Indexed OCR Text

Pages 181-200

١٨١
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
ربي يوم القيامة ولا فخر))(١). وخصوصاً على إبراهيم؛ الذي هو أعظم آبائه
وأشرفهم.
منزلته عند
الله تعالی
وثانيهما: أنه * قال ذلك قبل أن يعلمَ بمنزلته عند الله تعالى، ثم إنه أُعلم
بأنه أكرمُ وأفضلُ، فأخبر به كما أُمر، ألا ترى أنَّه كان في أوَّل أمره يسألُ أن يبلغَ
درجة إبراهيم من الصلاة عليه والرحمة، والبركة، والخُلَّة، ثم بعدَ ذلك أخبرنا أنَّ
الله تعالى قد أوصله إلى ذلك لمَّا قال: ((إن الله تعالى قد اتخذني خليلاً كما انّخذ
إبراهيم خليلاً)»(٢) ثم بعد ذلك زاده الله من فضله، فشرَّفه، وكَّمه، وفضَّله على
جميع خلقه، وقد أُورِدٍ على كل واحدٍ من هذين الوجهين استبعاد. قال: رُدَّ على
الأول؛ أن قيل: كيف يصُ من الصادق المعصوم أن يُخبرَ عن الشيء بخلاف ما
هو عليه لأجل التواضع والأدب؟ والوارد على الثاني: أن ذلك خبرٌ عن أمرٍ
وجوديٍّ، والأخبار الوجودية لا يدخلُها النسخ. والجواب عنهما: أن يقال(٣): إن
ذلك ليس إخباراً عن الشيء بخلاف ما هو عليه، فإنَّه تواضع يمنع إطلاق ذلك
اللفظ عليه، وتأذُبٌّ مع أبيه بإضافة ذلك اللفظ إليه، ولم يتعرَّض للمعنى، فكأنه
قال: لا تطلقوا هذا اللفظ عليَّ، وأطلقوه على أبي إبراهيم أدباً معه، واحتراماً له.
ولو صرَّح بهذا لكان صحيحاً غير مستبعد، لا عقلاً، ولا نقلاً، وهذا كما قال: ((لا
تفضلوني على موسى))(٤). أي: لا تقولوا: محمد أفضل من موسى مخافة أن يُخيّل
نقص في المفضول، كما قدَّمناه ويأتي. بهذا أظهرَ هذا اللفظ: أن ذلك راجعٌ إلى
الأخبار
الوجودية لا
يدخلها النسخ
(١) رواه الترمذي (٣٦٢٠) وإسناده ضعيف.
(٢) رواه مسلم (٥٣٢).
(٣) في (م ٢) و (ع): نقول.
(٤) رواه مسلم (٢٣٧٣)، وأبو داود (٤٦٧١)، والترمذي (٣٢٤٠) بلفظ: ((لا تخيروني
علی موسی».

١٨٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
[٢٢٨١] وعن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَليقول: ((اخْتتن إبراهيم
عليه السلام، وهو ابن ثمانين سنةً بالقَدُومِ».
رواه أحمد (٣٢٢/٢)، والبخاريُّ (٣٣٥٦)، ومسلم (٢٣٧٠).
منع إطلاق لفظٍ وإباحته، فذلك خبرٌ عن الحكم الشرعي، لا عن المعنى
الوجوديّ، وإذا ثبت ذلك جاز رفعه، ووضعُه، وصحَ الحكم به، ونسخُه من غیر
تعرُّض للمعنى، والله أعلم.
سلَّمنا أنه خبر عن أمر وجوديٌّ، لكن لا نُسلِّم أن كلَّ أمر وجوديٍّ لا يتبدَّل،
بل: منها ما يتبدّل، ولا يلزم من تبدُّله تناقض، ولا مُحالٌ، ولا نسخٌ؛ كالإخبار عن
الأمور الوضعية. وبيان ذلك: أن معنى كون الإنسان مكرّماً مفضَّلاً إنما ذلك
بحسب ما يُكَّم به، ويُفضّل على غيره، ففي وقت يُكَّم بما يُساوي فيه غيرَه، وفي
وقت يُزاد على ذلك الغير، وفي وقتٍ يُكرَّم بشيءٍ لم يكرَّم به أحدٌ، فيقال: غلبه
في المنزلة الأولى مكرَّم مقرَّب، وفي الثانية مفضَّل بقيد. وفي الثالثة، مفضَّل
مطلقاً، ولا يلزم من ذلك تناقضٌ، ولا نسخٌ، ولا مُحالٌ، وهذا واضحٌ وحسنٌ جداً
فاغتبطْ عليه(١)، وشدَّ عليه يداً.
اختتان إبراهيم
عليه السلام
و (قوله: ((اختتنَ إبراهيمُ عليه السلام بالقدوم، وهو ابن ثمانين سنة)))
اختلف الرواة في تخفيف دال القدوم وتشديدها، واختلفوا أيضاً في معناها. فالذي
عليه أكثرُ الرُّواة التخفيف، ويعني به: آلة النَّار، وهو قول أكثر أهل اللغة في آلة
النِّجارة. ورواه بعضهم مُشدَّداً. وفسَّره بعض اللغويين: بأنه موضع معروف
بالشام، ومنهم من قال: بالسَّرَاة، وحكي عن أبي جعفر اللُّغوي: قدُّوم: المكان
مشدَّد، معرفة، لا تدخله الألف واللام، قال: ومن رواه في حديث إبراهيم
عليه السلام مخفّفاً فإنما يعني بها الآلة التي يُنجر بها، وفي الصحاح: القدوم:
(١) في (م ٢) و (ع): به.

١٨٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
الذي يُنحت به مخفّفاً. قال ابن السُّكيت: لا تقل: قدُّوم بالتشديد، والجمع: قُدُمٌ.
قال الأعشى:
أقامَ بِهِ شَاهَبُورُ الجُنُو دَ حَوْلَيْنِ يَضْرِبُ فِيهِ القُدُمْ
وجمع القُدُم: قدائم، مثل: قُلُص وقلائص، والقدوم أيضاً: اسم موضع
مخفّف.
قلتُ: ويحصل من أقوالهم: أن القدوم إذا أريد به الآلة فهو مخفّف، وإذا
أريد به الموضع ففيه التشديد والتخفيف، ويحتمل أن يُراد بالقدوم في الحديث:
الآلة والموضع.
و (قوله: ((وهو ابن ثمانين سنة))) وفي غير كتاب مسلم: أنه اختتن وهو ابن
ثمانين سنة، وعاش مئة وعشرين سنة. قال القاضي عياض - رحمه الله -: قد جاء
هذا الحديث من رواية مالكٍ، والأوزاعي، وفيه: اختتن إبراهيم وهو ابن مئةٍ
وعشرين سنة. ثم عاش بعد ذلك ثمانين سنة. إلا أنَّ مالكاً ومن تابعَه وقفوه على
أبي هريرة.
قلتُ: قد تقدَّم: أنَّ إبراهيمَ أوَّلُ من اختتن، وأنَّ ذلك لم تزلْ سُنَّة عامَّةً إبراهيم عليه
معمولاً بها في ذريته وأهل الأديان المنتمين إلى دينه. وهو حكم التوراة على بني اختتن
إسرائيل كلِّهم، ولم تزل أنبياء بني إسرائيل يختتنون حتى عيسى عليه السلام، غير
أنَّ طوائف من النَّصارى تأوَّلوا ما جاء في التوراة من ذلك، بأنَّ المقصودَ زوال
غُلْفة القلب، لا جلدةِ الذَّكر، فتركوا المشروعَ من الخِتَان بضربٍ من الهذيان،
وليس هذا بأوّل جهالاتهم، فكم لهم منها وكم؟! ويكفيك من ذلك: أنَّهم زادوا
على أنبيائهم في الفهم، وغلَّطوهم فيما عملوا عليه، وقضوا به من الحكم. وقد
أسبغنا القول في هذا في كتاب الإعلام.
السلام أول من

١٨٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
[٢٢٨٢] وعنه: أنَّ رسولَ الله ◌َ ◌ّهِ قالَ: ((لم يكذب إبراهيمُ النَّبيُّ
عليه السلام قطّ إلا ثلاثَ كَذَباتٍ؛ ثِنتَين في ذات الله، قوله: ﴿إِنِّ سَقِيمٌ﴾
[الصافات: ٨٩]، وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣]
و (قوله: ((لم يكذب إبراهيمُ النبيُّ - عليه السلام - قطُّ إلا ثلاثَ كَذَباتٍ،
تأويل كذبات
إبراهيم عليه ثنتين في ذات الله: قوله: ﴿إنّي سقيم﴾. وقوله: ﴿بل فعله كبيرهم هذا﴾. وواحدةً
السلام
في شأن سَارة») قد تقدَّم الكلامُ على هذه الكذَبات في كتاب الإيمان، وذكرنا
هناك: أنها أربعٌّ، زيد فيها قوله للكوكب: ﴿هَذَارَبِ﴾ [الأنعام: ٧٧ و ٧٨] ولم
يذكرها في هذا الحديث، مع أنَّه قد جاءَّ بلفظ الحصر، فينبغي أَلا يقال عليها:
كَذْبَةٌ في حقِّ إبراهيم؛ إذ قد نَفاها الرَّسول ◌َّهِ بهذا الحصر، وإنما لم تُعدَّ عليه كذْبَةً
وهي أدخلُ في الكذب من هذه الثلاث؛ لأنَّه - والله أعلم - حين قال ذلك في حال
الطفوليّة، وليست حال تكلیف، ویقومي هذا المعنی قول من حکی عنه ذلك، كما
تقدَّم في الإيمان.
تكسير إبراهيم
للأصنام
و (قوله: ((اثنتين في ذات الله) أي: في الدفع عن وجود الله، وبيان حجَّته
على أن المستحقَّ للإلهية هو الله تعالى لا غيره، فاعتذر عمَّا دعوه إليه من الخروج
معهم بأنه سقيم، فورّى بهذا اللفظ، وهو يُريد خلاف ما فهموا عنه - كما بيَّناه في
الإيمان - حتى يخلوَ بالأصنام فيكسرَها، ففعل ذلك، وترك كبيرَ الأصنام لينسبَ إليه
كسرَها بذلك(١)، قولاً يقطعهم به، فإنهم لما رجعوا من عيدهم فوجدوا الأصنام
مكسَّرة: ﴿قَالُواْ مَنْ فَعَلَ هَذَا ◌ِخَالِهَتِنَّا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٩]، فقال
[الأنبياء: ٦٠] وكان هذا الذكر هو قول
يقال لهر
ـرهـ
أفتى يذد
بعضهم: ﴿ سَمِعْـ
إبراهيم لهم: ﴿وَتَأَلَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْتَمَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّواْ مُدِِّرِينَ﴾ [الأنبياء: ٥٧] فلما
أحضروه: ﴿قَالُوَاْ ءَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِثَالِتِّنَا بَإِبْرَهِيمُ﴾ [الأنبياء: ٦٢] فأجابهم بقوله:
(١) رواه مالك في الموطأ (٩٢٢/٢) موقوفاً على أبي هريرة بلفظ: ((خمس من الفطرة))
وأما الزيادة فرواها رزين كما في جامع الأصول (٤/ ٧٧٧).

١٨٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
وواحدةً في شأن سارة فإنَّه قدم أرض جبار ومعه سارة، وكانت أحسن
الناس، فقال لها: إنَّ هذا الجبّار إنْ يعلم أنَّكِ امرأتي يَغْلِيْنِي عليك، ....
﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيْرُهُمْ هَذَا فَسْتَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يَطِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٣] ﴿فَرَجَهُوْا
إِلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٤] أي: رجع بعضُهم إلى بعضٍ رجوع المنقطع عن حجّة
المتفطّن لحجَّة خصمه: ﴿فَقَالُواْ إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٤] أي: بعبادة
من لا ينطق بلفظة، ولا يملك لنفسه لحظة، فكيف ينفعُ عابديه، ويدفع عنهم
البأس من لا يرُ عن رأسه الفأس: ﴿ ثُمَّ تُكِسُواْ عَلَى رُءُوسِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٦٥]. أي:
عادوا إلى جهلهم وعنادهم، فقالوا: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلاءِ يَنْطِقُونَ﴾
[الأنبياء: ٦٥] فقال قاطعاً لما به يهذون، ومفحماً لهم فيما يتقوَّلون:
﴿أَفَتَعْبُّدُونَ مِن دُونِ الَّهِ مَا لَا يَنفَعُكُمْ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ * أُنِ لَّكُمْوَلِمَا تَعْبُدُونَ مِن
دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الأنبياء: ٦٦ - ٦٧].
و (قوله: ((ذات الله))) يعني به: وجود الله المنَّه عن صفات المخلوقات،
والمقدَّس عن ذوات المحدثات، وفيه دليلٌ على جواز إطلاق لفظ الذات على
وجود الله تعالى، فلا يُلتفت لإنكار من أنكرَ إطلاقه على المتكلِّمين.
و (قوله: ((وواحدةٌ في شأن سارة))) هذه الواحدة هي من إبراهيم عليه السلام
مدافعةٌ عن حكم الله تعالى الذي هو: تحريمُ سارة على الجبّار، والثنتان المتقدِّمتان
مدافعةٌ عن وجود الله تعالى، فافترقا، فلذلك فرّق في الإخبار بين النوعين.
و (قوله: ((إنْ يعلم أنَّكِ امرأتي يغلبْني عليكِ))) قيل: إن ذلك الجبّار كانت
سيرته : أنه لا يغلبُ الأخَ على أخته، ولا يظلمُه فيها، وكان يغلبُ الزوجَ على
زوجتِهِ، وعلى هذا يدلُّ مساقُ(١) هذا الحديث، وإلا فما الذي فرَّق بينهما في حقٌّ
جبارٍ ظالم؟.
(١) ليست في (ز) و(م ٣).

١٨٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
فإن سَأَلَكِ فأخبريه أنك أختي، فإنَّك أختي في الإسلام، فإنِّي لا أعلم في
الأرض مسلماً غيري وغَيركِ. فلما دخل أرضه رآها بعضُ أهلِ الجبَّار، أتاه
فقال له: لَقَدْ قَدِم أرضَكَ امرأةٌ لا ينبغي لها أن تكونَ إلا لَكَ، فأرسل إليْها
فأُتِي بها، فقامَ إبراهيم عليه السلام إلى الصلاة فلمَّا دخلت عليه لم يَتَمالَكْ
و (قوله: ((فإنْ سألك فأخبريه: أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام))) هذا
صحيح ليس فيه من الكذب شيء، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾
[الحجرات: ١٠] لكنْ لما كانَ الأسبق للفهم من لفظ الأخوّة إنما هو أخوَّة
النسب، كان من باب المعاريض؛ لأن ظاهرَ اللفظ يُوهم شيئاً، ومُراد المتكلِّم
غيره. وقيل عليه كذبٌ توسُّعاً، وأطلقَ النبيُّ وَ ﴿ عليها كذباً؛ لأن الله تعالى قد
أعلمَه: أن إبراهيم يُطلق ذلك على نفسه يوم القيامة كما تقدَّم في كتاب الإيمان،
وأيضاً: فليُنبُّه بذلك على أن الأنبياء مُنَزَّهون عن الكذب الحقيقي؛ لأنَّهم إذا كانوا
يَفْرَقُون من مثل هذه المعاريض التي يُجادلون بها عن الله تعالى، وعن دينه، وهي
من باب الواجب وتُعَدُّ عليهم؛ كان أحرى وأولى أن لا يصدرَ عنهم شيءٌ من
جواز
المعاريض
والحيل في
الكذب الممنوع، وفي هذا ما يدلُّ على جواز المعاريض والحِيَل في التخلّص من
الظَّلَمة. بل نقول: إنه إذا لم يُخلِّص من الظالم إلا الكذب الصُّرَاح جاز أن يكذبَه،
التخلص من بل: قد يجبُ في بعض الصُّور بالاتفاق بين الفِرَق، ككذبةٍ تنجي نبيّاً، أو ولياً ممن
الظالمين يُريد قتلَه، أو أمناً من المسلمين من عدوهم، وفيه: ما يدل على أنَّ العمل
العمل
بالأسباب
بالأسباب المعتادة التي يُرجى بها دفعُ مَضرَّةٍ، أو جلب منفعةٍ لا يقدح في التوكل،
لا يقدح بالتوكل خلافاً لما ذهبَ إليه جھَّال المتوكّلة، وقد تقدَّم کثیرٌ من نحو هذا.
و (قول الجبَّار لسَارة حين قُبِضت يده عنها: ادعي الله لي (١)) يدلُّ على أنَّ
هذا الجبّار كان عنده معرفة بالله تعالى، وبأن لِلَّه مِنْ عباده مَنْ إذا دعاه أجابَه، ومع
(١) ليست في التلخيص، ولا في صحيح مسلم. ووردت في جميع نسخ المفهم.

١٨٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
أن بَسَطَ يَدَهُ إليْها. فَقُبِضَتْ يَدُهُ قَبْضَةً شديدةً فقال لها: ادْعِي الله أن يُطْلِقِ
يَدي ولا أضُرُّكِ، ففَعَلَتْ، فعادَ، فَقُبِضَتْ أشدَّ من القبضة الأُولى، فقال لها
مثل ذلك، ففعلت، فعاد، فقبضت أشدّ من القبضتين الأُولَيَيْن. فقال:
ادعي الله أن يُطْلِقَ يدي، فَلَكِ اللَّهَ أنْ لا أضرُك! ففعلت، وأُطْلِقَتْ يدُه.
ودعا الذي جاء بها، وقال له: إنك إنما أتيتني بشيطانٍ، ولم تأتني
بإنسانٍ، فَأَخْرِجْها من أرضي، وأَعْطها هاجَرَ. قال: فأقبَلَتْ تمشي، فلما
رآها إبراهيم عليه السلام انصرف، فقال لها: مَهْيَمْ؟ قالت: خيراً؛ كَفَّ اللَّهُ
ذلك فلم يكن مسلماً؛ لأن إبراهيمَ - عليه السلام - قد قال لسارة: ((ما أعلمُ على
الأرضِ مسلماً غيري وغيرك)).
و (قول الجبّار: لَكِ اللَّهَ ألا أضرُكِ) الرواية فيه بالنصب، لا يجوز غيره،
وهو قَسَمِّ، ومُفْسَمٌ به، ومقسم عليه، وفيه حذف يتبيَّن بالتقدير، وتقدير ذلك:
أقسمُ بالله على أَلا أضرَّك، فحذف الخافضَ، فتعدَّى الفعل فَنَصَبَ، ثم حُذفَ فعل
القسم، وبقي المقسم به - وهو الله تعالى - منصوباً، وكذلك المقسم عليه وهو: أَلا
أضرَّك، يعني مفتوح همزة أَلا، ويجوز في أضرُّك رفع الراء على أن تكون أن
مخففةً من الثقيلة، ويجوز فيه النصب على أن تكون أن الناصبة للفعل المضارع.
و (قول الجبار الذي جاءَه بسارة: إنما أتيتني بشيطان، ولم تأتني بإنسان)
كلام يُناقض قوله: ادعي الله لي. فيكون ذُّه لها عناداً، بَعْد أن ظهَر له كرامتُها على
الله. أو إخفاءً لحالها لئلاّ يُتَحَدَّثَ بما ظهر عليها من الكرامة، فتَعْظم في نفوس
الناس وتُنَّبع، فلبّس على السامع بقوله: إنما أتيتني بشيطان.
و (قول إبراهيم - عليه السلام -: مَهْيَمْ) قال الخليل: هي كلمةٌ لأهل اليمن
خاصةً. معناها: ما هذا؟ وفي الصحاح: هي كلمةٌ يُستفهم بها، معناها: ما حالكِ؟
وما شأنكِ؟ ونحوه قال الطبريُّ.
و (قوله: قالت: خيراً) هو منصوب بفعل مضمرٍ. أي: فعل الله خيراً. ثم

١٨٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٢٩) باب: في ذكر إبراهيم عليه السلام
يَدَ الفاجر وأخدَمَ خادماً!)). قال أبو هريرة: فتلك أمُّكم يا بني ماءِ السماء.
رواه أحمد (٤٠٣/٢ - ٤٠٤)، والبخاريُّ (٢٢١٧)، ومسلم
(٢٣٧١)، وأبو داود (٢٢١٢).
فسَّرتِ الخيرَ بقولها: (كَبَتَ(١) اللَّهُ يدَ الفاجرِ، وأخدمَ خادماً). أي: عصمَها الله
منه بما أظهرَ من كرامتها، وأعطاها الله خادماً، وهي: هاجر. ويُقال: آجر
- بالهمزة يُبدلونها من الهاء - وفيه: جواز قبول هدية المشرك، وقد تقدَّم القول فيها.
هاجر أم العرب
و (قول أبي هريرة - رضي الله عنه -: فتلكَ أُمُّكم يا بني ماءِ السَّماء) فتلك:
إشارة إلى هاجر، والمُخاطَب: العرب. قال الخطَّبي: سُمُّوا بذلك لانتجاعهم
المطرَ، وماءِ السماء للرعي. وقال غيره: سُمُّوا بذلك لخلوص نسبهم، وصفائه.
وشبَّهه بماء السماء. قال القاضي أبو الفضل: والأظهر عندي: أن المرادَ به
الأنصار. نسبَهم إلى جَدِّهم عامر بن حارثة بن امرىء القيس بن ثعلبة بن مازن بن
الأزد، وكان يُعرف بماء السماء، وهو مشهور. والأنصار كلُّهم بنو حارثة بن
ثعلبة بن عمرو بن عامر المذكور، والله أعلم.
(١) كذا في جميع النسخ، وهي موافقة لرواية البخاري (٢٢١٧) أما في التلخيص
وصحيح مسلم: ((کفَّ)).
ومعنى: كبتَ: أذلَّ وصرف.

١٨٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٠) باب: في ذكر موسى عليه السلام
(٣٠) باب
في ذکر موسى عليه السلام
[٢٢٨٣] عن أبي هريرةَ، قال: قال رسول الله وَ له: ((كانتْ بَنُو
إسرائيل يغتسلون عُرَاةً؛ ينظرُ بعضهم إلى سَوْءَة بعضٍ، وكان موسى
عليه السلام يغتسلُ وحدَه، فقالوا: والله! ما يمنع موسى عليه السلام أن
يغتسلَ معنا إلا أنه آدَرُ !. قال: فذهب مرةً يغتسِلُ، فوضع ثَوْبه على حجرٍ،
(٣٠) ومن باب: ذكر موسى - عليه السلام -
(قوله: ((كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراةً، ينظر بعضُهم إلى سوأة بعضٍ))) معاندة بني
إنما كانت بنو إسرائيل تفعلُ ذلك معاندةً للشرع، ومخالفةً لموسى - عليه السلام -،
إسرائيل
وهو من جملة عتوِّهم، وقلّة مبالاتهم باتباع شرع موسى، ألا ترى أنَّ موسى
- عليه السلام - كان يستترُ عند الغُسْل، فلو كانوا أهل توفيق وعقل اتبعوه، ثم لم
يكفهم مخالفتهم له حتى آذوه بما نسبوا إليه من آفة الأُذرة، فأظهرَ الله تعالى براءته
مما قالوا بطريق خارق للعادة، زيادة في أدلّة صدق موسى - عليه السلام -، ومبالغةً
كمال الأنبياء
خَلْقاً وخُلُقاً
في قيام الحجة عليهم، وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أن الله تعالى كمَّل أنبياءَه
خَلْقاً وخُلُقاً، ونزَّههم في أوّل خلقهم من المعايب، والنقائص المنفّرة عن الاقتداء
بهم المبعدة عنهم، ولذلك لم يُسمع أنه كان في الأنبياء والرسل من خَلَقَه الله تعالى
أعمى، ولا أعور (١)، ولا أقطع، ولا أبرص، ولا أجذم، ولا غير ذلك من العيوب
والآفات التي تكون نقصاً، ووصماً يُوجب لمن أنَّصف بها شيئاً وذمّاً، ومن تصفّح
أخبارَهم، وعلم أحوالَهم علم ذلك على القطع. وقد ذكر القاضي - رحمه الله - في
الشفاء من هذا جملة وافرةً، ولا يُعترض عليها بعمى يعقوب، وبابتلاء أيوب؛ فإن
ذلك كان طارئاً عليهم محبَّةً لهم، وليقتدي بهم من ابتلي ببلاء في حالهم
(١) في (م ٣): ولا أعرج.

١٩٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٠) باب: في ذكر موسى عليه السلام
ففرَّ الحجر بثوبه. قال: فجمح موسى بأَثَره يقول: ثوبي. حَجَر! ثوبي.
حجر! حتى نَظَرَتْ بنو إسرائيل إلى سَوْءَةِ موسى، فقالوا: والله ما بموسى
من بأس. فقام الحجرُ بعدُ حتى نُظِرَ إليه. قال: فأخذ ثوبه، فطفق بالحجر
ضرباً)).
وصبرهم، وفي أن ذلك لم يقطعهم عن عبادة ربّهم. ثم إنَّ الله تعالى أظهرَ
كرامتهم، ومعجزاتهم بأن أعادَ يعقوب بصيراً عند وصول قميص يُوسف له، وأزالَ
عن أيوب جذامَه وبلاءَه عند اغتساله من العين التي أنبعَ الله تعالى له عند رَكْضِه
الأرضَ برجله، فكان ذلك زيادة في معجزاتهم، وتمكيناً في كمالهم، ومنزلتهم.
والآدر - بمد الهمزة -: هو ذو الأذرة، بضم الهمزة، وسكون الدال، وهي عِظَمُ
الخِصْيتين، وانتفاخهما.
و (قوله: ((فجمح موسى بأثره))) أي: أسرع في مشيه خلفَ الحجر ليأخذ ثوبَه.
والجَمُوح من الخيل: هو الذي يركب رأسه في إسراعه، ولا يَثْنيه شيء، وهو عيب
فيها، وإنما أطلق على إسراع موسى خلفَ الحجر جماحاً؛ لأنه اشتدَّ خلفَه اشتداداً
لا یٹنیه شيء عن أخذ ثوبه، وهو مع ذلك ◌ُنادي: ثوبي حجرا ثوبي حجر! كل
ذلك استعظام لكشف عورته، فسبقه الحجر إلى أن وصل إلى جمع بني إسرائيل،
فنظروا إلى موسى، وكذَّبهم الله في قولهم، وقامت حجَّته عليهم.
تبرئة موسى
عليه السلام من
الأُدْرَة
و (قول موسى - عليه السلام -: ((ثوبي حجرا ثوبي حجر!))) منصوب بفعل
مضمر، وحجر مناد مفرد محذوف حرف النداء، وتقدير الكلام: أعطني ثوبي
يا حجر! أو: اتركْ ثوبي يا حجر! فحذف الفعل لدلالة الحال عليه. وحُذِفَ حرف
النداء هنا استعجالاً للمنادى، وقد جاء في كلام العرب حذف حرف النداء مع
النكرة، كما قالوا: اطرقْ كرا، وافتدٍ مخنوق، وهو قليل. وإنما نادى موسى
حكم الدخول - عليه السلام - الحجر نداء من يعقل؛ لأنه صدر عن الحجر فعل من يعقل، وفي
وضع موسى ثوبَه على الحجر، ودخوله في الماء عُرياناً: دليلٌ على جواز ذلك،
في الماء عُرياناً

١٩١
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٠) باب: في ذكر موسى عليه السلام
قال أبو هريرة: والله! إنه بالحجر نَدَبٌ ستةٌ أو سبعةٌ، ضَرْبُ موسى
عليه السلام بالحجر.
وفي رواية: قال أبو هريرة: كان موسى عليه السلام رجلاً حَبِيّاً.
قال: فكان لا يُرى متجرّداً وذكر نحوه. قال: ونزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُوْ لَا تَكُونُواْ كَلَّذِينَ ءَاذَوْا مُوسَى فَبَرََّهُ اَللَّهُ مِمَّا قَالُواْ وَكَانَ عِندَ اللَّهِ وَجِيهًا﴾
[الأحزاب: ٦٩].
رواه أحمد (٣١٥/٢)، والبخاريُّ (٢٧٨)، ومسلم (٣٣٩) في
الفضائل (١٥٥)، والترمذيّ (٣٢١٩).
وهو مذهب الجمهور. ومنعه ابن أبي ليلى، واحتجَّ بحديث لم يصحّ، وهو
قوله وخير: ((لا تدخلوا الماء إلا بمئزر؛ فإن للماء عامراً))(١). قال القاضي: وهو
ضعيف عند أهل العلم. وجاء في الأم قال: ((فاغتسل عند مُويِّه))(٢) وهو تصغير
ماء، هكذا في رواية العذريٍّ، ورواها أكثر الرواة: المَشْرَبة - بفتح الميم والراء -
وأصله: موضع الشرب، وأراد به الماء. والمَشْرَبة - بفتحها أيضاً -: الأرض
اللَّينة، فأما المَشْرَبة التي هي الغرفة فتقال: بفتح الراء وضمها، كما تقدَّم. وطَفِق
من أفعال المقاربة، كجعل وأخذ، ويقال: بفتح الفاء وكسرها، والنَّدَب: الأثر
وهو بفتح الدال.
(١) ذكره الزبيدي في الإتحاف (٤٠١/٢)، وهو ضعيف ومخالف كما قال العراقي لما
ذهب إليه الأئمة الأربعة وجمهور العلماء من السلف والخلف؛ من جواز كشف العورة
في الخلوة في حالة الاغتسال مع إمكان التستر.
(٢) هي في صحيح مسلم في كتاب الفضائل (١٨٤٢/٤) رقم (١٥٦).

١٩٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٣٠) باب: في ذكر موسى عليه السلام
[٢٢٨٤] وعن أنس بن مالكِ: أنَّ رسولَ الله ◌ِنَ ◌ّ قالَ: ((مررتُ على
موسى ليلةً أُسريّ بي عند الكثيِبِ الأحْمَر، وهو قائمٌ يُصلِّي في قبره)).
رواه أحمد (١٢٠/٣)، ومسلم (٢٣٧٥) (١٦٤)، والنسائي
(٢١٥/٣ - ٢١٦).
الشهداء
والأنبياء أحياءٌ
یرزقون
و (قوله: مررت على موسى ليلة أُسري بي عند الكثيب الأحمر، وهو يُصلِّي
في قبره (١))): الكثيب: هو الكوم من الرمل ويجمع كُثُباً، وهذا الكثيب هو بطريق
بيت المقدس، كما سيأتي. وهذا الحديث يدلُّ بظاهره على: أنه # رأى موسى
رؤية حقيقية في اليقظة، وأن موسى كان في قبره حياً، يُصلِّي فيه الصلاة التي كان
يُصلِيها في الحياة، وهذا كلُّه ممكن لا إحالة في شيءٍ منه، وقد صحَّ أن الشهداءَ
أحیاا یرزقون، وُجد منھم من لم يتغير في قبره من السنین کما ذگّرناه. وإذا كان
هذا في الشهداء كان في الأنبياء أحرى وأولى، فإن قيل: كيف يُصُّون بعد الموت
وليست تلك الحال حال تكليفٍ؟ فالجواب: أن ذلك ليس بحكم التكليف وإنما
ذلك بحكم الإكرام لهم والتشريف، وذلك أنهم كانوا في الدنيا حبِّت لهم عبادة
الله. والصلاة بحيث كانوا يلازمون ذلك، ثم توقُّوا وهم على ذلك، فشرَّفهم الله
تعالى بعد موتهم بأن أبقى عليهم ما كانوا يُحبُّون، وما عُرفوا به، فتكون عبادتهم
إلهاميَّة كعبادة الملائكة، لا تكليفية، وقد وقعَ مثل هذا لثابتِ البُنانيِّ - رضي الله
عنه - فإنه حُبِّيت الصلاة إليه حتى كان يقولُ: اللَّهم إن كنت أعطيتَ أحداً يُصلِّي
لك في قبره، فأعطني ذلك. فرآه مُلْحِدُه، بعدما سوَى عليه لَحْدَه قائماً يُصلِّي في
قبره، وقد دلَّ على صحة ذلك كلُّه قولُ نبيّنا ◌َِّهِ: ((يموتُ المرء على ما عاشَ
(١) هي رواية مسلم (٢٣٧٥) (١٦٥).

١٩٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
(٣١) باب
قصة موسى مع الخضر عليه السلام
[٢٢٨٥] عن سعيد بن جبير، قال: قلت لابن عباس: إنَّ نَوْفاً
الپگالِيَّ یزعم: أنَّ موسى عليه السلام صاحب بني إسرائيل ليس هو موسی
صاحبَ الخضر، عليه السلام. فقال: كَذَبَ عدؤُ الله، سمعت أُبِيَّ بنَ کعبٍ
عليه، ويُحشر على ما مات عليه))(١). وقد جاء في الصحيح: ((أن أهلَ الجنَّة
يُلهمون التسبيحَ كما تُلهمون النَّفَس))(٢).
(٣١) ومن باب: قصّة موسى مع الخضر - عليهما السلام -
(قوله: إن نَوْفاً البِكَالِيّ) لم يُخْتلف في أن نوفاً هو بفتح النون، وإسكان من هو نوف
الواو وفتح الفاء منوَّنة، وأمَّا البِكالي: فروايتي فيه بكسر الباء، وفتح الكاف البكالي؟
وتخفيفها على كل من قرأتُه عليه في البخاريِّ ومسلم، وهي المعروفة، وقد ضبطَها
الخشني، وأبو بكر بفتح الباء والكاف، وتشديد الكاف، والأوَّل الصَّواب.
وبِكَال: بطنٌ من حِمْيَر، وقيل من هَمْدان، وإليهم يُنسب نوف هذا، وهو نوف بن
فضالة على ما قاله ابن دريد، وغيره. يكنَّى بأبي زيد، وكان عالماً فاضلاً، وإماماً
لأهل دمشق، وقيل: هو ابن امرأة كعب الأحبار، وقيل: ابن أخته.
و (قول ابن عباس: كذبَ عدؤُ الله) قول أصدره غضبٌ على من يتكلّم بما لم
يصحّ، فهو إغلاظٌ، وردعٌ، وقد صارَ غيرُ نوفٍ إلى ما قالَه نوفٌ، لكنَّ الصحيح ما
قاله ابن عباس على ما حكاه في الحديث.
(١) لم نجده بهذا اللفظ، وفي صحيح مسلم (٢٨٧٨) بلفظ: ((يُبعث كلُّ عبد على ما مات
علیه».
(٢) رواه مسلم (٢٨٣٥) (٢٠).

١٩٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
يقول: سمعتُ رسول الله وَّ﴿ يقول: ((قام موسى عليه السلام خطيباً في بني
إسرائيل، فسئل: أيُّ الناس أعلم؟ فقال: أنا أعلم. قال: فعتَب الله عليهِ إذ
لم یَرُدّ العلم إلیه،
عتب الله على
موسى عليه
السلام
و (قوله: ((قام موسى خطيباً، فسُئِل أيُّ الناس أعلم؟ فقال: أنا (١)، فعَتَب الله
عليه إذا لم يَرُدَّ العلمَ إليه))) مساق هذه الرواية هو أكمل ما سيق الحديث عليه
فلنبحث فيه، وظاهر هذا اللفظ: أن الذي عَتَب الله تعالى على موسى إنما هو أن
قال: أنا أعلم. فأضاف الأعلمية إليه، ولم يقل: الله أعلمُ بمن هو أعلم الناس،
فيفوّض ذلك إلى الله، فيكون هذا من نوع ما عَتَبه النبيُّ وَّي على لوطٍ
- عليه السلام - حيث قال: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِ بِكُمْ قُوَّةً أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]
وسيأتي تكميل هذا المعنى في كتاب التفسير - إن شاء الله تعالى -. فكان الأولى
بموسى - عليه السلام - أن يقول: الله أعلم بمن هو أعلم الناس، لكن لما لم يعلم
في زمانه رسولاً آتاه الله كتاباً فيه علم كل شيءٍ وتفصيل الأحكام سواه، قال ذلك
حسب ما كان في علمه. لكنَّه تعالى لم يرضَ منه بذلك لكمال معرفتِهِ بالله تعالى،
ولعلوِّ منصبه. وفي بعض طرق البخاري: ((أن السائل قال لموسى: هل في الأرض
أعلمُ منك؟ قال: لا، فعَتَب الله عليه إذ لم يردّ العلم إليه .
قلتُ: وهذان اللفظان هما اللذان يتوجَّه العتب على موسى فيهما، وقد
رُوي بألفاظ أُخر، يبعد توجّه العتب عليها، فقد رُوي أنه قال: لا أعلم في الأرض
خيراً ولا أعلمَ منِّي. وفي أخرى قيل له: هل تعلم أحداً أعلمُ منك؟ فقال: لا .
فهذان اللفظان قد نفى فيهما العلم فيما سُئل عنه عن نفسه، وهو حقٌّ صحيح وتبرؤٌ
صريحٌ، فكيف يتوجَّه على من قال مثل ذلك عتب، أو ينسب إلى تقصير؟
فالصحيح من حيث المعنى الذي صدر من موسى - عليه السلام - معنى اللفظين
السابقين؛ فإنه جزمَ فيهما بأنه أعلم أهل الأرض، وهذا محلُّ العتب على مثله،
حسنات الأبرار
سيئات
المقربین
(١) في صحيح مسلم والتلخيص: ((أنا أعلم)).

١٩٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
فأوحى اللَّهُ إليه: أنَّ عبداً من عبادي بمَجْمَع البحرين هو أعلم منك.
فإنه كان الأولى به أن يُفوّض علم ذلك إلى الله تعالى، وهذا يدلُّ على صحة ما
قلناه فيما تقدَّم من أن الذنوبَ المنسوبة إلى الأنبياء المعدَّدة عليهم إنما هي من باب
ترك الأولى، وعُوتبوا عليها بحسب مقاديرهم، فإن حسنات الأبزار سيئات
المُقرَّبین.
و (قوله تعالى(١): ((إن عبداً من عبادي بمجمع البحرين هو أعلمُ منك))،
وفي الرواية الأخرى: ((بل عبدُنا الخَضِر))). اسم الخضر: بليا بن مَلْكان على ما
قاله بعضُ المفسرين، وسُمِّي الخضر، لأنه كان أينما صلَّى اخضرَّ ما حولَه، وفي
الترمذيٍّ من حديث أبي هريرة عن رسول الله وَلاير: ((إنما سُمِّي الخضر لأنه جلسَ
على فروة بيضاء فاهتزت تحته خضراء)»(٢). وقال: هذا حديث حسن صحيح.
سبب تسمية
الخضر
و (مجمع البحرين): ملقاهما. قال قتادة: هما بحرا فارس والروم. الشُّدِّي:
هي الكرُّ. والرَّسُّ بأرمينية(٣). أبي: وهما بإفريقية. القرطبي(٤): بطنجة. وحُكي
عن ابن عباس: إن بحريْ العلم: الخضر وموسى، وكأنَّ هذا لا يصحُّ عنه،
والله أعلم.
(و قوله: ((هو أعلمُ منك))) أي: بأحكامِ مفصّلةٍ، وحكمٍ نوازلَ معيَّنةٍ،
لا مطلقاً، بدليل قول الخضر لموسى: إنَّك على علم علَّمكه الله لا أعلمُه أنا، وأنا
على علم علَّمنيه الله لا تعلمُه أنت. وعلى هذا فيصدق على كلِّ واحدٍ منهما: أنه
أعلم من الآخر بالنسبة إلى ما يعلمُه كل واحدٍ منهما، ولا يعلمُه الآخر، فلما سمع
موسى هذا تشوَّفت نفسُه الفاضلةُ، وهمَّتُه العالية لتحصيل علم ما لم يعلم، وللقاء
(١) أي: ما ورد في حديث الباب بقوله: فأوحى الله إليه.
(٢) رواه الترمذي (٢٣٥١).
(٣) هذه الأسماء ضبطت من معجم البلدان، لياقوت الحموي.
(٤) هو ابن عبد البر القرطبي المالكي المتوفى سنة ٤٦٣ هـ.

١٩٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
قال موسى عليه السلام: أيْ رب! كيف لي به؟ فقيل له: احمل حوتاً
- في روايةٍ: مالحاً - في مِكْتَلِ، فحيث تَفْقِدُ الحوت فهو ثَمَّ. فانطلق
وانطلق معه فتاه - وهو يوشع بن نون - فحمل موسى عليه السلام حوتاً في
مكتلٍ. وانطلق هو وفتاه يمشيان حتى أتيا الصَّخرة، فرقد موسى
عليه السلام وفتاه، فاضطرب الحوت في المكتل، حتى خرج من المكتل،
من قيل فيه: إنه أعلم، فعزم فسأل سؤال الذليل: كيف السبيل؟ فأُمر بالارتحال على
كلِّ حالٍ، وقيل له: احمل معك حُوتاً مالحاً في مِكتلٍ، وهو الزِّنبيلُ. فحيث يحيا
وتفقده فَثَمَّ السَّبيل، فانطلق مع فتاه لما واتاه، مجتهداً طَلِباً قائلاً: ﴿لَآ أَبْرَعُ
حَقِّ أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِىَ حُقُبًا﴾ [الكهف: ٦٠] والحُقُب: بضم الحاء
والقاف: الدهر، والجمع أحقاب، ويضم الحاء وسكون القاف، ثمانون سنة، ويقال
أكثر من ذلك، والجمع حِقَاب، والحِقبةُ بكسر الحاء، واحدة الحُقُب، وهي:
السُّنون. من الصحاح.
وفيه من الفقه: رحلة العالم في طلب الازدياد من العلم، والاستعانة على
ذلك بالخادم، والصَّاحب، واغتنام لقاء الفضلاء، والعلماء، وإن بَعُدَتْ أقطارُهم،
وذلك كان دأبُ السّلف الصالح، وبسبب ذلك وصل المرتحلون إلى الحَظِّ
الراجح، وحصلوا على السعي الناجح، فرسخت في العلوم لهم أقدامٌ، وصحَّ لهم
من الذكر والأجر أفضل الأقسام. ثم إنَّ موسى أزعجه القلق، فانطلق مغموراً بما
عنده من الشوق والحرق، يمشي مع فتاه على الشطّ، ولا يُبالي بمن حطّ، لا يجدُ
نَصَباً، ولا يُخطىء سبباً. إلى أن أويا إلى الصخرة فناما في ظلِّها. قال بعض
المفسرين: وكانت على مجمع البحرين، وعندها ماء الحياة - حكى معناها الترمذي
عن سفيان بن عيينة - فانتضح منه على الحوت فحيي واضطربَ، فخرج من
المكتل يضطرب حتى سقط في الماء، فأمسكَ الله جِزية الماء عن موضع دخوله
حتى كان مثل الطاق، وهو النَّقْب الذي يُدْخُل منه.
الرحلة في
طلب العلم
ما حلَّ
بالحوت عند
الصخرة

١٩٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
فسقط في البحر. قال: وأمسك الله عنه جِزية الماء حتى كان مثل الطَّاق،
فكان للحوت سَرَباً، وكان لموسى وفتاهُ عجباً، فانطلقا بقية يومهما
وليلتهِما، ونسي صاحب موسى أن يُخْبِره، فلما أصبح موسى عليه السلام،
قال لفتاه: ﴿ءَائِنَا غَدَآءَنَا لَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]،
و (قوله: ((فكان للحوت سَرَباً)): أي: مسلكاً. عن مجاهد قال قتادة: جمد
الماء فصارَ كالسَّرَب.
و (قوله: ((وكان لموسى وفتاه عجباً)) لما تذكرا، فرجعا، فعجبا من قدرة
الله على إحياء الحوت، ومن إمساك جري الماء حتى صارَ بحيث يسلكُ فيه.
و (قوله: ((فانطلقا بقية يومهما وليلتهما))) يعني: بعد أن قاما من نومهما،
ونسيا حوتهما. أي: غفلا عنه، ولم يطلباه لاستعجالهما. وقيل: نسي يُوشع
الحوت، وموسى أن يأمره فيه بشيءٍ. وقيل: نسي يُوشع فنسب النسيان إليهما
للصحبة، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْحَانُ﴾ [الرحمن: ٢٢] وعلى هذا
القول يدلُّ قوله في الحديث: ((ونسيَ صاحبُ موسى أن يخبره)) ويظهر منه: أن
يوشع أبصرَ ما كان من الحوت ونسيَ أن يخبرَ موسى في ذلك الوقت.
و (قوله: ((فلما أصبحَ قال موسى: ﴿لِقَتَنْهُ ءَائِنَا غَدَآءَ نَالَقَدْ لَفِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا
نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]) هذا يدلُّ على أنهما كانا تزوَّدا، وقيل: كان زادهما
الحوت، وكان مُمَلَّحاً.
قلتُ: والظاهر من الحديث: أنه إنما حملَ الحوت معه؛ ليكون فقدُه دليلاً زاد موسى
على موضع الخَضِر، كما تقدَّم من قوله تعالى لموسى: ((احمل معك حوتاً في
والفتى
مكتلٍ، فحيث تفقدُ الحوتَ فهو ثَمَّ. وعلى هذا فيكون تزوَّدَا شيئاً آخرَ غير
الحوت. والنَّصَب: التعب والمشقة. وقيل: عنى به هنا: الجوع. وفيه دليل على الإخبار بوجود
جواز الإخبار بما يجده الإنسان من الألم والأمراض، وأن ذلك لا يقدح في لا يقدح في
الرِّضا، ولا في التسليم للقضاء، لكن إذا لم يصدر ذلك عن ضجرٍ ولا تسخُطٍ.
الرضا
المرض والألم

١٩٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
- قال: ولم ينصب موسى حتى جاوز المكان الذي أُمِرِ به -: ﴿قَالَ أَرَوَيْتَ إِذْ
أَوَبِنَآ إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِِّ نَسِيتُ الْحُتَ وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَأَنَّخَذَ سَبِيلَهُ فِى
الْبَحْرِ عَبًا﴾ [الكهف: ٦٣]، قال موسى: ﴿ ذَلِكَ مَا كُنَا نَبْغْ فَأَرْتَدًا عَلَى ءَاثَارِهِما
و (قوله: ((ولم ينصبْ حتى جاوزَ المكان الذي أُمر به))) أي: لم يجد موسى
أَلَمُ النَّصبِ إلا بعدَ أن جاوزَ موضعَ فقد الحوت، وكأنّ الله تعالى جعلَ وجدان
النَّصَبِ بسبب طلب الغداء سَبَب تذكُّرٍ ما كان من الحوت. ومن هنا قيل: إن
النَّصَب هنا هو الجوع.
و (قوله: ﴿أَرَبَيْتَ إِذْ أَوَيِّنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّ نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]) هذا
قول يُوشع جواباً لموسى، وإخباراً له عما جرى. ومعنى أوينا: انضممنا، وهي
هنا: بقصر الهمزة لأنه لازمٌ، وقد تقدَّم ذكر الخلاف في المتعدي في قصره ومدِّه.
ونسبة الفتى النسيانَ إلى نفسه نسبةٌ عادية لا حقيقية.
و (قوله: ﴿وَمَآ أَنْسَئِنِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذَّكْرَهُ﴾ [الكهف: ٦٣]) أنْ مع الفعل
بتأويل المصدر، وهو منصوب بدل اشتمال من الضمير في أنسانيه، وهو بدل
الظاهر من المضمر، وهذا إنما ذكرَه يُوشع في معرض الاعتذار، وذلك أن في
البخاري: أن موسى قال لفتاه: ((لا أُكلِّفْك إلا أن تُخبرني بحيث يفارقك الحوثُ،
فاعتذر بذلك القول)) ويعني بذلك: أن الشيطان سبب للنسيان، والغفلة، بما يُورده
لا يؤاخذ الله على القلب من الخوض في غير المعنى المطلوب، ومن المعلوم أن النسيان
على النسيان
لا صنعَ فيه للإنسان، وأنه مغلوب عليه، ولذلك لم يؤاخذ اللهُ تعالى به، وإنما محلُّ
المؤاخذة الإهمال والتفريط. والانصراف عن الأمور المهمة إلى ما ليس بمهمّ حتى
ينسى المهمَّ، وهذا هو فعل الشيطان المذموم أن يُشغلَ ذِكْرَ الإنسان بما ليس
بمهم، ويزيََّه له حتى ينصرفَ عن المهم فيذمَّ على ذلك ويُعاقبَ، فيحصلَ مقصود
الشيطان من الإنسان.
و (قوله: ﴿وَأَّخَذَّ سَبِيلَهُ فِى الْبَحْرِ عَمَا﴾ [الكهف: ٦٣]) أي: انَّخذ الحوتُ

١٩٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] . - قال: يقصَّان آثارهما - حتى أتيا الصخرة فرأى
رجلاً مسجّىّ عليه بثوبٍ - وفي رواية: مستلقياً على القفا، أو قال: على
حلاوة القفا - فسلم عليه موسى؛ فقال له الخضر: أنَّى بأرضك السلام، من
طريقه في البحر سرباً، تعجب منه يُوشع، ويتعجّب به غيرُه ممن شاهده، أو سمع
قضيته. و﴿نبغ﴾: نطلب. و﴿ارتدا﴾: رجعا. و﴿قصصاً﴾: تتبُّعاً لآثار
طريقهما. و ﴿الصخرة﴾: هي التي كان أَوَيا إليها. و(المسجَّى): المغطَّى.
و (مُستلقياً على القفا) أي: مباشراً بظهره وقفاه الأرضَ مستقبلاً بوجهه السماء
كهيئة الميت.
و (قوله: ((على حلاوة القفا))) شكّ من بعض الزُّواة. و (حلاوة القفا) يعني
بها - والله أعلم -: أن هذه الضجعة مما تُستحلى؛ لأنها ضجعة استراحة، فكأنه
قال: أو حلاوة ضجعة القفا، ويُقال بضم الحاء وفتحها، وحلاءً بالضم والمد،
وبه وبالقصر، وكأن هذه الضجعة من الخَضِر كانت بعد تعب عبادة. وآثر هذه
الضجعة لما فيها من ترُد البصر في المخلوقات، ورؤية عجائب السماوات، فكأنَّ
الخضر في هذه الضجعة متفرِّغ عن الخليقة مملوء بما لاح له من الحقِّ والحقيقة،
ولذلك لما سلَّم عليه موسى - عليه السلام - كشفَ الثوب عن وجهه، وقال:
وعليك السلام، من أنت؟.
و (قوله: ((أنَّى بأرضِك السَّلام))) معناه: من أين تعرف السلام بهذه الأرض
التي أنت فيها؟! وهذا يحتمل وجهین:
أحدهما: أن ذلك الموضع كان قفراً لم يكن به أحدٌ يصحبه، ولا أنيس
فيكلِّمه، ويحتمل أن يكون أهل ذلك الموضع لا يعرفون السلام الذي سلَّم به
موسى، إما لأنهم ليسوا على دين موسى، وإما لأنه ليس من كلامهم. و (أنَّى)
تأتي بمعنى: حيث، وكيف، وأين، ومتى. حكاه القاضي. وفي هذا من الفقه: تسليم
القائم على المضطجع، وهذا القول من الخضر كان بعد أن ردّ عليه السلام،

٢٠٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٣١) باب: قصة موسى مع الخضر عليه السلام
أنت؟! قال: أنا موسى. قال: موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم. وفي رواية:
قال: مجيءٌ ما جاء بك! قال: جئتُ لتُعَلِّمَني مما عُلِّمتَ رُشْداً.
لا قبله، كما قد ذكرناه، ومساق هذه الرواية يدل: على أن اجتماع موسی
- عليه السلام - بالخضر كان في البرِّ عند الصخرة، وهو ظاهر قوله: ((حتى إذا أتى
الصخرةَ فرأى رجلاً مسجّىَ))، وفي بعض طرق البخاريّ: ((حتى أتى الصخرة، فإذا
رجلٌ مسجىً)) فعطفه بالفاء المعقبة، وإذا المفاجئة، غير أنه قد ذكرَ البخاريُّ ما
يقتضي أنه رآه في كبد البحر، وذلك أنه قال فيها: فوجدَ خَضِراً على طِنْفِسَةٍ خضراء
على كبد البحر مسجّىَّ بثوبه، وجعلَ طرفَه تحت رجليْه، وطرفَه تحت رأسه(١).
اجتماع موسى و (كبد البحر): وسطه. وهذا يدلُّ على أنه اجتمع به في البحر، ويحتمل أن موسى
عليه السلام
بالخضر
مشى على الماء، وتلاقيا عليه، وهذا لا يُستبعد على موسى والخضر، فإن الذي
خُرِق لهما من العادة أكثرُ من هذا وأعظمُ. وعلى هذا فهذه الزيادة تُضمُّ إلى الرواية
المتقدمة، ويُجمع بينهما بأن يقال: إن وصولَ موسى للصخرة، واجتماعه مع
الخضر كان في زمان متقارب، أو وقتٍ واحدٍ لطيِّ الأرض، وتسخير البحر،
والقدرة صالحةٌ، وهذه الحالة خارقةٌ للعادة؛ ولما كان كذلك عبَّر عنها بصيغ
التعقيب والاتصال، والله أعلم.
و (قوله: ((نعم))) هو حرف جواب في الإيجاب، فكأنَّه قال: أنا موسى بني
إسرائيل، فهو نصٌّ في الرد على نوفٍ، وعلى من قال بقوله: وهم أكثر اليهود.
و (قوله: ((مجيء ما جاء بك))) قيَّدها ابن ماهان بالهمز والتنوين، وعلى هذا
تكون (ما) نكرة صفة لمجيء، وهي التي تكون للتفخيم والتعظيم، كقولهم: لأمرٍ
ما تسوَّدَ من تسوَّدَ، ولأمر ما تدرَّعت الدروع. فيكون معناه: مجي ءٌ عظيمٌ، وأمرٌ
مهٌّ حملك على أن تركت ما كنت عليه من أمر بني إسرائيل، واقتحمتَ الأسفارَ،
(١) هي رواية البخاري المشار إليها في التخريج (٤٧٢٦).