Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َّ في نومه
قال غيرُ ابن إسحاق: ولما استفحل أمرُ مسيلمة قَدِم المدينة في بَشَرِ كثيرٍ، قدومٍ مسيلمة
ونزل على عبد الله بن أبيٍّ، فجاءه النبيُّ بَّر كما ذكر ابن عباس، وفي غير حديث الكذّاب إلى
ابن عباسٍ: أنَّ مسيلمة جاء إلى (١) النبيِّ وَّ. وفي حديثٍ آخر: أنَّ مسيلمة كان في
·· المدينة
ظهر القوم، وأنَّ النبيَّ پز سأل عنه.
قلتُ: فيحتمل أن يكون هذا اختلافُ أحوالٍ فِي قَدْمةٍ واحدةٍ قدمها مسيلمةُ
المدينة، وعند بلوغ قدومه للنَّبِيِّ نَّهِ سأل عنه، ثمَّ بعد ذلك جاء كلُّ واحدٍ منهما
إلى الآخر، فاجتمعا بموضع غير موضعيهما. وهذا الاحتمال أقربُ من احتمال أن
يكون مسيلمةُ قدم على النبيِّ ◌َّ﴾ ثلاث مرات.
ثم إنَّ مسيلمةَ رجع إلى اليمامة على حالته تلك، إلى أن توفِّي رسول الله وَّ حال مسيلمة
فعظم أمرُ مسيلمة، وأطبق أهلُ اليمامة عليه، وارتدُّوا عن الإسلام، وانضاف إليهم
وقومه بعد
وفاته (﴾
بشرٌ كثير من أهل الردّة، وقويت شوكتهم، فكاتبهم أبو بكر الصديق - رضي الله
عنه - كتباً كثيرةً يعظهم، ويذكرهم، ويحذرهم، وينذرهم إلى أن بعث لهم كتاباً مع
حبيبٍ بنِ عبد الله الأنصاريِّ، فقتله مسيلمة، فعند ذلك عزم أبو بكرٍ - رضي الله عزم أبي بكر
عنه - على قتالهم والمسلمون، فأمر أبو بكر خالدَ بنَ الوليد - رضي الله عنهما - على قتال
وتجهز النَّاس، وعقد الراية لخالد، وصاروا إلى اليمامة، فاجتمع لمسيلمة جيشٌ
مسيلمة و قومه
عظيمٌ، وخرج إلى المسلمين، فالتقوا، وكانت بينهم حروبٌ عظيمةٌ لم يُسْمَغْ
بمثلها، واستشهد فيها من قُرَّاء القرآن خَلْقٌ كثيرٌ، حتى خاف أبو بكر، وعمر
- رضي الله عنهما - أن يذهب من القرآن شيءٌ لكثرة مَن قُتِل هناك من القراء، ثم إن
الله تعالى ثبّت المسلمين، وقتل اللَّهُ تعالى مسيلمةَ اللعين على يدي وحشيٍّ قاتل مقتل مسيلمة
حمزة، ورماه بالحربة التي قتل بها حمزة، ثم دقَّف(٢) عليه رجلٌ من الأنصار، الكذاب
(١) ليست في (ج ٢).
(٢) أي: جرحه جرحاً مميتاً وأجهز عليه.
٤٢
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َل في نومه
أصحابه. قال: ((لو سألْتَنِي هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن أتعدَّى أمر الله
فيك، ولئن أدبرت ليَعْقِرَنَّك الله، وإني لأراك الذي أريت فيك ما أريت،
فاحتزَّ رأسه، وهزم اللَّهُ جيشَه، وأهلكهم، وفتح اللَّهُ اليمامة، فدخلها خالدٌ
- رضي الله عنه - واستولى على جميع ما حوته من النساء، والولدان، والأموال،
وأظهر الله الدين، وجعل العاقبة للمتقين، فالحمد لله الذي صدقنا وعده، وأعز
جنده، وهزم الأحزاب وحده، فلا شيءَ بعده، وإنما جاء النبيُّ ◌َ ه إلى مسيلمة
ليبلغه الدعوة، وليسمع قولَه بالمشافهة.
و (قوله { ل : ((ولن أتعدَّى أمر الله فيك))) كذا في جميع نسخ كتاب مسلم،
وفي البخاري(١): ((ولن تعدوَ أمر الله فيك))، وكلاهما صحيح. ومعنى الأول: أن
الله تعالى أمر نبيَّه وَله أن يغلِّظ القولَ لمسيلمة، وأن يُصرِّح بتكذيبه، وأن يخبره بأنه
لا يبلغ أمله فيما (٢) يريده من التشريك في الرسالة، ولا في الأرض، فلم يتعدَّ
النبيُّ ◌َّ ذلك. إذ قد فعل كل ذلك. ويحتمل أنه يريدُ بالأمر: ما كتب الله [عليه
من الشِّقوة، وما وسمه عليه(٣) من الكذب والتكذيب، والأفعال القبيحة. أي:
لا أقدر أن أردّ ما (٤) كتب الله](٥) عليك من ذلك؛ غير أن هذا المعنى أظهر من لفظ
البخاري منه من لفظ كتاب مسلم.
و (قوله: ((ولئن أدبرتَ ليعقرنك الله))) أي: لَيُهْلِكَنَّك اللَّهُ بالعقر - وهو القتل -
إن لم تتّبعني. وكذلك كان كما ذكرناه. فكان هذا من دلائل نبوة محمد نبيّنا وَّل
وصحة رسالته.
من دلائل
نبوته ڑ
(١) رواه البخاري (٧٤٦١).
(٢) في (ع) و (ج ٢): مما.
(٣) في (ج ٢): به.
(٤) في (م ٢) و(ج ٢): شيئاً.
(٥) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
٤٣
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌ٌ في نومه
وهذا ثابت يجيبك عنِّي)) ثم انصرف عنه، فقال ابن عباس: فسألت عن قول
رسول الله ◌َ: ((إنك أرى الذي أريتُ فيك ما رأيت، فأخبرني أبو هريرة:
أنَّ النبيَّ وَّه قال: ((بينما أنا نائم رأيت في يَدَيَّ سوارين من ذهب، فأهمَّني
شأنُهما، فَأُوحِيَ إليَّ في المنام: أن انفخهما. فنفختهما، فطارا،
و (قوله وَ﴾: ((وهذا ثابتٌ يجيبكَ عنِّي))) يعني: ثابت بن قيس بن شمَّاس، ثابت بن قيس
خطيب رسول الله وير، فكأن النبيَّ ◌َليه وجد على مسيلمة في نفسه، فأعرض عنه خطيب
إعراضَ المحتقر له، المصغّر لشأنه، وأحال على ثابتٍ لعلمه بأنه يقوم عنه بجواب
رسول الله
كل ما يسألونه عنه، إذ كان من أفضل الناس، وأكملهم عقلاً، وأفصحهم لساناً،
وكان مع ذلك جَهْوَرِيَّ الصوت، حسن النغمة، فكان يقوم بالحجة، ويبالغ في
إيراد الخطبة .
و (قوله: ((إني لأراك الذي أريت فيه ما أريت))) الرواية أُراك - بضم
الهمزة -؛ بمعنى أظنك، على ما قد حصل لهذه الصيغة من غلبة عُرْف الاستعمال،
وقد قرَّرنا: أن أصل (أُرَى) من (رأى) بمعنى: علم، أو أبصر، أدخلت عليه همزة
التعدية، وبُنيت لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وعلى هذا فيصحُ أن تكون هنا بمعنى العلم.
فيكون معناه: إني لأعلم أنك الذي أريت فيه ما أريت، وهذا أَوْلى بحال
النبي ◌َّل﴿ فإنَّ رُؤياه حقٌّ، وتأويله لا يجوزُ عليه الغلط، بخلاف غيره، والله تعالى
أعلم.
و (قوله: ((بينا أنا نائمٌ رأيت في يَدَيَّ سوارين من ذهب، فأهمَّني شأنهما)))
السوار: ما تجعله المرأة في ذراعها مما تتحلَّى به من الذهب والفضة، وفيه ثلاث
لغات: كسر السِّين، وضمها، وبهمزة مضمومة، فيقال: أُسوار ويجمع أساورةً،
فأما أساورة الفرس فَقُوَّادهم. وإنما أهمَّه شأنهما؛ أعني: السوارين لأنهما من
حلية النساء، ومما يحرم على الرجال.
و (قوله: ((فأوحي إليَّ: أن انفخهما. فنفختُهما، فطارا))) ظاهره: أنَّ هذا
٤٤
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌َه في نومه
فأوّلتُهما: كذابين يخرجان بعدي. فكان أحدُهما: العنسيَّ صاحب صنعاء،
والآخرُ: مسيلمة صاحب اليمامة)).
رواه البخاريُّ (٤٣٧٣)، ومسلم (٢٢٧٣ و٢٢٧٤) (٢١).
[٢١٨٨] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلقول: ((بينما أنا نائم
أتيتُ خزائن الأرض فَوُضِعَ في يدَيَّ أُسْوارين من ذهبٍ، فكبُرا عليَّ،
وحيٌّ من جهة المَلَكِ على غالب عادته. ويحتمل أن يكون ذلك إلهاماً.
و (قوله: ((فأوَّلتهما: كذَّابَيْن يخرجان بعدي))) أي: يظهران ويغلبان بعد
موتي، وإلا فقد كانا موجودين في حياة النبيِّ وَّهِ مَتَّبَعَيْن، وقد دلَّ على هذا قولُه
في الرواية الأخرى: ((فأوَّلْتُهما الكذَّابَيْن اللذين أنا بينهما)). ووجهُ مناسبة هذا
التأويل لهذه الرؤيا: أن أهلَ صنعاء وأهلَ اليمامة كانا قد أسلما، وكانا كالسَّاعدين
للإسلام، فلما ظهر فيهما هذان الكذَّابان، وتبهرجا لهما بترَّهاتهما، وزخرفا
أقوالهما، فانخدع الفريقان بتلك البهرجة، فكان البلدان للنبيِّ ◌َله بمنزلة يديه؛
لأنه كان يعتضدُ بهما. والسِّواران فيهما هما: مسيلمة، وصاحب صنعاء بما زخرفا
من أقوالهما. ونفخُ النبيِّ ◌َلّ: هو أن الله أهلکهما على أيدي أهل دينه، كما ذكرناه
صاحبُ صنعاء في شأن مسيلمة. وأما صاحب صنعاء فهو الأسود بن كعب، ويلقَّب بذي حمار؛
وسبب هذا اللقب ـ على ما قاله ابنُ إسحاق -: أنه لقيه حمار، فعثر، فسقط
وادعاؤه النبوة
لوجهه، فقال: سجد لي الحمار. فارتد عن الإسلام، وادّعى النبوة، ومخرق على
الجهَّال فاتبعوه، وغلب على صنعاء، وأخرج منها المهاجر بن أسد المخزومي،
وكان عاملاً لرسول الله وَلقر عليها، وانتشر أمره، وغلب على امرأة مُسْلِمةٍ من
مقتل الأسود الأساورة، فتزوجها فدسَّت إلى قوم من الأساورة: أني قد صنعت سرباً يوصل منه
إلى مرقد الأسود فدلّتهم على ذلك، فدخل منه قومٌ، منهم فيروز الديلمي، وقيس بن
مكشوحٍ، فقتلوه، وجاؤوا برأسه إلى رسول الله وَ ﴿ ـ على ما قاله ابنُ إسحاق -.
تأويله #
للسّوارین
ابن کعب
٤٥
(٣٢) كتاب الرؤيا - (٧) باب: فيما رأى النبيُّ ◌ُ له في نومه
وأهمّاني، فأوحى إليَّ أن انفخهما، فنفختهما، فذهبا. فأوّلْتُهما الكذابَيْنِ
اللَّذين أنا بينهما: صاحب صنعاء، وصاحب اليمامة)).
رواه البخاري (٤٣٧٥)، ومسلم (٢٢٧٤) (٢٢).
وقال وثيمة(١): ومنهم من يقول: كان ذلك في خلافة أبي بكرٍ - رضي الله عنه -.
قلتُ: وهذا هو الصحيح - إن شاء الله تعالى _؛ لقوله وملف: ((يخرجان
بعدي)) أي: بعد وفاتي، والله أعلم.
(١) هو وثيمة بن موسى بن الفرات المعروف بالوشاء. مؤرّخ، له كتاب في ((أخبار الردة)).
توفي سنة (٢٣٧ هـ).
٤٦
(٣٣) كتاب النبوات - (١) باب: كونه مختاراً من خيار الناس
(٣٣)
كتاب النبوات وفضائل نبينا محمَّدٍ وَّل
(١) باب
كونه مختاراً من خيار الناس في
الدنيا وسيّدهم يوم القيامة
[٢١٨٩] عن واثلةَ بنِ الأسقع قال: سمعتُ رسول الله نَ ◌ّله يقول:
((إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة،
واصطفى من قريشٍ بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم)).
رواه أحمد (١٠٧/٤)، ومسلم (٢٢٧٦) (١)، والترمذيّ (٣٦٠٥
و ٣٦٠٦).
(٣٣)
كتاب النبؤَّات
[(١) ومن باب: كونه مختاراً من خيار الناس](١)
قد تقدَّم الكلام في النبوة غير ما مرةٍ.
و (قوله: ((إنَّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل))) اصطفى: اختار. وصفوة
الشيء: خياره، ووزنه: افتعل، والطاء فيه بدلٌ من التاء لقرب مخرجيهما. ومعنى
معنى الاصطفاء
(١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص.
٤٧
(٣٣) كتاب النبوات - (١) باب: كونه مختاراً من خيار الناس
[٢١٩٠] وعن أبي هريرةٍ قال: قال رسول الله وَله: ((أنا سيِّدُ ولدِ آدمَ
اختيار الله تعالی لمن شاء مِن خَلْقه: تخصيصه إياه بصفات كمال نوعه، وجعله إياه
أصلاً لذلك النوع، وإكرامه له على ما سبق في علمه، ونافذ حكمه من غير وجوب
عليه، ولا إجبار، بل على ما قال: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾
[القصص: ٦٨]. وقد اصطفى الله تعالى من هذا الجنس الحيواني نوعَ بني آدم،
كما قال تعالى: ﴿﴿ وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِّ مَدَمَ وَحَلْنَهُمْ فِى الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَهُم مِّنَ الطَّيِّبَتِ
وَفَضَّلْنَّهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٠]. ويكفيك من ذلك كله:
أن الله تعالى خلق العالم كلَّه لأجله، كما قد صرح بذلك عنه لما قال تعالى:
﴿ وَسَخَّرَ لَكُ مَّا فِ السَّمَوَتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ◌َمِيعًا مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣]. ثم إن الله تعالى اختار
من هذا النوع الإنساني مَن جعله مَعْدِن نبوته، ومحلّ رسالته، فأوّلهم: آدم - عليه اختيار الأنبياء
الصلاة والسلام -. ثم إن الله تعالى اختار من نطفته نطفة كريمة، فلم يزل ينقلها من
الأصلاب الكريمة إلى الأرحام الطاهرة، فكان منها الأنبياء والرسل، كما قال
تعالى: ﴿﴿ إِنَّ اللَّهُ أَصْطَفَ مَادَمَ وَنُوحًا وَءَالَ إِبْرَاهِيمَ وَءَالَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَلَمِينَ * ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ
بَعْضِ وَاللَّهُ سَمِيعُ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٤]. ثم إن الله تعالى اصطفى من ولد
إبراهيم إسماعيل وإسحاق كما قال: ﴿﴿ إِنَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كُمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّنَ مِنْ
بَعْدِهِ، وَأَوْحَيْنَآ إِلَى إِبْرَهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [النساء: ١٦٣]، ثم إن الله تعالى
اصطفى من ولد إسماعيل كنانة كما ذكرهم النبيُّ وَّر في هذا الحديث. ثم إن
الله تعالى ختمهم بختامهم، وأمَّهم بإمامهم، وشرّفهم بصدر كتيبتهم، وبيت
قصيدتهم، شمس ضحاها، هلال ليلتها، درِّ تقاصيرِها(١)، زبرجدِها، وهو
محمد ◌َّ أَخَّره عن الأنبياء زماناً، وقدَّمه عليهم رتبةً ومكاناً. جعله اللَّهُ واسطةً
النظام، وكمَّل بكماله أولئك الملأ الكرام، وخصَّه مِن بينهم بالمقام المحمود، في
اليوم المشهود، فهو شفيعُهم إذا استشفعوا، وقائدهم إذا وفدوا، وخطيبهم إذا
(١) جمع تِقْصارة، وهي القلادة.
٤٨
(٣٣) كتاب النبوات - (١) باب: كونه مختاراً من خيار الناس
يوم القيامة، وأوَّلُ من ينشقُّ عنه القبر،
جُمِعُوا، وسيِّدهم إذا ذكروا، فاقتبس من الخبر عيونه، فبيده لواء الحمد، تحته آدمُ
محمد سيِّ فمن دون، ويكفيك أُثْرَةً وكرامةً: ((أناسيد ولد آدم يوم القيامة)). والسيد: اسم
فاعل، من ساد قومه؛ إذا تقدَّمهم بما فيه من خصال الكمال، وبما يوليهم من
ولد آدم
الإحسان والإفضال، وأصله: سَيْود؛ لأن: ألف ساد منقلبة عن واو، بدليل: أن
مضارعه يسود، فقلبوا الواو ياءً، وأدغموها في الياء، فقالوا: سيدٌ. وهذا كما
فعلوا في: ميِّت. وقد تبين للعقل والعيان ما به كان محمد وَّلإر سيد نوع الإنسان.
وقد ثبت بصحيح الأخبار ما له من السؤدد في تلك الدار، فمنها أنه قال: ((أنا سيد
ولد آدم. قال: وتدرون بِمَ ذاك؟)) قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ((إذا كان يوم
القيامة جمع الله الأولين والآخرين في صعيدٍ واحدٍ))(١). وذكر حديث الشفاعة
مضمون حديث المتقدم. ومضمونه: أن الناس كلهم إذا جمعهم موقفُ القيامة، وطال عليهم،
الشفاعة
وعظم كربُهم طلبوا مَن يشفع لهم إلى الله تعالى في إراحتهم من موقفهم، فيبدؤون
بآدم عليه السلام، فيسألونه الشفاعة، فيقول: نفسي، نفسي، لستُ لها، وهكذا
يقول من سُئِلها من الأنبياء، حتى ينتهي الأمرُ إلى سيدنا محمدعليه فيقول: ((أنا
لها». فيقوم في أرفع مقام، ويُخَصُّ بما لا يُخصَى من المعارف والإلهام، ويُنادى
بألطف خطابٍ وأعظم إكرام: يا محمد! قل تسمع، وسَلْ تعطه، واشفعْ تُشَفَّع.
وهذا مقامٌ لم ينله أحدٌ من الأنام(٢)، ولا سُمِعَ بمثله لأحدٍ من الملائكة الكرام،
فنسأل الله تعالى باسمه العظيم، وبوجهه الكريم أن يحيينا على شريعته، ويُمیتنا
على ملَّته، ويحشرنا في زمرته، ولا يجعلنا ممن ذيد(٣) عنه، وبُعِد منه.
و (قوله: ((أنا أوَّل من ينشقُّ عنه القبر))) يعني: أنه أوَّل من يعجَّل إحياؤه
(١) رواه مسلم (١٩٤).
(٢) في (ز) و(م ٣): الأنبياء.
(٣) أي: ◌ُرِد.
٤٩
(٣٣) کتاب النبوات ۔ (١) باب: کونه مختاراً من خيار الناس
وأوَّلُ شافعٍ، وأوَّلُ مُشفَّعٍ)).
رواه مسلم (٢٢٧٨) (٣)، وأبو داود (٤٧٦٣)، والترمذي (٣٦١٥).
مبالغةً في إكرامه، وتخصيصاً له بتعجيل جزيل إنعامه. ويعارض هذا قوله بَالقر في
حديث آخر: ((أنه أول من يبعث، فيجد موسى متعلِّقاً بساق العرش))(١). وسيأتي
هذا مبيّناً في باب: ذكر موسى عليه السلام - إن شاء الله تعالى -.
و (قوله: ((وأول شافع، وأول مُشفَّع))) قد تقدَّم القول في الشفاعة وأقسامها لا يتقدَّم
في الإيمان. ومقصودُ هذا الحديث أن يُبيِّنَ أنه لا يتقدَّمُه شافع؛ لا من الملائكة، محمداً له في
ولا من النبيِّين، ولا من المؤمنين، في جميع أقسام الشفاعات، على أن الشفاعة
الشفاعة أحدٌ
العامة لأهل الموقف خاصَّة لا تكون لغيره. وهذه المنزلة أعظمُ المراتب وأشرفُ
المناقب، وهذه الخصائص والفضائل التي حدَّث بها النبيُّ وَّ ر عن نفسه؛ إنما كان
ذلك منه لأنها من جملة ما أُمرَ بتبليغه؛ لما يترتب عليها من وجوب اعتقاد ذلك،
وأنه حقٌّ في نفسه، وليُرغِّبَ في الدخول في دينه، وليتمسَّكَ به من دخل فيه،
وليعلمَ قدر نعمة الله عليه في أن جعلَه من أمَّةٍ مَنْ هذا حالُه، ولتعظُمَ محبَّتُه في
قلوب مُثَّبعيه، فتكثرَ أعمالهم، وتطيبَ أحوالهم، فيُحشرون في زمرته، وينالون
الحظّ الأكبرَ من كرامته. وعلى الجملة فيحصُلُ بذلك شرفُ الدنيا، وشرفُ
الآخرة؛ لأن شرفَ المتبوع متعدٍّ لشرف التابع على كلِّ حال - فإن قيل: كل هذا
راجع للاعتقاد، وكيف يحصُل القطعُ بذلك من أخبار الآحاد؟ فالجواب: أن من
سمعَ شيئاً من تلك الأمور من النبيِّ وَ﴿ مشافهةً حصل له العلم بذلك، كما حصلَ
للصحابة السامعين منه، ومن لم يشافهْه، فقد يحصُلُ له العلم بذلك من جهة
التواتر المعنويّ؛ إذ قد كثرتْ بذلك الظواهر، وأخبارُ الآحاد حتى حصلَ لسامعها
العلم القطعيُّ بذلك المراد.
(١) رواه مسلم (٢٣٧٣) (١٦٠).
٥٠
(٣٣) كتاب النبوات - (١) باب: كونه مختاراً من خيار الناس
[٢١٩١] وعنه: أنَّ رسولَ الله ◌َِّ قالَ: ((ما من الأنبياء من نبيِّ إلا
قد أُعْطِيَ من الآيات ما مثلُه آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أُوتيته وحْياً
أوحى الله إليَّ، فأرجو أن أكون أكثرَهُم تابعاً يوم القيامة)).
رواه البخاريُّ (٤٩٨١).
و (قوله: ((ما من الأنبياء نبيٌّ إلا قد أُعطيَ من الآيات ما مثله آمنَ عليه
كلُّ رسولٍ أَيُّد البشرُ، وإنما كان الذي أُوتيتُه وحياً)) يعني: أن كلَّ رسولٍ أُّد بمعجزةٍ تدلُّ على
صحة رسالته، فيظهرُ صدقه، وتثبت حجَّته، كما قد عُلِمَ من أحوالهم؛ بما أخبرنا
الله به وبيَّنه عنهم؛ غير أن معجزاتِهم تنقرض بانقراضهم، فلا يبقى منها بعدَهم إلا
الإخبارُ بها، وذلك قد يخفى مع توالي الأعصار. ونبيّنا وَّ وإن كان قد أُعطي من
كل نوعٍ من أنواع معجزات الأنبياء قبله، كما قد أوضحناه في كتابنا المسمَّى:
بـ (الإعلام بصحة نبوةَ محمد عليه أفضل الصلاة والسلام)؛ لكنَّه فُضِّل على
القرآنُ الكريم جميعهم بالمعجزة العظمى الباقية ما بقيت الدنيا، وهي: الكتاب العزيز الذي
المعجزة أعجزت السورةُ منه الجِنَّ والإنسَ أيَّ تعجيزٍ، فإعجازُه مشاهدٌ بالعِیَان؛ متجدٌ ما
العظمی
تعاقَبَ الجدیدان، فمن ارتابَ الآن في صدق قوله؛ قيل له: فائت بسورة من مثله،
ولما كانت هذه المعجزة قاطعة الظهور، مستمرةً مدى الدهور، اشترك في معرفتها
المتقدِّمون والمتأخرون، واستوى في معرفة صدق محمدٍ بَله: السّابقون
واللَّحقون، فدخل العقلاءُ في دينه دخولاً مُتتابعاً، وحقَّقَ الله تعالى له رجاءَه،
فكان أكثرَ الأنبياء تابعاً .
بمعجزة
٥١
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته اَو
(٢) باب
من شواهد نبوته ◌َ# وبر كته
[٢١٩٢] عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله وَ له: ((إنِّي لأَغْرِفُ
حَجَراً بمكة كان يسلِّمُ عليَّ قبل أن أُبُعث؛ إنِّي لأعرفُهُ الآن)).
رواه أحمد (٨٩/٥)، ومسلم (٢٢٧٧)، والترمذيُّ (٣٦٢٤).
(٢) ومن باب: شواهد نبوّة نبينا محمد ليه
(قوله: ((إني لأعرف حجراً كان يسلّم عليَّ قبل أن أُبعث))) يعني: أنه كان
يُسلِّم عليه بالنبوة والرسالة قبل أن يُشافِهِه الملكُ بالرسالة. ذكر العلماءُ بسيرة
النبيِّ ◌َ﴿ وأحواله: أنه كان من لطف الله بنبيّه وَلَّ أن قدَّم له مقدِّمات، وخصَّه مُقدِّماتُ النبوة
ببشائر وكرامات، درَّجَهُ بذلك إلى أطوارٍ؛ لينقطعَ بذلك عن مألوفات الأغمار (١)، لمحمدَّ
ويتأهَّل على تدريج لقبول ما يُلقى إليه، ولتسهيل مشافهة الملك عليه، فكان داخليه
يرى ضياءً وأنواراً، ويسمع تسليماً وكلاماً، ولا يرى أشخاصاً، فيسمع الحجارة
والشجر تناديه، ولا يرى أحداً يناجيه؛ إلى أن استوحش من الخَلْق، ففرَّ إلى
الحق، فَحُبََّتْ إليه الخَلْوة، فكان سببَ هذه الحبوة، مشافهة الملك فقَبِل فَمَلَك،
وقد قدَّمنا: أن الصحيحَ من مذاهب أئمتنا: أن كلام الجمادات راجعٌ إلى أن
الله تعالى يخلقُ فيها أصواتاً مقطعة من غير مخارج؛ يفهم منها ما يفهم من
الأصوات الخارجة من مخارج الفم، وذلك ممكنٌ في نفسه. والقدرة القديمة
لا قصورَ فیها، فقد أخبر بها الصادق؛ فیجب له التصديق. كيف لا؟ وقد سمع من
حَضَر تسبيحَ الحصى في كفِّه، وحنينَ الجذع والمسجدُ قد غصَّ بأهله.
و (قوله: ((إني لأعرفه الآن))) يعني: أنه وَ ﴿ كان وقت حدَّثهم بهذا الحديث
(١) ((الأغمار)): جمع غُمْر، وهو مَن لم يُجرِّب الأمور.
٥٢
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته أقلده
[٢١٩٣] وعن أنس بن مالك قال: رأيتُ رسول الله وَلَه وحانتْ
صلاةُ العصر، فالتمس الناس الوَضُوء فلم يجدوه، فأُتِي رسولُ اللهِ وَه
بوَضُوءٍ، فوضع رسول الله ◌َ﴿ في ذلك الإناء يده، وأمر النَّاس أن
يتوضَّؤوا منه، قال: فرأيتُ الماء ينبع من تحت أصابعه، فتوضّأ النَّاسُ؛
حثّی توضؤوا من عند آخرهم.
وفي روايةٍ: دعا بماءٍ فأُتي بقدحٍ رَخراحٍ، فجعل القوم يتوضَّؤون،
فَحَزَرْتُ ما بين السِّتين إلى الثمانين، قال: فجعلتُ أنظر إلى الماء ينبع من
بین أصابعه .
رواه أحمد (١٣٢/٣)، والبخاريُّ (١٦٩)، ومسلم (٢٢٧٩) (٥
و٤)، والترمذيُّ (٣٦٣١)، والنسائي (٦٠/١).
يعرف الحجر معرفةً مَنْ كان يشاهده. وقيل: إن ذلك الحجر: هو الحجر الأسود،
والله أعلم.
و (قوله: أُتي بقدح رحراحٍ) أي: واسع. ويقال: رحرح - بغير ألف -، وإناء
أريحُ، وآنية رخَاءُ؛ كلُّ ذلك بمعنى الواسع. قال ابنُ الأنباري: ويكون ذلك قصير
الجدار.
معجزة نبع الماء
من بين
أصابعه زَّو
و (قوله: فرأيت الماء ينبعُ من بين أصابعه) هذه المعجزة تكررت من
، النبيِّ ◌َ لير مرات عديدة في مشاهد عظيمة، وجموع كثيرة، بلغتنا بطرق صحيحة من
رواية أنس، وعبد الله بن مسعود، وجابرٍ، وعمران بن حصين، وغيرهم ممن
يحصل بمجموع أخبارهم العلم القطعيُّ المستفاد من التواتر المعنوي. وبهذا
الطريق: حصل لنا العلمُ بأكثر معجزاته الدالة على صدق رسالاته، كما قد ذکرنا
جملة ذلك في كتاب ((الإعلام)). وهذه المعجزة أبلغ من معجزة موسى - عليه
السلام - في نبع الماء من الحجر عند ضربه بالعصا، إذ من المألوف نبعُ الماء من
٥٣
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته وَلخير
[٢١٩٤] وعنه: أنَّ نبيَّ الله ◌َ ه وأصحابه بالزَّوراء، قال: (والزوراء
بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثَمَّة) دعا بقدح فيه ماء.
وفي رواية: لا يغمر أصابعه، أو قدر ما يواري أصابعه، فوضع كفه
فيه، فجعل ينبع مِنْ بين أصابعه، فتوضأ جميعُ أصحابه. قال: قُلت: كم
كانوا يا أبا حمزة؟! قال: كانوا زهاءَ ثلاثمئةٍ.
رواه مسلم (٢٢٧٩) (٦ و٧).
بعض الحجارة، فأما نَبْعُه من بين عظم ولحم وعصب ودم فشيءٌ لم يُسْمَع بمثله،
ولا تُحُدِّث به عن غيره.
و (قوله: كانوا زهاء ثلاثمئة) أي: قدرها. يقال: هم زهاء كذا، ولهاء كذا
- باللام - أي: قدره. وفي الحديث الأول: فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين.
هذا يدلُّ على أن ذلك كان في موضعین :
أحدهما: بالزوراء. وهي سوقٌ بالمدينة.
والآخر: روي في بعض طرقه ما يدلُّ على أنه كان بغير الزوراء.
وقد وقع منه ◌َّر مثل هذا في غزوة الحديبية على ما رواه جابر، وفي غزوة من
بواط من حديث غيره. و (العكة) للسمن، وهي أصغر من القربة. و (الوَسْقُ): معجزاته ﴾
تكثير الطعام
ستون صاعاً كما تقدم في الزكاة، ونماء سمن العكة، وشطر وسق الشعير كل ذلك
ببركة النبيِّ ◌َ ﴿ فيما لمسه، أو تناوله، أو تهمَّم به، أو بَرَّك عليه، وكم له منها،
وكم! ورفع النماء من ذلك عند العصر والكيل سببه - والله أعلم - الالتفات بعين
الحرص مع معاينة إدرار نعم الله تعالى، ومواهب كراماته، وكثرة بركاته، والغفلة
عن الشكر عليها، والثقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة
خرق العادة، وهذا نحو مما جرى لبني إسرائيل في التيه، لما أُنزل عليهم المنّ
٥٤
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته {﴾
[٢١٩٥] وعن جابرٍ: أنَّ أمّ مالكِ كانت تُهدي للنَّبِيِّ وَلِهِ فِي عَكَّةٍ لها
سمْناً، فيأتيها بَنُوها، فيسألون الأُدم، وليس عندهم شيء، فتعْمِدُ إلى الذي
كانت تُهدي فيه للنبيِّ وَ﴿ فتجد فيها سمناً، فما زال يقيم لها أُدْمَ بيتها حتى
عصرتْهُ فأتتِ النَّبيَّ وَّله فقال: ((عصرْتيها؟)) قالت: نعم، قال: ((لو تركتيها
ما زال قائماً).
رواه مسلم (٢٢٨٠).
[٢١٩٦] وعنه: أنَّ رجلاً أتى النَّبيَّ ◌َ له يستطعمه، فأطعمه شطْرَ
وَسْقِ شعيرٍ، فما زال الرَّجلُ يأكل منه وامرأتُه وضيفُهما حتى كَالَه، فأتى
النَّبِيَّ ◌َّ فقال: ((لو لم تكِلْه لأكلتم منه ولَقامَ لكُم)).
رواه أحمد (٣٣٧/٣ و٣٤٧)، ومسلم (٢٢٨١).
[٢١٩٧] وعن معاذ بن جبل قال: خرجنا مع رسول الله وَطلقت عام
غزوة تبوك
والسلوى. وقيل لهم: ﴿كُلُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ وَأَشْكُرُواْ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٧٢]،
فأطاعوا حرص النفس، فادخروا للأيام، فخنز اللحم، وفسد الطعام.
موالاة
الشكر
على النُّعم
و (قوله لصاحبة العكة: ((لو تركتيها ما زال قائماً))، ولصاحب الشطر: ((لو
لم تكله لقام بكم))) يستفاد منه: أن من أُدِرَّ عليه رزقٌ، أَو أُكْرِم بكرامةٍ، أو لُطِف به
في أمرٍ ما، فالمتعيَّن عليه: موالاة(١) الشكر، ورؤية المِنَّة لله تعالى، ولا يحدث
مغيّراً في تلك الحالة، ويتركها على حالها. ومعنى رؤية المِنَّة: أن يعلم أن ذلك
بمحض فَضْل الله، وكرمه؛ لا بحولنا، ولا بقوتنا، ولا استحقاقنا.
و (قوله: خرجنا مع رسول الله وَلير عام تبوك) هي موضعٌ معروف بطريق
(١) ليست في (م ٣) و (ز).
٥٥
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته الد
فكان يَجْمَع الصَّلاة؛ فصلَّى الظهر والعصر جميعاً؛ والمغرب والعشاء
جميعاً، حتى إذا كان يومٌ آخَرُ أَخَّرَ الصلاة، ثم خرج فصلى الظهر والعصر
جميعاً، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك، فصلّى المغرب والعشاء جميعاً، ثم
قال: ((إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عينَ تبوك، وإنّكم لن تأتوها حتّى
يُضْحِيَ النَّهارُ، فمن جاءها منكم فلا يمسَّ مِنْ مائها شيئاً حتى .
الشام فيه ماء، وهذه الغزوة: هي آخرُ غزاةٍ غزاها رسولُ اللهِ وَّه يريدُ غزوَ الروم، ظهورُ
فخرج فيها في شهر رجب سنة تسع من الهجرة في حرِّ شديد لسفرٍ بعيدٍ، وخرج معجزاته 185
معه أهلُ الصدق من المسلمين، وتخلَّف عنه جميعُ المنافقين، وكانت غزوةً أظهر في غزوة تبوك
الله فيها من معجزات نبيه ﴿ وكراماته، ما زاد اللَّهُ المؤمنين به إيماناً، وأقام بذلك
على الكافرين حجَّةً وبرهاناً.
و (قوله: فكان يجمع الصلاةَ فصلّى الظهر والعصر جميعاً، والمغرب
والعشاء جميعاً) ظاهِرُ هذا المساق أنه أوقع الظهر والعصر في أول الوقت
مجموعتين، وكذلك المغرب والعشاء؛ لأنه قال بعد ذلك: (حتى إذا كان يومٌ آخر
أخَّر الصلاة، ثم خرج، فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج بعد
ذلك، فصلَّى المغرب والعشاء جميعاً). وظاهره أنه أخَّر الصلاتين إلى آخر وقتهما
المشترك. وهو حُجَّةٌ لمالك؛ فإنه يقول بجواز كل ذلك، على تفصيل له في
الأفضل من ذلك، كما قدَّمناه، وهو أيضاً حجة للشافعيِّ عليه في اشتراطه في جواز
الجمع بين الصلاتین استعجال السير، والشافعي لا يشترطه، وقد تقدّم کل ذلك في
كتاب الصلاة.
و (قوله ◌َ﴾: ((إنكم ستأتون غداً - إن شاء الله - عين تبوك، وإنكم لن تأتوها
حتى يُضْحِيَ النهار))) ظاهره: أن هذا منه وَ﴿ إخبارٌ عن غيبٍ بوحي، ويحتمل غير
ذلك.
تكثيرُ الماء في
و (قوله: ((فمن جاءها منكم فلا يمسَّ من ماءها شيئاً))). إنما نهاهم عن ذلك عين تبوك
٥٦
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته الخلود
آتي)) فجئناها، وقد سبقَنَا إليها رجُلانٍ، والعينُ مثلُ الشِّراكِ، تَبِضُّ بشيءٍ
من ماءِ، قال: فسألهما رسولُ الله وَ لِّ: ((هل مَسَسْتُما من مائها شيئاً؟)).
قالا: نعم، فسبَّهُما النَّبيُّ وَ ﴿﴿ وقال لهما ما شاء الله أن يقول، قال: ثم
غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء، قال: وغَسَلَ
ليظهر انفراده بالمعجزة، وتتحقق نسبتها إليه، واختصاصه بها، فإنه إذا شاركه غيره
في مسّ مائها، لم يتمحض اختصاصه بها، ولذلك لما وجد الرجلين عليها؛ أمر
أن يُغرف له من مائها، وكأنه كان أراد أن يباشر الماء وهو في موضعه، لكن لما
سبقه غيره إليها، جمعوا له من مائها، فغسل فيه يديه ووجهه، ثم أمر أن يعاد ذلك
الماء فيها، فلما فعلوا ذلك جاءت العين بماء منهمر، وسُمع له حسنٌّ كحسِّ
الصواعق.
و (قوله: والعين مثل الشراك تبضُّ بشيءٍ من ماءٍ) الرواية المشهورة(١):
تَبِضُّ، بالضاد المعجمة، أي: تسيلُ بماء قليلٍ رقيقٍ مثل شراك النعل، وقد روي
بالصاد المهملة، وكذلك وقع في البخاري، أي: تبرق. يقال: بصَّ يبص بصيصاً،
ووبص يبص وبيصاً بمعناه. وسبُّ النبيِّ وَّ السابقَيْن للماء يحتملُ أن يكون:
لأنهما كانا منافِقَين قصدا المخالفة، فصادف السبُّ محلّه. ويحتمل أن كانا غير
منافقين، ولم يعلما بنهي النبيِّ ◌ََّ، ويكون سبُّه لهما لم يصادف محلاً، فيكون
ذلك لهما رحمةً وزكاةً، كما قاله ◌َّ: ((اللهم من لعنتُه، أو سببتُه وليس لذلك
بأهلٍ، فاجعلْ ذلك له زكاةً، ورحمةً، وقربةً تقرِّبه بها إليك يوم القيامة))(٢).
و (المنهمر): الكثير الانصباب، و (يوشك): يجيء ويسرع. وقد تقدَّم الكلامُ
عليها، و (الجنان): البستان من النخل وغيره، سمي بذلك لأنه يُجِنُّ أرضه وما
تحته، أي: يستر ذلك.
(١) في (م ٢): الصحيحة.
(٢) رواه مسلم (٢٦٠١) (٨٩).
٥٧
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته الأول
رسول الله ◌َّ﴿ فيه يديه ووجْهَه، ثم أعاده فيه؛ فجَرَتِ العينُ بماءٍ مُنْهَمٍ - أو
قال: غزيرٍ - حتى استقى الناس. ثم قال: ((يوشِكُ يا معاذُ إنْ طالتْ بِكَ حياةٌ
أن ترى ما ها هنا قد مُلیءَ جِناناً».
رواه أحمد (٢٣٧/٥ - ٢٣٨)، ومسلم (٧٠٦) في الفضائل (١٠)،
وأبو داود (١٢٠٦)، والترمذيُّ (٥٥٣)، والنسائيُّ (٢٨٥/١)، وابن ماجه
(١٠٧٠).
[٢١٩٨] وعن أبي حميد قال: خرجنا مع رسول الله وَل غزوة
تبوك، فأتينا واديَ القرى على حديقةٍ لامرأةٍ؛ فقال رسول الله وَلات :
((اخرِ صوها))، فخرصْناها، وخَرَصَها رسولُ اللهِوَّهِ عشرة أَوْسُقٍ وقال:
وقد اشتمل هذا الحديث على معجزتين عظيمتين؛ إحداهما: نبع الماء
المذكور. والثانية: تعريفه بكثير من علم الغيب؛ فإن تبوك من ذلك الوقت سُكِنَتْ
لأجل ذلك الماء، وغُرست بساتين، كما قال النبيُّ ◌َّد.
و (قوله ﴿ لأصحابه حين مرَّ على حديقة المرأة: ((اخْرِ صُوها)» دليل على
جواز الخرص إذا احتيج إليه، وأنه طريق معتبر شرعاً. وخروج ثمرة هذه الحديقة جواز الخّرْص
على مقدار ما خرصه رسول الله وَ ﴿ دليلٌ على صحة حدسه، وقوة إدراكه، وإصابته
وجه الصواب فيما كان يُحاوله، ولا يُعارَضُ هذا بحديث إبار النخل؛ فإن
الله تعالى قد أجرى عادةً ثابتةً متكررةً في إبار النخل لم يعلمها النبيُّ وَِّ، فقال:
((ما أرى هذا يغني شيئاً)) يعني الإبار، وصَدَق؛ فإن الله تعالى هو الذي يمسكُ
الثمرةَ ويطيِّبها إذا شاء؛ لا الإبار، ولا غيره، بخلاف الوصول إلى المقادير
بالخرص؛ فإن الغالب فيه من الممارسين له التقريب لا التحقيق. وقد أخبر
النبيُّ ټلټ بمقدار ذلك على التحقيق، فَوُجِد كما أخبر، فإن كان هذا منه عن حدس
وتخمينٍ، كان دليلاً: على أنه قد خُصَّ من ذلك بشيءٍ لم يصلْ إليه غيره، وإن كان
ذلك بالوحي، كان ذلك من شواهد نبوته ێ .
٥٨
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته وَلو
((أخصِيها حتى نرجع إليكِ إن شاء الله)) وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال
رسول الله وَّه: ((ستهُبُّ عليكم الليلةَ ريحٌ شديدةٌ. فلا يَقُمْ فيها أحدٌ منكم،
فمن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقالَه)). فهبَّتْ ريحٌ شديدةٌ، فقام رجلٌ فحملَتهُ
الرِّيحُ حتى ألقَتْهُ بجبليْ طَيٍِّ، وجاء رسول ابنِ العَلْماءِ صاحبِ أئِلَةً إلى
رسول الله وَ يهو بكتابٍ، وأهدى لهُ بغْلةً بيضاءَ، فكتب إليه رسول الله وَ له.
- في رواية: ببخرهم -. وأهدى له برداً، ثم أَقْبلنا حتى قدمنا واديَ القُرى،
من
معجزاته #
الغيبية
و (قوله: ((ستهبُّ عليكم ريحٌ شديدة))) من المعجزات الغيبية، وهي من
الكثرة بحيث لا تحصى، يحصل بمجموعها العلم القطعي بأن النبيَّ وَّرَ كان يعلمُ
كثيراً من علم الغيب الذي لا يعلمه إلا الله، أو مَنِ ارتضاه من الرسل فأطلعه الله
عليه، والنبيُّ وَّهِ قد أطلعه اللَّهُ عليه، فهو رسولٌ من أفضل الرسل.
و (قوله: ((فلا يَقُمْ فيها أحدٌ، ومن كان له بعيرٌ فليشدَّ عقاله))) دليلٌ على
التوكّل لا
يُناقض التحرُّز الأخذ بالحزم، والحذر في النفوس، والأموال، ومَنْ أهمل شيئاً من الأسباب
المعتادة، زاعماً أنه متوكل، فقد غلط؛ فإن التوكل لا يناقض التحرُّز، بل: حقيقتُه
لا تتمّ إلا لمن جمع بين الاجتهاد في العمل على سُنَّة الله، وبين التفويض إلى
الله تعالى، كما فعل رسولُ الله ◌َلِے .
وابن العلماء: هو بفتح العين المهملة وسكون اللام، والمدِّ، وهو تأنيث
الأعلم، وهو المشقوق الشفة العليا، والأفلح: هو المشقوق الشفة السفلى.
وصاحب أيلة: يعني به: ملكها. وأيلة: بلد معروف بالشام، وإليه تُنسب عَقَبة أيلة .
و (قوله: وأهدى له بغلةً بيضاء) هذه البغلة قبلها النبي ◌َّهه وبقيت عنده زماناً
طويلاً، ولم تكن له بغلةٌ غيرها، وكانت تسمَّى: الدُّلْدُل، وفيه دليلٌ على قبول
هدية الكتابيٌّ، وقد تقدَّم القولُ فيه، وفي قوله: ((هذا جبل يُحبُّنا ونحبُّه)) وفي:
((طابة)).
و (قوله: فكتب له رسولُ الله # ببحرهم، وأهدى له برداً) البحر هنا: يُراد
٥٩
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته {﴾
فسألَ رسول الله ﴿ المرأةَ عن حديقتها: ((كم بَلَغَ ثمرُها؟)) فقالتْ: عشْرةَ
أوْسُقٍ، فقال رسول الله وَّةٍ: ((إني مسرٌ، فمن شاء منكم فليسرع معيَ،
ومن شاء فليمكثْ)) فخرجنا حتى أشرفنا على المدينة، فقال: ((هذه طابة،
وهذا أُحُدٌ، وهو جبل يُحبُّنا ونحبُّهُ))، ثم قال: ((إنَّ خير دور الأنصار دارُ بني
النَّجارِ، ثمَّ دارُ بني عبد الأشهل،
به البلد، والبحار: القرى، وقد تقدم. وكأن النبيَّ ◌َّ أقطعه بعضَ تلك البلاد،
كما قد أقطع تميماً الداريَّ - رضي الله عنه - بلد الخليل ◌َ﴿ قبل فتحه. ويظهر من
حال ابن العَلْمَاء أنه استشعر، أو عَلِمَ أنَّ النبيَّ ◌َّ ر سيظهر، ويغلب على ما تحت
يده هو من البلاد، فسأله أن يقطعه بعضها. والله أعلم. وأما إهداؤه البرد فمكافأة،
ومواصلة، واستئلاف ليدخل في دين الإسلام، وكأن النبيَّ وَلقر لم يحضره في ذلك
الوقت إلا ذلك البرد. والله أعلم.
و (قوله: ((إن خير دور الأنصار: دار بني النجار، ثم دار بني جواز تفضيل
عبد الأشهل ... الحديث إلى آخره))) يدلُّ على: جواز تفضيل بعض المعينين على بعض المعيَّين
على بعضٍ
بعض من غير الأنبياء، وإن سمع(١) ذلك المفضول، وقد تقدَّم القولُ في تفضيل
الأنبياء. و (الدُّور) جمع دار، وهو في الأصل: المحلة والمنزل، وعبَّر به هنا عن
القبائل، وهذا نحو قوله: أمر رسول الله و ﴿ ببناء المساجد في الدور(٢)، أي: في
القبائل والمحلات. وفيه ما يدلُّ على جواز المدح إذا قُصِد به الإخبارُ بالحقِّ، شروط جواز
ودَعَتْ إلى ذلك حاجة، وأُمِنَتِ الفتنةُ على الممدوح. وفيه دليلٌ على جواز المدح
المنافسة في الخير، والدين، والثواب، كما قال سعد: يا رسول الله وَ﴿! خيَّرت جواز المنافسة
دور الأنصار فجعلتنا آخراً. طلب أن يلحقهم بالطبقة الأولى. فأجابه بأن قال: في الخير
((أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار؟)). وإنما يعني بذلك: أن تفضيلهم إنما هو
(١) في (ج ٢): بلغ.
(٢) رواه أحمد (٢٧٩/٦)، وأبو داود (٤٥٥)، والترمذي (٥٩٤)، وابن ماجه (٧٥٩).
٦٠
(٣٣) كتاب النبوات - (٢) باب: من شواهد نبوته ال﴾
ثمَّ دار بني عبد الحارث بن الخزرج، ثمَّ دار بني ساعدة؛ وفي كل دور
الأنصار خير)). فلَحِقّنَا سعدُ بنُ عبادةَ فقال أبو أُسَيْدٍ: ألم تر أنَّ
رسول الله ﴿ خيَّر دورَ الأنصار فجعلنا آخراً، فأدرك سعدٌ رسولَ اللهِ وَل
فقال: يا رسول الله! خيَّرت دور الأنصار فجعلتنا أخراً، فقال: ((أو ليس
بحسبکم أن تكونوا من الخیار؟!)).
رواه أحمد (٤٢٤/٥)، والبخاريّ (١٤٨١)، ومسلم (١٣٩٢) في
الفضائل (١١ و١٢)، وأبو داود (٣٠٧٩).
بحسب سبقهم إلى الإسلام، وظهور آثارهم فيه، وتلك الأمور وقعتْ في الوجود
مرتبةً على حسب ما شاء الله تعالى في الأزل، وإذا كان كذلك لم يتقدَّمْ متأخّرٌ منهم
على منزلته، كما لا يتأخر متقدّمٌ منهم عن مرتبته؛ إذ تلك مراتبُ معلومةٌ على قِسَمٍ
مقسومةٍ، وقد سبق لسعادتهم القضاء ﴿يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ، مَن يَشَاءُ﴾ [آل عمران:
٧٤].
و (قوله: ((ثم دار بني عبد الحارث))) كذا وقع للعذريٍّ، والفارسيِّ، وهو
وهمٌّ. والصواب: بني الحارث، بإسقاط عبد. والله أعلم.
و (قوله: وجَعَلَنا آخراً) وقع في بعض النسخ آخر بغير تنوينٍ ولا ألِف. جعله
غير منصرف، وليس بصحيح الرواية، ولا المعنى؛ إذ لا مانع من صرفه؛ لأن آخراً
هنا: هو الذي يقابل: أولاً، وكلاهما مصروفٌ، وهو منصوبٌ على أنه المفعولُ
الثاني لجعل؛ لأنه بمعنى: صِيَّر، ويحتمل أن يُتأوَّل في معنى جعل: معنى أنزل،
فيكون ظرفاً، أي: أنزلتنا منزلاً متأخراً. وعلى الوجهين فلا بد من صرفه، وكذا
وجدناه من تقیید المحقّقين.
و (قوله: ((أو ليس بحسبكم أن تكونوا من الخيار))) ويروى: ((من الأخيار))
و كلاهما صحيح.