Indexed OCR Text
Pages 1-20
المقـ ◌ِمَا أَشْكَلَ مِنْتَّ خِيصِ كَّبِ مُسْلِمِ تَألِيْف الإمام الحافظ أبي العَّاسر أحمدبن محمدبن إبراهيم القرطبي ٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية الجُمُ السَّائِعُ مَعَ الْفَهَارِسِ الْعِلِيَّة حقَّقَهُ وَعَلََّ عَلَيْهِ وَقََّّمَلَهُ محي الدّين ديبتو أحمد محمّد السيّد يوسف علي بديوي محمود إبراهيم زال ◌َارُ الكِ الظَُّ ,,% دمشق - بيروت دمشق - بيروت بسم الله الرحمن الرحيم حُقُوقُ الطَّبِعِ وَالتَُّويُرِ مَخَفُوَظَةٌ لِلنَّاشِرَيْن الطّبعة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦م دارابن كثير للطِبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتّوزيع دمشق - حَلبوني - جَادة ابن سينا - بناء الجَابي ص.ب: ٣١١ - تلفون: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٤٣٥٠٢ بَيروت - برج أبي حيدر - خلف دبوس الأصلي ص.ب: ١١٣/٦٣١٨ تلفون: ٨١٧٨٥٧ -٢٠٤٤٥٩ - ٠٣ دطاط الشاب والطباعة والنشر والتوزيع دمشق - حلبوني - شارع مسلم البارودي هاتف ٢٩٢٩٨٨٦ ص.ب ٣٠٥٥٢- بريت في : ١١٣/٦٢١٨ القهر ◌ِمَا أَشْكَلَ مِنْتَّ خِيصِ كَّبِ مُسْلِمِ الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمفهم اسم الكتاب ورقمه الجزء والصفحة اسم الكتاب ورقمه الجزء والصفحة آداب الأطعمة (٢٧) ٢٩٣/٥ الرؤيا (٣٢) ٥/٦ الاستسقاء (٦) ٣٥٨/٢ الزكاة (٩) ٥/٣ الاعتكاف وليلة القدر (١١) ٢٤٠/٣ الزهد (٣٩) ١٠٧/٧ الأدب (٣٠) ٤٥٣/٥ الصدقة والهبة والحبس (٢٠) ٥٧٨/٤ ٥/٢ الأذكار والدعوات (٣٧) الصلاة (٣) ٥/٧ ٥٢٣/٢ ٢٤٦/٥ الأشربة (٢٦) ١٣٥/٣ الأضاحي (٢٨) ٣٤٧/٥ الصوم (١٠) ٢٠٤/٥ الأقضية (٢٤) ١٤٧/٥ الصيد والذبائح (٢٥) ٤/ ٢٢٤ الطلاق (١٦) ٤/ ٥ الإمارة والبيعة (١٤) ١٣١/١ الإيمان (١) ٤٧٣/١ الطهارة (٢) ٣٠٩/٤ العتق (١٧) ٦٨٤/٦ العلم (٣٦) الفتن وأشراط الساعة (٤١) ٢٠٦/٧ ٦٤٩/٦ القدر (٣٥) الجمعة (٤) ٤٧٨/٢ القسامة والقصاص والدیات (٢٢) ٥/٥ ٥٦٩/٢ الجنائز (٨) ٥١١/٣ ٣٨٥/٥ اللباس (٢٩) الحج (١٢) ٥/ ٧٠ ٤٦/٦ النبوات (٣٣) ٤/ ٦٠٤ النذور والأيمان (٢١) الحدود (٢٣) ١٤٢/٧ ذكر الموت وما بعده (٤٠) ٦٩/٧ الرقاق (٣٨) ٤/ ٨٠ النكاح (١٥) ٤/ ٥٣٩ ٥٦٣/٥ الرقى والطب (٣١) الوصايا والفرائض (١٩) ٢/ ٥٤٩ كسوف الشمس والقمر (٧) الجهاد والسير (١٣) ٢٥٥/٣ ٣١٤/٧ التفسير (٤٢) ٥٠٨/٦ البر والصلة (٣٤) البيوع (١٨) ٣٦٠/٤ صلاة العيدين (٥) ٥ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالى (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات (١) باب الترغيب في ذكر الله تعالى [٢٦١٣] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَله: ((يقول الله: أنا عند ظن عبدي بي، (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات [(١) ومن باب: الترغيب في ذكر الله تعالى](١) (قوله تعالى: ((أنا عند ظنِّ عبدي بي))) قيل: معناه ظنّ الإجابة عند الدعاء، معنى ظنّ وظنُّ القبول عند التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن قبول الأعمال عند الإجابة عند فعلها على شروطها تمسُّكاً بصادق وعده، وجزيل فضله. قلت: ويؤيِّده قولُه ◌َآلات : الدعاء ((ادعُوا الله وأنتم موقنون بالإجابة))(٢). وكذلك ينبغي للتائب والمستغفر، وللعامل أن يجتهدَ في القيام بما عليه من ذلك، مُوقِناً أن اللَّهَ تعالى يقبلُ عمله، ویغفرُ ذنبه، (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. (٢) رواه الترمذي (٣٤٧٤). ٦ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالى وأنا معه حین یذکرني، فإن اللَّهَ تعالى قد وعد بقبول التوبة الصَّادقة، والأعمال الصَّالحة، فأمَّا لو عمل هذه الأعمال، وهو يعتقد، أو يظنُّ أنَّ اللَّهَ تعالى لا يقبلها، وأنها لا تنفعُه، فذلك هو القنوطُ من رحمة الله، واليأس من روح الله، وهو من أعظم الكبائر، ومَن مات على ذلك وَصَلَ إلى ما ظنَّ منه، كما قد جاء في بعض ألفاظ هذا الحديث: ((أنا عند ظنٌّ عبدي بي، فليظنَّ عبدي بي ما شاءً)(١). فأما ظنُّ المغفرة والرَّحمة مع الإصرار على المعصية، فذلك محضُ الجهل، والعزَّة، وهو يجرُّ إلى مذهب المرجئة، وقد قال ◌َله: ((الكيِّس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبعَ نفسَه هواها، وتمَّى على الله))(٢). والظن: تغليبُ أحد المجوَّزين بسبب يقتضي التغليب، فلو خلا عن السبب المغلِّب لم يكن ظّاً بل غرَّةً وتمنياً. وقد تقدَّم في الجنائز الكلامُ على قوله: ((لا يموتن أحدُكم إلا وهو يحسنُ الظنّ بالله))(٣). و (قوله: ((وأنا معه حين يذكرني))) أصلُ الذُّكْر: التنبهُ بالقلب للمذكور، والتيقظ له، ومنه قوله: ﴿أَذْكُرُواْنِعْمَتِىَ الَّتِى أَنْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] أي: تذكّروها. وقوله وَّج: ((من نام عن صلاة، أو نسيها فليصلُها إذا ذكرها))(٤). أي: إذا تذكرها بقلبه. وهو في القرآن كثير. وسُمِّي القولُ باللسان ذِكْراً؛ لأنه دلالةٌ على الذِّكْر القلبي، غير أنَّه قد كثر اسمُ الذكر على القول اللُّساني حتى صار هو السَّابق للفهم، وأصلٌ مع الحضور والمشاهدة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِ مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦]، وكما قال: ﴿وَهُوَ مَعَكُنْ أَيْنَ مَا كُتُمْ﴾ [الحديد: ٤] أي: مطّلعٌ عليكم، (١) رواه أحمد (٤٩١/٣ و١٠٦/٤)، وابن حبان في صحيحه (٦٣٣)، (وابن المبارك في الزهد (٩٠٩). (٢) رواه الترمذي (٢٤٦١). (٣) رواه مسلم (٢٨٧٧)، وأبو داود (٣١١٣). (٤) ذكره ابن عبد البر في التمهيد (٢٨٩/٣ و٢١٦/٥ و٢٥١ و٣٩٧/٦). وانظر: المصنف لابن أبي شيبة (٦٤/٢). ٧ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالى إنْ ذكرني في نفسه؛ ذكرته في نفسي، وإن ذكرني في ملأٍ ؛ ذكرته في ملأ خیرٍ منھُم، ومحيطٌ بكم، وقد ينجزُّ مع ذلك الحفظ والنصر. كما قيل في قوله تعالى: ﴿إِنَّنِى مَعَكَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ أي: أحفظكما ممن يريدُ كيدكما. وإذا تقرر هذا فيمكن أن يكون معنى: ((وأنا معه إذا ذكرني)) أن مَن ذكر اللَّهَ مكانة الذاكر في نفسه مُفرَّغةً مما سواه رفع اللَّهُ عن قلبه الغفلات، والموانع، وصار کأنَّه یری اللَّهَ ويشاهده - وهي: الحالةُ العليا التي هي: أن تذكَر اللَّهَ كأنك تراه، فإن لم تصلْ إلى هذه الحالة، فلا أقلّ من أن يذكره، وهو عالمٌ بأن اللَّهَ يسمعُه ويراه. ومَن كان هكذا كان اللَّهُ له أنيساً إذا ناجاه، ومجيباً إذا دعاه، وحافظاً له من كلِّ ما يتوقّعه ويخشاه، ورفيقاً به یوم یتوقَّاه، ومُحِلّ له من الفردوس أعلاه. و (قوله: ((فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي))) النفس: اسْمٌ مشترك يُطلق على نفس الحيوان، وهي المتوفاةُ بالموت والنوم، ويطلق ويراد به: الدَّم، واللَّهُ تعالى مُنَّه عن ذينك المعنيين، ويطلق ويُراد به ذات الشيء وحقيقته، كما يقال: رأيت زيداً نفسه عينه، أي: ذاته. وقد يطلق ويراد به الغيبُ كما قد قيل في قوله تعالى: ﴿تَعْلَمُ مَا فِى نَفْسِى وَلَآَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ﴾ [المائدة: ١١٦] أي: ما في غيبك. والأليقُ بهذا الحديث: أن يكون معناه: أن من ذَكَر اللَّهَ تعالى خالياً منفرداً ثواب ذِكر الله بحيث لا يطّلع أحدٌ من الخليقة على ذِكْره، جازاه اللَّهُ على ذلك بأن يذكره بما أعدَّ له من كرامته التي أخفاها عن خليقته. حتى لا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعينٍ جزاءً بما كانوا يعملون. وقد قلنا: إنّ التسليم هو الطريقُ المستقيم. و (قوله: ((وإن ذكرني في ملأ ذكرتُه في ملأ خيرٍ منهم))) يعني: أن من يذكره في ملأ من الناس ذكره اللَّهُ في ملأ من الملائكة، أي: أثنى عليه، ونوَّه باسمه في الملائكة، وأمر جبريلَ أن يُنادي بذكره في ملائكة السموات كما تقدَّم، وهو ظاهِرٌ ٨ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالى وإن تقرَّب مني شِبْراً تقربت منه ذراعاً، وإنْ تقرَّب إليَّ ذراعاً تقربت منه باعاً، وإنْ أتاني يمشي؛ أتيتُهُ هرولةً». وفي رواية: ((إنَّ الله يقول: أنا عند ظنِّ عبدي بي، وأنا معه إذا دعاني)) . رواه أحمد (٢٥١/٢)، والبخاريُّ (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) (٢ و ١٩)، والترمذيُّ (٣٦٠٣)، وابن ماجه (٣٨٢٢). في تفضيل الملائكة على بني آدم، وهو أحدُ القولين للعلماء. وللمسألة غورٌ ليس هذا موضعُ ذكره. و (قوله: ((وإن تقرَّب إليّ شبراً تقرَّتُ إليه ذراعاً ... إلى قوله: أتيته هرولةً))) هذه كلُّها أمثالٌ ضُرِبت لمن عمل عملاً من أعمال الطاعات، وقصد به لا يضيع الله التقرُّب إلى الله تعالى، يدلُّ على أنَّ اللَّهَ تعالى لا يضيعُ عملَ عامل وإن قلَّ، بل عَمَّل عاملٍ وإن يقبله ويجعل له ثوابَه مضاعفاً. ولا يَفْهَمُ مِن هذا الحديث: الخُطَا: نقل الأقدام؛ إلا قلَّ من ساوى الحُمر في الأفهام. فإن قيل: مقتضى ظاهر هذا الخطاب: أنَّ مَن عمل حسنةً جُوزي بمثليها، فإن الذراعَ: شبران، والباع: ذراعان. وقد تقرَّر في الكتاب والسُّنَّة: أن أقلَّ ما يُجازى على الحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمئة ضعف إلى أضعافٍ كثيرةٍ لا تُخْصَى، فكيف وَجْه الجمع؟ قلنا: هذا الحديثُ ما سيق لبيان مقدارِ الأجور، وعَدَد تضاعيفها، وإنما سِيق لتحقيق أنَّ اللَّهَ تعالى لا يضيعُ عمل عاملٍ - قليلاً كان أو كثيراً - وأن اللَّهَ تعالى يُسْرع إلى قبوله، وإلى مضاعفة الثواب عليه إسراع من جيء إليه بشيء فبادر لأخذه، وتبشبش له بشبشةً من سُرَّ به، ووقع منه الموقع، ألا ترى قوله: ((مَن(١) أتاني يمشي أتيتُه هرولة))، وفي لفظ آخر: ((أسرعتُ إليه)). ولا تتقدَّر الهرولةُ والإسراع بضعفي المشي، وأما عددُ الأضعاف، (١) في التلخيص: ((وإن)). ٩ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالى [٢٦١٤] وعنه؛ قال: كان رسولُ الله ◌َ له يسير في طريق مكة فمرَّ على جبلٍ يقال له: جُمْدَانُ. فقال: ((سيروا! هذا جُمْدَانُ؛ سبق المُفَرِّدون)). قالوا: وما المفرِّدون يا رسول الله؟! قال: ((الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)). رواه أحمد (٣٢٣/٢)، ومسلم (٢٦٧٦)، والترمذيُّ (٣٥٩٦). فيؤخذ من موضعٍ آخر لا من هذا الحديث. والله أعلم. و (قوله: ((هذا جُمْدَان))) هو بضم الجيم وسكون الميم، وهو جبلٌ بين قُدَيْد وعُشْفان من منازل أسلم. و (قوله: ((سبق المُفَرِّدون))) قال القاضي: ضبطتُهُ عن متقني شيوخنا بفتح سَبْقُ الذاكرين الفاء وكسر الراء. قال الهروي: قال أبو العباس عن ابن الأعرابي: فَرَد الرجل: إذا ثم تفقَّه، واعتزلَ النَّاس، وخلا بمراعاة الأمر والنهي. وقال الأزهريُّ: هم المتخلقون(١) من الناس بذكر الله تعالى. وقد فسَّرهم النبيُّ ◌َّر فقال: ((هم الذاكرون اللَّهَ كثيراً والذَّاكرات)). وقال في غير كتاب مسلم: ((هم المُسْتَهْتِرُون بذكر الله تعالى، يضعُ عنهم الذكرُ أوزارهم فيردون يوم القيامة خفافاً)(٢). وإنما ذكر النبيّ ◌َ﴿ هذا القولَ عقيب قوله: ((هذا جُمْدان))، لأنَّ جُمْدان جبل منفرد بنفسه هنالك، ليس بحذائه جبلٌ مثله، فكأنه تفرَّد هناك فذكره بهؤلاء المفرِّدين. والله أعلم. وهؤلاء القومُ سبقوا في الدنيا إلى الأحوال السَّنِيّة، وفي الآخرة إلى المنازل العلية . و (قوله: ((الذاكرون الله كثيراً والذاكرات)») هذه الكثرةُ المذكورةُ هنا هي (١) في (ز) و (م ٤): المتحلّون. (٢) رواه الترمذي (٣٥٩٦). ١٠ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (١) باب: الترغيب في ذكر الله تعالى المأمورُ بها في قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَذَّكُرُواْ اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: ٤١]، وهذا المساقُ يدلُّ على أنَّ هذا الذكر الكثيرَ واجبٌ، ولذلك لم یکتف بالأمر حتى أكَّده بالمصدر، ولم يكتف بالمصدر حتى أكده بالصفة، ومثل استدامة ذِكْر هذا لا يكونُ في المندوب. وظهر أنه ذكرٌ كثيرٌ واجب، ولا يقول أحدٌ بوجوب الله باللسان الذِّكر باللسان دائماً، وعلى كلِّ حال، كما هو ظاهرُ هذا الأمر، فتعيَّن أن يكونَ والقلب ذكرَ القلب، كما قاله مجاهد. وقال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: ليس شيءٌ من الفرائض إلا وله حدٍّ ينتهي إليه إلا ذِكْرُ الله، ولم يقلْ هو ولا غيره - فيما علمناه - أن ذكرَ الله باللسان يجبُ على الدوام، فلزِم أنه ذكرُ القلب، وإذا ثبتَ ذلك، فذكر القلبُ لله تعالى، إما على جهة الإيمان والتصديق بوجوده، وصفات كماله وأسمائه فهذا يجبُ استدامته بالقلب ذكراً أو حكماً في حال الغفلة؛ لأنه لا ينفكُ عنه إلا بنقيضه، وهو الكفر. والذكر الذي ليس راجعاً إلى الإيمان: هو ذكرُ الله عند الأخذ في الأفعال، فيجبُ على كلِّ مكلَّفٍ ألا يقدمَ على فِعْل من الأفعال، ولا قول من الأقوال - ظاهراً ولا باطناً - إلاَّ حتى يعرف حُكْمَ الله في ذلك الفعل؛ لإمكان أن يكونَ الشرعُ مَنَعَهُ منه، فإما على طريق الاجتهاد إن كان مجتهداً، أو على طريق التقليد إن كان غير مجتهد، ولا ينفكُ المكلَّفُ عن فِعْلِ أو قول دائماً، فَذِكْرُ اللَّهِ يجبُ عليه دائماً، ولذلك قال بعضُ السلف: اذكرِ اللَّهَ عندهمِّك إذا هممتَ، وحُكْمك إذا حكمت، وقَسْمك إذا قَسَمتَ، وما عدا هذين الذُّكْرَيْنِ لا يجبُ استدامتُه ولا كثرته. والله أعلم. * ١١ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢) باب: فضل مجالس الذكر والاستغفار (٢) باب فضل مجالس الذكر والاستغفار [٢٦١٥] عن أبي هريرة، عن النَّبيِّ وَّه قال: ((إنَّ لِلَّه تبارك وتعالى ملائكةٌ سيَّارةَ فُضْلاً يَتَبَّعُون مجالس الذكر؛ فإذا وجدوا مجلساً فيه ذكرٌ قعدوا معهم، وحَفَّ بعضُهم بعضاً بأجنحتهم. حتى يملؤوا ما بينهم وبين (٢) ومن باب: فضل مجالس الذكر (قوله: ((إن الله ملائكةً سيارةً فَضْلاً))) بفتح الفاء وإسكان الضاد. روايةٌ الشيوخ في مسلم والبخاري. أي: زيادة على كتّاب الناس، وعند الهروي: فضلٌ - برفع اللام ــ على أنه خبرُ مبتدأ. ووقع عند بعضهم: فُضُلاً - بضم الفاء والضاد -. وكأنه تأوَّله على أنه جمع فاضل، ولا تساعده العربية، ولا المعنى. وعند بعضهم: فُضَلاء - بضم الفاء وفتح الضاد والمد والهمز - كظرفاء. والملائكة وإن كانوا كلّهم كذلك، فليس هذا موضع ذكر ذلك، والصواب التقييد الأول. و (قوله: ((فإذا وجدوا مجلسَ ذكرٍ قعدوا معهم، وحفَّ بعضُهم بعضاً بأجنحتهم») هذه روايةُ السجزيِّ والسَّمرقندي، أي: يحدقون حولهم، ومصداقها في البخاري: ((يحقُّونهم بأجنحتهم))، وفي كتاب ابن عيسى: وحطّ - بحاء وطاء مهملتين - ومعناه: أشار بعضهم لبعض بالنزول، ووقع عند العذريٍّ: حظ: - بالظاء القائمة المعجمة - وعند بعضهم: بالساقطة، وليسا بشيءٍ، وهما تصحيف. و (قوله: ((سيَّارة))) يعني: سائرين، كما قال في رواية أخرى: ((سيَّاحین)). و (قوله: ((فإذا وجدوا مجلس ذكر قعدوا معهم))) يعني: مجالس العلم مجالس العلم والتذكير. وهي المجالس التي يذكر فيها كلامُ الله، وسُنَّة رسوله، وأخبار السلف والتذكير الصالحين، وكلام الأئمة الزمَّاد المتقدِّمين، المبرَّأة عن التصنُّع والبِدَع، والمنزَّهة عن المقاصد الرديَّة والطمع، وهذه المجالسُ قد انعدمتْ في هذا الزمان، وُوِّض ١٢ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢) باب: فضل مجالس الذكر والاستغفار السَّماء الدنيا، فإذا تفرقوا عَرجُوا وصَعِدُوا إلى السَّماء. قال: فيسألهم الله - عزَّ وجلَّ - وهو أعلم -: من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عبادٍ لك في الأرض يُسَبِّحونك، ويكبِّرُونَك، ويهلِّلونك، ويَحْمَدونَك، ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جَنّتَك. قال: وهل رَأَوْا جنَّتي؟ قالوا: لا. أيْ رَبِّ! قال: فكيف لو رأوا جنَّتي؟! قالوا: ويستجيرونك. منها الكذب والبِدَع، ومزامير الشّيطان. نعوذُ بالله من حُضُورها، ونسأله العافية من شرورها. و (قوله: ((فيسألهم - وهن أعلم -: من أين جئتم؟))) هذا السؤالُ من الله تعالى للملائكة، هو على جهة التّنبيه للملائكة على قولها: ﴿أَّجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَآءَ﴾ [البقرة: ٣٠] وإظهارٌ لتحقيق قوله: ﴿ إِنّ أَعْلَمُ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٣٠] وهو من نحو مباهاة الله تعالى الملائكة بأهل عرفة حين قال لهم: ((ما أراد هؤلاء؟ انظروا إلى عبادي جاؤوني شعثاً غبراً، أشهدكم أني قد غفرتُ لهم))(١). وكذلك نُصَّ عليه في الحدیث. و (قوله: ((ویمجدونك))) أي: يعظّمونك بذکر صفات كمالك وجلالك. وقد تقدَّم: أنّ أصلُ المجد الكثرة، ومنه قولهم: في كلِّ شجرة نارٌ، واستمجد المرغُ والعفار. مزيّة المعاينة على العلم و (قوله: ((كيف لو رأوا جَنَّتي؟)) هذا يدلُّ على أنَّ للمعاينة زيادةَ مزيَّةٍ على العلم في التحقيق والوضوح؛ فإن هؤلاء القوم المتذكِّرين للجنة والنار كانوا عالمين بذلك، ومع ذلك: فإن اللَّهَ تعالى قال: ((فكيف لو رأوها)) يعني: لو رأوها لحصلَ من اليقين والتحقيق زيادةٌ على ما عندهم، ولتحصيل هذه الزيادة سأل موسى الرُّؤية، والخليل مشاهدة إحياء الموتى، وقد تقدَّم هذا المعنى. (١) رواه ابن خزيمة (٢٨٤٠)، والبغوي في شرح السنة (١٩٣١). ١٣ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٢) باب: فضل مجالس الأذكار والدعوات قال: وممَّ يَسْتجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب! قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟! قالوا: ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، وأعطيتُهم ما سألوا، وأجرتُهم ممَّا استجاروا. قال: يقولون: رَبِّ فيهم فلانٌ عبد خطَّاءٌ؛ إنما مرَّ فجلس معهم! قال: فيقول: وله غفرتُ، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)). رواه أحمد (٣٥٨/٢)، ومسلم (٢٦٨٩). # و (قول الملائكة: ((فيهم فلان عبدٌ خطَّاء، إنما مرَّ فجلس معهم))) إنما الترغيب في استبعدتِ الملائكةُ أن يدخلَ هذا مع أهل المجلس في المغفرة؛ لأنه لم تكن عادته حضور مجالس الذكر حضور مجالس الذِّكر، وإنما كانت عادته ملازمة الخطايا، فعرض له هذا المجلس، فجلسه، فدخل مع أهله فيما قُسِم لهم من المغفرة والرحمة. فيستفاد منه الترغيب العظيم، في حضور مجالس الذِّكْر، ومجالسة العلماء والصَّالحين، وملازمتهم. و (قوله: ((هم القومُ لا يَشْقَى بهم جليسُهم))) هذه مبالغٌ في إكرامهم، وزيادةٌ الذاكرون لا في إعلاء مكانتهم، ألا ترى: أنه أكرمَ جليسَهم بنحو ما أُكْرِمُوا به لأجلهم، وإن لم يشقى جليسُهم يشفعُوا فيه، ولا طَلَّبُوا له شيئاً، وهذه حالةٌ شريفة، ومنزلة منيفة، لا خيَّبنا اللَّهُ منهم، وجعلنا من أهلها . ١٤ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٣) باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى (٣) باب فضل إحصاء أسماء الله تعالی [٢٦١٦] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَّ قال: ((إنَّ لله تسعةً وتسعينَ اسماً مَنْ حَفِظَها دخل الجنَّة واللَّهُ وِتْر یحب الوتر)). وفي رواية: ((وإنَّ للَّهِ تسعةً وتسعين اسماً مئة إلا واحداً؛ من أحصاها دخل الجنة)). رواه أحمد (٢٦٧/٢)، ومسلم (٢٦٧٧) (٥ و٦)، والترمذيُّ (٣٥٠٦)، وابن ماجه (٣٨٦٠). (٣) ومن باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى (قوله: ((إن لله تسعةً وتسعين اسماً - مئة إلا واحداً -)) الاسم في العرف العام: هو الكلمة الدالّة على معنَّى مفردٍ، وبهذا الاعتبار لا فرق بين الاسم والفعل والحرف، إذ كلُّ واحدٍ منها يصدقُ عليه ذلك الحدُّ، فلا فعل، ولا حرف في العرف العام، وإنما ذلك اصطلاحُ النحويين والمنطقيين، وليس ذلك من غرضنا. وإذا فهمتَ هذا فهمتَ غلط من قال: إن الاسم هو المسمَّى حقيقة، كما قالت طائفةٌ من جهَّال الحشوية؛ فإنهم صرَّحوا بذلك واعتقدوه حتى ألزموا على ذلك أنَّ من قال: سمٌّ: ماتَ، ومن قال نار: احترقَ. وهؤلاء أخسُ من أن يُشتغل بمخاطبتهم، وأما من قال من النحويين، ومن المتكلُّمين: الاسم هو المسمَّى، فحاشاهم أن يُريدوا هذه الحماقة، وإنما أرادُوا: أنه هو من حيث أنه لا يدلُّ إلا عليه، ولا يُفيد إلا هو، فإن كان ذلك الاسم من الأسماء الدالَّة على ذات المسمَّى دلَّ عليها من غير مزيد أمر آخر، وإن كانَ من الأسماء الدالّة على معنىّ زائدٍ: دلَّ ١٥ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٣) باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى على تلك الذات منسوبةً إلى ذلك الزائد خاصة دون غيره. وبيان ذلك: أنَّك إذا قلتَ: زيد - مثلاً - فهو يدلُّ على ذاتٍ مشخّصة في الوجود من غير زيادة ولا نُقصان، فلو قلتَ - مثلاً -: العالم؛ دلَّ هذا على تلك الذات منسوبةً إلى العلم، وكذلك لو قلت: الغنيّ؛ دلَّ ذلك على تلك الذات مع إضافة مالٍ إليها، وكذلك لو قلت: الفقير؛ دلَّ على تلك الذات مع سلب المال عنها، وهذا جارٍ في كلِّ ما يُقال عليه: اسم بالعرف العام. ومن هنا صحَّ عقلاً أن تكثر الأسماءُ المختلفة على ذاتٍ واحدة، ولا تُوجب تعدُّداً فيها، ولا تكثيراً، وقد غَمُضَ فهمُ هذا مع وضوحه، على بعض أئمة المتكلِّمين، وفرَّ منه هرباً من لزوم تعددٍ في ذات الإله حتىَّ تَأَوَّل هذا الحديث؛ بأن قال: إن الاسم فيه يُراد به التسمية، ورأى أن هذا يُخلِّصه من التكثُّر، وهذا فرار من غير مفرٍّ إلى غير مفرٌّ، وذلك أنَّ التسميةَ إنما هي وضع الاسم، أو ذكر الاسم، فإنه يُقال لمن سمَّى ابنّه عند ولادته بزيد؛ سمَّى يُسمِّي تسميةً، وكذلك نقولُ لمن ذكرَ اسم زيد لغيره، وعلى هذا فالتسمية هي نسبةُ الاسم إلى مسمَّاه، فإذا قلنا: إنَّ للَّه تعالى تسعةً وتسعين تسمية اقتضى ذلك: أن يكونَ له تسعةٌ وتسعون اسماً ينسبُها كلّها إليه، فبقي الإلزام بعد ذلك التكلُّف والتعشّف، والحق ما ذكرناه، والمفهم الإله. وقد يقال: الاسم هو المسمَّى، ويعني به: أن هذه الكلمة التي هي الاسم قد يُطلق ويُراد به المسمَّى، كما قيل ذلك في قوله تعالى: ﴿سَبِحٍ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١] أي: سبح ربَّك، فأُريد بالاسم المسمَّى، وهذا بحث لفظي لا ينبغي أن يُنكرّ، ولا جرمَ قال به في هذه الآية، وفيما يُشبهها جماعة من علماء اللسان وغيرهم، وإذا تقرَّرَ هذا فافهم أن أسماء مسؤِّفات تعدّد الحقِّ سبحانه وإن تعدَّدت فلا تعدُّدَ في ذاتِه تعالى، ولا تركيبَ، لا عقلياً كترتيب أسماء الله الحسنی المحدودات، ولا محسوساً كترتيب الجسمانيات، وإنما تعدَّدت أسماؤه تعالى بحسب الاعتبارات الزائدة على الذات، ثم هذه الأسماء من جهة دلالتها على أربعة دلالات أسمائه أضرب؛ فمنها: ما يدلُّ على الذات مجرَّدة كاسم الله تعالى على قولٍ من يقول: عز وجل ١٦ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٣) باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى إنه علمٌ غير مشتق، وهو الخليل وغيره؛ لأنه يدلُّ على الوجود الحقِّ الموصوف بصفات الجلال والكمال دلالة مطلقة غير مقيدة بقيد؛ ولأنه أشهر أسمائه حتى تعرفَ كلُّ أسمائه به، فيقال: الرحمن: اسم الله، ولا يقال الله اسم الرحمن؛ ولأن العربَ عاملته معاملة الأسماء الأعلام في النِّداء، فجمعوا بينه وبين ياء النداء، ولو كان مشتقاً لكانت لامُه زائدة، وحينئذ لا يُجمع بينه وبينها في النداء، كما لا تقول العربُ: يا لحارث ولا يا لعبَّاس. ولاستيفاء المباحث علم الاشتقاق. ومنها: ما يدلُّ على صفات الباري تعالى الثابتة له كالعالم والقادر، والسميع والبصير. ومنها: ما يدلُّ على إضافة أمر ما إليه، كالخالق، والرَّازق. ومنها: ما يدلُّ على سلب شيءٍ عنه، كالقدُّوس، والسَّلام. وهذه الأقسام الأربعة لازمة منحصرة، دائرة بين النفي والإثبات، فاختبزها تجدها كذلك. و (قوله: ((مئةً إلا واحداً)) تأكيد للجملة الأولى، ليرفعَ به وهم متوهم في النطق أو الكتابة؛ لأن تسعةً مقاربةٌ لسبعة فيهما. ومئة منصوبة بدل من تسعة. معنى إحصاء أسمائه عز وجل و (قوله: ((مَنْ أَحْصاها دخلَ الجنة))) هذه الجملة خبر ثانٍ للمئة المذكورة في الجملة الأولى، غير أن هذه الجملة هي الفائدة المقصودةُ لعينها، والجملة الأولى مقصودة لها، لا أن مقصودَها حصر الأسماء فيما ذكر، وهذا كقول القائل : لزيد مئة دينار، أعدَّها للصدقة، لا يُفهم من هذا: أنه ليس له مال غير المئة دينار، وإنما يُفهم أن هذه المئة هي التي أعدَّها للصدقة لا غيرها. وقد دلَّ على أنَّ لله أسماءَ أُخر ما قدَّمناه من قوله وَّهِ: ((اللَّهُمَّ إنِّي أسألُك بكلِّ اسمٍ سَمَّيت به نفسَك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك))(١). وقوله: ((فأحمده بمحامدَ لا أقدر عليها، إلا أن (١) رواه أحمد (٣٩١/١) عن عبد الله بن مسعود. ١٧ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٣) باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى يُلْهِمنيها الله))(١). وقد بحثَ الناس عن هذه الأسماء في الكتاب والسُّنة، فجمعُوها في كتبهم كالخطّابي، والقُشيري، وغيرهما، فمن أرادَها وجدَها. وقد روى الترمذي حديث أبي هريرة هذا، وزادَ فيه ذكرَ الأسماء وتعديدَها إلى تسعة وتسعينَ، وقال: هذا حديث غريب لا نعرفُه إلا من حديث صفوان بن صالح، وهو ثقة عند أهل الحديث(٢). والإحصاء في الكلام: على ثلاث مراتب؛ أولها: العدد، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَأَحْصَى كُلّ شَىْءٍ عَدَدًا﴾ [الجن: ٢٨]. والثانية: بمعنى الفهم، ومنه يُقال: رجلٌ ذو حَصَّاةٍ أي: ذو لُبِّ وفهم، ومنه سُمِّي العقل: حصاة، قال كعبُ بن سعد الغنوي: وأَنَّ لِسانَ المَرْءِ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَصَاةٌ عَلَى عَوْرَاتِهِ لَدَلِيلٌ والثالثة(٣): بمعنى الإطاقة على العمل والقوَّة، ومنه قوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَلَّن تُحُّصُوهُ﴾ [المزمل: ٢٠] أي: لن تُطيقوا العملَ بذلك، والمرجو من كرم الله تعالى، أنَّ من حصلَ له إحصاءُ هذه الأسماء على إحدى هذه المراتب مع صِحَّة النيّة أن يُدخلَه الله الجنَّة، لكنَّ المرتبة الأولى: هي مرتبة أصحاب اليمين، والثانية: للسابقين، والثالثة: للصِّدِّيقين، ونعني بإطاقتها حسن المراعاة لها، والمحافظة على حدودها، والاتصاف بقدر الممكن منها، كما أشارَ إليه الطوسيُّ في ((المقصد الأسنی». و (قوله: ((والله وترٌ يحبُّ الوترَا) قد تقدَّم أن الوترَ: الفردُ، والشفع: الزَّوج، وأن معنى وحدانية الله تعالى: أنَّه واحدٌ في ذاته فلا انقسامَ له، وواحدٌ في معنى وحدانية إلهیته، فلا نظير له، وواحدٌ في مُلْکه ومِلکه فلا شريكَ له. الله (١) رواه البخاري (٤٧١٢)، ومسلم (١٩٤). (٢) رواه الترمذي (٣٥٠٧). (٣) في جميع النسخ: ((الثالث)) والصواب ما أثبتناه. ١٨ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٣) باب: فضل إحصاء أسماء الله تعالى محبته المشروع و (قوله: ((يحبُّ الوترَ)) ظاهرُه: أن الوترَ هنا للجنس: لا معهودَ جری ذکره عز وجل للوتر يُحمل عليه، فيكون معناه على هذا: أنه يحبُّ كل وتر شرعه، وأمر به، كالمقرب، فإنَّها وترُ صلاة النهار، ووتر صلاة الليل، وكالصلوات الخمس، فإنها وتر، وكالوتر في مِرَارِ الطَّهارة، وغسل الميّت، ونحو هذا مما شُرع فيه الوترُ، ومعنى محبّه لهذا النوع: أنه أمرَ به، وأثابَ عليه. ويصلحُ ذلك للعموم لما خلقَه وتراً من مخلوقاته كالسموات السبع، والأرضينَ السبع، والذراري السَّبع، وكآدمَ الذي خلقَه من تراب، وعيسى الذي خلقه من غير أب، وهكذا كلُّ ما خلقه الله وتراً من مخلوقاته، ومعنى محبَّته لهذا النوع أنَّه خصَّصها بذلك لحِكَمٍ علمها، وأمورٍ قدَّرها. ويُحتمل أن يُريد بذلك الوتر واحداً بعينه، فقيل: هو صلاة الوتر، وقيل: يوم الجمعة، وقيل: يوم عرفة، وقيل: آدم، وقيل غير ذلك. وقيل: يحتمل أن يكون معناه منصرفاً إلى صفة من يعبد الله بالوحدانية والتفرّد على سبيل الإخلاص، والاختصاص. قلتُ: وهذه الأقوال كلُّها متكافئة، وأشبَهُ ما تقدَّم: حملُه على العموم، وقد ظهرَ لي وجه، وأرجو أن يكونَ أولى بالمقصود، وهو أن الوترَ يُراد به التوحيد، فيكون معناه إن الله تعالى في ذاته وكماله، وأفعاله واحدٌ، ويحبُّ التوحيد، أي: يُوخَّد ويُعتقدُ انفرادُه دون خلقِه، فيلئتمُ أوَّلُ الحديث وآخرُه، وظاهره وباطنُه. المراد بالوتر: التوحيد ١٩ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٤) باب: فضل قول: لا إله إلا الله (٤) باب فضل قول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له [٢٦١٧] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّه قالَ: ((من قال: لا إله إلا اللَّهُ وحدَه، لا شريكَ له، له الملكُ، وله الحمدُ، وهو على كل شيءٍ قدير في يومٍ مئة مرة، كانت له عَدْلَ عَشْرِ رقابٍ، وكُتِبَ له بها مئة حسنةٍ، ومُحِيَتْ عنهَ مئةُ سيئةٍ، (٤ و٥) ومن باب: فضل التهليل والتسبيح والتحميد (١) (قوله في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: ((من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيءٍ قدير؛ في يوم مئة مرة، كانت له عدل عشر رقاب، وكُتبت له مئةُ حسنة، ومحيثْ عنه مئةُ سيئة))) يعني: أنَّ ثوابَ هذه الكلمات بمنزلة ثوابَ مَن أعتق عشر رقاب، وقد تقدَّم في العتق: أن من أعتقَ رقبةً واحدة أعتق اللَّهُ بكل عضو منها عضواً منه من النار، ثم يُزاد مع ذلك كَتْبُ مئة حسنة، ومَحْوُ مئة سيئة، يُجْمَعُ ذلك كله له، وكلُّ واحدٍ من هذه الحسنات مضاعفةٌ بعشرٍ، كما قال تعالى: ﴿ مَنْ جَّةَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا ﴾ [الأنعام: ١٦٠]، وكما في حديث سعد بن أبي وقاص - رضي الله عنه - المذكور بعد هذا، وهذا الحديث وجميع ما في الباب من الأحاديث يدلُّ على: أن ذِكْرَ اللَّهِ ذِكْرِ الله أفضل تعالى أفضلُ الأعمال كلُّها، وقد صرَّح بهذا المعنى في آخر هذا الحديث حين قال: الأعمال ((ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ مما جاء به إلا أحدٌ عمل أكثر من ذلك)). وأنصُّ ما في هذا الباب ما خرّجه مالكٌ عن أبي الدَّرداء قال: ((ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها (١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان بابين من التلخيص، وهما: باب: فضل قول لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وباب: فضل التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير. ٢٠ (٣٧) كتاب الأذكار والدعوات - (٤) باب: فضل قول: لا إله إلا الله وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي، ولم يأتِ أحدٌ بأفضلَ عند مليككم، وأرفعها في درجاتكم، وخير لكم من إعطاء الذهب والوَرِقِ، وخيرٌ لكم من أن تَلْقوا عدوَّكم فتضربوا أعناقهم، ويضربوا أعناقكم؟)) قالوا: بلى. قال: (ذِكْر الله))(١). وهذا لا يقوله أبو الدرداء من رأيه، ولا بنظره؛ فإنه لا يتوصَّلُ إليه برأيه، فلا يقوله إلا عن النبي صل* غير أنه سكت عن رفعه للعِلْم بذلك عند مَن حذَّثه بذلك. وقد رواه الترمذي مرفوعاً (٢)، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي))) يعني: أن اللَّهَ تعالى يحفظُه من الشَّيطان في ذلك اليوم فلا يقدرُ منه على زلَّة، ولا وسوسة ببركة تلك الكلمات. قلتُ: وهذه الأجورُ العظيمةُ، والعوائد الجمة إنما تحصل كاملة لمن قام بحقّ هذه الكلمات، فأحضر معانيها بقلبه، وتأمّلها بفهمه، واتَّضحت له معانيها، وخاض في بحار معرفتها، ورتع في رياض زهرتها، ووصل فيها إلى عين اليقين؛ الإحسان في فإن لم يكن، فإلى علم اليقين، وهذا هو الإحسانُ في الذِّكْر؛ فإنه من أعظم العبادات. وقد قال وَ له فيما قدمناه في الإحسان: ((أن تعبد اللَّهَ كأنك تراه، فإن لم الذُّكْر تكن تراه فإنه يراك))(٣). ثم لما كان الذاكرون في إدراكاتهم وفهومهم مختلفين كانت أجورُهم على ذلك بحسب ما أدركوا، وعلى هذا ينزل اختلافُ مقادير الأجور، والثواب المذكور في أحاديث الأذكار، فإنك تجدُ في بعضها ثواباً عظيماً مضاعفاً، وتجد تلك الأذكار بأعيانها في رواية أخرى أكثر أو أقلّ، كما اتفق هنا في حديث أبي هريرة اختلاف الثواب باختلاف أحوال الذاكرين (١) رواه مالك في الموطأ (١/ ٢١١). (٢) رواه الترمذي (٣٣٧٤). (٣) رواه مسلم (٨)، وأبو داود (٤٦٩٥)، والترمذي (٢٦١٣)، والنسائي (٨/ ٩٧).