Indexed OCR Text
Pages 361-380
٣٦١ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٠) باب: فضائل أم أيمن وأم سليم (٥٠) باب فضائل أمِّ أيمن مولاة النَّبِيِّ وَه وأمِّ سُلَيْم؛ أم أنس بن مالك [٢٣٦٢] عن أنسٍ؛ قال: انطلق رسولُ اللهِوَّ إلى أمّ أيمن، وانطلقتُ معه، فناوَلَتْهُ إناءً فيه شَرَابٌ. قال: فلا أدري أصَادَفَتْهُ صائماً أو لمْ يُرِدْهُ، فَجَعَلَتْ تَصْخَبُ عليه وتَذَمَُّ عليه. رواه مسلم (٢٤٥٣). [٢٣٦٣] وعنه؛ قال: قال أبو بكرٍ بعد وفاة رسول الله وَهّ لعُمَر: انطلق بنا إلى أُمّ أيمن نزورُها؛ كما كان رسول الله وَ يزورُها، فلمَّا انتهينا إليها بَكَتْ، فقالا لها: ما يُبْكيكِ؟ ما عند الله خيرٌ لرسوله ◌َّه، فقالت: ما (٥٠) ومن باب: فضائل أم أيمن - رضي الله عنها - واسمها: بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصين بن مالك بن سلمة بن عمرو بن اسمها ونسبها النعمان، كُنِّيت بابنها أيمن بن عبيد الحبشي، تزوجت بعد عبيد زيد بن حارثة، وكنيتها فولدت له أسامةَ بنَ زيد، كانت لأمّ رسول الله وَّه ثم صارتْ له بالميراث، وكان ◌َ﴿ يقول: ((أمُّ أيمن أمِّي بعد أمي))(١)، وكان وَّلْ يُكْرِمُها ويبُها مَبَرَّة الأم، إكرامه وَّ أُم ويُكثر زيارتها، وكان ◌َ ﴿ عندها كالولد، ولذلك كانت تصخبُ عليه، أي: ترفعُ أيمن صوتها عليه. وتذمر؛ أي: تغضبُ وتضجر فِعْل الوالدة بولدها، وقال الأصمعي: تذمَّر الرجلُ: إذا تغضَّب، وتكلَّم أثناء ذلك، وقال غيره: تذمّر الرجلُ: إذا لام نفسه. وزيارةُ النبيِّ وَ ﴿ وأبي بكر، وعمر - رضي الله عنهما - لها دليلٌ على فضلها، فضل أم أيمن ومعرفتهم بحقها، وفيه دليل على زيارة النساء في جماعة. (١) ذكره ابنُ الأثير في الاستيعاب (٣٠٣/٧). ٣٦٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٠) باب: فضائل أم أيمن وأم سليم أبكي أن لا أكونَ أعلمُ أنَّ ما عند الله خيرٌ لرسوله بَّهِ ولكنْ أبكي أنَّ الوخيَ قد انقطع من السَّماء! فَهَيَّجَتْهُما على البُكاء، فجعلا يبكيان معها . رواه مسلم (٢٤٥٤)، وابن ماجه (١٦٣٥). [٢٣٦٤] وعنه؛ قال: كان النَّبِيُّ وَ لا يدخلُ على أحدٍ من النِّساءِ إلَّا على أزواجه، إلا أمّ سُلَيْم؛ فإنَّه كان يدخل عليها؛ فقيل له في ذلك! فقال: ((إني أَرْحَمُها. قُتِلَ أخوها معي)). رواه مسلم (٢٤٥٥). و (قول أم أيمن - رضي الله عنها ـ: أبكي أن الوحيَ قد انقطع من السَّماء) ((أن)) مفتوحة؛ لأنها معمولةٌ لأبكي بإسقاط حرف الجر، تقديره: أبكي لأن، أو: من أجل أن، تعني: أنَّ الوحيَ لما انقطعَ بعد رسول الله وَّ عمل الناسُ بآرائهم، فاختلفتْ مذاهبُهم، فوقع التنازعُ والفِتَنُ، وعظمت المصائبُ والمحن، ولذلك نجم بعده ◌َ ﴿ النِّفاق، وفشا الارتدادُ والشّقاق، ولولا أنَّ اللَّهَ تعالى تدارك الدِّينَ بثاني اثنين لما بقي منه أثرٌ ولا عين. و (قول أنس - رضي الله عنه -: كان رسولُ اللهِ وَل﴿ لا يدخلُ على النساء [إلا على أزواجه إلا أمّ سليم) إنما كان النبيَُّ﴿﴿ لا يدخل على النساء](١) عملاً بما تحريم الخلوة شرع من المنع من الخلوة بهن، وليقتدى به في ذلك، ومخافة أن يقذفَ الشيطانُ في قلب أحدٍ من المسلمين شرّاً فيهلك، كما قال في حديث صفيّة المتقدِّم، ولئلا يجدَ المنافقون، وأهلُ الزَّيغ مقالاً، وإنما خصَّ أَمَّ سليم بالدُّخول عندها لأنها كانت منه ذات محرم بالرَّضاع كما تقدَّم، وليجبر قلبَها من فجعتها بأخيها، إذ كان بالمرأة الأجنبية (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). ٣٦٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٠) باب: فضائل أم أيمن وأم سليم [٢٣٦٥] وعنه؛ عن النَّبيِّوَّ قال: ((دَخَلْتُ الجنَّةَ فسمعتُ خَشْفَةً! قد قُتِل معه في بعض حروبه، وأظُّه يوم أُحُد(١)، ولما علم النبيُّ وَلِّ مِن فَضْلها، كما دلَّ عليه رؤيةُ النبيِّ ◌َ﴿ إِيَّاها في الجنة، وأُّ سليم هذه هي: ابنةُ ملحان بن زيد بن نسب أم سليم حرام من بني النَّار، وهي: أمُّ أنس بن مالك بن النَّضر، كانت أسلمتْ مع قومها، فغضب مالكٌ لذلك، فخرج إلى الشام فهلك هنالك كافراً، وقيل: قُتِل، ثم خطبها زواجها من أبي بعده أبو طلحة، وهو على شِرْكه، فَأَبَتْ حتى يُسْلِم، وقالت: لا أريدُ منه صَداقاً إلا طلحة الإسلام، فأسلم وتزوّجها، وحَسُنَ إسلامُه. فولدت له غلاماً كان قد أُعْجِب به فمات صغيراً، ويقال: إنه أبو عُمير صاحب التُّغير، وكان أبو طلحة غائباً حين مات، فغطَّته أمُّ سُليم، فجاء أبو طلحة، فسأل عنه، فكتمت موته، ثم إنها تصنَّعتْ له فأصاب منها، ثم أعلمته بموته، فشقَّ ذلك عليه، ثم إنه أتى النَّبِيَّ وَلِّ فأخبره، فدعا لهما النبيَُّ ﴿ وقال: ((بارك اللَّهُ لكما في غابر ليلتكما))(٢) كما ذكر في الأصل، فبورك لهما بسبب تلك الدَّعوة، وولدت له: عبد الله بن أبي طلحة، وهو والدُ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الفقيه، وإخوته كانوا عشرة كلّهم حَمَلَ عنه العلم، وإسحاق هو شيخُ مالك، واختلف في اسم أمِّ سليم. فقيل: سهلة. وقيل: اسم أم سليم رملة. وقيل: مليكة. وهي الغميصاء المذكورة في الحديث، ويقال: الرُّميصاء، وقيل: إنْ بالراء هي: أم حرام أختها، وخالة أنس، والغميصاء: مأخوذ من الغمص، وهو ما سال من قذى العين عند البكاء والمرض، يُقال بالصاد والسين، والرمص - بالراء -: ما تجمّد منه، قاله يعقوب وغيره. وكانت أمُّ سليم من عقلاء مشاهدها النساء وفضلائهن، شهدتْ مع رسول الله له أُحُداً وحُنيناً، ردت عن النبيِّ وَلَه ورواياتها أحاديث، خرج لها في الصحيحين أربعة أحاديث. للحديث و (قوله: ((دخلتُ الجنة فسمعتُ خَشْفة))) هي بفتح الخاء وسكون الشين أم سليم من المبشرات بالجنة (١) الصحيح: أنه شهد بدراً واحداً، وقُتِل يوم بئر معونة. (أسد الغابة ٤٧٣/١). (٢) انظره في التلخيص برقم (٢٤٧٣). ٣٦٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٥١) باب: فضائل أبي طلحة الأنصاري قلتُ: من هذا؟ قالوا: هذه الغُمَيْصَاءُ بنتُ مِلْحَانَ؛ أمُّ أنسٍ بن مَالكِ)). رواه مسلم (٢٤٥٦). [٢٣٦٦] وعن جابرٍ بنِ عبد الله: أنَّ رسول الله وَّرِ قال: ((أُرِيتُ الجنَّة فرأيتُ امرأة أبي طلحةَ، ثم سمعتُ خشخشةً أمامي؛ فإذا بلالٌ)). رواه مسلم (٢٤٥٧). (٥١) باب فضائل أبي طلحة الأنصاريّ [٢٣٦٧] عن أنسٍ قال: مات ابنٌّ لأبي طلحة من أم سليم. فقالت لأهلها: لا تُحدِّثوا أبا طلحة بابنهِ حتى أكون أنا أحدِّثه. قال: فجاءَ فقرَّبَتْ إليه عَشاءً. فأكل، وشَرِبَ. قال: ثُم تصنَّعتْ له أحسنَ ما كان تصنَّعُ قبل المعجمتين، وهي صوتُ المشي، ويقال: خشخشة، كما جاء في الرواية الأخرى، وأصل الخشخشة: صوتُ الشيء اليابس يَحُكُّ بعضُه بعضاً، ويتراجع، وكان هذا الدخولُ في الجنة من النبيِّ نَّه في النوم، كما قاله في حديث بلال المتقدِّم، ورؤياه حقٌّ، فهي - رضي الله عنها - من أهل الجنة. (٥١) ومن باب: فضائل أبي طلحة - رضي الله عنه - هو زيدبن سهل من بني النجار، شهد المشاهدَ كلَّها، وكان أحد الزُّماةِ المذكورين من الصَّحابة - رضي الله عنهم-، وكان من الأبطال، قَتَلَ يوم حُنين عشرين، وأخذ أسلابهم، وكان أبو طلحة يتطاولُ بصدره يوم أُحُد يقي اسمه ونسبه ومشاهده ٣٦٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٥١) باب: فضائل أبي طلحة الأنصاري ذلك، فوقع بها. فلمَّا رأتْ أنه قد شبع وأصاب منها؛ قالتْ: يا أبا طلحة! أَرَأَيْتَ لو أنّ قوماً أعارُوا عاريتهُم أهلَ بيتٍ، فطلبوا عاريتهم. ألُهُم أن يمنعوهم؟ قال: لا. قالتْ: فاحتسِب ابنَك! فغضب، وقال: تركتني حتى تلطّختُ، ثم أخبرتني بابني! فانطلق حتى أتى رسول الله ﴿ ﴿ فأخبره بما كان، فقال رسول الله وَلير: ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))، قال: فحملتْ. قال: فكان رسولُ اللهَِ﴿ في سَفَرٍ وهِيَ معه، وكان رسولُ الله ◌َ﴿، إذا أتى المدينة من سفرٍ، لا يطرُقُها طُرُوقاً، فدَنَوا من المدينة. فضربها المخاضُ. فاحتُبس عليها أبو طلحة، وانْطَلَق رسولُ اللهِ وَّهِ. قال: يقول أبو طلحةَ: إنَّك لتَعْلَمُ، يا ربِّ! إنّه يُعجبني أن أخرُجَ مع رسولك إذا خرج، وأدخُلَ معه إذا دخل، وقد احتُبستُ بما تَرَى! رسولَ اللهِ:﴿ من النَّل، ويقول: صدري دون صدرك، ونفسي لنفسك الفِداء، ووجهي لوجهك الوِقاء، وكان ﴿ يقول: ((لَصَوْتُ أبي طلحة في الجيش خيرٌ من مئة رجل))(١). واختلف في وقت وفاته فقيل: سنة إحدى وثلاثين. وقيل: سنة وفاته أربع وثلاثين، وصلى عليه عثمان بن عفان، وروى حماد بن سلمة عن ثابت البُناني، وعلي بن زيدٍ عن أنس: أنَّ أباطلحة سَرَدَ الصَّوم(٢) بعد رسول الله وَله أربعين سنة، وأنه ركب البحر، فمات فدفن في جزيرة، وقال المدائني: مات أبو طلحة سنة إحدى وخمسين، والله تعالى أعلم بحقيقة ذلك. روى عن رسول الله ﴿ سنَّةً وعشرين حديثاً، أخرج له منها في الصَّحيحين أربعةُ أحاديث. و (قوله: ((بارك الله لكما في غابر ليلتكما))) أي: في ماضيها، وقد تقدَّم: أنَّ غبر من الأضداد. يقال: غبر الشيء: إذا ذهب، وغبر: إذا بقي . وصنيع أمّ سليم، (١) رواه أحمد (١١١/٣). (٢) سرد الصوم: والاه وتابعه. ٣٦٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٥١) باب: فضائل أبي طلحة الأنصاري قال: تقولُ أم سُلَيم: يا أبا طلحة! ما أجدُ الذي كنتُ أجدُ، انطلِقْ! فانطلَقنا. قال: وضَرَبَها المخاضُ حين قَدِمَا، فوَلَدتْ غُلاماً، فَقَالَت لي أُمي: يا أنسُ! لا يُرضعُهُ أحدٌ حتى تغدوَ به على رسول الله بَّر، فلما أصبح احتملتُهُ، فانطَلَقْتُ به إلى رسول الله وَّرِ. قال: فصادفْتُهُ ومعه مِيْسَمٌ، فلمّا رآني قال: ((لعلَّ أُمَّ سُليم وَلَدتْ؟)) فقلت: نعم. فوضع الميسمَ. قال: وجئتُ به فوضعْتُه في حَجْرِهِ. قال: ودعا رسولُ اللهِ وَّرَ بِعجوةٍ من عجوة المدينة فلاكَها في فيه حتى ذَابَت، ثم قَذَفها في فِي الصَّبيِّ، فجعل الصبيُّ يَتَلمَّظُها. قال: فقال رسولُ الله وَّهِ: ((انظرُوا إلى حُبِّ الأنصار التمرَ!)). قال: فَمَسَح وجهَهُ وسمّاهُ: عبدَ الله. رواه أحمد (١٨٨/٣)، والبخاريُّ (٦١٢٩ و٦٢٠٣)، ومسلم (٢١٤٤) في فضائل الصحابة (١٠٧)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذيُّ (٣٣٣ و ١٩٨٩)، وابن ماجه (٣٧٢٠). من فضائل أبي ووعظها له يدلُّ على كمال عَفْلها وفَضْلها وعلمها . وملازمة أبي طلحة للكون مع طلحة رسول الله وَ﴿ في سفره وحَضَره، ومدخله ومخرجه: دليلٌ على كمال محبته للنبيِّ وَّ﴿ وصِذْق رغبته في الجهاد، والخير وتحصيل العلم. ورَفْع وَجَع المخاض - وهو الولادةُ - عن أمّ سليم عند دعاء أبي طلحة دليلٌ على كرامات الأولياء، وإجابة دعواتهم، وأن أبا طلحة وأم سليم منهم. والطّروق: هو المجيء بالليل. والميسم: المكوى الذي تُوسَمُ به الإبل، أي: تُعَلَّم. وفي هذا الحديث أحكامٌ واضحةٌ قد تقدَّم التَّنبيهُ على أكثرها. ٣٦٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٢) باب: فضائل بلال بن رباح (٥٢) باب فضائل بلال بن رباح [٢٣٦٨] عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَّه لبلالٍ صلاةً (٥٢) ومن باب: فضائل بلال بن رباح - رضي الله عنه - وتُسمَّى أُّه: حمامة، واختلف في كنيته، فقيل: أبو عبد الله، وقيل: أبو نسب بلال عبد الكريم، وقيل: أبو عبد الرحمن، وقيل: أبو عمرو، وكان حبشياً. قال وأصله ابن إسحاق؛ كان بلالٌ لبعض بني جُمَح مُوَلَّداً من مولّديهم، وقيل من مُولَّدي مكة، وقيل: من مولَّدي السّراة، وقال ابنُ مسعود: أول من أظهر الإسلام أوَّلُ من أظهر رسولُ اللهِوَ﴿ وأبو بكرٍ، وعمَّار، وأمه سميّة، وصُهيب، وبلال، والمقداد، فأما الإسلام رسولُ اللهِوَ﴿ فمنعه اللَّهُ بعمه، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، وألبسوهم أدراعَ الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسانٌ إلا وأتاهم على ما أرادوه منه إلا بلالاً؛ فإنه هانت عليه نفسُه في الله تعالى، وهان على قومه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مگَّة، وهو يقول: أَحَد، أَحَد، وفي رواية: وجعلوا الحبلَ في عُنُقه، وقال سعيد بن المسيِّب: كان بلال شحيحاً على دينه، وكان يُعَذَّب على دِينه، فإذا أراد المشركون أن يقاربَهُم قال: الله، الله. فاشتراه أبو بكر بخمس أَواق، وقيل: بسبع. وقيل: بتسع، فأعتقه، فكان يؤذِّن لرسول الله وَ له، فلما مات النبيُّ ◌َ ل أراد أن يروحَ إلى الشام، فقال له أبو بكر - رضي الله عنه -: بل تكون عندي، فقال: إن كنتَ أعتقتني لنفسك فاحْبِسْني، وإن كنتَ أعتقتني لله فذرني أذهب إليه، فقال: اذهبْ، فذهب إلى الشام، فكان بها حتى مات - رضي الله عنه -. قلتُ: وظاهِرُ هذا: أنَّه لم يُؤَذِّنْ لأبي بكرٍ، وقد ذكر ابنُ أبي شيبة عن أذانُ بلال حسين بن عليٍّ عن شيخ يقال له: الحفصي، عن أبيه، عن جده قال: أذَّن بلالٌ لرسول الله قَ ال حياةَ رسول الله وَ ل﴿ ثم أذَّن لأبي بكرٍ حياته، ولم يؤذِّنْ في زمان عُمر، فقال له وأبي بكر ٣٦٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٢) باب: فضائل بلال بن رباح الغداةِ: ((يا بلالُ! حدِّثْني بأرجى عَمَلٍ عملتَه عندك في الإسلامِ مَنفَعَةً، فإنِّي سمعتُ الليلةَ خَشْف نَعْلَيْكَ بين يديَّ في الجنةِ)). قال بلالُ: ما عَمِلتُ عَمَلاً في الإسلام أرجى عندي منفعةً من أنّي لا أَتَطهَّرُ طُهوراً تامّاً في ساعةٍ عمر: ما منعك أن تُؤَذِّن؟ قال: إني أذنتُ لرسول الله وَّهِ حتى قُبِض، وأَذَّنْتُ لأبي بكر - رضي الله عنه - حتى قُبِض؛ لأنه كان وليَّ نعمتي، وقد سمعتُ رسول الله واله يقول: ((يا بلالُ ليس عملٌ أفضلَ من الجهاد في سبيل الله))(١). فخرج فجاهد. ويقال: إنه أذَّن لعمر - رضي الله عنه - إذ دخل الشام، فبكى عمر، وبكى المسلمون. وكان بلالٌ خازناً لرسول الله وَ ط﴿ وقال عمر: أبو بكر سيدنا، وأعتق بلالاً سيِّدنا. وتوفي بلال بدمشق، ودُفِن عند الباب الصغير بمقبرتها سنة عشرین، وهو ابنُ ثلاث وستين سنة، وقيل: سنة إحدى وعشرين، وهو ابنُ سبعين. سبقُ بلالٍ إلى الجنة و (قول النبيِّ ◌َ له لبلال: ((حدِّثْني بأرجى عملٍ عملتَه(٢) في الإسلام منفعةً))) هذا الشّؤالُ إنما أخرجه من النبيِّ وَل# ما اطّلع عليه من كرامة بلالٍ - رضي الله عنه - بكونه أمامه في الجنة، فسأله عن العمل الذي لازمه حتى أوصله إلى ذلك. وقد جاء هذا الحديثُ في كتاب الترمذي بأوضح من هذا من حديث بريدة بن الخُصَيْب، قال: أصبح رسولُ اللهِوَ﴿ فدعا بلالاً، فقال: ((يا بلالُ! بِمَ سبقتني إلى الجنة؟ فما دخلتُ الجنَّة قطُ إلا سمعتُ خَشْخَشتك أمامي، دخلتُ البارحةَ الجنَّةَ فسمعتُ خَشْخَشَتَكَ أمامي ... )) وذكر الحديث. فقال بلال: يا رسول الله! ما أَّنْتُ قطُ إلَّا صلَّيتُ ركعتين، ولا أصابني حَدَثٌ قطُ إلا توضَّأْتُ عنده، ورأيتُ أن الله تعالى عليَّ ركعتين، فقال رسولُ الله وَالتر: ((بهما)). قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح(٣)، فلنبحث في هذا الحديث. (١) ذكره المتقي الهندي في كنز العمال (٢٠٩٣٥) وعزاه لعبد بن حميد. (٢) في أصول التلخيص وصحيح مسلم: عملته عندك ... (٣) رواه الترمذي (٣٦٨٩). ٣٦٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٢) باب: فضائل بلال بن رباح من ليلٍ ولا نهارٍ؛ إلا صلَّْتُ بذلك الطُهُورِ ما كَتَبَ اللَّهُ لي أنْ أُصَلِّيَ)). رواه أحمد (٣٣٣/٢)، والبخاريُّ (١١٤٩)، ومسلم (٢٤٥٨). و (قوله: ((بم سبقتني إلى الجنة؟))) لا يفهم من هذا أن بلالاً يدخل الجنة قبل النبيِّ ◌َ ه؛ فإن ذلك ممنوعٌ بما قد علم من أن النبي ◌َّه هو السابقُ إلى الجنة، وبما قد تقدَّم أنَّه ((أوَّلُ من يستفتحُ بابَ الجنة، فيقول الخازن: بكَ أُمِرْتُ، لا أفتحُ لأحدٍ قبلك))(١) وإنما هذه رؤيا منام أفادتْ أنَّ بلالاً من أهل الجنة، وأنه يكونُ فيها مع النبيِّ وَّ﴿ ومن مُلازميه، وهذا كما قال في الغميصاء: ((سمعتُ خشخشتك أمامي)) وقد لا يبعد أن يُقالَ في أسبقية بلال أنها أسبقية الخادم بين يدي مخدومه، والله تعالى أعلم. وفيه ما يدلُّ على أنَّ استدامةَ بعض النوافل، وملازمتها في أوقات وأحوال فضلُ ملازمة فيه فضلٌ عظيم، وأجرٌ كبير، وإن كان النبيُّ لَّه لم يَدُمْ عليها، ولا لازمها، ولا النوافل اشتهر العملُ بها عند أصحابه - رضي الله عنهم -، وأن ذلك لا يُنكر على من لازمه ما لم يعتقدْ أن ذلك سُنَّ راتبة له ولغيره، وهذا هو الذي مَنَعَهُ مالكٌ حتى كره اختصاصَ شيءٍ من الأيام، أو الأوقات بشيءٍ من العبادات، من الصَّوم، والصلاة، والأذكار، والدعوات، إلا أن يُعيِّنَه الشارعُ، ويدومَ عليه، فأما لو دام الإنسانُ على شيءٍ من ذلك في خاصَّة نفسه، ولم يعتقد شيئاً من ذلك، كما فعله بلال في ملازمة الركعتين عند كلِّ أذان، وفي ملازمة الطهارة دائماً، لكان ذلك يُفضي بفاعله إلى نعيم مقيم، وثوابٍ عظيم. و (قوله وَّ: ((بهما))) أي: بسبب ثوابِ فِعْل ذينك الأمرين وصلتَ إلى ما رأيتُ من كونك معي في الجنة . (١) رواه مسلم (١٩٧). ٣٧٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبدالله بن مسعود (٥٣) باب فضائل عبد الله بن مسعود [٢٣٦٩] عن علقمة، عن عبد الله، قال: لمَّا نزلت هذه الآية: إتيان القُرَب کاملة و (قوله وَّر: ((حَدِّثْني بأرجى عملٍ عملته))) أي: بعمل يكون رجاؤك بثوابه أكثر، ونفسك به أوثق. وفيه تنبيهٌ على: أنَّ العاملَ لشيءٍ من القُرَب ينبغي له أن يأتيَ بها على أكمل وجوهها ليعظمَ رجاؤه في قبولها، وفي فضل الله عليها، فيُحْسِنُ ظنَّه بالله تعالى؛ فإن اللَّهَ تعالى عند ظنِّ عبده به، ويتَّضح لك هذا بمَثَلٍ - ولله المثل الأعلى - أن الإنسانَ إذا أراد أن يتقرب إلى بعض ملوك الدنيا بهديَّة أو تُخْفةٍ، فإن أتى بها على أكمل وجوهها وأحسن حالاتها، قوي رجاؤه في قبولها، وحَسُن ظُّه في إيصاله إلى ثوابها، لا سيما إذا كان المُهْدَى له موصوفاً بالفضل والكرم، وإن انتقص شيء من ثوابها ضعف رجاؤه للثواب، وقد يتوقّع الردّ، لا سيما إذا علم أن المهدى له غنيٌّ عنها، فأما لو أتى بها واضحةَ النُّقصان؛ لكان ذلك من أوضح الخسران؛ إذ قد صار المهدى له كالمستصغَر المهان. (٥٣) ومن باب: فضائل عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - نسبه، وسبب إسلامه هو ابن غافل بن حبيب بن شمخ بن مازن بن مخزوم الهذلي، يُكنى أبا عبد الرحمن، وأُّه: أم عبد بنت عبد ودّ الهذلية أيضاً، أسلم قديماً وكان سبب إسلامه: أنه كان يرعى غنماً لعقبة بن أبي مُعَيْط، فمرَّ به رسولُ الله ◌ِوَ ل﴿ فقال: ((يا غلام! هل من لبن؟)) قال: نعم! ولكني مُؤْتَمَنٌّ. قال: ((فهل من شاةٍ حائلٍ لم ينز عليها الفحل؟)) فأتيتهُ بشاةٍ شصوص(١)، فمسح ضرعها، فنزل اللبن، فحلب في إناء وشرب وسقى أبا بكرٍ، ثم قال للضرع: ((اقلص)) فقلص، فقلت: يا رسول الله! (١) : أي: لا لبن لها. ٣٧١ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ ثُمَّ أَتَّقَواْ وَءَامَنُواْ ... ﴾ إلى آخر الآية [المائدة: ٩٣] قال رسولُ الله ◌َّ: ((قيل لي: أَنْتَ منهم)). رواه مسلم (٢٤٥٩) (١٠٩). علَّمني من هذا القول. فقال: ((رحمك الله، إنك غُلَيُّمٌ معلَّمٌ)) (١) فأسلم وضمَّه رسول الله وَل﴿ إليه. فكان يلجُ عليه، ويُلبسه نعلَه، ويمشي أمامَه ومعه، ويستره إذا ملازمته للنبي، اغتسلَ، ويُوقظه إذا نام، وقال له: ((إذنك عليَّ أن يُرفع الحجابُ، وأن تسمعَ وفضائله سِوَادي حتى أنهاكَ))(٢) وكان يُعرف في الصحابة بصاحب السِّرار، والسَّواد، والسِّواك، هاجر هجرتين إلى أرض الحبشة، ثم من مكة إلى المدينة، قاله الجوزيُّ. وصلَّى القبلتين، وشهدَ مع رسول اللهِوَ﴿ مشاهدَه كلَّها، وكان يُشبَّه في هديه وسَمْته برسول الله وَ﴿، وشهدَ له رسول الله وَلَه بالجنة، وشهدَ له كبراءُ أصحابِ رسول اللهِ وَ﴿؛ بأنه من أعلمهم بكتاب الله قراءةً وعلماً، وفضائلُه كثيرة. توفِّي وفاته، بالمدينة سنة ثنتين وثلاثين، ودُفن بالبقيع، وصلَّى عليه عثمان، وقيل: بل صلَّى والصلاة عليه عليه عمَّار، وقيل: بل صلَّى عليه الزبيرُ ليلاً بوصيته، ولم يُعلمْ عثمانَ بذلك، فعاتب عثمان الزبيرَ على ذلك، والله أعلم. روى عن رسول الله صل* ثمانمئة حديث، وثمانيةً وأربعين حديثاً، أُخْرِجَ له منها في الصحيحين: مئة وعشرون حديثاً . و (قوله: لما نزلت: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ ... ) الآية [المائدة: ٩٣] قد ذكرنا سبب نزول الآية، وتكلَّمنا على معناها في الأشربة. و (قوله وَير: (قيل لي: أنت منهم))) الخطاب لابن مسعود، أي: أُوحي إليَّ (١) رواه أحمد (٣٧٩/١). (٢) رواه أحمد (٤٠٤/١)، ومسلم (٢١٦٩). ٣٧٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود [٢٣٧٠] وعن أبي موسى، قال: قدمت أنا وأخي من اليمن، فكنّا حيناً وما نَرى ابنَ مسعود وأُمَّه إلا مِنْ أهل بيت النبي وَلّهِ من كثرة دخُولِهم ولُزُومِهِم لَهُ. رواه البخاريُّ (٣٧٦٣)، ومسلم (٢٤٦٠) (١١٠)، والترمذي (٣٨٠٨). [٢٣٧١] وعن أبي الأحوص، قال: كُنَّا في دار أبي موسى مع نَفَرٍ من أصحاب عبد الله، وهم ينظرون في مُصْحفٍ، فقامَ عبدُ الله، فقال أبو مسعود: ما أعلمُ رسول الله وَ﴿ تَركَ بعده أعلم بما أنزلَ الله من هذا القائم. فقال أبو موسى: أما لئن قلتَ ذاكَ؛ لقد كان يشهدُ إذا غِبْنا .. أنكَ يابنَ مسعودٍ من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وهذه تزكيةٌ عظيمة، ودرجةٌ رفيعة، قلَّ من ظَفِرَ بمثلها. و (قول أبي موسى: مكثنا حيناً وما نرى ابنَ مسعود وأمَّه إلا من أهل بيت رسول اللّه ◌َ﴿) هذا يدلُّ على صحَّة ما ذكرنا: من أنَّ رسولَ اللهِصَ لَّرْ ضِمَّه إليه، واختصَّه بخدمته (١) وملازمته، وذلك لما رأى من صلاحيته لقبول العلم وتحصيله له، ولذلك قال له أول ما لقيه: ((إنك غُلَيُّمٌ معلّم))(٢)، وفي رواية أخرى: ((لَقِنٌ مُفْهَم)) أي: أنت صالح لأن تُعلَّم فَتَعْلم، وتُلَقَّن فتفهم، ولما رأى النبيُّ ◌َّ ذلك ضمَّه لنفسه، وجعله في عداد أهل بيته فلازمَه حَضَراً وسفراً، وليلاً ونهاراً ليتعلَّمَ منه، وينقلَ عنه. و (قول أبي موسى: كان يشهد إذا غبنا) أي: يحضر مع رسول الله وَط قه إذا غاب الناس عنه. (١) في (ز): بحديثه. (٢) رواه أحمد (١/ ٤٦٢). ٣٧٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود ويُؤْذَنُ له إذا ◌ُچِبْنا. رواه مسلم (٢٤٦١) (١١٣). [٢٣٧٢] وعن عبد الله، أنَّه قال: ﴿وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ اَلْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] و (قوله: ويُؤذن له إذا حُجِبْنَا) يعني: أنه كان النبيُّ ◌َّير يأذن له في الوقت الذي يحجبُ عنه الناس، وذلك في الوقت الذي كان فيه مشتغلاً بخاصَّته. و (قول عبد الله: ﴿وَمَن يَغْلُلٌ بَأْتِ بِمَا غَلَّ يَّوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١] ... الحديث إلى آخره). قال القاضي أبو الفضل: هذا الحديث في الأم مختصر مبتور إنما ذكر منه أطرافاً لا تشرح مقصدَ الحديث، وبيانُه في سياقٍ آخر، ذكره ابنُ أبي خيثمة بسنده إلى أبي وائلٍ، وهو شقيق راوي الحديث في الأمّ. قال: لما أمر في المصاحف بما أمر، يعني: أمر عثمانُ بتحريقها ما عدا المصحف المجتمع عليه، الذي وجَّه منه النسخ إلى الآفاق، ورأى هو والصَّحابة - رضي الله عنهم -: أنَّ بقاءً تلك المصاحف يُدْخِل اللبسَ والاختلافَ، ذكر ابنُ مسعود الغلول، وتلا الآية، ثم قال: غلُّوا المصاحف إني غالٌّ مصحفي، فمن استطاع أن يغلّ مصحفه فليفعل، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَمَن يَغْلُلَ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ثم قال: على قراءة من تأمرني أن أقرأ؟ على قراءة زيد بن ثابت؟ لقد أخذت القرآن من فِيْ رسول الله وَـ بضعاً وسبعين سورة، وزيد بن ثابت له ذؤابتان يلعب مع الغلمان، وفي أخرى: صبيٌّ من الصبيان(١)، فتمام هذا الحديث يظهر كلامَ عبد الله. تمشك ابن مسعود قلتُ: (وقوله غلُّوا مصاحفكم ... إلى آخره) أي: اكتموها ولا تسلموها، بمصحفه والتزموها إلى أن تلقوا اللَّهَ تعالى بها، كما يفعل من غلَّ شيئاً فإنه يأتي به يوم وقراءته (١) ذكره ابن أبي داود في كتاب المصاحف (ص ٢٢). ٣٧٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود ثم قال: على قراءةٍ مَنْ تأمُرُوني أن أقرأ؟ فَلَقَدْ قرأتُ على رسول الله وَه بِضْعاً وسبعين سُوْرَةً، القيامة، ويحمله، وكان هذا رأياً منه انفرد به عن الصَّحابة - رضي الله عنهم - ولم يوافقه أحدٌ منهم عليه، فإنه كتم مصحفه، ولم يظهره، ولم يقدر عثمان ولا غيره عليه أن يظهره، وانتشرت المصاحفُ التي كتبها عثمان، واجتمع عليها الصحابةُ في الآفاق، وقرأ المسلمون عليها، وترك مصحف عبد الله، وخفي إلى أن وُجِد في خزائن بني عبيد بمصر عند انقراض دولتهم، وابتداء دولة المعز، فأَمَر بإحراقه قاضي القضاة بها صدر الدين على ما سمعناه من بعض مشايخنا، فأُخْرق. و (قوله: على قراءة من تأمرني أن أقرأ؟) إنكارٌ منه على من يأمره بترك قراءته، ورجوعه إلى قراءة زيد مع أنه سابق له إلى حِفْظ القرآن وإلى أخذه عن رسول الله وَ﴿، فصعب عليه أن يترك قراءةَ قرأها على رسول الله الخل ويقرأ بما قرأه زيدٌ أو غيره، فتمسّك بمصحفه وقراءته، وخفي عليه الوجهُ الذي ظهرَ لجميع الصَّحابة - رضي الله عنهم - من المصلحة التي هي من أعظم ما حفظ الله بها القرآن عن الاختلاف المخلِّ به، والتغيير بالزيادة والنُّقصان. وقد تقدَّم القول في الأحرف سبب استبعاد السبعة، وفي كيفية الأمر بذلك، وكان من أعظم الأمور على عبد الله بن مسعود ابن مسعود عن - رضي الله عنه - أنَّ الصَّحابة - رضي الله عنهم - لما عزموا على كتب المصحف لجنة كتب المصحف بلغة قريش عيَّنوا لذلك أربعةً لم يكن منهم: ابن مسعود، فكتبوه على لغة قريش، ولم يُعرِّجوا على ابن مسعود مع أنه أسبقهم لحفظ القرآن، ومِن أعلمهم به، كما شهدوا له بذلك، غير أنّه - رضي الله عنه - کان مُذلیاً كما تقدم، وکانت قراءتُه على لغتهم، وبينها وبين لغة قريشٍ تباينٌ عظيم، فلذلك لم يُدْخِلُوه معهم، والله تعالى أعلم. قلتُ: قد تقدَّم أنَّ أصلَ البِضْع ما بين الثلاثة إلى التسعة، وذكر اشتقاقه، والخلاف فيه. والحَلَق: بفتح الحاء واللام: جمع حَلَقة بفتح الحاء واللام على ٣٧٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود ولقد عَلِم أصحابُ رسول الله وَ﴿ أَنِّي أعلمهمْ بكتابِ الله، ولو أعلَمُ أنَّ أحداً أعلم منِّي لَرحَلْتُ إليه. قال شقيقٌ: فجلسْتُ في حَلَقِ أصحاب محمَّدٍ وَلَ﴾، فما سمعتُ أحداً يَرُدُ ذلِكَ علیه، ولا یعیبُه. رواه مسلم (٢٤٦٢) (١١٤). [٢٣٧٣] وعنه؛ قال: والذي لا إله غيره! ما مِن كتابِ الله سورةٌ إلا أنا أعْلمُ حيث نَزَلَتْ، وما من آيةٍ إلا أنا أعلم فيما أُنزلتْ. ولو أعلمُ أحداً هو أعلمُ بكتابِ اللَّهِ مِنِّي؛ تبلُغُهُ الإبلُ، لَرَكِبْتُ إليه. رواه مسلم (٢٤٦٣) (١١٥). [٢٣٧٤] وعن مسروقٍ، قال: كُنَّا نأتي عبد الله بنَ عمرو فنتحدث إليه، فذكَرْنا يوماً عبد الله بن مسعودٍ. فقال: لقد ذكرتم رجلاً لا أزال أحبُّه ما حكاه يونس عن أبي عمرو بن العلاء، وقال أبو عمرو الشيباني: ليس في الكلام حلقة بالتحريك إلا في قولهم: هؤلاء قوم حَلَقة، للذين يحلقون الشعر، جمع حالق، وقال الجوهري: الحَلْقَة للدروع - بالسكون - وكذلك حَلْقَة الباب، وحَلْقَة القوم، والجمع: الحَلَق علی غیر قیاس. و (قوله: لقد علم أصحابُ رسول الله وَ ﴿ أني أعلمهم بكتاب الله) يعني: أنه علمُ ابن أعلمهم بأسباب نزوله، ومواقع أحكامه، بدليل قوله في الرواية الأخرى: ما من كتاب الله سورة إلا وأنا أعلمُ حيث نزلتْ، وما من آيةٍ إلا وأعلم فيما أُنْزلتْ. وسَبَبُ ذلك: ملازمته للنبي وَ له ومباطنته إياه سفراً وحَضَراً كما قدَّمنا. وأما في القراءة فأبيّ أقرأُ منه، بدليل قول النبيِّ وَله: ((أقرؤكم أَبي)) (١) والخطابُ للصَّحابة كلِّهم. مسعود بأسباب النزول وتاريخه (١) رواه أحمد (١٨٤/٣)، والترمذي (٣٧٩٠)، وابن ماجه (١٥٥). ٣٧٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود بعدَ شيءٍ سمِعتُهُ من رسول الله ◌ِوَ لِّ. سمعتُ رسولَ اللهِوَ لَه يقول: ((خذوا القرآن مِن أربعة نفرٍ: من ابن أم عبدٍ - فَبَدَأْ بِهِ - ومُعاذٍ بن جبلٍ، وأُبِيِّ بن کعبٍ، وسالمٍ مولى أبي حُذيفة». أئمة القرَّاء من الصحابة و (قوله وَلجر: ((خذوا القرآن من أربعة: من ابن أم عبد») فبدأ به، ليس فيه دليلٌ على أنه أقرأُمِن أبيٍّ، فإنه قدبيَّن ◌َ ل﴿ بالنص الجليّ: أن أُبَيّاً أقرأُ منه ومِن غيره، فيحتمل أن يقال: إن الموجبَ لابتدائه اختصاصه به، وملازمته إياه، وحضوره في ذهنه، لا أنه أقرأ الأربعة. والله تعالى أعلم. وهذا كلُّه بناءً على: أن المقدَّم من المعطوفات له مزيَةٌ على المتأخر، وفيه نظرٌ قد تقدَّم في الطهارة وفي الحج. وتخصيص هؤلاء الأربعة بالذكر دون غيرهم ممن حفظ القرآن من الصحابة - رضي الله عنهم - وهم عَدَدٌ كثير كما يأتي؛ لأنَّ هؤلاء الأربعة هم الذين تفرغوا لإقراء القرآن وتعليمه دون غيرهم ممن اشتغل بغير ذلك من العلوم، أو العبادات، أو الجهاد، وغير ذلك؛ ويحتملُ أن يكونَ ذلك من النبيِّ وَّ﴿ لأنه عَلِم أنَّهم هم الذين ينتصبون لتعليم الناس القرآنَ بعده، وليؤخذَ عنهم؛ فأحال عليهم لِما علم من مآل أمرهم، كما قد أظهر الموجود من حالهم؛ إذ هم أئمةُ القرَّاء، وإليهم تنتهي في الغالب أسانيدُ الفضلاء، والله أعلم. من فضائل معاذ بن جبل ومعاذ المذكور في الحديث: هو معاذ بن جبل بن أوس الأنصاريُّ الخزرجيٌّ، يُکنی: أبا عبد الرحمن، قیل: بولدٍ کان له کبر إلى أن قاتل مع أبيه في اليرموك، ومات بالطاعون قبل أبيه بأيام، على ما ذكره محمد بن عبد الله الأزدي البصري في ((فتوح الشام)) وغيره. وقال الواقدي: إنه لم يُولدْ لمعاذ قطُّ، وقاله المدائني. أسلم معاذ وهو ابنُ ثماني عشرة سنة، وشهد العقبةَ مع السَّبعين، وشهد بدراً، وجميع المشاهد، وولَّاه رسولُ اللهِ وَ ﴿ على عَمَل من أعمال اليمن، وخرج معه النبيُّ رَ﴿ مُودِّعاً ماشياً، ومعاذ راكباً، منعه مِن أن ينزل، وقال فيه وَّ: ٣٧٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٣) باب: فضائل عبد الله بن مسعود وفي روايةٍ: ثَنَّى بأبيٍّ وأخر معاذاً. رواه أحمد (١٩٠/٢)، والبخاري (٣٨٠٨)، ومسلم (٢٤٦٤) (١١٦ و ١١٧)، والترمذيُّ (٣٨١٠). * ((أعلمكم بالحلال والحرام معاذ))(١). وقال: ((إنه يسبق العلماء يوم القيامة رتوة (٢) بحجر))(٣)، وقال فيه ابنُ مسعود: إنه كان أمَّةً قانتاً لله، وقال: الأمة: هو الذي يُعلِّم الناسَ الخيرَ، والقانت: هو المطيعُ الله عز وجل، وكان عابداً، مجتهداً، ورعاً، مُحقِّقاً، كان له امرأتان، فإذا كان يوم إحداهما: لم يشرب من بيت الأخرى، وماتتا بالطاعون في وقتٍ واحد، فحفر لهما حفرة فَأَسْهَم بينهما أيتهما وفاة معاذ في يُقدِّم في القبر، وكان مُجاب الدعوة. ولما كان طاعونُ عمواس - وعمواس قرية طاعون من قرى الشام، وكأنها إنما نسب الطاعون إليها؛ لأنه أول ما نزل فيها - فقال بعضُ عمواس الناس: هذا عذابٌ، فبلغ ذلك معاذاً فأنكر ذلك، وخطب فقال: أيها الناس! إن هذا الوجعَ رحمةٌ بكم ودعوةُ نبيكم، وموتُ الصالحين قبلكم. اللهم آتِ آلَ معاذ من هذه الرحمة النَّصيبَ الأوفى. فما أمسى حت ◌ُعِن ابنُه عبد الرحمن، وماتت زوجتاه، ثم طُعن من الغد من دَفْن ولده، فاشتدَّ وَجَعُه فمات منه، وذلك في سنة سبع عشرة، وقيل: سنة ثمان عشرة، وسِتُّه يومئذ ثمان وثلاثون سنة، وقيل: ثلاث وثلاثون سنة، روي عنه من الحديث: مئة حديث، وسبعة وخمسون حديثاً، أُخرج له منها في الصحيحين ستة أحاديث. وسالم المذكور في الحديث، هو سالم بن معقل، مولى أبي حذيفة بن عتبة من فضائل ابن ربيعة، يكنى سالم: أبا عبد الله، وكان مِن أهل فارس من اصطخر، وكان من سالم بن معقل (١) هو الحديث السابق. (٢) ((الرتوة)): الرمية. (٣) رواه أحمد (١٨/١). وانظر: أسد الغابة (١٩٦/٥). ٣٧٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٤) باب: فضائل أبي بن كعب (٥٤) باب فضائل أُبيِّ بنُ گعبٍ [٢٣٧٥] عن أنسٍ، قال: جَمع القرآن، على عهد رسول الله وَل أربعةٌ - كُلُّهم مِنَ الأنصار -: مُعاذُ بن جبلٍ، وأُبِّيُّ بن كعبٍ، وزيدُ بن فُضلاء الموالي، ومن خيار الصَّحابة وكبرائهم، وهو معدودٌ في المهاجرين؛ لأنَّه لمَّا أعتقته مولاتُه زَوْج أبي حذيفة، وهي عمرةُ بنت يعار. وقيل: سلمى، وقيل: غير ذلك، تولى أبا حذيفة فتبنّاه أبو حذيفة، وهو أيضاً معدودٌ في الأنصار؛ لعتق مولاته المذكورة له وهي أنصارية، وهو معدودٌ في القرّاء، قيل: إنه هاجر مع عمر ابن الخطاب ونفر من الصحابة من مكة - رضي الله عنهم -، فكان يؤمُّهم؛ لأنه كان أكثرَهُم قرآناً، وكان يؤمُّ المهاجرين بقُباء فيهم عمر بن الخطاب، شهد سالم بدراً وقُتِل يوم اليمامة ومولاه أبو حذيفة. فوجد رأسُ أحدهما عند رجلي الآخر، وذلك سنة اثنتي عشرة. (٥٤) ومن باب: فضائل أبيّ بن كعب - رضي الله عنه - هو ابن قيس بن عبيد بن زيد بن النجار الخزرجي - رضي الله عنه - أسلم قديماً، وشهد العقبة الثانية، وبايع النبيَّ وَ ﴿ فيها، ثم شهد بدراً، وجميعَ المشاهد، وهو أوَّلُ مَن كتب الوحي لرسول الله وَ ﴿ وكان من فقهاء الصحابة وقُرَّائهم - رضي الله عنهم - وكفى بذلك أن الله تعالى: أمر نبيَّه وَلِ﴿ أن يقرأ عليه القرآن، وقد بيَّنَا وَجْهَ ذلك فيما تقدَّم، وقد تقدَّم قولُهُ وَّهِ: ((أقرؤكم أُبيّ)) وقال فيه عمرُ بن الخطاب - رضي الله عنه -: إنه سيِّدُ المسلمين، وتوفي في خلافة عمر على الأكثر. قيل: سنة تسع عشرة، وقيل: سنة عشرين، وقيل: سنة اثنتين وعشرين، وقد قيل: إنه مات في خلافة عثمان سنة اثنتين وثلاثين. وجملة ما روي عنه عن رسول الله ولقد مئة حديث وأربعة وستون حديثاً، أخرج له منها في الصحيحين ثلاثة عشر. نسب أبيّ وإسلامه ومشاهده وفاة أبيّ من جمع القرآن على و (قول أنس - رضي الله عنه -: جَمَعَ القرآنَ على عهد رسول اللهِ لَ أربعةٌ ٣٧٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٤) باب: فضائل أبي بن كعب من الأنصار: معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وزید بن ثابت، وأبو زيد. قد استشكل ظاهِرَ هذا الحديث كثيرٌ من الناس حتى ظنوا أنه مما يطرق الطعن والقدح في تواتر القرآن، وهذا إنما نشأ ممن يظن أن لهذا الحديث دليلَ خطاب؛ فإنه لا يتمُّ له ذلك حتى يقولَ بتخصيص هؤلاء الأربعة بالذّكر يدلُّ على أنه لم يجمعه أحدٌ غيرهم، فمن ينفي القولُ بدليل الخطاب قد سلم من ذلك، ومن (١) يقول به فأكثرهم يقول: إن أسماء الأعداء لا دليلَ خطاب لها، فإنها تجري مجرى الألقاب، والألقابُ لا دليلَ خطاب لها باتفاق أئمة أهل الأُصُول. ولا يُلتفتُ لقول الدقاق في ذلك فإنه واضح الفساد كما بيناه في الأصول، ولئن سلَّمنا أن لأسماء الأعداد دليلَ خطابٍ، فدليلُ الخطاب إنما يُصار إليه إذا لم يعارضْه منطوقٌ به، وإنه أضعفُ وجوه الأدلة عند القائلين به، وهنا أمران هما أولی منه ۔ بالاتفاق ۔: أحدهما: النقل الصحيح. والثاني: ما يعلم من ضرورة العادة. فأما النقل فقد ذكر القاضي أبو بكر وغيره جماعةً من أصحاب رسول الله وَه جَمَعُوا القرآنَ على عهد رسول الله :﴿ منهم: الخلفاءُ الأربعة، وابن مسعود، وسالم مولى أبي حُذيفة. وقد سمَّى أبو عبد الله المازري منهم خمسة عشر. وقد تواترتٍ الأخبارُ بأنه قُتِل يوم اليمامة سبعون ممن جَمَعَ القرآن، [وكان ذلك في سنة وفاة النبيِّ ◌َ ﴿ وأول سنيٍّ خلافه أبي بكر - رضي الله عنه -، وإذا قُتِل في جيشٍ واحد سبعون ممَّن جمع القرآن](٢) فالذين بقوا في ذلك الجيش منهم لم يقتلوا أكثر من أولئك أضعافاً. وإذا كان ذلك في جيش واحدٍ فانظر كم بقي في مُدن الإسلام - إذ ذاك - وفي عساكر أخر من الصحابة - رضي الله عنهم - ممن جَمَع القرآن. فيظهر (١) في (ز): والذي. (٢) ما بين حاصرتين سقط من (م ٤). ٣٨٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٥٤) باب: فضائل أبي بن كعب من هذا: أنَّ الذين جمعوا القرآنَ على عهد رسول الله وَله لا يُخصيهم أحد، ولا یضبطهم عدد. وأما الثاني وهو العادة: وذلك أنها تقتضي أن يجتمعَ العدد الكثيرُ، والجمُّ (١) الغفير على حِفْظه ونَقْله، وذلك أن القرآنَ على نظم عجيب، وأسلوب غريب، مخالف لأساليب كلامهم في نثرهم ونظمهم مع ما تضمَّنه من العلوم والأحكام، ومعرفة الحلال والحرام، والقَصَص والأخبار، والتبشير والإنذار، والنبيُّ وَّ مع ذلك يُشيعه في الناس، ويشافه به البلغاء الأكياس، وما كان هذا سبيلُه فالعادةُ تقتضي: أن تتوفّر الدواعي على حِفْظ جميعه، والوقوف على ما تضمنه من أنواع حِگمه وبدائعه، ومحاسن آدابه وشرائعه، ویحیلُ انفراد الآحاد بحفظه کما یحیل انفرادهم بنقله، فقد ظهر من هذه المباحث العجاب أنَّ ذلك الحدیثَ لیس له دليلُ خطاب، فإن قيل: فإذا لم يكن له دليلُ خطاب فلأي شيء خصَّ هؤلاء الأربعة بالذکر دون غیرهم؟ فالجواب من أوجه: أحدها: أنه يحتملُ إن يكون ذلك لتعلُّق غَرَض المتكلم بهم دون غيرهم كالحال في ذكر الألقاب. وثانيها: لحضور هؤلاء الأربعة في ذهنه دون غيرهم. وثالثها: أن هؤلاء الأربعة قد اشتهروا بذلك في ذلك الوقت دون غيرهم ممن يحفظ جمیعه . ورابعها: لأن أنساً سمع من هؤلاء الأربعة إخبارهم عن أنفسهم أنهم جمعوا القرآن، ولم يَسْمَغْ مثل ذلك من غيرهم، وكلُّ ذلك محتمل، والله تعالى أعلم. (١) في (ز): الجمع.