.
وقوله: (فخطب الناس) فيه استحباب الخطبة للإمام بالحجيج يوم عرفة في هذا الموضع، وهو سنة
باتفاق جماهير العلماء، وخالف فيها المالكية، ومذهب الشافعي أن في الحج أربع خطب مسنونة إحداها:
يوم السابع من ذي الحجة يخطب عند الكعبة بعد صلاة الظهر، والثانية هذه التي ببطن عرنة يوم عرفات،
والثالثة يوم النحر، والرابعة يوم النفر الأول وهو اليوم الثاني من أيام التشريق، قال أصحابنا: وكل هذه
الخطب أفراد وبعد صلاة الظهر إلا التي يوم عرفات، فإنها خطبتان وقبل الصلاة، قال أصحابنا: ويعلمهم
في كل خطبة من هذه ما يحتاجون إليه إلى الخطبة الأخرى والله أعلم.
(١) سورة: البقرة، الآية: ١٩٩.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٢
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
وَقَالَ: ((إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ حَرَامٌ عَلَيْكُمْ ، كَحُرُمِةٍ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ
هَذَا، أَلَ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَيْ مَوْضُوعُ، وَدِمَاءُ الْجَاهِلَيَّةِ مَوْضُوعَةٌ ، وَإِنَّ أَوَّلَ
دَمٍ أُضَعُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثَ، كَانَ مُسْتَرْضِعاً فِي بَنِي سَعْدٍ فَقَتِلْهُ هُذَيْلٌ ، وَرِبًا
الْجَاهِلِيَةِ مَوْضُوعُ، وَأَوْلُ رِباً أَضَعُ رِبَّانَا، رِبَا عَبَّاسِ بْنٍ عَبْدِ الْمُطْلِبِ، فَإِنَّهُ مَوْضوعٌ / كُلُّهُ ،
فَاتَّقُوا الله فِي النِّسَاءَ ، فَإِنَّكُمْ أَخَذْتُمُوهُنَّ بِأَمَانِ اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنْ بِكْلِمَةِ الله ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنْ
ج ١٣
١/٦
قوله : (إن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا) معناه متأكدة
التحريم شديدته، وفي هذا دليل لضرب الأمثال وإلحاق النظير بالنظير قياساً.
قوله: (ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع ودماء الجاهلية موضوعة، وإن أول دم
أضع دم ابن ربيعة بن الحارث كان مسترضعاً في بني سعد فقتلته هذيل وربا الجاهلية موضوعة وأول ربا
أضع ربانا ربا العباس بن عبد المطلب فإنه موضوع كله) في هذه الجملة إبطال أفعال الجاهلية وبيوعها التي
لم يتصل بها قبض، وأنه لا قصاص في قتلها، وأن الإمام وغيره ممن يأمر بمعروف أو ينهى عن منكر،
ينبغي أن يبدأ بنفسه وأهله، فهو أقرب إلى قبول قوله وإلى طيب نفس من قرب عهده بالإسلام.
وأما قوله : (تحت قدمي فإشارة إلى إبطاله).
وأما قوله #1: (وإن أول دم أضع دم ابن ربيعة) فقال المحققون والجمهور: اسم هذا الابن إياس
ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وقيل: اسمه حارثة، وقيل: آدم، قال الدارقطني: وهو تصحيف،
١٨٢/٨ وقيل: أسمه تمام، وممن سماه آدم الزبير بن بكار، قال القاضي عياض: ورواه بعض رواة مسلم دم
ربيعة بن الحارث، قال: وكذا رواه أبو داود، قيل: هو وهم والصواب ابن ربيعة، لأن ربيعة عاش بعد
النبي # إلى زمن عمر بن الخطاب، وتأوله أبو عبيد فقال: دم ربيعة لأنه ولي الدم فنسبه إليه، قالوا: وكان
هذا الابن المقتول طفلا صغيراً یحبو بين البيوت، فأصابه حجر في حرب كانت بين بني سعد وبني ليث بن
بکر قاله الزبير بن بكار.
قوله ﴿﴿ في الربا: (أنه موضوع كله) معناه الزائد على رأس المال كما قال الله تعالى: ﴿وإن تبتم
فلكم رءوس أموالكم﴾(١) وهذا الذي ذكرته إيضاح، وإلا فالمقصود مفهوم من نفس لفظ الحديث، لأن
الربا هو الزيادة، فإذا وضع الربا فمعناه وضع الزيادة، والمراد بالوضع الرد والإبطال.
قوله {ه: (فاتقوا اللَّه في النساء فإنكم أخذتموهن بأمان اللَّه) فيه الحث على مرعاة حق النساء
والوصية بهن ومعاشرتهن بالمعروف، وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة في الوصية بهن وبيان حقوقهن
والتحذير من التقصير في ذلك، وقد جمعتها أو معظمها في رياض الصالحين.
وقوله ◌َل: (أخذتموهن بأمان اللَّه) هكذا هو في كثير من الأصول، وفي بعضها بأمانة اللَّه.
قوله : (واستحللتم فروجهن بكلمة الله) قيل معناه قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح
(١) سورة: البقرة، الآية: ٢٧٩.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٣
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
أَنْ لَ يُوِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَداً تَكْرَهُونَهُ ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِ بُوهُنَّ ضَرْباً غَيْرَ مُبَرُّحٍ ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ
رِزْقُهُنْ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيْكُمْ مَا لِنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، كِتَابُ الله ،
وَأَنْتُمْ تُسْأَلُونَ عَنِّي، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟)) قَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَلَّغْتَ وَأَدَيْتَ وَنَصَحْتَ، فَقَالَ
بِإِصْبَعِهِ السَّبَّبَةِ، يَرْفَعُهَا إِلَى السَّمَاءِ وَيَنْكُتُهَا إِلَى النَّاسِ: ((اللَّهُمَّ! اشْهَدْ، اللَّهُمَّ! اشْهَدْ)) ثَلَاثَ
بإحسان﴾(١) وقيل المراد كلمة التوحيد، وهي لا إله إلا الله محمد رسول الله ﴾، إذ لا تحل مسلمة لغير
مسلم، وقيل: المراد بإباحة اللَّه والكلمة قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾(٢) وهذا الثالث
هو الصحيح، وبالأول قال الخطابي والهروي وغيرهما، وقيل: المراد بالكلمة الإيجاب والقبول، ومعناه
على هذا بالكلمة التي أمر الله تعالى بها والله أعلم.
قوله : (ولكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضرباً غير
مبرح) قال المازري: قيل المراد بذلك أن لا يستخلين بالرجال ولم يرد زناها، لأن ذلك يوجب جلدها،
ولأن ذلك حرام مع من يكرهه الزوج ومن لا يكرهه، وقال القاضي عياض: كانت عادة العرب حديث
الرجال مع النساء، ولم يكن ذلك عيباً ولا ريبة عندهم، فلما نزلت آية الحجاب نهوا عن ذلك، هذا كلام ١٨٣/٨
القاضي، والمختار أن معناه أن لا يأذن لأحد تكرهونه في دخول بيوتكم والجلوس في منازلكم، سواء كان
المأذون له رجلاً أجنبياً أو امرأةً أو أحداً من محارم الزوجة، فالنهي يتناول جميع ذلك، وهذا حكم المسألة
عند الفقهاء أنها لا يحل لها أن تأذن لرجلٍ أو امرأةٍ ولا محرم ولا غيره في دخول منزل الزوج، إلا من
علمت أو ظنت أن الزوج لا یکرهه، لأن الأصل تحريم دخول منزل الإنسان حتی یوجد الإذن في ذلك منه،
أو ممن أذن له في الإذن في ذلك، أو عرف رضاه باطراد العرف بذلك ونحوه، ومتى حصل الشك في الرضا
ولم يترجح شيء ولا وجدت قرينة لا يحل الدخول ولا الإذن والله أعلم.
وأما الضرب المبرح فهو الضرب الشديد الشاق، ومعناه اضربوهن ضرباً ليس بشديد ولا شاق،
والبرح المشقة، والمبرح بضم الميم وفتح الموحدة وكسر الراء، وفي هذا الحديث إباحة ضرب الرجل
امرأته للتأديب، فإن ضربها الضرب المأذون فيه فماتت منه، وجبت ديتها على عاقلة الضارب ووجبت
الكفارة في ماله.
قوله : (ولهن علیکم رزقهن وكسوتهن بالمعروف) فيه وجوب نفقة الزوجة وکسوتها وذلك ثابت
بالإجماع.
قوله: (فقال بإصبعه السبابة يرفعها إلى السماء وينكتها إلى الناس اللهم اشهد) هكذا ضبطناه
ينكتها بعد الكاف تاء مثناة فوق، قال القاضي: كذا الرواية بالتاء المثناة فوق، قال: وهو بعيد المعنى،
قال: قيل صوابه ينكبها بباء موحدة، قال: ورويناه في سنن أبي داود بالتاء المثناة من طريق ابن الأعرابي،
وبالموحدة من طريق أبي بكر التمار، ومعناه يقلبها ويرددها إلى الناس مشيراً إليهم، ومنه نكب كنانته إذا
قلبها هذا كلام القاضي .
(١) سورة: البقرة، الآية: ٢٢٩.
(٢) سورة: النساء، الآية: ٣.
ج ١٣
٦/ب
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٤
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
مَرَّاتٍ، ثُمْ أَذِّنَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الُهْرَ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى الْعَصْرَ / ، وَلَمْ يُصَلِّ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ
رَكِبْ رَسُولُ اللهِوَهُ، حَتَّى أَتَّى الْمُوقِفَ، فَجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِهِ الْقَصْوَاءِ إلى الصَّخَرَاتِ، وَجْعَلَ حَبْلَ
قوله : (ثم أذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ولم يصل بينهما شيئاً) فيه أنه يشرع
١٨٤/٨ الجمع بين الظهر والعصر هناك في ذلك اليوم، وقد أجمعت الأمة عليه، واختلفوا في سببه، فقيل بسبب
النسك وهو مذهب أبي حنيفة وبعض أصحاب الشافعي، وقال أكثر أصحاب الشافعي هو بسبب السفر،
فمن كان حاضراً أو مسافراً دون مرحلتين كأهل مكة، لم يجز له الجمع كما لا يجوز له القصر، وفيه أن
الجامع بين الصلاتين يصلي الأولى أولاً، وأنه يؤذن للأولى، وأنه يقيم لكل واحدة منهما، وأنه لا يفرق
بینهما، وهذا کله متفق علیه عندنا.
قوله: (ثم ركب رسول اللَّه حتى أتى الموقف فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات
وجعل حبل المشاة بين يديه وأستقبل القبلة فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى
غاب القرص) في هذا الفصل مسائل وآداب للوقوف منها أنه إذا فرغ من الصلاتين عجل الذهاب إلى
الموقف ومنها أن الوقوف راكباً أفضل وفيه خلاف بين العلماء وفي مذهبنا ثلاثة أقوال: أصحها: أن الوقوف
راكباً أفضل، والثانى: غير الراكب أفضل، والثالث: هما سواء، ومنها أنه يستحب أن يقف عند الصخرات
المذكورات وهي صخرات مفترشات في أسفل جبل الرحمة، وهو الجبل الذي بوسط أرض عرفات، فهذا
هو الموقف المستحب.
وأما ما اشتهر بين العوام من الاعتناء بصعود الجبل وتوهمهم أنه لا يصح الوقوف إلا فيه فغلط، بل
الصواب جواز الوقوف في كل جزء من أرض عرفات، وأن الفضيلة في موقف رسول اللّه محطة عند
الصخرات، فإن عجز فليقرب منه بحسب الإمكان، وسيأتي في آخر الحديث بيان حدود عرفات إن
شاء اللّه تعالى عند قوله { ل: (وعرفة كلها موقف) ومنها استحباب استقبال الكعبة في الوقوف، ومنها أنه
ينبغي أن يبقى في الوقوف حتى تغرب الشمس ويتحقق كمال غروبها، ثم يفيض إلى مزدلفة، فلو أفاض
قبل غروب الشمس صح وقوفه وحجه ویجبر ذلك بدم.
وهل الدم واجب أم مستحب؟ فيه قولان للشافعي: أصحهما أنه سنة، والثاني واجب، وهما مبنيان
على أن الجمع بين الليل والنهار واجب على من وقف النهار أم لا؟ وفيه قولان: أصحهما: سنة، والثاني:
١٨٥/٨ واجب، وأما وقت الوقوف فهو ما بين زوال الشمس يوم عرفة وطلوع الفجر الثاني يوم النحر، فمن حصل
بعرفات في جزء من هذا الزمان صح وقوفه ومن فاته ذلك فاته الحج هذا مذهب الشافعي وجماهير العلماء،
وقال مالك لا يصح الوقوف في النهار منفرداً بل لا بد من الليل وحده، فإن اقتصر على الليل كفاه إن أقتصر
على النهار لم يصح وقوفه، وقال أحمد: يدخل وقت الوقوف من الفجر يوم عرفة، وأجمعوا على أن أصل
الوقوف ركن لا يصح الحج إلا به والله أعلم.
وأما قوله: (وجعل حبل المشاة بين يديه) فروي حبل بالحاء المهملة وإسكان الباء وروي جبل
بالجيم وفتح الباء، قال القاضي عياض رحمه الله: الأول أشبه بالحديث وحبل المشاة أي مجتمعهم وحبل
الرمل ما طال منه وضخم، وأما بالجيم فمعناه طريقهم وحيث تسلك الرجالة.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٥
التحفة - الحج : ك ٧، ب ١٩
الْمُشَاةِ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّىْ غَرَبَتِ الشَّمْسُ ، وَذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلاً
حَتَّى غَابَ الْقُرْصُ، وَأَرْدَفَ أُسَامَةَ خَلْفَهُ، وَدَفَعَ رَسُولُ اللهِ وَ﴿ وَقَدْ شَنَقْ لِلْقَصْوَاءِ الزَّمَامَ، حَتَّى إِنَّ
رَأْسَهَا لَيُصِيبُ مَوْرِكَ رَحْلِهِ، وَيَقُولُ بِيَدِهِ الْيُمْنَىْ: ((أَيُّهَا النَّاسُ! السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ)) كُلَّمَا أَتَىْ حَبْلًا
مِنَ الْحِبَالِ أَرْخَىْ لَهَا قَلِيلاً، حَتَّىْ تَصْعَدَ، حَتَّى أَتَى الْمُزْدَلِفَةَ، فَصَلَّىْ بِهَا الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ /
ج ١٣
١/٧
وأما قوله: (فلم يزل واقفاً حتى غربت الشمس وذهبت الصفرة قليلاً حتى غاب القرص) هكذا هو في
جميع النسخ، وكذا نقله القاضي عن جميع النسخ، قال: قيل لعل صوابه حين غاب القرص هذا كلام
القاضي، ويحتمل أن الكلام على ظاهره ويكون قوله حتى غاب القرص بياناً لقوله غربت الشمس وذهبت
الصفرة، فإن هذه تطلق مجازاً على مغيب معظم القرص فأزال ذلك الاحتمال بقوله حتى غاب القرص
والله أعلم.
قوله: (وأردف أسامة خلفه) فيه جواز الإرداف إذا كانت الدابة مطبقة، وقد تظاهرت به الأحاديث.
قوله: (وقد شنق للقصواء الزمام حتى أن رأسها ليصيب مورك رحله) معنى شنق ضم وضيق وهو
بتخفيف النون ومورك الرحل، قال الجوهري: قال أبو عبيد: المورك والموركة يعني بفتح الميم وكسر الراء
هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرجل إذا مل من الركوب، وضبطه القاضي بفتح
الراء، قال: وهو قطعة آدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدم الرحل شبه المخدة الصغيرة، وفي هذا
استحباب الرفق في السير من الراكب بالمشاة وبأصحاب الدواب الضعيفة.
قوله: (ويقول بيده السكينة السكينة) مرتين منصوباً أي الزموا السكينة، وهي الرفق والطمأنينة، ففيه
أن السكينة في الدفع من عرفات سنة، فإذا وجد فرجة يسرع كما ثبت في الحديث الآخر.
١٨٦/٨
قوله: (كلما أتى حبلاً من الحبال أرخى لها قليلاً حتى تصعد حتى أتى المزدلفة) الحبال هنا بالحاء
المهملة المكسورة جمع حبل، وهو التل اللطيف من الرمل الضخم.
قوله: (حتى تصعد) هو بفتح الياء المثناة فوق وضمها، يقال: صعد في الحبل وأصعد، ومنه قوله
تعالى: ﴿إِذ تصعدون﴾(١) وأما المزدلفة فمعروفة، سميت بذلك من التزلف والازدلاف وهو التقرب، لأن
الحجاج إذا أفاضوا من عرفات أزدلفوا إليها أي مضوا إليها وتقربوا منها، وقيل سميت بذلك لمجيء الناس
إليها في زلف من الليل أي ساعات، وتسمى جمعاً بفتح الجيم وإسكان الميم، سميت بذلك لاجتماع
الناس فيها، وعلم أن المزدلفة كلها من الحرم، قال الأزدرقي في تاريخ مكة والماوردي وأصحابنا في كتب
المذهب وغيرهم: حد مزدلفة ما بين ما زمى عرفة ووادي محسر وليس الحدان منها، ويدخل في المزدلفة
جميع تلك الشعاب والحبال الداخلة في الحد المذكور.
قوله: (حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبح بينهما شيئاً) فيه
فوائد منها: أن السنة للدافع من عرفات أن يؤخر المغرب إلى وقت العشاء، ويكون هذا التأخير بنية
(١) سورة: آل عمران، الآية: ١٥٣.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٦
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَتَيْنِ، وَلَمْ يُسَبِّحْ بَيْنَهُمَا شَيْئاً، ثُمَّ اضْطَجَعَ رَسُولُ اللهِ﴾﴿ حَتَّىْ طَلَعَ الْفَجْرُ،
الجمع، ثم يجمع بينهما في المزدلفة في وقت العشاء وهذا مجمع عليه، لكن مذهب أبي حنيفة وطائفة
أنه يجمع بسبب النسك، ويجوز لأهل مكة والمزدلفة ومنى وغيرهم، والصحيح عند أصحابنا أنه جمع
بسبب السفر فلا يجوز إلا لمسافر سفراً يبلغ به مسافة القصر، وهو مرحلتان قاصدتان، وللشافعي قول
ضعيف أنه يجوز الجمع في كل سفر وإن كان قصيراً، وقال بعض أصحابنا: هذا الجمع بسبب النسك كما
قال أبو حنيفة والله أعلم.
قال أصحابنا: ولو جمع بينهما في وقت المغرب، في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع
آخر، وصلی کل واحدة في وقتها جاز جمیع ذلك لكنه خلاف الأفضل، هذا مذهبنا، وبه قال جماعات من
الصحابة والتابعين وقاله الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث، وقال أبو حنيفة وغيره من
الكوفيين: يشترط أن يصليهما بالمزدلفة ولا يجوز قبلها، وقال مالك: لا يجوز أن يصليهما قبل المزدلفة
إلا من به أو بدابته عذر، فله أن يصليهما قبل المزدلفة، بشرط كونه بعد مغيب الشفق، ومنها أن يصلي
١٨٧/٨ الصلاتين في وقت الثانية بأذان للأولى وإقامتين لكل واحدة إقامة، وهذا هو الصحيح عند أصحابنا، وبه
قال أحمد بن حنبل وأبو ثور وعبد الملك الماجشون المالكي والطحاوي الحنفي، وقال مالك: يؤذن ويقيم
للأولى، ويؤذن ويقيم أيضاً للثانية، وهو محكي عن عمر وابن مسعود رضي الله عنهما، وقال أبو حنيفة
وأبو يوسف: أذان واحد وإقامة واحدة، وللشافعي وأحمد قول أنه يصلي كل واحدة بإقامتها بلا أذان، وهو
محكي عن القاسم بن محمدٍ وسالم بن عبد الله بن عمر، وقال الثوري يصليهما جميعاً بإقامة واحدة، وهو
يحكى أيضاً عن ابن عمر والله أعلم.
وأما قوله: (لم يسبح بينهما) فمعناه لم يصل بينهما نافلة، والنافلة تسمى سبحة لاشتمالها على
التسبيح ففيه الموالاة بين الصلاتين المجموعتين، ولا خلاف في هذا لكن اختلفوا هل هو شرط أم لا؟
والصحيح عندنا أنه ليس بشرط، بل هو سنة مستحبة، وقال بعض أصحابنا: هو شرط، أما إذا جمع بينهما
في وقت الأولى فالموالاة شرط بلا خلاف.
قوله: (ثم اضطجع رسول اللّه حتى طلع الفجر فصلى الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة)
في هذا الفصل مسائل، إحداها أن الميت بمزدلفة ليلة النحر بعد الدفع من عرفات نسك، وهذا مجمع
عليه، لكن اختلف العلماء هل هو واجب أم ركن أم سنة؟ والصحيح من قولي الشافعي : أنه واجب لو تركه
أثم، وصح حجه ولزمه دم، والثاني: أنه سنة لا إثم في تركه، ولا يجب فيه دم ولكن يستحب وقال جماعة
من أصحابنا: هو ركن لا يصح إلا به، كالوقوف بعرفات، قاله من أصحابنا ابن بنت الشافعي وأبو بكر
محمد بن إسحاق ابن خزيمة، وقاله خمسة من أئمة التابعين وهم: علقمة والأسود والشعبي والنخعي
والحسن البصري والله أعلم، والسنة أن يبقى بالمزدلفة حتى يصلي بها الصبح إلا الضعفة، فالسنة لهم
الدفع قبل الفجر كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، وفي أقل المجزي من هذا المبيت ثلاثة أقوال
عندنا: الصحيح: ساعة في النصف الثاني من الليل، والثاني ساعة في النصف الثاني أو بعد الفجر قبل
طلوع الشمس، والثالث معظم الليل والله أعلم.
المسألة الثانية: السنة أن يبالغ بتقديم صلاة الصبح في هذا الموضع، ويتأكد التبكير بها في هذا
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٧
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
وَصَلَّى الْفَجْرَ، حِينَ تَبِيِّنَ لَهُ الصُّبْحُ، بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ ، ثُمَّ رَكِبَ الْقَصْوَاءَ، حَتَّى أَتَّى الْمَشْعَرَ
الْحَرَامِ ، فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ، فَدَعَاهُ وَكَبْرَهُ وَهَلَّلَهُ وَوَحَّدَهُ، فَلَمْ يَزَلْ وَاقِفاً حَتَّىْ أَسْفَرَ جدًّا ، فَدَفَعَ قَبْلَ
أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَأَرْدَفَ الْفَضْلَ بْنَ عَبَّاسٍ، وَكَانَ رَجُلاً حَسَنَ الشِّعْرِ أَبْيَضَ وَسِيماً، فَلَمَّا دَفَعَ
رَسُولُ اللهِوَ﴿ مَرَّتْ بِهِ ظُعُنْ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهِنَّ، فَوَضَعَ رَسُولُ اللهِوَ يَدَهُ عَلَىْ
وَجْهِ الْفَضْلِ، فَحَوَّلَ / الفَضْلُ وَجْهَهُ إِلَى الشِّقِّ الْآخَرَيَنْظُرُ، فَحَوَّلَ رَسُولُ الله ◌ِآت
ج ١٣
٧/ب
اليوم، أكثر من تأكده في سائر السنة للاقتداء برسول الله له، ولأن وظائف هذا اليوم كثيرة، فسن المبالغة ١٨٨/٨
بالتبكير بالصبح ليتسع الوقت للوظائف.
الثالثة: يسن الأذان والإقامة لهذه الصلاة، وكذلك غيرها من صلوات المسافر، وقد تظاهرت
الأحاديث الصحيحة بالأذان لرسول اللّه ** في السفر كما في الحضر والله أعلم.
قوله: (ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده فلم يزل
واقفاً حتى أسفر جداً ودفع قبل أن تطلع الشمس) أما القصواء فسبق في أول الباب بيانها.
وأما قوله: (ثم ركب) ففيه أن السنة الركوب، وأنه أفضل من المشي وقد سبق بيانه مرات، وبيان
الخلاف فيه، وأما المشعر الحرام فبفتح الميم، هذا هو الصحيح، وبه جاء القرآن وتظاهرت به روايات
الحديث، ويقال أيضاً بكسر الميم، والمراد به هنا قزح بضم القاف وفتح الزاي وبحاء مهملة، وهو جبل
معروف في المزدلفة، وهذا الحديث حجة الفقهاء في أن المشعر الحرام هو قزح، وقال جماهير المفسرين
وأهل السير والحديث: المشعر الحرام جميع المزدلفة، وأما قوله فاستقبل القبلة يعني الكعبة فدعاه إلى
آخره، فيه أن الوقوف على قزح من مناسك الحج، وهذا لا خلاف فيه، لكن اختلفوا في وقت الدفع منه،
فقال ابن مسعود، وابن عمر وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء: لا يزال واقفاً فيه يدع ويذكر حتى يسفر
الصبح جداً كما في هذا الحديث، وقال مالك يدفع منه قبل الإسفار والله أعلم.
وقوله: (أسفر جداً) الضمير في أسفر يعود إلى الفجر المذكور أولاً.
وقوله: (جداً) بكسر الجيم أي إسفاراً بليغاً.
قوله في صفة الفضل بن عباس: (أبيض وسيماً) أي حسناً.
قوله: (مرت به ظعن يجرين) الظعن بضم الظاء والعين، ويجوز إسكان العين، جميع ظعينة كسفينة
وسفن، وأصل الظعينة البعير الذي عليه أمرأة، ثم تسمى به المرأة مجازاً لملابستها البعير، كما أن الراوية
أصلها الجمل الذي يحمل الماء، ثم تسمى به القربة لما ذكرناه، وقوله يجرين بفتح الياء.
١٨٩/٨
قوله: (فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله صل يده على وجه الفضل) فيه الحث على غض
البصر عن الأجنبيات وغضهن عن الرجال الأجانب، وهذا معنى قوله (وكان أبيض وسيماً حسن الشعر)
يعني أن بصفة من تفتتن النساء به لحسنه، وفي رواية الترمذي وغيره في هذا الحديث: (أن النبي # لوى
عنق الفضل فقال له العباس: لويت عنق ابن عمك، قال رأيت شاباً وشابة فلم آمن الشيطان عليهما) فهذا
يدل على أن وضعه وَّ يده على وجه الفضل، كان لدفع الفتنة عنه وعنها، وفيه أن من رأى منكراً وأمكنه
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٨
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
يَدَهُمِنَ الشُّقِّ الآخَرِ عَلَىْ وَجْهِ الْفَضْلِ، يَصْرِفُ وَجْهَهُ مِنَ الشِّقِّ الْآخَرِيَنْظُرُ،
حَتَّى أَتَّى بِطْنَ مُحَسِّرٍ، فَحَرَّكَ قَلِيلًا، ثُمَّ سَلَكَ الطَّرِيقَ الْوُسْطَى الَّتِي تَخْرُجُ عَلَى الْجَمْرَةِ
إزالته بيده لزمه إزالته، فإن قال بلسانه، ولم ينكف المقول له، وأمكنه بيده أثم ما دام مقتصراً على اللسان
والله أعلم.
قوله: (حتى أتى بطن محسر فحرك قليلاً) أما محسر، فبضم الميم وفتح الحاء وكسر السين المشددة
المهملتين، سمي بذلك لأن فيها أصحاب الفيل حسر فيه أي أعيى وكل، ومنه قوله تعالى: ﴿ينقلب إليك
البصر خاسئاً وهو حسير﴾(١).
وأما قوله: (فحرك قليلاً) فهي سنة من سنن السير في ذلك الموضع، قال أصحابنا: يسرع الماشي
ويحرك الراكب دابته في وادي محسر، ويكون ذلك قدر رمية حجر والله أعلم.
قوله: (ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة
فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي) أما قوله سلك الطريق
الوسطى، ففيه أن سلوك هذا الطريق في الرجوع من عرفات سنة، وهو غير الطريق الذي ذهب فيه إلى
عرفات، وهذا معنى قول أصحابنا يذهب إلى عرفات في طريق ضب ويرجع في طريق المازمين ليخالف
١٩٠/٨ الطريق تفاؤلاً بغير الحال، كما فعل # في دخول مكة حين دخلها من الثنية العليا وخرج من الثنية
السفلى، وخرج إلى العيد في طريق ورجع في طريق آخر، وحول رداءه في الاستسقاء، وأما الجمرة
الكبرى فهي جمرة العقبة، وهي التي عند الشجرة.
وفيه: أن السنة للحاج إذا دفع من مزدلفة، فوصل منى أن يبدأ بجمرة العقبة، ولا يفعل شيئاً قبل
رمیها، ويكون ذلك قبل نزوله، وفيه أن الرمي بسبع حصيات، وأن قدرهن بقدر حصى الخذف، وهو نحو
حبة الباقلاء، وينبغي ألا يكون أكبر ولا أصغر، فإن كان أكبر أو أصغر أجزأه بشرط كونها حجراً، ولا يجوز
عند الشافعي والجمهور الرمي بالكحل، والزرنيخ، والذهب، والفضة، وغير ذلك مما لا يسمى حجراً،
وجوزه أبو حنيفة بكل ما كان من أجزاء الأرض، وفيه أنه يسن التكبير مع كل حصاة.
وفيه: أنه يجب التفريق بين الحصيات فيرميهن واحدة واحدة، فإن رمى السبعة رمية واحدة، حسب
ذلك كله حصاة واحدة عندنا وعند الأكثرين، وموضع الدلالة لهذه المسألة يكبر مع كل حصاة، فهذا
تصريح بأنه رمى كل حصاة وحدها مع قوله 18 في الحديث الآتي بعد هذا في أحاديث الرمي: ((لتأخذوا
عني مناسككم».
وفيه: أن السنة، أن يقف للرمي في بطن الوادي، بحيث تكون منى وعرفات والمزدلفة عن يمينه
ومكة عن يساره، وهذا هو الصحيح الذي جاءت به الأحاديث الصحيحة، وقيل يقف مستقبل الكعبة،
وكيفما رمى أجزأه بحيث يسمى رمياً بما يسمى حجراً واللَّه أعلم، وأما حكم الرمي، فالمشروع منه يوم
النحر رمي جمرة العقبة لا غیر بإجماع المسلمين، وهو نسك بإجماعهم، ومذهبنا أنه واجب لیس برکن،
فإن تركه حتى فاتته أيام الرمي، عصی ولزمه دم وصح حجه، وقال مالك يفسد حجه ويجب رميها بسبع
(١) سورة: الملك، الآية: ٤.
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤١٩
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
الْكُبْرَى، حَتَّى أَتَى الْجَمْرَةَ الَّتِي عِنْدَ الشَّجَرَةِ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ مِنْهَا،
حَصَى الْخَذْفِ ، رَمَىْ مِنْ بَظْنِ الْوَادِي، ثُمَّ انْصَرَفَ إِلَى الْمُنْحَرِ ، فَنَحَرَ ثَلَاثاً وَسِتِينَ بِيَدِهِ ، ثُمِّ
أَعْطَىْ عَلِيًّا، فَنَحَرَ مَا غَرَ، وَأَشْرَكَه فِي هَدْيِهِ، ثُمَّ أَمَرَ مِنْ كُلِّ بَدَنَةٍ بِبَضْعَةٍ ، فِجُعِلَتْ فِي قِدْرٍ ،
فَطُبِخَتْ ، فَأَكَلاَ مِنْ لَحْمِهَا وَشَرِبًا مِنْ / مَرَقِهَا، ثُمَّ رَكِبَ رَسُولُ اللهِوَلَ فَأَفَاضَ إِلَى الْبَيْتِ ،
ج ١٣
١/٨
حصيات، فلو بقيت منهن واحدة لم تكفه الست، وأما قوله: (فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها
حصى الخذف) فهكذا هو في النسخ، وكذا نقله القاضي عياض عن معظم النسخ، قال وصوابه: مثل
حصى الخذف، قال وكذلك رواه غير مسلم، وكذا رواه بعض رواة مسلم، هذا كلام القاضي، قلت والذي
في النسخ من غير لفظة مثل هو الصواب، بل لا يتجه غيره ولا يتم الكلام إلا كذلك، ويكون قوله حصی
الخذف متعلقاً بحصيات أي رماها بسبع حصيات حصى الخذف يكبر مع كل حصاة، فحصى الخذف
متصل بحصيات، وأعترض بينهما يكبر مع كل حصاة، وهذا هو الصواب والله أعلم.
قوله: (ثم انصرف إلى النحر فنحر ثلاثاً وستين بيده ثم أعطى علياً فنحر ما غبر وأشركه في هديه) ١٩١/٨
هكذا هو في النسخ ثلاثاً وستين بيده، وكذا نقله القاضي عن جميع الرواة سوى ابن ماهان، فإنه رواه بدنة،
قال: وكلامه صواب والأول أصوب، قلت وكلاهما حري فنحر ثلاثاً وستين بدنة بيده، قال القاضي: فيه
دليل على أن المنحر موضع معين من منى، وحيث ذبح منها أو من الحرم أجزأه، وفيه استحباب تكثير
الهدي، وكان هدي النبي ويه في تلك السنة مائة بدنة، وفيه استحباب ذبح المهدي هديه بنفسه، وجواز
الاستنابة فيه، وذلك جائز بالإجماع إذا كان النائب مسلماً، ويجوز عندنا أن يكون النائب كافراً كتابياً،
بشرط أن ينوي صاحب الهدي عند دفعه إلیه أو عند ذبحه.
قوله: (ما غبر) أي ما بقي، وفيه استحباب تعجيل ذبح الهدايا وإن كانت كثيرة في يوم النحر،
ولا يؤخر بعضها إلى أيام التشريق، وأما قوله وأشركه في هديه فظاهره أنه شاركه في نفس الهدي، قال
القاضي عياض: وعندي أنه لم يكن تشريكاً حقيقة بل أعطاه قدراً يذبحه، والظاهر أن النبي # نحر البدن
التي جاءت معه من المدينة، وكانت ثلاثاً وستين كما جاء في رواية الترمذي، وأعطى علياً البدن التي
جاءت معه من اليمن وهي تمام المائة والله أعلم.
قوله: (أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها) البضعة
بفتح الباء لا غير، وهي القطعة من اللحم، وفيه استحباب الأكل من هدي التطوع وأضحيته، قال العلماء:
لما كان الأكل من كل واحدة سنة، وفي الأكل من كل واحدة من المائة منفردة كلفة، جعلت في قدر ليكون
آكلاً من مرق الجميع الذي فيه جزء من كل واحدة، ويأكل من اللحم المجتمع في المرق ما تيسر، وأجمع
العلماء على أن الأكل من هدي التطوع وأضحيته سنة ليس بواجب.
قوله: (ثم ركب رسول اللَّه لل فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر) هذا الطواف هو طواف
الإضافة، وهو ركن من أركان الحج بإجماع المسلمين، وأول وقته عندنا من نصف ليلة النحر، وأفضله بعد
رمي جمرة العقبة، وذبح الهدي، والحلق، ويكون ذلك ضحوة يوم النحر، ويجوز في جميع يوم النحر ١٩٢/٨
بلا كراهة ويكره تأخيره عنه بلا عذر، وتأخيره عن أيام التشريق أشد كراهة، ولا يحرم تأخيره سنين متطاولة
المعجم - الحج: ك ١٥، ب ١٩
٤٢٠
التحفة - الحج: ك ٧، ب ١٩
فَصَلَّى بِمَكَّةَ الظُّهْرَ، فَأَتَىْ بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ يَسْقُونَ عَلَى زَهْزَمَ، فَقَالَ: ((انْزِعُوا، بَنِي عَبْدِ
ولا آخر لوقته، بل يصح ما دام الإنسان حياً. وشرطه أن يكون بعد الوقوف بعرفات، حتى لو طاف للإفاضة
بعد نصف ليلة النحر قبل الوقوف، ثم أسرع إلى عرفات فوقف قبل الفجر، لم يصح طوافه لأنه قدمه على
الوقوف.
وأتفق العلماء على: أنه لا يشرع في طواف الإفاضة رمل، ولا أضطباع إذا كان قد رمل وأضطبع
عقب طواف القدوم، ولو طاف بنية الوادع أو القدوم أو التطوع، وعليه طواف إفاضة وقع عن طواف الإفاضة
بلا خلاف عندنا، نص عليه الشافعي، وأتفق الأصحاب عليه كما لو كان عليه حجة الإسلام، فحج بنية
قضاء أو نذر أو تطوع فإنه يقع عن حجة الإسلام، وقال أبو حنيفة وأكثر العلماء: لا يجزىء طواف الإفاضة
بنية غيره.
وأعلم أن طواف الإفاضة له أسماء، فيقال أيضاً. طواف الزيارة، وطواف الفرض والركن، وسماه
بعض أصحابنا طواف الصدر، وأنكره الجمهور، قالوا: وإنما طواف الصدر طواف الوداع. والله أعلم.
وفي هذا الحديث استحباب الركوب في الذهاب من منى إلى مكة، ومن مكة إلى منى، ونحو ذلك من
مناسك الحج، وقد ذكرنا قبل هذا مرات المسألة، وبينا أن الصحيح استحباب الركوب وأن من أصحابنا من
استحب المشي هناك.
وقوله: (فأفاض إلى البيت فصلى الظهر) فيه محذوف، تقديره فأفاض. فطاف بالبيت طواف
الإفاضة، ثم صلى الظهر فحذف ذكر الطواف لدلالة الكلام عليه، وأما قوله فصلى بمكة الظهر، فقد ذكر
مسلم بعد هذا في أحاديث طواف الإفاضة من حديث ابن عمر رضي الله عنه، أن النبي # أفاض يوم
النحر، فصلى الظهر بمنى، ووجه الجمع بينهما أنه طاف للإفاضة قبل الزوال، ثم صلى الظهر بمكة
في أول وقتها، ثم رجع إلى منى فصلى بها الظهر مرة أخرى بأصحابه حين سألوه ذلك، فيكون متنفلاً
بالظهر الثانية التي بمنى، وهذا كما ثبت في الصحيحين في صلاته * ببطن نخل، أحد أنواع صلاة
الخوف، فإنه صلى بطائفة من أصحابه الصلاة بكمالها وسلم بهم، ثم صلى بالطائفة الأخرى تلك
الصلاة مرة أخرى، فكانت له صلاتان ولهم صلاة.
وأما الحديث الوارد عن عائشة وغيرها أن النبي #: أخر الزيارة يوم النحر إلى الليل، فمحمول على
أنه عاد للزيارة مع نسائه لا لطواف الإفاضة، ولا بد من هذا التأويل للجمع بين الأحاديث، وقد بسطت
١٩٣/٨ إيضاح هذا الجواب في شرح المهذب والله أعلم.
وقوله: (فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم
الناس علی سقايتكم لنزعت معكم فناولوه دلواً فشرب منه).
أما قوله : (انزعوا) فبكسر الزاي، ومعناه استقوا بالدلاء وأنزعوها بالرشاء(١).
وأما قوله: (فأتى بني عبد المطلب) فمعناه أتاهم بعد فراغه من طواف الإفاضة.
وقوله: (يسقون على زمزم) معناه يغرفون بالدلاء ويصبونه في الحياض ونحوها ويسبلونه للناس.
(١) الرشاء: الحبل الذي يربط في الدلو لإخراج الماء من البئر.