Indexed OCR Text
Pages 1-20
سه د ٧ ◌ِمَا أَشْكَلَ مِنْتَّ خِيصِ كَّابِ مُسْلِمِ تَألِيف الإمام الحافظ أبي العَّاسر أحمدبن حمدبن إبراهيم القرطبي ٥٧٨ - ٦٥٦ هجرية الجُرُءُ السَّادِسُ حقَّقَهُ وَعَلََّ عَلَيهِ وَقَدَّمَلَهُ محي الدّين ديبتو أحمد محمّد السيد يوسف علي بديوي محمود إبراهيم زال دَارِبَ ٣٠ ريفي دمشق - بيروت دَارُ الكَلِ الطُّ ٠٠,, دمشق - بيروت بسمالله الرحمن الرحيم حُقُوقُ الطَّعِ وَالتَُّويُرِ مَخَفُوظَةٌ لِنَّاشِرَيْنِ الطّبْعَة الأولى ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦مـ دارابن لا للطَّبَاعَةِ وَالنَّشْرِ وَالتَّوزيْع دمشق - حَلبوني - جَادة ابن سينا - بناء الجَابي ص.ب: ٣١١ - تلفون: ٢٢٢٥٨٧٧ - ٢٢٤٣٥٠٢ بَيروت - برج أبي حيْدر - خلف دبوس الأصلي ص.ب: ١١٣/٦٣١٨ تلفون: ٨١٧٨٥٧ - ٢٠٤٤٥٩ - ٠٣ دمشق - حلبوني - شارع مسلم البارودي هاتف ٢٩٢٩٨٨٦ ص.ب ٣٠٥٥٢- بروت ص.ب: ١١٣/٦٣١٨ الطباعةوالنشر والتوزيع القهر لِمَا أَشْكُلَ مِنْنَاخِيصِ كَّابِ مُسْلِمِ الفهرس الألفبائي للكتب الواردة في تلخيص مسلم والمغهم اسم الكتاب ورقمه الجزء والصفحة اسم الكتاب ورقمه الجزء والصفحة آداب الأطعمة (٢٧) ٢٩٣/٥ الرؤيا (٣٢) ٥/٦ الاستسقاء (٦) ٣٥٨/٢ الزكاة (٩) ٥/٣ الاعتكاف وليلة القدر (١١) ٢٤٠/٣ الزهد (٣٩) ٧/ ١٠٧ الأدب (٣٠) ٤٥٣/٥ الصدقة والهبة والحبس (٢٠) ٥٧٨/٤ الأذكار والدعوات (٣٧) ٥/٧ الصلاة (٣) ٥/٢ ٢٤٦/٥ الأشربة (٢٦) صلاة العيدين (٥) ٥٢٣/٢ الصوم (١٠) ١٣٥/٣ ٣٤٧/٥ الأضاحي (٢٨) ١٫٠ الأقضية (٢٤) ١٤٧/٥ ٢٠٤/٥ الصيد والذبائح (٢٥) ٤/ ٢٢٤ الطلاق (١٦) ٥/٤ الإمارة والبيعة (١٤) الإيمان (١) ١٣١/١ ٤٧٣/١ الطهارة (٢) البر والصلة (٣٤) ٤/ ٣٦٠ البيوع (١٨) ٣١٤/٧ التفسير (٤٢) ٤٧٨/٢ الجمعة (٤) ٥٦٩/٢ الجنائز (٨) ٥١١/٣ ٢٥٥/٣ الحج (١٢) ٧٠/٥ ٦٠٤/٤ النذور والأيمان (٢١) ٤/ ٨٠ النكاح (١٥) ٦٩/٧ ٥٦٣/٥ الرقى والطب (٣١) الوصايا والفرائض (١٩) ٤/ ٥٣٩ 1 ٦٨٤/٦ العلم (٣٦) الفتن وأشراط الساعة (٤١) ٢٠٦/٧ القدر (٣٥) ٦٤٩/٦ الجهاد والسير (١٣) القسامة والقصاص والدیات (٢٢) ٥/٥ كسوف الشمس والقمر (٧) ٥٤٩/٢ ٣٨٥/٥ اللباس (٢٩) النبوات (٣٣) ٤٦/٦ الحدود (٢٣) ٧/ ١٤٢ ذكر الموت وما بعده (٤٠) الرقاق (٣٨) ٥٠٨/٦ ٣٠٩/٤ العتق (١٧) ٩٠٫٠٠٠٠٠ (٣٢) كتاب الرؤيا - (١) باب: الرؤيا الصادقة من الله (٣٢) كتاب الرؤيا (١) باب الرؤيا الصادقة من الله والخُلْمُ مِن الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره [٢١٧٣] عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا قتادة يقول: سمعت رسول الله ﴿ يقول: ((الرؤيا من الله والحُلْمُ من الشَّيطان، فإن رأى أحدكم شيئاً يكرهه فلينفُتْ عن يساره ثلاث مراتٍ، وليتعوذ بالله (٣٢) كتاب الرؤيا [(١) باب: الرؤيا الصادقة من الله والحُلْم من الشيطان وما يفعل عند رؤية ما يكره](١) (قوله: ((الرؤيا من الله، والحُلْم من الشيطان))) الرؤيا: مصدر رأى في المنام رُؤُيا، على وزن فُعْلى؛ وألفه للتأنيث، ولذلك لم ينصرف. والرؤية: مصدر رأى بعينه في اليقظة رؤيةً. هذا المعروف من لسان العرب، وقال بعض العلماء: إن (١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص. ٦ (٣٢) كتاب الرؤيا - (١) باب: الرؤيا الصادقة من الله من شرِّها؛ فإنَّها لن تضرّه)). فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل فما هو إلاّ أنْ سمعتُ بها الحديث فما أُباليها. زاد في رواية: «ولیتحوّل عن جنبه الذي کان علیه)). الرؤيا قد تجيء بمعنى الرؤية. وحَمَل عليه قولَه تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِى أَرَيْتَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] وقال: إنما يعني بها رؤية النبيِّ وَّه في الإسراء لِما أراه من عجائب السموات والملكوت، وكان الإسراءُ من أوَّله إلى آخره في اليقظة. وقد ذكرنا هذا في باب الإسراء من كتاب: الإيمان. والحُلْم - بضم الحاء، وسكون اللام - مصدر حَلَمت - بفتح الحاء واللام - إذا رأى في منامه رؤيا، وتُجمع على أحلام في القلّة، وفي الكثرة حلوم، وإنما جُمِع وإن كان مصدراً لاختلاف أنواعه، وهو في الأصل عبارةٌ عما يراه الرائي في منامه حسناً كان أو مكروهاً. وأراد به النبيُّ ◌َ﴿ هنا ما يكره، أو ما لا ينتظم، على ما يأتي إن شاء الله تعالى. فأما الحِلْم - بكسر الحاء ۔ فهو مصدر حَلُم - بضم اللام - يحلم: إذا صفح وتجاوز حتى صار له ذلك كالغريزة. وتحلَّم: تكلّف الحلم. والحَلم - بفتح الحاء - هو فساد الإهاب من الدباغ، وتثقيبه فيه. يقال منه: حَلِم الأديم - بكسر اللام - يحلم - بفتحها -: إذا صار كذلك. وقد اختلف الناسُ في كيفية الرؤيا قديماً وحديثاً، فقال غير المتشرِّعين أقوالاً كثيرة مختلفةً، وصاروا فيها إلى مذاهب مضطربة قد عَرِيَتْ عن البرهان فأشبهت الهذيان. وسببُ ذلك التخليط العظيم: الإعراض عما جاءت به الأنبياءُ من الطريق المستقيم. وبيان ذلك: أن حقيقةَ الرؤيا إنما هي من إدراكات النفس، وقد غيّب عنا عِلْم حقيقتها. وإذا لم يعلم ذلك لعدم الطريق الموصل إليه؛ كان أحرى، وأولى ألا نعلم ما غيِّب عنا من إدراكاتها، بل نقول: إنا لا نعلم حقيقة كثيرٍ مما قد انكشفت لنا جملته من إدراكاتها، كحسّ السمع، والعين، والأذن، وغير ذلك، فإنا إنَّما نعلم منها أموراً جُمليّةً، لا تفصيليَّةً، وأوصافاً لازمةً، أو عرضيةً، لا حقيقيّةً، وسبيلُ العاقل: أَلا يطمعَ في حقيقة الرؤيا ٧ (٣٢) كتاب الرؤيا - (١) باب: الرؤيا الصادقة من الله وفي أخرى: ((الرؤيا الصالحة من الله، ورؤيا السُّوء من الشيطان، فمن رأى رؤيا يكره منها شيئاً؛ فلينفث عن يساره، وليتعوذ بالله من معرفة ما لم يُنْصَبْ له عليه دليلٌ عقليٌّ، ولا حسيٍّ، ولا مركبٌ منهما؛ إلا أن يخبر بذلك صادقٌ، وهو الذي دلَّ الدليلُ القطعيُّ على صدقه، وهم الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - فإنَّهم دلت على صدقهم دلائلُ المعجزات. وإذا كان كذلك: فسبيلُنا أن نُعْرِض عن أحوال المعرضين، ونتشاغل بالبحث عن ذلك في كلام الشّارع والمتشرِّعین. قال الإمام أبو عبد الله(١): المذهبُ الصحيحُ ما عليه أهلُ السُّنَّة؛ وهو: أنَّ مذهب أهل الله تعالى يخلقُ في قلب النائم اعتقاداتٍ، كما يخلقها في قلب اليقظان. وهو تبارك السنة في الرؤيا اسمه يفعلُ ما يشاء، وما يمنعه مِن فعله نومٌ، ولا يقظةٌ، وكأنه سبحانه جعل هذه الاعتقادات علماً على أمورٍ أُخَر يخلقُها في ثاني حالٍ، أو كان قد خلقها. وقال غيرُه: إنَّ لِلَّهِ تعالى مَلَكاً مُوثَّلاً يعرضُ المرئيَّات على المحلِّ المدرك من النائم، فيمثِّل له صوراً محسوسةً، فتارةً تكون تلك الصورُ أمثلةً موافقةً لما يقع في الوجود، وتارةً تكون أمثلةً لمعانٍ معقولةٍ غير محسوسةٍ. وفي الحالتين تكون مبشّرةً ومنذرةً. قلتُ: وهذا مثل الأول في المعنى؛ غير أنه زاد فيه قضية المَلَك، ويحتاجُ في ذلك إلى توقيفٍ من الشرع، إذ يجوز أن يخلقَ اللَّهُ تعالى تلك التمثيلات من غیر مَلكِ. وقيل: إن الرؤيا إدراكُ أمثلة منضبطة في التخيل جعلها الله إعلاماً على ما كان، أو يكون. [وهو أشبهها](٢). فإن قيل: كيف يقال إن الرؤيا إدراكٌ مع أن (١) انظر: المعلم بفوائد مسلم (١١٥/٣). (٢) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢). ٨ (٣٢) كتاب الرؤيا - (١) باب: الرؤيا الصادقة من الله الشيطان، لا تضرُّه، ولا يخبر بها أحداً، فإنْ رأى رؤيا حسنةً، فلْيُبْشِر ولا يخبر بها إلا من يحب)). رواه أحمد (٣١٠/٥)، والبخاريُّ (٣٣٩٢)، ومسلم (٢٢٦١) (٢ و٣)، وأبو داود (٥٠٢١)، والترمذيُّ (٢٢٧٧)، وابن ماجه (٣٩٠٩). النوم ضد الإدراك؛ فإنه من الأضداد العامة، كالموت، فلا يجتمعُ معه إدراكٌ؟ فالجواب: أن الجزء المدرك من النائم لم يحلّه النوم، فلم يجتمع معه، فقد تكون العينُ نائمة، والقلب يقظان؛ كما قاله النبيُّ وَّه: ((إن عينيَّ تنامان، ولا ينام قلبي)(١). وإنما قال: منضبطة في التخيُّل؛ لأن الرائي لا يرى في منامه إلا من نوع ما أدركه في اليقظة بحسِّه، غير أنَّه قد تركَّب المتخيَّلات في النوم تركيباً يحصلُ من مجموعها صورةٌ لم يوجدْ لها مثالٌ في الخارج، تكون عَلَماً على أمرٍ نادٍ، كمن یری في نومه موجوداً رأسه رأس الإنسان وجسده جسد الفرس مثلاً، وله جناحان، إلى غير ذلك مما يمكن من التركيبات التي لا يوجد مثلُها في الوجود. وإن كانت آحادُ أجزائها في الوجود الخارجي. وإنما قال: جعلها اللَّهُ إغلاماً على ما كان، أو يكون؛ لأنه يعني به: الرؤيا الصحيحة المنتظمة الواقعة على شروطها على ما يأتي إن شاء الله تعالى. أنواع الرؤيا ثم: إن النبيَّ بَ ير قد ذكر أنواع الرؤيا هنا. وفيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله مَله: ((الرؤيا ثلاث: فرؤيا حقٌّ، ورؤيا يحدِّثُ المرءُ بها نفسه، ورؤيا تحزين من الشيطان ... ))(٢) وذكر الحديث. فرؤيا الحق: هي المنتظمة التي لا تخليط فيها، وقد سمّاها في رواية أخرى: ((الصادقة)). وفي أخرى: ((الصالحة))، وهي التي يحصلُ بها التنبيهُ على أمرٍ في الرؤيا الحق (١) رواه البخاري (٢٠١٣)، ومسلم (٧٣٦ و ٧٣٧). (٢) رواه الترمذي (٢٢٨٠). ٩ (٣٢) كتاب الرؤيا - (١) باب: الرؤيا الصادقة من الله [٢١٧٤] وعن جابرٍ، عن رسول الله و ◌َلّ أنَّه قال: ((إذا رأى أحدكم الرؤيا يكرهها فليبصق عن يساره ثلاثاً، وليستعذ بالله من الشيطان ثلاثاً، ولیتحول عن جنبه الذي کان علیه)). رواه أحمد (٣٥٠/٣)، ومسلم (٢٢٦٢) (٥)، وأبو داود (٥٠٢٢)، وابن ماجه (٣٩٠٨). اليقظة صحيح، وهي - التي إذا صدرتْ من الإنسان الصالح - جزءٌ من أجزاء النبوة. أي: خصلة من خصال الأنبياء التي بها يعلمون الوحي من الله تعالى. وأما الثانية: فهي التي تكون عن أحاديث نفسٍ متوالية، وشهواتٍ غالبة، وهموم لازمةٍ، ينام رؤيا أحاديث عليها، فيرى ذلك في نومه، فلا التفاتَ إلى هذا، وكذلك الثالثة. فإنها تحزینٌ، النفس المتوالية والتحزين والتهويل وتهويلٌ، وتخويفٌ، يُدْخِل كلَّ ذلك الشيطانُ على الإنسان في نومه ليشوّش يقظته. وقد يجتمع هذان السببان؛ أعني: هموم النفس، وأُلقيات الشيطان في منامٍ واحدٍ، والتخويف فتكون أضغاث أحلام لاختلاطها. والضغث: هي القبضة من الحشيش المختلط. و (قوله: ((الرؤيا من الله))) أي: بشرى من الله، أو تحذير وإنذار. و (قوله: ((والحُلْم من الشيطان)) يعني به: ما يلقيه مما يهوِّل، أو يخوّف، أو يُخزِن به. وهذا النوع هو المأمورُ بالاستعاذة منه؛ لأنه من تخييلات الشيطان التعوّذ من وتشويشاته، فإذا استعاذ الرائي منه صادقاً في التجائه إلى الله تعالى، ونفث عن الحُلْم وكيفيته يساره ثلاثاً، وتحوَّل عن جنبه كما أمره النبيُّ ◌َّ في هذا الحديث، وصلى(١) أذهب الله عنه ما أصابه، وما يخافه من مكروه ذلك، ولم يصبه منه شيءٌ ببركة صدق الالتجاء إلى الله تعالى، وامتثال أوامر رسوله وَ طه. وعلى هذا فيكون قوله: ((فإذا رأى أحدكم ما يكره)) إنَّما يعني به: ما يكون سببه الشيطان. وقيل: بل الخبر (١) من (م ٢) و (ع). ١٠ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً (٢) باب أصدقکم رؤيا أصدقكم حديثاً [٢١٧٥] عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ وَ لّ قال: ((إذا اقترب الزَّمان لم تکد رؤیا المسلم تكذبُ، بحكم عمومه يتناول ما يسببه الشيطان، وما لا يسببه مما يكرهه الرائي. ويكون فعل هذه الأمور كلها مانعاً من وقوع ذلك المكروه. كما يقال: إن الدعاء يدفع البلاء، والصَّدقةَ تدفع ميتة السوء. وكل ذلك بقضاء الله تعالى وقَدَره، ولكن الوسائط والأسباب عاديات(١) لا موجودات. وفائدةٌ أمره بالتحول عن جنبه الذي كان عليه ليتكامل استيقاظه، وينقطع عن ذلك المنام المكروه. وفائدة الأمر بالصلاة(٢) أن تكمل الرغبة، وتصح الطلبة؛ فإنَّ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجدٌ. و (قول أبي سلمة: فما أباليها) أي: ما ألتفتُ إليها، ولا ألقي لها بالاً. أي: لا أخطرها على فكري ثقة بالله تعالى، وبما أمر به رسوله وَله . (٢ و ٣) ومن باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً (٣) (قوله: ((إذا اقتربَ الزمانُ لم تكذْ رؤيا المسلم تكذبُ))) قيل في اقتراب الزمان قولان : معنى تقارب الزمان أحدهما: تقارب الليل والنهار في الاعتدال، وهو الزمان الذي تتفتق فيه الأزهار، وتَيْنعُ فيه الثمار، وموجب صدق الرؤيا في ذلك الزمان اعتدال الأمزجة (١) مفردها: عدوى، وهي: المعونة. وفي (ج ٢): عادات. (٢) الأمر بالصلاة لم يرد في أحاديث هذا الباب، وإنما في أحاديث الباب الذي يليه. (٣) شرح المؤلف تحت هذا العنوان ما أشكلَ في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه، وهو بعنوان: باب الرؤيا الصالحة جزء من أجزاء النبوة. ١١ (٣٢) كتاب الرؤيا ۔ (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً وأصدقكم رؤیا أصدقكم حديثاً، فيه، فلا يكون في المنام أضغاث الأحلام، فإن من مُوجِبات التخليط فيها غلبة بعض الأخلاط على صاحبها. وثانيهما: أنَّ المرادَ بذلك: آخر الزمان المُقَارِب للقيامة. وقد رُوي عن النبيِّ ◌َ﴿ من طريق معمر عن أيوب عن ابن سيرين عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أنه قال: ((في آخر الزمان لا تكذبُ رؤيا المؤمن»(١). قلتُ: ويعني - والله أعلم - بآخر الزمان المذكور في هذا الحديث: زمان الطائفة الباقية مع عيسى - عليه السلام - بعد قتله الدجال المذكور في حديث عبد الله بن عمرٍو الذي قال فيه: ((فيبعث الله عيسى ابن مريم، ثم يمكث في الناس سبع سنينَ ليس بين اثنين عداوةٌ، ثم يُرسلُ الله ريحاً باردة من قبل الشام فلا تُبقي على وجه الأرض أحداً في قلبه مثقالُ ذرَّةٍ من خيرٍ أو إيمانٍ إلا قبضته))(٢)، فكان أهل هذا الزمان أحسنَ هذه الأمّة بعد الصدر المتقدِّم حالاً، وأصدَقهم أقوالاً، وکانت رؤیاهم لا تكذب، کما قال لاے: «أصدقكم رؤیا أصدقكم حديثاً))(٣)، وكما قال: ((رؤيا الرجل الصالح جزءً من النبوة)) (٤) . و (قوله: ((لم تكذ تكذبُ))) أي: لم تقاربِ الكذبَ، وقد تكلّمنا علی کاد وأخواتها من أفعال المقاربة فيما تقدَّم. و (قوله: «أصدقكم رؤیا أصدقكم حديثاً)) إنما كان ذلك لأنَّ: من کثر أصدقكم رؤيا صدقه تنوَّر قلبُه، وقوي إدراكُه، فانتقشت فيه المعاني على وجه الصِّحة، أصدقكم حديثاً (١) رواه أحمد (٢٦٩/٢)، والترمذي (٢٢٩١). (٢) رواه أحمد (١٦٦/٢)، ومسلم (٢٩٤٠). (٣) تقدم في التلخيص برقم (٢٨٨٣). (٤) هو في التلخيص برقم (٢٨٨٥) بلفظ: ((رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً من النبوة)). ١٢ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً ورؤيا المسلم جزءً من خمسةٍ وأربعين جزءاً من النُّبُوَّة،. والاستقامة، وأيضاً فإنَّ من كان غالبُ حاله الصدق في يقظته استصحبَ ذلك في نومه، فلا يرى إلا صدقاً. وعكس ذلك: الكاذب والمُخلِّط يَفسدُ قلبُه، ويُظلم، فلا يرى إلا تخليطاً وأضغاثاً. هذا غالبُ حال كل واحد من الفريقين، وقد يندرُ فيرى الصادقُ ما لا يصحُ، ويرى الكاذب ما يصحُّ، لكن ذلك قليل، والأصلُ ما ذكرناه. رؤيا المسلم والنبوة و (قوله: ((رؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءاً من النبوة)))، وفي حديث عبادة: ((رؤيا المؤمن جزء من ستة وأربعين جزءاً))، وفي روايةٍ عن أبي هريرة: ((رؤيا الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءاً)، [وفي أخرى عنه: ((الرؤيا الصالحة))، وفي رواية: ((رؤيا الرجل الصالح ستة وأربعون جزءاً من النبوة))](١). وفي حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -: ((الرؤيا الصالحة جزء من سبعين)). وفي غير كتاب مسلم عن ابن عباسٍ: ((جزءٍ من أربعين))(٢). وعن عبد الله بن عمرو - رضي الله عنهما -: ((جزء من سبعة وأربعين))(٢). وفي حديث العباس - رضي الله عنه -: ((من خمسين))(٣)، وعن أنس - رضي الله عنه -: ((من ستة وعشرين))(٣)، وعن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: ((من أربعةٍ وأربعين))(٣). قال أبو عبد الله المازري: والأكثر والأصحُ عند أهل الحديث: ((من ستة وأربعين)). وحُكي عن بعض الناس: أنه نُزِّل هذا الحديث بهذه الرواية على مدة الوحي للنبيِّ وَّر، وذلك أنه ◌َّ أقام يُوحى إليه ثلاثاً وعشرين سنة، منها ستة أشهر (١) ما بين حاصرتين ساقط من (م ٢). (٢) رواهما الطبري كما في الفتح (٣٦٣/١٢). (٣) ذكرها الحافظ ابن حجر في الفتح (٣٦٣/١٢). ١٣ (٣٢) کتاب الرؤیا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً يُوحى إليه في نومه، وذلك في أوّل أمره (١). وقد اعترض عليه بأن هذه المدة لم یصحّ نقل تحديدها، ولا هو معروف، فتقديره تحگُّمٌ. قلتُ: القدرُ الذي اختلف الرواةُ فيه من هذا الحديث أمران: أحدهما: من أضيفت الرؤيا إليه؛ فتارة سُكِت عنه، وأخرى قيل فيه: المسلم، وفي أخرى: المؤمن، وفي أخرى: الصالح. وهذا الأمر: الخلاف فيه أهون من الخلاف في الأمر الثاني، وذلك: أنه حيث سُكت عنه لم يضرَّ السكوتُ عنه، مع العلم بأن الرؤيا مضافةً إلى راءٍ ما، فإذا صُرِّح به في موضع آخر فهو المعنيُّ، وأما حيث نُطِق به فالمراد به واحد وإن اختلفت الألفاظ. وذلك أن الرؤيا لا تكونُ من أجزاء النبوة إلا إذا وقعت من مسلم صادقٍ صالح، وهو الذي يناسب متى تكون حاله حال النبي و ﴿ فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء، وهو الاطلاع على شيءٍ من الرؤيا من النبوة علم الغيب، كما قال النبيُّ وَّله: ((إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصادقة في النوم. يراها الرجل الصالح، أو تُرى له))(٢)، فإن الكافر، والكاذب، والمخلِّط - وإن صدقت رؤياهم في بعض الأوقات - لا تكون من الوحي، ولا من النبوّة؛ إذ قد تصدق رؤيا ليس كلُّ من صدق في حديث عن غيب يكون خبره ذلك نبوة. وقد قدّمنا: أن الكافر والكاذب الكاهن يُخبر بكلمة الحق، وكذلك المنجم قد يحدِس(٣) فيصدق، لكن على الندور والقلّة. وكذلك: الكافر، والفاسق، والكاذب. وقد يرى المنام الحق، ويكون ذلك المنامُ سبباً في شرٌّ يلحقه، أو أمرٍ يناله. إلى غير ذلك من الوجوه المعتبرة (١) جاء في كتاب: ((المعلم بفوائد مسلم)) لأبي عبد الله المازري (١١٧/٣) ما يلي: إنه وَله أقام يُوحى إليه ثلاثة وعشرين عاماً؛ عشرة بالمدينة، وثلاثة عشر بمكة، وكان قبل ذلك بستة أشهر يرى في المنام ما يلقيه إليه الملك، وذلك نصف سنة، ونصف سنة من ثلاث وعشرين سنة جزءً من ستة وأربعين جزءاً من النبوة. (٢) رواه أحمد (٢١٩/١)، ومسلم (٤٧٩)، وأبو داود (٨٧٦)، والنسائي (١٨٨/٢). (٣) ((يحدس)): أي: يظنّ ویخمِّن. ١٤ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً المقصودة به. وقد وقعت لبعض الكفار مناماتٌ صحيحةٌ صادقة؛ كمنام الملك الذي رأى سبع بقرات، ومنام الفتيين في السجن، ومنام عاتكة(١) عمة رسول الله وَ﴿، ونحوه كثير، لكن ذلك قليلٌ بالنسبة إلى مناماتهم المخلَّطة والفاسدة، فهذا هو الأمر الأول. وأما الأمر الثاني: وهو اختلافُ عدد أجزاء النبوة التي جُعلت رؤيا الرجل الصالح واحداً منها: فاختلفت الروايةُ فيه من ستة وعشرين إلى سبعين، كما قد ذكرناه، وأكثرها في الصحيحين، وكلها مشهور فلا سبيل إلى أخذ أحدها، وطرح الباقي، كما قد فعل أبو عبد الله المازري؛ فإنه قد يكون بعض ما ترك أولى مما قَبِلَ إذا بحثنا عن رجال أسانيدها، وربما ترجّح عند غيره غير ما اختاره هو، فإذاً: الوجه الذي يتعيَّن المصيرُ إليه أن يقال: إن هذه الأحاديثَ - وإن اختلفت ألفاظها - متفقةً على أن الرؤيا الصالحة من الرجل الصالح جزء من أجزاء النبوة. فهذه شهادةٌ صحيحة من النبيِّ وَ﴿ لها بأنها وحيٌّ من الله تعالى، وأنها صادقةٌ لا كذبَ فيها. الاعتناء بالرؤيا ولذلك قال مالك وقد قيل له: أيفسِّر الرؤيا كلُّ أحدٍ؟ فقال: أيُلعب بالوحي؟ !. و تفهُّمها وإذا كانت هكذا فتعيَّن على الرائي أن يعتنيَ بها، ويسعى في تفهُّمها، ومعرفة تأويلها؛ فإنها إما مُبشِّرة له بخيرٍ، أو محذِّرة له من شرٌّ، فإن أدرك تأويلَها بنفسه، وإلا سأل عنها مَن له أهليَّةُ ذلك، وهو اللبيبُ الحبيب. ولذلك كان النبيُّ بَّه يقول إذا أصبح: ((هل رأى أحدٌ منكم الليلة رؤيا فليقصها؛ أُعبِّرها له؟))(٢) فكانوا يقصّون عليه، ويَعْبُرُ. وقد سلك أصحابُه [ذلك المسلك في حياته، وبعد وفاته، وقد كان ◌َل﴿ يقتبس](٣) الأحكام من منامات أصحابه، كما فعل في رؤيا الأذان، وفي (١) انظر: سيرة ابن هشام (٦٠٧/٢)، وتاريخ الطبري (٤٢٨/٢). (٢) رواه أحمد (١٤/٥)، والبخاري (١٣٨٦). (٣) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢) و (م ٣). ١٥ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً رؤيا ليلة القدر(١). وكل ذلك بناءً على أنها وحي صحيح. وإذا تقرَّر هذا فلا يضرُّنا الاضطراب [الذي وقع في عدد تلك الأجزاء مع حصول المقصود من الخير؛ غير أن علماءنا قد راموا إزالةَ ذلك الاضطراب](٢)، وتأوَّلوه تأويلات، فلنذكرها، وننبه على الأقرب منها، وهي أربعٌ: الأول: ما صار إليه أبو عبد الله. وقد ذكرناه، وما ورد عليه. الثاني: أن المراد بهذا الحديث: أن المنام الصادق خَصْلةٌ من خصال النبوة. المنام الصادق كما جاء في الحديث الآخر: ((التؤدة، والاقتصاد، وحسن السمت جزء من ستة خصلة من وعشرين جزءاً من النبوة))(٣). أي: النبوة مجموع خصالٍ مبلغ أجزائها ستة خصال النبوة وعشرون، هذه الثلاثةُ الأشياء جزءٌ واحدٌ منها، وعلى مقتضى هذه التجزئة: كل جزء من الستة والعشرين ثلاثة أشياء في نفسه، فإذا ضربنا ثلاثة في ستة وعشرين صحَّ لنا أن عدد خصال النبوة من حيث آحادها ثمانية وسبعون. ويصحُ أن يسمَّى كلُّ اثنين من الثمانية والسبعين جزءاً وخَصْلةً، فيكون جميعها بهذا الاعتبار تسعةً وثلاثين جزءاً، ويصحُ أن يسمَّى كلُّ أربعةٍ منها جزءاً، فيكون مجموعُ أجزائها بهذا الاعتبار تسعةَ عشرَ جزءاً ونصف جزء، فتختلف أسماء العدد المجزّأ بحسب اختلاف اعتبار الأجزاء، وعلى هذا: فلا يكون اختلافُ أعداد أجزاء النبوّة في أحاديث الرؤيا المذكورة اضطراباً، وإنَّما هو اختلافُ اعتبار مقادير تلك الأجزاء المذكورة. والله تعالى أعلم. الثالث: ما أشار إليه الطَّبريُّ؛ وهو: أنَّ هذا الاختلافَ راجعٌ إلى اختلاف اختلاف حال حال الرائي. فالمؤمن الصَّالح تكون نسبة رؤياه من ستةٍ وأربعين. وغيرَ الصالح من الرائي (١) انظر: صحيح مسلم (١١٦٥) (٢٠٥). (٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع). (٣) ذكره ابن حجر في فتح الباري (٣٦٨/١٢). ١٦ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً سبعين؛ ولهذا لم يشترط في روايةِ السَّبعين في وصف الرائي ما اشترطه في وصفه في رواية: ((ستة وأربعين)) فإنَّه شرط فيها الصَّلاح في الرائي، وسكت عن اشتراطه في رواية السبعين. قلتُ: وهذا فيه بُعْدٌ لما قدَّمناه من صحَّة احتمال حَمْلٍ مطلق الرِّوايات على مقيّدها، وبما قد رُوي عن ابن عبّاسٍ: ((الرؤيا الصالحة جزء من أربعين))(١). وسكت فيه عن ذكر وصف الرائي. وكذلك حديث عبد الله بن عَمْرٍو حين ذكر سبعةً وأربعين. وحديث العبّاس حين ذكر خمسين. اختلاف طرق الوحي الرابع: قيل: يحتمل أن تكون هذه التجزئة في طرق الوحي؛ إذ منه ما سُمِع من الله تعالى دون واسطةٍ، كما قال: ﴿مِن وَرَآٍ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]، ومنه بواسطة المَلَك، كما قال: ﴿أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا﴾ [الشورى: ٥١]، ومنه ما يُلْقى في القلب، كما قال: ﴿إِلَّا وَحْيًّا﴾ [الشورى: ٥١] أي: إلهاماً، ثمَّ منه ما يأتيه المَلَكُ على صورته، ومنه ما يأتيه على صورة آدميٍّ يعرفه، ومنه ما يتلقَّاه منه وهو لا يعرفه، وومنه ما يأتيه في مثل صلصلة الجرس، ومنه ما يسمعه من المَلَك قولاً مُفَصَّلاً، إلى غير ذلك من الأحوال التي كانت تختلف على النبيِّ وَّ في الوحي وحالاته المختلفة، فتكون تلك الحالات إذا عُدِّدَت غايتها انتهت إلى سبعين. قلتُ: ولا يخفى ما في هذا الوجه من البُعْدِ والتَّساهل؛ فإنَّ تلك الأعدادَ كلَّها إنَّما هي أجزاءُ النبوّة، وأكثر هذه الأحوال التي ذكرت هنا ليست من النبوّة في شيء لكونه يعرف الملك، أو لا يعرفه، أو يأتيه على صورته، أو على غير صورته، ثمَّ مع هذا التكلُّف العظيم لم يقدر أن يبلغ عدد ما ذكر إلى ثلاثين (٢). (١) سبق تخريجه (ص ١٢). (٢) قراءة ابن كثير وحفص: ﴿رسالته﴾ وما أورده المؤلف هو قراءة الباقين. ١٧ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً قلتُ: وأشبه ما ذكر في ذلك: الوجهُ الثاني؛ مع أنَّه لم تَثْلَج النفسُ به، ولا طابَ لها. وقد ظهر لي وجهٌ خامسٌ، وأنا أستخيرُ اللَّهَ في ذكره، وهو: أنَّ النبوّةَ معناها: أن يُطْلِعَ اللَّهُ مَن يشاء من خلقه على ما يشاء من أحكامه ووحيه إمَّا بالمشافهة، وإمَّا بواسطة مَلَكِ، أو بإلقاءٍ في القلب، لكن هذا المعنى المسمَّى معنى النبوة بالنبوَّة لا يخصُّ اللَّهُ به إلا من خصَّه بصفاتٍ كمال نوعه من المعارف، والعلوم، والفضائل، والآداب، ونزَّهه عن نقائص ذلك. ولذلك قال سبحانه: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِى مِنَ الْمَتِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ [الحج: ٧٥]، وقال: ﴿ اَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ(١)﴾ [الأنعام: ١٢٤]، وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿ أُوْلَيْكَ الَّذِينَ هَدَى اَللَّهُ فَبِهُدَهُمُ أَقْتَدِةِ﴾ [الأنعام: ٩٠]، وقال: ﴿كُلَّاهَدَيْنَا﴾ [الأنعام: ٨٤]، وقال النبيُّه ◌َله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] فقد حصل من هذا: أنَّ النبوَّةَ لم يخصَّ اللَّهُ بها إلا أكملَ خلقه، وأبعدهم عن النقائص. ثم: إنَّه لمَّا شرفهم بالنبوَّة حصلت لهم بذلك على جميع نوعهم الخصوصيَّة، فلمَّا كانت النبوَّة النبوة لا يخصُّ لا يخصُّ الله بها إلا من حصلتْ له خصالُ الكمال أطلقَ على تلك الخصال: نبوةً، الله بها إلا أكمل خلقه كما قال ◌َ﴾: ((التؤدة والاقتصاد، والسَّمت الحسن جزء من النبوة))(٢). أي: مِن خِصال الأنبياء، لكنَّ الأنبياءَ في هذه الخصال متفاضلون، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ الأنبياءُ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيْعِنَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: ٥٥]، وقال: ﴿﴾تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى متفاضلون بَعْضٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فتفاضلهم بحسب ما وُهِبَ لكلِّ واحدٍ منهم من تلك الصفات، وشُرِّف به من تلك الحالات، وكلٌّ منهم الصدق أعظم صفته في نومه ويقظته، وكانوا تنامُ أعينهم، ولا تنامُ قلوبهم، فنائمهم يقظان، ووحيُهم في الثَّوم واليقظةِ سيَّان؛ فمن ناسبَهُمْ في الصِّدق حصل من رؤياه على الحقِّ؛ غير أنَّه لمَّا (١) قرأ ابن كثير وحفص ﴿رسالتَه﴾، وقرأ الباقون: ﴿رسالاتِهِ﴾. (٢) سبق تخريجه (ص ١٥). ١٨ (٣٢) كتاب الرؤيا - (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً والرؤيا ثلاثةٌ : بشرى من الله، ورؤيا تحزينٌ من الشيطان ، ورؤيا مما يحدث المرء به نفسه، كان الأنبياءُ في مقاماتهم وأحوالهم متفاضلين، وكان كذلك أتباعهُم من الصَّادقين؛ وكان أقلَّ خِصال كمال الأنبياء ما إذا اعتُبر كان ستاً وعشرين جزءاً، وأكثر ما يكون من ذلك سبعين، وبين العددين مراتب مختلفةٌ بحسب ما اختلفت ألفاظُ تلك مناماتُ الأحاديث. وعلى هذا: فمن كان من غير الأنبياء في صلاحه وصِدْقه على رتبةٍ الصادقين تناسبُ كمالَ نبيَّ من الأنبياء؛ كانت رؤياه جزءاً من نبوة ذلك النبيِّ، وكمالاتُهم متفاوتة متفاضلةٌ كما قرَّرناه، فنسبة أجزاء منامات الصَّادقين متفاوتةٌ على ما فصَّلناه. وبهذا الذي أظهر الله لنا يرتفعُ الاضطراب. والله الموفق للصّواب. أنواع الرؤيا و (قوله: ((والرؤيا ثلاثةٌ: بشرى من الله))) أي: مُبَشِّرةٌ بخيرٍ، ومُحذِّرةٌ عن شرٌّ؛ فإنَّ التحذيرَ عن الشرِّ خيرٌ، فتتضمَّنه البشرى. وإنَّما قلنا ذلك هنا لأنَّه قد قال في حديث الترمذيِّ المتقدِّم: ((الرؤيا ثلاثة: ((رؤيا من الله)) - مكان -: ((بشرى من الله)) فأراد بذلك - والله أعلم - الرؤيا الصادقةَ المبشرةَ والمحذِّرةَ)). و (قوله: (ورؤيا تحزين))) ويلحق بالرؤيا المحزنة المفزعات، المهوّلات، وأضغاث الأحلام؛ إذ كلُّ ذلك مذمومٌ لأنَّها من آثار الشيطان، وكلُّ ما يُنْسَبُ إليه مذمومٌ. و (قوله: ((ورؤيا ممَّا يُحَدِّثُ المرءُ به نفسه))) يدخل فيه ما يلازمه المرءُ في أقوال الأطباء يقظته من الأعمال، والعلوم، والأقوال؛ وما يقوله الأطباء: من أنَّ الرؤيا تكون في الرؤيا عن خَلْطٍ غالبٍ على الرائي، فيرى في نومه ما يناسب ذلك الخَلْط؛ فمن يغلب عليه البلغمُ رأى السِّباحة في الماء وما أشبههُ، لمناسبة الماء طبيعة البلغم. ومن غلبت عليه الصفراء رأى النِّيران والصعود في الارتفاع؛ لمناسبة النَّار في الطبيعة طبيعة الصفراء. وهكذا يقولون في بقية الأخلاط، ونحن ننازعهم في موضعين: أحدهما: في أصل تأثير الطبيعة؛ فإن قالوا: إنَّ الطبيعةَ سببٌ عاديٍّ الردُّ على الأطباء ١٩ (٣٢) كتاب الرؤيا ۔ (٢) باب: أصدقكم رؤيا أصدقكم حديثاً فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليقُم فليصلِّ، ولا يحدِّثْ بها النَّاس)) والله تعالى هو الفاعل بالحقيقة. وهو مذهبُ المسلمين؛ فهو الحقُّ. وإن قالوا: إنَّ الطبيعة تفعل ذلك بذاتها؛ حكمنا بتكفيرهم، وانتقل الكلامُ إلى علم الكلام. والثاني: أنَّ من أراد منهم أنَّ الرؤيا لا تكون إلا عن الأخلاط؛ فهو باطلٌ بما قد ثبت عن الصادق فيما ذكرناه من الأحاديث: أنَّ الرؤيا منها ما يكون من الله، وهي المبشِّرة، والمحذِّرة. وهذا من باب الخير، وليس في قوَّة الطبيعة أن تُطْلِعَ على الغيب بالإخبار عن أمورٍ مستقبلٍ تقعُ في المستقبل على نحو ما اقتضته الرؤيا بالاتفاق بين العقلاء. ومَن أراد منهم: أنَّ الأخلاطَ قد تكون سبباً لبعض المنامات، فقد يسلمُ ذلك على ما قررناه، ثمَّ يبقى نظرٌ آخر؛ وهو أنَّه لو كان ما رَبُوه صحيحاً للزم عليه أَلاَّ يرى من غَلَب عليه خلطّ من تلك الأخلاط إلا ما يناسبه، ونحن نشاهدُ خلافه، فيرى البلغمي النيران، والصعود في الارتفاعات، وعكس ذلك في الصَّفراوي، فبطل ما قالوه بالمشاهدة، والله وليُّ المعاضدة. و (قوله: ((فإذا رأى أحدُكم ما يكره فليقمْ فليصلٌ))) ليس هذا مخالفاً لقوله ندب الصلاة في الرواية الأخرى: ((فلينفث عن يساره ثلاثاً، وليتعوَّذ بالله من شرِّها، وليتحوَّل لمن رأى رؤيا عن جنبه الذي كان عليه)) وإنما الأمر بالصلاة زيادةٌ فينبغي أن تزاد على ما في هذه یکرهها الرواية، فيُفعل الجميع. ويحتمل أن يقال: إنما اقتصر في هذا الموضع على ذِكْر الصلاة وحدها؛ لأنه إذا صلَّى تضمَّن فِعْلُه للصلاة جميعَ تلك الأمور؛ لأنه إذا قام إلى الصلاة تحوَّل عن جنبه، وإذا تمضمض نفث وبصق، وإذا قام إلى الصلاة تعوَّذ ودعا، وتفرغ الله تعالى في ذلك في حالٍ هي أقربُ الأحوال إجابة، كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ولا يخبر بها أحداً))(١)) أي: لا يعلق نفسه بتأويلها؛ إذ لا تأويلَ (١) في التلخيص: ولا يحدث بها الناس. ٢٠ (٣٢) کتاب الرؤیا ۔ (٢) باب: أُصدقکم رؤیا أصدقكم حديثاً قال: وأُحبُّ القَيْدَ، وأكره الغُلَّ، والقيد ثَبَّاتٌ في الدين. قال أيوب: فلا أدري هو في الحدیث، أم قاله ابن سیرین. رواه أحمد (٢٣٣/٢ و٢٦٩)، والبخاريُّ (٧٠١٧)، ومسلم (٢٢٦٣)، وأبو داود (٥٠١٩)، وابن ماجه (٣٩١٧). كراهيةُ الإخبار لها؛ فإنها من أُلقيات الشيطان التي يقصدُ بها التشويشَ على المؤمن، إما بتحزین، بالرؤيا الشُّوء وإما بترويع، أو ما أشبه ذلك. وفعل ما ذكر كافٍ في دَفْع ذلك، ومانعٌ من أن يعودَ الشيطانُ لمثل ذلك، وهذا هو الذي فهمه أبو سلمة من الحديث، والله تعالى أعلم، فقال: إن كنت لأرى الرؤيا أثقل عليَّ من الجبل، فما أباليها. وفي أصل كتاب مسلم قال: كنت أرى الرؤيا أعرى لها (١) غير أني لا أَزَّمَّل. أي: تصيبني العُرَوَاءُ، وهي الرِّعدة. وقال في رواية أخرى: إن كنت لأرى الرؤيا فتمرضني غير أني لا أَّمَّل لها. والتزميل: اللفُّ، والتَّدثير؛ يعني: أنها ما كانت تدومُ عليه فيحتاجَ إلى أن يدَّثَّر، لكنَّه بنفس ما كان يفعل ما أُمَرَ به النبيُّ وَليه من النفث والتعوُّذ وغيره يزولُ عنه ذلك، ببركة الصدق، والتصديق، والامتثال. وفائدةُ هذا: ألا يشغل الرائي نفسَه بما يكره في نومه، وأن يُعْرِضَ عنه، ولا يلتفت إليه؛ فإنه لا أصل له. هذا هو الظاهر من الأحاديث، والله أعلم. و (قوله: ((وأحبُّ القيد، وأكره الغلَّ ... إلى آخره))) ظاهره: أنه من قول النبي 43* غير أن أيوب السختياني هو الذي روى هذا الحديث عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة، وقد أخبر عن نفسه: أنه شكّ هل هو من قول النبيِّ وَّ أو من قول ابن سيرين، فلا يعوَّل على ذلك الظاهر؛ غير أن هذا المعنى صحيح في العبارة لأن (١) في صحيح مسلم: منها. ومعنى أعرى منها: أي أحمُّ بخوفي من ظاهرها في معرفتي. يُقال: عُرِي الرجل يُعرى: إذا أصابه عراء، وهو نفض الحمى.