Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١٩) باب: ما يقال عند الأكل والشرب
[٢٦٦١] وعن أبي الدرداء، قال: قال رسول الله وَله: ((ما مِنْ عبدٍ
مسلمٍ يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال الملك: ولك بمثلٍ».
رواه مسلم (٢٧٣٢) (٨٦).
ولا يُوضع الشكرُ موضعَ الحمد، وفيه دلالةٌ على أن شكر النعمة، وإن قلَّت سَبَبُ شكرُ النعمة
نيل رضا الله تعالى؛ الذي هو أشرفُ أحوال أهل الجنة، وسيأتي قولُ اللَّهِ عز وجل سببُ نيل
لأهل الجنة حين يقولون: ((أعطيتنا ما لم تُعْطِ أحداً من خَلْقِك، فيقول: ألا
رضا الله
أعطيكم أفضل من ذلك؟ [فيقولون: ما هو؟ ألم تُبيِّض وجوهَنا، وتُدخلنا الجنة،
وتزحزحنا عن النار؟](١)، فيقول: أحلُّ عليكم رضواني، فلا أسخطُ عليكم بعده
أبداً)(٢). وإنما كان الشكرُ سَبَّباً لذلك الإكرام العظيم؛ لأنه يتضمّن معرفةَ المنعم،
وانفراده بخلق تلك النعمة، وبإيصالها إلى المنعَم عليه، تفضُّلاً من المنعم،
وكرماً، ومِنَّة، وإن المنعَم عليه فقير محتاجُ إلى تلك النعم، ولا غِنى به عنها، فقد
تضمَّن ذلك معرفة حق الله وفضله، وحق العبد وفاقته، وفقره، فجعل اللَّهُ تعالى
جزاءَ تلك المعرفة تلك الكرامة الشريفة.
و (قوله: ((ما من عبدٍ مسلم يدعو لأخيه بظهر الغيب إلا قال المَلَك: ولك
بمثلٍ))) المسلم هنا: هو الذي سلم المسلمون من لسانه ويده، الذي يحبُّ للناس تعريف المسلم
ما يحبُّ لنفسه؛ لأنَّ هذا هو الذي يحملُه حالُه وشفقتُه على أخيه المسلم أن يدعوَ
له بظهر الغيب، أي: في حال غيبته عنه، وإنما خصَّ حالةَ الغَيْبةَ بالذكر لبعدها عن دعاء المسلم
الرياء، والأغراض المفسدة أو المنقصة؛ فإنه في حال الغَيْبة يتمخَّض الإخلاص، لأخيه في غيبته
ويصحّ قصد وجه الله تعالى بذلك، فيوافقه الملكُ في الدعاء، ويبشِّره على لسان
رسوله ﴿ بأن له مثل ما دعا به لأخيه. والأخوّة هنا: هي الأخوة الدينية، وقد
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع) و (م ٤).
(٢) رواه البخاري (٦٥٤٩)، ومسلم (٢٨٢٩).

٦٢
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢٠) باب: يُستجاب للعبد ما لم يعجل
(٢٠) باب
يستجاب للعبد ما لم يَعْجَلْ أو يدعو بإثم
[٢٦٦٢] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَ لّهِ قالَ: ((يُستجابُ لأحدكم
ما لم يَعْجَلْ، فيقولُ: قد دعوت فلا يُستجابُ لي)).
رواه أحمد (٤٨٧/٢)، والبخاريُّ (٦٣٤٠)، ومسلم (٢٧٣٥)، وأبو
داود (١٤٨٤)، والترمذي (٦٣٨٧)، وابن ماجه (٣٨٥٣).
[٢٦٦٣] وعنه، عن النبيِّ بَّ رَ أنَّه قال: ((لا يزال يُستجاب للعبد ما
لم يدع بإثمٍ أو قطيعة رحمٍ ما لم يستعجل)). قيل: يا رسول الله! ما
تكون معها صداقةٌ ومعرفة، وقد لا يكون، وقد يتعيَّن، وقد لا يتعين، فإن الإنسانَ
إذا دعا لإخوانه المسلمين حيث كانوا، وصَدَقَ اللَّهَ في دعائه، وأخلص فيه في
حال الغَيْبة عنهم، أو عن بعضهم، قال الملكُ له ذلك القول، بل قد يكون ثوابُه
أعظم؛ لأنه دعا بالخير، وقَصَده للإسلام، ولكل المسلمين، والله تعالى أعلم.
[(٢٠) ومن باب: يستجاب للعبد ما لم
يعجل أو يدعو بإثم](١)
(قوله: ((يُستجاب للمسلم ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رحم))) يعني بالعبد:
شروط الداعي الصالح لقبول دعائه، فإن إجابةَ الدعاء لا بُدَّ لها من شروطٍ في الداعي، وفي
الدعاء، وفي الشيء المدعو به، فمن شَرْط الداعي بأن يكون عالماً بأنه لا قادر
على حاجته إلا الله تعالى، وأن الوسائطَ في قبضته، ومسخّرة بتسخيره، وأن يدعوَ
نبيّةٍ صادقة، وحضور قلب، وأن يكون مجتنباً لأكل الحرام، كما قدَّمناه، وأَلَّا
(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.

٦٣
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢٠) باب: يُستجاب للعبد ما لم يعجل
الاستعجال؟ قال: ((يقول: قد دعوتُ، وقد دعوت؛ فلم أَرَ يستجاب لي،
فَيَسْتَحْسِرُ عند ذلك، ويَدَعُ الدُّعاء!)).
رواه مسلم (٢٧٣٥) (٩٢
يحلُّ من الدعاء فيتركه ويقول: قد دعوتُ فلم يُستجبْ لي كما قال في الحديث.
ومن شروط المدعو فيه أن يكونَ من الأمور الجائزة الطلب والفعل شرعاً، كما شروط المدعو
قال: ما لم يَدْعُ بإثم أو قطيعة رحم، فيدخل في الإثم كلُّ ما يأَثَمُ به من الذنوب، في الدعاء
ويدخل في قطيعة الرحم جميعُ حقوق المسلمين، ومظالمهم. وقد بيَّنا أن الرحمَ
ضربان: رحم الإسلام، ورحم القرابة. ويستحسر: يعني: ويملُّ. يقال: حسر
البعير يحسُر، ويحسِر حسوراً: أعيا. واستحسر وتحسّر مثله. وفائدة هذا:
استدامةُ الدعاء، وترك اليأس من الإجابة، ودوام رجائهما، واستدامة الإلحاح في استدامة الدعاء
الدعاء؛ فإن الله يحبُّ الملحِّين عليه في الدعاء، وكيف لا؟ والدعاء مخ العبادة وترك اليأس
وخلاصة العبودية. والقائل: قد دعوت، فلم أر يُستجاب لي، ويَتْرُك - قانطاً - من من الإجابة
رحمة الله، وفي صورة الممتنِّ بدعائه على ربه، ثم إنه جاهل بالإجابة، فإنه يظنها
إسعافه في عين ما طلب، فقد يعلم الله تعالى: أن في عين ما طلب مفسدة،
فيصرفه عنها، فتكون إجابته في الصرف، وقد يعلمُ اللَّهُ أن تأخيرَه إلى وقت آخر
أصلح للداعي، وقد يؤخره لأنه سبحانه يحبُّ استماعَ دعائه، ودوام تضرُّعه، فتكثر
أجوره حتى يكون ذلك أعظم وأفضل من عين المدعو به لو قضي له، وقد
قال ◌َله: ((ما من داع يدعو إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يُستجاب له، وإما أن
يُدَّخر له، وإما أن يُكفّر عنه))(١)، ثم بعد هذا كله فإجابة الدعاء - وإن وردت في
مواضع من الشرع مطلقة - فهي مقيّدة بمشيئته، كما قال تعالى: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ
إِلَيْهِ إِن شَاءٌ﴾ [الأنعام: ٤١].
(١) رواه الترمذي (٣٥٦٨).

٦٤
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢١) باب: الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
(٢١) باب
الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
[٢٦٦٤] عن ابن عمر؛ عن رسول الله وَالقر أنَّه قال: ((بينما ثلاثة نفرٍ
- في روايةٍ: ممن كان قبلكم - يتمشون أخذهم الطوفان فأووا إلى غارٍ في
جبل، فانحطت على فم غارهم صخرةٌ من الجبل، فانطبقت عليهم، فقال
بعضهم لبعض: انظروا أعمالاً عملتموها صالحةً لله، فادعوا الله تعالى بها
لعلَّهُ يَفْرُجُها عنكم! فقال أحدهم: اللهم! إنَّه كان لي والدان شيخان
كبيران، وامرأتي، ولي صبيةٌ صغارٌ أرعى عليهم، فإذا أَرَحْتُ عليهم؛
حلبتُ، فبدأت بوالديَّ، فسقيتهما قبل يَنِيَّ وإني نأى بي ذاتَ يومِ الشَّجر
فلم آتِ حتى أمسيتُ، فوجدتُهما قد ناما، فحلبتُ كما كنتُ أحلُبَ، فجئتُ
(٢١) ومن باب: الدعاء بصالح ما عُمِل من الأعمال
غريب حديث الغار: الطوفان هنا: المطر الكثير. وأووا إلى غار: أي:
انضمُوا، وقد تقدَّم أنه يُمَدُّ ويُقْصَر. فانحطّت: نزلت. فأطبقت عليهم: أي:
صارت على باب الغار كالطبق، وأرعى عليهم: أي أرعى الماشية وأکتسب بها لأجل
العيال والأبوين. ونأى بي الشجر: أي: بَعُد عليه ابتغاء الشجر الذي رعاه
بماشيته. والحِلاب: إناء يُحلب فيه، وهو المحلب أيضاً، وقد يكون اللبن.
ويتضاغون: يضُّون من الجوع، والضُّغاء ممدود، مضموم الأول، صوت الذِّلَّة
والفاقة. والدأب: الحال اللازمة، والعادة المتكررة. وافرج: افتح. والفُرجة بضم
الفاء؛ لأنه من السَّعة، فإذا كان بمعنى الراحة قلت فيه: فَرْجَة وفَرَجٌ، وفعلُ كلِّ
واحدٍ منهما فَرَجَ بالفتح والتخفيف، يَفْرُج بالضم لا غير. والغبوق: شرب العشيِّ،
والصبوح: شرب الصباح، والجاشرية: عند انغلاق الفجر، يقال: جشر الصبح،
أي: انفلق. وبغیت: طلبت.

٦٥
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢١) باب: الدعاء بصالح ما عمل من الأعمال
بالحِلابِ، فقمتُ عند رؤوسهما أكرهُ أنْ أوقظَهُما من نومهما، وأكره أن
أسقيَ الصِّبيةَ قبلهما، والصبيةُ يتضاغَوْنَ عند قدميَّ، فلم يزلْ ذلك دأبي
ودأبُهم حتى طَلَعَ الفَجْرُ، فإن كنتَ تعلم أني فعلتُ ذلك ابتغاءَ وجهك
فافْرُجْ لنا فُرْجَة نرى منها السَّماء! فَفَرَجَ اللَّهُ منها فُرْجةً، فرأوا منها السَّماء.
وقال الآخر: اللهم! إنِّي كانت لي ابنةُ عمِّ أحببتُها كأشدِّ ما يحبُّ الرجالُ
النساءَ. وطلبتُ إليها نفسها، فأبت حتى آتيها بمئة دينارٍ، فتعبتُ حتى
جمعتُ مئةَ دينارٍ . - وفي روايةٍ: عشرين ومئةً - فجئتُها بها، فلمَّا وقعتُ بين
رجليها قالت: يا عبد الله! اتق الله! ولا تَفْتَح الخَاتَم إلا بحقه، فقمتُ عنها!
فإنْ كنتَ تعلمُ أنّي فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك فافْرُجْ لنا منها فرجةً، فَفَرج
لهم! وقال الآخر: اللهم! إنِّي كنت استأجرتُ أجيراً بفَرَقِ أَرُزِّ فلما قضى
عمله قال: أعطني حقي فعرضْتُ عليه فَرَقَه فرغِبَ عنه، فلم أزلْ أزرعُه
حتى جمعتُ منه بقراً ورعَاءها، فجاءني، فقال: اتق الله ولا تظلمني حقي!
قلت: اذهب إلى تلك البقر ورعائها فخذها. فقال: اتق الله ولا تستهزىء
بي! فقلت: إني لا أستهزىء بك، خذ ذلك البقر ورعاءَها! فأخذه، فذهب
به. فإنْ كنتَ تعلم أنِّي فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، فافْرُجْ لنا ما بقي، فَفَرَجَ
الله ما بقي)) . - وفي روايةٍ: ((وخرجوا يمشون)) -.
رواه البخاريُّ (٢٢١٥)، ومسلم (٢٧٤٣).
و (قوله: لا تفضّ (١) الخاتم إلا بحقه). الفضّ: الكسر والفتح، والخاتم:
كناية عن الفرج، وعذرة البكارة، وحقُّه: التزويج المشروع. والفَرَقُ: مكيال يسع
(١) هذه اللفظة من رواية البخاري رقم (٢٢١٥) كما جاء في التخريج. ورواية مسلم كما
في التلخيص: ((لا تفتح)).

٦٦
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢٢) باب: فضل الدوام على الذكر
(٢٢) باب
فضل الدوام على الذكر
[٢٦٦٥] عن حَنْظَلَة الأُسَيْديِّ - قال: وكان من كتَّاب
رسول الله وَالله- قال: لقيني أبو بكر فقال: كيف أنت يا حنظلة؟ قال:
قلت: نافق حنظلة! قال: سبحان الله! ما تقول؟ قال: قلت: نكون عند
رسول الله وَ﴿ يُذَكِّرُنا بالجنَّة والنار؛ كأنَّا رأيَ عينٍ، فإذا خرجنا من عند
رسول الله ◌َ ﴿ عَافَسْنا الأزواج، والأولاد، والضَّيْعاتِ؛ نسينا كثيراً! قال
ثلاثة آصع، ويقال: بفتح الراء، وهو الأفصح، وقال ابنُ دريد: ويقال بسكونها،
وقد أنكره غيره، وفيه أبوابٌ من الفقه لا تخفی.
[(٢٢) ومن باب: فضل الدوام على الذكر](١)
قول حنظلة الأُسَيْدي: هو بتخفيف الياء منسوب إلى أُسَيْد، قَيْلٌ (٢) من بني
تميم. ومن رواه الأسدي فقد أخطأ، وكان من كُتّاب رسول الله وَله .
و (قوله: نافقَ حنظلة). إنكار منه على نفسه لما وجد منها في خلوتها
خلاف ما يظهر منها بحضرة النبيِّ ﴿ فخافَ أن يكون ذلك من أنواع النِّفاق، وأراد
من نفسه أن يستديمَ تلك الحالة التي كان يجدُها عند موعظة النبي ◌َّر ولا يشتغل
عنها بشيء.
و (قوله: يُذكِّرنا بالجنّة والنَّار، كأنَّا رأيَ عَيْنٍ). الذي قرأته وقيَّدْته رأيَ عين
منصوباً على المصدر، كأنه قال: كأنَّا نراها رأيَ عين. قال القاضي: ضبطناه
بالضم أي: كأنَّا بحالٍ من يراهما، ويصحُّ النصب على المصدر.
و (قوله: عافَسْنا الأزواجَ، والأولاد، والضَّيْعَات) الرواية الصحيحة
(١) هذا العنوان لم يرد في المفهم، واستدركناه من التلخيص.
(٢) ((قَيْل)): القَيْل: الملك، جمع أقیال وقُیول.

٦٧
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢٢) باب: فضل الدوام على الذكر
أبو بكر: فوالله! إنا لَنَلْقَى مثل هذا. فانطلقتُ أنا وأبو بكرٍ حتى دخلنا على
رسول الله وَ ﴿﴿، قلت: نافق حنظلةُ يا رسول الله! فقال رسول الله وَتليفون: ((وما
ذاك؟))، قلت: يا رسول الله! نكون عندك تُذَكِّرُنا بالنَّار والجنة؛ كأنا رأى
عينٍ، فإذا خرجنا من عندك عافَسْنا الأزواج، والأولاد، والضيعاتِ، نسينا
المعروفة: عافسنا بالعين المهملة، وبالفاء والسين المهملة، ومعناه: عالجنا
وحاولنا. في الصحاح: المعافسة: المعالجة، يعني أنهم إذا خرجوا من عند
رسول الله ﴿ اشتغلوا بهذه الأمور، وتركوا تلك الحالة الشريفة التي كانوا
يجدُونها عند سماع موعظة رسول الله وَ ﴿ ومشاهدته، وروى الخطّابيُّ هذا
الحرفَ: عانسنا بالنون، وفسَّره بلاعبنا، ورواه القتيبي: عانشنا؛ بالنون والشين
المعجمة، وفسَّره بعانقنا، والتقييد الأول أولى روايةً ومعنىّ. وقد جاء مفسراً في
الرواية الأخرى فقال: ضاحكت الصِّبيان، ولاعبتُ المرأة. والضيعات: جمع
ضيعة، وهي: ما يكون معاش الرجل منه من مال، أو حرفة، أو صناعة. وقد تقدَّم ذكرها.
و (قول أبي بكر - رضي الله عنه -: والله! إنا لنلقى مثل هذا) ردٌّ على غلاة دوام الأحوال
الصوفية الذين يزعمون دوام مثل تلك الحال، ولا يُعرِّجون بسببها على أهل ولا من المحال في
عالم الإنسان
مال، ووجهُ الردِّ أن أبا بكر - رضي الله عنه - أفضلُ الناس كلُّهم بعد رسول الله ◌ِّ
إلى يوم القيامة، ومع ذلك فلم يدَّع خروجاً عن جبلَّة البشرية، ولا تعاطى من دوام
الذِّكْر وعدم الفترة ما هو خاصَّة الملائكة. وقد ادَّعى قومٌ منهم دوامَ الأحوال، وهو
بما ذكرناه شبه المحال، وإنما الذي يدومُ المقامات، لكنها تتفاوت فيها
المنازلات. والمقام: ما يحصل للإنسان بسعيه وكسبه. والحالُ: ما يحصلُ له بهبة
ربِّه. ولذلك قالوا: المقاماتُ مكاسب، والأحوالُ مواهب، ومَنْ طابَ وقته علا
نعته، ومن صفا وارِدُه طابَ وِرْدُه. وعلى الجملة فسُنَّة الله في هذا العالم الإنساني
جعلُ تمكينهم في تلوينهم، ومشاهدتهم في مكابدتهم. وسرّ ذلك أن هذا العالم
متوسّط بين عالمي الملائكة والشياطين، فمكَّن الملائكةَ في الخیر بحیث يفعلون ما
يُؤمرون، ويُسبِّحون الليلَ والنهار لا يَفْتُرون، ومكَّن الشياطين في الشرِّ والإغواء

٦٨
(٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢٢) باب: فضل الدوام على الذكر
كثيراً! فقال رسول الله وَطاهر: ((والذي نفسي بيده! لو تدومون على ما تكونون
عندي؛ وفي الذُّكر؛ لصافحتكم الملائكة على فُرُشِكُم، وفي طُرُقِكُم،
ولكن يا حَنْظَلَة! ساعةً، وساعةً - ثلاث مرات -)).
رواه مسلم (٢٧٥٠) (١٢).
*
بحيث لا يغفلون، وجعل هذا العالم الإنساني متلوناً فيُمكِّنه ويُلوّنه، ويُفنیه ويُبقيه،
ويَشهده ويَفقده، وإليه أشارَ صاحبُ الشفاعة بقوله: ((ولكن يا حنظلة! ساعةً
وساعة)). وقال في حديث أبي ذر - رضي الله عنه -: ((وعلى العاقل أن يكونَ له
ساعاتٍ: ساعةٌ يناجي فيها ربَّه، وساعةٌ يُحاسبُ فيها نفسه، وساعة يُفكر فيها في
صنع الله، وساعة يخلو فيها لحاجته من المطعم والمشرب))(١). هكذا الكمال،
وما عداه تُؤماتٌ وخيال.
و (قوله: ((لو تدومون على ما تكونون عندي وفي الذكر لصافحتكم
مشاهدة الأمور
بالله تعالى الملائكة))) هكذا صحّت الرواية بالواو العاطفة للطّرف الثاني على الأول، ويُفيد أنه
وقت صفاء
حالة الذكر
وَقَف مصافحة الملائكة على حصول حالتين لنا: على حال مشاهدة الجنة والنار مع
ذكر الله تعالى ودوام ذلك، فيعني - والله تعالى أعلم - أن التمكن: إنما هو أن
يشاهد الأمور كلَّها بالله تعالى، فإذا شاهدَ الجنة مثلاً لم يحجبْه ما يُشاهدُ من نعيمها
وحسنها من رؤية الله تعالى؛ بل: لا يلتفت إليها من حيث هي جنَّة؛ بل: من حيث
هي أنها محل القرب من الله تعالى، ومحلُّ رؤيته، ومشاهدته، فيكون فرقه في
جمعه، وعطاؤه في منعه، ومن كان كذلك ناسبَ الملائكة في معرفتها، فبادرت
إلى إكرامه، ومشافهتِهِ، وإعظامِه، ومُصافحته. والمسؤول من الكريم المتعال أن
يمنحنا من صفاء هذه الأحوال.
(١) رواه أبو نعيم في الحلية (١٦٦/١ - ١٦٨)، وابن حبان (٣٦١).

٦٩
(٣٨) كتاب الرقاق ۔ (١) باب: وجوب التوبة وفضلها
(٣٨)
كتاب الرقاق
(١) باب
وجوب التوبة وفضلها
وقد تقدم قوله ويثير: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله فإني أتوب في اليوم
مئة مرة)).
[٢٦٦٦] وعن عبد الله - هو ابنُ مسعود - قال: سمعتُ
(٣٨)
كتاب الرَّقاق
(١ و٢) ومن باب: وجوب التوبة وفضلها(١)
قد تقدَّم القولُ في وجوب التوبة، وفي معناها اللغوي، وقد اختلفت عباراتُ معنى التوبة
العلماء والمشايخ فيها، فقائلٌ يقول: إنها الندم، وآخر يقول: إنها العزمُ على أَلَّا
يعود، والآخر يقول: إنها الإقلاعُ عن الذنب، ورابع يجمع بين تلك الأمور
الثلاثة، فيقول: إنها الندمُ على ذنبٍ وقع، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على
أَلَّ يعود إليه، وهذا أكملُها؛ غير أنه مع ما فيه من التركيب المحذور في الحدود
غیر مانع، ولا جامع.
(١) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب،والباب الذي يليه بعنوان:
باب: ما يُخاف من عقاب الله على المعاصي.

٧٠
(٣٨) كتاب الرقاق - (١) باب: وجوب التوبة وفضلها
بيان الأول: أنه قد يندم، ويقلع، ويعزم، ولا يكون تائباً شرعاً، إذ قد يفعل
متى تصحّ التوبة ذلك شخّاً على ماله، أو لئلا يعيِّره الناسُ من ذلك. ولا تصحُّ التوبةُ الشرعية إلا
الشرعية؟
بالنية، والإخلاص فإنها من أعظم العبادات الواجبات؛ ولذلك قال تعالى: ﴿تُوبُواْ
إِلَى اَللَّهِ تَوْبَةُ نَّصُوحًا﴾ [التحريم: ٨].
وأما الثاني: فبيانُه أنه يخرجُ منه مَنْ زنى مثلاً، ثم قطع ذكره، فإنه لا يتأتى
منه غير الندم على ما مضى من الزنى، وأما العزمُ والإقلاعُ فغير متصوَّرين منه،
ومع ذلك فالتوبةُ من الزنى صحيحةٌ في حقُّه إجماعاً، وبهذا اغترَّ من قال: إنَّ النَّدمَ
يكفي في حدِّ التوبة، وليس بصحيح؛ لأنه لو ندم ولم يقلع، وعزم على العود لم
يكن تائباً اتفاقاً، ولما فهم بعضُ المحققين هذا حدَّ التوبة بحدِّ آخر، فقال: هي
تركُ اختيار ذنبٍ سبق منك مثله حقيقة أو تقديراً لأجل الله تعالى، وهذا أسدُ
العبارات وأجمعها، وبيان ذلك: أن التائبَ لا بُدَّ أن يكون تاركاً للذنب، غير أنَّ
ذلك الذنبَ الماضي قد وقع، وفرغ منه، فلا یصُّ تركه؛ إذ هو غير متمكن من
عينه لا تركاً ولا فعلاً، وإنما هو متمكِّنٌ من مثله حقيقة، وهو زنىّ آخر مثلاً، فلو
جُبَّ لم تصحَّ منه حقيقةُ الزنى، بل: الذي يصحُّ منه أن يقدِّر أنه لو كان متمكِّناً من
الزنى لتركه. فلو قدَّرنا مَن لم يقعْ منه ذنبٌ لم يصحَّ منه إلا اتقاء ما يمكن أن يقع،
لا ترك مثل ما وقع، فیکون متّقیاً لا تائباً، فتدبَّر هذا.
و(قوله: لأجل الله تعالى)؛ تحرُّرٌ من ترك ذلك لغير الله تعالى؛ إذ ذلك
لا يكونُ تائباً اتفاقاً، فلا يكون فعله ذلك توبة، وهذا واضح، وإذا تقرَّر هذا فاعلمْ أن
الباعث على الباعثَ على التوبة تنبيهٌ إلهي ينبِّه به من أراد سعادته لقبح الذنوب وضررها؛ فإنها
التوبة
سمومٌ مهلكةٌ تفوَّت على الإنسان سعادة الدنيا والآخرة، وتحجبه عن معرفة
الله تعالى في الدنيا، وعن تقريبه وكرامته في الدار الآخرة. ومَن انكشف له هذا،
وتفقَّد نفسَه وَجَد نفسه مشحونةً بهذا السمِّ، ومملوءة بهذه الآفات، فلا شكّ في أنّ

٧١
(٣٨) كتاب الرقاق - (١) باب: وجوب التوبة وفضلها
رسول الله وَل﴿ يقول: ((لَلَّهُ أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمنِ مِنْ رجلٍ في أرضٍ
دَوِّيَّة مَهْلِكَةٍ، معه راحلتُه، عليها طعامُه وشرابه، فنام، فاستيقظ وقد
مَن حصل له علمُ ذلك انبعث منه خوفُ هجوم الهلاك، فتتعيَّن عليه المبادرةُ لطلب
أمرٍ يدفع به عن نفسه ضررَ ما يتوقعه، ويخافه. فحينئذ ينبعث منه الندم على ما
فرَّط، وترك مثل ما سبق مخافة عقوبة الله تعالى، فيصدقُ عليه أنه تائب، فإن لم
يكن كذلك كان مصرّاً على المعصية، ومُلازِماً لأسباب الهلكة.
ثم اعلم بعد هذا: أن الذنوبَ إما كفر، وإمَّا غيره، فتوبةُ الكفر عند موته
مقطوعٌ بقبولها، وما عداها فمقبولة، إن شاء الله بوعده الصدق، وقوله الحق.
وأعني بالقبول: الخلاص من ضرر الذنوب حتى يرجعَ كمن لم يعملْ ذنباً، كما
قال ◌َ﴾: ((التائبُ من الذنب كمن لا ذنبَ له))(١). ثم إن الذنبَ الذي يُتاب منه إما أنواع الذنوب
حق الله تعالى، وإما حقّ لغيره، فحقُّ الله تعالى يكفي في التوبة منه الترك الذي التي يُتاب منها
ذكرناه، غير أن منها: ما لم يكتفِ الشرعُ منه بمجرد الترك، بل: أضاف إلى ذلك
في بعضها قضاءً كالصلاة والصوم، ومنها: ما أضاف إليها كفارةً كالحنث في
الأيمان والظهار وغير ذلك، فلا يرتفعُ ضَرَرُ ذلك الذنب إلا بتركه، وفعل ما أمره
الله تعالى به من القضاء والكفَّارة. وأما حقوقُ الآدميين، فلا بُدَّ من إيصالها إلى
مستحقِّيها، فإن لم توصل إلى أربابها لم يتخلَّصْ من ضرر ذلك الذنب إلا بتركه
وفِعْل ما أمره الله به، ومَن اجتهد في الخروج عن الحقوق، فلم يقدر على الخروج
منها، فعفو الله مأمول، وفضلُه مبذول، وكم ضمن من التبعات، وكم بدَّل من
السيئات بالحسنات، وتفصيلُ ما أجملناه موجودٌ في كتب مشايخ الإسلام - رحمهم
الله -.
و (قوله: «لله أشدُّ فرحاً بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوِّيّة
مهلكة ... الحديث))) هذا مثلٌ قُصِدَ به بيانُ سرعة قبول الله تعالى لتوبة عبده التائب سرعة قبول الله
لتوبة عبده
(١) رواه ابن ماجه (٤٢٥٠).

٧٢
(٣٨) كتاب الرقاق ۔ (١) باب: وجوب التوبة وفضلها
ذهبتْ، فطلبها حتى أدركَه العطشُ، ثم قال: أرجعُ إلى مكاني الذي كنتُ
فيه فأنامُ حتى أموتَ، فوضعَ رأسَهُ على ساعِدِه ليموتَ، فاستيقظ وعنده
راحلتُه، وعليها زادُه، وطعامُه، وشرابُه، فاللَّهُ أشدُّ فرحاً بتوبة العبد
المؤمن مِنْ هذا براحلته وزاده)».
رواه أحمد (٣٨٣/١)، والبخاريُّ (٦٣٠٨)، ومسلم (٢٧٤٤)،
والترمذيُّ (٢٤٩٩ و٢٥٠٠).
فإنه يُقبل عليه بمغفرته ورحمته، ويعامله معاملة مَن يفرح به. ووجهُ هذا المثل:
أن العاصيَ حصلَ بسبب معصيته في قبضة الشيطان وأَسْره. وقد أشرف على
الهلاك. فإذا لطفَ اللَّهُ تعالى به، وأرشده للتوبة خرجَ من شُؤْم تلك المعصية،
وتخلّص من أَسْر الشيطان، ومن المهلكة التي أشرف عليها، فأقبل اللَّهُ تعالى عليه
برحمته ومغفرته، وبادر إلى ذلك مبادرة هذا الذي قد انتهى به الفرح، واستفزّه
السرور إلى أن نطق بالمحال، ولم يشعر به لشدَّة سُروره وفَرَحه، وإلا فالفرحُ الذي
هو من صفاتنا محالٌ على الله تعالى؛ لأنه اهتزازٌ وطرب، يجده الإنسانُ من نفسه
عند ظفره بغرض يستكملُ به الإنسانُ نقصانَه، ويسدُّ به خلَّته، أو يدفع عن نفسه
ضرراً، أو نقصاً، وكلُّ ذلك محالٌ على الله تعالى، فإنه الكاملُ بذاته، الغني
بوجوده، الذي لا يلحقه نقص ولا قصور، لكن هذا الفرحَ عندنا له ثمرةٌ وفائدة،
وهو الإقبالُ على الشيء المفروح به، وإحلاله المحلَّ الأعلى، وهذا هو الذي
يصحُ في حقُّه تعالى، فعبّر عن ثمرة الفرح بالفرح على طريقة العرب في تسميتها
الشيءَ باسم ما جاوره، أو كان منه بسبب. وقد قدَّمنا أنَّ ذلك القانونَ جارٍ في كل
ما أطلقه اللَّهُ تعالى على نفسه من الصفات التي لا تليقُ به، كالغضب، والرضا،
والضحك وغير ذلك.
و (قوله: ((دَوِّيَّة مهلكة))) الروايةُ المشهورةُ بفتح الدال، وتشديد الواو
المكسورة، وتشديد الياء مفتوحة، وهي: القفر والفلاة. وجمعها: داوي. قال

٧٣
(٣٨) كتاب الرقاق - (١) باب: وجوب التوبة وفضلها
[٢٦٦٧] ومن حديث أنس: ((فأخذ بخطامها فقال من شدة الفرح:
اللهم! أنت عبدي وأنا ربُّك ــ أخطأ من شدة الفرح -)).
رواه أحمد (٢١٣/٣)، والبخاريُّ (٦٣٠٩)، ومسلم (٢٧٤٧) (٧).
الخليل: الداوية: المفازة. وقال الهروي في خُطبة الحجاج:
أَرْوَعَ خَرَّاجٍ مِنَ الدَّاويِّ
قَدْ لَفَّها اللَّيْلُ بِعَضْلُبِيٍّ
قال: يعني الفلوات. الواحدة: داوية. في الصحاح: الدَّوُ والدوِّيُّ:
المفازة، وكذلك الدوِّيَّة، لأنها مفازةٌ مثلها فُسِبت إليها، قال: والدؤُّ أيضاً
موضع، وهو من أرض العرب. وربما قالوا: داوِيَّةٌ، قلبوا الواو الأولى الساكنة ألفاً
لانفتاح ما قبلها، ولا يُقاسُ علیه.
و (قوله: ((مَهلكة))). الرواية بفتح الميم واللام، أي: يهلك فيها، وقد قُيَّد
مُهلكة بضم الميم وكسر اللام، اسم فاعل، أي: يهلك مَن يدخل فيها، وإنما
سُمِّيت القفر المفازة من قولهم: فوز الرجل، إذا هلك. وقيل: بل على طريق
التفاؤل، كما يقال للديغ: سلیم.
و (قول الحارث بن سويد: حدثني عبد الله حديثين، أحدهما عن
رسول الله وَ﴿، والآخر عن نفسه). ثم حدَّث بالحديث الذي ذكرناه في التوبة. ولم
يذكر مسلمٌ الحديثَ الأول الذي حدَّث به نفسه، وقد ذكر البخاريُّ والترمذيُّ
وغيرهما، فقال: المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعدٌ تحت جبل يخافُ أن يقعَ عليه،
والفاجر يرى ذنوبَه كذبابٍ مرَّ على أنفه فقال به هكذا(١) فهذا هو الذي حدثه
ابنُ مسعود عن نفسه، لا أنه رفعه للنبي وَّرِ وهو صحيح المعنى، يشهدُ له ما في
الوجود من خوف المؤمن، وتهاون الفاجر والمنافق.
(١) رواه أحمد (٣٨٣/١)، والبخاري (٦٣٠٨)، والترمذي (٢٤٩٧).

٧٤
(٣٨) كتاب الرقاق - (٢) باب: ما يُجاف من عقاب الله على المعاصي
(٢) باب
ما يخاف من عقاب الله على المعاصي
[٢٦٦٨] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((لو يعلمُ المؤمنُ
ما عند الله من العُقُوبة؛ ما طمِعَ بجنته أحدٌ، ولو يعلم الكافر ما عند الله من
الرَّحمة؛ ما قَتَط من جنته أحدٌ».
رواه أحمد (٣٣٤/٢)، ومسلم (٢٧٥٥)، والترمذي (٣٥٣٦).
[٢٦٦٩] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّهِ قالَ: ((قال رجلٌ - لم يعمل حسنةً
قط ــ لأهله إذا مات فحرِّقوه، ثم اذْرُوا نصفه في البرِّ ونصْفَه في البحر،
و (قوله: ((لو يعلمُ المؤمنُ ما عند اللَّهِ من العقوبة ما طمعَ بجنَّته أحد، ولو
يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة ما قنط من جنته أحد)). يعني: لو علم ذلك،
وجرّد النظر إليه، ولم يلتفت إلى مقابله، وأما إذا نظر إلى مقابل كلِّ واحد من
الطرفين، فالكافر بيأس من رحمة الله تعالى، والمؤمن يرجو رحمة الله تعالى،
ويخافُ عقابه، كما قال بعضهم: لو وُزِن خوفُ المؤمن ورجاؤه لاعتدلا .
و (قوله: ((قال رجلٌ لم يعملْ خيراً(١) قطُ))) هذه الروايةُ فيها توسّعٌ في
العبارة؛ لأنا نعلمُ قطعاً أنَّ هذا الرجلَ كان متديّناً بدين حقّ، ومَن كان كذلك لا بدَّ
أن يعملَ حسنة: صوماً، أو صلاة، أو تلفّظاً بخير، أو شيئاً من الخير الذي تقتضيه
شريعتُهُ، وإنما الرجلُ كان خطّاءً، كثير المعاصي، وقد نصّ على هذا المعنى في
رواية أخرى في الأصل فقال: (أسرف رجل على نفسه فلما حضرته الوفاة ... ))(٢)
وذكر الحديث.
(١) في التلخيص: حسنة.
(٢) انظر هذه الرواية في صحيح مسلم (٢٧٥٦) (٢٥).

٧٥
(٣٨) كتاب الرقاق - (٢) باب: ما يُجاف من عقاب الله على المعاصي
فوالله! لئن قَدَر الله عليه ليعذبنَّه عذاباً لا يعذِّبُهُ أحداً من العالمين، فلما
مات الرجل فَعَلوا ما أمرهم به. فأمر الله البرَّ فجمع ما فيه، وأمر البحر
و (قوله: ((لئن قَدَر اللَّهُ عليه ليعذبَّنَّه))) الروايةُ التي لا يُعْرَفُ غيرُها قَدَر حُكْم من شك
بتخفيف الدال، وظاهرُ هذا اللفظ أنه شكّ في كون الله تعالى يقدرُ على إحيائه في صفة من
وإعادته، ولذلك أَمَرَ أهلَه أن يحرقوه، ويسحقوه، ويذروا نصفه في البر ونصفه في
صفات الله
البحر، فكأنه توقَّع إذا فُعِل به ذلك تعذّرتْ إعادته. وقد أوضح هذا المعنى ما رواه
بعضُ الرواة في غير كتاب مسلم قال: ((فلعلِّي أُضِلُّ اللَّه )) أي: أغيبُ عنه. وهذا
ظاهرٌ في شكِّ الرجل في علم الله تعالى، والأُولى ظاهرةٌ في شكِّه في أنه تعالى
يقدرُ على إعادته، ولما كان هذا انقسم الناسُ في تأويل هذا الحديث قسمين:
القسم الأول طائفة حملتْ ذلك على ظاهره، وقالوا: إن هذا الرجلَ جَهِلَ صفتين
مِن صفات الله تعالى وهما: العلم والقدرة، ومَن جهل ذلك لم يخرجْ من اسم
الإيمان، بخلاف مَن جحدها، وإليه رجع أبو الحسن الأشعري، مع أنه قد كان
تقدَّم له قولٌ آخر بأنه مكفّر. وهو مذهبُ الطبري.
قلتُ: وهذه الطائفةُ انصرفتْ عن معنى الحديث إلى معنى آخر، اخْتَلَفَ فيه
المتكلمون. وهو تكفيرُ مَن اعترف بأنّ اللَّهَ قادرٌ بلا قدرة، وعالمٌ بلا علم، ومريدٌ
بلا إرادة، فهل يُكفَّر أم لا يكفّر؟ على اختلاف القولين المتقدِّمَيْن. ولا يختلف
المسلمون في أن مَن جهلَ أو شكَّ في كون الباري تعالى عالماً به وقادراً على
إعادته كافر، حلال الدم في الدنيا، مخلّد في النار في الآخرة؛ لأن ذلك معلومٌ من
الشرع بالضرورة، وجَحْدُه أو الشك فيه تكذيبٌ للرسولِ وَله قطعاً. فمقتضى
الحديث بظاهره أنَّ الرجلَ كافرٌ على مُقتضى شريعتنا. ولذلك قالت طائفةٌ: فلعلَّ
شَرْعَ ذلك الرجل لم يكنْ فيه الحكمُ بتكفيرِ مَن جَهِلَ ذلك، أو شكّ فيه، والتكفيرُ
حكمٌ من الأحكام الشرعية فيجوزُ أن تختلفَ الشرائع فيه، كما قال تعالى: ﴿لِكُلّ
جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةٌ وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].

٧٦
(٣٨) كتاب الرقاق - (٢) باب: ما يُجاف من عقاب الله على المعاصي
فجمع ما فيه، ثم قال: لم فعلت هذا؟ قال: من خشيتك يا رب! وأنت
أعلم. فغفر الله له)).
رواه البخاريُّ (٧٥٠٦)، ومسلم (٢٧٥٦) (٢٤).
قلتُ: وهذا فيه نظرٌ؛ لأنَّ هاتين القاعدتين من ضروريات الشرائع، إذ
لا تصحُ شريعةٌ مع الجهل، فإن اللَّهَ عالمٌ، قادر، مُريد، ولا مع الشكِّ فيها، فلا بُدَّ
أن تنصَّ الرسلُ لقومهم على هذه الصفات، مع أنَّ العقولَ تدلُّ علیھا، فیکون العلمُ
بها(١) ضرورياً من كلِّ الشرائع، كما كان ذلك ضرورياً في شرعنا، فيكون جاحدُ
ذلك والشاكُّ فيه مكذِّباً لرسوله، وتكذيبُ الرسل كفرٌ في كلِّ شرع بالضرورة.
وقالت طائفةٌ ثالثة: يجوزُ أن تكونَ شريعةُ أولئك القوم أنَّ الكافر يُغْفَرُ له، فإنَّ هذا
جائزٌ عقلاً، فلا يبعدُ أن يكونَ ذلك شرعاً مع القَطْع بأنَّ ذلك لا يصحُّ في شرعنا،
ومَن شك فيه فهو كافر.
قلتُ: وهذا يتطلَّبُ أيضاً أحاديثَ الشفاعة المتقدمة في الإيمان، فإنَّها
تقتضي أنَّ أهلَ التوحيد المعذَّبين في النار إذا شَفَعَ فيهم أنبياؤهم، وشفع نبيّنا وَله
حتى لا يبقى أحدٌ من أمته في النار قال حينئذ نبيّنا: ((يا رب! ائذنْ لي فيمن قال لا
إله إلا الله، فيقول الله له: ليس ذاك إليك، فحينئذٍ يقولُ الله: وعزَّتي وجلالي!
خلود الكافر لأُخرجنَّ مَن قال لا إله إلا الله))(٢). وعموماتُ القرآن تدلُّ على أنَّ من مات كافراً،
في النار
كائناً من كان، لا يخرج من النار، ولا تناله شفاعةُ شافعٍ.
القسم الثاني: قالوا إنه لم يكنْ جاهلاً بصفةٍ من صفات الله تعالى، ولا شاكّاً
في شيء منها، وتأوَّلوا الحديثَ تأويلاتٍ:
أحدها: أن الرجلَ صَدَر عنه ما صَدَرَ حالةَ خوفٍ غالبٍ عليه، فغَلِطِ، فلم
(١) في (ز): بذلك.
(٢) رواه البخاري (٧٥١٠)، ومسلم (١٩٣) (٣٢٦).

٧٧
(٣٨) كتاب الرقاق - (٢) باب: ما يُجاف من عقاب الله على المعاصي
[٢٦٧٠] وعن أبي سعيد الخدري، عن النَّبِيِّ بَّ: ((أنَّ رجلاً فيمن
كان قبلكم رَاشَهُ الله مالاً وولداً، فقال لولده: لَتَفْعَلُنَّ ما آمركم به، أو
لأُوَلِّيَنَّ ميراثي غيرَكُم! إذا أنا متُّ فأحرقوني - وأكبر علمي أنه قال -: ثم
يُؤاخَذْ بقوله ذلك، كما لم يُؤَاخَذِ القائلُ: ((اللهم أنت عبدي وأنا ربك))(١).
وثانيها: أن هذا جارٍ على نحو ما قد جرى في كلام العرب البليغ ممَّا يُسمِّيه
أهلُ النقد: تجاهل العارف، وسمَّاه ابنُ المعتز: مَزْج الشكّ باليقين، وهو نحو
قوله تعالى: ﴿لَّعَلَُّ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٤]، وقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ لِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدّى
أَوْ فِ ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤]، وكقول الشاعر:
وبَيْنَ النَّقَا أأنتِ أَمْ أُمُّ سَالِمٍ
أَيَا ظَبْيَةَ الوَعْساءِ بَيْنَ جَلَاجِلٍ
وقد علم أنها هي. ومثله کثیر.
وثالثها: أن ((قدر)) معناه: ((ضيّق)). يعني أن الله تعالى إن ناقشه الحساب
وضيّقه عليه ليعذبنه أشد العذاب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ ﴾
[الطلاق: ٧] أي: ضيق عليه، وهذا التأويلُ حَسَن، لكنه يخصّ لفظ قدر،
والتأويلُ الأول أولى لأنه يعمّ: (قدر)، و (لعلّي أضل الله) ويشهد لكون هذا
الحديث مُؤَوَّلاً، وليس على ظاهره قوله في آخر الحديث حين قال اللَّهُ له:
((ما حَمَلَك على ما صنعت؟ فقال: خشيتُك يا رب)). فلو كان جاهلاً بالله، أو
بصفاته، لما خافه، ولما عمل شيئاً لله، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((راشه الله مالاً))) كذا الرواية الصحيحة، ومعناه: أكسبه الله مالاً.
قال ابنُ الأعرابي: الرياش: المال. قال القتبي: أصلُه من الريش، كأن المعدمَ
لا نهوضَ له مثل المقصوص من الطير. وعند الفاسي: رأسه بألف مهموزة وسين
مهملة، وهو تصحيفٌ، ولا وَجْه له. وفي رواية: ((رغسه الله مالاً وولداً) بغين
(١) انظره في التلخيص برقم (٢٧٧٢).

٧٨
(٣٨) كتاب الرقاق - (٢) باب: ما يُجاف من عقاب الله على المعاصي
اسحقوني، واذروني في الرِّيح فإنّي لم أبْتَهِرْ عند الله خيراً، وإن الله يَقْدِرُ
عليَّ أن يُعَذِّبني! قال: فأخذ منهم ميثاقاً، ففعلوا ذلك به وربي! فقال الله:
ما حملك على ما فعلت؟! قال: مخافتك! قال: فما تَلَفَاهُ غيرُها)).
وفي روايةٍ: ((رَغَسَهُ اللَّهُ مالاً وولداً)، وفيها: ((لم يبتثر عند الله
خيراً). فسَّرها قتادةُ: لم يدَّخِر.
وفي أخرى: ((ما ابتأر)).
وفي أخرى: ((ما امتأر)).
رواه البخاريُّ (٣٤٧٨)، ومسلم (٢٧٥٧) (٢٧ و٢٨).
معجمة وسين مهملة، أي: أعطاه اللَّهُ تعالى مِن ذلك كثيراً. قال أبو عبيد: يقال:
رَغَسه الله يرغسُه رغساً: إذا كان مالُه نامياً كثيراً، وكذلك هو في الحسب.
و (قوله: ((فلم يبتهر)) بالهاء رواية الشيوخ، وعند ابن ماهان: لم يبتثر،
بالهمزة، وكلاهما بمعنى واحد، والهمزة تبدل من الهاء، وكذلك ابتار وامتار
بالباء، والميم فإنها تبدل منها. وقد فسّرها في الأصل فقال: لم يدَّخر. وهو تفسيرٌ
صحیح، ویشهدُ له المعنى والمساق.
و (قوله: ((فإنَّ اللَّهَ يقدرُ على أن يُعَذِّبني))) وجدنا الروايات والنسخ تختلفُ
في ضبط هذه الكلمات، وحاصلُه يرجع إلى تقییدین:
أحدهما: تشديد إنّ مكسورة ونصب الاسم المعظّم بها، ويقدر مرفوعاً فعل
مضارع، وهو خبر إنَّ، على أنَّ يعذِّبنى متعلَّق به، وهذا خبرٌ محقِّق عن الرجل،
أخبر به عن نفسه أن الله يقدر على تعذيبه، وهي روايةٌ صحيحة لقول من قال: لم
يكن جاهلاً ولا شاكّاً، وإنما كان خائفاً.

٧٩
(٣٨) كتاب الرقاق - (٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى
(٣) باب
في رجاء مغفرة الله تعالى وسعة رحمته
[٢٦٧١] عن عبد الله بن مسعودٍ قال: قال رسول الله وَليقول: ((ليس
أحدٌ أحَبَّ إليه المدحُ من الله عزَّ وجلَّ، من أجل ذلك مَدَحَ نفسه. ولیس
وثانيهما: تخفيف إن المكسورة، ورفع اسم الله تعالى بعدها، وجزم يقدر
بها عليَّ مشددة الياء، ويعذُّبْني مجزومٌ على جواب الشرط. وهذه الروايةُ مصحَّحةٌ
لقول مَن قال: إن الرجلَ كان شاكّاً على ما ذكرناه. والأول أشبه ما اخترناه، والله
تعالى أعلم.
ومعظمُ فوائد هذا الحديث أنَّ المسرفَ على نفسه لا يَيْأسُ من رحمة عدم اليأس من
الله تعالى ومغفرته، وفيه ما يدلُّ على أنه كان من شرائع مَن قبلنا أنَّ للرجل أن رحمة الله
يُورث ماله من يشاء من الناس، فنسخ ذلك شرعُنا.
(٣) ومن باب: رجاء مغفرة الله سبحانه وسعة رحمته
(قوله: ((ليس أحدٌ أحبُّ إليه المدح من الله))). القييدُ الصَّحيح رفع أحب ثواب الله تعالى
على أنه خبر مقدَّم، ومبتدؤه المدح، والجملة خبر ليس. وقد قيَّده بعضُ الناس: لمادحيه
أحبَّ بالنصب على أنه خبر ليس، وفيه بُعْدٌ وتكلف، وقد تقدَّم القولُ في محبة الله
غير مرَّة، ومعناها هنا: أن اللَّهَ تعالى يثيبُ مادحيه بما لا يثيبُ أحدٌ من الخلق
مادحه.
و(قوله: ((من أجل ذلك مَدَح نفسه))) أي: من أجل أن يثيبَ مادحيهمَدَح
نفسه، لا أنه يهتزُّ للمدح ويرتاحُ له؛ فإنَّ ذلك من سمات فقرنا وحُدوثنا، وهو مُنَزَّهٌ
عن ذلك كلِّه، وقد تقدَّم القولُ في غَيْرة الله تعالى في الحدود.

٨٠
(٣٨) كتاب الرقاق - (٣) باب: في رجاء مغفرة الله تعالى
أحدٌ أغْيَرَ من الله، من أجل ذلك حرَّم الفواحش. وليس أحدٌ أحبَّ إليه
العذرُ من الله، من أجل ذلك أنزل الكتاب، وأرسل الرسل)).
رواه أحمد (٣٨١/١)، والبخاريُّ (٥٢٢٠)، ومسلم (٢٧٦٠)
(٣٥).
[٢٦٧٢] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله يَغَارُ،
وإنَّ المؤمن يغار، وغيرةُ الله أن يأتي المؤمنُ ما حَرَّم عليه)».
رواه أحمد (٣٤٣/٢)، والبخاريُّ (٥٢٢٣)، ومسلم (٢٧٦١)،
والترمذيُّ (١١٦٨).
[٢٦٧٣] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَل: ((والذي نفسي
و (قوله: ((وليس أحدٌ أحبُّ إليه العذر من الله تعالى))) أي: الاعتذار، يعني:
التقدمة بالبيان والأعذار. ويحتمل أن يريدَ الاعتذار من عباده له من ذنوبهم إذا
استغفروا منها .
الصبور: مز
أسماء
الله تعالى
و (قوله: ((ما أحدٌ أصبر على أذىّ يسمعُه من الله))(١)) الصبر في اللغة: حبس
النفس على ما تكرهه، أو يشقُّ عليها، وذلك على الله تعالى محالٌ، لكنه قد يكون
معه الصفحُ عن الجاني، والحلم عليه، والرِّفق به، وكلُّ ذلك موجودٌ من الله تعالى
فحسنٌ أن يُطلق الله تعالى ذلك على نفسه، وقد سمَّى نفسه بالصبور كما جاء في
الحدیث.
(١) ليست هذه العبارة في أحاديث الباب، ولكنها منتزعة من حديثٍ لمسلم برقم (٢٨٠٤)
(٤٩) كتاب: صفات المنافقين.