Indexed OCR Text
Pages 301-320
٣٠١ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق (١٧) باب کیف یکون انقراض هذا الخلق وتقريب الساعة وكم بين النفختين [٢٨٣٦] عن عبد الله بن عمرو، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تُحَدِّث به؟ تقول: إنَّ الساعة تقوم إلى كذا وكذا. فقال: سبحان الله! - أو: لا إله إلا الله، أو كلمةً نحوهما - لقد هممتُ ألا أحدِّث أحداً شيئاً أبداً! إنَّما قلت: إنَّكم سترون بعد قليلٍ أمراً عظيماً، يُحرَّق البيتُ، ويكون، لا يتمادى، ولا يُقرّ على شيء من ذلك؛ بل: يُرشد إلى التحقيق، ويُسلك به سواءً الطريق. والحاصل من هذا: أنه* ظنَّ أن الدَّجَّال المذكور في بحر الشام؛ لأن تميماً إنما ركبَ في بحر الشام، ثم عرضَ له أنَّه في بحر اليمن؛ لأنه يتصلُ ببحر متصل ببحر اليمن، فيجوز ذلك. ثم أطلعه العليم الخبير على تحقيق ذلك فحقَّقَ، وأكَّدَ. وتاهت السفينة: صارت على غير اهتداء. والتيه: الحيرة. والرُّواق: سقف في مُقدَّم البيت، ويُجمع في القِلَّة: أروقة، وفي الكثرة: روقاً. (١٧) ومن باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق (قوله: لقد هممت ألا أُحَدِّث أحداً شيئاً أبداً) إنما قال ذلك؛ لأنهم نسبوا إليه ما لم يقل، فشقَّ ذلك عليه، ثم إنَّه لما علمَ أنه لا يجوز له ذلك، ذكرَ ما عنده من علم ذلك. و (قوله: يُحرَّقُ البيتُ) قد كان ذلك في عهد ابن الزبير، وذلك أن يزيد بن معاوية وجَّه من الشام مسلمَ بن عُقبة المدنيّ في جيش عظيم لقتال ابن الزبير، فنزلَ بالمدينة، وقاتلَ أهلَها، وهزمَهم، وأباحها ثلاثة أيّام، وهي وَقْعَةُ الحَرَّةِ، وقد قدَّمنا ذكرها ثم سارَ يُريد مَكَّة، فمات بقُدَيْد، ووليَ الجيشَ الحُصَينُ بن نمير، وسارَ إلى ٣٠٢ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق ويكونُ .... ثم قال: قال رسول الله وَله: ((يخرجُ الدَّجالُ في أمتي، فيمكُثُ أربعين - لا أدري أربعين يوماً، أو أربعين شهراً، أو أربعين عاماً - ((فيبعث الله عيسى ابن مريمُ كأنَّه عروةُ بنُ مسعودٍ، فيطلُبُه فيُهْلِكُهُ. ثم يمكث الناس سبع سنين. ليس بين اثنين عداوةٌ. ثُمَّ يرسلُ الله ريحاً باردةً من قِبَل الشَّامِ، فلا يبقى على وجهِ الأرضِ أحدٌ في قلبِهِ مثقال ذرٍّ من خیرِ أو إيمانٍ إلاَ قَبَضته، حتى لو أنَّ أحدكم دخل في كَبِد جَبلٍ لدخَلَتْهُ عليه حتى تَقْبِضَهُ!)). قال: سمعتُها من رسول الله وَّرِ قال: ((فيبقى شِرارُ الناسِ في خِفةِ الطَّرِ، وأحلام السِّباع، لا يعرفُون معروفاً، ولا ينكرُون مُنْكَراً، فيتمثلُ لهم الشَّيطانُ، فيقولُ: ألا تستجيبونَ؟! فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمُرُهُم بعبادة الأوثانِ، وهم في ذلك دارٌّ رِزْقُهُمْ، حَسَنٌ عَيْشُهم، ثم ينفَح في الصُّورِ فلا يسمعُه أحدٌ إلا أصغَى لِيتاً، ورَفَعَ لِيتاً)). قال: ((وأوّل من مَّة فحاصرَ ابن الزبير، وأُحرقتِ الكعبةُ حتى انهدمَ جدارها، وسقط سقفها، وجاء الخبر بموت یزید فرجعوا. و (قوله: ((فيمكثُ أربعين)) لا أدري أربعينَ يوماً، أو شهراً، أو سنةً) هذا الشكّ من عبد الله بن عمرو، وقد ارتفع بالأخبار السابقة أنه أربعون يوماً على التفصيل المُتقدِّم. و (قوله: «لو أنّ أحدكم دخلَ في گَبِدٍ جبل))) کذا صحیح الرواية، ووقع في بعض النسخ: ((كبد رجل))، وهو مثل قُصد به الإغياء، وكبد الشيء: داخلُه. و (قوله: ((ويبقى شرار الناس، في خِفَّة الطير، وأحلام السباع))) أي: هم في مسارعتهم، وخِفَّتهم إلى الشرور، وقضاء الشهوات، وغلبة الأهواء، كالطير لخِفَّة طيرانه، وهم في الإفساد والعدوان كالسِّباع العادية. والصُّور: قَرْنٌ يُنفخ فيه، كما جاء في الحديث. وأصغى: أمالَ، واللِّيت: صفحةُ العُثُق، وهو جانبه. ٣٠٣ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق يسمعُهُ رجلٌ يلوط حَوْضَ إِبلِهِ)). قال: ((فيَصْعَقُ، ويَصْعَقُ الناسُ. ثم يرسل اللَّهُ - أو قال: يْزِلُ الله - مطراً كأنَّه الطَّلُّ - أو الظُّلُّ - (نُعْمان الشَّاكُ) فِتَنْبُتُ مِنْهُ أجْسَادُ النَّاسِ، ثُمَّ يُنْفَخُ فِيهِ أُخْرَى، فإذا هُمْ قِيَامٌ ينظرون. ثم يقال: يا أيها الناس! هَلُمَّ إلى ربّكم! وَقِفِوهُم إنّهم مسؤولونَ». قال: ((ثم يقال: أَخْرِجُوا بَعْثَ النارِ. فيقال: مِنْ كَمْ؟ فيقال: من كلِّ ألف، تسعمئة وتسعةً وتسعين)). قال: «فذاك يومَ يجعلُ الوالدانَ شِيباً، وذلك يوم يُكْشَفُ عن ساقٍ». و (قوله: ((كأنه الطَّلُّ، أو الظُّلُّ))) هذا شكّ، والأصحّ أنه الظُّلُّ بالطاء المهملة، لقوله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((ثم ينزلُ من السماء ماءٌ»، وفي حديث آخر: ((كَمَنِيٌّ الرجال)). وهلمُّوا؛ أي: تعالوا وأقبلوا، وقد تقدَّم أن فيها لغتين، وقد روي هنا بالوجهين: هلمُّوا، وهلمَّ. و (قوله: ((ثم يُقال أخرجوا بعثَ النَّار))) قد تقدَّم في الإيمان: أن الذي يُقال له ذلك: آدم - عليه السلام-، والجمع بينهما بأنَّ المأمورَ أولاً: آدم، وهو يأمرُ الملائكةَ بالإخراج، ومعنى الإخراج هنا بتمييز بعضهم من بعض، وإلحاق كلِّ طائفة بما أُعدَّ لها من الجنَّة أو النَّار. و (قوله: ((فذلك يومٌ يجعلُ الولدانَ شيباً») الولدان: جمع وليد، وهو الصغير. يقال عليه: من حين الولادة إلى أن يرجعَ جَفْراً. وشِيباً: جمع أشيب؛ أي: يصيرُ الصغير أشيبَ لشدَّة أهوال ذلك اليوم. وقيل: هذا على التهويل والتمثيل، كما قال أبو تمام: خُطُوبٌ تُشَيِّب (١) رَأْسَ الوَلِيدِ و (قوله: ((وذلك يومَ يُكشفُ عن ساقٍ))) معناه ومعنى ما في كتاب الله تعالى (١) في (ع): شَيْبَتْ. ٣٠٤ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق رواه أحمد (١٦٦/٢)، ومسلم (٢٩٤٠) (١١٦)، والنسائي في الكبرى (١١٦٢٩). [٢٨٣٧] عن عائشة، قالت: كانت الأعراب إذا قَدِمُوا على رسول الله ﴿ سألوه عن الساعة: متى الساعة؟ فنظر إلى أحدث إنسانٍ منهم فقال: ((إنْ يعشْ هذا؛ لم يذْرِكُه الهَرَمُ؛ قامت عليكم ساعَتُكُم)). رواه البخاريُّ (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢). من ذلك واحد، وهو عبارة عن شِدَّة الحال وصُعوبة الأمر. قاله ابن عبّاس في الآية. يُقال: كشفتِ الحربُ عن ساقها. قال الشاعر: قَدْ حَلَّتِ الحَرْبُ بِكُمْ فَجُدُّوا وكَشَفَتْ عَنْ ساتِها فَشُدُّوا وقال آخر: كَشَفَتْ لَكُمْ عَنْ سَاقِها وَبَدا مِنَ الشَّرِّ الصُّرَاحُ وأصلُه: أن المُجِدَّ في الأمر يشدُّ إزارَه، ويرفعُه عن ساقه. قال قتادة: يُقال للواقع في أمر عظيم يحتاج إلى الجِدِّ: قد كشفَ ساقَه. قال الشاعر: فِي سَنَّةٍ قَدْ كَثَفَتْ عَنْ سَاقِها حَمْرَاءُ تَبْرِي اللَّحْمَ عَنْ عُراقِها قلت: وهذا المعنى بَيِّنٌ في هذا الحديث فتأمَّلْ مَسَاقه، وعليه تُحمل الآية، ولا يُلتفت إلى غير ذلك مما قيل فيها. و (قوله: ((إن يعشْ هذا لم يُدْرِكْهُ الهَرَمُ، قامتْ عليكم ساعتُكم))) هذه الرواية: رواية واضحة حسنة، وهي المُفَسِّرَةُ لكلِّ ما يردُ في هذا المعنى من الألفاظ المشكلة، كقوله في حديث أنس - رضي الله عنه -: ((حتى تقوم الساعة))، وفي لفظ آخر: ((القيامة))، فإنه يعني به: ساعة المخاطَبين وقيامَتَهم، كما تقدَّم في تفسير الراوي، لقوله: يعني بذلك: أن ينخرمَ ذلك القَرْنُ. ٣٠٥ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق [٢٨٣٨] ومن حديث أنسٍ، قال: ((إنْ عُمِّرَ هذا، لم يذْرِكْه الهرَمُ حتَّى تقوم الساعةُ))، قال أنس: ذلك الغلام من أترابي يومئذٍ. رواه مسلم (٢٩٥٣) (١٣٨). [٢٨٣٩] وعنه؛ قال: قال رسول الله وَله: ((بُعِثْتُ أنا والساعةُ كهاتين)). قال: وضمَّ السَّبَّابة والوسطى. رواه أحمد (١٢٣/٣)، والبخاريُّ (٦٥٠٤)، ومسلم (٢٩٥١) (١٣٥)، والترمذيُّ (٢٢١٤). [٢٨٤٠] وعن أبي هريرة - يَبْلُغُ به النَّبِيَّ وَّهِ - قال: ((تقوم الساعةُ والرجلُ يحلُبُ اللَّفْحَةَ فَمَا يَصِلُ الإناءُ إلى فيه حتى تقومَ، والرجُلانِ يَتَبَايَعانِ الثوب، فما يتبايعانه حتى تقومَ، والرجلُ يَلِطَ في خَوْضِهِ، فما ـو يَصْدُرُ حتی تقوم». رواه أحمد (٣٦٩/٢)، والبخاريُّ (٦٥٠٦)، ومسلم (٢٩٥٤). و (قوله: ((بُعِثتُ أنا والسَّاعةُ كهاتين)) وضمَّ بين السَّبابة والوسطى) رويته: بعثُه آ# دليل ((أنا والسَّاعةُ)) بالضم والفتح، فالضمُّ على العطف، والفتحُ على المفعول معه، على قرب والعامل بُعثت. وكهاتين: حال، أي: مقترنين، فعلى النصب يقع التشبيه بالضم، الساعة وعلى الرفع يحتمل هذا ويحتملُ أن يقع بالتفاوت الذي بين السَّبابة والوسطى فتأمَّلْه. ويدلُّ عليه قول قتادة في بعض رواياته: ((كفضل إحداهما على الأخرى))، وحاصلُه تقريب أمر الساعة التي هي القيامة، وسرعة مجيئها، وهذا كما قال: ﴿فَقَدْ جَآءَ أَشْرَالُهَا﴾ [محمد: ١٨] قال الحسن: أوَّلُ أشراطها: محمّد ◌ِله. و (قوله: ((تقومُ الساعةُ والرجل يَخْلُبُ اللَّقحة فما يصلُ الإناء إلى فيه حتى تقوم ... الحديث))) وقد تقدَّم أن اللُّقحة: الناقة ذات اللبن. ويلوطُ حوضه، ٣٠٦ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق [٢٨٤١] وعنه؛ قال: قال رسول الله وعليه: ((ما بين النفختين أربعون)). قالوا: يا أبا هريرة! أربعون يوماً؟ قال: أَبَيْتُ! قالوا: أربعون شهراً؟ قال: أبيتُ! قالوا: أربعون سنة؟ قال: أبيتُ!)). ثم يُنْزِلُ اللَّهُ من السّماء ماءً فَيَنْبُون كما يَنْبُتُ البقلُ))، قال: ((وليس من الإنسان شيء إلا يَبْلى؛ إلا عَظْماً واحداً». ويتلوَّط في حوضه؛ أي: يُصلحُه ويطيُّه، ويُروى: يلطُّ حوضَه بمعناه، ويُقال: لاط حوضه يلوطه وهي المعروفة، ويُقال: ألاطَ حوضَه يليطه: إذا طيّنه، وحاصل هذا الحديث: أنَّ الساعةَ تقومُ بغتةً كما قال تعالى: ﴿لَا تَأْتِيَكُمْ إِلَّا بَغْنَةٌ﴾ [الأعراف: ١٨٧]. و (قوله: ((ما بين النفختين أربعون))) يعني: نفختي الصعق والبعث، يُشير إلى قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِ الصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِ السَّمَوَتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ إِلَّ مَن شَآءَ اللّهُ ثُمَّ نُفِيخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَاهُمْ قِيَامٌ يَقُلُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. و (قول أبي هريرة: أبيتُ أبيتُ، لما سُئلَ عن الأربعين ما هي) يدل على: أنه كان عنده من ذلك علم، وامتنعَ من بَثِه؛ لأنه لا ترهقُ إليه حاجة، ولا يتعلَّق به عمل، ويحتملُ أن لا يكون عنده علم من ذلك. و (قوله: أبيتُ؛ أبيتُ) يعني أبيت أن أسألَ عن ذلك النبيَّ ◌َِّ، وفيه بُعْد. و (قوله: ((ثم يُنزلُ اللَّهُ من السماء ماءً)) يعني به بعد نفخة الصَّعْق ينزل هذا الماء الذي هو كمنيّ الرجال، فتتكون فيه الأجسام بقدرة الله تعالى، وعن ذلك عبَّر بقوله: فينبتون كما ينبتُ البَقْل، فإذا تهيَّأْت الأجسام، وكملت، نُفخ في الصور نفخة البعث، فخرجتِ الأرواحُ من المحال التي هي فيها. قال بعضُهم: فتأتي كلُّ روح إلى جسده فيُحييها الله تعالى، كلُّ ذلك في لحظة، بدليل قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨]. ٣٠٧ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٧) باب: كيف يكون انقراض هذا الخلق في روايةٍ: ((لا تأكله الأرض أبداً وهو عَجْبُ الذَّنَب، ومنه يُركَّبُ الخلقُ يوم القيامة)). وفي أخرى: ((منه خُلِقَ، وفيه يُرَگَّبُ)). رواه البخاريُّ (٤٨١٤)، ومسلم (٢٩٥٥) (١٤١ و١٤٢)، وأبو داود (٤٧٤٣)، والنسائي (١١١/٤). * و (قوله: ((كلُّ ابن آدم تأكلُهُ الأرضُ))) أي: تبليه، وتُصَيِّرُهُ إلى أصله الذي هو التراب، هذا عموم مُخصَّص بقوله وَله: ((حرَّم الله تعالى على الأرض أن تأكلَ أجسادَ الأنبياء)»(١). ويقوله ﴿: ((المُؤذِّنُ المحتسبُ كالمُتشخّط في دمِه، وإن مات لم يُدَوَّدْ في قبره))(٢). وظاهر هذا: أنَّ الأرضَ لا تأكلُ أجسادَ الشهداء، والمؤذنين الأرض لا تأكل المحتسبين، وقد شوهد هذا فيمن اطُّلِعَ عليه من الشهداء، فوجدوا كما دُفنوا بعد أجساد الشهداء آماد طويلة، كما ذُكر في السِّيَر وغيرها. وعَجْبُ الذَّنب: يُقال بالباء والميم، وهو المحتسبين والمؤذنين جزءٌ لطيف في أسفل الصُّلْب، وقيل: هو رأس العُصْعُص، كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب البعث من حديث أبي سعيد الخدري، وذكر الحديث: قيل: يا رسول الله! وما هو؟ قال: ((مثلُ حبَّةً خَرْدَلٍ، ومنه تنتشرون))(٣). و (قوله: منه خُلقَ وفيه يُرَكَّب) أي: أول ما خُلق من الإنسان هو، ثم إن الله تعالی یبقیه إلى أن يُركب الخلق منه تارة أخرى. (١) رواه ابن عساكر (١٥٧/٣). (٢) رواه الطبراني في الكبير (١٣٥٥٤/١٢)، وانظره في الترغيب والترهيب (٣٧٧). (٣) رواه ابن حبان (٣١٤٠) بلفظ: (( ... منه يَنْشَأ). ٣٠٨ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٨) باب: المبادرة بالعمل الصالح والفتن (١٨) باب المبادرة بالعمل الصالح والفتن وفضل العبادة في الهرج [٢٨٤٢] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِوَ ل ◌ِ قالَ: ((بادروا بالأعمال سِتّاً: طُلُوعَ الشمس من مغربها، أو الدُّخانَ، أو الدجَّالَ، أو الدَّابّةَ، أوْ خَاصّةَ أحدِكُم، أوْ أَمْرَ العامَّة)). وفي روايةٍ: ((الدّجّالَ، والدُّخانَ، ودابّةَ الأرضِ، وطلُوعَ الشمس من (١٨ و١٩ و٢٠) ومن باب: المبادرة بالعمل الصالح الموانع والفتن (١) (قوله: ((بادِرُوا))) أي: سابقوا بالأعمال الصالحة، واغتنموا التَّمكُّنُ منها قبلَ أن يُحال بينكم وبينها بداهية من هذه الدواهي المذكورة، فيفوت العملُ للمانع، أو تعدمُ منفعته لعدم القبول، وقد تقدَّم القول على أكثر هذه الست. و (قوله: ((وخاصَّةُ أحدكم))) يعني به: الموانع التي تخصُّه مما يمنعُه العملُ، كالمرض، والكِبَر، والفقرُ المُنْسي، والغنى المُطْغِي، والعيال والأولاد، والهموم، والأنكاد، والفِتن، والمِحن إلى غير ذلك مما لا يتمكّن الإنسان مع شيءٍ منه من عمل صالح، ولا يسلمُ له، وهذا المعنى هو الذي فصَّلَه في حديث آخر حيث قال: ((اغتنم خمساً قبل خمس: شبابَك قبل هَرَمِك، وصحَّتِك قبل سُقْمِكَ، وفراغَك قبل شُغْلِكَ، وغِناكَ قبل فَقْرِكَ، وحياتَكَ قبل مَوْتِك))(٢). (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب والبابين التاليين له وهما: باب: إغراء الشيطان بالفتن. وباب: قوله ◌َ﴿: ((لتتبعنَّ سنن الذين من قبلكم ... )). (٢) رواه الحاكم (٣٠٦/٤). الحثّ على الإسراع بالأعمال الصالحة ٣٠٩ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٨) باب: المبادرة بالعمل الصالح والفتن مغربها، وأمْرَ العامةِ، وخُوَيِّصَةَ أحدِكُمْ)). رواه أحمد (٣٢٤/٢)، ومسلم (٢٩٤٧) (١٢٨ و١٢٩). [٢٨٤٣] وعن مَعْقِلٍ بن يَسارٍ، أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ قالَ: ((العبادةُ فى الهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إلَيَّ». رواه أحمد (٢٥/٥)، ومسلم (٢٩٤٨)، والترمذيُّ (٢٢٠١)، وابن ماجه (٣٩٨٥). و (قوله: ((وأمر العامَّة))) يعني: الاشتغال بهم فيما لا يتوجَّه على الإنسان بعض مفاسد فرضه؛ فإنهم يُفسدون من يقصد إصلاحَهم، ويُهلكون من يريدُ حياتهم، لا سيما العامة في مثل هذه الأزمان التي قد مَرِجَتْ فيها عهودهم وخانت أماناتهم، وغلبت عليهم الجهالاتُ والأهواء، وأعانهم الظَّلَمة والسفهاء، وعلى هذا فعلى العامل بخويِّصَةٍ نفسه، والإعراض عن أبناء جنسه إلى حلول رمسه، أعاننا الله على ذلك بفضله، وكرمه. وقد جاءت هذه الستة في إحدى الروايتين، معطوفةً بـ (أو) فيجوز أن تكونَ للتنويع، أي: اتقوا أن يصيبكم أحدُ هذه الأنواع، ويصحّ أن تكون بمعنى الواو، كما جاء في الرواية الأخرى. و (قوله: ((العبادةُ في الهَزج كهجرةٍ إليَّ)) قد تقدَّم: أنَّ الهرجَ: الاختلاط فَضْل العبادة والارتباك، ويُراد به هنا الفتن والقتل، واختلاط الناس بعضهم في بعض، في الهَرْج فالمُتمسِّك بالعبادة في ذلك الوقت، والمنقطع إليها المعتزلُ عن الناس أجرُه کأجر المُهَاجر إلى النبيِّ وَ﴿؛ لأنه يناسبُه من حيث أن المهاجرَ قد فرَّ بدينه عمن يصدُّه عنه إلى الاعتصام بالنبيِّ ◌َ﴾ وكذلك هو المنقطع للعبادة فرَّ من النَّاس بدينه إلى الاعتصام بعبادة ربِّه، فهو على التحقيق قد هاجرَ إلى ربِّه، وفرّ من جميع خلقه. ٣١٠ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (١٩) باب: إغراء الشيطان بالفتن (١٩) باب إغراء الشيطان بالفتن [٢٨٤٤] عن جابرٍ، قال: سمعتُ النَّبِيَّ وَ﴿ يقول: ((إنَّ الشَّيطان قَدْ أيس أنْ يَعْبُدَهُ المُصَلُّونَ في جزيرة العرب، ولكنْ في التَّحريش بينهم)). رواه أحمد (٣١٣/٣)، ومسلم (٢٨١٢)، والترمذيّ (١٩٣٨). [٢٨٤٥] وعنه؛ قال: سمعتُ النَّبِيَّ وَّ يقول: ((إنَّ عرش إبليس على البحر، فيبعثُ سراياه يفتنون النَّاسَ، فأعظمُهم عِنْدَه أعظمُهُم فتنةً)). وفي أخرى: ((إنّ إبليس يضعُ عرشه على الماء، ثم يبعثُ سراياه، و (قوله: ((إنَّ الشيطانَ قد يئسَ مِن أن يعبدَه المصلُّون في جزيرة العرب))) بأسُ الشيطان من أن يُعبد في يعني - والله أعلم -: أن المسلمينَ في جزيرة العرب ما أقاموا الصلاة فيها، ما دام فيها وأظهروها، لم يظهر فيها طائفة يرتدُّون عن الإسلام إلى عبادة الطواغيت والأوثان، جزيرة العرب صلاة فإذا تركوا الصَّلاة وذهبَ عنهم اسم المُصلِّين، فإذا ذلك يكونون شرارَ الخَلْقِ، وهذا إنما يتمُّ إذا قبضَ الله تعالى المؤمنينَ بالرِّيح الباردة المذكورة في حديث عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -: ((وحينئذ يتمثّلُ لهم الشيطانُ فيقولُ لهم: ألا تستحيونَ؟ فيقولون: فماذا تأمرنا؟ فيأمرُهم بعبادة الأوثان وحينئذ تضطربُ أَلَيَاتُ دَوْسٍ حول ذي الخَلَصَة، وتُعبد اللَّت والعُزَّى)). والله أعلم، وقد تقدَّم القول في جزيرة العرب. و (قوله: ((ولكن في التحريش بينهم))) أي: في الخلاف، والشرور، والعداوة، والبَغْضاء بينهم حتى تكونَ من ذلك أمثال تلك الفتن العظيمة والخطوب الجسيمة. و (قوله: ((إنَّ عرشَ إبليسَ على البحر))) أي سريرُه، يفعلُ ذلك تكبُّراً على جنوده وأحزابه، وهذا هو العرش الذي رآه ابنُ صيَّاد، كما تقدَّم. وأصلُ العرش: ٣١١ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢٠) باب: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لتتبعن ... )) فأدناهم منه منزلةً أعظمُهم فِتْنة يجيءُ أحدُهم فيقول: فعلتُ كذا وكذا. فيقولُ: ما صنعتَ شيئاً! ثم يجيء أحدُهم، فيقولُ: ما تركتُهُ حتى فَرَّقْتُ بينه وبين امرأته! قال: فيُدْنِيه منه، ويقولُ: نِعْمَ أنت! قال الأعمش: أُراه قال: ((فیلتزمُه). رواه مسلم (٢٨١٣) (٦٦ و ٦٧). * (٢٠) باب في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لتتبعن سنن الذين من قبلكم، وهلك المتنطعون)) آخر الفتن [٢٨٤٦] عن أبي سعيد الخُدْرِيِّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لَتَتَّبِعُنَّ سَنَنَ الذين من قبلكم شِبْراً بشبرٍ، وذِراعاً بذراعٍ؛ حتى لو دخلوا جُخْر ضَبٍّ الرفع. ومنه قوله: ﴿وَهُوَ اَلَّذِىّ أَنْشَأَ جَنَّتٍ مَّعْرُوشَتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَتٍ ﴾ [الأنعام: ١٤١] أي: منها ما هو مرفوع على ساق وهي الشجر، ومنها ما ليس كذلك، وهو النَّجم. و (قوله: ((فيُدنيه، ويلتزمُه، ويقولُ: نعم أنتَ))) كذا وجدته مقيّداً في أصل الشيخ أبي الصبر؛ أي: يقربه منه، ويُعانقه، ويمدحه بـ (نعم) التي للمحمدة، وقد أُضمر فاعلها للعلم به من غير شرط، تقديرُه: نعم الحبيب، أو الوليُّ أنتَ. وهذا الإضمار شاذٌّ؛ لأنه لا يجوز إلا إذا فُسِّر بنكرة منصوبة على التمييز، كما هو المعروف في النحو، ومن قال: إن (نعم) هنا حرف جواب، فليس على صواب إذا ليس في الكلام سؤال يقتضيه، ولا معنى يُناسبه. و (قوله: ((التَّعُنَّ سُنَنَ الذين مِنْ قبلكم))) يروى سُنن بضم السين وبفتحها، ٣١٢ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢٠) باب: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لتبعن ... )) لا تّبعتُمُوهم!)). قلنا: يا رسولَ الله! آليهودُ والنَّصارى؟ قال: ((فمن؟)). رواه أحمد (٨٤/٣)، والبخاريّ (٣٤٥٦)، ومسلم (٢٦٦٩). [٢٨٤٧] وعن عبد الله، قال: قال رسول الله وَله: ((هلك المُتَتَطَّعُونَ - قالها ثلاثاً -)). رواه مسلم (٢٦٧٠)، وأبو داود (٤٦٠٨). [٢٨٤٨] وعن أسامة بن زيد، قال: قال رسول الله وَله: ((ما تركتُ بعدي فتنةً، هي أضرُّ على الرِّجال من النِّساء)). رواه أحمد (٢٠٠/٥)، والبخاريّ (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، والترمذيّ (٢٧٨٠). [٢٨٤٩] وعن أبي سعيد الخدريِّ، عن النَّبيِّ وَّ قال: ((إنَّ الدنيا حلوةٌ خَضِرةٌ. وإنّ الله مستخلفُگُم فيها، فينظر كيف تعملون؟ فبالضم: جمع سُنَّة، وهي: الطريقة المسلوكة، وبالفتح: هو اسم للطريق. والضَّبُّ: حِرْذَون الصحراء. والمُتنطعون: المتعمِّقون والغالون، وقد تقدَّم القول في هذا الحديث. و (قوله: ((إنَّ الدنيا حلوة خَضِرة))) أي: مستطابة في ذوقها، مُعْجِبة في منظرها كالثمر المُسْتَخْلى، المعجب المَزْأى. و (قوله: ((إنَّ اللَّهَ مستخلَفكم فيها)) أي: جعلكم فيها خلفاً ممن كان قبلكم؛ فإنها لم تصل إلى قوم إلا بعد ذهاب آخرين. و (قوله: ((فينظرُ كيف تعملون))) أي: يُبصر أعمالَكم فيجازي كُلّ بعمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشرٌ. ٣١٣ (٤١) كتاب الفتن وأشراط الساعة - (٢٠) باب: في قوله عليه الصلاة والسلام: ((لتتبعن ... )) فاتقوا النَّار، واتَّقُوا النِّساء، فإنَّ أول فتنة بني إسرائيل كانت في النِّساء)). رواه أحمد (١٩/٣)، ومسلم (٢٧٤٢)، والترمذيّ (٢١٩١)، وابن ماجه (٤٠٠٠). [٢٨٥٠] وعن عبد الله بن مسعودٍ، عن النَّبِيِّ نَّ قال: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الخلق)). رواه أحمد (٣٩٤/١)، ومسلم (٢٩٤٩). # و (قوله: ((فاتَّقُوا النَّارَ، واتَّقُوا النّساء))) أي: احذروا الأعمال المقرَّبة من التحذير من النار، واحذروا فتنةَ النساء، فإنهنَّ أوَّلُ فتنة بني إسرائيل، وفتنتهُنَّ على الرجال النار وفتنة أشدُّ كلِّ فتنة، والمِحنةُ بهنَّ: أعظم كلٌّ مِحنة؛ لأن النفوسَ مجبولةٌ على الميل النساء إليهنَّ، وعلى اتِّباع أهوائهنَّ مع نقص عقولهنَّ، وفساد آرائهن، ومَن مَلَّكَ قِيَادَهُ سفیةٌ ناقصٌ فجَدُّه نَاكِصٌ. ٣١٤ (٤٢) كتاب التفسير - (١) باب: من فاتحة الكتاب (٤٢) كتاب التفسير (١) باب من فاتحة الكتاب وقد تقدم في كتاب الصلاة من حديث أبي هريرة قوله تعالى: («قسمت الصَّلاة بيني وبين عبدي نصفین)). انظر صحيح مسلم (٣٩٥) (٣٨). * (٤٢) كتاب التفسير وهو مصدر فسَّر يفسّر: إذا كشف المراد وبيَّته، وأصله من الفسر، وهو البيان. يقال: فسرت الشيء أفسِره - بالكسر - فسراً. والتأويل: صَرْفُ الكلام إلى ما يؤولُ إليه من المعنى، مِن آل إلى كذا: إذا رجع إليه. وقد حدَّه الفقهاءُ فقالوا: هو إبداءُ احتمالٍ في اللفظ معضود بدليل خارج عنه. فالتفسيرُ بيانُ اللفظ، كقوله: ﴿لَاَ رَيْبَ فِهِ﴾ [البقرة: ٢] أي: لا شكّ فيه، والتأويلُ: بيانُ المعنى، كقولهم: لا شكَّ فيه عند المؤمنين؛ أو لأنه حقٌّ في نفسه، فلا تقبلُ ذاته الشك، وإنما الشكُّ وصف الشادٌّ، ونحو ذلك. [(١) ومن باب: من فاتحة الكتاب(١)] وقد تقدم القولُ على قوله: ((قسمت الصلاة))، وفي الملائكة. (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. ٣١٥ (٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة (٢) ومن سورة البقرة [٢٨٥١] عن عائشة، قالت: قال رسول الله وَله: ((خُلِقَتِ الملائكةُ من نورٍ، وخُلِقَ الجالُّ مِنْ مارجٍ مِنْ نارٍ، وآدم مما وُصِفَ لَكُم)). رواه أحمد (١٥٣/٦)، ومسلم (٢٩٩٦). [٢٨٥٢] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلاحجر: ((قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سُجَّداً وقولوا حِطّةٌ يُغْفَز لكم خطاياكُم، فبدّلوا، (٢) ومن باب: ومن سورة البقرة (قوله: ((خُلِقت الملائكةُ من نور))) أي: من جواهر مضيئةٍ منيرة، فكانوا خَيْراً محضاً. و (قوله: ((وخُلِقِ الجانُّ من مارجٍ من نار))) أي: من شواظ ذي لهب، واتّقاد، ودُخان، فكانوا شرّاً محضاً، والخيرُ فیھم قليل. و (قوله: ((وخُلق آدم مما تعلمون))(١)) أي: مما أعلمكم به، أي: من تراب صُيِّر طيناً، ثم فخاراً، كما أخبرنا به تعالى في غير موضع من كتابه. والفخار: الطين اليابس، وفي الخبر: ((إن الله تعالى لما خلق آدم أمر من قَبَض قبضةً من جميع أجزاء تراب الأرض، فأخذ من حزنها وسهلها، وأحمرها وأسودها، فجاء ولدە کذلك»(٢). و (قوله: ((ادخلوا الباب مسجداً، وقولوا حطّة))) هذا الباب: هو الباب الثامن من بيت المقدس. قاله مجاهد. وقيل: باب القرية، وقال أبو علي: باب قرية فيها موسى - عليه السلام -. وسجَّداً: قال ابن عباس: منحنين ركوعاً. وقال (١) في مسلم والتلخيص: مما وصف لكم. (٢) رواه أحمد (٤٠٠/٤)، وأبو داود (٤٦٩٣)، والترمذي (٢٩٥٥). ٣١٦ (٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة فدخلوا الباب يَزْحَفُون على أَسْتَاهِهِم، وقالوا: حَبَّةٌ فِي شَعَرَةٍ». رواه أحمد (٣١٨/٢)، والبخاريُّ (٣٤٠٣)، ومسلم (٣٠١٥)، والترمذيّ (٢٩٥٦). [٢٨٥٣] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّهِ قالَ: «نحن أحق بالشَّكِّ من إبراهيم؛ إذ قال: ربِّ أرني كيف تحيي الموتى؟ قال: أولم تؤمن؟ قال: غيره: خضوعاً وشكراً لتيسير الدخول. وحطة: بمعنى حطّ، عنّا ذنوبنا، قاله الحسن. وقال ابنُ جبير: معناه الاستغفار. ثعلب: التوبة. قال الشاعر: فَازَ بالحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّ هُ بِهَا ذَتْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورا الكلبي: تعبّدوا بقولها كفَّارة. وهو مرفوعٌ على أنه خبرُ ابتداءٍ محذوف؛ أي: مسألتنا وأمرُنا حطّة. و (قوله: «فدخلوها یزحفون على استاههم)) أي: ینجرّون على ألیاتھم فِعْل المُفْعَد الذي يمشي على أليته. يقال: زحف الصبي: إذا مشى كذلك، وزحف البعيرُ: إذا أعيا. وقالوا - مستهزئين -: ((حبة في شَعَرةٍ))، وفي غير كتاب مسلم: ((حنطة في شعر))، فعصوا، وتمردوا، واستهزؤوا، فعاقبهم بالرجز، وهو العذابُ بالهلاك. قال ابنُ زيد: كان طاعوناً أهلك منهم سبعين ألفاً. عدم جواز الشك في حقّ الأنبياء و (قوله: ((نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم إذ قال: ﴿ رَبِّ أَرِ ◌َيْفَ تُعْی الْمَوْقَ﴾ [البقرة: ٢٦٠]») اختلف العلماءُ قديماً وحديثاً في هذا السؤال، هل صَدَر عن شكِّ وقع، أم لا؟ فهم فرقتان: المثبتة للشك، والنافية له. فالمثبتون: اختلفوا فيمن وقع له هذا الشكُّ، فمنهم مّن قال: إنما وَقَعَ الشُّ لأمّة إبراهيم، بدليل أول القصَّة، وهو قوله: ﴿أَمْ تَرَ إِلَى الَّذِى حَتَّ إِبَهِمَ فِ رَبِّهِ ... ) الآية [البقرة: ٢٥٨]، فسأل إبراهيمُ ربَّه تعالى أن يُرِيَه وأمَّته كيفيةَ إحياءِ الموتى ليطمئنَّ قَلْبُه بظهور حُجَّته عليهم، وبإزالة الشَّكِّ عنهم. قاله الضَّخَّاكُ، وابنُ إسحاق. ٣١٧ (٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة ومنهم من قال: الشك من إبراهيم، لكن فيماذا اختلفوا فيه، فمنهم من قال: في الإحياء. حُكِيَ عن ابن عباس أنه قال: دخل قلبَه بعضُ ما يدخل على القلوب، وهذا لا يصحُّ نقلُه، ولا معناه؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قد أخبر عنه في أول القصة بأنه قال للمحتجِّ عليهم: ﴿ربي الذي يحيي ويميت﴾ وكيف يجوزُ على الأنبياء مثلُ هذا الشك، وهو كُفْرٌ؛ فإنَّ الأنبياءَ متَّعَقون على الإيمان بالبعث. ومنهم مَن قال: وَقَعَ له الشكُّ في كونه خليلاً، أو في كونه مُجابَ الدعوة، فسأل اللَّهَ تعالى ودعاه بأن يُرِيَه إحياءَ الموتى حتى يطمئنَّ قلبُه بذلك. ومنهم مَن قال: وقع له شكّ في كيفية الإحياء، لا في أصل الإحياء. قال الحسن: رأى جيفةً نصفها في البر توزّعها السباع، ونصفها في البحر توزّعها دوابُ الماء، فلما رأى تفرّقها أحبّ أن يرى انضمامها، فسأل ليطمئن قلبُه برؤية كيفية الجمع، كما رأى كيفيةَ التفريق. ويتنزل قولُ نبينا وَلجر: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم)) على هذه الأقوال واحداً واحداً، بحسب ما يليقُ به. وأما النافون للشك فاختلفوا؛ فمنهم من قال: أرى من نفسه الشك، وما شك، ولكن ليجابَ فيزداد قُرْبُه. قال القاضي: وهذا تكلُّفٌ في اللفظ والمعنى. ومنهم من قال: لم يشكَّ إبراهيم، وقولُ نبيّنا محمد وَلِّ: ((نحن أحقُّ بالشك من إبراهيم)» نفي للشكِّ عنه، لا إثبات له، فكأنه قال: نحن موقنون بالبعث وإحياء الموتى، فلو شكَّ إبراهيمُ لكنَّا نحن أولى بذلك منه، على طريق الأدب، وإكبارٍ حال إبراهيم - عليه السلام-، لا على جهة أنه وقع شكِّ لواحدٍ منهما. ومنهم مَن قال: إنما جاوب نبيّنا﴿ بقوله: ((نحن أحقُّ بالشك)) مَن سَمِعَه يقول: شكّ إبراهيم، ولم يشكّ نبيُنا، فقال ذلك. قلتُ: هذه جملةُ ما سمعناه من شيوخنا، ووَقَفْنا عليه في كتب أئمتنا، وكلُّها محتملٌ يرتفعُ به الإشكال، إلا ما حكي عن ابن عباس؛ فإنه قولٌ فاسد، وليس في الآية ما يدلُّ على أنَّ إبراهيم شكّ؛ بل: الذي تضمَّنته أنَّ إبراهيمَ - عليه السلام - سأل أن يشاهدَ كيفيةً جَمْع أجزاء الموتى بعد تفريقها، واتّصال ٣١٨ (٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة الأعصاب والجلود بعد تمزيقها، فأراد أن يترقَّى من علم اليقين إلى عَيْن اليقين، بقوله: ((أرني كيف)) طلب مشاهدة الكيفية. و (قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تُؤْمِن﴾ [البقرة: ٢٦٠]) استفهامُ تقرير، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ نُعَمِّرَّكُمْ مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ [فاطر: ٣٧] أي: قد عمرناكم. و (قوله: ﴿لِيَطْمَيِنَّ قَلْبٍ﴾ [البقرة: ٢٦٠]) أي: بحصول الفرق بين المعلوم برهاناً، والمعلوم عياناً. فإذاً لم يكنْ في الآية ما يدلُّ على شكِّ وقع لإبراهيم، ولا النبيِّا ﴿ وإنما صَدَرَ ذلك من نبيًّا على الفرض الذّهني، والتقدير الشرطي، فكأنه قال: لو شكَّ إبراهيمُ في إحياء الموتى لكنا نحن أحُّ بالشك منه، ولم نشكّ نحن، فهو أولى وأحقّ بألا يشك، وهذا هو البرهانُ المسمَّى عند أئمتنا النظّار: البرهان الشرطي المتصل، وأهل المنطق يستُّونه بالقياس الاستثنائي الذي ينتج منه استثناء عين التالي، ونقيض المقدَّم. على ما هو معروف في موضعه. تثبّت يوسف عليه السلام وصبره على محنة السجن و (قوله: ((ولو لبثتُ في السجن طولَ لبث يوسف لأجبتُ الداعي)) يعني به: الداعي الذي دعاه إلى الخروج من السجن المذكور في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ أَرْجِعْ إِلَى رَيْكَ فَسْئَلْهُ ... ﴾ الآية [يوسف: ٥٠] يصف يوسف - عليه السلام - بالتثبُّت والصبر على المحنة، وأنه أقام في السجن والتَّضييق عليه مدَّةً طويلة، والنفوس متشوِّقة إلى الخروج من الضيق، والحبس الطويل، لا سيما إذا بُشِّر بالتخلُّص، ودُعِي إليه. فمقتضى الطَّبع: المبادرة إلى أول دعوةٍ، والانفلات بمرَّة، لكنه لمَّا جاءه الداعي لم يبادر لإجابته، ولا استخفَّه الفرح بالتخلُّص من محنته، لكنه سكن وثَبَت إلى أن ظهرتْ براءتُه وعُلِمت منزلته(١). ثم إنَّ نبيَّنا﴿ تأذَّب معه غايةَ الأدب، واعترف له بأنه من التثبت والصَّبر في أعلى الرُّتَب، وحمده على ذلك، وقدَّر أنه: لو امْتُحِن بذلك لبادرَ إلى التخلّص من ذلك (١) انظره في تفسير القرطبي (٤١١/١). ٣١٩ (٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة بلى! ولكن لِيَطمئِنَّ قَلِي. ويَرْحَمُ الله لوطاً لقد كان يأوي إلى ركن شديد! ولو لَبِثْتُ في السِّجن طول لَيْثِ يوسفَ لأجبتُ الدّاعي!». رواه أحمد (٣٢٦/٢)، والبخاريُّ (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) (٢٣٨)، وابن ماجه (٤٠٢٦). لأوَّل داع. هذا مع أنَّ النبيَّ لَ﴿ قد أُعطي من التثبُّت في الأمور، والصَّبر على المكاره الحظّ الأوفرَ، والنصيب الأكبر، لكنه تواضع لله، وتأذَّب مع أخيه نبيِّ الله. و (قوله: ((ويرحم اللَّهُ لوطاً، لقد كان يأوي إلى ركنٍ شديد))، وفي الرواية معاتبة لوط الأخرى: ((يغفر اللَّهُ للوط))(١)) هذا تنبيه على قول لوطٍ لضيفه: ﴿لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةَ أَوْ عليه السلام ءَاوِىّ إِلَى رَكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] وهذا من النبيِّ ◌َ﴿ إشارة إلى أنَّ لوطاً لم يرضَ منه بذلك القول في ذلك الموطن؛ فإنه قد كان انتهى من كمال المعرفة بالله تعالى إلى حالٍ لا يليقُ به فيها أن يلتفتَ إلى غير الله تعالى في كفاية المحن، ودَفْع الشدائد، فلما ضَعف عمَّا كان ينبغي له عُوتِب على ذلك، ونُسِب إلى التَّقصير. والذي أصدر ذلك القولَ من لوط ضيقُ صدره بما لقي من قومه من التكذيب والأذى. وحياؤه من أضيافه عند هَمِّ قومه بالفاحشة، وأنه لم تكنْ له عشيرةٌ، ولا أصحابٌ آمنوا به حتى ينتصر بهم على قومه؛ فإنه لم يؤمن به أحدٌ ممن أرسل إليه غير ابنتيه، ولما أهلك قومُه لم يَنْجُ منهم إلا هو وابنتاه، ومع هذه الأعذار كلِّها لم يُرْضَ منه بأن يصدر منه ذلك في حال تمكّنه وتمكينه. وكان النبيُّ ◌َ# أراد مِن لوطٍ أن یکون علی مثل حال إبراهیم - عليه السلام - في شدائده، فإنه قال حین رُمي بالمنجنيق، وهو في الهواء، وقال له جبريل - عليه السلام -: ألكَ حاجة؟ فقال: أمَّا إليك فلا. ونحو ذلك صَدَر عن نبيًِّا ﴿ حين كان في الغار، والكفار عند فم الغار، فقال لأبي بكر - رضي الله عنه - وقد رأى جزعه: ((لا تحزنْ إِنَّ الله معنا))(٢). (١) هذه الرواية عند البخاري (٣٣٧٥). (٢) رواه البخاري (٣٦٥٢)، ومسلم (٢٠٠٩). ٣٢٠ (٤٢) كتاب التفسير - (٢) ومن سورة البقرة [٢٨٥٤] وعن البراء، قال: كانت الأنصارُ إذا حَجُّوا فَرَجَعُوا لَمْ يَدْخُلوا البيوت إلّ من ظهورِها. قال: فجاء رجلٌ من الأنصار، فدخل من بابه، فقيل له في ذلك، فنزلت هذه الآية: ﴿وَلَيْسَ أَلْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِن تُهُورِهَا﴾ [البقرة: ١٨٩]. رواه البخاريُّ (١٨٠٣)، ومسلم (٣٠٢٦). والحاصل أن لأهل المعرفة بالله تعالى من الأنبياء، والأولياء حالين: حال حضور ومراقبة، فتتوجه عليهم بحسبها المناقشة والمعاتبة، وحال غيبة وبشرية، فيجرون فيها على الأمور العادية، فتارة يناقشون، وأخرى يُسامَحون، فَضْلاً من الله ونعمة، ورفقاً بهم ورحمة، وقد تقدَّم بسطُ هذا المعنى. و (قوله: ((ولو لبثتُ في السجن لبث(١) يوسف))) أي: لو مكثت وأقمت. يقال: لِث يلبَث بالكسر في الماضي والفتح في المضارع لُّبْئاً بضم اللام، وسكون الباء، ولباثاً، وكلاهما على غير قياس؛ لأن المصدرَ من فَعِل بالكسر قياسه التحريك إذا لم يُعَدَّ، مثل: تعب تعباً، وقد جاء في الشعر على القياس. قال جریر: وَأَحْوَذِيّاً إذا انْضَمَّ الذَّعَالِبُ وَقَدْ أَكُونُ عَلَى الحاجاتِ ذَا لُبُثٍ فهو لابث، ولَبِثُ أيضاً، وقرىء: ﴿لَِّئِينَ فِيهَا أَحْقَابَ﴾ [النبأ: ٢٣]. و (قوله: ((كانت الأنصارُ إذا حجّوا فرجعوا لم يدخلوا البيوت إلا من ظهورها))) إنما كان يفعلون ذلك؛ لأنهم كانوا إذا أحرموا يكرهون أن يحول بينهم وبين السماء سقفٌ إلى أن ينقضيَ إحرامُهم، ويصلوا إلى منازلهم، فإذا دخلوا منازلَهم دخلوها من ظهورها. قاله الزُّهري. يعتقدون أن ذلك من البِرِّ والقُرب، (١) في مسلم والتلخيص: طول لبث.