Indexed OCR Text

Pages 421-440

٤٢١
(٤٢) كتاب التفسير - (٣١) ومن سورة الجن
القرآن)). قال: فانْطلقَ بنا فَأَرانا آثارهم وآثارَ نِیرانِهم، وسألُوه الزّادَ، فقال:
((لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عليه يقعُ في أيديكُمْ أَوْفَر ما يكونُ لَحْماً، وكُلُّ
بِعَرَة عَلَفٌ لِدَوَابْكُمْ)). فقال رسولُ الله وَّهِ: ((فلا تَسْتَنْجُوا بهما فإنَّهُما طعامُ
إخوانِكُمْ».
رواه مسلم (٤٥٠) (١٥٠)، وأبو داود (٨٥)، والترمذيُّ (١٨).
ولكنه يزيد عند المبعث، وبهذا القول يرتفع التعارُضُ بين الحديثين. وقول عبد الله
بن مسعود - رضي الله عنه - أنه لم يشهدْ ليلة الجِنِّ مع رسول الله وَليو أحدٌ، هو هل شهد ليلة
أصُّ من الحديث الذي يحتج به الحنفيُّون، مما روي عن ابن مسعود أنه كان مع الجن مع
رسول الله(#
النبي وَل﴿ وأنه خطَّ عليه خطّاً وقال: ((لا تبرح حتى آتيكَ)) فذهبَ في سواد الليل ثم احدٌ؟
جاءَه فقال: ما في إداوتِكَ، فقال: نبيذ، فقال: ((تمْرَةٌ طيِّبة وماءٌ طهور))(١)، ثم
أخبرَه خبرَ الجن؛ لأن إسنادَه مجهولٌ على ما قاله أهلُ الحديث. واستُطير: أي
استطيل، وأصله من استطالَ الفجرُ: إذا انتشرَ وطالَ. واغتيلَ: إذا هُجِمَ عليه
بالمكروه، أو القتل. وحِراء: جبل معروف بمگّة، وهو ممدود مهموز.
و (قوله: وسألوه الزَّادَ) أي: ما يحلُّ لهم من الزَّاد ولدوابُهم، فأجابهم
بقوله: ((لكم كلُّ عظم، وكلُّ بَعْرة لعلف دَوابكم)) أي: هذان محلَّل لكم، ويحتمل
أن يكونوا سألوه أن يدعوَ لهم بالبركة في أرزاقهم، وفي علف دَوابُهم، ويدلُّ على
هذا قولُه: ((يقع في أيديكم أوفرَ ما يكونُ لحماً)، وفي كتاب مسلم، قال
رسول الله ◌َ﴾: ((دعوتُ الله ألَّا يمرُّوا بعظم إلا وجدوه أوفرَ ما كان وأسمنَه))(٢)
أي: بالنسبة إلى تغذّيهم ونَيّلهم. وهل نَيْلُهم من ذلك شمٌّ، أو لحسرٌ؟ كلُّ ذلك
ممکن، وقد قیل بکل واحدٍ منهما.
و (قوله: ((ذكرَ اسمَ الله عليه))) أي: على تذكيته، ويحتمل على أكله،
(١) رواه أبو داود (٨٤)، والترمذي (٨٨)، وابن ماجه (٣٨٤).
(٢) رواه البخاري بنحوه (٣٨٦٠) عن أبي هريرة، ولم نجده في صحيح مسلم.

٤٢٢
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٢) ومن سورة المدثر
[٢٩٢٤] وعن ابن مسعودٍ، قال: آذَنتِ النَّبِيَّ وَّهِ بِهِمْ شَجَرَةٌ.
رواه مسلم (٤٥٠) (٥٣
*
(٣٢) ومن سورة المدثر
[٢٩٢٥] عن سلمة، قال: سألتُ جابرَ بنَ عبدِ الله: أيُّ القرآنِ أُنْزِلَ
قبلُ؟ قال: يا أيها المدثر، قلت: أو اقرأ؟ قال جابر: أُحدِّثكم ما حدّثنا
رسول الله وَ﴾. قال: ((جَاوَرْتُ بِحِرَاءٍ شهراً، فلمّا قضيتُ جِوَارِي نزلتُ
فاسْتَبَطَنْتُ بَطْنَ الوادي، فُنُودِيتُ، فنظرتُ أمامي، وخلفي، وعن يميني،
وعن شمالي، فلم أرَ أحداً، ثم نوديتُ. فرفعتُ رأسي، فإذا هو على
العرشِ في الهواء - يعني: جبريل عليه السلام - فأخذتني رَجْفٌ شديدةٌ،
والأول أولى، وقد تقدَّم القول في الاستنجاء بالعظام والرَّوث في الطهارة.
و (قوله: آذنتْ النبيَّ ◌َ ﴾ ليلة الجن بهم شجرة) أي: أعلمته بهم، وظاهره:
أن الله تعالى خلق فيها نطقاً فهمه النبيُّ ◌َ كما خلق في الذراع المسمومة نطقاً.
(٣٢) ومن سورة المدثر
قد تقدم القولُ فيما أُنزل من القرآن أوّلاً، في حديث عائشة - رضي الله عنها -
وتبيَّن هناك أنَّ الأخذ بحديثها أولى؛ لأنَّها زادتْ على جابر بذكر ما سكت عنه
من حديث لقاء جبريل النبيَّ في الغار، وإلقائه إليه: ﴿اقْرَأْ بِأَسْمِ رَيِّكَ﴾ [العلق: ١]
على ما ذكرتْهُ عائشة، وقد دلَّ على هذا أنَّ حديثَ جابر قال فيه: ((فرفعتُ رأسي،
فإذا المَلَكُ الذي جاءني بحراء)). قد تقدَّمَ القولُ على ((فجُثِثْتُ)) في الإيمان.
والمدثر: المدثر في ثيابه.

٤٢٣
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٣) ومن سورة القيامة
فأتيتُ خديجةَ، فقلتُ: دثِّروني! فدَّروني، فصبُّوا عليَّ ماءً، فأنزل الله
عزّ وجلْ: ﴿يَأَيُّهَا الْمَُّّفِرُ * قُرْ فَأَذِرْ * وَرَبَّكَ فَكَِّرْ * وَثِيَابَكَ فَطَفِرْ﴾ [المدثر:
١ - ٤].
وفي روايةٍ: ((فبينا أنا أمشي إذ سمعتُ صَوْتاً من السَّماء. فرفعتُ
رأسي، فإذا المَلَكُ الذي جاءني بِحِراء جالساً على كرسيٍّ بين السَّماء
والأرضِ، فَجُئِثْتُ منه فَرَقاً! فرجعتُ، فقلتُ: زمِّلوني ... الحديث)).
وفي أخرى: ((فَجُِثْتُ منه فَرَقاً حتى هَوَيْتُ إلى الأرض)).
رواه أحمد (٣٠٦/٣)، والبخاريّ (٤٩٢٣)، ومسلم (١٦١) (٢٥٥
و ٢٥٧)، والترمذيّ (٣٣٢٥).
*
(٣٣) ومن سورة القيامة(١)
[٢٩٢٦] عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكَ بِهِ، لِسَانَكَ﴾
[القيامة: ١٦]، قال: كان النَّبيُّ ◌َ﴿ إذا نزل عليه جبريل بالوحي؛ كان مما
يُحرّك به لسانَه وشفتَيَّه فيشتدُّ عليه، فكان ذلك يُعْرَفُ منه، فأنزل الله: ﴿لَا
تُحَرِّك ◌ِهِ، لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]، أَخْذَه: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْءَانَهُ﴾
و (قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِرْ﴾ [المدثر: ٤]) حُجَّةٌ لمن قال بوجوب غسل
النجاسة، إذ الأصلُ حَمْلُ الثياب والطهارة على الحقيقة اللغوية، ويحتملُ أن يكونَ
ذلك كنايةً عن طهارة القلب عن مذموم الأخلاق، كما قال الشاعر:
ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهارَي نَقِيَّة(١)
(١) هذا صدر بيت، وعجزه:
وَأَوْجُهُهُمْ بِيْضُ المَسَافِرِ غُرَّانُ

٤٢٤
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٤) ومن سورة الأخدود
[القيامة: ١٧] إنَّ علينا أن نجمَعه في صَدْركَ، وقرآنه فتقرأُهُ: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَهُ فَنَّبِعْ
قُرْءَانَهُ﴾ [القيامة: ١٨] قال: أنزلنا فاسْتَمِع له: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ
[القيامة: ١٩] أن نبيّه بلسانك، فكان إذا أتاه جبريلُ أَطْرَقَ، فإذا ذهبَ قَرَأَه
كما وَعَدَهُ اللَّهُ.
رواه البخاريُّ (٤٩٢٨)، ومسلم (٤٤٨) (١٤٧)، والترمذيُّ
(٣٣٢٦)، والنسائي (١٤٩/٢).
(٣٤) ومن سورة الأخدود
[٢٩٢٧] عن صهيب، أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قالَ: ((كان ملك فیمن کان
قَبْلَكم، وكان له ساحرٌ، فلما كَبِرَ قال للملك: إنِّي قد كَبِرْت، فابعثْ إليَّ
غلاماً أعَلِّمْهُ السِّحرَ، فبعثَ إليه غلاماً يعلِّمُه، فكان في طريقه - إذا سلك -
راهبٌ، فقعدَ إليه، وسمع كلامَه، فأعْجَبَه، فكان إذا أتى الساحر مرّ
بالراهِب، وقعد إليه، فإذا أتى الساحرَ ضرَبَه، فشكا ذلك إلى الرَّاهِب،
فقال: إذا خَشيْتَ الساحرَ فقُلْ: حَبَسَنِيْ أهْلِي، وإذا خَشِيْتَ أهْلَكَ فقُلْ:
والرُّجْز: الأوثان، سمَّاها بذلك لاستحقاق عابديها الرِّجز، وهو العذاب.
كقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ﴾ [الأعراف: ١٣٤]. واهجر: اترك. ولربك
فاصبر: أي على ما تلقاه من الأذى، والتكذيب عند الإنذار.
(٣٣(١) و٣٤) ومن سورة الأخدود
(قول الراهب للغلام: ((إذا خشيتَ الساحرَ فَقُلْ: حَبَسَنِي أهلي))) دليلٌ على:
إجازة الكذب لمصلحة الدِّين، ووَجْهُ التمسّك بهذا أن نبيَّنا و ذكر هذا الحديث
جواز الكذب
في الإسلام
(١) لم يتعرَّض المؤلف - رحمه الله - لشرح ما أشكل في عنوانه: ومن سورة القيامة.

٤٢٥
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٤) ومن سورة الأخدود
حَسِنِي السَّاحرُ، فبينما هو كذلك؛ إذ أتى على دابةٍ عظيمةٍ قد حَبَسَتِ
النَّاسَ. فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل، أم الراهب أفضل؟ فأخذ حجراً،
فقال: اللهم! إنْ كانَ الرَّاهب أحبَّ إليك من السَّاحرِ فاقتلْ هذه الدابةَ،
حتى يمضي الناسُ! فرماها، فقتلها، ومضى الناسُ، فأتى الراهبَ،
فأخبره، فقال له الراهب: أيْ بُنيَّ! أنت اليوم أفضلُ مني، قد بلغ من أمرك
ما أرى، وإنَّك ستبتلى، فإن ابتليت فلا تدلَّ عليَّ. وكان الغلام يبرىء
الأَكْمَهِ، والأَبْرَص، ويداوي النَّاس من سائر الأدواء، فسمع جليسٌ للملكِ
كان قد عَمِيَ، فأتاه بهدايا كثيرةٍ، فقال: ما ها هنا لك أجمعُ إن أنت
شفَيْتَي! قال: إني لا أشْفِي أحداً، إنما يشفي الله! فإن آمنتَ باللَّهِ دعوتُ
كلَّه في معرض الثناء على الرَّاهب والغُلام على جهة الاستحسان لما صَدَر عنهما،
فلو كان شيءٌ مما صَدَر عنهما مِن أفعالهما مُحَرَّماً، أو غير جائز في شرعه لبيَّته
لأَمَّته، ولاستثناه من جُملة ما صَدَر عنهما، ولم يفعل ذلك. فكلُّ ما أخبر به عنهما
حُجَّةٌ ومسوغ الفعل.
فإن قيل: كيف يجوزُ في شرعنا ما فعل الغلامُ من دلالته على الراهب للقتل،
ومن إرشاده إلى كيفية قتل نفسه؟! فالجوابُ من وجهين:
أحدهما: أنَّ الغلامَ غير مكلّف؛ لأنه لم يبلغ الحلم، ولو سلم أنه مكلّف
لكان العذرُ عن ذلك أنه لم يعلمْ أن الراهبَ يُقتل، فلا يلزم من دلالته عليه قتله.
وعن معونته على قتل نفسه: أنه لما غلب على ظنِّه أنه مقتولٌ ولا بُدَّ، أو علم بما
جعل اللَّهُ في قلبه، أرشدهم إلى طريقٍ يظهر اللَّهُ بها كرامته، وصحة الدِّين الذي
كانا عليه، لِيُسْلِمَ الناس، ولیدینوا دينَ الحقِّ عند مشاهدة ذلك كما كان. وقد أسلم
عثمانُ - رضي الله عنه - نفسَه عند عِلْمِه بأنه يُقتل - ولا بُدَّ - بما أخبر النبيُّ وَّ كما
بيََّّاه.

٤٢٦
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٤) ومن سورة الأخدود
الله فشفاك! فآمن بالله، فشفاه اللَّهُ، فأتى الملكَ، فجلس إليه كما كان
يجلس، فقال له المَلِكُ: من ردّ عليك بَصَرَك؟ قال: ربي! قال: ولك ربٌ
غيري؟! قال: ربِّي وربُّك الله! فأخذه، فلم يزل يُعَذِّبُه حتى دلَّ على
الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أيْ بنيَّ! قد بلغ من سِخرِكَ ما
تُبْرِىءُ الأكمهَ، والأبرصَ، وتفعل، وتفعل! قال: إنِّي لا أَشْفِي أحداً، إنَّما
يَشْفِي اللَّهُ! فأخذه فلم يزل يعذُّبُهُ حتى دلَّ على الراهب، فجيء بالرّاهب،
فقيل له: ارجع عن دينك! فأبى. فدعا بالمنشارِ، فوضع المنشار في مَفْرِقٍ
رأسِه، فشقَّه حتى وقع شِفَّاه، ثم جيء بجليسِ الملك، فقيل له: ارجع عن
وهذا الحديثُ كلُّه إنما ذكره النبيُّ وَلاغير لأصحابه ليصبروا على ما يلقون من
الصبر على
الله
الأذى في سبيل الأذى، والآلام، والمشقّات التي كانوا عليها؛ ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره،
وتصلُّبه في الحقِّ، وتمشُّكه به، وبذله نفسه في حقِّ إظهار دعوته، ودخول الناس
في الدِّين مع صِغَر سنّه، وعظيم صبره، وكذلك الرَّاهب صبر على التمسُّك بالحق
حتى نُشِر بالمنشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى، ورسخ الإيمانُ في
قلوبهم صبروا على الطّرح في النار، ولم يرجعوا عن دينهم، وهذا كلُّه فوق ما كان
يُفعل بمن آمن مِن أصحاب النبيِّ وَ ﴿ فإنه لم يكنْ فيهم مَن فُعِل به شيءٌ مِن ذلك؛
لكفاية الله تعالى لهم؛ ولأنَّه تعالى أراد إعزازَ دينه، وإظهارَ كلمته. على أنِّي أقولُ:
إنَّ محمداً ﴿ أقوى الأنبياء في الله، وأصحابه أقوى أصحاب الأنبياء في الله تعالى،
فقد امتحن كثيرٌ منهم بالقتل، وبالصلب، وبالتعذيب الشديد، ولم يلتفت إلى شيءٍ
من ذلك، وتكفيك قصَّةُ عاصم وخُبيب وأصحابهما، وما لقي أصحابُه من
الحروب، والمِحن، والأسر، والحرق، وغير ذلك، فلقد بذلوا في الله نفوسَهم،
وأموالَهم، وفارقوا ديارهم وأولادهم، حتى أظهروا دينَ الله، ووفّوا بما عاهدوا
عليه الله، فجازاهم اللَّهُ أفضلَ الجزاء، ووفّهم مِن أجر مَن دخل في الإسلام
بسببهم أفضلَ الإجزاء.

٤٢٧
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٤) ومن سورة الأخدود
دینك! فأبى، فوضع المنشار في مَفْرِق رأسه، فشقّه به حتى وقع شِقًّاه، ثم
جيء بالغلام، فقيل له: ارجع عن دينك! فأبى، فدفعه إلى نَفَرٍ من
أصحَابِه، فقال: اذهبوا به إلى جبلِ كذا وكذا، فاصْعَدوا به الجبلَ، فإذا
بلغتُم به ذرْوَتَه، فإن رجع عن دينه وإلَّا فاطْرُوه! فذهبوا به فصَعِدُوا به
الجبلَ، فقال: اللهمْ اكْفِيهم بما شئتَ! فرجف بهم الجبلُ، فسقطُوا،
وجاء يمشي إلى الملك! فقال له: الملكُ: ما فعل أصحابُك؟ فقال:
كفانِيْهِمُ اللَّهُ! فدفعه إلى نَفَرِ من أصحابه، فقال: اذهبوا به، فاحملوه على
قُرْقُورٍ، فتوسَّطُوا به البحرَ، فإن رَجَعَ عن دينِهِ وإلَّا فاطرحوه! فذهبوا به،
فقال: اللهم اكفنيهم بما شئتَ! فانكفأتْ بهم السفينةُ، فغَرِقُوا، وجاء يمشي
إلى الملكِ. فقال الملكُ: ما فعل أصحابُكَ؟ قال: كُفانيهم الله! فقال
للملكِ: إنَّك لستَ بقاتِلي حتى تفعل ما آمُرُكَ به. قال: وما هو؟ قال:
وقد تقدَّم أن المشار يُقال بالنون وبالياء المهموزة، وهي الأفصحُ، وقد
تُسهل همزتها. والدابَّة العظيمة، كانت أسداً، كما جاء في حديث آخر. والقُرقُور
- بضم القافين -: هو السفينةُ الكبيرة. قاله الهروي، وقد أُنکِر هذا عليه. وقيل: إن
الشُّفُنَ الكبارَ لا تُستعملُ في مثله.
قلتُ: وهذا إنكارٌ ينبغي أن يُنكر، فلعلَّ هذا الملكَ قَصَدَ إلى أعظم السفن
حتى يتوسّط البحرَ بهذا الغلام ليلقوه في أبعده عنه، أو لعلّه جعل معه في السّفينة
من يملؤها أو ما يملؤها، والمرجعُ فيه إلى أهل اللغة. وقد قال ابنُ دُريد في
((الجمهرة))؛ القرقور: ضربٌ من السفن، عربي معروف، والمعروف عند الناس فيه
استعمالُه فيما صَغُر منها، وخفَّ للتصُّف فيه.
و (قوله: ((فرجف بهم الجبل))) أي: تحرَّك، وتزلزل بهم. وخدّ الأخدود؛
أي: حَفَر في الأرض شِقّاً مستطيلاً عظيماً، ويُجمع: أخاديد.

٤٢٨
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٤) ومن سورة الأخدود
تجمعُ الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، وتَصلُبني على حِذْعِ، ثم خُذْ سَهْماً من
كِنَانَتِي، ثم ضَعِ السَّهمَ في كَبِدِ القوسِ ثم قل: باسمِ اللَّهِ ربِّ الغلامِ! ثم
ارمني، فإنَّك إذا فعلت ذلك قتلتني! فجمع الناسَ في صعيدٍ واحدٍ، وصلبه
على جِذْعٍ، ثم أخذ سهماً من كنانَتِهِ، ثم وضع السَّهمَ في كَبِدِ القوسِ، ثُمَّ
قال: باسمَ اللَّهِ ربِّ الغلامِ! ثم رماه، فوقع السَّهمُ في صُدْغِهِ، فوضع يده
في صُدْغِه في موضع السَّهَمِ، فمات! فقال الناسَ: ؛ آمنا بربِّ الغلام! آمنا
بربِّ الغلام! فأتى الملكُ، فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر! قد والله نزل بك
حذرك! قدَ آمن الناس! فأمر بالأخذُود بأفواهِ السِّكَكِ. فخُدَّتْ، وأضْرَمَ
النيرانَ. وقال: مَنْ لم يرجع عن دينه فأحْمُوه فيها! أو قيل له: اقتحِمْ.
ففعلوا، حتى جاءتِ امرأة ومعها صبيٍّ لها، فتقاعستْ أن تقعَ فيها. فقال
لها الغلام: يا أمَّه! اصْبِري، فإنّك على الحق!)).
رواه أحمد (١٧/٦)، ومسلم (٣٠٠٥)، والترمذيّ (٣٣٤٠)،
والنسائي في الكبرى (١١٦٦١).
و (قوله: ((فَأَحْمُوه فيها، أو قيل: اقتحم))) هذا شكٍّ من بعض الرواة،
فَأَحْمُوه فيها؛ معناه: أَلْقُوه فيها، وأَدْخِلُوه إيَّاها. يقال: أحميت الحديد والشيء
في النار: إذا أدخلته فيها. قال القاضي أبو الفضل: واقتحمْ: ادخلْ على كره
ومشقة .
و (قوله: ((فتقاعستْ))) أي: تأخّرتْ وامتنعتْ، وقد أظهر اللَّهُ لهذا المَلِك
الجبّار الظالم من الآيات والبيّنات ما يدلُّ على القطع والثبات أن الراهبَ والغلامَ
على الدِّين الحقِّ، والمنهج الصِّدْق، لكنْ من حُرِم التوفيق استدبر الطَّريق. وفي
هذا الحديث إثباتُ كرامات الأولياء، وقد تقدَّم القولُ فيها.

٤٢٩
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها
(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها
[٢٩٢٨] عن عبدِ اللَّهِ بنِ زَمْعَةَ. قال: خطبَ رسولُ اللهِ وَّهِ، فذكر
الناقةَ، وذكر الذي عَقَرَها، فقال: ﴿إِذِ أَنْبَعَثَ أَشْقَنَهَا﴾ [الشمس: ١٢]
انبعثَ بها رجلٌ عزيزٌ عارمٌ مَنِيعٌ في رَهْطِهِ؛ مثل أبي زمعة)) ثم ذكر النساءَ،
فوعظ فيهنَّ، ثم قال: ((إلامَ يجلدُ أحدُكُم امرأتَه؟».
(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها
(قوله: ﴿إِذِ أَنْبَعَثَ أَشْقَنْهَا﴾ أي: قام مُسْرِعاً. وضميرُ المؤنث عائدٌ على
ثمود، وهي مؤنثةٌ؛ لأنها قُصِد بها قصد قبيلة؛ ولذلك مع التعريف لم تُصرف.
والعزيز: القليل المثل، ويكون بمعنى: الغالب. والعارم: الجبَّار الصَّعب على من
يرومه، والممتنع بسلطانه وعشيرته. وأبو زمعة هذا يحتملُ أن يكون هو الذي قال
فيه أبو عمر: أنه بلويٌّ، صحابي، ممن بايع تحت الشَّجرة، وتوفي بإفريقية في
غزاة معاوية بن خديج الأولى، ودُفِن بالبلويَّة بالقيروان.
قلتُ: فإن كان هو هذا؛ فإنه إنما شبَّهه بعاقر الناقة في أنه عزيزٌ في قومه،
ومنيعٌ على مَن يريده من أهل الكفر. ويُحتملُ أن يريدَ به غيره ممن يسمَّى بأبي زمعة
٢٣ - ٢٤]، قاله ابنُ إسحاق وغيره.
و (قوله: ((إلام يَجْلِدُ أحدُكم امرأتَهَ جَلْدَ العبد؟!») هذا إنكارٌ على من يجلدُ النهي عن سوء
مُ المعاشرة
زوجته، ويُكْثِرِ من ذلك حتى يعامِلَها معاملةَ الأَمَة، ثم إنه بعد ذلك بالیسیر یرجعُ
الزوجية
إلى مُضاجعتها، وإلى قضاء شهوته منها، فلا تُطاوعه، ولا تتحسَّنُ له، وقد
تبغضه، وقد يكون هو يحبُّها، فيفسد حاله، ويتفاقهم أمرُهما، وتزول الرحمةُ
والمودَّةُ التي جعلها اللَّهُ تعالى بين الأزواج، ويحصل نقيضُها، فنبَّهِ وَّه بهذا اللَّفظ
الوجيز على ما يطرأ من ذلك من المفاسد.

٤٣٠
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٦) ومن سورة الليل
وفي روايةٍ: ((جَلْدَ العبدِ، ولعلّه يُضَاجِعُها من آخرِ يومه)). ثم وعظَهُم
في ضحِكهم من الضَّرْطَةِ، فقال: ((إلامَ يضحكُ أحدُكم مما يَفْعَلُ؟)).
رواه أحمد (١٧/٤)، والبخاريّ (٣٣٧٧)، ومسلم (٢٨٥٥)،
والترمذيّ (٣٣٤٣)، وابن ماجه (١٩٨٣).
(٣٦) ومن سورة الليل
[٢٩٢٩] عن عَلْقَمَةَ، قال: قَدِمْنَا الشامَ، فأتانا أبو الدرداء، فقال:
أفيكُم أحدٌ يقرأ عليَّ قراءة عبد اللّهِ؟! فقلت: نعم، أنا! قال: فكيف
سمعتَ عبدَ اللَّهِ يقرأ هذه الآية؟: ﴿وَأَِّلِ إِذَا يَغْنَى﴾ [الليل: ١]؟ قال: سمعتُه
يقرأُ: والليلِ إذا يَغْشَى، والذكر والأنثى قال: وأنا واللَّهِ! هكذا سمعتُ
و (قوله: ثم وَعَظَهم في ضحكم من الضَّرطة) أي: نَهاهم وزجرهم عن
ذلك؛ لأنه فِعْلٌ عاديٌّ يستوي فيه الناسُ كلُّهم؛ وإن كان ممَّا يُستقبح، فحثُّ
الإنسان أن يستترَ به؛ فإن غلبه بحيث يسمعه أحدٌ فلا يضحك منه، فإنه يتأذَّى
الفاعلُ بذلك، ويخجل منه، وأذى المسلم حرام، فالضحكُ من الضَّرطة حرام.
(٣٦) ومن سورة والليل إذا يغشى
قراءة عبد الله بن مسعود، وأبي الدَّرداء - رضي الله عنهما - (والذكر والأنثى)
ليستْ قرآناً، هكذا بإجماع الصَّحابة والمسلمين بَعْدَهم واتّفاق المصاحف على
خلافها، وأنَّ القراءةَ المتواترة: ﴿ وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثََّ﴾ وبقي عبدُالله وأبو
الدرداء على ما سمعاه، وأبيا أن يقراً على قراءة الجماعة. وعليهما في ذلك
إشكالٌ، وعلى قراءتهما يكون الذكر: هو آدم، والأنثى: حواء، وهو المُقْسَم

٤٣١
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٧) ومن سورة الضحى
رسولَ الله ◌َهُ يقرؤُها، ولكن هؤلاء يُريدون أن أقرأ: ﴿وَمَا خَلَقَ ﴾
[الليل: ٣] فلا أتابِعُهُم !.
رواه أحمد (٤٥١/٦)، والبخاريُّ (٤٩٤٣)، ومسلم (٨٢٤)
(٢٨٢)، والترمذي (٢٩٣٩).
(٣٧) ومن سورة الضحى
[٢٩٣٠] عن جندب بنِ سُفْيان، قال: أبطأ جبريلُ عن
رسول الله ◌َطاهر، فقال المشركون: قد وُدِّع محمّد، فأنزل الله عز وجل:
بهما، وعلى قراءة الجماعة: المُقْسَم به: ما خلق، وهو بمعنى الذي، ويعني به
الخالق. وقد قيل: يعني بذلك المصدر، فكأنَّه قال: وخَلْق الذكر والأنثى، وعلى
هذا فيكون الذكرُ والأنثى يُراد به النوعُ كلُّه، والله تعالى أعلم.
(٣٧) ومن سورة والضحى
(قوله: أبطأ جبريلُ - عليه السلام - عن رسول الله * فقال المشركون: قد
وُدِّع محمد) هذا إنما كان بمكة في أول الإسلام، وذلك أنَّ المشركين سألوا
رسولَ الله ◌َ﴿ عن الخَضِر، وذي القرنين، والروح، فوعدهم بالجواب إلى غد،
ولم يستثنٍ، فأبطأ عليه جبريلُ. قيل: اثنتي عشرة ليلة، وقيل أكثر من ذلك، حتى
ضاق صَدْرُ النبيِّ وَّر، وقال المشركون ذلك القول، فعند ذلك نزل عليه جبريلُ
- عليه السلام - بهذه السورة، وبجواب ما سألوا عنه، وقال له: ﴿وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْء
إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَأْ * إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، قاله ابنُ إسحاق وغيره.

٤٣٢
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٧) ومن سورة الضحى
﴿وَالضُّحَى * وَاَلَّيْلِ إِذَا سَجَى *مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ -٣].
رواه مسلم في الجهاد (١٧٩٧) (١٤).
[٢٩٣١] وعنه؛ قال: اشتكى رسولُ اللهِ ◌ّهِ، فلم يَقُمْ ليلتينِ، أو
ثلاثاً، فجاءته امرأةٌ فقالتْ: يا محمّد! إنِّي لَأَرجو أن يكونَ شيطانُك قد
تركَّكَ! ولم أره قَرِبَكَ منذ ليلتين أو ثلاثٍ! قال: فأنزل الله عز وجل:
﴿وَالضُّحَى * وَأَّيْلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ [الضحى: ١ -٣].
رواه البخاريُّ (١١٢٤)، ومسلم (١٧٩٧) (١١٥)، والترمذيُّ
(٣٣٤٥).
و (قول جندب في الرواية الأخرى: إنها نزلت جواباً لمن قالت: تركه
شيطانُه). لا يعارضُ بما قاله ابن إسحاق؛ إذ يجوزُ أن تكون نزلتْ جواباً لذينك
الشيئين، وجواباً لمن قال ذلك كائناً مَن كان. وقد تقدَّم أنَّ الضحى: صَدْرُ النهار.
وسجى: أقبل ظلامه. وما ودَّعك - مشدداً -: هي القراءةُ المتواترة. أي: ما تركك
تَرْك مودّع. وقراءة ابن أبي عبلة: وَدَعك - مخففاً - على الأصل المرفوض كما
قدَّمناه، وذلك أنَّ العربَ أماتت ماضيه واسم فاعله، وصيغة مفاضلته، استغناء عنه
بـ (ترك)، وقد نُطِقَ بذلك قليلاً. والقِلى: البغض.

٤٣٣
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك
(٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك
[٢٩٣٢] عن أبي هريرة، قال: قال أبو جهلٍ: هل يُعفِّر محمدٌ
وَجْهَه بين أظهرِكم؟ قال: فقيل: نعم. فقال: واللاتِ والعزّى! لئنْ رأيتُه
يفعل ذلك لأَطَأَنّ على رَقَبِهِ! أو لأعفرنَّ وَجْهَه بالتّراب! قال: فأتى
رسولَ اللهِ ◌ّه، وهو يُصَلِّي. زعم لِيَطأ على رقبته. قال: فما فجئهم منه إلا
وهو يُنْكِصُ على عقبيه ويتَِّي بيديه! قال: فقيل له: مَا لَكَ!؟ فقال: إنَّ
بيني وبينه لخندقاً من نارٍ، وهولاً وأجنحةً! فقال رسول الله وَظله: ((لو دنا
(٣٨) ومن سورة اقرأ
تَعْفِيرُ الوجه: تَتْرِيْبُه. وينكصُ على عقبيه: يرجع القهقرى وراءه.
و (قوله تعالى: ﴿أَقْرَأْ بِأَسْمِ رَّكَ﴾ [العلق: ١]) أي: اذكر اسم ربك بالتوحيد
والتعظيم. والباء صِلة. قاله أبو عبيدة، وقيل عنه: الاسم صِلة. أي: بعونه
وتوفيقه، وأشبه منهما أن يقال: إنَّ معناه: ابْتَدِىء القراءة ببركة اسم ربِّك وعَونِه،
وخلق: أي: آدم - عليه السلام - من تُراب. وخَلَق الإنسانَ من عَلَق: يعني ولده،
والعَلَق: الدم. جمع علقة، وسُمِّيت بذلك لتعلُّقها بما مرَّت عليه، وأنشدوا:
تَرَكْناهُ يَخِرُّ على يديه يَمُجُّ عَلَيْهِما عَلَقَ الوَّبِينِ
واقرأ الثاني: توكيدٌ للأول لفظيٌّ، ولذلك حَسُنَ الوقفُ عليه. وربك
الأكرم، وهو مرفوعٌ بالابتداء، وخبره: علَّم الإنسان ما لم يَعْلَمْ؛ قيل: آدم
- عليه السلام - علَّمه الأسماء كلَّها. وقال قتادة: هي للجنس، أي: الخطّ.
قلتُ: (ما) لإبهامها للعموم؛ إذ اللَّهُ تعالى علَّم كلَّ واحدٍ من نوعِ الإنسان ما
لم يكن يَعْلم، لكن الامتنان إنما يحصلُ بالعلوم النافعةِ لا غير، فهيَ المقصودةُ
بهذا العموم، والله أعلم.

٤٣٤
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك
مِنِّي لاختطفتهُ الملائِكةُ عُضْواً عُضْواً). قال: فأنزل اللَّهُ عزَّ وجلَّ: لا ندري
في حديثٍ أبي هريرة، أو شيءٌ بلغه: ﴿كَّ إِنَّ الْإِنْسَنَ لَطْفَقَ﴾ إلى ﴿أَرَيْتَ إِن
كَذَّبَ وَقَوَلََّ﴾. يعني أبا جهل ﴿أَلََّم ◌َنَّ اللَّهَ يَرَ كََّ لَيِنْ أَرْ بَهِ﴾ إلى قوله ﴿سَنَدْعُ
الزَّبَانِيَةَ * كَلَا لَا نُطِعْهُ﴾ [العلق: ٦ -١٩]، وقال: وأمره بما أمره.
وقد تقدَّم: أن أول ما نزل من القرآن مِن أول هذه السُّورة إلى آخر هذه
الآية، ثم بعد آمادٍ نزل قوله: ﴿كََّ إِنَّ الْإِنِسَنَ لَيْنَ﴾ [العلق: ٦] فهذا نمطٌ آخرُ افتتحَ
الكلام به، ولذلك قال أبو حاتم: إن (كلّ) هنا بمعنى أَلَا التي للاستفتاح. وقال
الفرّاء: إنها تكذيبٌ للمشركين. وقول أبي حاتم أولى. والإنسانُ هنا: أبو جهل.
و (ليطغى) أي: تكبّر وارتفع حتى تجاوز المقدارَ والحدَّ. و (أن رآه استغنى) أي:
مِن أجل استغنائه بماله، وشدّته، وعشيرته، وعلى هذا فالضميرُ عائدٌ إلى
أبي جهل، أعني: الضَّمير في (رآه). وقيل: هو عائدٌ على محمد قوَِّ؛ أي: أنَّ
أبا جهل طَغَى، وتجاوزَ الحدَّ في حَسَده لمحمد ◌ِّر، من أن استغنى محمدٌ وَلّ
بربه، وبما منحه مِن فَضْله عن كلِّ أحدٍ من جميع خَلْقِهِ .
و (قوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّعْمَ﴾ [العلق: ٨] أي: الرُّجوع إليه يوم القيامة،
فيجازي كُلّاً بفعله.
و (قوله: ﴿أَرَدَّيْتَ الَّذِى يَنْعَىِّ * عَبْدًا إِذَا صَلَّى﴾ [العلق: ٩ -١٠]) يعني به:
أبا جهل، نهى رسولَ اللهِوَ ل﴿ عن أن يُصَلِّي، وقال ما ذكره في الحديث، و (أرأيت)
هذه فيها معنى التعجب، فكأنَّه قال: اعجب من هذا الجاهل الضَّعيف العقل، كيف
ينهى عن عبادة الله تعالى مثلَ محمد ◌ِل﴾.
و (قوله: ﴿أَرَوَيْتَ إِن كَانَ عَلَى الْمُدَ * أَوْ أَمَرَ بِلتَّقْوَ﴾ [العلق: ١١ -١٢]) قيل: هو
خطابٌ لأبي جهل، وهو خطابُ توبيخ له، واحتجاج عليه، فكأنه قال: أخبرني
أيها المنّاع لمحمد من العبادة إن كان محمد على الهدى، أو أمر بالتقوى، فصددته

٤٣٥
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك
في روايةٍ: ﴿ فَلَدُ نَادِیَهُ﴾ يعني: قومه.
رواه أحمد (٣٧٠/٢)، ومسلم (٢٧٩٧)، والنسائي في الكبرى
(١١٦٨٣).
عن ذلك، ألم تعلم أن اللَّهَ يراك، وهو قدير على أَخْذك ومعاقبتك؟! وقيل: جوابه
محذوف، تقديره: ألست تستحقُّ مِن الله النكالَ والعِقاب؟ ثم أَخَذ بعد هذا في
تهدیده ووعيده، فقال: (كلا)! أي: ويلٌ له وهلاك.
و (قوله: ﴿لَبِن ◌َّْ بَِّ لَتَشْفَمَّا بِالنَّاصِيَةِ﴾ [العلق: ١٥]) هذا قسمٌ من الله تعالى على
تعذيبه، وإهلاكه إن لم يُؤْمِن. ومعنى: ﴿لنسفعاً﴾: لنأخذن، ولنجذبن.
والناصية: شعر مقدم الرأس، وهذا الوعيدُ مثل قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ
فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَصِى وَالْأَقْنَاءِ﴾ [الرحمن: ٤١]. ثم وصف ناصيته بأنها كاذبة خاطئة،
والمقصود: صاحبها.
و (قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ﴾ [العلق: ١٧]) أي: إذا أخذناه، فلينتصر بأهل
مجلسه إن صحَّ له ذلك. والنادي: المجلس، وأراد به أهلَ ناديه، ويقال عليهم:
الندي.
و (قوله: ﴿سَنَدْعُ الزََّانِيَةَ﴾ [العلق: ١٨]) أي: لِتعذيبه، وهم خزنةُ النَّارِ
الموّلون بتعذيب الكفّار، وهم الملائكةُ الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَيْهَا مَلَئِكَةُ غِلَاظٌ
شِدَادٌ لَّا يَعْصُونَ اَللَّهَ مَّا أَمَّرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم: ٦] وسُمُّوا زبانيةً من
الزّبن، وهو الدفعُ؛ لشِدَّة دَفْعِهم وبطشهم. قال الشاعر:
زَبَانِيَةٌ غُلْبٌ عِظامٌ كُلُومُها (١)
(١) هذا عجز بيتٍ، وصدره:
مَطَاعِيمُ في القُصْوَى مَطَاعِينُ في الوَغَى

٤٣٦
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٩) ومن سورة النصر
(٣٩) ومن سورة النصر
[٢٩٣٣] عن عبد الله بن عُتْبَة، قال: قال لي ابنُ عباس: تعلمُ آخرَ
سورةٍ من القرآن نزلت جميعاً؟ قلتُ: نعم: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ اَللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾
[الفتح: ١]. قال: صدقت.
وفي روايةٍ: تعلم أيّ سورةٍ ولم يقل: آخر.
رواه مسلم (٣٠٢٤).
و (قوله: ﴿كَلَّا لَا نُطِعْهُ﴾ [العلق: ١٩]) تأكيدُ زجرٍ لأبي جهل، ونهي
لمحمد ◌َ﴿ عن طاعته في ترك الصَّلاة، وفيما يأمرُ به، وينهى عنه. و(اسجدْ
واقترب) أي: صَلِّ لله، وتقرَّب إليه بعبادته، وأفعال البِرِّ، وقد تكلَّمنا على سجود
القرآن في كتاب الصلاة.
(٣٩) ومن سورة النَّصر
نصرُ الله: عَوْتُهُ على إظهار نبيّه وَ ﴿ على قُريش وغيرهم. والفتح: فتح مكة،
كما فسَّره النبيُّ وَّه في حديث عائشة - رضي الله عنها - ولا يُلتفت لما قيل في ذلك
ممَّا يُخالِفُه. والأفواج: الزمر. يعني: زمرة بعد زمرة، وهذا كان بعد فتح مكة،
فإنَّ أهلَ مكة كانوا عظماءَ العرب وقادتَهم، ومكة بيت الله تعالى، فتوقفتِ العربُ
في إسلامها على أهل مكة ينظرون ما يفعلون، فلما فتح اللَّهُ تعالى مكةً على
نبيّه ◌َ﴿ وأسلم أهلُها، أصفقت العربُ على الدخول في الإسلام، وهَجَرت
الأوثان، وعطَّلت الأزلام، وحَصَل التَّمام، وكَمُل الإنعام، فوجبَ الشُّكْرُ لهذا
المنعِم الكريم، واستغفار هذا المولى الرحيم، لا سيما وقد أفصحَ خطاباً: ﴿فَسَيِّحْ
مُحَمْدِ رَبِّكَ وَأَسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣]. أي: قُلْ يا محمد! سبحان
الله وبحمده، وأستغفر اللَّهَ، وأتوبُ إليه. فكان وَلَه يُكْثِرِ من قول ذلك شُكراً

٤٣٧
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٩) ومن سورة النصر
[٢٩٣٤] وعن عائشة، قالت: كان رسولُ الله ◌َّفِ يكثر من قول:
((سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه)). فقلت: يا رسول الله! أراك
تكثر من قول: ((سبحان الله وبحمده، أستغفر اللَّهَ وأتوب إليه؟))، فقال:
((خبّرني ربِّي: أنّي سأرى علامةً في أمَّتي، فإذا رأيتُها أكثرتُ من قولِ:
لله تعالى، وامتثالاً لما أُمِر به هنالك. وقد تقدَّم: أنَّ عمر بن الخطاب، وعبد الله بن
عباس - رضي الله عنهم - فَهِما من هذه السُّورة: أنَّ الله تعالى نَعَى لنبيِّنا محمد وَّ
نفسه، و کذلك فهمه أبو بكر - رضي الله عنه -. وقال ابنُ عمر - رضي الله عنهما -:
نزلتْ هذه السُّورةُ بمنى في حَجَّة الوداعِ، ثم نزلتْ: ﴿ اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَّكُمْ دِينَكُمْ وَأَنْتُ
عَلَيْكُمْ نِعْمَتِى﴾ [المائدة: ٣] فعاش بعدها النبيُّ ◌َ له ثمانين يوماً، ثم نزلتْ آيةُ
الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوماً، ثم نزل: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُوكُ مِّنْ
أَنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨] فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوماً، ثم نزلت: ﴿ وَأَثَّقُوا
يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٨١] فعاش بعدها أحداً وعشرين يوماً. وقال
مقاتل: سبعة أيام. إنه كان تواباً على النَّادمين - وإن کثروا - ومحَّاءً ذنوبَ
الخطّائين إذا استغفروا.
نسأل(١) اللَّهَ العظيمَ الكريمَ أن يُلْهِمنا النَّدَم الذي هو أعظمُ أركان التوبة، وأن
يمحوَ ذنوبنا، ويُلْهِمنا الاستغفارَ الموجبَ لذلك إن شاء الله تعالى.
#
#
تم الجزءُ الرابعُ من كتاب ((المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم))
وبتمامه يتمُّ جميعُ الديوان، والله المستعان، وذلك في شهر شوال سنة أربع
وعشرين وسبعمئة علی ید الفقير إلى الله تعالی محمد بن عیسی بن محمد بن رزيك
الشافعي مذهباً، الغسّاني نسباً، رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة وسائر
المسلمين(١).
(١) هذا خاتمة (ع).

٤٣٨
(٤٢) كتاب التفسير - (٣٩) ومن سورة النصر
سبحانَ اللَّهِ وبحمده! أستغفرُ الله وأتوبُ إليه! فقد رأيتُها: ﴿ إِذَا جَآءَ نَصْرُ
اللَّهِ وَاَلْفَتْحُ﴾، فتح مكة. ﴿وَرَأَيْنَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِ دِينِ اَللَّهِ
أَفْوَاجًا ... ﴾ إلى آخرها [النصر: ١ - ٣].
رواه البخاريّ (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤) (٢٢٠).
تم هذا الكتاب الشريف
وهو تلخیص کتاب مسلم، وهو آخر الکتاب
الحمد لله حقَّ حَمْدِه
وصلواتُه على سيدنا محمد، وآله، وأصحابه، وسلامه
وكان الفراغ منه
في الثامن من شهر شعبان المكرّم سنة سبع وثلاثين وستمئة

فهرس الموضوعات
الموضوع
الصفحة
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات .
٥
(١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالی.
٥
(٢) باب: فضل مجالس الذكر والاستغفار
١١
(٣) باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى .
١٤
(٤) باب: فضل قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له
١٩
(٥) باب: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير
٢٢
(٦) باب: يذكر الله تعالى بوقار وتعظيم، وفضل لا حول ولا قوة إلا بالله
٢٥
(٧) باب: تجديد الاستغفار والتوبة في اليوم مئة مرة
٢٦
(٨) باب: ليحقّق الداعي طلبته ولیعزم في دعائه
٢٩
٣٠
(٩) باب: في أكثر ما كان يدعو به النبي ◌َّآر
(١٠) باب: ما يُدعى به وما یتعوّذ منه
٣٢
(١١) باب: ما يقول إذا نزل منزلاً وإذا أمسى.
٣٦
(١٢) باب: ما يقول عند النوم، وأَخْذ المضجع، وما بعد ذلك
٣٧
(١٣) باب: مجموعة أدعية کان النبي ټټ يدعو بها
٤٥
(١٤) باب: ما يقال عند الصباح وعند المساء
٥١
(١٥) باب: كثرة ثواب الدعوات الجوامع، وما جاء في أن الداعي يستحضر
٥٢
معاني دعواته في قلبه
(١٦) باب: التسلي عند الفاقات بالأذكار، وما يُدعى به عند الكرب
٥٤
(١٧) باب: ما يُقال عند صراخ الديكة ونهيق الحمير .
٥٧
(١٨) باب: أحب الكلام إلى الله تعالى.
٥٨
٤٣٩

الموضوع
الصفحة
(١٩) باب: ما يُقال عند الأكل والشرب والدعاء للمسلم بظهر الغيب
٦٠
(٢٠) باب: يُستجاب للعبد ما لم يعجل أو يدعو بإثم.
٦٢
(٢١) باب: الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
٦٤
(٢٢) باب: فضل الدوام على الذكر
٦٦
(٣٨) كتاب الرقاق
٦٩
(١) باب: وجوب التوبة وفضلها
٦٩
(٢) باب: ما يُخاف من عقاب الله على المعاصي
٧٤
(٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى وسعة رحمته
٧٩
(٤) باب: من عاد إلى الذنب فَلْيَعُدْ إلى الاستغفار.
٨٥
(٥) باب: في قوله تعالى: ﴿إن الحسنات يذهبن السيئات﴾
٨٧
(٦) باب: لا ييأس من قبول التوبة ولا قتل مئة نفس
٨٩
(٧) باب: يهجر من ظهرت معصيته حتى تتحقق توبته، وقبول الله تعالى للتوبة
الصادقة، وكيف تكون أحوال التائب .
(٨) باب: تقبل التوبة ما لم تطلع الشمس من مغربها
(٣٩) کتاب الزهد
٩٤
١٠٥
١٠٧
(١) باب: هوان الدنيا على الله تعالى، وأنها سجنُ المؤمن
(٢) باب: ما للعبد من ماله، وما الذي يبقى عليه في قبره
١٠٧
(٤) باب: لا تنظر إلى مَن فضّل اللهُ عليك في الدنيا، وانظرْ إلى من فُضِّلْتَ عليه
١١٥
(٥) باب: في الابتلاء بالدنيا، وكيف يُعمل فيها
(٦) باب: الخمول في الدنيا والتقلل منها .
١١٩
(٧) باب: التزهيد في الدنيا، والاجتزاء في الملبس والمطعم باليسير الخشن ..
١٢٢
(٨) باب: ما الدنيا في الآخرة إلا كما يُجعل الإصبعُ في اليم، وما جاء: أن
المؤمن فیه کخامة الزرع
١٢٥
(٩) باب: شدّة عيش النبي وَ﴿، وقوله: ((اللهم اجعلْ رزق آل محمد كفافاً)) ..
١٢٧
٤٤٠
(٣) باب: ما يحذر من بسط الدنيا، ومن التنافس
١١٦
١١٠
١١٢