Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق رسول الله وَّله هو المخيَّر، وكان أبو بكرٍ أعلَمَنا به. وقال رسول الله وَّه: ((إنَّ أمَنَّ النَّاس عليَّ في ماله وصحبتِهِ أبو بكرٍ، ولو كنتُ متخذاً خليلاً لاتَّخِذْتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنْ أخُوَّةُ الإِسلام، لا تُبْقَيَنَّ في المسجدِ خوخةٌ إلا خوخةً أبي بكرٍ !)). رواه أحمد (١٨/٣)، والبخاريُّ (٤٦٦)، ومسلم (٢٣٨٢). هذا الكلام: أنَّ لأبي بكرٍ مِن الفضائل، والحقوق ما لا يشاركه فيها مخلوق. ووَزْنُ أمنّ: أفعل، من المنَّ بمعنى الامتنان، أي: أكثر مِنَّةً، ومعناه: أنَّ أبا بكر حقوق أبي بكر - رضي الله عنه - له من الحقوق ما لو كانتْ لغيره لامتنَّ بها، وذلك: أنه - رضي الله عنه - بادر النبيَّ وَّهِ بالتَّصْديق، والناسُ كلُّهم مُكذِّبون، وبنفقة الأموال العظيمة، والناسُ يبخلون، وبالملازمة والمصاحبة، والناسُ ينفرون، وهو مع ذلك بانشراح صدره، ورسوخ علمه يعلمُ: أنَّ لله ولرسوله الفضْل والإحسان، والمنَّة والامتنان، لكن النبيّ وَّه بكرم خُلُقه، وجميل معاشرته اعترف بالفَضْل لمن صَدَر عنه، وشكر الصَّنيعة لمن وُجِدَتْ منه، عملاً بشكر المنعم، لِيَسُنَّ، وليعلُّم، وهذا مثل ما جرى له يوم حُنين مع الأنصار، حيث جَمَعَهُم فذكَّرهم بما لَهُ عليهم من المِنَن، ثم اعترف لهم بما لهم من الفَضْل الجميل الحسن، وقد تقدم في الزَّكاة. وقد ذكر الترمذيُّ من حديث أبي هريرة قال: قال رسولُ الله وَلآية: ((ما لأحد عندنا يدٌ إلا وقد كافأناه عليها ما خلا أبا بكرٍ؛ فإنَّ له عندنا يداً يكافئه اللَّهُ تعالى بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ كما نفعني مالُ أبي بكرٍ ... ))(١)؛ وذكر الحديث، وقال: هو حسن غريب. و (قوله: ((ولو كنتُ متَّخذاً خليلاً، لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً))) متَّخذاً: اسم فاعل من انَّخذ، وهو فعلٌ يتعدَّى إلى مفعولين، أحدهما بحرف الجر، فيكون (١) رواه الترمذي (٣٦٦١). ٢٤٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق [٢٢٩٤] وعن عبد الله بن مسعود، عن النَّبيِّ وَّ قال: ((لو كنتُ متخذاً خليلاً لاَّخذْتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخي وصاحبي، وقد اتّخذَ الله عزَّ وجلَّ صاحِبگم خليلاً)). لِمَ لم يتخذ أحداً خليلاً؟ بمعنى: اختار واصْطفى، كما قال: ﴿وَأَخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ، مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّمُ خُوَارُ﴾ [الأعراف: ١٤٨]، وقد سكت هنا عن أحد مفعولیھا، وهو الذي دخل عليه حرفُ الجرِّ، فكأنه قال: لو كنتُ متَّخذاً مِن النَّاس خليلاً لاتخذتُ منهم أبا بكرٍ. ولِبَسْط الكلام في ذلك علم النحو، وحاصلُه: أنَّ (انَّخذ) استعملت على ثلاثةٍ أنحاء، أحدها: تتعدّى لمفعولين بنفسها. وثانيها: تتعدَّى لأحدهما بحرف الجرِّ. وثالثها: تتعدَّى لمفعول واحد، وكلُّ ذلك موجودٌ في القرآن، ومعنى هذا الحديث: أنَّ أبا بكرٍ - رضي الله عنه - كان قد تأهَّل لأن يتَّخذه النبيُّ ◌َلآل خلیلاً، لولا المانعُ الذي منع النبيَّ وَلّر وهو أنه لما امتلأ قلبُه بما تخلَّله من معرفة الله تعالى، ومحبَّته، ومُراقبته، حتى كأنه مُزجتْ أجزاءُ قلبه بذلك، لم يَّسغ قلبُه لخليلٍ آخر يكون كذلك فيه، وعلى هذا فلا يكون الخليلُ إلا واحداً، ومَن لم ينتهِ إلى ذلك ممن تعلَّق القلبُ به فهو حبيبٌ؛ ولذلك أثبت لأبي بكرٍ وعائشة - رضي الله عنهما - أنَّهما أحبُّ الناس إليه، ونفى عنهما الخلَّة، وعلى هذا فالخلَّة فوق المحبة، وقد اختلف أربابُ القلوب في ذلك؛ فذهب الجمهور: إلى أنَّ الخلَّةَ أعلى، تمشُّكاً بما ذكرناه، وهو مُتمسَّكُ قويٌّ ظاهِر، وذهب أبو بكر بن فُورَك(١): إلى أنَّ المحبة أعلى، واستدلَّ على ذلك: بأن الاسمَ الخاصَّ بمحمدٍ ◌َلّ: الحبيب، وبإبراهيم: الخليل. ودرجةُ نبيِّنا ﴿ أرفع، فالمحبةُ أرفع. وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة في كتاب ((الشفا))(٢) واستوفى فيها البحث، فلْتُنْظَر (١) هو محمد بن الحسن بن فُورَك، أبو بكر: واعظ، عالم بالأصول والكلام، من فقهاء الشافعية. من كتبه: ((مشكل الحديث وغريبه)). توفي سنة (٤٠٦ هـ). (٢) انظر: الشفا (٤٠٩/١ وما بعدها). ٢٤٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق وفي روايةٍ: ((ألا إنِّي أبرأُ إلى كُلِّ خليلٍ من خِلِّهِ، ولو كنت ... وذكر نحوه)). رواه أحمد (٣٧٧/١)، ومسلم (٢٣٨٣) (٣ و٧)، والترمذيُّ (٣٦٥٥)، وابن ماجه (٩٣). هناك، وقد ذكرنا اختلافَ الناس في الخلة في كتاب الإيمان. و (قوله: ((إلا إني أبرأ إلى كُلِّ خليلٍ من خلَّته))) الرواية المعروفة: بكسر الخاء من خلَّة. قال القاضي: والصَّواب - إن شاء الله - فتحها، والخلَّة، والخلُّ، والمخاللة، والمخالَّة، والخلالة، والخلولة: الإخاء والصَّداقة. قلتُ: يعني: أن خَلَّة في الأصل: هي مصدر، ومصادر هذا الباب: هي التي ذكروها، وليس فيها ما يقال: بكسر الخاء، فتعين الفتح فيها، ومعنى هذا الكلام: قد جاء بلفظ آخر يفسره فقال: ((إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل)). وهذا واضح. و (قوله: ((وقد انَّخذ اللَّهُ صاحبكم خليلاً)) في غير كتاب مسلم: ((كما اتخذ إبراهيم خليلاً))) وهذا يدلُّ على أنَّ اللَّهَ تعالى بلَّغ درجة نبيّنا وَّ في الخلة بإبراهيم - عليه السلام - غير أنَّه مَّنه فيها ما لم يمكِّن إبراهيم فيها، بدليل قول إبراهيم: (إنما كنت خليلاً من وراءَ وراءَ) (١) كما تقدَّم في الإيمان. و (قوله: ((لا تُبْقَيَنَّ في المسجد خوخةٌ إلا خوخة أبي بكرٍ)) الخَوْخَةُ - بفتح خوخة أبي بكر الخاء المعجمة -: بابٌ صغير بين مسكنَيْن، وكان أصحابُ النبيِّ وَّةٍ قد فتحوا بين مساكنهم وبين المسجد خوخات اغتناماً لملازمة المسجد، وللكون فيه مع النبيِّ ◌َ﴿ إذا كان فيه غالباً؛ إلّ أنه لما كان ذلك يؤدّي إلى اتخاذ المسجد طريقاً، أَمَرَ النبيُّ ◌َ﴿ بسدٌّ كلِّ خوخةٍ كانتْ هنالك، واستثنى خوخةَ أبي بكرٍ - رضي الله (١) رواه مسلم (١٩٥) (٣٢٩). ٢٤٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق [٢٢٩٥] وعن عمرو بن العاص: أنَّ رسول الله وَّه بعثه على جيشٍ ذاتِ السلاسل، فأتيته فقلت: أيُّ الناس أحبُّ إليك؟ قال: ((عائشة)). قلت: مِنَ الرِّجال؟ قال: ((أبوها)). قلت: ثُمَّ مَنْ؟ قال: ((عمر)). فَعَدَّ رجالاً . رواه أحمد (٢٠٣/٤)، والبخاريُّ (٣٦٦٢)، ومسلم (٢٣٨٤)، والترمذيُّ (٣٨٨٥). [٢٢٩٦] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((مَنْ أُصبحَ منكُم اليومَ صائماً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فَمَنْ تَبعَ منكمُ اليومَ جنازةً؟» عنه - إكراماً له، وخُصوصيّةً به؛ لأنَّهما كانا لا يفترقان غالباً، وقد استدلَّ بهذا الحديث على صحّة إمامته، واستخلافه للصلاة، وعلى خِلافته بَعْدَه. و (قوله: مَن أحبَّ الناس إليك(١)؟) هذا السُّؤالُ: أخرجه الحرصُ على معرفة الأحبّ إليه؛ ليقتدي به في ذلك، فيحبّ ما أحب؛ فإن المرء مع من أحب. حبُّه ◌َل لعائشة و (قوله في الجواب: ((عائشة))) يدلّ على جواز ذِكْر مثل ذلك، وأنه لا يُعابُ على مَن ذكره إذا كان المقولُ له من أهل الخير والدِّين، ويقصدُ بذلك مقاصدَ الصَّالحين، وإنما بدأ النبيُّ ﴿ بذكر محبة عائشة أولاً؛ لأنها محبَّةٌ جبلِّيَّة ودينية، وغيرها دينيَّة لا جبلية، فسبق الأصليُّ على الطَّارىء. و (قوله: («ثم أبو بكر(٢)، ثم عمر)) يدلّ على: تفاوت ما بينهما في الرُّتبة والفضيلة، وهو يدلُّ على صحَّة ما ذهب إليه أهلُ السُّنَّة. و (قوله: ((من أصبح منكم اليوم صائماً؟ قال أبو بكر: أنا ... الحديث) يدلُّ تفقده لأحوال أصحابه (١) في مسلم والتلخيص: أيّ الناس أحب إليك؟. (٢) في مسلم والتلخيص: أبوها. ٢٤٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق قال أبو بكر: أنا. قال: ((فَمَنْ أطعم منكُم اليومَ مسكيناً؟)) قال أبو بكر: أنا. قال: ((فَمَنْ عاد منكم اليوم مريضاً؟)) قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله وَّر: ((ما اجْتَمَعْنَ في امرىءٍ إلا دخل الجنَّة)). رواه مسلم (١٠٢٨) في الفضائل (١٢). [٢٢٩٧] وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((بينما رجلٌ يسوق بقرةً له قد حَمَل عليها؛ التفتت إليه البقرة فقالت: إني لم أُخْلَقْ لِهُذَا، ولكنِّي إنَّما خُلقتُ للحَزْث)). فقال الناس: سبحان الله - تعُّباً وفَزَعاً -أبقرةً تكلّمٌ؟! على: ما كان النبيُّ وَ ﴿ عليه من التفقُّد لأحوال أصحابه، وإرشادهم إلى فِعْل الخير على اختلاف أنواعه، وعلى ما كان عليه أبو بكرٍ من الحِرص على فِعْل جميع أنواع الطّاعات، وتتبُّعِه أبوابها، واغتنام أوقاتها، وكأنه ما كان له هَمِّ إلا في طَلَب ذلك، والسَّعي في تحصيل ثوابه. و (قوله: ((ما اجتمعن في امرىء إلا دخل الجنة))) ظاهِرُه: أنَّ مَن اجتمع له أعمال صالحة فِعْلُ هذه الأبواب في يومٍ واحدٍ دخل الجنَّة؛ فإنه قال فيها كلِّها: اليوم، اليوم، تُدْخِل الجنة ولما أخبره أبو بكرٍ - رضي الله عنه - أنه فَعَل تلك الأمورَ كلَّها في ذلك اليوم بشَّره بأنه مِن أهل الجنة لأجل تلك الأمور، والمرجوّ مِن كَرَم الله تعالى أن مَن اجتمعتْ له تلك الأعمالُ في عُمره، وإن لم تجتمع في يومٍ واحدٍ أن يُدْخِلَه اللَّهُ الجنَّة بفَضْله، ووَعْده الصّادق. و (قول البقرة للَّذي حَمَل عليها: إنِّي لم أُخْلَقْ لهذا، إنَّما خُلِقْتُ لِلْحَرْث) ما خُلِقِت دليلٌ: على أنَّ البقرةَ لا يُحْمَلُ عليها ولا تُرْكَب، وإنما هي للحرث، وللأكل، البقرة من أجله والنسل، والرِّسْلِ (١). وفيه ما يدلُّ على وقوع خَرْق العوائد، على جهة الكرامة، أو (١) أي: اللَّبن. ٢٤٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق فقال رسول الله وَله: ((فإنِّي أُومِنُ به، وأبو بكر، وعمر)). فقال أبو هريرة: قال رسول الله وَ طاهر: ((بينا راع في غنمه، عدا عليه الذئبُ فأخذ منها شاً، فطلبهُ الراعي حتى استنقذها منه، فالتفتَ إليه الذئب، فقال: من لها يوم السَّبُع؛ يوم ليس لها راعٍ غيري؟)) فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله وَ﴾: ((فإني، أومن بذلك أنا، وأبو بكر، وعمرُ)). رواه أحمد (٢٤٥/٢ -٢٤٦)، والبخاريُّ (٣٤٧١)، ومسلم (٢٣٨٨). على جهة التَّنبيه لمن أراد اللَّهُ به الاستقامة، وفيه ما يدلُّ على عِلْم النبيِّ وَّر بصحَّة إيمان أبي بكر، وعُمر، ويقينهما، وأنه كان يُنزلهما منزلةَ نفسه، ويقطعُ على يقينهما، وهذه خصوصيَّةٌ عظيمة، ودرجةٌ(١) رفيعة. و (قول الذئب: مَن لها يوم السَّبُع) الرّواية الصَّحيحةُ التي قرأناها وقيَّدناها على مشايخنا بضم الباء لا غیر، ومعناه مُفسّرٌ بباقي الحدیث؛ إذ قال فيه: يوم لیس لها راعٍ غيري، فإنه أبدل (يوم ليس لها راعٍ) من (يوم السَّبُع)، وكأنه قال: مَن يستنقذُ هذه الشَّاةَ يوم ينفرد السَّبُع بها، ولا يكونُ معها راعٍ، ولا يمنعها منه؟! وكأنه - والله أعلم - يشير إلى نحو مما تقدَّم في الحجِّ مِن حديث أبي هريرة مرفوعاً قال: ((يتركون المدينة على خير ما كانت، لا يغشاها إلا العوافي - يريدُ السُّباع والطير -، ثم يخرجُ راعيان من مُزينة يريدان المدينة، فينعقان بغنمهما، فيجدانها وَحْشاً، حتى إذا بلغاثنيَّةً الوداع خرًّا على وجوههما))(٢). فحاصلُ هذا: أنَّ أهلَ المدينة ينجلون عنها، فلا يبقى فيها إلّا السّباع، ويهلك مَن حولها من الزُّعاة فتبقى الغنمُ متوحشةً منفردة، فتأكلُ الذئابُ ما شاءت، وتتركُ ما شاءت، وهذا لم يُسْمَغْ من علامات الساعة جلاء أهل المدينة عنها (١) في (م ٤): منزلة. (٢) رواه أحمد (٢٣٤/٢)، والبخاري (١٨٧٤)، ومسلم (١٣٨٩) (٤٩٩). ٢٤٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق [٢٢٩٨] وعن عائشة، وسئلت: من كان رسول الله وَله مستخلفاً لو استخلف؟ قالت : أبو بكر. أنَّه وَقَعَ، ولا بُدَّ من وقوعه. وقد قيَّده بعضُ اللُّغويين بسكون الباء، وليست بروايةٍ صحيحة، ولكن اختلف في معنى ذلك على أقوالٍ يطولُ ذِكْرُها، ولا معنى لأكثرها، وأشبهُ ما قيل في ذلك، ما حكاه الحربيُّ: أنَّ سكون الباء لغةٌ فيه، وقرأ الحسن: ﴿ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ﴾ بسكونها [المائدة: ٣]. و (قول السائل لعائشة - رضي الله عنها -: من كان رسولُ الله ◌ِ ﴿ مُستخلفاً لو لم يستخلف استخلف؟) يدلُّ على: أنَّ مِن المعلوم عندهم أنَّ النبيَّ وَّ لم يستخلفْ أحداً، وَّر أحداً وكذلك قال عُمر - رضي الله عنه - لما ◌ُعِن، وقيل له: أَلَا تستخلف؟ فقال: إن أتركهم؛ فقد تركهم رسولُ اللهِ وَ لخير، وإن أستخلف فقد استخلفَ أبو بكرٍ - رضي الله عنه - وهذا بمحضر من الصحابة، وعليٍّ والعباس - رضي الله عنهم - ولم ينکز أحدٌ منهم على عمر، ولا ذَكَر أحَدٌ من النَّاس نصّاً باستخلافٍ (١) على أحد، فكان ذلك دليلاً على كذب مَن اذَّعى شيئاً مِن ذلك، إذ العاداتُ تحيلُ أن يكون عندهم نصٌّ على أحدٍ في ذلك الأمر العظيم المهمّ، فيكتموه، مع تصلُّبهم(٢) في الدِّين، وعدم تقيّتهم، فإنَّهم كانوا لا تأخذهم في الله لومةُ لائم، وكذلك اتّفق لهم عند موتٍ النبيِّ وَّر فإنهم اجتمعوا لذلك، وتفاوضوا فيه مفاوضةَ مَن لا يثَّقي شيئاً، ولا يخافُ أحداً، حتى قالتِ الأنصارُ: منا أميرٌ، ومنكم أمير، ولم يذكر أحدٌ منهم نصّاً، ولا ادَّعى أحدٌ منهم أنه نصَّ عليه، ولو كان عندهم من ذلك شيء لكانوا هم أحقّ بمعرفته، ونَقْله، ولما اختلفوا في شيءٍ من ذلك. ومِن العجب أَلَّا يكون عند أحدٍ من هؤلاء نصٌّ على ذلك، ولا يذكره مع قُرْب العهد، وتوقُّر الدِّين والجدِّ، ودُعاء الحاجة الشَّديدة إلى ذلك، ويأتي بعدهم بأزمانٍ متطاولةٍ، وأوقاتٍ (١) في (ع) و(م ٤): لاستخلاف. (٢) في (م ٤): فضلهم. ٢٤٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق فقيل لها: ثم مَنْ بَعْدَ أبي بكرٍ ؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: من بعدَ عُمَر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح. رواه مسلم (٢٣٨٥). [٢٢٩٩] وعن جبيرٍ بن مُطْعِم: أنَّ امرأةً سألت رسول الله وَالتِ شيئاً، فأمرها أن ترجع إليه، فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئتُ فلم أجِدْكَ؟ - قال أبي: كأنّها تعني: الموت ! - قال: ((فإن لم تجديني فائتي أبا بكرٍ)). رواه أحمد (٨٢/٤)، والبخاريُّ (٣٦٥٩)، ومسلم (٢٣٨٦). مختلفةٍ، وقِلَّةِ علم، وعَدَم فهم مَن يدَّعي: أن عنده من العلم بالنصِّ على واحدٍ معينٍ ما لم يكن عند أولئك الملأ الكرام، ولا سُمِعَ منهم. هذا محضُ الكذب الذي لا يقبلُه سليمُ العقل؛ لكن غَلَبةُ التعصُّب والأهواء تُورِّطُ صاحبَها في الظَّلماء، وقد ذهبتِ الشيعةُ على اختلاف فرقها إلى: أنه نصَّ على خلافة عليٍّ - رضي الله عنه - وذهبتِ الرَّاوندية إلى أنه نصَّ على خلافة العباس - رضي الله عنه - واختلق كلُّ واحدٍ منهما من الكذب، والزُّور، والبهتان ما لا يرضى به مَن في قلبه حبَّةُ خَزْدلٍ مِن الإيمان، وما ذكرناه من عَدَم النَّصِّ على واحدٍ بعينه هو مذهبُ جمهورٍ أهل السُّنَّة مِن السَّلف والخَلَف، لا على أبي بكرٍ، ولا غيره، غير أنَّهم ما اعتُمد عليه استندوا في استحقاق أبي بكرٍ - رضي الله عنه - للخلافة إلى أصولٍ كليَّةٍ، وقرائن أبي بكر للخلافة في استحقاق خالية، ومجموع ظواهر جليَّةٍ حَصَّلَتْ لهم العلم؛ بأنه أحقُّ بالخلافة، وأوْلى بالإمامة، يُعْلم ذلك من استقرأ أخباره، وخصائصه، وسيقعُ التَّنبيهُ على بعضها إن شاء الله تعالى. و (قول عائشة - رضي الله عنها - في جواب السَّائل: أبو بكر ثم عمر ثم أبو عبيدة) هذا قالته عن نظرها، وظنِّها، لا أنَّ ذلك كان بنصَّ عندها عن النَّبيِّ وَّز، ولعلها استندتْ في عمر وأبي عبيدة لقول أبي بكر يوم السَّقيفة: رضيتُ ٢٤٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق [٢٣٠٠] وعن عائشة، قالت: قال لي رسولُ الله ◌َّ في مرضه: ((ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك حتى أكتب كتاباً، فإنِّي أخاف أن يتمنى لكم أحَدَ هذين الرَّجُلَيْن عمر وأبي عُبيدة. وفي حقِّ أبي عبيدة شهادةُ النبيِّ وَلِّ بأنه أبو عبيدة أمين أمينُ هذه الأمَّة، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - حين جعل الأمْرَ شُورى: لو أنَّ هذه الأمة أبا عبيدة حيٌّ لما تخالجني فيه شكّ، فلو سألني ربِّي عنه قلتُ: سمعتُ نبيَّكَ يقول: ((لكل أمَّةٍ أمين، وأمينُنا - أيتها الأمَّة - أبو عبيدة بن الجراح))(١)، ويُفهم من قول عمر وعائشة: جوازُ انعقاد الخلافةِ للفاضل مع وُجُود الأفضل؛ فإنَّ عثمان جواز انعقاد وعليّاً - رضي الله عنهما - أفضلُ من أبي عبيدة - رضي الله عنه - بالاتفاق، ومع الفاضل الخلافة ذلك فقد حَكَما بصحّة إمامته عليهما - أن لو كان حيّاً -. وقد اختلفَ العلماءُ في هذه المسألة؛ ومذهبُ الجمهور: أنها تنعقدُ له - أعني للمفضول - وخالف في ذلك: عباد بن سلمان، والجاحظ، فقالا: لا ينعقدُ للمفضول على الفاضل، ولا يعتدُّ بخلافهما لما ذكرنا في الأصول، والصَّحيح: ما ذَهَبَ إليه الجمهور. و (قوله في للمرأة: ((إن لم تجديني فائتي أبا بكر))) زعم مَن لا تحقيقَ عنده مِنَ المتأخرین: أن هذا نصٌّ على خلافة أبي بکرٍ - رضي الله عنه - ولیس کذلك، وإنما يتضمَّن الخبرَ عن أنَّه يكون هو الخليفةُ بعده؛ لكن بأيِّ طريقٍ تنعقدُ له؟ هل بالنصِّ عليه، أو بالاجتهاد؟ هذا هو المطلوب، ولم ينصَّ عليه في الحديث، وكذلك قولُهُ وَله: ((ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك حتى أكتبَ كتاباً ... )) الحديث إلى قوله: ((يأبى اللَّهُ والمؤمنون: إلا أبا بكر)) ليس نصّاً في استخلافه، وإنما يدلُّ على إرادة استخلافه، ولم ينصَّ عليه، أَلاَ ترى أنه لم يكتبْ، ولم ينصَّ، والحاصلُ: أنَّ هذه الأحاديثَ ليستْ نصوصاً في ذلك، لكنها ظواهرُ قويَةٌ إذا انضاف إليها استقراءُ ما في الشّريعة ممَّا يدلُّ على ذلك المعنى علم استحقاقه (١) رواه أحمد (١٣٣/٣)، والبخاري (٧٢٥٥)، ومسلم (٢٤١٩) (٥٣). ٠ ٢٥٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٥) باب: فضائل أبي بكر الصديق مُتمنٍّ ويقول قائل: أنا أَولى به ويأبى اللَّهُ والمؤمنون إلا أبا بكر)). رواه أحمد (١٤٤/٦)، والبخاريُّ (٥٦٦٦)، ومسلم (٢٣٨٧). إجماع خلافة أبي بكر وفاة أبي بكر للخلافة، وانعقادها له ضرورةٌ شرعيةٌ، والقادحُ في خلافته مقطوعٌ بخطئه، وتفسيقه. وهل يُكفَّرُ أم لا؟ مُخْتَلَفٌ فيه، والأظهرُ: تكفيرُه لمن استقرأ ما في الصحابة على الشَّريعة، مما يدلُّ على استحقاقه لها، وأنه: أحقُّ وأولى بها، سيما وقد انعقدَ إجماعُ الصَّحابة على ذلك، ولم يَبْقَ منهم مُخالِفٌ في شيءٍ ممَّا جرى هنالك. وكانت وفاةُ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - على ما قاله ابنُ إسحاق: يوم الجمعة لسبع ليالٍ(١) بقين من جمادى الآخرة سنة ثلاث عشرة. وقال غيره: إنه مات عشيّة يوم الإثنين. وقيل: عشية يوم الثلاثاء لثمانٍ بقين من جمادى الآخرة. هذا قولُ أكثرهم. قال ابن إسحاق: وتوفي على رأس سنتين وثلاثة أشهر واثنتي عشرة ليلة من متوفى رسول الله صل﴿ وقال غيره: وعشرة أيام. وقيل: وعشرين يوماً. ومكث في خلافته سنتين وثلاثة أشهر إلا خمس ليالٍ. وقيل: وثلاثة أشهر وسبع ليالٍ. واختلف في سبب موته؛ فقال الواقدي: أنه اغتسلَ في يومٍ باردٍ فَحُمَّ، ومرضَ خمسةَ عشر يوماً. وقال الزُبير بن بكار: كان به طرفٌ من السِّلِّ. ورُوي عن سلام ابن أبي مطيع: أنه سُمَّ. والله أعلم. وقد تقدَّم: أنه مات وهو ابن ثلاث وستين سنة . (١) في (ع) و(م ٤): لتسع، وفي البداية والنهاية (١٨/٧) لثمان. ٢٥١ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب (٣٦) باب فضائلٍ عمرَ بنِ الخطّابِ [٢٣٠١] عن ابن عباسٍ، قال: وُضِع عمر بنُ الخطاب على سريره، فتكنَّفَهُ النَّاسُ يَدعُون ويُثْنُون ويُصلُّون عليه قبل أن يُرفعَ، وأنا فيهم. قال: (٣٦) ومن باب: فضائل عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - ويكنَّى: أبا حفصٍ، وهو ابنُ الخطاب بن نفيل بن عبد العزَّى بن رباح بن نسب عمر عبد الله بن قرط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي، يجتمع نَسَبُه مع نسب وإسلامه رسول الله وَ﴿ في كعب. أسلم سَنَة ستُّ من النبوّة. وقيل: سنة خمسٍ بعد أربعين رجلاً، وإحدى عشرة امرأة. وقيل: بعد ثلاث وثلاثين رجلاً. وقيل: إنه تمام الأربعين. وسُمِّ الفاروقُ؛ لأنه فرَّق بإظهار إسلامه بين الحقِّ والباطل. وقتال تلقيبه الكفار عليه يوم أسلم، ونزل جبريلُ - عليه السلام - على رسول الله صلَّه فقال: بالفاروق يا محمد! استبشَرَ أهل السماء بإسلام عمر. حُفِظ له من الحديث خمسمئة وتسعة(١) وثلاثون حديثاً، أخرج له منها في الصحيحين أحدٌ وثمانون حديثاً، توفي - رضي الله عنه - مقتولاً. قتله أبو لؤلؤة فيروز غلام المغيرة بن شُعبة، لثلاثٍ بقين وفاته رضي الله من ذي الحجة سنة ثلاث وعشرين، طعنه العلجُ بسكين في يده ذات طرفين، عنه وطَعَن فيه اثني عشر رجلاً، مات منهم تسعة، ثم رمى على العلج رجلٌ من أهل العراق برنساً(٢)، فحبسه، فوجأ نفسه، وكانت خلافة عمر - رضي الله عنه - عشر سنين وستة أشهرٍ، وتوفي وهو ابنُ ثلاثٍ وستين سنةً كما تقدَّم. و (قوله: ووُضِع عمر - رضي الله عنه - على سريره، فتكثَّفه النَّاس) يعني: بعد موته وتجهيزه للذَّفن. والسَّرير هنا: هو النَّعش، وتكنَّفه النَّاس: أي صاروا (١) في (م ٤): وسبعة. (٢) ((البرنس)): كلُّ ثوبٍ يكون غطاء الرأس جزءاً منه مُنَّصلاً به. ٢٥٢ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب فلم يَرُعْني إلا برجلٍ قد أخذ بِمَنْكِبِيْ مِنْ ورائي، فالتفتُّ؛ فإذا هو عليٌّ، فترخَّم على عمر. وقال: ما خَلَّفْتَ أحداً أحبّ إليَّ أن أَلْقَى الله بمثل عَمَلِهِ مِنْكَ، وايمُ الله! إن كنتُ لأظنُّ أنْ يجعَلكَ اللَّهُ مع صاحِبَيك، وذلك أنِّي كُنْتُ أُكَثِّر أسمعُ رسولَ اللهِ وَّهِ يقول: ((جِثْتُ أنا وأبو بكرٍ وعمرُ، ودخلْتُ أنا وأبو بكرٍ وعمر، وخرجتُ أنا وأبو بكرٍ وعُمر) فإنْ كنتُ لأَرْجُو - أو: لأَظُنُّ - أن يجعلك الله مَعَهُما. رواه أحمد (١١٢/١)، والبخاريُّ (٣٦٧٧)، ومسلم (٢٣٨٩). [٢٣٠٢] وعن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله وَله: ((بينا أنا نائمٌ رأيتُ الناسَ يُعرضُون وعليهم قُمُصٌ؛ منها ما يبلغُ الثُّدِيَّ، ومنها ما بکنفَيْه. أي: جانبيه. والكنف والكنيف: الجانب. و (يصلُّون عليه) أي: يترَّّمون عليه. و (لم يَرُغْني) أي: يفزعني فينبهني. وأصلُ الرَّوع: الفَزَع. وهذا الحديثُ ردٌّ مِن عليٍّ - رضي الله عنه - على الشّيعة فيما يتقوّلونه عليه من بُغْضه للشيخين، ونسبته إياهما إلى الجَوْر في الإمامة، وأنَّهما غصباه. وهذا كلُّه كذبٌ وافتراء؛ عليٍّ - رضي الله عنه - منه براء. بل المعلومُ مِن حاله معهما تعظيمه ومحبَّته لهما، واعترافه بالفضل لهما عليه وعلى غيره. وحديثه هذا ينصُّ ثناء علي على على هذا المعنى، وقد تقدَّم ثناءُ عليٍّ على أبي بكرٍ - رضي الله عنهما - واعتذاره أبي بكر وبيعته عن تخلُّفه عن بيعته، وصحَّة مبايعته له، وانقياده له مختاراً طائعاً سرّاً وجهراً، له وكذلك فَعَل مع عُمر - رضي الله عنهم أجمعين - وكلُّ ذلك يُكذِّبُ الشيعة رؤيا نبوية والروافضَ في دعواهم، لكن الأهواء(١) والتعصُّب أعماهم. و (قوله: ((بينا أنا نائم والنَّاس يعرضون عليَّ ... الحديث) هؤلاء النَّاس وتأويلها (١) في (ع) و(م ٤): الهوى. ٢٥٣ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب يبلغُ دُون ذلك، ومرَّ عُمر بنُ الخطاب وعليه قَمِيصٌ يَجُرُّه)). قالوا: ماذا أَوَّلتَ ذلك يا رسول الله؟! قال: ((الدِّينَ)). رواه أحمد (٨٦/٣)، والبخاريُّ (٢٣)، ومسلم (٢٣٩٠)، والترمذيُّ (٢٢٨٦). [٢٣٠٣] وعن عبد الله بن عمر، عن رسول الله وص له قال: ((بينا أنا نائمٌ، إذ رأيتُ قَدَحاً أُتَيتُ به، فيه لَبَنٌ، فشربتُ منه حتى إنِّي لأرى الرِّيَّ يجري في أظْفَارِي، ثمَّ أُعْطَيْتُ فَضْلي عُمرَ بنَ الخطاب)) قالوا: فما أَوَّلتَ ذلك يا رسول الله؟ قال: ((العلم)). رواه أحمد (٨٣/٢)، والبخاريُّ (٣٦٨١)، ومسلم (٢٣٩١)، والترمذيُّ (٢٢٨٤). المعروضون على رسول الله ﴿ في النّوم هم مَنْ دون عمر في الفضيلة، فلم يدخل فيهم أبو بكر، ولو عُرِض أبو بكر - رضي الله عنه - عليه في هذه الرواية لكان قميصُه أطول، فإنَّ فَضْلَه أعظم، ومقامه أكبر على ما تقدَّم. وتأويل القميص بالدِّين مأخوذٌ من قوله تعالى: ﴿وَلِيَاسُ اَلنَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦] والعربُ تكني عن الفضل والعفاف بالثياب، كما قال شاعرهم(١): ثِيَابُ بَنِي عَوْفٍ طَهَارَى نَقِيَّةٌ (٢) وقد قال النبيُّ وَّ﴿ لعثمان - رضي الله عنه -: ((إنَّ اللَّهَ سيلبسك قميصاً، فإن أرادوك أن تخلعَه فلا تخلَعْه)»(٣). فعبَّر عن الخلافة بالقميص. وهي استعارةٌ حَسَنةٌ (١) هو امرؤ القيس. (٢) عجز البيت: وأوجهُهُم بيضُ المسافرِ غُرَّانُ. كذا في اللسان. وفي الديوان: وأوجههم عند المشاهد غران. (٣) رواه ابن ماجه (١١٢). ٢٥٤ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب [٢٣٠٤] وعنه: أنَّ رسول الله وَّه قال: «أُريتُ كأنِّي أنزِعُ بدَلْوِ بَكْرةٍ على قَليبٍ، فجاء أبو بكرٍ فنزعَ ذنوباً أو ذنوبين، فنزع نَزْعاً ضعيفاً، واللَّهُ ۔ تبارك وتعالى - یغفر له، معروفةٌ. وتأويله وَ ﴿ اللبنَ بالعلم تأويلٌ حسنٌ ظاهر المناسبة؛ وذلك: أنَّ اللبنَ غذاءٌ مُستطابٌ، به صلاحُ الأبدان، ونموُّها من أول فطرتها ونشوئها، خلا عن الأضرار والمفاسد. والعلم كذلك يحصلُ به صلاحُ الأديان والأبدان، ومنافع الدُّنيا والآخرة مع استطابته في نفسه. وقد يدلُّ في التعبير على دوام الحياة؛ إذ به كانت. وقد يدلُّ على الثَّواب؛ لأنَّه مذكورٌ في أنهار الجنَّة. و (قوله وَّهِ: ((أُرِيتُ أَنِّي أنزعُ في دلوِ بكرةٍ على قليبٍ))) أنزع: أستقي. وأصلُ النَّع: الجذب. والقليب: البئر غير المطوّة، وهي التي عبّر عنها في الرّواية الأخرى بالحوض. والحوض: مجتمعُ الماء. والبكرة: الخشبةُ المستديرة التي تدورُ بالحبل. و (قوله: ((فجاء أبو بكرٍ فنزعَ ذَنُوباً أو ذَنُوبين فنزعَ وفي نزعه ضَعْفٌ، والله يغفرُ له))) الذَّنُوب: الدَّلو، والغربُ أكبرُ منها. وقوله: ((ذنوباً أو ذنوبين)) هو شكٌّ من بعض الزّواة، وقد جاء بغير شكِّ: ((ذنوبين)) في الرواية الأخرى. وهي أحسن. وهذه الرُّؤيا هي مثالٌ لما فتح اللَّهُ تعالى على يدي النبيِّ ◌َلي ويدي الخليفتين بعده من الإسلام والبلاد والفيء، فالنبيُّ وَّرِ هو مبدأُ الأمر ومُمَكَّنٌ منه، وأبو بكر - رضي الله عنه - بعده، غير أنَّ مقدارَ ما فتح اللَّهُ على يديه من بلاد الكفر قليل؛ لأنَّ مُدَّةَ خلافته كانت سنتين وثلاثة أشهر؛ اشتغل في معظمها بقتال أهل الرِّدَّة، ثمَّ عهد أبي بكر لما فرغ منها أَخَذَ في قتال أهل الكُفْر، ففتح (١) في تلك المذَّة بعض العراق وبعض الشَّام، ثمّ مات - رضي الله عنه - ففتح الله على يدي عمر - رضي الله عنه - سائر الفتوحات في وعمر (١) في (م ٤): ففتحت له. ٢٥٥ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب ثم جاء عمرُ فاستقى، فاستحالت غَرْباً، فلم أرَ عبقرياً من الناس يَفْرِي فَرْيَهُ، البلاد، وانَّسعت خطَّةُ الإسلام (شرقاً وغرباً وشاماً)(١)، وعظمت الفتوحاتُ، وكثرت الخيراتُ والبركاتُ التي نحن فيها حتَّى اليوم. فعبَّر عن سنتي خلافةٍ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - بالذّنُوبين، وعن قلَّة الفتوحاتِ فيها بالضَّعف، ولیس ذلك وهناً في عزيمته، ولا نَقْصاً في فَضْله على ما هو المعروف من همَّته، والموصوف من حالته. وقوله: ((والله يغفر له)) لا يظنُّ جاهلٌ بحال أبي بكر - رضي الله عنه -: أنَّ هذا الاستغفارَ لأبي بكرٍ كان لذنبٍ صَدَر عنه، أو لتقصير حَصَلَ منه؛ إذ ليس في المنام ما يدلُّ على شيءٍ من ذلك، وإنَّما هذا دعامٌ للكلام، وسنادٌ، وصلةٌ، وقد تقدَّم في الحديث: أنَّها كانت كلمةً يقولها المسلمون: افعل كذا والله يغفر لك. وهذا نحو قولهم: تربت يمينُك، وأنَّت! وقاتله الله! ونحو ذلك ممَّا تستعمله العربُ في أضعاف كلامها على ما تقدَّم. و (قوله: ((فاستحالتْ في يده غرباً)) أي: الدَّلوُ الصَّغيرة عادتْ في يده دلواً کبیرةً. و (قوله: ((فلم أَرَ عبقرياً من النَّاس يفري فريه))) قال الأصمعيُّ: سألتُ أبا عمرو بن العلاء عن العبقريِّ فقال: يقال: هذا عبقريُّ قومه، كقولهم: سيِّد قومه وكبيرهم وقويُهم. قال أبو عبيد: وأصله: أنَّه نسبةٌ إلى أرضٍ تسكنها الجن، فصارت مثلاً لكلِّ منسوبٍ لشيءٍ رفيع. ويقال: بل هي أرضٌ يُعمل فيها الوشي والبرود، يُنسب إليها الوشي العبقريُّ، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَبْقَرِيّ حِسَانِ﴾ [الرحمن: ٧٦] وقال أبو عبيد: العبقريّ: الرجل الذي ليس فوقه شيء. ويفري فَزْيَه: الرواية المشهورةُ بكسر الراء وتشديد الياء، وتُروى بتسكين الراء وتخفيف - (١) كذا في (ز) و(م ٣). وفي (ع): شرقاً وعراقاً وشاماً. وفي (م ٤): شرقاً وغرباً وعراقاً وشاماً. ٢٥٦ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب حتى رويَ الناسُ، وضربوا العطنَ)). رواه البخاريُّ (٣٦٨٢)، ومسلم (٢٣٩٣)، والترمذيُّ (٢٢٩٠). [٢٣٠٥] وفي روايةٍ: ((حتى ضرب الناس بعطن)). هذه الرواية من حديث أبي هريرة عند أحمد (٣٦٨/٢)، والبخاريُّ (٧٠٢١)، ومسلم (٢٣٩٢). [٢٣٠٦] وعن أبي هريرة، عن رسول الله وَ ل﴿ قال: ((بينا أنا نائم أُريتُ أَنِّي أنزعُ على حوضٍ أسقي النَّاسَ، فجاءني أبو بكرٍ فأخذ الدَّلو من يدي لِيُروِّحَني، فنزع دَلْوَين؛ وفي نزعه ضعفٌ، واللَّهُ يغفر لهُ. فجاء ابنُ الخَطَّاب فأخذ منهُ، فلم أرَ نزع رجلٍ قطُّ أقوى منه حتى تولَّى الناسُ؛ والحوضُ ملَّن يَتَفَجَّرُ)). رواه البخاريُّ (٧٠٢٢)، ومسلم (٢٣٩٢) (١٨). الياء، وأنكر الخليلُ التثقيل، وغلَّط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويقوى قوته، وأصل الفري: القطع. يقال: فلانٌّ يفري الفري، أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْجِئْتِ شَيْئًافَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧]، أي: عظيماً بالغاً في فتّه. يقال: فريت الأديم إذا قطعته على جهة الإصلاح، وأفريته: إذا قطعته على جهة الإفساد. و (قوله: ((حتى روي الناس، وضربوا العطن))) رُوي - بكسر الواو وفتح الياء -: فعل ماضٍ، ومضارعه يروَى - بفتح الواو - من الرِّيِّ: وهو الامتلاءُ من الشراب، ومعناه: أنهم رووا في أنفسهم. وضربوا العطن؛ أي: رووا إبلهم، وأصله أنهم يسقون الإبل، ثم يعطنونها، أي: يتركونها حول الحياض لتستريح، ثم يعيدون شُرْبَها، يقال منه: عطنت الإبل، فهي عاطنة، وعواطن، وأعطنتها أنا. حكاه ابن الأنباري. وفي الصحاح: عطنت الجلد، أعطنه عطناً، فهو معطون: إذا ٢٥٧ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب [٢٣٠٧] وعن جابر، عن النَّبيِّ نَ ◌ّهِ قال: ((دَخلْتُ الجنَّة فرأيتُ فيها داراً - أو قصراً - فقلتُ: لمن هذا؟ قالوا: لعمرَ بنِ الخطاب، فأردتُ أن أدخُلَ، فذكرتُ غَيْرِتَكَ))، فَبَكَى عمرُ وقال: أيْ رسول الله! أو عليكَ يُغارُ؟. رواه أحمد (٣٠٩/٣)، والبخاري (٧٠٢٤)، ومسلم (٢٣٩٤). ألقيته في الماء والملح والعَلْقى (١) ليتفسخ صوفه ويسترخي، وعَطِنَ الإهابُ - بالكسر - يَعْطَنُ عَطَناً فهو عَطِنٌ: إذا أنتن وسقط في العطن وقد انعطن. والعَطن والمَعْطِنُ واحِدُ الأعطانِ والمعاطِنِ، وهي مَبَارِكُ الإبل عند الماء لتشربَ عَلَلاً بعد نهل، وعَطَنَتِ الإبلُ - بالفتح - تَعْطُن، وتَعْطِن عُطُوناً: إذا رَوِيَتْ ثم بَرَكَتْ، فهي: إبل عَاطِنة، وعَوَاطِنُ، وقد ضَرَب بعطن، أي: بركتْ إبله. قال ابنُ السِّكُيت: وكذلك تقول: هذا عطن الغنم ومعطنها: لمرابضها حول الماء. قلتُ: وقد جاء معنى هذه الرواية مفسراً في الرواية الأخرى التي قال فيها: فجاء عمر فأخذه منِّي، يعني: الدلو، فلم أر نزع رجلٍ قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملّانٌ يتفجر. وفي هذه من الزيادة ما يدلُّ على أن عمر - رضي الله عنه ۔ یُتَوَنی ویبقی النصر والفتح بعده متصلاً، وکذلك کان - رضي الله عنه -. و (قوله في الأصل: ((دخلت الجنة فإذا امرأةٌ تتوضَّأ إلى جانب قصرها))(٢)) كذا الرواية الصَّحيحة المعروفة، وقد ذكره ابنُ قتيبة، وقال: امرأة (شوهاء) مكان (تتوضأ)، وفسَّرها بالحسنة. وذكر ثعلب عن ابن الأعرابي: أن الشوهاء: الحسنة والقبيحة، فهو من الأضداد. ووضوء هذه المرأة في الجنة إنما هو لتزداد حُسْناً يبقى الفتح بعد عمر متصلاً (١) ((العلقى)): نبت. (٢) هذا القول ورد في رواية أبي هريرة كما في صحيح مسلم (٢٣٩٥) (٢١)، وورد في التلخيص مختصراً برقم (٢٧١٥). ٢٥٨ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب [٢٣٠٨] وفي حديث أبي هريرة: أعليك أغار؟. رواه أحمد (٣٣٩/٢)، والبخاريُّ (٣٢٤٢)، ومسلم (٢٣٩٥)، وابن ماجه (١٠٧). [٢٣٠٩] وعن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ، قال: استأذنَ عمرُ على رسول الله وَ له وعنده نساءٌ من قريش يُكلِّمنَهُ ويَسْتَكْثِرِنَه، عاليةً أصواتُهُنَّ. فلما استأذنَ عمرُ قُمْن يَبْتَدِرْنَ الحجابَ، فأذِنَ له رسولُ اللهِ وَله، ورسولُ اللهِ وَلِّ يَضحَكُ. فقال عمر: أضْحكَ اللَّهُ سِنَّكَ يا رسول الله! قال رسول الله وَّه: ((عَجِبْتُ مِنْ هؤلاء اللاتي كُنَّ عندي، فلمَّا سَمِعْنَ صَوتَكَ ابْتَدَرْنَ الحِجابَ)). قال عُمر: فَأَنْتَ، يا رسول الله! أحقُ أن يَهَبْنَ. ثم قال عُمر: أَيْ عدوَّاتِ أَنفُسِهِنَّ اتَهَبْني ولا تَهَبْنَ رسولَ الله وَ ارِ؟! فقُلْنَ: نعم؛ أنت أغلظُ وأفظُّ من رسول الله وَ ◌ّهِ. قال رسول الله مَّ: ((والذي نفسي ونُوراً، لا لتزيل وسخاً، ولا قَذراً؛ إذ الجنة مُنَزَّهةٌ عن ذلك، وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((أمشاطُهم الذهب، ومجامرهم: الألوَّة)» (١) على ما يأتي. و (قوله: استأذن عمر - رضي الله عنه - على رسول الله وَّل ونسوة من قريش يكلّمنه، ويستكثرنه) أي: من مكالمته، ويُحتمل: أنهن يسألنه حوائجَ كثيرة. و (قوله: ((عالية أصواتهن))) قيل: يحتملُ أن يكونَ هذا قبل نزول قوله تعالى: ﴿لَا تَرْفَعُواْ أَصْوَتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِ﴾ [الحجرات: ٢]، وقيل: يحتملُ أنَّ ارتفاع أصواتهن لكثرتهن، واجتماع كلامهن، لا أنهن رفعن أصواتهن. قلتُ: ويحتملُ أن يكونَ فيهن مَن کنَّ جهوریات الأصوات، لا يقدرن علی خفضها، كما كان ثابتُ بن قيس بن شماس، والله أعلم. (١) رواه البخاري (٣٣٢٧)، ومسلم (٢٨٣٤) (١٥). ٢٥٩ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب بيده! ما لَقِيَكَ الشيطانُ قطُ سَالِكاً فجّاً إلا سلك فجّاً غَيْرَ فجِّكَ)). رواه أحمد (١٧١/١)، والبخاريُّ (٣٦٨٣)، ومسلم (٢٣٩٦). [٢٣١٠] وعن عائشة، عن النَّبيِّ وَلِ﴿َ أنَّه كان يقول: ((قد كان يكون في الأمم قبلكم محدّثُون،. و (قوله: ((ما لقيك الشيطانُ قطُّ سالكاً فجّاً إلا سَلَك فجّاً غير فجِّك))) الفجُّ: مجانبة الطريقُ الواسع، وهو أيضاً: الطريقُ بين جبلين، والظَّاهر: بقاءُ هذا اللفظ على ظاهره، ويكون معناه: أنَّ الشیطان یهابه ويُجانبه، لما يعلم من هيبته، وقوَّته في الحقِّ، فيفرُ منه إذا لقيه، ويكونُ هذا مثل قوله ◌ِوَ ل﴿ في الحديث الآخر: ((إنَّ الشيطانَ لَيَفْرَقُ منك يا عمر))(١). ويعني بالشيطان: جنس الشَّياطين، ويحتملُ أن یکون ذلك مثلاً لِبُعْده عنه، وأنه لا سبيل له علیه، والأوَّل أولى. الشيطان وهيبته منه و (قوله: ((قد كان يكون في الأمم قبلكم مُحدَّثون))) ((كان)) الأولى: بمعنى الأمرُ والشَّأن، أي: كان الأمرُ والشأن، وهي نحو ليس في قولهم: ليس خَلَق اللَّهُ مِثْلَه. وتكون الثانيةُ ناقصة، واسمها محدَّثون، وخبرها في المجرور، ويصح أن تكون تامَّةً، وما بعدها أحوال. ومُحدَّثُون - بفتح الدال ـ هي الرواية اسم مفعول، وقد فسَّر ابنُ وهب المحدَّثين بالملهمين، أي: يُحدَّثون في ضمائرهم بأحاديث الإلهام صحيحة، هي من نوع الغيب، فيظهر على نحو ما وقع لهم، وهذه كرامةٌ يكرم اللَّهُ والفراسة كرامة تعالى بها من يشاء من صالحي عباده، ومِن هذا النوع ما يقال عليه: فراسةٌ للصالحين من الله وتوسُّمٌّ، كما قد رواه الترمذيُّ من حديث أبي سعيد الخدريِّ - رضي الله عنه - قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((انَّقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظرُ بنور الله)) ثم قرأ: ﴿إِنَّفِ ذَلِكَ لَيَتٍ لِلْمُتَّوَسّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥](٢)، وقد تقدَّم القولُ في نحو هذا، وقد قال (١) رواه أحمد (٣٥٣/٥). (٢) رواه الترمذي (٣١٢٧). ٢٦٠ (٣٣) كتاب النبوات - (٣٦) باب: فضائل عمر بن الخطاب فإنْ يكنْ في أمتي منهمْ أحدٌ؛ فإنَّ عمر بن الخطاب مِنْهُم)). قال ابن وهب: تفسيرُ محدَّثون: مُلْهَمُونَ. رواه أحمد (٥٥/٦)، ومسلم (٢٣٩٨)، والترمذيُّ (٣٦٩٣)، والنسائيُّ في الكبرى (٨١٢٠). بعضُهم: إنَّ معنى محدَّثين: مُكلَّمون، أي: تكلِّمهم الملائكة. قلتُ: وهذا راجعٌ لما ذكرته، غير أنَّ ما ذكرته أعمّ، فقد يخلق اللَّهُ تعالى الأحاديثَ بالغيب في القلب ابتداءً من غير واسطة مَلَك، وقال بعضُهم: إنَّ معناه أنهم مصيبون فيما يظنُّونه، وإليه ذهب البخاريُّ، وهذا نحو من الأوَّل، غير أنَّ الأوَّلَ أعمُّ، والله أعلم. عمر أحدُ المحدّثین و (قوله: ((فإن يكن في أمتي أحدٌ منهم فعمر)) (١)) دليلٌ على قلَّة وقوع هذا وندوره، وعلى أنه ليس المرادُ بالمحدّثين المصيبين فيما يظنُّون؛ لأنَّ هذا كثيرٌ في العلماء والأئمة الفضلاء، بل: وفي عوام الخلق كثير ممن يقوى حدسُه فتصح إصابتُه فترتفع خصوصيةُ الخبر، وخصوصية عمر - رضي الله عنه - بذلك، ومعنى هذا الخبر قد تحقَّق، ووُجِد في عمر قطعاً؛ وإن كان النبيُّ ونَ ﴿ لم يجزم فيه بالوقوع، ولا صرَّح فيه بالأخبار؛ لأنه إنما ذكره بصيغة الاشتراط، وقد دلَّ على وقوع ذلك لعمر حكاياتٌ كثيرةٌ عنه، كقصَّة: الجبل يا سارية(٢)، وغيره، وأصُ ما يدلُّ على ذلك: شهادة النبيِّ ◌َ﴿ له بذلك، كما رواه الترمذي عن ابن عمر مرفوعاً: ((إِنَّ اللَّهَ جَعَل الحقَّ على لسان عمر وقلبه)) وقال ابنُ عمر - رضي الله عنهما -: ما (١) في صحيح مسلم: (فإن يكن في أمتي منهم أحد فإنَّ عمر بن الخطاب منهم)). وما ذكره المصنف - رحمه الله - هو رواية أحمد والترمذي والنسائي. (٢) ذكر ابن حجر هذه القصة في الإصابة (٥٣/٣) وعزاها الواقدي وسيف بن عمر وغيرهما.