Indexed OCR Text

Pages 481-500

٤٨١
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٨) باب: في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
أيوب، وبين عمار وحذيفة، حليف بني عبد الأشهل، وقيل: بين عمار وثابت بن
قيس، وبين أبي حذيفة بن عتبة وعباد بن بشر، وبين أبي ذر والمنذر بن عمرو،
وبين ابن مسعود وسهل بن حنيف، وبين سلمان الفارسي، وأبي الدرداء، وبين
بلال وأبي رويحة الخثعمي، وبين حاطب بن أبي بلتعة وعويم بن ساعدة، وبين
عبد الله بن جحش وعاصم بن ثابت، وبين عبيدة بن الحارث وعمير بن الحمام،
وبين الطفيل بن الحارث - أخيه - وسفيان بن بشر، وبين الحصين بن الحارث
- أخيهما - وعبد الله بن جبير، وبين عثمان بن مظعون والعباس بن عبادة، وبين
عتبة بن غزوان ومعاذ بن ماعِص، وبين صفوان بن بيضاء ورافع بن المعلى، وبين
المقداد بن عمرو وعبد الله بن رواحة، وبين ذي الشمالين ويزيدبن الحارث من بني
خارجة، وبين أبي سلمة بن عبد الأسد وسعد بن خيثمة، وبين عمير بن أبي وقاص
وخبيب بن عديّ، وبين عبد الله بن مظعون وقطبة بن عامر، وبين شماس بن عثمان
وحنظلة بن أبي عامر، وبين الأرقم بن أبي الأرقم وطلحة بن زيد الأنصاري، وبين
زيد بن الخطاب ومعن بن عدي، وبين عمرو بن سراقة وسعد بن زيد من بني عبد
الأشهل، وبين عاقل بن البكير ومبشر بن عبد المنذر، وبين عبد الله بن مخرمة
وفروة بن عمرو(١) البياضي، وبين خنيس بن حذيفة والمنذر بن محمد بن عقبة بن
أحيحة بن الجلاح، وبين أبي سبرة بن أبي رهم وعبادة بن الحسحاس، وبين
مسطح بن أثاثة وزيد بن المزين، وبين أبي مرثد الغنوي وعبادة بن الصامت، وبين
عُكَّاشة بن محصن والمجذر بن زياد حليف الأنصار، وبين عامر بن فُهيرة والحارث
ابن الصِّمة، وبين مهجع مولى عمر وسُراقة بن عمرو النجاري.
المؤاخاة بين
قال: وقد كان رسولُ الله ◌َل﴿ آخى بين المهاجرين قبل الهجرة [على الحق المهاجرين قبل
والمواساة](٢) فآخى بين أبي بكر وعمر، وبين حمزة وزيد بن حارثة، وبين عثمان الهجرة
(١) في (ز): عمير، وفي (م ٤): عمر، والمثبت من أسد الغابة (٤/ ٣٥٧).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ز).

٤٨٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٨) باب: في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
رسولَ الله ◌َّه قال: ((لا حِلْفَ في الإسلام؟» فقال أنس: قد حَالَفَ
رسولُ الله ◌َّهِ بين قريشٍ والأنصار في داره.
وفي روايةٍ: في داره التي بالمدينة.
رواه البخاري (٧٣٤٠)، ومسلم (٢٥٢٩) (٢٠٤ و٢٠٥)،
وأبو داود (٢٩٢٦).
وعبد الرحمن بن عوف، وبين الزبير وابن مسعود، وبين عبيدة بن الحارث وبلال،
وبين مصعب بن عمير وسعد بن أبي وقاص، وبين أبي عبيدة وسالم مولى أبي
حذيفة، وبين سعيد بن زيد وطلحة بن عبيد الله، [رضي الله عن جُملة المهاجرين
(١)
والأنصار]
قلتُ: وقد جاء في كتاب مسلم من حديث أنس: أنه آخى بين أبي عبيدة
ابن الجراح وبين أبي طلحة، وقال أبو عمر: إنه آخى بين أبي عبيدة وبين سعد بن
معاذ. والأولى ما في كتاب مسلم.
لا حلف في
الإسلام
و (قوله: ((لا حلف في الإسلام))) أي: لا يتحالفُ أهلُ الإسلام كما كان أهلُ
الجاهلية يتحالفون، وذلك أن المتحالِفَيْن كانا يتناصران في كلِّ شيءٍ، فيمنع
الرجلُ حليفَه؛ وإن كان ظالماً، ويقومُ دونه، ويدفعُ عنه بكلِّ ممكن، فيمنع
الحقوق، وينتصرُ به على الظلم، والبغي، والفساد، ولما جاء الشرعُ بالانتصاف
من الظالم، وأنه يُؤخذ منه ما عليه من الحقِّ، ولا يمنعه أحدٌ من ذلك، وحَدَّ
الحدود، وبيَّن الأحكام، أبطل ما كانت الجاهليةُ عليه ممن ذلك، وبقي التعاقدُ
والتحالف على نُصْرة الحقِّ، والقيام به، وأوجب ذلك بأصل الشّريعة إيجاباً عاماً
على مَن قدر عليه من المكلَّفين.
(١) ما بين حاصرتين مستدرك من (ز).

٤٨٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٨) باب: في المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار
[٢٤٣٦] وعن جبير بن مُطْعِم، قال: قال رسولُ اللهِ وَِّ: ((لا حِلْفَ
في الإسلام وأيُما حِلفٍ كان في الجاهلية، لم يزده الإسلامُ إلا شِدَّة)).
رواه أحمد (٨٣/٤)، ومسلم (٢٥٣٠)، وأبو داود (٢٩٢٥).
ثم إنه ﴿ خصَّ أصحابه من ذلك بأن عقد بينهم حِلْفاً على ذلك مرتين - كما
تقدّم ــ تأكيداً للقيام بالحقِّ والمواساة، وسمَّى ذلك أخوةً مبالغةً في التأكيد والتزام
الحُزْمة؛ ولذلك حكم فيه بالتوارث حتى تمكَّنَ الإسلامُ، واطمأنتِ القلوب، فنسخ
اللَّهُ تعالى ذلك بميراث ذوي الأرحام.
و (قوله: ((وأيما حلف كان في الجاهلية لم يزدهُ الإسلامُ إلا شدَّة))) يعني من
نصرة الحق، والقيام به، والمواساة، وهذا كنحو حلف الفضول الذي ذكره حلف الفضول
ابن إسحاق. قال: اجتمعتْ قبائل من قريش في دار عبد الله بن جُدْعان لشرفه
ونَسَبه، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألّا يجدوا بمكة مظلوماً من أهلها، أو غيرهم، إلا
قاموا معه حتى تُرَدّ عليه مظلمته، فسمَّت قريش ذلك الحلف: حلفَ الفضول،
أي: حلف الفضائل، والفضول هنا جمع فضل للكثرة، كَفَلْسٍ وقُلُوس.
وروى ابن إسحاق عن ابن شهاب قال: قال رسولُ اللهِ وَالتِ: ((لقد شهدتُ في
دار عبد الله بن جُدْعان حِلْفاً ما أُحِبُّ أنَّ لي به حُمْرَ النَّعَم، ولو أُدعى به(١) في
الإسلام لأجبتُ))(٢).
وقال ابنُ إسحاق: تحامل الوليدُ بن عتبة على حسين بن عليٍّ في مالٍ له
لسلطان الوليد؛ فإنه كان أميراً على المدينة. فقال له حسين: اخلفْ بالله لتنصفني
(١) في (ع): له.
(٢) رواه البيهقي (٦/ ١٦٧).

٤٨٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٧٩) باب: أنا أمنة لأصحابي وأصحابي أمنة لأمتي
(٧٩) باب
قول النبي ◌َّهِ: ((أنا أمنةٌ لأصحابي وأصحابي أمنةٌ لأمتي))
[٢٤٣٧] عن أبي موسى، قال: صَلَّيْنا المغربَ مع رسولِ اللَّهِ وَفول
ثم قُلْنا: لو جَلَسْنا مع رسول الله وَّه حتى نُصلِّيَ معه العِشَاء! قال:
فجلسنا، فخَرَج علَيْنا، فقال: ((ما زِلْتُم ها مُنا؟)) قلنا: يا رسولَ اللَّهِ! صلينا
معك المغربَ، ثمّ قُلْنا: نجلسُ حتى نصلِّيَ معك العِشاءَ. قال: ((أَحْسَنْتُم
- أو : - أصبتم))، قال: فرفع رأسه إلى السّماء - وكان كثيراً ممّا يرفع رأسه
من حقِّي، أو لآخذنَّ سيفي، ثم لأقومن في مسجد رسول الله وَال﴿، ثم لأدعونَّ
بحلف الفضول، قال عبدُ الله بن الزبير: وأنا أحلفُ بالله لئن دعانا لآخذنَّ سيفي،
ثم لأقومنَّ معه حتى ينتصفَ من حقِّه، أو نموتَ جميعاً، وبلغت المسور بن
مخرمة، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الله بن عثمان بن عبيد الله التيمي، فقال مثل
ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد أنصفه.
(٧٩ و٨٠) ومن باب: قوله وقلت:
((أنا أمنة لأصحابي)) وخير القرون(١)
وَفْع الفتن عن
أصحابه ◌َ﴾
الأَمَنَة: الأمن، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِّنْهُ﴾
[الأنفال: ١١]، أي: أمناً. ويعني بذلك: أنَّ اللَّه تعالى رفع عن أصحابه الفتنَ،
والمحن، والعذاب مُدَّة كونه فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ
فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فلما توفي رسولُ اللهِ وَّر جاءت الفتنُ، وعظمتِ المحنُ،
(١) شرح المصنف - رحمه الله - تحت هذا العنوان، ما جاء في شرح باب: خير القرون
قرن الصحابة ثم الذين يلونهم.

٤٨٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
إلى السماء - فقال: ((النجوم أمنةٌ للسَّماء، فإذا ذهبتِ النجوم أتى السماءَ ما
تُوْعَدُ، وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يُوعدون،
وأصحابي أمنةٌ لأُمَّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمَّتي ما يُوعدون)).
رواه أحمد (٣٩٨/٢ -٣٩٩)، ومسلم (٢٥٣١).
(٨٠) باب
خير القرون قرن الصحابة
ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم
[٢٤٣٨] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: سُئل رسولُ اللهِ وَلِ:
أيُّ الناسِ خيرٌ؟ قال: ((قرني، ثم الذين يَلُونَهم، ثم الذين يَلُونَهُم، ثم
وظهر الكفرُ والنفاق، وكثر الخلافُ والشقاق، فلولا تدارُكُ اللَّهِ هذا الدِّين بثاني
اثنين لصار أثراً بعد عين، وهذا الذي وعدوا به.
و (قوله: ((النجوم أمنة للسماء))) أي: ما دامت النجومُ فيها لم تتغير النجوم أمنة
بالانشقاق، ولا بالانفطار، فإذا انتثرتْ نجومُها، وكُوِّرت شمسُها، جاءها ذلك، للسماء
وهو الذي ◌ُعِدَتْ به.
و (قوله: ((وأصحابي أمنة لأمتي))) يعني: أنَّ أصحابه ما داموا موجودين كان الصحابة أمنة
الدِّينُ قائماً، والحقُّ ظاهراً، والنصرُ على الأعداء حاصلاً، ولما ذهب أصحابه لأمته ◌َّ
غلبتِ الأهواء، وأُديلت الأعداء، ولا يزال أمرُ الدّين مُتناقصاً، وجَدُّه ناكصاً إلى
أن لا يبقى على ظهر الأرض أحدٌ يقول: اللَّه، اللَّه. وهو الذي وُعِدَتْ به أمَّتُه،
والله تعالى أعلم.
القرون الثلاثة
الأولى أفضل
و (قوله: ((خيرُ أمتي قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم))) القرن القرون

٤٨٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
يجيء قومُ تَبْدُر شهادةُ أَحَدِهم يَمِيْنَه، وتَبدُرُ يَمِينُه شَهادَتَه)). قال إبراهيم:
كانوا يَنْهَوْننا - ونحنُ غلمانُ - عن العَهد والشَّهادات.
وفي أخرى: ((ثم يتخلَّف من بعدهم خَلْفٌ تسبقُ شهادةُ أُحدِهم
یمینَه، ويمينُه شَهادَتُه)).
رواه أحمد (٣٧٨/١)، والبخاريُّ (٦٤٢٩)، ومسلم (٢٥٣٣) (٢١١
و ٢١٢)، والترمذيُّ (٣٨٥٩)، والنسائي في الكبرى (٦٠٣١)، وابن ماجه
(٢٣٦٢).
- بسكون الراء - من الناس: أهلُ زمانٍ واحدٍ. قال الشاعر:
إِذَا ذَهَبَ القَزْنُ الذي أَنْتَ فِيهِمُ وخُلِّفْتَ فِي قَزْنٍ فَأَنْتَ غَرِيبُ
وقيل: مقدار زمانه: ثمانون سنة، وقيل: ستون، ويعني: أنَّ هذه القرونَ
الثلاثة: أفضلُ ممَّا بعدها إلى يوم القيامة، وهذه القرونُ في أنفسها مُتفاضلة،
فأفضلُها: الأول، ثم الذي بعده، ثم الذي بعده. هذا ظاهِرُ الحديث. فأمَّا أفضليَّةُ
الصَّحابة، وهم القرنُ الأول على مَنْ بعدهم، فلا تخفى، وقد بيًّّا إبطالَ قول مَن
زعم أنه يكونُ فيمن بعدهم أفضل منهم، أو مُساوٍ لهم في كتاب الطهارة. وأمّا
أفضليَّةُ مَنْ بعدهم، بعضهم على بعض، فبحسب قربهم مِن القرن الأول،
وبحسب ما ظهر على أيديهم من إعلاء كلمة الدين، ونشر العلم، وفَتْح الأمصار،
وإخماد كلمة الكُفْر. ولا خفاء: أن الذي كان مِن ذلك في قرن التَّابعين كان أكثر
وأغلب مما كان في أتباعهم، وكذلك الأمر في الذين بعدهم، ثم بعد هذا غلبت
الشُّرور، وارتُكبت الأمور، وقد دلَّ على صحة هذا قولُه في حديث أبي سعيد:
(يغزو فئامٌ من الناس، فيقال: هل فيكم من صحب رسولَ الله وَلير؟ فيقال: نعم،
فيفتح لهم ... ))(١) الحديث. والفئام: الجماعةُ من الناس، لا واحدَ له من لفظه،
وهو مهموز، والعامة تترك همزه.
(١) انظر تخريجه في التلخيص برقم (٢٥٤٦).

٤٨٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
[٢٤٣٩] وعن عِمْرانَ بن حُصَين: أنَّ رسول اللهِوَِّ قال: ((إنَّ
خَيْرَكم قرني، ثم الذين يلونَهُمْ، ثم الذين يلونَهم، ثم الذين يلونَهُم».
- قال عمران: فلا أدري أقال رسولُ الله ◌ِوَّهِ بَعْدَ قَرْنِهِ: مرَّتين أو ثلاثاً - ثم
يكونُ بعدَهم قومٌ يشهدونَ ولا يُسْتَشْهَدُونَ، ويَخُونُون ولا يؤتمنون، ويظهر
فيهم السِّمَنُ)).
رواه أحمد (٤٢٧/٤)، ومسلم (٢٥٣٥) (٢١٤).
و (قول عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه مرتين، أو ثلاثاً) هذا الذي شكَّ فيه
عِمران قد حقَّقه عبدُ الله بن مسعود بعد قرنه ثلاثاً، وكذلك في حديث أبي سعيد في
البعوث؛ فإنه ذكر أنهم أربعة .
و (قوله: ((تبدر شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته))) يعني بذلك: أنه يقلُّ أحوال الناس
وَرَعُ الناس بعد القرن الرابع، فَيَقْدمون على الأيمان والشهادات من غير توقُّفٍ ولا بعد القرن
تحقیق، وقال في حديث عمران: ((يشهدون ولا يُستشهدون)) أي: يسبقون بأداء
الشهادة قبل أن يُسألوها، وذلك لهوىّ لهم فيها، ومَن كان كذلك رُدَّت شهادتُه،
وقد بيًّّا فيما تقدَّم مواضعَ يتعين فيها على الشاهد الأداء وإن لم يُسأل، وذلك
بحسب ما تدعو إليه الضَّرورةُ الشَّرعية، وعليه يُحمل قولُهُ وَلِهِ: ((خيرُ الشهداء الذي
يأتي بشهادته قبل أن يُسألها))(١). ويُحتمل أن يُرادَ بقوله: ((ولا يُستَشهدون)) أنهم:
يشهدون بالزُّور فيكون معناه: يشهدون بما لم يُستشهدوا به، ولا شاهدوه، والأول
أولى؛ لأنه أصلُ الكلمة.
الرابع الهجري
و (قوله: ((ويظهر فيهم السَّمَنُ))) أي: يغلبُ عليهم النَّهم والشَّهوات، الأكل الشرعي
ويُكْثرون الأكل، فيظهر عليهم السِّمَنُ، وقد يأكلون ليسمنوا؛ فإنه محبوبٌ لهم، والأكل الشَّرِّي
(١) رواه أحمد (١٩٣/٥).

٤٨٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
وفي أخرى: [عن أبي هريرة]: ((يُحِبُّون السَّمانةَ)).
رواه مسلم (٢٥٣٤).
[٢٤٤٠] وعن أبي سعيد الخدري، عن النَّبِيِّ بَّه قال: ((يأتي على
النَّاسِ زمانٌ يغزو فِئَامٌ من الناس، فيقالُ لَهُم: فيكم من رأى
رسول اللّهِ وَلَ؟ فيقولون: نعم فَيُّفْتَحُ لهُم، ثم يَغْزُو فِئَامٌ من النَّاسِ، فيُقالُ
لهم: فيكم من رأى من صَحِبَ رسولَ اللَّهِ وََّ؟ فيقولون: نعم فَيُفْتَحُ لهم،
ثم يغزو فِئامٌ من الناسِ، فيقال لهم: فيكم من رأى من صَحِبَ من صَحِبَ
رسولَ اللَّهِ وَلَ؟ فيقولون: نعم فَيُفْتَحُ لَهُم)).
ومَن كان هذا حالُه خرج عن الأكل الشرعي، ودخل في الأكل الشَّرِّي الذي قال فيه
النبيُّ ◌َِّ: ((ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرّاً من بطن، حَسْبُ ابنِ آدم لقيماتٌ يُقِمْنَ صلبه،
فإن كان ولا بُدَّ، فثلثٌ لطعامه، وثلثٌ لشرابه، وثلث لِنَفَسِه))(١).
و (قول إبراهيم النَّخعي: كانوا ينهوننا ونحن غلمان عن العهد والشهادات)
إلزام النفس
العهود
والمواثيق
يعني: من أدرك، وقد أدرك التابعين، فكانوا يزجرون الصّبيان عن اعتياد إلزام
أنفسهم العهود والمواثيق، لما يلزم الملتزم من الوفاء، فيحرج أو يأثم بالترك،
وكذلك عن تحمُّل الشَّهادات لما يلزم عليه من مشقَّة الأداء، وصعوبة التخلص من
تعليم الصغار آفاتها في الدُّنيا والآخرة، وكلُّ ذلك من السلف - رضي الله عنهم - تعليمٌ للصغار،
و تدريبهم
وتدریبٌ لهم، على ما يجتنبونه في حال کېرِهم.
و (قوله: ((ويخونون ولا يُؤْتمنون))) يعني: أنهم تشتهرُ خيانتهم، فلا يأتمنهم
أحدٌ، وهذا نحو ممَّا تقدَّم في حديث حذيفة في الأمانة.
من دلائل
و (قوله: ((تغزو فئامٌ من الناس ... إلى آخره))) دليلٌ واضحٌ على صحة نبوِّ
صحة نبوته {لَ﴾
(١) رواه أحمد (١٣٢/٤)، والترمذي (٢٣٨٠).

٤٨٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
وفي أخرى: ((يأتي على الناس زمان يُبْعَثُ منهم البَعثُ فيقولون:
انظُرُوا هل تجدُون فيكم أحداً من أصحاب النبي ◌ِِّ! فيُوجَدُ الرجلُ فَيُفْتَحُ
لَهُم)». هكذا إلى أن ذكر أربعة بعوث.
رواه أحمد (٧/٣)، والبخاريُّ (٢٨٩٧)، ومسلم (٢٥٣٢) (٢٠٨
و ٢٠٩).
[٢٤٤١] وعن عبد الله بن عمر، قال: صلَّى بنا رسولُ اللهِ وَِّ ذاتَ
ليلةٍ صلاةَ العِشاء في آخِرِ حياتِه؛ فلما سلَّم قام فقال: ((أرأئِتَكُمْ لَيْلَتَكُم
هذه؟ فإنّ على رأسٍ مئة سنةٍ منها لا يبقى مِمّن هو على ظهر الأرض أحدٌ)).
نبيِّنا محمد ﴿ إذ مضمونُه: خبرٌ عن غيب وَقَع على نحو ما أخبر.
و (قوله في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((أرأيتكم ليلتكم هذه فإن
رأسَ مئة سنة من هذه لا يبقى ممن هو على ظهر الأرض أحد))) هذا الحديثُ رواه
مسلم من طريقين، ذكر الأول منهما متصلاً، ثم أردف عليه سنداً آخر فيه انقطاع،
ولا يُعتب(١) عليه في ذلك؛ إذ قد وفَّى بشرط كتابه في الطريق الأول، ثم زاد بعد
ذلك السند المنقطع. وقد استشكل بعضُ من لم يثبت عنده حديث ابن عمر إذ لم
يفهم معناه، فردَه بأن قال: حديث منقطع، وهذا ليس بصحيح على ما قررناه، ثم
لو سُلُّم أنَّ حديث ابن عمر ليس بصحيح فحديث جابر وأبي سعيد في الباب
صحيحان، فما قوله فيه؟ وقد رفع الصحابيُّ - أعني: ابن عمر ذلك الإشكالَ - بقوله:
أراد بذلك أن ينخرم ذلك القرن، بل: قد جاء مِن حديث جابر بلفظٍ لا إشكالَ فيه،
فقال: ((ما من نفس منفوسة اليوم يأتي عليها مئةُ سنة، وهي حيَّةٌ يومئذ)) وهذا
صريحٌ في تحقيق ما قاله ابن عمر، وكذلك قول عبد الرحمن - صاحب السّقاية - ما أخبر به ◌ِ﴾.
حيث فسَّره: بنقص العمر، وحاصل ما تضمنه هذا الحديث: أنه وَ ليه أخبر قبل موته قبل موته بشهر
(١) في (ع): تعقُّب، وفي (م ٤): يصعب.

٤٩٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
بشهر، أنَّ كلَّ مَنْ كان مِنْ بني آدم موجوداً في ذلك الوقت لا يزيد عمره على مئة
سنة، وإنما قلنا: إنه أراد بني آدم؛ لأنه قال: ((مِن نفسٍ منفوسة))، ولا يتناول هذا
الملائكة، ولا الجنَّ؛ إذا لم يصحّ عنهم أنهم كذلك، ولا الحيوان غير العاقل؛ إذ
قال فيه: ((ممن هو على ظهر الأرض أحد)). وهذا إنما يُقال بأصل وضعه على مَن
يعقل، فتعيَّن: أن المرادَ بنو آدم، وقد استدلَّ بعضُ الحقَّاظ المتأخِّرين على بطلان
قول من يقول: إن الخَضِر حيٍّ بعموم: ((ما من نفس منفوسة)) فإنه من أنصِّ صيغ
العموم على الاستغراق، وهذا لا حُجَّةَ فيه يقينية؛ لأنَّ العموم - وإن كان مؤكداً
للاستغراق - فليس نصّاً فيه، بل: هو قابلٌ للتخصيص، لا سيما والخَضِر وإن كان
حيّاً - كما يُقال - فليس مشاهداً للناس، ولا ممَّن يُخالطهم حتى يخطرَ ببالهم حالةٌ
مخاطبة بعضهم بعضاً، فمثل هذا العموم لا يتناوله كما لم يتناول عيسى - عليه
السلام -؛ فلأنه لم يمت، ولم يُقْتَل، فهو حيٌّ بنصِّ القرآن، ومعناه. وكما لم
يتناول الدجال مع أنه حيٌّ بدليل حديث الجسَّاسة على ما يأتي؛ فإن قيل: إنما لم
يتناولْ هذا العموم عيسى؛ لأنَّ اللَّهَ قد رفعه إليه، فليس هو على ظهر الأرض؛ لأنَّ
المراد بذلك العموم: من كان من النفوس على ظهر الأرض، كما نصَّ عليه في
حديث ابن عمر. فالجواب: يمنعُ عموم الأرض المذكورة فيه؛ فإنه اسم مفرد
دخل عليه الألف واللام، وهي محتملةٌ للعهد والجنس، وهي ها هنا للعهد؛ لأن
الأرضَ التي يخاطبون بها، ويخبرون عن الكون فيها: هي أرضُ العرب، وما
جرت عادتهم بالتصرُّف إليها وفيها غالباً، دون أرضٍ يأجوج ومأجوج، وأقاصي
جزائر الهند والسند، مما لا يقرع السمع اسمه، ولا يعلم علمه، ولا جواب عن
حديث الدجال. وعلى الجملة: فمن يستدل في المباحث القطعية بمثل هذا العموم
فليس لكلامه حاصل ولا مفهوم. وسيأتي القولُ على قوله وَلّهِ: ((إنْ عُمِّر هذا لم
يدركه الهرمُ حتى تقوم الساعة))(١) في آخر كتاب الفتن.
(١) رواه البخاري (٦٥١١)، ومسلم (٢٩٥٢) من حديث عائشة - رضي الله عنها -.

٤٩١
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٠) باب: خير القرون قرن الصحابة
قال ابن عمر: فوهَلَ الناسُ في مقالة رسولِ الله پ تلك، نیما یتحدثون من
هذه الأحاديث عن مئة سنةٍ، وإنَّما قال رسول الله مَ لاته: ((لا يبقى ممّن هو
اليومَ على ظهر الأرضِ أحدٌ». يريدُ بذلك أن يَنْخَرِمَ ذلك القرنُ.
رواه أحمد (٣١٤/٣)، ومسلم (٢٥٣٨) (٢١٨) (٢٢٠)
و (٢٥٣٨)، والترمذيُّ (٢٢٥٠).
[٢٤٤٢] وعن جابر بن عبد الله، يقول: سمعتُ رسولَ الله وَّهِ يقول
قبل أن يموت بشهرٍ: ((تَسْأَلُوني عن السّاعة؟ وإنّما عِلْمُهَا عند اللَّهِ، وأُقسم
بالله! ما على الأرضِ من نفسٍ منفوسةٍ يأتي عليها مئة سنةٍ)).
وفي أخرى: قال سالم: تَذَاكزنا: إنَّما هي مَخْلُوقة يومئذٍ.
وفي أخرى: ((ما من نفسٍ منفوسةٍ اليوم يأتي عليها مئةُ سنةٍ، وهي
حَيَّة يومئذٍ)). وفسرها عبد الرحمن صاحب السِّقايَة قال: نَقْصُ العمر.
رواه أحمد (٣١٤/٣)، ومسلم (٢٥٣٨) (٢١٨) و (٢٥٣٨)
(٢٢٠)، والترمذيُّ (٢٢٥٠).
[٢٤٤٣] وعن أبي سعيدٍ نحو الحديث.
رواه مسلم (٢٥٣٩).
و (قول ابن عمر: فَوَهَل الناسُ في مقالة رسول اللهِ وَّهِ) الرِّوايةُ الصَّحيحة:
وَهَل - بفتح الهاء - قال أبو عبيد: يريد: غلط، يقال: وَهَلَ إلى الشيء يَهِلُ، ووَهَمَ
إلى الشيء يَهِمُ، وَهْلاً ووَهْماً. قال أبو زيد: وهل في الشيء، وعن الشيء يوهل
وَهَلاّ: إذا غلط فيه وسها، ووهَلت إليه - بالفتح - وَهَلاّ: إذا ذهب وهمك إليه
وأنت تريدُ غیره.

٤٩٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٨١) باب: وجوب احترام أصحاب النبي تخلّ
(٨١) باب
وجوبُ احترام أصحاب النَّبِيِّ وَّرِ والنَّهي عن سبِّهم
[٢٤٤٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((لا تَسُبُّوا
أصْحابي! لا تَسُبُّوا أصْحَابي! فوالذي نفسي بيده! لو أنَّ أحَدَكُم أَنْفَقَ مثل
أُحُدٍ ذَهَباً، ما أَدْرَكَ مُدَّ أحَدِهم، ولا نَصِيفَهُ!».
رواه مسلم (٢٥٤٠) (٢٢١)، وابن ماجه (١٦١).
قلتُ: وعلى ما حكاه أبو زيد يكون الصوابُ في وَهِل الذي في هذا
الحديث: كسر الهاء؛ لأنه هو الذي يتعدى بـ (في)، ويشهدُ له المعنى، وأما وَهَل
بالفتح فيتعدى بـ (إلى)، والمعنيان متقاربان، ويمكن أن يقال: إن وهل في الشيء
فيه لغتان: الفتح والكسر. والله أعلم.
(٨١) ومن باب: وجوب احترام أصحاب رسول الله وَله
فضل الصحابة
على الأمة
مِن المعلوم الذي لا يُشَكُ فيه: أنَّ اللَّهَ تعالى اختار أصحابَ نبيّه لنبيِّهِ وَِّ،
ولإقامة دِيْنه، فجميعُ ما نحن فيه من العلوم، والأعمال، والفضائل، والأحوال،
والمتملّكات، والأموال، والعِزّ، والسلطان، والدِّين، والإيمان، وغير ذلك مِن
النِّعم التي لا يُحصيها لسانٌ، ولا يتّسع لتقديرها (١) زمان إنما كان بسببهم. ولما
كان ذلك وَجَب علينا الاعترافُ بحقوقهم والشكر لهم على عظيم أياديهم، قياماً بما
أوجبه اللَّهُ تعالى مِن شكر المنعم، واجتناباً لما حرمه من كُفران حقِّه، هذا مع
ما تحقَّقناه من ثناء الله تعالى عليهم، وتشريفه لهم، ورضاه عنهم، كقوله تعالى:
﴿لَّقَدْ رَضِىَ اَللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَّحْتَ الشَّجَرَةِ ... ) إلى قوله:
(١) في (ز): لتعديدها.

٤٩٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٨١) باب: وجوب احترام أصحاب النبي الإر
[٢٤٤٥] وعن أبي سعيدٍ، قال: كان بين خالدٍ بن الوليد وبينَ عبدٍ
﴿ ... ◌ُحَمَّدٌ رَّسُولُ اللهِ﴾ [الفتح: ١٨ - ٢٩]، وقوله: ﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
الْمُهَجِنَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، وقوله: ﴿لِلْفُقَرَآءِ اَلْمُهَجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] إلى
غير ذلك، وكقوله وله: ((إنَّ اللَّهَ اختار أصحابي على العالمين سوى النَّبيين
والمرسلين)) (١) إلى غير ذلك من الأحاديث المتضمّنة للثناء عليهم - رضي الله عنهم
أجمعين .. وعلى هذا فمن تعرَّض لسبُّهم، وجَحَد عظيمَ حقُّهم، فقد انسلخ من سبُّ الصحابة
الإيمان، وقابلَ الشكر بالكُفْران، ويكفي في هذا الباب ما رواه الترمذي من حديث انسلاخٌ من
عبد الله بن مغفّل - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ اللهِوَّهِ: ((الله! الله! في
الإيمان
أصحابي، لا تتخذوهم غرضاً بعدي، فمن أحبَّهم فبحبِّي أحبَّهم، ومن أبغضهم
فيبغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله، ومَن آذى اللَّهَ
يوشك أن يأخذه)»(٢). فقال: هذا حديثٌ غريب. وهذا الحديثُ، وإن كان غريبَ
السَّند فهو صحيحُ المتن؛ لأنه معضودٌّ بما قدَّمناه من الكتاب وصحيح السُّنَّة
وبالمعلوم من دِيْن الأُمَّة؛ إذ لا خلافَ في وجوب احترامهم، وتحريم سبِّهم، ولا
يختلفُ في أنَّ مَن قال: إنَّهم كانوا على كُفْرٍ أو ضلالٍ كافر يُقتل؛ لأنه أنكر معلوماً
ضرورياً من الشّرع، فقد كذَّبَ اللَّهَ ورسولَه فيما أخبرا به عنهم. وكذلك الحكم
فيمن كَفَّر أحدَ الخلفاء الأربعة، أو ضلَّلهم. وهل حُكْمُه حُكْمُ المرتد فيُستتاب؟ أو حُكْم من كفّر
حُكْم الزُّنديق فلا يُستتاب ويُقتل على كلِّ حال؟. هذا ممَّا يُختلف فيه، فأما مَن أحد الخلفاء
سَّهم بغير ذلك؛ فإن كان سبّاً يُوجِبُ حداً كالقذف حُدَّ حدّه، ثم يُنْكَّل التَّنكيلَ
الأربعة
◌ُكْم قَذْف
الشَّديد من الحبس، والتَّخليد فيه، والإهانة ما خلا عائشة - رضي الله عنها - فإنَّ
قاذفَها يُقتل؛ لأنه مُكذِّبٌ لما جاء في الكتاب والسنة من براءتها. قاله مالك وغيره. عائشة رضي
واختلف في غيرها من أزواج النبيِّ وَ﴿ فقيل: يُقتل قاذفُها؛ لأنَّ ذلك أذىّ للنبيِّ وَّ الله عنها
(١) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٦/١٠).
(٢) رواه الترمذي (٣٨٦٢).

٤٩٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٨١) باب: وجوب احترام أصحاب النبي ◌َّد
الرحمن بن عوفٍ شيء؛ فسبَّه خالدٌ؛ فقال رسولُ اللهِ وَلّهِ: ((لا تَسْبُّوا أحداً
من أصحابي فإنَّ أحدكم لو أنفق مثل أُحُدٍ ذَهَباً، ما أدرك مُدَّ أحدهم ولا
نَصِیفه».
رواه أحمد (١١/٣)، والبخاريُّ (٣٦٧٣)، ومسلم (٢٥٤١)،
وأبو داود (٤٦٥٨)، والترمذي (٣٨٦١).
وقيل: يحدُّ ويُنكَّل، كما ذكرناه على قولين. وأمَّا مَن سبَّهم بغير القذف؛ فإنه يُجلد
الجلدَ الموجع، ويُنكَّل التَّنكيل الشَّديد، قال ابنُ حبيب: ويخلد سجنه إلى أن
يموت. وقد رُوي عن مالك: مَن سبَّ عائشة قُتِل مطلقاً، ويُمكن حَمْلُه على السَّبِّ
بالقذف، والله تعالى أعلم.
و (قوله بَير: ((لا تسبُّوا أصحابي ... الخ))) رواه أبو هريرة مجرَّداً عن سَبَبه،
وقد رواه أبو سعيد الخُدري، وذكر أنَّ سَبَبَ ذلك القول هو: أنه كان بين خالد بن
الوليد، وبين عبد الرحمن بن عوف شيء، أي: منازعة، فسَّه خالد، فقال
رسولُ اللهِ ﴿ ذلك القول، فأظهر ذلك السَّبَبُ أنَّ مقصودَ هذا الخبر زجر خالدٍ،
ومَن كان على مثل حاله ممن سُبِقٍ بالإسلام، وإظهار خصوصية السَّابق بالنبيِّ ◌َِّ،
وأنَّ السَّابقين لا يلحقهم أحدٌ في درجتهم؛ وإن كان أكثرَ نفقةً وعملاً منهم، وهذا
نحو قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُ مَنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَ﴾ [الحديد: ١٠]، ويدلُّ
على صحة هذا المقصود: أن خالداً وإن كان من الصَّحابة - رضي الله عنهم - لكنَّه
متأخِّر الإسلام. قيل: أسلم سنة خمس، وقيل: سنة ثمان. لكنه چ# لما عدل عن
غير خالد وعبد الرحمن إلى الثَّعميم دلَّ ذلك على: أنه قَصَد [مع ذلك](١) تقعيدَ
قاعدةِ تغليظٍ تحريمٍ سبّ الصَّحابة مُطلقاً، فيحرم ذلك من صحابيٍّ وغيره؛ لأنَّه إذا
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ز).

٤٩٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٢) باب: ما ذكر فى فضل أويس القرني
(٨٢) باب
ما ذكر في فضل أويس القرني - رضي الله عنه -
[٢٤٤٦] عن عمر بنِ الخطّاب، قال: إنِّي سمعتُ رسولَ الله وَ لـ
يقول: ((إنَّ خَيرَ التابعينَ رجلٌ يقالُ له: أويس، وله والدةٌ، وكان به بياضٌ،
فَمُرُوه فلیسْتغفِر لكم)).
رواه أحمد (٣٨/١)، ومسلم (٢٥٤٢) (٢٢٤).
حرم على صحابي فتحريمُه على غيره أولى. وأيضاً: فإنَّ خطابَه وَلِّ للواحد خطابٌ
للجميع، وخطابه للحاضرين خطابٌ للغائبين إلى يوم القيامة. والنصيف لغةً: في
النصف، وكذلك الثمين لغة في الثمن.
وفي هذا الحديث دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ الصَّحابةَ - رضوان الله عليهم -
لا يلحقهم أحدٌ ممن بعدهم في فضلهم كما تقدم(١).
(٨٢) ومن باب: ما ذكر في أويس القرني - رضي الله عنه -
اختلف في نَسَبه، فقيل: أُويس بن عامر بن جزء بن مالك، وهو الصَّحيح. نسبه
وقيل: أويس بن أنيس، وقيل: أويس بن الخليص المرادي، ثم القَرَني - بفتح
الراء - منسوب إلى قَرَنٍ، قبيلة معروفة. كان - رحمه الله - من أولياء الله المختفين صفاته
الذين لا يُؤْبَه لهم، ولولا أنَّ رسولَ اللهِّرَ أخبر عنه، ووصَفَهُ بوصفه، ونعته، وشمائله
وعلامته لما عرفه أحَد، وكان موجُوداً في حياة رسول الله وَل﴿ وآمن به، وصدَّقه،
ولم يَلْقَه، ولا كاتَبَهُ، فلم يُعَدّ في الصَّحابة. وقد أخبر النبيُّ ◌َّ أنه من التابعين
حيث قال: ((إنَّه خيرُ التابعين)). وقد اختلف في زمن موته، فروي عن عبد الله بن وفاته
(١) زاد في (ز): رضي الله عنهم وعن تابعيهم بإحسان.

٤٩٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٢) باب: ما ذكر في فضل أويس القرني
[٢٤٤٧] وعن أُسَيْرِ بن جابرٍ؛ قال: كان عمرُ بن الخطّاب إذا أَتَّى
عليه أمدادُ أهلِ اليَمَنِ، سألهم: أفيكم أويس بنُ عامر؟ حتى أتى على
أُوَيْس، فقال: أَنْتَ أويسُ بنُ عامر؟ قال: نعم. قال: من مُرَادٍ، ثم من
قَرَنِ؟ قال: نعم. قال: فكان بك برَص فَبرأتَ منه إلا مَوضِعَ دِرْهم؟ قال:
نعم. قال: لك والدةٌ؟ قال: نعم. قال: سمعتُ رسولَ اللَّهِ وَلِهِ يقول:
((يأتي عليكم أُويسُ بنُ عامٍ مع أمداد أَهْلِ اليمن، من مُرَادٍ؛ ثم من قَرَنٍ،
كان به بَرَصٌ فبَرأَ منه إلّا مَوْضِعَ دِرهَمٍ، لَهُ وَالدةٌ هو بها بَرِّ، لو أقسم على
الله لأبرّهُ، فإن استطعتَ أن يستغفِرِ لكَ فافعلْ)). فاستغفرْ لي! فاستغْفَرَ له.
مسلم قال: غزونا أذربيجان زمن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ومعنا أُويس
القَرَني، فلما رجعنا مرض علينا، فحملناه فلم يستمسكْ فمات، فنزلنا، فإذا قبرٌ
محفور، وماءٌ مسكوب، وكَفَن وحَنُوط، فغسلناه، وكفَّناه، وصلَّينا عليه، فقال
بعضُنا لبعضٍ: لو رجعنا فعلَّمنا قبره، فإذا لا قبر، ولا أثر.
وروي عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: نادى رجلٌ من أهل الشام يوم
صفّين: أفيكم أويس القَرَني؟ فقلنا: نعم. قال: إني سمعتُ رسولَ اللهِوَل* يقول:
((أويس القَرَني خيرُ التابعين بإحسان))(١). وعطف دابته فدخل على أصحاب علي.
قال عبد الرحمن: توجد في قتلى أصحاب عليٍّ - رضي الله عنهما -.
وله أخبارٌ كثيرة، وكراماتٌ ظاهرة، ذكرها أبو نعيم، وأبو الفرج الجوزي في
كتبهما. وأويس: تصغير أوس، وأوس: الذئب، وبه سُمِّ الرجل، وقيل: إنه
سُمِّي بأوس الذي هو مصدر أُسْتُ الرجل أوساً: إذا أعطيته، فالأوس: العطية ..
و (قوله وَل﴾: ((إن استطعتَ أن يستغفرَ لكَ فافعلْ))) لا يُفْهَمُ منه أنه أفضلُ من
(١) ذكره ابن سعد في الطبقات (١٦٣/٦).

٤٩٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٢) باب: ما ذكر في فضل أويس القرني
فقال له عمرُ: أين تريدُ؟ قال: الكوفةَ. قال: أَلَا أُكْتُبُ لك إلى عاملها؟
قال: أكونُ في غَبْراءِ الناس أحَبُّ إليَّ. قال: فلمّا كان من العامِ المُقْبل حَجّ
رَجُلٌ من أشرافِهم، فوافق عُمَرَ، فسأله عن أويسٍ. قال: تركْتُه رثَّ البيتِ،
قليل المتاع! قال: سمعتُ رسول الله وَّه يقول: ((يأتي عليكم أُويُسُ بن
عامرٍ مع أمدادِ أهل اليمن من مرادٍ ثم من قَرَنٍ، كان به بَرصٌ فَبَرَأَ منه إلا
موضعَ دِرْهَم، له والدة؛ هو بها بَرّ؛ لو أقسم على الله لأَبرّه، فإن اسْتَطعْتَ
عمر، ولا أنَّ عمر غيرُ مغفورٍ له؛ للإجماع على أنَّ عمرُ - رضي الله عنه - أفضلُ
منه؛ ولأنَّه تابعيٌّ، والصَّحابيُّ: أفضلُ من التابعي، على ما بيَّنَّه غير مرَّة، وإنما
مضمونُ ذلك: الإخبارُ بأنَّ أویساً ممَّن يُستجابُ دعاؤه. وإرشادُ عمر إلى الازدياد أويس
من الخير، واغتنام دعوة من تُرتجى إجابته، وهذا نحو مما أمرنا النَّبيُّ ◌َّ به من الدعاء
الدُّعاء له، والصلاة عليه، وسؤال الوسيلة له، وإن كان النبيُّ ◌َ ﴿ أفضلَ ولد آدم.
مستجاب
ويُروى أنَّ رسولَ اللهِ وَّهِ قال لرجلٍ خرج ليعتمر: ((أُشْرِكْنا في دعائك يا أُخَيَّ))(١).
و (قوله: ((في أمداد أهل اليمن))) أي: في جماعاتهم، جمع مدد، وذلك
أنهم يُمَدُّ بهم القومُ الذين يَقْدَمون عليهم.
و (قوله: أحدث عهداً) أي: أقرب، وعهداً: منصوب على التمييز، كقوله
تعالى: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَشَّاوَرِهِ يَا﴾ [مريم: ٧٤].
و (قوله: أكون في غَبْراء الناس) الروايةُ الجيدةُ فيه: بفتح الغين المعجمة،
وسكون الباء الموحدة، وهمزة ممدودة، ويعني به: فقراء النَّاس وضعفاءهم.
والغبراء: الأرض، ويقال للفقراء: بنو غبراء، كأن الفقر والحاجة ألصقتهم بها،
كما قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِيْنَاذَا مَتْرَبَكْ﴾ [البلد: ١٦]، أي: ذا حاجة ألصقته بالتراب،
(١) رواه أحمد (٢٩/١)، والترمذي (٣٥٦٢).

٤٩٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٢) باب: ما ذكر في فضل أويس القرني
أن يَسْتَغْفرَ لك فَافْعل)». فأتى أويساً؛ فقال: استغفر لي. قال: أنت أحدث
عهداً بسَفَر صالح، فاستغفر لي! قال: استغفر لي. قال: أنت أحدثُ عهداً
بسفرٍ صالحٍ فاستغفر لي! قال: لَقِيتَ عمر؟ قال: نعم. فاستغفر له. فقَطْنَ
له الناس فَانطلقَ عَلَى وجهه. قال أُسَيْرٌ: وكَسَوتُهُ بُرْدَةً، فكان كلّما رآه
إنسانٌ قال: مِنْ أيْنَ لأويس هذه البردةُ؟ .
رواه مسلم (٢٥٤٢) (٢٢٥).
ومن هذا سَمَّوا الفقر: أبا متربة. وقد روي ذلك اللفظ في غُبَّر الناس - بضم الغين
وتشديد الباء - جمع غابر، نحو: شاهد وشُهَّد، ويعني به: بقايا الناس
ومتأخريهم، وهم ضعفاءُ الناس؛ لأنَّ وجوه الناس ورؤساءهم يتقدّمون للأمور،
وينهضون بها، ويتفاوضون فيها، ويبقى الضعفاءُ لا يُلْتَفَتُ إليهم، ولا يُؤْبَهُ بهم،
فأراد أويسٌ أن يكونَ خاملاً بحيث يبقى لا يُلتفت إليه، طالباً السلامة، وظافراً
بالغنيمة .
وحديثُ أويس هذا دليلٌ من أدلة صحَّة صِدْق رسول الله وَلِّ؛ فإنه أخبر عنه
باسمه، ونَسَبه، وصِفَتِهِ، وعلامته، وأنه يجتمعُ بعمر - رضي الله عنه - وذلك كلُّه
من باب الإخبار بالغيب الواقع على نحو ما أخبر به من غير رَئب.
من أدلّة صحة
نبوتهپڼ

٤٩٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٣) باب: ما ذكر في مصر وأهلها وفي عمان
(٨٣) باب
ما ذكر في مصرَ وأهلِها وفي عُمَان
[٢٤٤٨] عن أبي ذرّ، قال: قال رسولُ اللهِ وَله: ((إنَّكم ستفتحون
مِصْرَ، وهي أرضٌ يُسمَّى فيها القِيرَاطُ؛ فإذا فتحتموها فَأَحْسِنوا إلى أهْلِها،
فإنَّ لهم ذِمَّةً ورَحِماً - أو قال: ذمةً وصِهْراً -
(٨٣) ومن باب: ما ذكر في مصر وأهلها وأهل عُمان
(قوله: ((إنكم ستفتحون مصر، وهي أرضٌ يُسَمَّى فيها القيراط))) هذا إخبارٌ
بأمر غيب، وقع على نحو ما أخبر، فكان دليلاً من أدلَّة نبوَّه ◌ِ﴿. ومعنى يُسمَّى من أدلّة نبؤَّته
فيها القيراط: يعني به: أنه يدورُ على ألسنتهم كثيراً، وكذلك هو، إذ لا ينفكُّ ◌َّ
متعاملات من أهل مصر عن ذِكْره غالباً؛ لأنَّ أجزاء الدُّنيا الأربعة والعشرين
يُسمُّونها: قراريط، وقطع الدَّراهم يسمُّونها: قراريط، بخلاف غيرهم من أهل
الأقاليم، فإنهم يسمُّون ذلك بأسماء أخر، فأهلُ العراق يسمُّون ذلك: طشُّوجاً
ورزة، وأهل الشام: قرطيس، ونحو ذلك.
و (قوله: ((فإذا فتحتموها فأحسِنُوا إلى أهلها، فإنَّ لهم ذمَّةً ورَحِماً، أو قال: الرفق بأهل
صِهْراً)) الذمةُ: الحرمة. والذُّمام: الاحترام، وقد يكون ذلك لعهدٍ سابق كعهد أهل أرياف مصر
الذمَّة، وقد يكون ذلك ابتداءُ إكرام، وهذا هو المرادُ بالذِّمة هنا، والله تعالى أعلم؛
وصعيدها
إذ لم يكن لأهل مصر من النبيِّ وَلِّ عهدٌ سابق، وإنما أراد: أنَّ لهم حقّاً لرحمهم،
أو صِهْرهم، ويُحتملُ أن يكون معناه: أنهم يكون لهم عهدٌ بما يُعْقَدُ لهم من ذلك
حين(١) الفتح. وهذا التأويلُ على بُعْدِهِ يعضدُه ما رواه ابنُ هشام من حديث عمر
- مولى غُفْرة -: أن رسول الله وَّه قال: ((الله! الله في أهل المدرة السوداء السُّحم
(١) في (ز): قبل.

٥٠٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٨٣) باب: ما ذكر في مصر وأهلها وني عُمان
الجعاد؛ فإنَّ لهم نسباً وصهراً)(١). قال عمر: فنسبهم: أن أم إسماعيل منهم،
وصهرهم: أن رسولَ اللهِ وَ﴿ تسرَّى منهم. قال ابنُ لهيعة: أم إسماعيل هاجر من أم
العرب: قرية كانت أمام الفَرَما، وأم إبراهيم مارية سُرِّيّة النبيِّ ◌َّ التي أهداها له
المقوقس من حَفْن من كورة أَنْصِنا. والمدرة: واحدة المدر، والعرب تُسمِّي
القرية: المدرة، وأهل المدر: أهل القرى. والسحم: السود، جمع أسحم، وهو
الشديدُ الأدمة، وفوقه: الصحمة - بالصاد .. والجِعاد: المتكسّرو الشعور، وهذه
أوصافُ أهل صَعِيد مِصر غالباً، وقد تقدَّم ذِكْرُ هاجر. والفَرَما: قرية من عمل
صعيد مصر، سُمِّيت باسم بانيها، وهو الفَرَما، بن قليقس، ويقال: ابن قليس،
ومعناه: محبّ الغَرْس، وهو أخو الإسكندر [بن قليس اليوناني، ذكره الطبري؛
وذكر أن الإسكندر](٢) حين بنى الإسكندرية، قال: أبني مدينةً فقيرةً إلى الله غنيةً
عن الناس، وقال الفرما: أبني مدينةً غنيةً عن الله فقيرة إلى الناس، فسلَّط اللَّهُ
عليها الخراب سريعاً، فذهب رَسْمُها وبقيت الإسكندرية. وسميت مصر بمصر بن
النبيط ولد كوش بن كنعان، وقال أبو العباس: اشتقاقُ مصر من المصر، وهو
القطع، كأنها قُطِعت من الخراب، ومنه: المصر: الحاجز، ومصور الدار:
حدودُها. وحَفْن: قرية مارية سُرِّية النبيِّ وَ﴿ بالصَّعيد معروفة، وهي التي كلَّم
الحسنُ بن عليٍّ معاويةَ أن يضعَ الخراجَ عن أهلها لوصية رسول الله وَار بهم، ففعل
معاوية ذلك، ذكره أبو عبيد في ((الأموال)). وأَنْصِنا: مدينة السحرة، وحَفْن مِن
عَمَلها، والمقوقس: هو ملك مصر بعث له رسولُ اللهِ وَ ل﴿ حاطبَ بن أبي بلتعة،
وجبراً مولى أبي رُهم بكتاب، فلم يبعد عن الإسلام، وأهدى له مارية، ويُقال:
وأختها سيرين، وبغلة تسمَّى: الدّلدل. والدلدل: القنفذ العظيم. والمقوقس:
المطوِّل للبناء. يُقال في المثل: أنا في القوس، وأنت بالقوقوس فمتى نجتمع؟ !.
(١) ذكره ابن هشام في السيرة النبوية (٦/١).
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ز).