Indexed OCR Text
Pages 661-680
٦٦١ (٣٥) كتاب القدر - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها﴾ (٤) باب في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّنِهَا * فَأَلْمَهَا فُرَهَا وَتَقْوَنهَا﴾ [٢٥٧٦] عن أبي الأسود الدؤلي، قال: قال لي عِمْرانُ بن الحُصَيْنِ: أرأيتَ ما يعمل النَّاسُ اليوم ويكْدَحُون فيه؛ أشيءٌ قُضِي عليهم، فيهم، ولا ينقص منهم أبداً)). ثم رمى بهما، وقال: ((فَرَغْ ربُّكم من العباد، فريق في الجنة، وفريق في السعیر»(١). قال: هذا حديث حسن صحيح. والأحاديثُ في هذا الباب كثيرة صحيحةٌ، يفيدُ مجموعها العلم القطعي واليقين الحقيقي الاضطراري بإبطال مذاهب القدرية، لكنَّهم كابروا في ذلك كله وردُّوه، وتأوَّلوا ذلك تأويلاً فاسداً، ومؤَّهوه للأصول التي ارتكبوها من التحسين، والتقبيح، والتعديل، والتجويز، والقول بتأثير القدرة الحادثة على جهة الاستقلال، وقد تكلّم أئمةُ أهل السُّنَّة معهم في هذه الأصول، وبيَّنوا فسادَها في كُتُبهم. و (قوله: فيم العمل؟) هذا السؤالُ: هو الأوَّلُ الذي تضمَّنه قوله: أفلا نمكثُ على كتابنا، ونَدَعُ العمل؟ وقد بيَّناه. [(٤ و٥) ومن باب: في قوله تعالى: ﴿وَنَفْسِ وَمَاسَوَّنَهَا * فَأَْمَهَا لُوَّرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾(٢) قوله: (أرأيت ما يعمل الناس اليوم ويكدحون فيه) الكَذْح: السعي في العمل لِدُنيا كان أو لآخرة، وأصله: العمل الشاق، والكسب المتعب. (١) رواه الترمذي (٢١٤١). (٢) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. وقد شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان: هذا الباب، والباب الذي يليه بعنوان باب: الأعمال بالخواتیم. ٦٦٢ (٣٥) كتاب القدر - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها) ومضى عليهم من قَدَرِ ما سبق؛ أو فيما يُسْتَقْبَلُون به مما أتاهم به نبيُّهم، وثبتت الحجَّةُ عليهم؟ فقُلْتُ: بل شيءٌ قُضِيَ عليهم، ومضى عليهم. قال: فقال: فلا يكونُ ظلماً؟! قال: فَفَزِعْتُ من ذلك فَزَعاً شديداً. وقلت: كلُّ شيءٍ خَلْقُ الله، ومِلْكُ يده، فلا يُسْألُ عمَّا يفعلُ، وهم يسألون! فقال لي: يرحمك الله! إني لم أُرِذٍ بما سألتك إلا لأَحْزِرَ عَقْلَكَ! إنَّ رجلين من مُزَيْنَة أتَّيَا رسول الله وَ له فقالا: يا رسول الله! أرأيت ما يعمل النَّاس اليوم و (قوله: فلا يكون ظلماً؟) كذا الرواية بغير ألف استفهام، وهي مرادة؛ إذ بالاستفهام حَصَل فزُ المسؤول، وبه صحّ أن یکون ما أتى به من قوله: كل شيء خَلْقُ الله ومُلْك يده ... إلى آخره. جواباً عما سأله عنه، ولو لم يكن الاستفهام مراداً لكان الكلامُ نفياً للظلم، وهو صحيحٌ وحقٌّ، ولا يفزعُ من ذلك، ولا يستدعي من شُبَه القدرية جواباً. وبيانُ ما سأله عنه أنه لما تقرّر عنده: أن ما يعمل الناسُ فيه شيءٌ قُضي به عليهم، ولا بُدَّ لهم منه، فكأنهم يلجؤون إليه، فكيف يُعاقَبُون على ذلك؟ فعقابُهم على ذلك ظلم، وهذه من شُبَه القدرية المبنيّة على التَّحسين والتَّقبيح، وقد أجاب عن ذلك أبو الأسود، وأحسن في الجواب، ومقتضى الجواب: أن الظلمَ لا يُتصوَّر من اللَّهِ تعالى، فإن الكلَّ خَلْقه، ومُلْكُه، لا حجر عليه، ولا حُكْم، فلا يتصوَّر في حقِّه الظلمُ لاستحالة شرطه، على ما بيَّناه غير مرة، ثم عضد بقوله: لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، ولما سمع عمران هذا الجوابَ تحقَّق: أنه قد وُفِّق للحق، وأصاب عينَ الصواب، فاستحسن ذلك منه، وأخبره أنه إنما امتحنه بذلك السؤال ليختبرَ عقله، وليستخرج عمله [ثم أفاده الحديث المذكور، ومعناه قد تقدم الكلام عليه](١). ثم قال: وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوََّهَا * فَأَهَمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٧ -٨]، وقوله: ﴿ونفس﴾ هو قسمٌ بنفوس بني آدم، (١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤). ٦٦٣ (٣٥) كتاب القدر - (٤) باب: في قوله تعالى: ﴿ونفس وما سواها) ويكدَحُون فيه؛ أشيءٌ قُضِيَ عليهم، ومضى فيهم من قَدَرِ قد سبق، أو فيما يستقبلون به مما أتاهم به نبيُّهم، وثبتت الحجة عليهم؟ فقال: ((لا، بل شيءٌ قضي عليهم، ومضى فيهم، وتصديق ذلك في كتاب الله عز وجل: ﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّنَهَا* فَمَهَا فُورَهَا وَتَقْوَنَهَا﴾ [الشمس: ٧ -٨]. رواه مسلم (٢٦٥٠). وأفردها، لأنَّ مُرادَه النوع، وهذا نحو قوله: ﴿عَلِمَتْ نَفْسُ مَّا قَدَّمَتْ وَأَخَرَتْ﴾ [الانفطار: ٥] أي: كلّ نفس. كما قال: ﴿كُلُّنَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَمِنَّهُ﴾ [المدثر: ٣٨]. ألا ترى قوله: ﴿فَهُمَهَا تُؤْرَهَا وَتَقْوَنِهَا﴾ [الشمس: ٨] أي: حَمَلها على ما أراد من ذلك، فمنها ما خُلِقٍ للخير، وأعانها عليه ويسَّره لها، ومنها ما خُلِقٍ للشر ويسَّره لها، وهذا هو الموافقُ للحديث المتقدم، المصدَّق بالآية. و (قوله: ﴿وما سواها﴾ أي: والذي سواها، وقد قدمنا أنَّ ما في أصلها لما لا يعقل، [وقد تجيء بمعنى الذي، وهي تقعُ لمن يعقلُ ولما لا يعقل](١). والتسوية: التعديل. يعني: أنه خلقها مكمَّلة بكل ما تحتاجُ إليه، مؤهَّلة لقبول الخير والشر، غير أنه يجري عليها في حال وجودها وما لها ما سبق لها مما قضي به عليها. وفي حديث عمران هذا من الفقه جوازُ اختبار العالم عقولَ أصحابه اختبارِ العالم عقُولَ أصحابه الفضلاء بمشكلات المسائل، والثناء عليهم إذا أصابوا، وبيان العذر عن ذلك، والذي قضي عليها: أنها إما من أهل السعادة وبعمل أهل السعادة الذي به تُدخل الجنة تعمل، وإما من أهل الشقاوة وبعمل أهل الشقاوة الذي به تُدخل النار تعمل. كما قال تعالى (٢): ((هؤلاء للجنة، وبعمل أهل الجنة يعملون، وهؤلاء للنار، (١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤). (٢) في حديث قدسي. ٦٦٤ (٣٥) كتاب القدر - (٥) باب: الأعمال بالخواتيم (٥) باب الأعمال بالخواتيم [٢٥٧٧] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ الله وَّه قالَ: ((إنَّ الرجل ليَعْمَلُ الزمنَ الطويلَ بعمل أهل الجنَّة، ثم يُخْتَم له عملُه بعمل أهل النَّار، وإنَّ الرجل ليَعْمَلُ الزَّمنَ الطويل بعمل أهل النار، ثم يُخْتَمُ له بعمل أهل الجنة)) . رواه أحمد (٤٨٤/٢)، ومسلم (٢٦٥١). وبعمل أهل النار يعملون، فطوبى لمن قضيتُ له بالخير، ويسَّرته عليه، والويلُ لمن قضيتُ عليه بالشرِّ، ويسَّرته له)). وما أحسن قول من قال: قِسَمٌ قُسِمَتْ، ونعوت أُجريت، كَيْفَ تُجْتَلَبُ بحَرَكاتٍ، أو تُنَال بسعايات؟! ومع ذلك فغيَّب اللّهُ عنَّا المقادير، ومكنَّنا من الفعل والتَّرْك رفعاً للمعاذير، وخاطبنا بالأمر والنهي خطابَ المستقلين، ولم يجعل التمسُّك بسابق القدر حجةً للمقصرين، ولا عذراً للمعتذرين، وعلَّق الجزاء على الأعمال، وجعلَها له سبباً، فقال تعالى: ﴿ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الجائية: ٢٢]، وبـ ﴿مَّاعَمِلَتْ﴾ [النحل: ١١١]، وقال في أهل الجنة: ﴿جَزَّءُ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧]، وقال في أهل النار: ﴿جَزَّءُبِمَا كَانُواْ ◌ِايَكِنَا يَحْمَدُونَ﴾ [فصلت: ٢٨]، وقال: ﴿لِيَجْزِىَ الَّذِينَ أَسْئُواْ بِمَا عَمِلُواْ وَيَجْزِىَ الَّذِينَ أَحْسَنُواْ بِالُّْنَى﴾ [النجم: ٣١]، وقال على لسان نبيِّه ◌َليقول: ((يا عبادي! إنما هي أعمالكم أردُّها عليكم، فمن وجد خيراً فليحمد الله، ومن وجدَ الأخرى، فلا يلومنَّ إلا نفسَه؟))(١). وكل ذلك من الله ابتلاء وامتحان، فيجب التسليم له والإذعان. (١) رواه أحمد (١٦٠/٥)، ومسلم (٢٥٧٧)، والترمذي (٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧). ٦٦٥ (٣٥) كتاب القدر - (٦) باب: ذكر محاجّة آدم موسى [٢٥٧٨] وقد تقدم حديث سهل بن سعد الساعدي في كتاب الإيمان. سبق في صحيح مسلم: كتاب الإيمان (١١٢) (١٧٩). (٦) باب ذكر محاجَّة آدم موسى - عليهما السلام - [٢٥٧٩] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّ: ((احتجَّ آدمُ وموسی عند ربِّهما، فحجَّ آدمُ موسى. (٦) ومن باب: مُحاجَّة آدم وموسى - عليهما السلام - (قوله: ((احتجَّ آدمُ وموسى عند ربهما))) ظاهر هذا اللفظ، وهذه المحاجَّة أنهما التقيا بأشخاصِهما، وهذا كما قرَّرناه فيما تقدَّم في الأنبياء من إحيائهم بعد الموت كالشهداء، بل: هم أولى بذلك، ويجوز أن يكون ذلك لقاءَ أرواح، وقد قال بكلِّ قولٍ منهما طائفة من علمائنا، وهذه العنديّة عندية اختصاص، وتشريف، لا عنديَّة مكان، فإنَّه تعالى منزَّه عن المكان والزَّمان، وإنما هي كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اَلْتَّقِينَ فِي جَنَّتٍ وَنَهَرٍ * فِ مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُقْنَدِرٍ﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] أي: في محلّ التشريف والإكرام والاختصاص. وروى هذا الحديث بعضُهم، وزاد فيه: إن هذا اللِّقاء كان بعد أن سألَ موسى، فقال: يا ربِّ! أرنا آدمَ الذي أخرجنَا ونفسَه من الجنَّة، فأراه الله إيَّاه، فقال: أنت آدمَ؟ فقال: نعم. وذكر الحديث. و (قوله: ((فحجَّ آدمُ موسى))) أي: غلبَه بالحيَّة. يُقال: حاججت فلاناً فحججتُهُ، أي: غلبتُه. ٦٦٦ (٣٥) كتاب القدر - (٦) باب: ذكر محاّة آدم موسى قال موسى: أنت آدم الذي خلقك الله بيده، ونفخ فيك من روحه، وأسْجَدَ لك ملائكته، وأسكنكَ في جنَّتِهِ، ثم أَهْبَطْتَ الناس بخطيئتك إلى الأرض؟ فقال آدم: أنت موسى الذي اصطفاك برسالته وبكلامه، وأعطاك الألواح فيها تبیانُ كلِّ شيءٍ، و (قوله: ((أنت آدم الذي خلقك الله بيده))) هو استفهام تقرير، وإضافة الله خلقَ آدم إلى يده إضافةُ تشريف، ويصحّ أن يُراد باليد هنا: القدرة والنعمة، إذ كلاهما موجود في اللسان مستعملٌ فيه، فأما يد الجارحة فالله منزَّه عن ذلك قطعاً. و (قوله: ((ونفخ فيك من روحه))) يحتمل أن تكون (من) زائدة على المذهب الكوفيِّ. ونفخ: بمعنى خلقَ، أي: خلقَ فيك روحَه، فأضاف الروح إليه على جهة الملك تخصيصاً وتشريفاً، كما قال: بيتي، وعبادي. واستعار لـ (خلق): نفخ؛ لأن الروحَ من نوع الريح، ويحتمل تأويلاً آخر، والله بمراده أعلم، والتسليم للمتشابهات أسلم، وهي طريقة السّلف، وأهل الاقتداء من الخلف. طريقة السلف : التسليم في المتشابهات و (قوله في الأم: ((أنت الذي خيبتنا، وأخرجتنا من الجنَّة)))(١) أي: كنت سبب ذلك كله، وقال في رواية أخرى: ((أنت الذي أغويت الناس))(٢) أي: كنت سببَ غواية مَن غوى منهم، والغواية ضد الرشد، كما قال الله تعالى: ﴿قَد تَّبَّيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيّ﴾ [البقرة: ٢٥٦]، وقد يُراد بها الخطأ، وعليها يُحمل: ﴿وَعَصَىّ ءَآدَمُ رَُّ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]، أي: أخطأ صوابَ ما أُمر به، وهذا أحسنُ ما قيل في ذلك - إن شاء الله تعالى -. و (قوله: ((وأعطاكَ الألواحَ فيها تبيانُ كل شيء))) يعني: الألواح التي قال الله تعالى فيها: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِى الْأَلْوَاحِ مِن كُلِّ شَىْءٍ﴾ [الأعراف: ١٤٥]، وهي (١) رواه مسلم (٢٦٥٢) (١٣). (٢) رواه مسلم (٢٦٥٢) (١٤). ٦٦٧ (٣٥) كتاب القدر - (٦) باب: ذكر محاجّة آدم موسى وقرّبك نجيّاً؛ فبكم وجدت الله كتب التوراة قبل أن أخلق؟قال موسى: بأربعين عاماً. قال آدم: فهل وجدت فيها: ﴿وَعَصَىّ ءَادَمُ رَبَُّ فَغَوَى﴾ [طه: ١٢١]؟ قال: نعم. قال: أفتلومني على أن عمِلْتُ عملاً كتبه الله عليَّ أنْ أعملَه قبل أن يخلقني بأربعين سَنَّةً؟ قال رسول الله بَّهِ: ((فحجَّ آدمُ موسى)). رواه أحمد (٢٦٤/٢)، والبخاريُّ (٣٤٠٩)، ومسلم (٢٦٥٢) (١٥)، والترمذيُّ (٢١٣٤). جمع لوح بفتح اللام، وسُمِّي بمصدر لاحَ الشيءُ يلوحُ لَوْحاً: إذا ظهرَ، وسُمِّي بذلك لظهور ما يُكتب فيه. فأمَّا اللُّوح - بضمّ اللام -: فهو ما بين السماء والأرض. قال مجاهد: كانت الألواح سبعة من زمُّدة خضراء. وقال ابن جُبير: من ياقوتة حمراء. ومعنى كتبنا: أمرنا من يكتب، أو خلقَ فيها قوماً وخطوطاً مكتوبة مثل الذي يُكتب بالأقلام. وقوله: ﴿فيها تبيانُ كلِّ شيءٍ﴾ أي: كل شيء قُصِد إلى تبيينه، أو من كلِّ نوعٍ شيئاً، أو من كلِّ أصلٍ فرعاً. و (قوله: ((وقرَّبك نجيّاً)) أي: للمناجاة وهي: المسارَّة. والتقريب: بالمرتبة، لا بالموضع والمكان. و (قوله: ((أفتلومني على أن عملتُ عملاً كتبه الله عليَّ قبلَ أن يخلقني محاجّة آدم بأربعين سنة»). قال: فحجَّ آدمُ موسى)» ظاهر هذا أنَّ آدمَ إنما غلبَ موسى بالحجة؛ وموسى لأنه اعتذر بما سبق له من القدر عما صدرَ عنه من المخالفة، وقُبل عذرُه، وقامت بذلك حجَّته؛ فإن صحَّ هذا لزمَ عليه أن يحتجَّ به كلُّ من عصى ويعتذرُ بذلك فيُقبل عذرُه، وتثبت حجته، فحينئذ تكون للعصاة على الله حجَّة، وهو مناقص لقوله تعالى: ﴿فَلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَلِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩]. وقد اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقيل: إما غلبَه آدمُ بالحجة؛ لأن آدمَ أبو موسى، وموسى ابن، ولا يجوز لوم الابن أباه، ولا عتبه. ٦٦٨ (٣٥) كتاب القدر - (٧) باب: كتب الله المقادير قبل الخلق (٧) باب كَتَبَ اللَّهُ المقاديرَ قبل الخلق وكلُّ شيء بقدر [٢٥٨٠] عن عبد الله بنِ عمرو بنِ العاص، قال: سمعتُ رسولُ اللهِ وَ﴿ يقول: ((كَتَبَ الله مقاديرَ الخلائق قبل أن يَخْلُق السمواتِ والأرضَ بخمسين ألف سنةٍ . لوم موسى قلتُ: وهذا نأيّ عن معنى الحديث، وعما سيق له، وقيل: إنما كان لآدمٍ ليس في ذلك؛ لأن موسى قد كان علم من التوراة: أن الله تعالى قد جعلَ تلك الأكلةَ سببَ محله إهباطه من الجنَّة، وسكناه الأرض، ونشر نسله فيها ليكلِّفَهم، ويمتحنَهم، ويُرِّب على ذلك ثوابَهم وعقابهم الأخروي. قلتُ: وهذا إبداء حكمة تلك الأكلة، لا انفصال عن إلزام تلك الحجَّة، والسؤال باقٍ لم ينفصلْ عنه. وقيل: إنما توجهت حجته عليه؛ لأنه قد علم من التوراة ما ذكروا: أنَّ اللَّهَ تابَ عليه، واجتباه، وأسقط عنه اللَّوْمَ والعتبَ. فلومُ موسى، وعتبُه له - مع علمه بأن الله تعالى قدَّر المعصية، وقضى بالتوبة، وبإسقاط اللَّوْم، والمعاتبة حتى صارت تلك المعصية كأن لم تكن - وقع في غير محلِّه، وعلى غير مُستحقُّه، وكان هذا من موسى نسبة جفاء في حالة صفاء، كما قال بعض أرباب الإشارات: ذكر الجفاء في حال الصفاء جفاءً، وهذا الوجهُ إن شاء الله أشبه ما ذكر، وبه يتبيَّن أن ذلك الإلزام لا يلزم، والله أعلم. [(٧) ومن باب: كتب الله المقاديرَ قبل الخلق، وكلُّ شيءٍ بقدر](١) (قوله: ((كتب الله مقاديرَ الخلائق قبل أن يخلقَ السموات والأرض بخمسين ألف سنة))) أي: أثبتها في اللَّوح المحفوظ، كما قلناه آنفاً، أو فيما شاء، فهو سنون مقادير الخلائق تقدیریة (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. ٦٦٩ (٣٥) كتاب القدر - (٧) باب: كَتَّب اللهُ المقادير قبل الخلق قال: وعرشه على الماء)). رواه مسلم (٢٦٥٣) (١٦)، والترمذيّ (٢١٥٧). توقيتٌ للكتب، لا للمقادير؛ لأنها راجعة إلى علم الله تعالى وإرادته، وذلك قدیم لا أوَّلَ له، ويستحيل عليه تقديره بالزمان؛ إذِ الحقُّ سبحانه وتعالى بصفاته موجود، ولا زمانَ ولا مكان، وهذه الخمسون ألف سنة ستونٌ تقديرية؛ إذ قبل خلق السموات لا يتحقَّق وجود الزمان؛ فإن الزمانَ الذي يُعبَّر عنه بالسنين والأيام والليالي؛ إنما هو راجع إلى أعداد حركاتِ الأفلاك، وسير الشمس، والقمر في المنازل والبروج السماوية، فقبلَ السموات لا يُوجد ذلك، وإنما يرجعُ ذلك إلى مدَّة في علم الله تعالى لو كانت السموات موجودة فيها لعدِّدت بذلك العدد، وهذا نحو مما قاله المفسرون في قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ فِي سِنَّةٍ أَيَّامٍ﴾ [الأعراف: ٥٤]، أي: في مقدار ستة أيام، ثم هذه الأيام كل يوم منها مقدار ألف سنة من سني الدنيا، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَالْفِ سَنَّةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، وكقوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ [السجدة: ٥] هذا قول ابن عباس وغيره من سلف المفسرين على ما رواه الطبريُّ في تاريخه عنهم، ويحتمل أن يكون ذكر الخمسين ألفاً جاء مجيء الإغياء في التكثير، ولم يُرد عينَ ذلك العدد، فكأنه قال: كتبَ الله مقادير الخلائق قبل خلقِ هذا العالم بآمادٍ كثيرة، وأزمانٍ عديدةٍ، وهذا نحو مما قلناه في قوله تعالى: ﴿إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠]، والأول: أظهر وأولى. و (قوله: ((وعرشه على الماء))) أي: قبل خلق السموات والأرض. حكي عن كعب الأحبار: أن أوَّلَ ما خلقَ الله تعالى ياقوتة خضراء، فنظر إليها بإلهيته فصارتْ ماءً، ثم وضعَ عرشَه على الماء. قال ابنُ عبَّاس في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَآءِ﴾ [هود: ٧]، أي: فوقَ الماء؛ إذ لم يكن سماء ولا أرض. قلتُ: أقوال المفسرين كثيرة، والمسند المرفوع منها قليل، وكلُّ ذلك ٦٧٠ (٣٥) كتاب القدر - (٧) باب: كَتَّب اللهُ المقادير قبل الخلق [٢٥٨١] وعن طاووس، أنَّه قال: أدركتُ ناساً من أصحاب رسول الله﴿ يقولون: كلُّ شيءٍ بقدرٍ. قال: وسمعت عبدَ الله بنَ عمر يقول: قال رسول الله وَله: ((كلُّ شيءٍ بِقَدَرٍ حتى العَجْزُ والَكَيْسُ)) أو: ((الكيْسُ والعَجْزُ)). رواه أحمد (١١٠/٢)، ومسلم (٢٦٥٥). قِدَم الله تعالی ممكن، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. والذي نعلمُه قطعاً: أن الله تعالى قدیم، لا أوَّلَ لوجوده، فكان موجوداً وحده، ولا موجود سواه، ثم اخترع بقدرته وإرادته ما استحالة أزلية سبقَ في علمه، ونفذت به مشيئته، كما شاءَ، ومتى شاء، والذي نعلمُ استحالتَه أيّ شيء غير قطعاً: أزليَّة شيءٍ غير الله تعالى من عرشٍ، أو كرسيٍّ، أو ماءٍ، أو هواءٍ، أو الله تعالى أرضٍ، أو سماءٍ؛ إذ كلُّ ذلك ممكن في نفسه، وكلُّ موجود ممكن محدَث؛ ولأن كلَّ ذلك لا يخلو عن الحوادث، وما لا يخلو عن الحوادث حادث على ما تُعرف حقيقته في موضعه؛ ولأنه المعلوم الضروريّ من الشرع، فمن شكَّ فيه، أو جحدَه فهو كافر، ومما يُعلم استحالته: كون العرش حاملاً لله تعالى، وأن الله تعالى مستقر عليه كاستقرار الأجسام؛ إذ لو كان محمولاً لكان محتاجاً فقيراً لما يحملُه، وذلك استغناؤه عز وجل استغناء مطلق يُنافي وصف الإلهية؛ إذ أخصُّ أوصاف الإله(١): الاستغناء المطلق، ولو كان ذلك للزم كونه جسماً مقدَّراً، ويلزمُ كونه حادثاً على ما سبقَ؛ فإن قيل: فما معنى قوله تعالى: ﴿الرَّحَُْ عَلَى الْعَرْشِ أَسْتَوَى﴾ [طه: ٥]. قيل: له محامل واضحة، وتأويلات صحيحة، غير أن الشرعَ لم يُعيِّن لنا محملاً من تلك المحامل فيتوقف في التعيين ويُسلك مسلك السلف الصالح في التسليم. و (قوله: ((كلُّ شيءٍ بقدر، حتى العجْزُ والكيْسُ))) قيَّدناه بكسر الزاي والسين وضمّهما. و(حتى) هي العاطفة، والرفع عطف على كل، والخفض على شيءٍ. كلّ شيء بقدر (١) في (ز): الإلهية. ٦٧١ (٣٥) كتاب القدر - (٧) باب: كَتَب اللهُ المقادير قبل الخلق [٢٥٨٢] وعن أبي هريرة، قال: جاء مشركو قريشٍ يخاصمون رسولَ الله ◌َّهُ فِي القَدَرِ، فنزلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِ النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُواْ مَسَّ سَقَرَ * إِنَّاكُلَّ شَىْءٍ خَلَقْتَهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٨ -٤٩]. رواه مسلم (٢٦٥٦)، والترمذيُّ (٣٢٨٦). والكَيْسُ : - بفتح الكاف - لا يجوزُ غيره، ومعنى هذا الحديث: أن ما من شيءٍ يقعُ في هذا الوجود كائناً كان إلا وقد سبق به علمُ الله تعالى، ومشئته؛ سواءٌ كان ممن أفعالنا، أو صِفاتنا، أو من غيرها، ولذلك أتى بـ ((كل)) التي هي للاستغراق، والإحاطة، وعقّبها بحتى التي هي للغاية، حتى لا يخرج عن تلك المقدّمة الكلية من الممكنات شيءٌ، ولا يتوهّم فيها تخصيص، وإنما جُعِل العجزُ والكيسُ غايةً لذلك ليبيِّن أنَّ أفعالنا، وإن كانت معلومةً، ومرادةً لنا، فلا تقع منا إلا بمشيئة الله تعالى، وإرادته وقدرته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَآَءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اللَّهُ ﴾ [الإنسان: ٣٠]، وصار هذا من نحو قول العرب: قدم الحاج حتى المشاة. فيكون معناه: أن كلَّ ما يقعُ في الوجود بقدر الله ومشيئته، حتى ما يقع منكم بمشيئتكم. والعجز: التثاقلُ عن المصالح حتى لا تحصل، أو تحصل لكن على غير الوجه المرضي. والكيس: نقيض ذلك، وهو الجِدُّ والتشمير في تحصيل المصالح على وجوهها، والعجزُ في أصله: معنى من المعاني مناقضٌ للقدرة، وكلاهما من الصِّفات المتعلِّقات بالممكنات على ما يُعرف في علم الكلام. ٦٧٢ (٣٥) كتاب القدر - (٨) باب: تصريف الله تعالى القلوب (٨) باب تصريف الله تعالى القلوب و کتب علی ابن آدم حظه من الزنى [٢٥٨٣] عن عبد الله بن عمرو بن العاص، أنَّه سمع رسول الله وَّى يقول: ((إنَّ قلوبَ بني آدم كلَّها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحدٍ؛ يُصَرِّفه حیث یشاء))، [(٨) ومن باب: تصريف الله تعالى القلوب وكتب على ابن آدم حظه من الزنى](١) قلوب بني آدم بین أصابع الرحمن (قوله: ((قلوب بني آدم بين إصْبَعَيْن من أصابع الرحمن كقلبٍ واحد، يُصَرِّفه كيف يشاء)») ظاهِرُ الإصبع محالٌ على الله تعالى قطعاً لما قلناه آنفاً؛ ولأنه لو كانت له أعضاء وجوارح؛ لكان كلُّ جزء منه مفتقراً للآخر، فتكون جملتُه محتاجة، وذلك يناقضُ الإلهية، وقد تأوَّل بعضُ أئمتنا هذا الحديثَ فقال: هذا استعارةٌ جاريةٌ مجرى قولهم: فلان في كفِّي، وفي قبضتي. يراد به: أنه متمكنٌ من التصرُّف فيه، والتصريف له كيف شاء، وأمكن من ذلك في المعنى، مع إفادة التيسير أن يقال: فلان بين إصبعيَّ، أصرفه كيف شئت. يعني: أن التصرُّفَ مُتيسّرٌ عليه غيرُ متعذّرٍ. وقال بعضهم: يحتمل أن يريد بالإصبع هنا النعمة. وحُكي أنه يقال: لفلان عندي إصبعٌ حسنة، أي: نعمة. كما قيل في اليد. فإن قيل: فلأي شيءٍ ثَنَّی الإصبع، ونعمه كثيرة لا تُخصی؟ قلنا: لأن النعمَ، وإن كانت كذلك، فهي قسمان: نفع ودفع، فكأنه قال: قلوبُ بني آدم بين أن يَصْرِفَ اللَّهُ عنها ضرّاً، وبين أن يوصل إليها نفعاً. (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. ٦٧٣ (٣٥) كتاب القدر - (٨) باب: تصريف الله تعالى إلى القلوب ثم قال رسول الله وَّير: ((اللهم مُصَرِّفَ القلوب صرِّف قلوبنا إلى طاعتك)). رواه أحمد (١٦٨/٢)، ومسلم (٢٦٥٤). [٢٥٨٤] وعن ابن عباسٍ، قال: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللّمم ممَّا قال أبو هريرة؛ قلتُ: وهذا لا يتمُّ حتى يقال: إنَّ بني آدم - هنا - يراد بهم الصَّالحون؛ الذين تولى اللَّهُ حِفْظَ قلوبهم. وأما الكفار والفسَّاق، فقد أوصل اللَّهُ تعالى إلى قلوبهم ماشاءه، وبهم من الطبع، والختم، والرّين، وغير ذلك. وحينئذيخرجُ الحديثُ عن مقصوده، فالتأويلُ الأول أولى، وقد قلنا: إن التسليمَ الطريقُ السليم. و (قوله: ((اللهم مصرِّف القلوب صرِّف قلوبَنا إلى طاعتك))) هذا الكلام يعضدُ ذلك التأويلَ الأول، وقد وقع هذا الحديثُ في غير كتاب مسلم فقال: (يا مُقَلِّب القلوبِ ثبّتْ قلوبنا على طاعتك)). وهما بمعنى واحدٍ؛ وحاصلُه: أنَّ الحذر من أحوالَ القلوب منتقلةٌ غير ثابتة ولا دائمة. فحثُّ العاقل أن يحذرَ علی قلبه من قلبه، ويفرغ إلى ربِّه في حفظه. تقلّبات القلوب و (قوله: ما رأيتُ شيئاً أشبه باللمم مما قال أبو هريرة) هذا من ابن عباس معنى اللَّمم. تفسيرُ قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَِّبُونَ كَبَرَ أَلْإِثْمِ وَاَلْفَوَِّشَ إِلَّ اللََّّمَ﴾ [النجم: ٣٢]. وهي ما دون الكبائر. والفواحش: هي الصَّغائر. وقال زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: هي ما ألمّوا به في الجاهلية. وقيل: هي مُقاربَةُ المعصية من غير إلمام. وقيل: الذنبُ الذي يقلعُ عنه ولا يصرُّ عليه، وقيل غير هذا. وأشبهُ هذه الأقوال القولُ الأول. وعليه يدلُّ قولُه وَله: ((الصلواتُ الخمس مكفّرات لما بينهنّ إذا اجتنبت الكبائر))(١)، والفواحش: جمع فاحشة، وهي ما يُسْتَفْحَشُ من الكبائر كالزنى بذوات المحارم، واللواط، ونحو ذلك. (١) رواه أحمد (٤٨٤/٢)، ومسلم (٢٣٣)، والترمذي (٢١٤). ٦٧٤ (٣٥) كتاب القدر - (٨) باب: تصريف الله تعالى إلى القلوب أَنَّ النَّبِيَّ وَِّ قال: ((إنَّ الله كتب على ابن آدم حظّه من الزنَى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العينينِ النظرُ، وزنى اللسانِ النطقُ، والنَّفْس تمنّى وتشتهي، والفرجُ یصدق ذلك أو یکذبه». رواه أحمد (٢٧٦/٢)، والبخاريُّ (٦٦١٢)، ومسلم (٢٦٥٧) (٢٠). [٢٥٨٥] وعن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ ◌َّ قال: ((كتب على ابن آدم نصيبُه من الزِّنى مُدْرِكٌ ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الخُطَا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرجُ ويكذِّبُه)). رواه مسلم (٢٦٥٧) (٢١) و (قوله: ((إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى))) أي: قضاه وقَدَّره، وهو: نصٌّ في الردِّ على القدرية. و (قوله: ((مُذْرِك ذلك لا محالة))) كذا صحَّ، وهو مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدأ مُضْمَر، أي: فهو مدرك ذلك، ولا محالة، أي: لا بُدَّ من وقوع ذلك منه. و (قوله: ((فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرّجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى))) يعني: أن هواه وتمنِّيه: هو زناه. وإنما أُطْلِقَ على هذه الأمور كلِّها: زنى؛ لأنها مُقدِّماتها، إذْ لا يحصلُ الزنى الحقيقي في الغالب إلا بعد استعمال هذه الأعضاءِ في تحصيله. والزنى الحقيقي: هو إيلاجُ الفرج المحرم شرعاً في مثله. ألا ترى قوله: ((ويُصَدِّق ذلك الفرجُ ويُكذِّبه)) يعني: إن حصل إيلاجُ الفرج الحقيقي، ثمَّ ٦٧٥ (٣٥) كتاب القدر - (٩) باب: كل مولود يولد على الفطرة (٩) باب كلّ مولودٍ يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشركين وغيرهم، وفي الغلام الذي قتله الخضر [٢٥٨٦] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّ: ((ما مِنْ مولودٍ إلا يولد على الفطرة)) . - وفي روايةٍ: ((على هذه الملَّة - أبواه يهوِّدانه، وينصِّرانه، ويمجِّسانه، كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاءَ هل تُحِسُّون فيها من جدعاء؟))، ثم يقول أبو هريرة: واقرؤوا إنْ شِئْتُم: ﴿فِطْرَتَ اَللَّهِ الَّتِ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيَّهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ... ﴾ [الروم: ٣٠]. زِنى تلك الأعضاء، وثبت إثمه، وإن لم يحصلْ ذلك واجتنب كفّر زنى تلك الأعضاء، كما قال تعالى: ﴿إِن تَّجْتَنِبُواْ كَبَآبِرَ مَا نُّنْهَوْنَ عَنّهُ تُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]. [(٩) ومن باب: كلّ مولود يولد على الفطرة وما جاء في أولاد المشرکین وغيرهم، وفي الغلام الذي قتله الخضر](١) (قوله: ((كلُّ مولود يولدُ على الفطرة))) قد تقدَّم: أن أصلَ الفطرة: الخلقةُ أصلُ الفطرة المبتدأة، وقد اختلف الناسُ في الفطرة المذكورة في هذا الحديث، وفي الآية، ومعناها فقيل: هي سابقةُ السعادة والشقاوة، وهذا إنما يليقُ بالفطرة المذكورة في القرآن؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى قال: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وأما في الحديث فلا؛ لأنه (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص. ٦٧٦ (٣٥) كتاب القدر - (٩) باب: كل مولود يولد على الفطرة وفي روايةٍ: ((حتى تكونوا أنتم تَجْدَعونها)). قالوا: يا رسول الله! قد أخبر في بقية الحديث: بأنها تبدَّل وتغيَّر، وقيل: هي ما أُخِذ عليهم من الميثاق، وهم في أصلاب آبائهم. وهذا إنما يليقُ بالرواية التي جاء فيها: ((كلُّ مولود يولّدُ على الفطرة)) ويبعد في رواية من رواه: ((على هذه الملَّة)) وهي إشارةٌ إلى مَّة الإسلام. وقال بظاهر هذه الآية طائفةٌ من المتأوِّلين، وهذا القولُ أحسنُ ما قيل في ذلك - إن شاء الله تعالى _؛ لصَّة هذه الرِّواية، ولأنها مبيّنةٌ لرواية مَن قال: على الفطرة. ومعنى الحديث: إنَّ اللَّهَ تعالى خلقَ قلوبَ بني آدم مؤهَّلةً لقبول الحق كما خَلَق أعينهم وأسماعهم قابلةً للمرئيات والمسموعات، فما دامت باقيةً على ذلك دينُ الإسلام القبول، وعلى تلك الأهليّة أدركت الحقَّ. ودين الإسلام هو الدِّينُ الحق، وقد جاء هو الدين الحق ذلك صريحاً في الصَّحيح: ((جَبَل اللَّهُ الخلقَ على معرفته، فاجتالتهم الشياطين))(١) وقد تقدَّم هذا المعنى، وقد دلَّ على صحة هذا المعنی بقیةُ الخبر حيث قال: ((كما تُنتج البهيمةُ بهيمةً جمعاء، هل تحسُّون فيها من جدعاء؟)) يعني: أن البهيمةَ تلدُ ولدّها كامل الخَلْق، سليماً من الآفات، فلو نزل على أصل تلك الخلقة لبقي كاملاً بريئاً من العيوب، لكن يُصرَّف فيه، فتجدعُ أذنه، ويُوسم وجهه، فتطرأ عليه الآفاتُ والنقائص، فيخرج عن الأصل، وكذلك الإنسان، وهو تشبيهٌ واقعٌ، وَوَجْهُه واضحٌّ. والرواية (تُنْتَجُ)) بضم التاء الأولى، وفتح الثانية مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعلُه. يقال ذلك إذا ولدت، ومصدرها نتاجاً، وقد نتجها أهلُها نَتَجاً بفتح النون والتاء مبنياً للفاعل. وهم ناتجوها؛ إذا ولدتْ عندهم، وتولوا نتاجها. وحكى الأخفش فيه: أنه يقال: أنتجت الناقة - رباعياً -. ويقال: أنتجت الفرس والناقة: حان نتاجُهُما. وقال يعقوب: إذا استبان حَمْلُها، فهي نتوج، ولا يقال: منتج (٢)، وأتت (١) رواه مسلم (٢٨٦٥) بنحوه. (٢) في (ز): نتيج. والمثبت من (ع) و (ز) والصحاح مادة (نتج). ٦٠ ٦٧٧ (٣٥) كتاب القدر - (٩) باب: كل مولود يولد على الفطرة أفرأيت من يموت صغيراً، قال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين)). وفي أخرى: ((ليس مِنْ مولودٍ يولد إلا على هذه الفطرة حتى يعبِّر عنه لسانه)». وفي أخرى: ((كلُّ إنسان تلده أُّه يَلْكُزِ الشيطانُ في حِضْنَيْهِ إلا مریمَ وابْنَها)). رواه أحمد (٣٤٦/٢)، والبخاريُّ (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨) (٢٢ - ٢٣، ٢٥)، وأبو داود (٤٧١٤)، والترمذيّ (٢١٣٩). الناقةُ على مَنْتَجِها - بكسر الجيم-؛ أي: الوقت الذي تنتج فيه. ونصب جمعاء على الحال، وبهيمة: منصوبة على التوطئة لتلك الحال. والجذع: القطع. وتحُّون: تدركون بحسّكم وحواسكم. و (قوله: ((ما من مولود إلا يولد))) كذا لكلِّهم غير السَّمرقندي، فعنده تلد بتاء باثنتين من فوقها مضمومة، وبكسر اللام على وزن: وُلِدَ، وضُرِبَ، وتخرَّج على ما ذكر الهَجَري في نوادره. قال: يقال وُلِدَ وتَلِدَ بمعنى، ويكون على إبدال الواو تاءً لانضمامهما. و (قوله: ((كلُّ ابن آدم يلكزُ الشيطانُ فِي حِضْنَيْهِ))) كذا لجميعهم. والحضن: الجنب. وقيل: الخاصرة، غير أنَّ ابنَ ماهان رواه: خصييه، تثنية خصية، وهو وهم وتصحیف بدلیل قوله: ((إلا مریم وابنها)). و (قوله: أرأيت من يموت صغيراً) هذا السؤالُ إنما كان عن أولاد المشركين، كما جاء مفسّراً من حديث ابن عباس: ((فأما أولاد المؤمنين)) فقد تقدم الاستدلال على أنَّهم في الجنة، وأما أطفالُ المشركين فاختلف فيهم على ثلاثة أقوال: فقيل: في النار مع آبائهم، وقيل: في الجنة، وقيل: تُؤَجَّج لهم نار ٦٧٨ (٣٥) كتاب القدر - (٩) باب: كل مولود يولد على الفطرة [٢٥٨٧] وعن ابن عباس، قال: سُئِل رسولُ الله ◌ِوَّه عن أطفال المشركين. فقال: ((الله أعلم بما كانوا عاملين إذ خلقهم)). ويُؤْمَرُون بدخولها، فمن أطاع منهم دخل الجنة، ومن عصى منهم دخل النار. وذهب قوم - وأحسبهم من غير أهل السنة - فقالوا: يكونون في برزخ. وسبب اختلافِ الثلاثة الأقوال: اختلاف الآثار في ذلك، ومخالفة بعضها لظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَقَّ نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: ١٥]. والصبيُّ والمجنون لا يفهمون ولا يخاطبون، فهم كالبهائم، فلم يبعث إليهم رسول، فلا يعذَّبون. والحاصل من مجموع ذلك - وهو: القول الحقُّ الجاري على أصول أهل الحق -: ترتيب العذاب أن العذابَ المترتّبَ على التكليف لا يعذّبه من لم يكلّف. ثم لله تعالى أن يعذبَ على التكليف مَن شاء ابتداءً من غير تكليف من صبيّ أو مجنون، أو غير ذلك بحكم المالكية، وأنه لا حجرَ عليه، ولا حكم، فلا يكون ظالماً بشيءٍ من ذلك إن فعله كما قررناه في الباب قبل هذا. وعلى هذا يدلُّ قولُهُ وَل# في حديث عائشة - رضي الله عنها -: ((إن الله خَلَقَ للجنة أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم، وخَلَقَ للنار أهلاً، وهم في أصلاب آبائهم)). قد قدَّمنا: أن الأعمالَ معرِّفاتٌ لا موجبات. عِلْمُ اللَّهِ بأعمال الخلق و (قوله: ((اللَّهُ أعلم بما كانوا عاملين إذ خَلَقَهُمْ») معناه: الله أعلم بما جَبَلَهُم عليه، وطَبَعَهُمْ عليه، فمن خلقه اللَّهُ تعالى على جِبلَّة المطيعين كان من أهل الجنَّة، ومَن خَلَقه اللَّهُ على حِبِلَّة الكفَّار من القسوة والمخالفة كان من أهل النَّار. وهذا كما قال في غلام الخضِر: ((طُبع يوم طُبع كافراً)). وهذا الثوابُ والعقابُ لیس مرتّباً على تكليف ولا مُرْتَبطاً به، وإنما هو بحكم علمه ومشيئته. وأما مَن قال: إنهم في النار مع آبائهم، فمعتمدُه قوله وَلِّ: ((هم مِن آبائهم))(١). ولا حُجَّةَ فيه لو جھین: (١) رواه أحمد (٣٨/٤ و٧١)، ومسلم (١٧٤٥)(٢٨)، وأبو داود (٤٧١٢)، والترمذي (١٥٧٠). ٦٧٩ (٣٥) كتاب القدر - (٩) باب: كل مولود يولد على الفطرة رواه البخاريُّ (١٣٨٣)، ومسلم (٢٦٦٠)، وأبو داود (٤٧١١)، والنسائيّ (٥٩/٤). [٢٥٨٨] وعنه؛ عن أبيٍّ بن كعب، قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الغلام الذي قتله الخضر طُبع يوم طُبعَ كافراً؛ ولو عاش لأرْهق أبويه طغياناً وكفراً». رواه أحمد (١٢١/٥)، ومسلم (٢٦٦١)، وأبو داود (٤٧٠٥ و ٤٧٠٦)، والترمذيُّ (٣١٥٠). [٢٥٨٩] وعن عائشة، قالت: دُعِيَ رسولُ الله وَّ إلى جَنَازة صبيٍّ من الأنصار فقلت: يا رسول الله! طوبى لهذا؛ عصفور من عصافير الجنة؛ لم يعمل السوء ولم يدركه! قال: ((أو غير ذلك يا عائشة! إنَّ الله خلق للجنَّة أحدهما: أن المسألة علمية، وهذا خبرٌ واحد، وليس نصّاً في الفرض. وثانيهما: سلَّمناه، لكنا نقول ذلك في أحكام الدُّنيا، وعنها سُئِل، وعليها خُرِّج الحديث، وذلك أنَّهم قالوا: يا رسول الله! إنا نبيّت أهل الدَّار من المشركين، وفيهم الذَّراري. فقال: ((هم من آبائهم))، يعني في جواز القتل في حال التَّبيت، وفي غير ذلك من أحكام آبائهم الدُّنيوية، والله تعالى أعلم. و (قول عائشة - رضي الله عنها - في الصبي الأنصاري المتوفى: عصفورٌ من عصافير الجنة) إنما قالت هذا عائشة؛ لأنها بَنَّت على أنَّ: كلَّ مولود يُولَدُ على فطرة الإسلام؛ وأن اللَّهَ تعالى: لا يُعَذِّب حتى يبعثَ رسولاً، فحكمتْ بذلك، فأجابها النبيُّ أَّ بما ذكر. ٦٨٠ (٣٥) كتاب القدر - (١٠) باب: الآجال محدودة والأرزاق مقسومة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم، وخلق للنَّار أهلاً خلقهم لها وهُمْ في أصلاب آبائهم)) . رواه أحمد (٢٠٨/٦)، ومسلم (٢٦٦٢) (٣١)، وأبو داود (٤٧١٣)، والنسائيُّ (٥٧/٤)، وابن ماجه (٨٢). (١٠) باب الآجال محدودةٌ والأرزاقُ مقسومةٌ [٢٥٩٠] عن عبد الله بن مسعودٍ، قال: قالت أم حبيبةَ: اللهم متعني بزوجي: رسولِ الله وَ﴾، وبأبي: أبي سفيان، وبأخي: معاوية! فقال قدر الله سابق علی حدوث المخلوقات و (قوله: ((وهم في أصلاب آبائهم))) لا يعارض ما تقدَّم مِن قوله أنه يُكتب وهو في بطن أمه شقيُّ أو سعيدٌ؛ لما قدَّمناه من أن قضاءَ الله وقدره راجعٌ إلى عِلْمِه وقُدْرَتَه، وهما أزليَّان، لا أوَّلَ لهما. ومقصودُ هذه الأحاديث كلِّها: أنَّ قَدَرَ اللَّهِ سابقٌ على حدوث المخلوقات، وأنَّ اللَّهَ تعالى يُظْهِر من ذلك ما شاء لمن شاء مَتَى شاء قبل وجود الأشياء. [(١٠) ومن باب: الآجال محدودة والأرزاق مقسومة](١) (قول أمّ حبيبة: اللهم متِّعني بزوجي رسول الله ◌ِ ﴾ وبأبي أبي سفيان، وبأخي معاوية) أي: أطلْ أعمارهم حتى أتمتّع بهم زماناً طويلاً. (١) هذا العنوان لم يرد في نسخ المفهم، واستدركناه من التلخيص.