Indexed OCR Text

Pages 541-560

٥٤١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٩) باب: التحاب والتزاور في الله عز وجل
(٩) باب
التحابّ والتّزاور في الله عزَّ وجلَّ
[٢٤٧٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ لاته: ((إنَّ الله تعالى
يقولُ يوم القيامة: أين المتحابُّونَ بجلالي؟.
لتنقلَ من صُحُف الكرام الكاتبين إلى محلِّ آخر، ولعلَّه اللوحُ المحفوظ. كما قال
اللَّهُ تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا فَسْتَفْسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الجاثية: ٢٩] قال الحسن: إنَّ الخزنةَ
تستنستخُ الحفظة من صحائف الأعمال. وقد يكون هذا العرضُ [في هذين اليومَيْن
للأعمال الصَّالحة مُباهاةً بصالح أعمال بني آدم على الملائكة، كما يُباهي اللَّهُ
الملائكةَ بأهل عَرَفة، وقد يكون هذا العرضُ](١) لتعلمَ الملائكةُ المقبولَ من
الأعمال من المردود، كما جاء الحديثُ الآخر: ((إنَّ الملائكةَ تصعدَ بصحائف
الأعمال، فتعرضها على الله، فيقولُ اللَّهُ تعالى: ضَعُوا هذا واقْبَلُوا هذا، فتقولُ
الملائكةُ: وعزَّتك يا ربَّنا ما رأينا إلا خيراً! فيقول اللَّهُ تعالى: إنَّ هذا كان لغيري،
ولا أقبلُ مِنَ العمل إلا ما ابْتُغي به وجهي))(٢) والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك.
(٩) ومن باب: ثواب التَّحابب والتزاور في الله تعالى
(قوله: ((أين المتحابُّون بجلالي))) هذا نداءُ تنويهٍ وإكرامٍ، ويجوزُ أن يَخْرجَ
هذا الكلامُ مخرجَ الأمر لمن يحضرهم مكرمين منوهاً بهم. و الجلالي) روي
باللام وبالباء، ومعناهما مُتقاربٌ، لأنَّ المقصود بهما هنا: السَّبيَّة؛ أي: لعظيم
حقّي وحرمة طاعتي، لا لغرض من أغراض الدنيا.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) رواه ابن المبارك في كتاب الزهد والرقائق بنحوه (٤٥٢).

٥٤٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٩) باب: التحاب والتزاور في الله عز وجل
اليومَ أظِلُهم في ظلِّي، يوم لا ظِلَّ إلا ظِلِّي)).
رواه أحمد (٢٣٧/٢)، ومسلم (٢٥٦٦) (٣٧).
و (قوله: ((اليوم أظلُّهم في ظلِّي يوم لا ظلَّ إلا ظلِّي))) قيل: هذه الإضافةُ
إضافةُ تشريفٍ وإكرامٍ؛ إذ الظلالُ كلُّها ملكه وخَلْقُه.
قلتُ: وأولى مِن هذا التأويل: أنَّه يعني به: ظلَّ العرش؛ كما قد جاء في
في القيامة روايةٍ أخرى. فيعني - والله تعالى أعلم -: أنَّ في القيامة ظِلالاً بحسب الأعمال
ظلال بحسب الصَّالحة تقي صاحبَها من وهج الشمس(١) ولفح النّار، وأنفاس الخَلْق، كما
الأعمال
قال ◌َله: ((الرَّجلُ في ظلِّ صدقته حتى يُقْضى بين الناس))(٢)، ولكنَّ ظلَّ العرش
أعظمُ الظلال وأشرفها، فيخص اللَّهُ به مَن يشاءُ من صالح عباده، ومِن جملتهم
المتحابُّون لجلال الله. فإن قيل: كيف يقال: في القيامة ظلالٌ بحسب الأعمال؛
وقد قال ◌َله: ((سبعةٌ يظلُّهم اللَّهُ في ظلِّه يوم لا ظلَّ إلا ظلُّه))(٣)، وهو ظلُّ العرش
المذكور في الحديث؟ قلنا: يمكنُ أن يقال: كلُّ ظلِّ في القيامة إنَّما هو له؛ لأنَّه
بخَلْقه واختراعه بحسب ما يريده تعالى من إكرام من يخصُّه به؛ فعلى هذا يكونُ كلُّ
واحدٍ مِن هؤلاء السَّبعة في ظلِّ يخصُّه، وكلُّها ظلُّ الله، لا ظلَّ غيره؛ إذ ليس
لغيره هنالك ظلِّ، ولا يقدر له على سَبَب. ويحتملُ أن يُقال: إنَّه ليس هنالك إلَّا
ظلِّ واحدٌ، وبه يَسْتَظِلُّ المؤمنون، لكن لمَّا كان الاستظلالُ بذلك الظلِّ لا يُنالُ إلا
بالأعمال الصَّالحات نُسِبَ لكلِّ عملٍ ظلِّ؛ لأنَّه به وَصَل إليه. والله تعالى أعلم.
وهذا كلُّه بناءً على أنَّ الظُّلالَ حقيقةٌ لا مَجَاز، وهو قولُ جمهور العلماء. وقال
(١) في (ع) و (م ٤): الشهيق.
(٢) رواه أحمد (١٤٧/٤ - ١٤٨)، وأبو يعلى (١٧٦٦)، وابن خزيمة (٢٤٣١)، وابن حبان
(٣٣١٠)، والحاكم (٤١٦/١).
(٣) رواه أحمد (٤٣٩/٢)، والبخاري (٦٦٠)، والترمذي بعد حديث (٢٣٩١)، والنسائي
(٢٢٢/٨ - ٢٢٣).

٥٤٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (٩) باب: التحاب والتزاور في الله عز وجل
[٢٤٧٥] وعنه؛ عن النَّبِيِّ وَّ: ((أنَّ رَجُلاً زَار أخاً له في قريةٍ
أخرى، فأرصد اللَّهُ على مَدْرَجَتِهِ مَلَكاً، فلمّا أتى عليه قال: أينَ تريدُ؟
قال: أريدُ أخاً لي في هذه القرية. قال: هل لك عليه من نِعْمة تَرُبُّها؟ قال:
لا، غير أني أحْبَيْتُه في الله! قال: فإنِّي رسُول اللَّهِ إليكَ، بأنَّ الله قد أحبّكَ
کما أحببته فیه».
رواه أحمد (٢٩٢/٢)، ومسلم (٢٥٦٧) (٣٨).
عيسى بن دينار: إنَّ معناه: يكنّهم من المكاره، ويجعلهم في كنفه وستره، كما
يقول: أنا في ظلِّك. أي: في ذراك وسترك.
و (قوله: ((فأرصدَ اللَّهُ على مَذْرَجته))) أي: جعل اللَّهُ مَلَكاً على طريقه
يَرْصُده، أي: يرتقبه، وينتظره ليبشِّره. والمرصد: مَوْضِعُ الرَّصد. و (المَدْرَجة)
بفتح الميم: موضعُ الدَّرج، وهو المشي.
و (قوله: ((هل لكَ عليه من نعمةٍ تربُّها؟») أي: تقومُ بها وتصلحُها، فتتعاهده محبة الآخرين
بسببها؟ (فقال: لا، غير أنّي أحببتُه في الله) [أي: لم أزُرْهُ لغرضٍ من أغراض
الدُّنيا، ثمَّ أخبر بأنَّ إنَّما زاره من أجل أنَّه أحبَّه في الله تعالى](١). فبشَره الملكُ بأنَّ
اللَّهَ تعالى قد أحبَّه بسبب ذلك. وقد تقدَّم القولُ في محبة اللهِ تعالى للعبد، وأنَّ
ذلك راجعٌ إلى إكرامه إيَاه، وبِرِّه به. ومحبة الله للطاعة: قبولُها، وثوابُه عليها.
في الله مدعاة
لمحبة الله
وفي هذه الأحاديث ما يدلُّ: على أنَّ الحبَّ في الله والتَّزاورَ فيه مِن أفضل فَضْل الحب
الأعمال، وأعظم القُرَب إذا تجرَّد ذلك عن أغراض الدُّنيا وأهواء النُّفوس، وقد في الله
قال ◌َله: ((مَن أحبَّ لله، وأبغضَ لله، وأعطى الله، ومنع لله فقد استكمل
الإيمانَ))(٢).
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤).
(٢) رواه أحمد (٤٣٨/٣ و٤٤٠)، وأبو داود (٤٦٨١).

٥٤٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٠) باب: في ثواب المرضى
(١٠) باب
في ثواب المرضى وذوي الآفات إذا صبروا
[٢٤٧٦] عن عبد الله، قال: دخلتُ على رسولِ الله وَّهُ وهو
يُوعَكُ، فَمسستُهُ بَيَدِي، فقلتُ: يا رسول الله! إنَّك لتُوعَكُ وَعْكاً شديداً!
فقال رسولُ اللّهِ وَهِ: ((أَجَلْ، إنِّي أُوعَكُ كما يوعَكُ رجلانٍ منكم!))، قال:
فقلتُ: ذلك أنّ لك أجرين؟ فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((أَجَلْ))، ثم قال
رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما مِن مسلمٍ يُصِيبُه أذىً من مَرَضٍ فما سواه إلّا حَطَّ الله به
سيئاتِهِ؛ كما تَحُطُّ الشجرةُ ورَقَها)).
(١٠) ومن باب: ثواب المَرْضى وذوي الآفات إذا صبروا
الوَعْكُ: تمريغ الحمَّى، وهو ساكن العين. يُقال: وَعَكَتْهُ الحمَّى، تعِكُه،
وَعْكاً، فهو موعودٌ، وأوعكتِ الكلابُ الصيدَ، فهو مُوعَك: إذا مرَّغَتْه في التراب.
والوعكة: السقطة الشديدة في الجري. والوعكة أيضاً: معركة الأبطال في
الحروب. و (أجل) بمعنى: نعم.
ومضاعفة المرض على النَّبيِّ وَلّه لِيُضاعفَ له الأجرُ (في الآخرة)(١) وهو كما
أشدّ الناس بلاءَ قال ◌َ﴿ في الحديث الآخر: ((أشدُّ النَّاسِ بلاءً الأنبياءُ، ثم الأولياءُ، ثم الأمثل
فالأمثل، يبتلى الرَّجل على حَسَبِ دينه))(٢). وفي الحديث الآخر: [((نحن معاشر
الأنبياء يشتدُّ علينا البلاء، ويعظم لنا الأجر))(٣)](٤). و (الوصب): المرض. يقال
(١) زيادة من (ع).
(٢) رواه الترمذي (٢٣٩٨)، وابن ماجه (٤٠٢٣) عن سعد بن أبي وقَّص - رضي الله
عنه -.
(٣) رواه أحمد (٩٤/٣)، وابن ماجه (٤٠٢٤) بنحوه.
(٤) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٥٤٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٠) باب: في ثواب المرضى
وفي روايةٍ: قال: ((نعم، والذِي نفسي بيدِهِ! ما على الأرضِ مُسْلِمٌ
يصيبه ... )) وذكره.
رواه أحمد (٣٨١/١)، والبخاريُّ (٥٦٤٧)، ومسلم (٢٥٧١).
[٢٤٧٧] وعَن عائشة، قالت: ما رأيت رجلاً أشَدَّ عليه الوجَعُ من
رسولِ الله ◌َێے .
رواه أحمد (١٧٢/٦)، والبخاريُّ (٥٦٤٦)، ومسلم (٢٥٧٠)
(٤٤)، والترمذيُّ (٢٣٩٧)، وابن ماجه (١٦٢٢).
[٢٤٧٨] وعَن الأسود، قال: دخل شابٌّ من قريشٍ على عائشةَ
وهي بِمِنّى؛ وَهُمْ يَضْحَكُونَ، فقالتْ: ما يُضْحِكُكُمْ؟! قالوا: فلانٌ خرَّ
على طُنُبٍ فُسطاطٍ فكادتْ عُنُقُه - أو عَيْنُهُ - أنْ تَذْهَبَ! فقالت:
لا تضحكُوا! فإنِّي سمعتُ رسولَ اللّهِ وَِّ قال: ((ما من مسلم يشاكُ شوكةً فما
فوقَها، إلا كُتِبَتْ له بها درجة، ومُحِيَتْ بها عنه خطيئةٌ)).
رواه أحمد (٢٧٩/٦)، والبخاريُّ (٥٦٤٠)، ومسلم (٢٥٧٢)
(٤٦)، والترمذيُّ (٩٦٥).
منه: وصب الرجل، يوصب، فهو وصيب، وأوصبَه الله، فهو موصبٌ.
و (النَّصب): الثَّعب والمشقَّة. يقال منه: نَصِبَ الرجل - بالكسر - ينصَب - بالفتح -
وأنصبَه غيرُه: إذا أتعبَه، فهو منصبٌ، وهمٌّناصبٌ) أي: ذو نصبٍ. و (السَّقَم):
المرض الشديد. يقال منه: سَقِمِ، يَسْقَم، فهو سقيم. و (الهَمّ): الحزن،
والجميع: الهموم، وأهمَّني الأمر: إذا أقلقني وحزنني، والمهمُّ: الأمر الشديد
وهمَّني المرض: أذابني.
قلتُ: هذا نقل أهل اللغة، وقد سوَّوا فيه بين الحزن والهمِّ، وعلى هذا

٥٤٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٠) باب: في ثواب المرضى
[٢٤٧٩] وعن أبي سعيد وأبي هريرةَ، أنَّهما سمعا رسولَ الله وَه
يقول: ((ما يصيبُ المؤمنَ من وَصَبٍ، ولا نَصَبٍ، ولا سَقَمٍ، ولا حَزَنٍ،
حتی الھمِّ مُهَمُّه إلا كفّر الله به من سيئاته)).
رواه أحمد (٣٣٥/٢)، والبخاريُّ (٥٦٤١ - ٥٦٤٢)، ومسلم
(٢٥٧٣)، والترمذيُّ (٩٦٦).
[٢٤٨٠] وعن أبي هريرة، قال: لمّا نزلَتْ: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ
[النساء: ١٢٣] بلغت مِنَ المسلمين مَبْلَغاً شديداً. فقال
فيكون الحزن والهمُّ المذكوران في الحديث مترادفين، ومقصود الحديث ليس
كذلك، بل مقصودُه: التسوية بين الحزن الشديد، الذي يكونُ عن فقد
محبوب، والهمّ الذي يُقلق الإنسانَ ويشتغل به فكره من شيءٍ يخافُه أو يكرهُه في
أنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُكفّر به. كما قد جمع في هذا الحديث نفسِه بين الوَصَب، وهو
المرض، وبين السَّقم، لكن أطلق الوَصَبَ على الخفيف منه، والسَّقم على
الشديد، ويرتفع الترادف بهذا القدر. ومقصودُ هذه الأحاديث: أن الأمراضَ
والأحزان - وإن دَقَّت - والمصائب - وإن قلَّت - أُجر المؤمنُ على جميعها، وكَفَّرت
عنه بذلك خطاياه حتى يمشي على الأرض وليست له خطيئة، كما جاء في الحديث
الآخر، لكن هذا كلُّه إذا صبرَ المُصابُ واحتسبَ، وقال ما أمرَ الله تعالى به في
قوله: ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَبَتْهُم مُصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنََّ إِلَيْهِ رَسِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦] فمن كان
كذلك وصلَ إلى ما وعدَ الله به ورسولُه من ذلك.
و (قوله: لما نزلت: ﴿مَن يَعْمَلْ سُوْءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بلغت من
المسلمين مبلغاً شديداً) هذا يدلّ على: أنهم كانوا يتمسكون بالعمومات في
العلميات، كما كانوا يتمسّكون بها في العمليات. وفيه ردّ على من توقف في ألفاظ
العموم، وأن ((مَنْ)) مِنْ ألفاظه، وكذلك النكرة في سياق الشرط، فإنهم فهموا
الأمراض
والمصائب
مکفّرات
للذنوب

٥٤٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٠) باب: في ثواب المرضى
رسولُ الله ◌َ﴿: ((قاربوا، وسدِّدُوا، ففي كلِّ ما يصابُ به المسلم كفارةٌ؛
حتى النَّكْبَةِ يُنگبها، أو الشوكة ◌ُشاكُها».
رواه أحمد (٢٤٨/٢)، ومسلم (٢٥٧٤)، والترمذيُّ (٣٠٤١).
[٢٤٨١] وعن جابر بن عبد الله: أنَّ رسولَ اللهِوَ ◌ّهِ دخل على أمّ
عمومَ الأشخاص مِنْ ((مَنْ)) وعموم الأفعال السَّيّئة من ((سوء)) المذكور في سياق
الشرط، وقد أوضحنا ذلك في الأصول، وإنما عظم موقع هذه الآية عليهم؛ لأن
ظاهرها: أن ما مِنْ مكلَّف يصدرُ عنه شرٌّ كائناً ما كان إلا جُوزي عليه، يومَ
الجزاء، وأن ذلك لا يُغفر، وهذا أمر عظيم، فلما رأى النبيُّ ◌َهِ شِدَّةَ ذلك عليهم
سكَّنهم وأرشدَهم وبشّرهم، فقال: ((قاربوا وسَدِّدوا)) أي: قاربوا في أفهامكم
وسدِّدوا في أعمالكم، ولا تُقِلُّوا، ولا تُشدِّدوا على أنفسكم، بل بشروا واستبشروا
بأن الله تعالى بلطفه قد جعلَ المصائب التي لا يَتفكُّ عنها أحدٌ في هذه الدار سبباً
لكفَّارة الخطايا والأوزار، حتى يرد عليه المؤمنُ يومَ القيامة وقد خلَّصه من تلك
الأكدار، وطهَّره من أذى تلك الأقذار، فضلاً من الله ونعمة، ولطفاً ورحمةً.
و (قوله: ((حتى الهمّ يُهَمُّه») يجوز في الهمِّ الخفض على العطف على لفظ ما
قبله، والرفع على موضعه؛ فإن ((من)) زائدة، ويجوز رفعه على الابتداء وما بعده
خبره.
فأما (قوله: ((حتى النكبةِ يُنْكَبُها، والشّوكةِ يُشاكها))) فيجوز فيه الوجهان،
كذلك قيَّدهما المحققون، غير أن رفع الشوكة لا يجوز إلا على الابتداء خاصة؛
لأن ما قبلها لا موضعَ رفع له فتأمَّلْه، وقيَّده القاضي: يُهَمُّه بضم الياء وفتح الهاء
على ما لم يُسمَّ فاعله، وكذا وجدته مُقيّداً بخط شيخي أبي الصبر أيوب، والذي
أذكرُ أني قرأتُ به على من أثقُ به؛ بفتح يَهُّه - بفتح الياء وضم الهاء مبنياً
للفاعل-، ووجهه واضحٌ إذ معناه: حتى الهم يُصيبه، أو يطرأُ عليه. والنَّكْبَة
بالباء: العثرة والسَّقطة، ويُنْكَبُها - بضم الياء وفتح الكاف -: مبنياً للمفعول.

٥٤٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٠) باب: في ثواب المرضى
السائبِ - أو أُمّ المُسَيِّب - فقال: ((مَا لَكِ يا أُمّ السائِبِ ! - أو يا أم المسيَّب -
تُزَفْزِفِينَ؟)) قالتْ: الحمّى! لا بارك اللَّهُ فيها! فقال: ((لا تَسُبِّ الحُمَّى؛
فإنَّها تُذْهِبُ خطايا بني آدَمَ؛ كما يُذْهِبُ الكيرُ خَبَثَ الحديدِ)).
رواه مسلم (٢٥٧٥).
و (قوله: ((مالكِ يا أُمَّ السائب! تُزَفْزِفِيْنَ))) جميع رواة مسلم روى هذه الكلمة
بالزاي والفاء فيهما، ويُقال بضم التاء وفتحها من الزَّفزفة، وهي صوتُ حفيفِ
الريح. يُقال: زفزفتِ الريحُ الحشيشَ: أي حَرَّكَتْه، وزفزفَ النَّعام في طيرانه: أي:
حرَّك جناحيْه، وقد رواه بعض الرواة بالقاف والراء، قال أبو مروان بن سرَّاج:
يقال: بالقاف وبالفاء بمعنى واحدٍ، بمعنى تَرْعُدِينَ(١).
قلتُ: ورواية الفاء أعرفُ رواية، وأصُ معنىّ، وذلك أنَّ الحمَّى تكون
معها حركة ضعيفة، وحسُّ صوت يُشبه الزَّفْزَفة التي هي حركة الريح وصوتها في
الشجر. وقالوا: ريحُ زَفْزافة وزَفْزَفٌ. وأما الرقرقة بالراء والقاف: فهي التلألؤ
واللَّمَعان. ومنه: رَفْراق السَّراب، ورقراق الماء: ما ظهر من لمعانه، غير أنه
لا يظهر لمعانه إلا إذا تحرَّكَ وجاء وذهب، فلهذا حَسُن أن يُقال: مكان الرقراقة، لكن
تُفارق الزفزفة الرفرقة بأن الزفزفة معها صوت، وليس ذلك مع الرقرقة، فانفصلا.
النهي عن سبُّ
الحمی
و (قوله: ((لا تَسُبِّي الحمَّى))) مع أنها لم تُصرِّح بسبُ الحمَّى، وإنما دعت
عليها بألا يُبارَك فيها، غير أن مثل هذا الدُّعاء تضمَّن تنقيصَ المدعو عليه وذمَّه،
فصارَ ذلك كالتصريح بالذمِّ والسَّب، ففيه ما يدلُّ على أن التعريضَ والتضمينَ
كالتصريح في الدلالة، فيُحدُّ كُّ من يُفهم عنه القذفُ من لفظه؛ وإن لم يُصرِّح به،
وهو مذهبُ مالك كما تقدَّم.
و (قوله: ((فإنها تُذهبُ خطايا بني آدم)») هذا تعليل لمنع سبِّ الحُمَّى لما
تعليل عدم
سبِّ الحمی
(١) من الرِّعدة، وهي: رِغشة في الجسم تكون من فزع أو مرض.

٥٤٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١١) باب: الترعيب في عيادة المرضى
[٢٤٨٢] وعن عطاء بن أبي رباح، قال: قال لي ابنُ عباسٍ: ألا
أُرِيكَ امرأةً من أهل الجنَّة؟ قلتُ: بلى! قال: هذه المرأةُ السَّوداءُ؛ أتتِ
النبيَّ ◌َّهِ فقالت: إنِّي أَصْرَعُ، وإنّي أتكشّفُ، فادعُ اللَّهَ لي. قال: ((إنْ
شئتِ صبرتِ ولك الجنَّةُ، وإن شئتِ دعوتُ الله أن يُعَافِيَكِ)). قالتْ: أَصْبِرُ!
قالتْ: فإنِي أتكشّفُ، فادعُ اللَّهَ أن لا أتكشفَ فدعا لها.
رواه أحمد (٣٤٧/١)، والبخاريُّ (٥٦٥٢)، ومسلم (٢٥٧٦).
*
*
(١١) باب
الترغيب في عيادة المرضى وفعل الخير
[٢٤٨٣] عن ثوبان - مولى رسول الله وَل﴿ - عن النَّبِيِّ بَّر قال: ((من
عادَ مريضاً لم يزل في خُرْفَةِ الجنَّة))، قيل: يا رسول الله! وما خُرْفَةُ الجنَّةِ؟
قال: ((جَناها)).
يكون عنها من الثواب، فيتعدَّى ذلك لكلِّ مشقَّةٍ، أو شدّةٍ يُرتجى عليها ثواب، فلا
ينبغي أن يُذمَّ شيء من ذلك، ولا يُسبَّ. وحكمة ذلك: أن سبَّ ذلك إنما يصدرُ
في الغالب عن الضجر، وضعف الصبر، أو عدمه، وربما يُفضي بصاحبِه إلى
السخط المحرَّم، مع أنه لا يُفيد ذلك فائدةً، ولا يُخفّف ألماً.
و (قوله للمرأة التي كانت تُصْرَعُ: ((إنْ شئتِ صبرتِ ولك الجنَّة))) يشهدُ لما الأجر
للأمراض
قلناه من أن الأجورَ على الأمراض، والمصائبِ لا تحصلُ إلا لمن صبرَ واحتسبَ.
للصابرين
علیھا
(١١) ومن باب: الترغيب في عيادة المرضى
(قوله: ((لم يزلْ في خُرْفة الجنَّة))(١)) هو بضم الخاء المعجمة وسكون الراء، أجر عيادة
المریض
(١) ما ورد في هذه الفقرة من حديث لم يرد في نسختي التلخيص المخطوطتين، ولما كان =

٥٥٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١١) باب: الترغيب في عيادة المرضى
وفي روايةٍ: ((مَخْرَفَةٍ)) بدل: ((خُرْفَةٍ)).
رواه أحمد (٢٨٣/٥)، ومسلم (٢٥٦٨) (٣٩ - ٤٢)، والترمذيُّ
(٩٦٧).
[٢٤٨٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َّه: ((إِنَّ اللَّهَ يقول
وقد فسَّرها النَّبِيُّ ◌َله بما هو المعروفُ في اللغة فقال: هو جَناها، أي: ما يُجتنى
منها. وفي الصحاح: الخُرفة - بالضم -: ما يُجتنى من الفواكه، ويقال: التمر خرفةُ
الصائم. وأما رؤية مَن رواها مَخْرَفة بفتح الميم وسكون الخاء، وفتح الراء: فهو
البستان. والمخرفة والمخرف: الطريق، ومنه قول عمر - رضي الله عنه -: تركتم (١)
على مخرفة النعم. أما المِخرف والمِخرفة - بكسر الميم -: فهو الوعاءُ الذي يُجتنی
فيه التمر. ومعنى هذا الحديث، أنَّ عائدَ المريض بما ينالُه من أجر العيادة وثوابها
الموصل إلى الجنة كأنه يجتني ثمرات الجنة، أو كأنه في محرف الجنة، أي: في
طريقها الموصل إلى الاحتراف. وسُمي الخريفُ بذلك؛ لأنه فَضْلٌ تُخترف فيه
الثمار. وعيادةُ المريض من أعمال الطَّاعات الكثيرة الثواب، العظيمة الأجر، كما
دلت عليه هذه الأحاديث وغيرها. وهي من فروض الكفايات، إذا منع المرض من
التصرُّف؛ لأن المريضَ لو لم يُعَدْ جملةً لضاع وهلك، ولا سيما إن كان غريباً أو
ضعيفاً. وأما مَن كان له أهلٌ فيجب تمريضه على من تجب عليه نفقتُه، فأما مَن
لا يجبُ ذلك عليه؛ فمن قام به منهم سقط عن الباقين. والعيادةُ: مصدرُ عاد يعود
عَوْداً، وعِيادةً، وعياداً، غير أنه قد خُصَّتِ العيادةُ بالرجوع إلى المرضى والتكرار
إليهم.
= المؤلف - رحمه الله - قد شرح ما أشكل منه، أثبتنا الحديث المتعلِّق بهذا الباب من
صحيح مسلم.
(١) كذا في الأصول، وفي الفائق (٣٦٠/١) والنهاية (٢٤/٢): تركتكم.

٥٥١
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١١) باب: الترغيب في عيادة المرضى
يوم القيامة: يا بنَ آدَمَ! مرضتُ فلم تَعُدْنِي! قال: يا ربِّ! كيف أعودُك
وأنت ربِّ العالمين؟! قال: أَمَا علمتَ أنَّ عبدي فلاناً مَرِضَ فلم تَعُدْه؟! أمَا
علمتَ أنَّك لو عُدْتَه لوجدْتَنِي عنده؟ يا بنَ آدم! استطعمتُك فلم تُطْعِمِنِي!
قال: يا ربِّ! وكيف أطعمكَ وأنتَ ربُّ العالمين؟! قال: أما علمتَ أنَّه
استطعَمكَ عبدِي فلانٌ فلَم تُطْعِمْه؟ أما علمتَ أنك لو أطعمتَهُ لوجدتَ ذلكٍ
عندي؟ يا بن آدمَ! استقيتُك فلم تَسْقِنِي! قال: يا ربِّ! كيف أَسْقيك وأنتَ
ربُّ العالمينَ؟! قال: استسقاك عبدي فلانٌ فلم تَسْقِهِ، أمَا إنَّكَ لو سقيتَه
وجدت ذلك عندي».
رواه مسلم (٢٥٦٩).
و (قوله تعالى: ((يا بن آدم مرضت فلم تعدني، واستطعمتك فلم تطعمني، الإحسان إلى
الخَلْقِ إحسان
إلى الخالق
واستسقيتك فلم تسقني))): تنزُّلُ في الخطاب، ولطفٌ في العتاب، ومقتضاه
التعريفُ بعظيم فَضْل ذي الجلال، وبمقادير ثواب هذه الأعمال. ويُستفادُ منه أنَّ
الإحسانَ للعبيد إحسانٌ للسادة، فينبغي لهم أن يعرفوا ذلك، وأن يقوموا بحقٌّه.

٥٥٢
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٢) باب: تحريم الظلم والتحذير منه
(١٢) باب
تحريم الظلم والتحذير منه وأخذ الظالم
[٢٤٨٥] عن أبي ذرٍّ، عن النَّبِيِّ ◌َّ فيما رَوَى عن الله تبارك
وتعالى: أنَّه قال: ((يا عبادي! إنِّي حرمتُ الظُّلمَ على نفسي، وجعلتُه بينكم
مُحَرَّمَاً، فلا تظالَمُوا! يا عبادي! كُلُكُم ضَالٌّ إلا من هديتُه، فَاسْتَهْدُوني
(١٢) ومن باب: تحريم الظلم
(قوله تعالى: ((إنِّي حرمتُ الظلم على نفسي))) أي: لا ينبغي لي، ولا يجوز
عليَّ، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿ وَمَا يَنْبَغِى لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ [مريم: ٩٢]. وقد
اتفق العقلاءُ على أنَّ الظلمَ على الله تعالى مُحال، وإنما اختلفوا في الطريق،
فالقائلون بالثّقبيح والشّحسين عقلاً يقولون: يستحيلُ عليه لقبحه، ومن لا يقول
بذلك يقولون: يستحيلُ عليه لاستحالة شرطه في حقه تعالى، وذلك: أن الظلم إنما
يُتصوَّر في حقٌّ من حُدَّتْ له حدود، ورسِمَتْ له مراسم، فمن تعداها كان ظالماً،
واللَّهُ تَعالى هو الذي حدَّ الحدودَ ورسمَ الرُّسوم؛ إذ لا حاكمَ فوقه، ولا حاجرَ
عليه، فلا يجبُ عليه حُكْم، ولا يترتَّب عليه حٌّ، فلا يُتصوَّر الظلمُ في حقُّه.
واستيفاءُ المباحث في علم الكلام.
و (قوله: ((وجعلتُه بينكم محرماً)) أي: حكمتُ بتحريمه عليكم، وألزمته
إياكم.
و (قوله: ((فلا تظالموا))) أي: لا يظلم بعضكم بعضاً، وأصلُه: تتظالموا،
فحذفتْ إحدى التاءين تخفيفاً.
و (قوله: ((يا عبادي كلُّكم ضالّ إلا من هديتُه))) قيل في معناه قولان:
أحدهما: أنهم لو تُركوا مع العادات، وما تقتضيه الطباعُ من الميل إلى
الرَّاحات، وإهمال النَّظر المؤدي إلى المعرفة لغلبت عليهم العادات والطباعُ فضلُوا
الظلم على الله
تعالی مُحال

٥٥٣
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٢) باب: تحريم الظلم والتحذير منه
عن الحق، فهذا هو الضلالُ المعنيُّ، لكن من أراد اللَّهُ تعالى توفيقَه ألهمه إلى
إعمال الفِكْر المؤدي إلى معرفة الله تعالى، [ومعرفة الرسول وَ له وأعانَهُ على
الوصول إلى ذلك، وعلى العمل بمقتضاه، وهذا هو الهُدى الذي أمرنا اللَّهُ الهدى الذي
أمرنا الله بسؤاله
بسؤاله](١).
وثانيهما: أن الضلالَ ها هنا يعني به: الحال التي كانوا عليها قبل إرسال وظيفة الرسل
الرُّسل من: الشرك، والكفر، والجهالات، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَحِدَةٌ فَبَعَثَ اَللَّهُ النَّبِيْنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ﴾ [البقرة: ٢١٣] أي: على حالة
واحدة من الضلال والجهل، فأرسل اللَّهُ الرسلَ ليزيلوا عنهم ما كانوا عليه من
الضلال، ويبيِّن لهم مرادَ الحقِّ منهم في حالهم، ومآل أمرهم، فمن نبَّهه الحقُّ
سبحانه وتعالى، وبصَّره، وأعانه فهو المهتدي، ومن لم يفعل اللَّهُ به ذلك بقي على
ذلك الضلال.
وعلى كلِّ واحدٍ من التأويلين فلا معارضة بين قوله تعالى: ((كلَّكم ضالّ إلا
من هديته)). وبين قوله: ((كلُّ مولودٍ يُولَدُ على الفِطرة))(٢)؛ لأنَّ هذا الضلالَ
المقصودَ في هذا الحديث هو الطارىء على الفطرة الأولى المغيِّر لها، الذي بيَّنه
النبيُّ ◌َّه بالتمثيل في بقية الخبر حيث قال: ((كما تُنْتَجُ البهيمةُ بهيمةً جمعاء))(٣).
وبقوله: ((خلق اللَّهُ الخلقَ على معرفته فاجتالتهم الشَّياطين))(٤). وهذا الحديثُ
حُجَّةٌ لأهل الحقِّ على قولهم: إنَّ الهدى والضلال خَلْقه وفِعْلَه يختصُّ بما شاء
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٢) رواه أحمد (٣٩٣/٢)، والبخاري (١٣٥٩)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٣) رواه أحمد (٢٣٣/٢ و٢٧٥ و٣٩٣)، والبخاري (٤٧٧٥)، ومسلم (٢٦٥٨).
(٤) رواه مسلم (٢٨٦٥) بلفظ: ((إني خلقتُ عبادي حنفاء كلَّهم، وإنهم أتتهم الشياطين
فاجتالتهم عن دينهم» .

٥٥٤
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٢) باب: تحريم الظلم والتحذير منه
أَهْدِكم. يا عبادي! كُلّكم جائع إلا من أطعمتُه، فاستطعمُوني أُطْعِمْكُمْ.
يا عبادي! كلُكم عارٍ إلا مَنْ کسوتُه، فاستکسُوني أَكْسُكم. يا عبادي! إنكم
تُخْطِئُونَ بالليلِ والنَّهارِ، وأنا أغفرُ الذنوبَ جميعاً، فاستغفروني أَغْفِرْ لَكُمْ.
يا عبادي! إنكم لَنْ تبلغوا ضَرِّي فَتَضُرُوني. ولن تبلُغُوا نَفْعي فَتَنْفَعُونِي.
يا عبادي! لو أنّ أوَّلكم، وآخِرَكم، وإنْسَكُم، وجِنَّكُم كانوا على أتْقَى قَلْبِ
رَجُلٍ واحدٍ مِنكم؛ ما زاد ذلك في مُلكِي شَيْئاً. يا عبادي! لو أنَّ أوّلكم،
وآخِرَكُم، وإنْسَكُم، وجِنَّكم، كانوا على أفْجَرِ قلبِ رجلٍ واحدٍ؛ ما نقص
ذلك مِنْ مُلْكِي شيئاً. يا عبادي! لو أنَّ أوّلكُم، وآخرَكم، وإنْسَكُم، وجِنْكم
منهما مَنْ شاء مِنْ خلقه، وأنَّ ذلك لا يقدرُ عليه إلاّ هو، كما قال تعالى: ﴿كَذَِّكَ
يُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَآَهُ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [المدثر: ٣١]، وكما قال: ﴿ وَمَا كَّا لِنَهْتَدِىَ لَوْلاً أَنْ هَدَنَا
اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣]، وكما قال: ﴿وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّ أَن يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠].
وقد نطق الكتابُ بما لا يبقى معه ريبٌ لذي فَهْم سليم بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ
السَّلَمِ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]، فعمَّ الدعوة، وخصَّ بالهداية
من سبقتْ له العناية. واستيفاءُ الكلام في علم الكلام.
وحاصِلُ قوله: ((كلُّكم ضالٌّ إلا ممن هديتُه، وكلُّكم جائع، وكلُّكم عارٍ»
عجز الإنسان التَّنبيهُ على فَقْرنا وعجزنا عن جَلْب منافعنا، ودَفْع مضارِنا بأنفسنا؛ إلا أن يُيَسِّر
ذلك لنا؛ بأن يخلقَ ذلك لنا، ويُعيننا عليه، ويصرف عنا ما يضرُّنا. وهو تنبيهٌ على
معنى قوله: ((لا حول ولا قوَّة إلا بالله العلي العظيم))(١)، ومع ذلك فقال في آخر
الحديث: ((يا عبادي! إنما هي أعمالكم أحصيها عليكم، فمن وَجَد خيراً فليحمد
الله، ومَن وَجَد غير ذلك فلا يلومنَّ إلا نفسه)) تنبيهاً على أنَّ عَدَم الاستقلال بإيجاد
الأعمال لا يناقضُ خِطابَ التكليف بها، إقداماً عليها، وإحجاماً عنها، فنحن - وإن
عن جلب
المنافع ودَفْع
المضارّ بنفسه
(١) رواه الطبراني في الكبير (٣٦٤/١٢).

٥٥٥
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٢) باب: تحريم الظلم والتحذير منه
قاموا في صَعِيدٍ واحدٍ، فسَأَلُوني، فأعطيتُ كُلَّ إنسانٍ مَسْأَلَتَه، ما نقص ذلك
مِمَّا عندي إلا كما يَنْقُصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البَحْرَ. يا عبادي! إنما هي
أعمالُكُم أحصيها عليكم، ثم أُوَفِيكُمْ إَِّاها، فمَنْ وجد خيراً فليحمد الله،
ومن وجد غيرَ ذلك فلا يلومنّ إلا نَفْسَه)).
رواه أحمد (١٦٠/٥)، ومسلم (٢٥٧٧) (٥٥)، والترمذيُّ
(٢٤٩٥)، وابن ماجه (٤٢٥٧).
كنَّا نعلمُ أنّا لا نستقل بأفعالنا - نحس بوجدان الفَرْق بين الحركة الضَّرورية
والاختيارية، وتلك التفرقةُ راجعةٌ إلى تمكُّنٍ محسوسٍ، وتأتِّ مُعْتادٍ يُوجَدُ مع
الاختيارية، ويُفْقَدُ مع الضرورية، وذلك هو المعبَّرُ عنه بالكسب، وهو موردُ
التكليف، فلا تناقضَ ولا تعنيف.
و (قوله: ((ما نقص ذلك(١) ممَّا عندي إلا كما ينقص المِخْيَطُ إذا أُدخل
البحر))) المخيط: الإبرة. والخياط(٢): الخيط. ومنه قوله: ((أُوا الخياط
والمِخْيَط))(٣). وهذا مثلٌ قصد به التَّقريب للأفهام بما تشاهده؛ فإنَّ ماءَ البحر من
أعظم المرئيات وأكبرها، وغمس الإبرة فيه لا يؤثر فيه، فضرب ذلك مثلاً لخزائن مَثَل خزائن
رحمة الله تعالى وفَضْله؛ فإنها لا تنحصرُ ولا تتناهى، وأنَّ ما أعْطي منها من أول رحمة الله
خَلْقِ المخلوقات، وما يُعْطي منها إلى يوم القيامة لا ينقصُ منها شيئاً، وهذا نحو وفضله
قوله : ﴿ في الحديث الآخر: ((يمينُ الله ملأى سخَّاءُ الليلَ والنهارَ، لا يغيضُها
(١) هذه اللفظة مستدركة من التلخيص وصحيح مسلم.
(٢) في جميع نسخ المفهم: الخائط، والصواب ما أثبتناه بعد الرجوع إلى نصّ الحديث
ومصادر اللغة.
(٣) رواه النسائي (٢٦٤/٦)، وابن ماجه (٢٨٥٠).

٥٥٦
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٢) باب: تحريم الظلم والتحذير منه
[٢٤٨٦] وعن ابن عمر؛ أنَّ رسولَ اللهِصَ لّ قالَ: ((المسلمُ أخو
المسلمِ، لا يَظْلِمُهُ ولا يُسْلِمُهُ. مَنْ كان في حاجة أخيه، كان اللَّهُ في
حاجته، ومن فرّجَ عن مُسْلِمٍ كُرْبَةً، فرّجَ الله عنه بها كُرْبَةً من کُربِ يومِ
القيامةِ».
رواه أحمد (٩١/٢)، والبخاريُّ (٢٤٤٢)، ومسلم (٢٥٨٠)،
وأبو داود (٤٨٩٣)، والترمذيُّ (١٤٢٦).
[٢٤٨٧] وعن جابر بن عبد الله، أنَّ رسولَ الله ◌ِلَّهِ قالَ: ((أنَّقُوا
الظلمَ؛ فإنّ الظُّلمَ ظلماتٌ يوم القيامة.
شيء، أرأيتم ما أنفق منذ خَلَق السمواتِ والأرض، لم يَغِضْ ما في يمينه))(١) وسؤُ
ذلك أنَّ قدرته صالحةٌ للإيجاد دائماً، لا يجوزُ عليها العجزُ والقصور، والممكنات
لا تنحصر، ولا تتناهى، فما وجد منها لا ينقصُ شيئاً منها، وبَسْطُ الكلام على هذه
الأصول في عِلْم الكلام.
عقوبة الظالم
يوم القيامة
. و (قوله: ((اتقوا الظلم؛ فإنَّ الظلم ظلماتٌ يوم القيامة))) ظاهِرُه: أنَّ الظالم
يُعاقَبَ يوم القيامة؛ بأن يكون في ظلماتٍ متوالية يوم يكون المؤمنون في نورٍ يسعى
بين أيديهم، وبأيمانهم حين: ﴿يَقُولُ الْمُتَفِقُونَ وَالْمُنَفِقَتُ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ أَنْظُرُوْنَا نَقْنَيِسْ مِن
تُرِّكُمْ﴾ فيقال لهم: ﴿أَرْجِعُوا وَرَآءَكُمْ فَلْتَمِسُوا نُورًا﴾ [الحديد: ١٣]. وقيل: إنَّ معنى
الظلمات هنا: الشَّدائد والأهوال التي يكونون فيها، كما فُسِّر بذلك قولُه: ﴿قُلْ مَن
يُتَجِّيَكُم مِّنِ ظُلُمَتِ الْبَرِّ وَاَلْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣] أي: من شدائدهما، وآفاتهما. والأول
أظهر .
(١) رواه أحمد (٢٤٢/٢ و٥٠٠)، والبخاري (٤٦٨٤)، ومسلم (٩٩٣) (٣٦)، والترمذي
(٣٠٤٥)، وابن ماجه (١٩٧).

٥٥٧
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٢) باب: تحريم الظلم والتحذير منه
واتقوا الشَُّّ ؛ فإنَّ الشخَّ أهْلَكَ مَنْ كان قَبْلَكُم ؛ حَمَلهم على أَنْ سَفَكُوا
دماءهم واستحلُّوا محارِمَهم)).
رواه مسلم (٢٥٧٨).
[٢٤٨٨] وعن أبي موسى، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنّ الله يُملِي
للظَّالِم؛ فإذا أَخَذَه لم يُفْلِته)).
و (قوله: ((واثَّقُوا الشُّحَّ؛ فإنَّ الشَّ أهلكَ مَن كان قبلكم))) الشُّ: الحرصُ الشح والبخل
على تحصيل ما ليس عندك، والبخلُ: الامتناعُ من إخراج ما حَصَل عندك. وقيل:
إن الشعَّ هو البخلُ مع حرص. يقال منه: شَحِحْتُ بالكسر يشِخُ، [وشَحَخْت
- بالفتح - يُشَخُ](١) - بالضم - ورجل شحيح، وقوم شِحاح وأشخّاء.
و (قوله: ((حَمَلَهم على أن سَفَكُوا دماءهم، واستحلُّوا محارمهم))) هذا هو عاقبة الشح
الهلاكُ الذي حُمِلَ عليه الشخُ؛ لأنهم لمَّا فعلوا ذلك أتْلَفُوا دنياهم وأخراهم، وهذا
كما قال في الحديث الآخر: ((إياكم والشح؛ فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم
بالبخل فبخلُوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا))(٢) أي:
حملهم على ذلك.
و (قوله: ((إن الله يملي للظالم حتى إذا أخبره لم يُفْلِتْهُ)) يملي: يطيلُ فِي سُنَّ الله في كل
مدَّته، ويصحُ، ويكثر ماله وولده ليكثر ظُلْمُه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ إِنََّا جَبّار عنيد
تُعْلِى لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا﴾ [آل عمران: ١٧٨] وهذا كما فَعَل اللَّهُ بالظُّلمة من الأمم
السَّالفة، والقرون الخالية، حتى إذا عمَّ ظُلْمُهم وتكامَلَ جُزْمُهم أخذهم الله أخذةً
رابية، فلا ترى لهم من باقية، وذلك سنَّة الله في كلِّ جبّار عنيد، ولذلك قال:
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).
(٢) رواه أبو داود (١٦٩٨).

٥٥٨
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٣) باب: الآخذ على يد الظالم ونصر المظلوم
ثم قرأ: ﴿ وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ اَلْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود:
١٠٢]».
رواه البخاريُّ (٤٦٨٦)، ومسلم (٢٥٨٣)، والترمذيُّ (٣١٠٩)،
وابن ماجه (٤٠١٨).
(١٣) باب
الأخذ على يد الظَّالم ونصر المظلوم
[٢٤٨٩] عن جابرٍ، قال: اقْتَتَل غُلامانِ: غلامٌ من المهاجرينَ،
وغلامٌ من الأنصارِ، فنادى المهاجرُ - أو المهاجرونَ -: يا للمهاجرين!
مَن هو الذي
أُمِر بالستر
علیه؟
﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِىَ ظَلِمَّةُ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِمٌ شَدِيدٌ﴾ [هود: ١٠٢].
و (قوله: ((مَن سَتَر مُسلماً ستره اللَّهُ يومَ القيامة))) هذا حضٌّ على ستر من
ستر نفسه، ولم تَدْعُ الحاجةُ الدينية إلى كَشْفه، فأما من اشتهر بالمعاصي، ولم يبالِ
بفعلها، ولم ينتهِ عمَّا نُهي عنه، فواجبٌ رَفْعُه للإمام، وتنكيله، وإشهارُه للأنام
ليرتدعَ بذلك أمثالُهُ، وكذلك مَن تدعو الحاجةُ إلى كَشْف حالهم من الشهود
والمجرَّحِين، فيجب أن يكشفَ منهم ما يقتضي تجريحهم، ويحرمُ سترهم مخافةً
تغيير الشرع، وإبطال الحقوق.
(١٣ و١٤ و ١٥) ومن باب:
الأخذ على يد الظالم ونصر المظلوم(١)
(قوله: كسع رجلٌ من المهاجرين رجلاً من الأنصار)(٢) في الصحاح:
(١) شرح المؤلف رحمه الله تحت هذا العنوان ما أشكل في هذا الباب وما أشكل أيضاً في
باب: من استطال حقوق الناس ... وما أشكل في باب: النهي عن دعوى الجاهلية.
(٢) هذه الرواية بنصها في صحيح مسلم (٢٥٨٤) (٦٤).

٥٥٩
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٣) باب: الأخذ على يد الظالم، ونصر المظلوم
فنادى الأنصاريُّ: يا للأنصار! فخرجَ رسولُ اللهِ وَّ فقال: ((ما هذا؟!
دعوى أهل الجاهلية!)) قالوا: لا، يا رسول الله! إلا أنَّ غلامين اقْتَتَلا،
فَكَسَعَ أحدُهُما الآخَرَ، قال: ((فلا بأسَ ولينصُرِ الرجلُ أخاه ظالماً أو
مظلوماً؛ إنْ كان ظالماً فلْيَنْههُ، فإنَّه له نصرٌ، وإنْ كان مظلوماً فلْيَنْصُرْهُ)).
رواه أحمد (٣٣٨/٣)، والبخاريُّ (٣٥١٨)، ومسلم (٢٥٨٤)
(٦٢)، والترمذيُّ (٣٣١٥)، والنسائيُّ في الكبرى (٨٨٦٣).
الكسع: أن تضربَ دُبُرَ الإنسان بيدك، أو بصدر قدمك، يقال: اتَّبَع فلانٌ أدبارهم
يكسعهم بالسيف، مثل: يَكْسَؤُهُم، أي: يطردهم، ومنه قول الشاعر (١):
كَسِعَ الشِّتَاءُ بسبعةٍ غُيْرٍ (٢)
ووردت الخيلُ يكسعُ بعضُها بعضاً.
و (قوله: ((انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً)(٣)) هذا من الكلام البليغ الوجيز روُ الظالم عن
الذي قلَّ من ينسجُ على منواله، أو يأتي بمثاله، وأو فيه للتنويع والتقسيم، وإنما ظلمة نصرٌ له
سُمِّي رءُ الظالم نصراً؛ لأنَّ النصرَ هو العونُ. ومنه قالوا: أرضٌ منصورةٌ، أي: معانةٌ
بالمطر، ومَنْعُ الظالم من الظلم عونٌ له على مصلحة نفسه، وعلى الرُّجوع إلى
الحق، فكان أولى بأن يُسمَّى نَصْراً.
ودعوى الجاهلية: تَنَادِيهم عند الغضب، والاستنجاد: يا آل فلان! يا بني دعوى
الجاهلية
(١) هو أبو شبل الأعرابي.
(٢) هذا صدر بيتٍ، وعجزه: أيَّامٍ شَهْلَتِنا من الشَّهْرِ.
(٣) هذا اللفظ ليس في التلخيص ولا في صحيح مسلم، بل هو عند أحمد (٢٠١/٣)،
والبخاري (٢٤٤٣ و٢٤٤٤)، والترمذي (٢٢٥٥) من حديث أنس بن مالك.

٥٦٠
(٣٤) كتاب البر والصلة - (١٤) باب: من استطال حقوق الناس
(١٤) باب
من استطال حقوق الناس
اقتُصَّ من حسناته يوم القيامة
[٢٤٩٠] عن أبي هريرة، أنَّ رسولَ اللهِوَّهِ قالَ: ((أَتَدْرُونَ ما
المفلسُ؟)) قالوا: المفلسُ فِيْنا مَنْ لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ! فقال: ((إنَّ المفلسَ
من أمَّتي يأتي يومَ القيامة بصلاةٍ، وصيامٍ، وزكاةٍ، ويأتي وقد شَتَم هذا
وقَذَف هذا، وأكَلَ مال هذا، وسفك دَمَ هذَا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِنْ
حسناته، وهذا مِنْ حسناته، فإنْ فَنِيَتْ حسناتُه، قبلَ أن يُقْضَى ما عليه، أُخِذَ
مِنْ خطايَاهُم فطُرِ حَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّار)).
رواه أحمد (٣٠٣/٢)، ومسلم (٢٥٨١)، والترمذيُّ (٢٤١٨).
[٢٤٩١] وعنه؛ أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((لَتُؤْذُنَ الحقوقَ إلى أهلِها
يومَ القيامة حتى يُقادَ للشَّاةِ الجَلْحَاءِ من الشَّاةِ القَرناء)».
رواه أحمد (٢٣٥/٢)، ومسلم (٢٥٨٢)، والترمذيُّ (٢٤٢٠).
فلان! وهي التي عنى بقوله: ((دعوها فإنها منتنة)) (١) أي: مستخبثة، قبيحة؛ لأنها
تثيرُ التَّعَصُّبَ على غير الحقِّ، والتقاتل على الباطل، ثم إنها تجُّ إلى النار، كما
قال: (مَن دعا بدعوى الجاهلية فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار))(٢). وقد أبدل
(١) هذه الفقرة والتي تليها لم تردفي هذا الباب من التلخيص، وإنما وردت في باب:
النهي عن دعوى الجاهلية، رقم الحديث (٢٥٩٦).
(٢) رواه أحمد (١٣٠/٤ و٢٠٢)، والترمذي (٢٨٦٣ و٢٨٦٤) بلفظ: ((مَن دعا بدعوى
الجاهلية فهو مِن ◌ُثًا جهنم)).