Indexed OCR Text

Pages 521-540

٥٢١
(٣٠) كتاب الأدب ۔ (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها
[٢٠٩٣] وعنها، قالت: كنتُ أخدُمُ الزبير خدمةَ البيت؛ وكان له
فرسٌ، وكنت أسُوسُه، فلم يكن من الخدمة شيءٌ أشدَّ عليَّ من سياسة
الفرس؛ كنت أحتَشُّ له، وأقوم عليه وأسُوسُه. قالت: ثمّ إنّها أصابت
خادماً؛ جاء النَّبِيَّ وَّرِ سَبْيٌ فأعطاها خادماً. قالت: كَفَتْني سياسة الفرس
و (الخادم) يقال على الذكر والأنثى. و (أعتقتني) روي بتاء بعد القاف، ويكون فيه
ضمير يعود على الخادمة. وبغير تاءٍ، وضميره يعود إلى أبي بكرٍ - رضي الله عنه -.
وصحَّ ذلك لأنَّها لمَّا استراحت من خدمة الفرس، والقيام عليه بسبب الجارية التي
بعث بها إليها أبو بكرٍ صحَّ أن ينسب العتق لكلِّ واحدٍ منهما.
و (قولها: جاء النبيَّ ◌َ ﴿ سبيٌّ فأعطاها خادماً) هذه الرواية مخالفةٌ لقولها في
الرواية المتقدِّمة: إنَّ أبا بكر - رضي الله عنه - أرسلها إليها. وهذا لا بُعْدَ فيه؛ لأن
النبيَّ ◌َ رَ دفعها لأبي بكرٍ ليدفعها لها، فأرسل بها أبو بكر لها.
واستئذانُ الفقير لأم عبد الله - وهي أسماء بنة أبي بكرٍ - في أن يبيع في ظلِّ الأفنية حقُّها
دارها يدلُّ على أن المتقرَّر المعلوم من الشرع أنَّ فِناء الدار ليس لغير ربِّها القعود لأصحابها
فيه للبيع إلا بإذنه، فإذا أذن جاز ما لم يضرّ بغيره؛ من تضييق طريقٍ، أو اطلاع
على عورة منزل غيره. ولربِّ الدار أن يمنعه؛ لأنَّ الأفنية حقٌّ لأرباب المنازل؛
لأنَّ عمر - رضي الله عنه - قضى في الأفنية لأرباب الدور. قال ابنُ حبيب: وتفسير
هذا يعني: بالانتفاع للمجالس، والمرابط، والمصاطب، وجلوس الباعة فيها
للبیاعات الخفيفة، ولیس بأن ینحاز بالبنيان، والتحظير.
قلتُ: وعلى هذا فليس لربِّ الدار التصرف في فنائها ببناء دكانٍ(١)، أو
غيره مما يثبت ويدوم؛ لأنه من المنافع المشتركة بينه وبين الناس؛ إذ للناس فيه حقُّ الناس في
حق العبور، والوقوف، والاستراحة، والاستظلال، وما أشبه هذه الأمور. لكنَّه فِناء المنازل
(١) في (ز) و (م ٢) و(م ٣) و (ع): ثانٍ.

٥٢٢
(٣٠) کتاب الأدب ۔ (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها
فألقَت عنِّي مَؤونته. فجاءني رجلٌ فقال: يا أمَّ عبد الله! إنِّي رجل فقير،
أردت أن أبيع في ظلِّ دارك. قالت: إنِّي إنْ رخَّصت لك أبى ذاك الزبيرُ،
فتعال فاطلب إليَّ والزبير شاهد. فجاء فقال: يا أمَّ عبد الله! إنِّي رجل فقيرٌ
أردت أن أبيع في ظلِّ دارك! فقالت: مَالَك بالمدينة إلا داري؟! فقال لها
أخصُّ به فيجوز له من ذلك ما لا يجوز لغيره من مرافقه الخاصة به كبناء مصطبة
لجلوسه، ومربط فرسه، وحطّ أحماله، وكنس مرحاضه، وتراب بيته، وغير ذلك
مما يكون من ضروراته. وعلى هذا فلا يفعل فيها ما لا يكون من ضرورات حاجاته
كبناء دكانٍ للباعة، أو تحظيره عن الناس، أو إجارته لمن يبيع فيه؛ لأن ذلك كله
مَنْعُ الناس من منافعهم التي لهم فيه، وليس كذلك الإذن في البيع الخفيف بغير
أجرةٍ؛ لأنَّ ذلك من باب الرفق بالمحتاج، والفقير. وأصل الطُّرُق، والأفنية
للمرافق، ولو جاز أن يحاز الفناء ببناءٍ ونحوه؛ للزم أن يكون لذلك البناء فناء،
ويتسلسل إلى أن تذهب الطرق، وترتفع المرافق.
من حُسْنِ
الأدب و کرم
الخلق عند
أسماء
وتوقف أسماء - رضي الله عنها - في الإذن للفقير إلى أن يأذن الزبير إنما كان
مخافة غَيْرة الزبير، أو يكون في ذلك شيءٌ يتأذى به الزبير، وحسن أدبٍ، وكرم
خُلُقٍ حتى لا تتصرَّف في شيء من مالها إلا بإذن زوجها. وأمرها للفقير بأن
يسألها ذلك بحضرة الزبير لتستخرج بذلك ما عند الزبير من كرم الخلق، والرغبة
في فعل الخير، وليشاركها في الأجر، وذلك كله منها حسن سياسة، وجميل
ملاطفة تدل على انشراح الصدور، وصدق الرغبة في الخير.
للمرأة حرية
وبيعها للجارية بغير إذن الزبير يدلُّ على أنَّ للمرأة التصرُّفَ في مالها بالبيع
التصرف في والابتياع من غير إذنه، وليس له منعها من ذلك إذا لم يضرّه ذلك في خروجها،
مالها
ومشافهتها للرجال بالبيع والابتياع، فله منعها مما يؤدي إلى ذلك.
حكم هبة المرأة
وسؤاله لها أن تهبه ثمن الجارية دليلٌ على أنَّ الزوج ليس له أن يتحكمَ عليها
بعض مالها

٥٢٣
(٣٠) کتاب الأدب ۔ (١٨) باب: امتهان ذات القدر نفسها
الُبير: مالك أن تمنعي رجلاً فقيراً يبيع! فكان يبيع إلى أن كسب، فبعتُهُ
الجارية. فدخل عليَّ الزبيرُ وثَمنُها في حجري، فقال: هَبِيها لي. قالت:
إني قد تصدقت بها.
رواه مسلم (٢١٨٢) (٣٥).
في مالها بأخذٍ، ولا غيره؛ إذ لا ملك له في ذلك، وإنما له فيه حقّ التجمُّل،
وكفاية بعض المؤن، ولذلك منعناها من إخراج كل مالها، أو جلُّه كما تقدَّم في
النكاح. وصدقتها(١) بثمن الجارية من غير إذنه دليلٌ على جواز هبة المرأة بعض
مالها بغير إذن الزوج، لكن إن أجازه الزوجُ جاز، وإن منعه؛ فإن كان الثلث فدون
لم يكن له المنع، وإن كان أكثر كان له منع الزائد على الثلث على ما تقدَّم؛ هذا إذا
وهبته لأجنبيٍّ؛ فإن وهبته لزوجها، فلا يفرّق بين ثلثٍ ولا غيره؛ لأنها إذا طابت
نفسها بذلك جاز. ولأنَّ الفرقَ بين الثلث وغيره إنما كان لحقِّ الزَّوج؛ لئلا يفوت
عليه ماله فيه من حق التجمُّل، ولئلا يمنعها أيضاً من إعطاء ما طابت به نفسُها،
فينفذ عطاؤها في الثلث، ويردُ فيما زاد عليه. وقيل: يردُ في الجميع، وهو
المشهور.
(١) في (ج ٢): وهبتها.

٥٢٤
(٣٠) كتاب الأدب - (١٩) باب: النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث
(١٩) باب
النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث
[٢٠٩٤] عن ابن عمر، أنَّ رسولَ الله وَِّ قالَ: ((إذا كان ثلاثَةٌ فلا
یتناجی اثنان دون واحدٍ».
رواه مسلم (٢١٨٣) (٣٦).
[٢٠٩٥] وعن عبد الله - هو ابن مسعود -، قال: قال
رسول الله ◌َفي: ((إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى يختلطوا
بالناس من أجل أنَّ ذلك يُخزِنُه».
(١٩) ومن باب: النهي عن مناجاة اثنين دون الثالث
(قوله: ((إذا كان ثلاثةٌ فلا يتناجى اثنان دون واحدٍ))) (كان) هنا: تامّة بمعنى:
وُجد، ووَقع. و (ثلاثة): فاعلٌ بها، بخلاف الرواية الأخرى؛ التي قال فيها: ((إذا
كنتم ثلاثةً)) فإنها فيها ناقصة. بمعنى: صرتم ثلاثةً.
و (قوله: ((فلا يتناجى اثنان))) الرواية المشهورة فيها: (يتناجى) بالألف
مقصورة ثابتة في الخط، غير أنَّها تسقط في اللفظ لالتقاء الساكنين؛ فإذاً: هو خبرٌ
عن نفي المشروعية، ويتضمن النهي عن ذلك. وقد وقع في بعض النسخ: ((فلا
يتناجَ)) بغير ألف، على النهي. وهي واضحةٌ. والتناجي: التحادث سراً. وقد زاد
في الرواية الأخرى زيادةً حسنةً، فقال: ((حتى يختلطوا بالناس»، فبين غاية المنع،
وهو أن يجدَ الثالثُ من يتحدث معه، كما فعل ابن عمر، وذلك: أنه كان يتحدَّث
حکمة النھي
مع رجلٍ، فجاء آخر يريد أن يناجيه، فلم يناجه حتى دعا رابعاً، فقال له وللأول:
عن التناجي في تأخرا، وناجى الرجل الطالب للمناجاة(١). وقد نبّه في هذه الزيادة على التعليل
المجلس
(١)) انظر: فتح الباري (٨٣/١١).

٥٢٥
(٣٠) كتاب الأدب - (١٩) باب: النهي عن مناجاة الاثنين دون الثالث
رواه أحمد (٣٧٥/١)، والبخاريُّ (٦٢٩٠)، ومسلم (٢١٨٤)
(٣٨)، وأبو داود (٤٨٥١)، والترمذيُّ (٢٨٢٥)، وابن ماجه (٣٧٧٥).
بقوله: ((فإن ذلك يحزنه)) أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك: بأن يقدِّر في
نفسه: أن الحديث عنه بما يكره، أو أنَّهم لم يروه أهلاً ليشركوه في حديثهم، إلى
غير ذلك من ألقيات الشيطان، وأحاديث النفس. وحصل ذلك كلُّه من بقائه
وحده، فإذا كان معه غيره أمن ذلك، وعلى هذا: يستوي في ذلك كلُّ الأعداد، فلا
يتناجى أربعة دون واحدٍ، ولا عشرة، ولا ألفٌ مثلاً؛ لوجود ذلك المعنى في حقه،
بل وجوده في العدد الكثير أمكن، وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خصَّ الثلاثة
بالذكر لأنه أوَّل عدد يتأتى فيه ذلك المعنى. وظاهرُ هذا الحديث يعمُّ جميع
الأزمان والأحوال. وإليه ذهب ابنُ عمر، ومالكٌ، والجمهور. وقد ذهب بعضُ
الناس: إلى أن ذلك كان في أول الإسلام؛ لأن ذلك كان حال المنافقين، فيتناجى
المنافقون دون المؤمنين، فلما فشا الإسلام؛ سقط ذلك. وقال بعضهم: ذلك
خاصٌّ بالسفر، وفي المواضع التي لا يأمن الرجلُ فيها صاحبه؛ فأما في الحضر،
وبين العمارة: فلا.
قلتُ: وكلُّ ذلك تحكُّمٌ، وتخصيصٌ لا دليل عليه. والصحيح: ما صار
إليه الجمهور. والله تعالى أعلم.

٥٢٦
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٠) باب: جواز إنشاد الشعر
(٢٠) باب
جواز إنشاد الشعر وكراهية الإكثار منه
[٢٠٩٦] عن عمرو بن الشَّريد، عن أبيه؛ قال: رَدِفْتُ
رسولَ الله ◌َّ﴾ يوماً. فقال: ((هل معك من شعر أميَّةَ بنِ أبي الصَّلت شيء؟
قلت: نعم! قال: ((هِيْهِ!)) فَأَنْشَدْتُه بيتاً، فقال: ((هِيْهِ!))، ثم أنشدته بيتاً،
(٢٠) ومن باب: جواز إنشاد الشعر
وكراهية الإكثار منه
(قوله: عن عمرو بن الشَّريد عن أبيه قال: رَدِفْتُ رسول اللهِ﴾) هكذا
صوابُ هذا السَّند وصحيح روايته، وقد وقع لبعض رواة كتاب مسلم: عن عمرو
(بن الشريد)(١) عن الشريد عن أبيه، وهو وهم؛ لأنَّ الشريدَ هو الذي أردفه
النبيُّ وَّهِ خلفه، واستنشده شعرَ أميَّة بن أبي الصَّلت، لا أبو الشَّريد. واسم
أبي الشَّريد: سوید.
و (قوله: ((هل معك من شعر أميّة بن أبي الصلت شيء؟))) دليلٌ: على جواز
حفظ الأشعار، والاعتناء بها، وإنَّما المكروه أن يغلب الاشتغال بها على الإنسان،
ويكثر منها كثرةً تصدُّه عن أهمَّ منها، أو تفضي به إلى تعاطي أحوال مُجَّان الشعراء
وسخفائهم، فإنَّ الغالب من أحوال مَن انصرف إلى الشعر بكلِّيَّته، وأكثر منه؛ أن
يكون كذلك؛ واستقراء الوجود يحقّقه. وأمَّا حفظ فصيح الشِّعر وجيِّده المتضمن
للحكم والمعاني المستحسنة شرعاً وطبعاً: فجائز، بل ربما يُلحق ما كان منه حِكَماً
بالمندوب إليه. وعلى الجملة: فلا أحسنَ ممَّا قاله الإمامُ القرشيّ الصَّريح: الشِّعر
کلامٌ حسنه حسنٌ، وقبيحه قبيحٌ.
و (قوله: ((هِيةْ))) بكسر الهاء الأولى، وسكون الثانية للوقف. وهي: إيه؛
(١) ليست في (م ٢) ولا في (ل ١).
جواز حفظ
الأشعار

٥٢٧
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٠) باب: جواز إنشاد الشعر
فقال: ((هِيْه!)) حتى أنشدته مئة بيتٍ .
رواه أحمد (٣٨٨/٤)، ومسلم (٢٢٥٥) (١)، وابن ماجه (٣٧٥٨).
[٢٠٩٧] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((أصدقُ كلمةٍ
قالها شاعرٌ كلمةُ لبيدٍ: ألا كلُّ شيءٍ ما خَلا اللَّهَ باطلُ؛ وكاد أمية بن أبي
الصّلت أن يُسْلِم».
رواه أحمد (٢/ ٤٧٠)، والبخاريُّ (٦٤٨٩)، ومسلم (٢٢٥٦) (٢ -
٤) .
التي للاستزادة؛ وأبدل من الهمزة هاءً، كما قد فعلوا ذلك في غير موضع. وهي
اسمٌ لفعل الأمر الذي هو: زِدْ. وهي مبنيةٌ على الكسر لوقوعها موقع المبنيِّ؛ الذي
هو الأمر. وفي الصِّحاح: إذا قلت: إيه يا رجل؛ فإنّما تأمره بأن يزيدك من حديثه
المعهود. وإنْ قلت: إيهٍ - بالتنوين -؛ كأنك قلت: هاتٍ حديثاً؛ لأنَّ التنوين
تنکیرٌ.
وفيه دليلٌ: على جواز إنشاد الشِّعر، واستنشاده؛ لكنْ ما لم ينته إلى إنشادُ الشعر
الإطراب المخلِّ بالعقل، المزيل للوقار؛ فإنَّ ذلك يحرمُ، أو يُكره بحسب ما واستنشادُه
يفضي إليه. وإنَّما استكثر النبيُّ وَ ﴿ من شعر أميّة لأنه كان حِكَماً(١). ألا ترى
قوله وَ ﴿: ((وكاد أمية بن أبي الصَّلت أن يُسْلِمَ)).
و (قوله: ((أصدقُ كلمةٍ قالها شاعرٌ كلمةُ لبيد! ألا كلُّ شَيْءٍ ما خلا اللَّهَ أصدقُ كلمةٍ
باطلُ)) الباطل هنا: أراد به: المضمحلُ، المتغيِّرُ؛ الذي هو بصدد أن يهلك، قالها شاعرٌ
ويتلف. وهذا نحو من قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَىْءٍ هَالِكُ إِلََّّ وَجْهَتُ﴾ [القصص: ٨٨].
ولا شكّ في أنَّ هذه الكلمات أصدقُ ما يتكلَّم به ناظمٌ أو ناثرً؛ لأن مقدمتها الكليّة
(١) في (م ٢) و(ل ١) و(م ٣): حكيماً.

٥٢٨
...... .
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٠) باب: جواز إنشاد الشعر
[٢٠٩٨] وعنه، قال: قال رسول الله وَ له: ((لأن يمتلىء جوفُ
الرجل قَيْحاً يَرِيَهِ خيرٌ من أن يَمْتَلىء شعراً).
رواه أحمد (٢٨٨/٢)، والبخاريُّ (٦١٥٥)، ومسلم (٢٢٥٧)،
والترمذيُّ (٢٨٥١)، وابن ماجه (٣٧٥٩).
[٢٠٩٩] وعن أبي سعيد الخدري، قال: بينا نحن نسيرُ مع
رسول الله ﴿ بالعَزْج إذا عرض شاعر ينشد؛ فقال رسول الله وَله: ((خذوا
الشيطان، أو: أمْسكوا الشَّيطان،.
مقطوعٌ بصحَّتها وشمولها عقلاً ونقلاً، ولم يخرج من كليتها شيء قطعاً إلا ما
استثني فيها، وهو: الله تعالى؛ فإنَّه لم يدخل فيها قطعاً؛ فإنَّ العقلَ الصَّريح قد
دلَّ: على أنَّ كلَّ ما نشاهده من هذه الموجودات ممكنٌ في نفسه، متغيِّرٌ في ذاته،
وكلُّ ما كان كذلك كان مفتقراً إلى غيره، وذلك الغير إن كان ممكناً متغيراً كان مثل
الأول؛ فلا بدَّ أن يستندَ إلى موجودٍ لا يفتقر إلى غيره، يستحيل عليه التغيُّر، وهو
المعبَّر عنه في لسان النظّار: بواجب الوجود. وفي لسان الشَّرع: بالصَّمد المذكور
في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اَللَّهُ أَحَدُّ * اللَّهُ الصََّمَدُ﴾ [الإخلاص: ١ - ٢]،
وبقوله: ﴿ ... أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٢٥] وعند الانتهاء إلى هذا المقام
يفهم معنى قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَيْهَا فَانِ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَيِّكَ ذُو الْمَلِ وَاَلْإِكْرَامِ﴾
[الرحمن: ٢٦ - ٢٧]. وللكلام في تفاصيل ما أجمل مواضع أخر.
و (قوله وَ﴿ للشَّاعر الذي عرض له بالعَزْج: ((خذوا الشيطان))، أو: ((أمسكوا
النهي عن اتخاذ
الشِّعر للتكُب الشيطان))) إنَّما فعل النبيُّ ◌َ ◌ّ هذا الفعل مع الشَّاعر لما علم من حاله، [فلعلَّ هذا
الشَّاعر كان ممَّن قد عرف من حاله](١): أنّه قد انَّخذ الشِّعر طريقاً للتكسُّب، فيفرط
في المدح إذا أُعطي، وفي الهجو والذمُّ إذا مُنع، فيؤذي الناسَ في أموالهم
(١) ما بين حاصرتين سقط من (١ ١).

٥٢٩
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٠) باب: جواز إنشاد الشعر
لأن يمتلىء جوف رجلٍ قيحاً خيرٌ له من أن يمتلىء شعراً)).
رواه أحمد (٨/٣)، ومسلم (٢٢٥٩).
*
*
*
وأعراضِهم. ولا خلافَ: في أنَّ كلَّ من كان على مثل هذه الحالة فكلُّ ما يكتسبه
بالشِّعر حرامٌ، وكلُّ ما يقوله حرامٌ عليه من ذلك، ولا يحلُّ الإصغاء إليه، بل يجب
الإنكار عليه، فإن لم يُمكن ذلك؛ فمن خاف من لسانه تعيَّن عليه أن يداريَهُ ما
استطاعَ، ويدافعَه بما أمكنَ، ولا يحلُّ أن يُعطى شيئاً ابتداءً؛ لأنَّ ذلك عونٌ على
المعصية؛ فإن لم يجد من ذلك بدّاً أعطاه بنيّة وِقاية العِرْضِ؛ فما وقى به المرءُ
عِزْضَه ◌ُتب له به صدقة.
و (قوله: ((لأن يمتلىءَّ جوفُ أحدكم قيْحاً يَرِيَهُ خيرٌ له مِن أن يمتلىءَ شعراً))
القيح: المِدَّة يُخالطها دمّ. يُقال منه: قاحَ الجرحُ، يقيحُ. وتقيَّح، وقيّح. وصديدُ
الجرح: ماؤه المختلط بالدَّم الرَّقيق قبلَ أن تغلظ المِدَّة. و (يَرِيَهُ) قال الأصمعيُّ:
هو من الوَزيٍ، على مثال: الرَّمْي. وهو: أَن يَذْوى(١) جوفُه. يقال منه: رجلٌ
مَوْدِيٍّ - مشدَّدٌ غير مهموز - قال أبو عبيد: هو أن يأكل القيحُ جوفَه. قال صاحب
الأفعال: ورِيَ الإنسان والبعير، ورىّ: دويَ جوفه. وَوَرَاهُ الدَّواء، وزياً: أفسدَه.
ووريّ الكلبُ: سَعرَ أشدَّ السُّعار. وفي الصِّحاح: وَرِي القيحُ جوفَه، يَربِهِ، وَزياً:
إذا أكلَه، وأنشدُ:
وَرَاهُنَّ رَبِّي مِثْلَ مَا قَدْ وَرَئِنَنِّيْ(٢)
وأنشد الیزیديُّ:
قالت له وَزياً إذا تَنَحْنَحْ(٣)
(١) في اللسان دوي، بالكسر، يَذْوَى.
(٢) البيت لعبد بن الحَسْحَاس، وعجزه:
وأحمَی علی أکبادِهِنَّ المکاویا
(٣) كذا في الأصول والصِّحاح، وفي اللسان: تنحنحا.

٥٣٠
(٣٠) كتاب الأدب - (٢١) باب: في قتل الحيات
(٢١) باب
في قتل الحيَّات وذي الطُفْيَتَيْن والأبتر
[٢١٠٠] عن ابن عمر، قال: سمعت رسول الله وَ لل يأمر بقتل
الكلاب يقول: ((اقتلوا الحيَّات، والكلاب،
تقول منه للواحد: رِ يا رجلُ. وللاثنين: رِيًا. وللجماعة: رُوا. وللمؤنثة:
رِيْ. وللاثنتين: رِيَا. ولجماعتهن: رَيْنَ. والاسم: الوَرَيُّ - بالتحريك -.
هجو المسلمين
محرَّمٌ
واختلف في تأويل هذا الحديث. فقيل: يعني بذلك: الشِّعر الذي هُجيَ به
النبيُّ ◌َ﴿ أو غيرُه، وهذا ليس بشيءٍ؛ لأنَّ القليلَ من هجوِ النبيِّ وَّر وكثيرِه سواءٌ
في أنَّه كفرٌ ومذمومٌ. وكذلك: هجوُ غير النبيِّ وَ ﴿ من المسلمين محرَّمٌ؛ قليلُه
وكثيره. وحينئذٍ لا يكونُ لتخصيص الذَّمِّ بالكثير معنىّ. وقيل: إن معناه: أنَّ من
كان الغالبُ عليه الشِّعرَ لزمَه بحكم العادة الأدبيّة الأوصاف المذمومةُ التي ذكرناها
آنفاً. وهذا هو الذي أشارَ البخاريُّ إليه لما بوَّب على هذا الحديث: باب ما يُكره
من أن يكون الغالبُ على الإنسان الشِّعرَ.
(٢١ و٢٢) ومن باب: قتل الحيَّات(١)
(قوله: ((اقتلوا الحيَّاتِ))) هذا الأمر وما في معناه من باب الإرشاد إلى دفع
وجوب قتل
متحقق الضرر المضرّة المخوفة من الحيَّات، فما كان منها متحقَّق الضَّرر وجبت المبادرةُ إلى
من الحيات
قتله، كما قد أرشد إليه قوله: ((اقتلوا الحيَّات، واقتلوا ذا الطُّفيتيْن، والأبتر؛ فإنهما
يخطفان البصرَ، ويُسقطان الحَبَلَ)) فخصَّهما بالذِّكر مع أنَّهما قد دخلا في العموم،
وغيرها
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما
أشكل في أحاديث الباب الذي يليه بعنوان: باب المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون من
ذوات البيوت.

٥٣١
(٣٠) كتاب الأدب ۔ (٢١) باب: في قتل الحيات
ونبَّه على أنَّ ذلك بسبب عظم ضررها. وما لم يتحقَّق ضررُه: فما كان منها في غير
البيوت قُتل أيضاً؛ لظاهر الأمر العامّ في هذا الحديث، وفي حديث ابن مسعودٍ(١)
- رضي الله عنه -؛ ولأنَّ نوعَ الحيَّات غالبُه الضرر فيُستصحب ذلك فيه، ولأنَّه كلّه
مُرَوِّعٌ بصورته، وبما في النفوس من النُّفرة منه، ولذلك قال ◌َ له: ((إنَّ الله يُحِبُّ
الشجاعة ولو على قتل حيّةٍ»(٢). فشجّع على قتلها. وقال فیما خرّجه أبو داود من
حديث عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - مرفوعاً: ((اقتلوا الحيَّات؛ فمن خاف
ثأرهنَّ فليس منِّي))(٣)، وأمَّا ما كان منها في البيوت؛ فما كان بالمدينة؛ فلا يُقتل
حتى يؤذنَ ثلاثة أَام؛ لقوله وَّهِ: ((إنَّ بالمدينة جّاً قد أسلمُوا فإذا رأيتم منها شيئاً
فآذنوه ثلاثة أيَّامٍ)) (٤). وهل يختصُّ ذلك الحكم بالمدينة؛ لأنا لا نعلم هل أسلمَ من جنُّ
غير أهل المدينة أحدٌ أم لا؟ وبه قال ابن نافع. أو لا يختصُّ؟ وينهى عن قتل
جنان جمیع البلاد حتى يُؤْذَنَّ ثلاثة أيام؟ وهو قول مالك، وهو الأولى، لعموم نهیهعن قتل
الجنَّان التي تكون في البيوت؛ ولقوله وَلّهِ: ((خمسٌ فواسقُ يُقتلنَ في الحلِّ
والحرم))(٥) وذكر فيهنَّ الحيَّة، ولأنَّا قد علمنا قطعاً: أنَّ رسول اللهِ وَ لهُ بلَّغِ الرِّسالة
للنَّوعَيْن، وأنَّه قد آمن به خلقٌ كثيرٌ من الثَّوعين؛ بحيث لا يحصرُهم بلدٌ، ولا
يُحيط بهم عددٌ. والعجب من ابن نافع؛ كأنَّ لم تكن له أذن سامع، وكأنه لم يسمع
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرَأَ مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ فَلَمَا حَضَرُوهُ قَالُواْ أَنْصِتُواْ فَلَمَّا
(١) الحديث رواه مسلم في صحيحه (٢٢٣٤) عن عبد الله بن مسعود، ولم يرد في
التلخيص.
(٢) ذكره ابن أبي الدنيا في ((قضاء الحوائج)) ص ٤٤.
(٣) رواه أبو داود (٥٢٤٩).
(٤) رواه مسلم (٢٢٣٦) (١٣٩ و١٤٠)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذي (١٤٨٤).
(٥) رواه أحمد (٢٥٩/٦)، والبخاري (٣٣١٤)، ومسلم (١١٩٨) (٦٨).

٥٣٢
(٣٠) كتاب الأدب - (٢١) باب: في قتل الحيات
واقتلوا ذا الطُفْيَتَيْن، والأبْتَر؛ فإنَّهما يَلتمِسَان البصر، ويسقطان الحَبّل)).
قُضِىَ وَلَّوْاْ إِلَى قَوْمِهِمِ مُنذِرِينَ﴾ [الأحقاف: ٢٩]، ولا قوله وَله: ((إنَّ وفد جنِّ نصيبين
أتوني ونعم الجنُّ هم فسألوني الزَّاد ... الحديث))(١). فهذه نصوصٌ في أنَّ مِن
جنِّ غير المدينة من أسلمَ فلا يُقتلُ شيءٍ منها حتى يُحرَّجَ عليه، كما تقدَّم. فتفهَّمْ
هذا العقدَ، وتمسّكْ به. فهو الذي يجمعُ بين أحاديث هذا الباب المختلفة.
تفسير ما جاء في أحاديث الحيّات من الغريب:
الحيَّات: جمع حيَّةٍ، ويقال على الذَّكر والأنثى، كما قال(٢):
خَشَاشٌ كَرَأْسِ الحَيَّةِ المُتَوَقِّدِ (٣)
وإنما دخلته الهاء لأنَّه واحدٌ من جنس، کبطَّةٍ، ودجاجةٍ؛ على أنّه قد روي
عن العرب: رأيت حيّاً على حيَّةٍ. أي: ذكراً على أنثى. والحثُّوت: ذكر الحيَّات،
وأنشد الأصمعيّ:
ويأكل الحيّة والحثُوتا(٤) »
و (ذو العُفيتَيْن): ضربٌ من الحيَّات في ظهره خطَّان أبيضان، وعنهما عبَّر
بالُفيتين. وأصل الطُّفية - بضم الطاء -: (خوصُ المقل)(٥) فشُبِّه الخطُّ الذي على
(١) رواه مسلم (٤٥٠)، وأبو داود (٣٩)، والترمذي (١٨)، والنسائي (٣٠/١).
(٢) هو طرفة بن العبد.
(٣) هذا عجز البيت، وصدره:
أنا الرَّجُلُ الضَّرْبُ الذي تعرفونه
(٤) قال في الصحاح، وبعده:
ويَدْمُقُ الأغفالَ والتابوتا
ويَخْتُقُ العجوزَ أوْ تموتا
(٥) ورق شجر المُقْل.

٥٣٣
(٣٠) كتاب الأدب ۔ (٢١) باب: في قتل الحيات
قال الزُّهْرِي: ونرى ذلك من سُمَّيْهِما - والله أعلم -.
قال عبد الله بن عمر: فلبثت لا أترك حيَّةً أراها إلا قتلتها، فبَيْنا أنا
أطارد حيَّةً يوماً، من ذوات البيوت، مرَّ بي زيدُ بن الخطّاب، أو أبو لُبَابَة
وأنا أُطَارِدُهَا، فقال: مهلاً يا عبد الله! فقلت: إنَّ رسول الله وَّهِ أمر
بقتلِهِنَّ. قال: إنَّ رسول الله وَ ﴿ قد نهى عن ذوات البيوت.
ظهر هذه الحيَّة به، وربَّما قيل لهذه الحيّة: طُفْيَةٌ؛ على معنى: ذات طفيةٍ. قال
الشاعر (١):
كما تَذِلُّ الطُّفَى مِنْ رُقْيَةِ الرَّاقي(٢)
أي: ذوات الطُّفَى. وقد يسمَّى الشيء باسم ما يجاوره. وقال الخليل في ذي
الطفيتين: هي حيَّةٌ لينةٌ خبيئةٌ. و (الأبتر): الأفعى؛ سمِّيت بذلك لقصر ذنبها.
وذكرُ الأفعى: أفعوان. قال النَّضر بن شميل في الأبتر: إنَّه صنفٌ من الحيَّات أزرق
مقطوع الذَّنب. و (يلتمسان): يطلبان. هذا أصله، ومعناه هنا: يخطفان البصر،
كما جاء في الرواية الأخرى. [وقد روي: (يلتمعان) و (يطمسان) وكلها بمعنىّ
واحدٍ. و (يتَبعان ما في بطون النِّساء). أي: يسقطان الحبل، كما جاء في الرواية
الأخرى](٣). وظاهر هذا: أنَّ هذين النَّوعين من الحيَّات لهما من الخاصيّة ما يكون
عنهما ذلك، ولا يستبعد هذا؛ فقد حكى أبو الفرج الجوزي في كتابه المسمَّى:
بكشف المشكل لما في الصحيحين: أنَّ بعراق العجم أنواعاً من الحيَّات يهلك
الرائي لها بنفس رؤيتها، ومنها من يهلك المرورُ على طريقها، وذكر غير ذلك.
ولا يلتفت إلى قول من قال: إنَّ ذلك بالترويع؛ لأنَّ ذلك الترويعَ ليس خاصّاً
(١) هو الهذليُّ.
(٢) هذا عجز البيت، وصدره:
وهم يُذِلُونها مِنْ بَعْدٍ عِزَّتها
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).

٥٣٤
(٣٠) كتاب الأدب ۔ (٢١) باب: في قتل الحيات
وفي روايةٍ: قال: حتى رآني أبو لبابة بن عبد المنذر، وزيد بن
الخطاب فقالا: إنه قد نُهِي عن ذوات البيوت.
رواه أحمد (١٢١/٢)، والبخاريُّ (٣٢٩٧ و٣٢٩٨)، ومسلم
(٢٢٣٣) (١٢٨ و١٢٩ و١٣٠)، وأبو داود (٥٢٥٢)، وابن ماجه
(٣٥٣٥).
بهذين النَّوعين، بل يعمُّ جميعَ الحَيَّات، فتذهب خصوصيَّةُ هذا النوع بهذا الاعتناء
العظيم، والتحذير الشّديد؛ ثمَّ: إن صحَّ هذا في طرح الحَبَل، فلا يصحُ في ذهاب
البصر؛ فإنَّ الترويعَ لا يذهبه. و (الجنَّان) بتشديد النون: جمع: الجانِّ. وهو
أبو الجنّ. هذا أصله. والجِنَّانُ في الحديث: هو حيَّةٌ بيضاءُ صغيرةٌ دقيقةٌ. هكذا
ذكر النَّقلة، والظاهر من الجنَّان المذكور في الحديث: أنَّ المرادَ به: الجانُ(١)؛
فإن قيل: فقد وصف الله تعالى الحيّة المنقلبة عن عصا موسى بأنَّها جانٌّ، وأنَّها
ثعبان عظيمٌ؛ فالجواب: إنه إنَّما كانت ثعباناً عظيماً في الخِلْقة، ومثل الحيّة
الصغيرة الدقيقة في الخفّة والشّرعة، ألا ترى قوله تعالى: ﴿تَتَُّّ كَأَنَّهَا جَةٌ ... ﴾
[النمل: ١٠]. هكذا قال أهلُ اللغة، وأرباب المعاني. وعلى الجملة: فأصلُ هذه
البنية من: ج - ن؛ للسترة والتستر أينما وقعت، فتتبغها تجدها كذلك. ووبيص
الجانُّ وغيره: لمعانه وبريقه. قال عياض: وقيل: الجنَّان: ما لا يتعرض للناس،
والجنَّل: ما يتعرَّض لهم ويؤذيهم، وأنشدوا:
· تَنَازَعَ جِنَّنٌ وَجِنٌّ وَجِئَّلُ *
وعن ابن عبّاسٍ وابن عمر - رضي الله عنهم -: الجنَّان: مسخ الجنِّ كما
مسخت القردةُ من بني إسرائيل. وعوامر البيوت: هي ما يعمره من الجنِّ، فيتمثّل
في صور الحيَّات وفي غيرها.
(١) في (م ٢) و(ل ١) و (ز) و(م ٣): الحيَّات.

٥٣٥
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٢) باب: المبادرة بقتل الحيات
[٢١٠١] وعن نافع؛ قال: كان عبد الله بن عمر يوماً عند هَدْمٍ له
فرأى وبيص جانٌّ فقالَ: انَّبعوا هذا الجانَّ فاقتلوه! فقال أبو لبابة
الأنصاريُّ: إنِّي سمعت رسول الله وَ ﴿ نهى عن قتل الجِنَّانِ التي تكون في
البيوت إلّ الأبْتَر، وذا الطُّفْيَتَين؛ فإنَّهما اللذان يَخْطَفانِ البصر، ويَسَبَّعان ما
في بطون النساء.
رواه مسلم (٢٢٣٣) (١٣٦)، وأبو داود (٥٢٥٥).
*
(٢٢) باب
المبادرة بقتل الحيات إلا أن تكون
من ذوات البيوت فلا تقتل حتى تستأذن ثلاثاً
[٢١٠٢] عن عبد الله - هو ابن مسعود - قال: كُنَّا مع النبي ◌ِ ◌ّ في
غارٍ، وقد أنزلت عليه: ﴿والمرسلات عرفاً﴾ فنحن نأخذها مِن فِيهِ رَطْبةً؛
إذا خرجت علينا حيَّةٌ؛ فقال: ((اقتلوها))، فانْتَدزْناها لنقتلها، فسبقتْنَا، فقال
و (قول ابن مسعودٍ - رضي الله عنه -: أنزلت: ﴿والمرسلات عُزْفاً﴾ فنحن
نأخذُها من فيه رطبة) أي: مُستطابةً، سهلةً كالثَّمرة الرَّطبة، السهلة الجَنَى. وقيل:
معناه: أي: نتلقَّاها لنسمعها منه لأول نزولها، كالشيء الرَّطب في أول أحواله.
والأول أوقع تشبيهاً، ويدلُّ عليه: قوله : ﴿ في الخوارج: ((يقرؤون القرآن رطباً
لا یجاوز حناجرهم»(١). أي: یستطیبون تلاوته، ولا يفهمون معانيه.
(١) رواه البخاري (٧٤٣٢)، ومسلم (١٠٦٤)، وأبو داود (٤٧٦٤) من حديث أبي سعيد.

٥٣٦
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٢) باب: المبادرة بقتل الحيات
رسول الله لقد: (وقاها الله شرکم کما وقاکم شرَّها).
رواه أحمد (٤٢٨/١)، والبخاريُّ (٤٩٣١)، ومسلم (٢٢٣٤)،
والنسائيّ (٢٠٨/٥).
[٢١٠٣] وعن أبي السَّائب - مولى هشام بن زُهرةَ -: أنَّه دخل يوماً
على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي، فجلسْت أنتظره
حتى يقضي صلاته؛ فسمعت تحريكاً في عَراچِين في ناحية البيت؛
فالتفتُّ؛ فإذا حيَّةٌ، فوثبْتُ لأقتلها، فأشار إليَّ: أن اجلس؛ فجلست، فلما
انصرف أشار إلى بيتٍ في الدَّار، فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم.
فقال: كان فيه فتَى منَّا حديث عهدٍ بعُرْس، قال: فخرجنا مع رسول الله وَل
إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله وسلم بأنْصَاف النهار فيرجع
إلى أهله؛ فاستأذنه يوماً، فقال له رسول الله وصله: ((خذ عليك سلاحك؛
و (قوله ◌َّير: ((وقاها الله شرَّكم))) أي: قَتْلكم لها؛ فإنَّه شرٌّ بالنسبة لها؛ وإن
کان خیراً بالنسبة إلينا.
و (قوله: ((كما وقاكم شرَّها))) أي: لسْعَها. وفيه: دَلالةٌ على صحة ما ذكرناه
من استصحاب أصل الضرر في نوع الحيَّات.
و (قول أبي سعيدٍ: فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله و له بأنصاف النهار)
إنَّما كان الفتى يستأذن رسولَ اللهِ وَ﴿ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كَانُواْ مَعَهُ عَلَى أَمْيٍ
جَامِعِ لَّمْ يَذْهَبُواْ حَتَّى يَسْتَذِئُوهُ﴾ [النُّور: ٦٢]، وكانوا مع النبيِّ ◌َّر في حفر الخندق.
وأنصاف: جمع نصف، كحِمْل وأحمال، وعِدْلٍ وأعدالٍ. وكأنَّ هذا الفتى كانت
عادته أن يستأذنَ النبيَّ وَ ﴿ كلَّ يوم من تلك الأيام في نصف النَّهار، فيأذن له في
الانصراف إلى أهله. والباء في: بأنصاف بمعنى: في، كما تقول: جاء زيدٌ بثيابه.
أي: فيها.

٥٣٧
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٢) باب: المبادرة بقتل الحيات
فإنِّي أخشى عليك قُرَيْظَة)) فأخذ الرَّجل سلاحه؛ ثم رجع فإذا امرأته بين
البَابَين قائمةً؛ فأهْوَى إليها الرمح ليطْعنها به - وأصابته غَيْرةٌ - فقالت له:
اكْفُفْ عليك رُمْحَك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني؛ فدخل؛
فإذا بحيَّةٍ عظيمةٍ مُنْطَوِيَةٍ على الفراش؛ فأهوى إليها بالرُّمح فانْتَظمَها به؛ ثم
خرج فركَزَه في الدار. فاضطربت عليه. فما يُذْرَى أَيُّهما كان أسرعَ موتاً؛
الحيَّة أم الفتى؟! قال: فجئنا رسول الله صفر فذكرنا ذلك له؛ وقلنا: ادع الله
يُخيِيه لنا! فقال: ((استغفروا لصاحبكم)). ثم قال: ((إنَّ بالمدينة جِنّاً قد
أسلموا؛ فإذا رأيتم منهم شيئاً فآَذِنُوه ثلاثة أيامٍ؛ فإنْ بدا لكم بعد ذلك
فاقتلوه؛ فإنما هو شيطان)).
رواه مسلم (٢٢٣٦) (١٣٩)، وأبو داود (٥٢٥٩)، والترمذيُّ
(١٤٨٤).
و (قوله: فأهوى إليها بالرُّمح ليطعنها) أي: أماله إليها إرهاباً ومبالغةً في
الزَّجر. وحمله على ذلك فرطُ الغَيْرة، وما كان بالذي يطعنها !.
و (قولهم لنَّبيِّ وَّ حين مات الفتى: ادع اللَّهَ أن يحييَهُ لنا) قولٌ أخرجه
منهم كثرةُ ما كانوا يشاهدون من إجابة دعواته وعموم بركاته، ولما روى أثمتُنا في
كتبهم: أنَّ رجلاً وأد ابنته ثم أسلم، فجاء النبيَّ ◌َله فسأله: أن يدعو الله في أنْ
يحييها له، فانطلق معه إلى قبرها، فدعا، فناداها، فأحياها الله، فتكلمت معهما،
فقال لها رسول الله وَطفيه: ((أتريدين أن تنطلقي مع أبيك؛ أو ترجعي إلى ما كنتٍ
فيه؟)) فاختارت الرُّجوعَ إلى قبرها(١).
و (قوله: ((إنَّ بالمدينة جنّاً قد أسلموا))) قد بيَنَّا: أنَّ بغير المدينة جنّاً قد إنذار حيَّات
أسلموا، فتلزم التسويةُ بينها وبين غيرها في المنع من قتل الحيَّات إلا بعد الإذن. البيوت ثلاثة
(١) انظر: حجة الله على العالمين للنبهاني (٤٢٢/١).
أيام

٥٣٨
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٢) باب: المبادرة بقتل الحيات
[٢١٠٤] وفي طريق أخرى: فقال رسول الله وَالله: ((إن لهذه البيوت
عَوامِر، فإذا رأيتم شيئاً منها فَحرِّجوا عليها ثلاثاً؛ فإن ذهب وإلا فاقتلوه؛
ولا يُفهم من هذا الحديث: أن هذا الجانَّ الذي قتله الفتى كان مسلماً، وأنَّ الجن
قتلته قصاصاً؛ لأنَّه لو سُلُّم: أن القصاص مشروعٌ بيننا وبين الجنَّ؛ لكن: إنَّما
يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد، ولم يتعمد قتل نفسٍ مسلمةٍ؛ إذ
لم يكن عنده علمٌ من ذلك، وإنَّما قصد إلى قتل ما سوّغ له قتل نوعه شرعاً، فهذا
قَتْلُ خطأ، ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إنَّ كفار الجنِّ، أو فسقتهم قتلوا
الفتى بصاحبهم عدواناً وانتقاماً، وإنما قال النبيُّ وَله: ((إنَّ بالمدينة جنّاً قد
أسلموا ... )) إلى آخر الحديث؛ ليبيِّن طريقاً يحصل به التحرُّز من قتل المسلم
منهم، ويتسلَّط على قتل الكافر منهم، ولذلك قال ◌َلجه: ((فإذا رأيتم منها شيئاً
فآذنوه ثلاثة أيام؛ فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه، فإنما هو شيطان))، ولذلك قال
مالك: أحبُّ إليَّ أن يُنْذَرُوا ثلاثة أيامٍ. قال عيسى بن دينار: يُنْذَرُ ثلاثة أيامٍ، وإن
ظهر في اليوم مراراً، ولا يقتصر على إنذاره ثلاث مرارٍ في يومٍ واحدٍ حتَّى يكون
في ثلاثة أيام.
قلتُ: وهذا تنبيهً: على أنَّ مِنَ النَّاس من يقول: إنَّ الإذنَ ثلاث مرَّاتٍ؛
وهو الذي يُفهم من قوله: ((فليؤذنه ثلاثاً))، ومن قوله: ((فحرِّجوا عليه ثلاثاً))؛ لأنَّ
ثلاثاً للعدد المؤنث، فيظهر: أنَّ المراد ثلاث مرَّاتٍ، والأَوْلى: ما صار إليه مالكٌ؛
لأنَّ قوله: ((ثلاثة أيام)) نصٌّ صحيحٌ، مقيّدٌ لتلك المُطْلَقات، فلا يُعْدَل عنه، ويمكن
أن يُحمل تأنيث العدد على إرادة ليالي الأيام الثلاثة، فغلَّب الليلة على عادة العرب
في باب التّاريخ؛ فإنَّها تغلّب فيها التأنيث.
و (قوله: ((فحرِّجوا عليها ثلاثاً)) قال مالكٌ: يكفي في الإنذار أن يقول:
أحرِّجُ عليكَ بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا، ولا تؤذينا. وحكى ابنُ حبيبٍ عن

٥٣٩
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٣) باب: قتل الأوزاغ
فإنه كافرٌ)"، وقال لهم: ((اذهبوا فادفِئُوا صاحبكم)).
رواه مسلم (٢٢٣٦) (١٤٠)، وأبو داود (٥٢٥٦).
(٢٣) باب
قتل الأوزاغ، وكثرة ثوابه في أوّل ضربة
[٢١٠٥] عن أمِّ شريكٍ - إحدى نساء بني عامر بن لؤي -: أنَّها
استأمرت النَّبيَّ ◌َ﴿ في قتل الوِزْغَان، فأمر بقتلها.
رواه أحمد (٤٢١/٦)، والبخاريُّ (٣٣٥٩)، ومسلم (٢٢٣٧)
(١٤٣)، والنسائيُّ (٢٠٩/٥)، وابن ماجه (٣٢٢٨).
النبيِّ وَل﴿ أَنَّه يقول: ((أنشدكنَّ بالعهد الذي أخذ عليكنَّ سليمان ألا تؤذوننا، وألا
تظهرن علينا))(١).
(٢٣) ومن باب: قتل الأوزاغ
الوَزَغةُ: دُويبةٌ مستخبثةٌ مُستكرهةٌ، وتُجمع: وزعٌ، وأوزاغٌ، ووُزْغانٌ.
وأَمْرُهُ وَلِ بقتله لما يحصلُ منه من الضرر والأذى الذي هي عليه من الحكمةُ من قتل
الاستقذار المعتاد، والنَّفرة المألوفة؛ التي قد لازمتِ الطّباع، ولما يُثَّقى أن يكون الأوزاغ
فيها سمٌّ، أو شيء يضرُ متناولَه، ولما رُوِيَ: من أنها أعانت على وقود نار إبراهيم
عليه السَّلام؛ فإنها كانت تنفخُ فيه لِيَشْتَعِلَ، وهذا من نوع ما روي في الحيَّة: أنَّها
أدخلت إبليس إلى الجنَّة، فعوقبت بأن أُهْبِطَتْ مع مَنْ أُهْبِط، وجُعلتِ العداوةُ بينها
(١) ذكره القرطبي في تفسيره (٣١٨/١).

٥٤٠
(٣٠) كتاب الأدب - (٢٣) باب: قتل الأوزاغ
[٢١٠٦] وعن سعد بن أبي وقاصٍ: أن النبيَّ وَّر أمر بقتل الوزغ،
وسمَّاه: فويسقاً.
رواه أحمد (١٧٦/١)، ومسلم (٢٢٣٨) (١٤٤)، وأبو داود
(٥٢٦٢).
[٢١٠٧] وعن عائشة: أنَّ رسولَ اللهِ لَ قَالَ للوَزِغْ: ((الفُونْسِق))،
قالت: ولم أسمعه أمر بقتله.
رواه أحمد (٨٧/٦)، والبخاريُّ (٣٣٠٦)، ومسلم (٢٢٣٩)،
والنسائيُّ (٢٠٩/٥)، وابن ماجه (٣٢٣٠).
[٢١٠٨] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَلهى: ((من قتل وَزَغة
في أوَّل ضربة؛ فله كذا وكذا حسنة؛ ومن قتلها في الضَّربة الثانية؛ فله كذا
وبين بني آدم؛ ويشهدُ لهذا قوله وَله: ((ما سالمناهنَّ مُذْ عاديناهنَّ))(١). وهذا كلُّه
مذكورٌ في كتب المفسّرين.
و (قول عائشة: إنَّه قال للوَزَغ: ((الفويسق))) إنما سمِّي بذلك لخروجه عن
مواضعه، أو عن جنس الحيوانات للضَّرر. وقيل: لأنَّها خرجت عن حكم
الحيوانات المحترمة شرعاً. وقد تقدَّم: أنَّ أصلَ الفسق في اللغة: الخروج مطلقاً،
وأنّه اسمٌّ مذمومٌ في الشَّرع.
و (قولها: إنَّها لم تسمع النبيَّ وَه يأمر بقتله) لا حَّةَ فيه على نفي القتل؛ إذ
قد نَقَل الأمرَ بقتله أم شريكٍ وغيرُها، ومَن نَقَلَ حُبَّةٌ على مَنْ لم ينقل.
و (قوله: ((مَن قَتَلَ وَزَغةً في أول ضربةٍ؛ فله كذا وكذا حسنةً)) هذا عددٌ
الحض على
المبادرة بقتل
الأوزاغ
(١) رواه أحمد (٤٣٢/٢) من حديث أبي هريرة.