Indexed OCR Text

Pages 361-380

٣٦١
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٤) باب: ما يختار في الأضحية
(يا عائشة! هلمِّي المُدية))، ثم قال: ((اشْحَذِيها بحجرٍ)). ففعلت، ثم
أخذها، وأخذ الكبش فأضجعه، ثم ذبحه، ثم قال: ((باسم الله، اللَّهم تقبّل
من محمدٍ وآل محمدٍ؛ ومن أمّة محمد»؛ ثم ضخّی به.
رواه أحمد (٧٨/٦)، ومسلم (١٩٦٧)، وأبو داود (٢٧٩٢).
[١٩٦٠] وعن أنسٍ؛ قال: ضخَّى النبيُّ وَّه بكبشين أمْلَحين أَقْرَنين
ذبَحهما بيده، وسمَّى، وكَبَّر، ووضع رجله على صفاحهما.
له أن يختارَ الأفضلَ نوعاً، والأكمل خَلقاً، والأحسن شِيَةً. فالأقرن: الطويل
القرن، وهو أفضل. ولا خلاف في جواز الأجمٌّ(١). واختلف في المكسورة القرن.
فالجمهور على الجواز، وقد روى أبو داود عن عليَّ أن النبي ◌َّ نهى أن يضخّى
بعضباء الأذن والقرن(٢)، وكرهه مالك إن كان يدمى؛ لأنه مرض، وأجازه إن لم
يَدْمَ. ومعنى: (يطأ في سوادٍ) أي: أسود القوائم. (ويبرك في سوادٍ) أي: في بطنه
سواءٌ. (وينظر في سوادٍ) أي: ما حول عينيه أسود.
و (قوله: ضخَّى بكبشين أملحين أقرنين) اختلف في الأملح. فقال
الأصمعيُّ: هو الأبيض؛ لون الملح، ونحوه. قال ابنُ الأعرابيّ: هو النقيُّ
البياض. وقال غيرهما: الملحة من الألوان: بياضٌ يخالطه سواد. يقال: كبش
أملح إذا كان شعره خليساً (٣). هذا الذي حكاه في الصحاح، ولم يحكِ ما ذكر عن
الأصمعي وابن الأعرابيّ.
و (المُذية): السِّكِّين، وتُجمع: مُدىّ، كغُرفة وغُرف. و (الشحذ): الحدُّ،
ومنه قوله:
(١) «الأُجم) : ليس له قرن.
(٢) رواه أبو داود (٢٨٠٥).
(٣) أخلس الشّعر، فهو مخلس وخلیسٌ: استوى سواده وبياضه. وقيل: إذا كان سواده أكثر
من بياضه .

٣٦٢
(٢٨) كتاب الأضاحي .. (٣) باب: ما يختار في الأضحية
وفي رواية: يقول: ((باسم الله والله أكبر)).
رواه أحمد (١١٥/٣)، والبخاريُّ (٥٥٥٨)، ومسلم (١٩٦٦) (١٧
و١٨)، وأبو داود (٢٧٩٤)، والترمذيُّ (١٤٩٤)، والنسائي (٢٣٠/٧)،
وابن ماجه (٣١٢٠).
فَيَا حَجَرِ الشَّخْذِ حتَّى متى تَسُنُّ الحديدَ ولا تقطعُ؟
وفيه الأمر بحدِّ آلة الذبح، كما قال في الحديث الآخر: ((إذا ذبحتُم فأحسِنُوا
الذُّبحةَ، ولَيُحِدَّ أحدُكم شفرته، وليُرح ذبيحته)) (١). وهو من باب الرِّفق بالبهيمة
بالإجهاز عليها، وترك التعذيب، فلو ذبح بسكينٍ كالَّةٍ، أو بشيءٍ له حدٍّ، وإن لم
يكن مُجهِزاً بل مُعذِّباً فقد أساءَ، ولكنه إن أصابَ سُنَّةَ الذبح؛ لم تحرمِ الذبيحةُ،
وبئس ما صنعَ، إلا إذا لم يجد إلا تلك الآلة.
وفيه من الفقه: استحباب العدد في الأضاحي، ما لم يقصد المباهاة. وأن
المضحّي يلي ذبحَ أُضحيته بنفسه؛ لأنَّه المخاطبُ بذلك، ولأنه من باب التواضع.
وكذلك الهدايا، فلو استناب مسلماً جازَ. واختلف في الذميّ، فأجاز ذلك عطاء
ابتداءً. وهو أحدُ قولي مالك. وقال له في قول له آخر: لا يُجزئه، وعليه إعادة
الأُضحية. وكره ذلك جماعة من السلف، وعامة أئمة الأمصار، إلا أنهم قالوا:
يُجزئه إذا فعل. وفيه: استحبابُ إضجاع الذبيحة، ولا تُذْبح قائمةً، ولا باركةً.
وكذلك مضى العمل بإضجاعها على الشِّق الأيسر؛ لأنه أمكنُ من ذبحها. وفيه:
استحباب وضع الرّجل على جانب عُنق الذبيحة. وهو المعبر عنه بالصِّفاح.
وصفحة كل شيء: جانبُه وصفحه أيضاً، وإنما يُستحبُّ ذلك لئلاّ تضطربَ الذبيحةُ
(١) رواه أحمد (١٢٣/٤)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذي (١٤٠٩)،
والنسائي (٢٢٧/٧)، وابن ماجه (١٣٧٠).
الأمر بحدّ آلة
الذبح
استحباب
العدد في
الأضاحي
استحباب
إضجاع
الذبيحة

٣٦٣
(٢٨) كتاب الأضاحي . (٣) باب: ما يختار في الأضحية
فَتَزِلَّ يدُ الذابح عند الذبح. وقد رُوي نهي عن ذلك، والصحيح: ما ذُكر عن
النبيِّ ◌َل﴿ من وضعه رجلَه على صِفاحهما.
وفيه من الفقه: تعيين التسمية؛ فإنه قال: باسم الله، والله أكبر. وقد اختلف تعيين التسمية
في ذلك، فقال أبو ثور: التسمية متعيّنة كالتكبير في الصلاة. وكافةُ العلماء على
استحباب ذلك. فلو قال ذكراً آخرَ فيه اسم من أسماء الله وأرادَ به التسمية جاز،
وكذلك لو قال: الله أكبر - فقط - أو: لا إلهَ إلا الله. قاله ابن حبيب، فلو لم يُرِدِ
التسمية لم تُجزىء عن التسمية، ولا تُؤْكل. قاله الشافعيُّ، ومحمد بن الحسن.
وكره كافَّة العلماء من أصحابنا، وغيرهم؛ الصلاة على النبي ◌َّر عند التسمية في
الذبح، أو ذكرِهِ، وقالوا: لا يُذكر هنا إلا الله وحده. وأجازَ الشافعي الصَّلاة على
النبيِّ ﴿ عند الذبح.
و (قوله: ((اللهم تقبّلْ من محمدٍ، وآل محمدٍ، ومن أمة محمدٍ))) هذا دليلٌ حُكْم الدعاء
للجمهور على جواز قول المضحّي: اللهم تقبلْ منِّي. على أبي حنيفة؛ حيث كره بقبول الأضحية
عند الذبح
أن يقول شيئاً من ذلك، وكذلك عند الذبح. وقد استحسنه بعضُ أصحابنا،
واستحبَّ بعضُهم أن يقول ذلك بنص الآية: ﴿ رََّا فَقَبَّلْ مِنَّأَّ إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِمُ﴾
[البقرة: ١٢٧]. وكره مالك قولهم: اللهم منكَ، وإليكَ، وقال: هذه بدعة.
وأجازَ ذلك ابن حبيب من أصحابنا، والحسن.
قلتُ: وقد روى أبو داود من حديث جابر بن عبد الله قال: ذبحَ النبيُّ ◌َّفيه
يومَ الذبح كبشين أقرنين مُوجَئَيْن(١)، أملحين؛ فلمَّا وجَّهَهُما قال: ((﴿إِنِّ وَجَّهْتُ
وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمَوَنِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ... ﴾ [الأنعام: ٧٩]، وقرأ إلى قوله:
. وَنَا أَوَّلُ اَلِْينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣]، اللهمَّ منكَ وإليكَ عن محمَّدٍ وُمَّته، باسم
(١) مُوجَتَيْنِ: يُريد منزعيّ الأنثيين، والوٍجاء: الخصاء. يقال: وجأت الدابة، فهي
موجوءة: إذا خصيتها.

٣٦٤
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يختار في الأضحية
الله، والله أكبر))(١) ثم ذبحَ. فهذا الحديث حجةٌ للحسن وابن حبيبٍ. وأمَّا مالك:
فلعلَّ هذا الحديث لم يبلغْه، أو لم يَصحَّ عنده، أو رأى: أنَّ العملَ يُخالفه. وعلى
هذا یدُّ قوله: إنّه بدعة.
جواز تشريك
في أضحیته
وفيه من الفقه ما يدلُّ: على جواز تشريك الرجل أهلَ بيته في أُضحيته، وأنَّ
الرجل أهل بيته ذلك يُجزىء عنهم. وكافَّة علماء الأمصار على جواز ذلك. مع استحباب مالك أن
يكونَ لكلِّ واحدٍ من أهل البيت أضحيةٌ واحدةٌ، وكان أبو حنيفة، وأصحابُه،
والثوريُّ يكرهون ذلك. وقال الطحاويُّ: لا يُجزىء. وزعمَّ: أنَّ الحديث في ذلك
من فعل النبيِّ ◌َ﴿ منسوخٌ، أو مخصوصٌ. وممن قال بالمنع: عبد الله بن المبارك.
قلتُ: وهذه المسألة فيها نظرٌ؛ وذلك: أنَّ الأصل أنَّ كلَّ واحدٍ مخاطبٌ
بأضحيةٍ، وهذا مثَّفقٌ عليه، فكيف يسقط عنهم بفعل أحدهم؟! وقوله: ((اللهم تقبّلْ
من محمَّدٍ وآلِ محمّدٍ)) ليس نصاً في إجزاء ذلك عن أهل بيتِهِ، بل هو دعاءً لمن
ضخَّى بالقَبُّول. ويدلُّ عليه قوله: ((ومن أمة محمَّدٍ))، وقد اثَّفق الكلُّ: على أنَّ
أضحيةَ النبيِّلَ ﴿ لا تُجزىء عن أمته، ولو سُلِّمَ ذلك لكان يلزمُ عليه أن تُجزىءَ
أضحية النبي عن آل النبيِّ ◌َ غير حيث كانوا، وإن لم يكونوا في بيته، ثم يلزم
عليه ألَّ يدخلَ أزواجُه فيهم؛ فإنهم ليسوا آلاً له على الحقيقة اللغوية. وقد تقدَّم
القولُ على آل النبيِّ ◌َ ﴿ في الزكاة. والذي يظهر لي: أن الحَّة للجمهور على
ذلك: ما رُوي أنَّ النبيِوَله ضحَى عن نسائِهِ ببقرةٍ، ورُوي: بالبقر. وأيضاً فلم يروَ
أن النبيَّ ◌َ﴿ أمر كلَّ واحدةٍ من نسائه بأُضحية، ولو كان ذلك؛ لنُقل، لتكرارِ سِنيٍّ
الضحايا عليهنَّ معه، ولكثرتهنَّ. فالعادة تقتضي أنَّ ذلك لو كان؛ لنُقل كما نُقل
غيرُ ذلك من جزئيات أحوالهنَّ، فدلَّ ذلك: على أنَّه كان يكتفي بما يُضحّي عنه
وعنهنَّ. والله تعالى أعلم.
(١) رواه أبو داود (٢٧٩٥).

٣٦٥
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يختار في الأضحية
.
وقد روى الترمذيُّ عن عطاء بن يسار، قال: سألتُ أبا أيوب الأنصاريّ:
كيف كانت الضحايا على عهد رسول الله وَليه؟ فقال: كان الرجل يُضحِّي بالشاة عنه
وعن أهل بيته، فيأكلون، ويُطعمون حتى تباهى الناس فيها كما ترى. قال: هذا
حديثٌ(١) حسنٌ صحيح. قال القاضي: وضبطُ مَنْ يصُ أن يُدخِلَه الرجلُ في صفات من
الأُضحية عندنا بثلاث صفاتٍ. أحدها: أن يكونوا من قرابته، وحكم الزوجين، يُشَرَّك في
وأُمّ الولد حكمهم عند مالك والكافَّة. وأباه الشافعيُّ في أُمّ الولد، وقال: لا أُجيز
الأضحية
لها، ولا للمكاتب، والمُدَّر، والعبد أن يُضُّوا. والثاني: أن يكونوا في نفقته؛
وجبت عليه، أو تطوّع بها. والثالث: أن يكونوا في بيتهِ، ومساكنته غیر نائین عنه،
.
فإن انخرم شيء من هذه الشروط لم يصحّ اشتراكهم في ضحيَّته. قال: ولا يجوز
عند جميعهم شركة جماعة في ضحية يشترونها، ويذبحونها عن أنفسهم، أو في
هَذْىٍ إذا كانوا أكثرَ من سبعةٍ. واختلفوا فيما دونها. فمذهبُ الليث، ومالكِ: أنَّ
الشّركة لا تجوز بوجهٍ فيها؛ كانت بدنة، أو بقرة، أو شاة، أَهْدَوْا أو ضخّوْا.
وذهب جمهورُ العلماء من الحجازيين، والكوفيين، والشامِيِّين: إلى جواز إشراك
السبعة فما دون ذلك في البقرة، والبدنة، في الهَدْي والضحيَّة، ولا تُجزىء شاةٌ
إلا عن واحدٍ.
وقد حصلَ من مجموع حديث عائشة وأنس وجابر أن الأولى في الأضحية العيوب التي
نهايةُ الكمال في الخَلْق والصِّفة. وهو مثَّفق عليه، وأنَّ الوِجاء ليس مُنقصٌ؛ لأنه لا تجزىء بها
الأضحية لأنها
وإن كانَ نقصانَ عضوٍ؛ فإنه يُصلحُ اللَّحمَ ويُطَيِّئُه. وقد قلنا: إنَّ الطَّيِّبَ في مُخْصة
الأُضحية: هو المقصودُ الأوَّل. وأما العيوبُ المُنقِّصة، فقال القاضي: أجمعوا أنَّ
العيوبَ الأربعةَ المذكورة في حديث البراء(٢) - من: المرض، والعَجَف، والعَوَر،
(١) رواه الترمذي (١٥٠٥).
(٢) رواه الترمذي (١٤٩٧)، والنسائي (٢١٥/٧ - ٢١٦)، وابن حبان (٥٩١٩) الإحسان.

٣٦٦
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٣) باب: ما يختار في الأضحية
والعَرَج - لا تُجزىء بها الضحيَّة. وكذلك ما هو من نوعها أشنعُ، كالعمى، وقطع
الرِّجل. واختلف فيما عدا ذلك. فذهبَ قومٌ: إلى أنها تُجزىء بكل عيبٍ غير هذه
الأربعة؛ إذ لم ينصَّ النبيُّ ټ على غيرها، وهو موضع بيانٍ. وبه قال بعض أئمتنا
البغداديين. وذهب الجمهور إلى اعتبار ما كان نقصاً وعيباً، ثم اختلفوا في أعيانها
على ما ترتّب في كتب الفقه.
قال: ولم يُخرِّج البخاريُّ، ولا مسلمٌ حديثَ عيوب الضحايا؛ لأنه مما تفرَّدَ
به مُبيد بن فيروز عبد البراء، ولا يُعرف إلا بهذا الحديث. وقد أدخلَه مالكٌ في
الموطأ؛ لمَّا صحبه عنده العمل من المسلمين، ولاتفاقهم على قبوله.
قلتُ: يعني القاضي: حديث البراء الذي خرّجه مالك عن عمرو بن
الحارث المصري عن عُبيد بن فيروز، عن البراء بن عازب: أنَّ رسول الله وَلِيل
سُئل: ماذا يُنَّقى من الضحايا؟ فأشار بيده وقال: ((أربعٌ ... )) وذكر الحديث(١).
وهذا الحديث صحيح، وانفراد الثقة لا يضرُّه، وإنما لم يُخَرِّجْه البخاريُّ ولا
مسلم؛ لأنه ليس على ما شرطاه في كتابيهما، وقد خرَّجه النَّسائيُّ، والترمذيُّ،
وقال: حديث حسن، صحیح، غريب، لا نعرفُه إلا من حديث عُبيد بن فيروز.
وكذلك خرَّج النَّسائيُ (٢) أيضاً حديثَ عليّ بن أبي طالب - رضي الله عنه -
من طرق قال فيه: أمرَنا رسولُ الله ◌ِ ﴿ أن نستشرفَ العينَ والأذنَ، وأَلّ نُضحِّيَ
بعوراءَ، ولا مُقَابَلَةٍ، ولا مُدَابَرَةٍ، ولا شَرْقَاءَ، ولا خَرْقَاء. وفي أخرى: ولا بتراءَ.
وفي أخرى: ولا جدعاء. وصححه(٣) الترمذيُّ. وقوله: أمرنا أن نستشرفَ العينَ
والأُذنَ. أي: نرفع نظرنا إلى ذلك، ونختار السالمَ من عيوب ذينك. ثم فسَّر ذلك
(١) رواه مالك في الموطأ (٤٨٢/٢).
(٢) رواه الترمذي (١٤٩٨)، والنسائي (٢١٦/٧ - ٢١٧).
(٣) رواه مالك في الموطأ (٤٨٩/٢) بلاغاً.

٣٦٧
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
(٥) باب
الذبح بما أنهر الدم والنهي عن السن والظفر
[١٩٦١] عن رافع بن خديج؛ قال: قلت: يا رسول الله! إنَّا لاقو
العدوِّ غداً وليست معنا مُدَىّ.
وفي روايةٍ: فَنُذَكِّي باللِيطِ؟.
بقوله: ولا نُضحِّي بعوراءَ، وبما بعده. و (المقابَلَة) هي: التي يُقطع بعض أذنها،
ويُترك مُعلَّقاً على وجهها. و (المدابَرة): أن يُترك معلّقاً إلى خَلْفِهَا. و (الشَّرقاء)
هي: المشقوقة الأذن طولاً. و (الخَرْقاء): التي خُرِق من غير شَقِّ. و (الجَدْعاء):
المقطوعة الأذن. وظاهرُ عطف هذه العيوب على العوراء - وهي لا تُجزىء
باتفاق - أَلا تجزىء الأُضحية مع شيءٍ من هذه العيوب. وهو أصلُ الظاهرية، لكنْ
لما كانت العوراء مقيَّدةً بالبيِّن عَوَرُها، كما قال في حديث البراء؛ تحققنا: أنَّ
المنهيَّ عنه من هذه العيوب ما تفاحشَ منها، ولا شكَّ أن ما أذهب الأُذُنَ من هذه
الأمور، أو جُلَّها لا تُجزىء به، وما لم يكن كذلك، فقال أصحابُنا في المقطوع
بعض أذنها: إن زادَ القطعُ على الثلث منعَ الإجزاءَ، وإن نقصَ عنه أجزأت.
واختلف في الثلث. هل يُجزىء أو لا؟ على قولين: وكذلك القول في البتراء،
والنظر في آحاد العيوب، وتفصيل الخلاف يستدعي تطويلاً فلنقتصر على
ما ذكرناه.
(٥) ومن باب: الذّبح بما أنْهر الدَّمَ
(قولهم: إنَّا لاقو العدوّ غداً؛ وليست معنا مُدىّ؛ فنُذَكِّي باللِيط) وهو قطع
القصب، والشَّصير: قطعة العصا، والظُرَرُ: قطعة الحجر، ويجمع: ظِرَّان، كما
قال امرؤ القيس :

٣٦٨
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
قال: ((أَعْجِلِ، أَوْ أَزْني، ما أنْهر الدَّمَ وذُكِرَ اسمُ اللَّهِ فَكُلْ.
تَطَايَرُ ظِرّانُ الحَصَى بمناسِمٍ(١)
ويقال عليها: المروةُ أيضاً، وكذلك رواه أبو داود في هذا الحديث: أفنذكِّي
بالمروة؟ مكان (اللّيط). والشّظاظ: فِلقة العود. فهذه كلُّها إذا قطع بها الودجان
والحلقوم جازت الذبيحة؛ غير أنه لا يُذبح بها إلا عند عدم الشِّفار وما يتنزل
منزلتها؛ لما تقدَّم من الأمر بحدِ الشِّفار، وتحسين الذَّبح، والنَّهي عن تعذيب
البهائم. وقد نَّه مالكٌ على هذا لمَّا ترجم على الذكاة بالشِّظاظ ما يجوزُ من الذكاة
على الضرورة.
ومعنى هذا السؤال: أنهم لمَّا كانوا عازمين على قتال العدوِّ صانوا ما عندهم
من السُّيوف، والأسنَّة، وغير ذلك عن استعمالها في الذَّبح؛ لأنَّ ذلك ربما يفسد
الآلة، أو يعيبها، أو ينقص قطعها، ولم تكن لهم سكاكين صغار مُعدَّةٌ للذَّبح،
جواز الذبح فسألوا: هل يجوزُ لهم الذَّبحُ بغير محدَّد السّلاح؟ فأجابهم النبيُّ وَّر بما يقتضي
بغير محدّد الجواز. وقد دخل في هذا العموم: أنَّ كلَّ آلة تقطع ذبحاً أو نحراً فالذكاة بها مبيحةٌ
للذبيحة، والحديد المُجْهِزُ أولى لما تقدَّم. ولا يُستثنى من الآلات شيء إلا السُّ،
السلاح
والظُّفُر على ما يأتي.
و (قوله: وذكر اسم الله) ظاهرٌ قويّ في كون التسمية شرطاً في الإباحة؛ لأنه
قرنها بالذَّكاة المشترطة، وعلَّق الإباحة عليهما، فقد صار كلُّ واحدٍ منهما شرطاً، أو
جزء شرطٍ في الإباحة. وقد تقدَّم هذا. والرواية الصَّحيحة المشهورة: أنهر.
بالرَّاء. وذكر الخشني في شرحه هذا الحرف - بالزاي -. والنهز: بمعنى: الدَّفع.
وهذا توجیۀ للتصحیف، فلا يُلتفت إليه.
التسمية شرط
في إباحة
الذبيحة
(١) هذا صدر البيت، وعجزه: صِلاب العُجَى مثْلُومُها غيرُ أَمْعَرا. انظر: ديوان امرىء
القيس ص (٦٤).

٣٦٩
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
ليس السِّنَّ والظُّفُرَ، وسأحدٌّتُك: أمَّا السنُّ فعظمٌ. وأمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الحبش)).
و (قوله: ((ليس السِّنَّ، والظُّفُرَ)) ليس هنا للاستثناء، بمعنى: إلا. وظاهر تحريم الذكاة
هذا: أنَّه لا تجوزُ الذَّكاةُ بهما على حالٍ، سواء كانا متصلين بالمذكِّي، أو منفصلين بالسن والظفر
عنه. قال القاضي أبو الحسن: وهو الظّاهرُ من قول مالكِ من رواية ابن المؤَّاز
عنه. وروى ابنُ وهب عنه الجواز مطلقاً. وقيل: بالفرق بين المثَّصل منهما؛ فلا
تجوزُ الذَّكاة به، وبين المنفصل؛ فتجوز الذَّكاةُ به. قاله ابنُ حبيب. فالأول:
تمشُّكٌ بالعموم. والثاني: نَظرٌ للمعنى؛ لأنَّه يحصلُ بهما الذَّبح. وهو ضعيف؛
لأَنَّه تعطيل للاستثناء المذكور في الحديث. والثالث: تمشُّكِّ بأنَّ الظُّفُرَ المتصل
خنقٌ، والسِّنَّ المتصل نَهْشٌ. وربما جاء ذلك في بعض الحديث. والمنفصل ليس
كذلك، فجازت الذَّكاةُ به. والصحيحُ: الأوَّل، وما عداه؛ فليس عليه مُعوَّلٌ.
و (قوله: ((وسأحدثك)) أمَّا السِّنُّ: فعظمٌ. وأمَّا الظُّفُر: فَمُدى الحبش) ظاهر حُكْم الذكاة
هذا: أنَّه من كلام النبيِّ وَله وهو تنبيةٌ على تعليل مَنْع التذكية بالسِّنَّ، لكونه عَظْماً، بالعظم
فيلزم على هذا: تعديةُ المنع من السنَّ إلى كلِّ عظم؛ من حيث: إنَّه عظمٌ؛ متصلاً
كان، أو منفصلاً. وإليه ذهب النخعيُّ، والحسن بن صالح، والليثُ، والشَّافعيُّ.
وفقهاء أصحاب الحديث منعوا الذكاةَ بالعظم، والظفر كيف كانا، وأجازوه بما عدا
ذلك للحديث. وهو أحدُ أقوال مالكِ، كما تقدَّم. وروي عن مالكِ التفريق بين
السنِّ والعظم. فأجازها بالعظم، وكرهها بالسنّ، وهو مشهورُ مذهبه.
و (قوله: ((وأمَّا الظُّفُر فَمُدى الحبش))) يعني: أن الحبش يذبحون
بأظفارهم، ولا يستعملون السَّكاكين في الذَّبح؛ فمنعنا الشَّرعُ من ذلك؛ لئلا نتشبّه
بهم. فقيل: إنهم يغرزون أظفارهم في موضع الذَّبح، فتنخنق الذبيحة. وعلى
هذا: فيكون محلُّ المنع إنَّما هو الظُّفُر المثَّصل، ويكون حُجَّةً لِما صار إليه
ابنُ حبیبٍ من ذلك.
وقد روى حديث رافع هذا غيرُ من ذكرناه، وقال فيه: ((ما فرى الأوداج وذكر الذَّكاة الشرعية
ما يُقطع في

٣٧٠
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
اسم الله عليه؛ فكله)). أي: ما قطع. وظاهره: الاقتصار في الذكاة على
الودجين خاصَّةً. وقال بذلك قومٌ منهم: ابن عبَّاسٍ، وعطاء. وقد روي عن مالكٍ:
أنّه قال فیما قطعت أوداجه: أنَّه قد تمّت ذکاته. ومشهورُ مذهبه ومذهب أصحابه:
اشتراط قطع الحلقوم، والودجين، وهو قولُ الليث. وحكى عنه البغداديُون: أنه
يشترطُ قطع أربع: الثلاثة المذكورة، والمري. وهو قولُ أبي ثورٍ. ثُمَّ اختلف
أصحابُ مالكِ في قطع أحد الودجين والحلقوم. هل هو ذكاة، أو لا؟ على قولين.
وذهب الشَّافعيُّ: إلى اشتراط الحلقوم والمري دون الودجين، لكن في تمامها
الذبح في
الحلق
الودجان، ولا يجزيان دون الحلقوم والمري. والناس مجمعون: على أنَّ الذَّبح
مهما كان في الحلق تحت الغلصمة؛ فقد تمَّتِ الذَّكاةُ. واختلف فيما إذا ذبح فوقها
وجازها إلى البدن؛ هل ذلك ذكاءً أم لا؟ على قولين. وقدروي عن مالكٍ: أنَّها
لا تؤکل، وقد تمسّك بقوله پے: «ما أنهر الدم ... )) من یجیز نحر ما یذبح، وذبح ما
ينحر، وأنَّ النَّحر والذَّبح ذكاةٌ للجميع لإنهاره الدَّم. وهو قولُ عامَّة السلف،
والعلماء، وفقهاء الأمصار، وأشهب من أصحابنا. ومالكٌ كره أكله مرةً، وأخرى
حرَّمه. قال ابنُ المنذر: ولا نعلم أحداً حرَّم أَكْلَ شيءٍ من ذلك كلِّه، ولم يختلفوا:
الأُوْلَى في أنَّ الذبحَ أولى في الغنم، والنَّحر أولى في الإبل، والتخيير في البقر. وقيل: الذبح
تذكية الأنعام أولى؛ لأنّه الذي ذكره الله تعالی.
و (قوله: أَعْجِل وأزني) هذا الحرف وقع في كتاب البخاري، ومسلم،
وأبي داود. واختلف الرواةُ في تقييده على أربعة أوجه:
الأول: قيَّده النَّسفي، وبعضُ رواه البخاري: أَرِنْ. بكسر الراء، وسكون
النون؛ مثل: أَقِمْ.
الثاني: قيَّده الأصيليُّ: أَرِنِي. بكسر النون بعدها ياء المتكلم.
الثالث: قيّده بعضُ رواه مسلم کذلك إلا أنَّه سگَّن الراء.
1

٣٧١
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
الرابع: قيَّده في كتاب أبي داود بسكون الراء، ونون مطلقة. هذه التقييداتُ
المنقولة.
قال الخطَّابي: وطالما استثبتُ فيه الرواة، وسألت عنه أهلَ العلم، فلم أجد
عند أحدٍ منهم ما يقطع بصحته.
تنبيه: قال بعض علمائنا في الوجه الأول: هو بمعنى: قد أنشط وأسرع.
فهو بمعنى: أَعْجل. فكأنَّه يشير إلى أنَّه شكّ وقع من أحد الرواة في أيَّ اللفظين
قال رسولُ الله چر.
قلتُ: وهذه غفلةٌ؛ إذ لو كان من الأَرَنِ الذي بمعنى النشاط؛ للزم أن
يكون مفتوحَ الراء؛ لأنَّ ماضيه: أَرِن، ومضارعه: يأرن. قال الفرَّاء: الأَرَن:
النشاط. يقال: أَرِنَ البعير بالكسر، يأرن بالفتح أرناً: إذا مَرِح مَرَحاً، فهو آرِنٌ.
أي: نشيطٌ. وقياس الأمر من هذا أن تُجْتَلَبَ له همزة الوصل مكسورة وتفتح الراء،
فیقال: اِثْزَنْ کـ (ائذن)، من أُذِنَ یأذن. ولم يُزْوَ كذلك.
وأمَّا تقييدُ الأصيليِّ: فقال بعضُهم: يكون بمعنى: أَرِنِي سيلان الدم.
قلتُ: وعلى هذا فيبعدُ أن تكون ((أو)) للشك، بل للجمع بمعنى الواو على
المذهب الكوفيِّ؛ فإنَّه طلب الاستعجال، وأن یریه دَمَ ما ذبح.
وما وقع في كتاب مسلم من تسكين الراء: هو تخفيفٌ للراء المكسورة وهي
لغة معروفة، قرأ بها ابن کثیر.
وأما ما وقع في كتاب أبي داود: فقيل: هو بمعنى: أَدِمِ الحزَّ، ولا تفتر. من:
رنوت. أي: أدمت النظر.
قلتُ: ويلزم على هذا: أن تكونَ مضمومة الثُّون؛ لأنه أمرٌ من: رنا،

٣٧٢
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
قال: وأصبنا نَهْبَ إبلٍ وغَنَم، فندَّ منها بعيرٌ، فرماه رجلٌ بسهمٍ فَحَبَسهُ،
فقال رسول الله وَله: ((إن لهذه الإبلِ أَوَابِدَ كأَوَابدِ الوحْشِ، فإذا غلبكم منها
شيء؛ فاصنعوا به هكذا)).
يرنو، فتحذف الواو لبناء الأمر، ويبقى ما قبلها مضموماً على أصله، ولم يحقّق
ضبطه كذلك.
وقد ذكر الخطّبيُّ في هذه اللفظة أوجهاً محتملةً لم يجىء بها تقييدٌ عن
مُعْتبر، ولا صحَّت بها رواية، رأيتُ الإضرابَ عنها لعدم فائدتها، وبُعْدها عن
مقصود الحديث. وأثبتُ ما فيها روايةً، وأقربه معنىّ مَنْ جعله من رؤية العين،
وذلك أن اللِّيط والمروة، وما أشبههما مما ليس بمحدَّدٍ يخاف منه أَلَّا يكون
مُجْهِزاً، فإن لم يستعجلْ بالمرِّ لم يقطع، وربما يموتُ الحيوان خنقاً، فإذا استعجل
في المرِّ، ورأى أن الدَّمَ قد سال من موضع القطع فقد تحقَّق الذبح المبيح،
والله تعالى أعلم بما أراد رسولُه ◌َالفه.
و (قوله: ((ما أنهر الدم))) أي: ما أساله وصبَّه بكثرة. ووزنه: أُفْعَلَ. من
النهر. شبّه خروج الدَّم بجَزي الماء في النهر. و (ما) موصولة في موضع رفعٍ
بالابتداء، وخبرها: ((كلْه)) ودخلت الفاءُ على الخبر هنا كما دخلت في قوله تعالى:
﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: ٥٣] ولا يُلْتفت لقول مَن تخيَّل أن ما أنهر
الدَّمَ مفعوله بـ: أرني؛ لأنَّه يبقى فعله: ((فكله)) ضائعاً. فتأمَّله.
و (قوله: وأصبنا نهب إبل، وغنم، فندَّ منها بعيرٌ [فرماه] رجلٌ بسهم،
فحبسه) النهب: الغنيمة، ومنه قول عباس بن مرداسٍ: أتجعل نهبي ونهب العبيد.
أي: حظّي من الغنيمة. و (ندَّ): نفر وشدَّ عن الإبل.
و (قوله: ((إن لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش، فإذا غلبكم منها شيء
فاصنعوا به هكذا))) الأوابد: جمع آبدة، وهي التي نفرت من الإنس، وتوخَّشت.

٣٧٣
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
رواه أحمد (٤٦٣/٣)، والبخاريُّ (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨) (٢٠ -
٢٢)، وأبو داود (٢٨٢١)، والترمذيُّ (١٤٩١)، والنسائيُّ (٢٢٦/٧)،
وابن ماجه (٣١٣٧).
[ويقال: أَبِدَتِ البقرة، تَأْبِدُ، وتَأْبُدُ، وتأَّدت الديار: توخَّشت](١)، وخلت من
سگَّانها. فالأوابد: الوحش. قال امرؤ القيس:
وَقَدْ أغْتَدِي والطَّيْرُ في وُكُناتِها بِمُنْجَرِدٍ قَيْدِ الأَوَابِدِ هَيْكَلٍ
وظاهر هذا الحديث أن ما ندَّ من الإنسيِّ، ولم يُقْدر عليه جاز أن يُذَكَّى بما تذكية الأوابد
يُذكَّى به الطير. وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وقال مالك: لا يُؤكل إلا بذكاة
الإنسيِّ بالنحر، أو الذبح استصحاباً لمشروعية أصل ذكاته، ولأنه وإن كان قد لحق
بالوحش في الامتناع؛ فلم يلحق بها لا في النوع، ولا في الحكم. ألا ترى: أن
ملك مالكه باقٍ عليه؟ واعتذر أصحابُنا عن هذا الحديث بمنع ظهور ما الأُعي ظهوره
من ذلك؛ إذ لم يقلْ فيه: إنَّ السهم قَتَله. وإنما قال: حَبَسَه. ثم بعد أن حبسه فقد
حصل مقدوراً عليه. فلا يُؤكل إلا بالذبح أو النحر، ولا فرقَ بين أن يكونَ وحشيّاً،
أو إنسيّاً.
و (قوله: ((فإذا (٢) غلبكم منها شيءٌ فاصنعوا به هكذا)) نقولُ بموجبه: أي:
نرمیه، ونحبسه، فإن أدركناه حیاً ذكَّیناه، وإن تلف بالرّمي، فهل نأكله أم لا؟ ليس
في الحديث تعيينُ أحدهما فلحق بالمجملات، فلا ينهض حُجَّةً، وحينئذٍ يبقى
متمسّكُ مالك واضحَ الحَّة، والله تعالى أعلم. وقد استدلَّ المخالفُ بما رواه
الترمذيُّ، وأبو داود عن أبي العُشَراء، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله! أما تكون
(١) ما بين حاصرتين سقط من (م ٢).
(٢) في (ل ١) و(ج ٢): وما، والمثبت من (ع) والتلخيص.
:
.. -
!

٣٧٤
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
[١٩٦٢] وعنه؛ قال: كنا مع رسولِ الله ◌َ ﴿ بذي الحُلَيْفَة من تِهَامة،
التذكية في الذكاة إلا في الحلق واللَّةِ؟ قال: ((لو طعنت في فخذها لأجزأ عنك))(١). قال
الضرورة
يزيد بن هارون: هذا في الضرورة. وقال أبو داود: لا يصلحُ هذا إلا في المتردية،
والنافرة، والمستوحش. وقد حمل ابنُ حبيب هذا الحديثَ على ما سقط في
مهواةٍ، فلا يوصل إلى ذكاته إلا بالطعن في غير موضع الذكاة. وهو قولٌ انفرد به
عن مالك، وجميع أصحابه. وقد ألزمه بعض الأصحاب مذهب المخالف، فيجيز
ذلك في النَّادِّ، والمستوحش؛ وهذا إلزامٌ صحيحٌ؛ إذ كلُّ واحدٍ منهما غيرُ مقدورٍ
على ذكاته في الحلق واللَّبَّةِ. وقد اعتذر أصحابنا عن هذا الحديث: بأنَّه ليس
بصحيحٍ؛ لأنَّ التّرمذيَّ قال فيه: حديثٌ غريبٌ، لا نعرفه إلا من حديث حمَّاد بن
سلمة، ولا نعرف لأبي العُشَراء عن أبيه غير هذا الحديث. واختلفوا في اسم أبي
العُشَراء. فقال بعضُهم: اسمه: أسامة بن قِهْطِم. ويقال: اسمه: يسار بن بَزْرٍ،
ويقال: بَلْزِ، ويقال: اسمه عُطارد. نُسب إلى جدِّه؛ فهذا سند مجهولٌ، ولو
سُلِّمت صحته لما كان فيه حَّة؛ إذ مقتضاه جواز الذكاة في أي عضوٍ كان مطلقاً؛
في المقدور على تذكيته وفي غيره. ولا قائل به في المقدور عليه، فظاهره ليس
بمراد قطعاً. وقول يزيد وأبي داود تأويلٌ لهما غير مثّفق عليه، فلا يكون فيه حجَّة.
والله تعالى أعلم.
و (قوله في الأم: فرميناه بالنبل حتى وهضناه(٢)) كذا الرواية في كتاب مسلم
بالواو. ومعناه: رميناه، وشدخناه حتى أسقطناه بالأرض. وفي غير كتاب مسلم:
(رهصناه) بالرّاء(٣). ومعناه: حبسناه بالرمي، وأوثقناه. يقال: رهصني فلان
بحقه، أي: أخذني به أخذاً شديداً.
(١) رواه أبو داود (٢٨٢٥)، والترمذي (١٤٨١).
(٢) انظر الحديث في صحيح مسلم (١٩٦٨) (٢٢).
(٣) انظر: النهاية لابن الأثير (٢/ ٢٨٢).

٣٧٥
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٥) باب: الذبح بما أنهر الدم
فَأَصَبْنا غنماً وإبلاً، فَعَجِل القوم، فأغْلَوا بها القُدور، فأمَر بها فكفئت، ثم
عَدَل عَشْراً من الغنم بِجَزُورٍ .... الحديث.
رواه أحمد (١٤٠/٤)، والبخاري (٢٥٠٧)، ومسلم (١٩٦٨)(٢١).
*
*
و (قوله: فأصبنا غنماً وإبلاً، فعجل القوم، فأغلوا بها القدور، فأمر بها،
فكفئت) اختلفوا في سبب أمره و ﴿ بإكفاء القدور، فقيل فيه أقوال كثيرة، أشبهها
قولان:
أحدهما: أنهم انتهبوها متملكين لها من غير قسمة، ولم يأخذوها بجهة تحريم ما لم
القسمة العادلة، وعلى وجه الحاجة لأكلها، ويشهد لهذا قوله في بعض الروايات: يُقْسَم بالعدل
(فانتهبناها).
الثاني: أن ذلك إنما كان لتركهم النبيَّ ◌َ له في أخريات القوم، واستعجالهم عقوبة
للنهب، ولم يخافوا من مكيدة العدو، فحرمهم الشرع ما استعجلوه عقوبةً لهم المستعجل
بنقيض قصدهم، كما منع القاتل من الميراث. قاله المهلب.
قلتُ: ويشهدُ لهذا التأويل مساقُ حديث أبي داود؛ فإنه قال فيه: وتقدم
سَرْعَانُ الناس، فتعجَّلوا، فأصابوا من الغنائم؛ ورسول الله وَله في آخر الناس(١).
و (كفئت القدور): قُلِبت. وهذه الرواية الصحيحة المعروفة في اللغة. يقال:
كفأت الإناء: قلبته، وكبيته. وزعم ابنُ الأعرابي: أنَّ: (أكفأته) لغة.
و (قوله: ثمَّ عدل عشراً من الغنم بجزور) يعني: أنه ◌َّ قسم ما بقي من تقويم الإبل
الغنيمة على الغانمين، فجعل عشرة من الغنم بإزاء جزورٍ، ولم يحتجْ إلى القرعة، بالغنم
لِرِضا كلٌّ منهم بما صار إليه من ذلك. ولم يكن بينهم تشائحُ في شيء من ذلك،
والله تعالى أعلم. وكأنَّ هذه الغنيمةَ لم يكن فيها إلَّ الإبل، والغنم. ولو كان فيها
غيرهما: لقُوَّم جميع الغنيمة، ولقُسِم على القيم.
(١) رواه أبو داود (٢٨٢١).

٣٧٦
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٦) باب: النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث
(٦) باب
النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث
[١٩٦٣] عن أبي عبيد مولى ابن أزهر: أنه شهد العيد مع عمرَ بنِ
الخطاب قال: ثُمَّ صليت مع عليٍّ بن أبي طالب، قال: فصلَّى لنا قبل
الخطبة، ثم خطب النَّاس، فقال: إنَّ رسول الله وَلّ قد نهاكُم أن تأكلوا
لُحومِ نُسككُم فوق ثَلاث ليَالٍ، فلا تأكلوا.
رواه البخاريُّ (١٩٩٠)، ومسلم (١٩٦٩) (٢٥)، وأبو داود
(٢٤١٦)، والترمذيُّ (٧٧١).
(٦ و٧) ومن باب: النهي عن أكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث
ونسخه(١)
حديث أبي عبيد مولى ابن أبي أزهر، وابن عمر يدلان: على أنَّ عمر،
وعلياً، وابن عمر، كانوا يرون بقاء حكم النهي عن ادخار لحوم الأضاحي فوق
ثلاث، وأن ذلك ليس بمنسوخٍ، ولا مخصوصاً بوقتٍ، ولا بقومٍ. وكأنَّهم لم
يبلغهم شيءٌ من الأحاديث المذكورة - بعد هذا - الدالّة على نسخ المنع، أو على أنَّ
ذلك المنع كان لعلَّة الدافّة التي دفَّت عليهم. وإنما لم تبلغهم تلك الأحاديث
الرافعة؛ لأنها أخبار آحادٍ لا متواترةٌ، وما كان كذلك صحَّ أن يبلغَ بعض الناس
دون البعض.
وظاهر النهي عن الادخار التحريمُ. وقيل: كان محمولاً على الكراهة.
واختلف في أول الثلاثة الأيام التي كان الادخارُ جائزاً فيها. فقيل: أولها يوم
الأيام التي
يجوز فيها
الادخار
(١) شرح المؤلف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل أيضاً من باب: الرخصة في
ذلك.

٣٧٧
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٧) باب: الرخصة في ذلك
[١٩٦٤] وعن ابن عمرَ؛ أنَّ رسول الله وَ لّ نهى أنْ تُؤكل لُحوم
الأضاحي بعد ثلاث. قال سالم: فكان ابنُ عمرَ لا يأكُل لُحُوم الأضاحي
فوق ثلاث.
رواه مسلم (١٩٧٠) (٢٦).
*
*
(٧) باب
الرخصة في ذلك
[١٩٦٥] عن عبدِ الله بن واقدٍ قال: نهى رسول الله ◌َّل عن أكل
لحوم الضحايا بعد ثلاثٍ. قال عبد الله بن أبي بكرٍ: فذكرت ذلك لِعَمْرة
فقالت: صدق. سمعت عائشة تقول: دفَّ أهل أبيات من أهل البادية
حِضْرَة الأضحى زمن رسولِ الله وَّه، فقال رسول الله وَلّى: ((ادَّخِروا ثلاثاً،
النحر. فمن ضخَى فيه جاز له أن يمسك يوم النحر، ويومين بعده. ومن ضخَّى
بعده أمسك ما بقي له من الثلاثة الأيام من يوم النحر. وقيل: أولها یوم یضحِّي؛
فلو ضخَّى في آخر أيام النحر؛ لكان له أن يمسك ثلاثة أيام بعده. وهذا الظاهرُ من
حديث سلمة بن الأكوع، فإنه قال فيه: ((من ضخّی منکم فلا يصبحن في بيته بعد
ثالثة شيء)).
قلتُ: ويظهرُ من بعض ألفاظ أحاديث النهي ما يوجب قولاً ثالثاً، وهو أنَّ
في حديث أبي عبيد: ((فوق ثلاث ليالٍ)). وهذا يوجب إلغاء اليوم الذي ضخَّى فيه
من العدد، وتعتبر ليلته وما بعدها. وكذلك حديث ابن عمر فإن فيه: ((فوق
ثلاث)). يعني: الليالي. وكذلك: حديث سلمة فإن فيه: ((بعد ثالثةٍ)). وأما حديث
أبي سعيد ففيه: ((ثلاثة أيامٍ)). وهذا يقتضي اعتبار الأيام دون الليالي.
و (قول عائشة: دفَّ ناسٌ من أهل البادية حِضْرة الأضحى) الدفيف:

٣٧٨
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٧) باب: الرخصة في ذلك
ثم تصدَّقوا بما بقي)) فلما كان بعد ذلك. قالوا: يا رسول الله! إن النَّاس
يتخذون الأسْقيةَ من ضَحَاياهم ويَجْمِلُون فيها الوَدَك. فقال رسول الله وَّ:
((وما ذاك؟)) فقالوا: نهيتَ أن تُؤْكَل لُحومُ الضحايا بعد ثَلاَث. فقال عليه
الصلاة والسلام: ((إنَّما نهيتكُم من أجل الدَّافة التي دفَّت،
الدبيب، وهو السيرُ الخفيُّ الليِّن. والدَّافَّة: الجيش الذين يدبون إلى أعدائهم،
وكأنَّ هؤلاء ناسٌ ضعفاء فجاؤوا دافِين لضعفهم من الحاجة والجوع. و (حِضْرة
الأضحى) الرواية المعروفة بسكون الضاد، وهو منصوب على الظرف. أي: زمن
حضور الأضحى، ومشاهدته. وقيّده بعضهم: حضَرَة - بفتح الضاد - وفي الصحاح
يقال: كلَّمته بحضرة فلان، وبمحضره. أي: بمشهد منه. وحكى يعقوب: كلَّمته
بحضر فلان - بالتحريك من غير هاء - وكلَّمته بحضرة فلان، وحُضرته، وحضرته.
و (قوله: يتخذون منها الأسقية، ويجملون فيها الودك) الأسقية: جمع
سقاء، كالأخبية: جمع خباء. ويجملون: يذيبون. والودك: الشحم. يقال:
جملت الشحم، واجتملته: إذا أذبته. وربَّما قالوا: أجملت. وهو قليل.
و (قوله وَاجير: ((إنما نهيتكم من أجل الدافّة التي دفَّت))) ونحو ذلك قال في
ادخار لحوم حديث سلمة بن الأكوع. وهذا نصٌّ منه وَّهِ: على أنَّ ذلك المنع كان لعلَّة، ولما
ارتفعت ارتفع المنعُ المتقدم؛ لارتفاع مُوجِبه، لا لأنه منسوخٌ. وهذا يبطل قول من
قال: إنَّ ذلك المنع إنما ارتَفَع بالنسخ. لا يقال: فقد قال ◌َالغِ: ((کنت نھیتُكم عن
ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فادخروا)). وهذا رفعٌ لحكم الخطاب الأول
بخطاب متأخر عنه. وهذا هو حقيقةُ النسخ؛ لأنَّا نقول: هذا لَعَمْرُ الله ظاهر هذا
الحديث، مع أنه يحتملُ أن يكون ارتفاعُه بأمر آخر غير النسخ، فلو لم يرذ لنا نصٌّ
بأن المنع من الادخار ارتفع لارتفاع علَّته؛ لما عدلنا عن ذلك الظاهر، وقلنا: هو
نسخٌ، كما قلناه في زيارة القبور، وفي الانتباذ بالحنتم المذكورين معه في حديث
ارتفاع ◌ُجم
الأضاحي

٣٧٩
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٧) باب: الرخصة في ذلك
فکلوا، وادخروا، وتصدقوا)».
رواه أحمد (١٢٧/٦ و١٢٨)، والبخاريُّ (٥٤٢٣)، ومسلم
(١٩٧١) (٢٨)، وأبو داود (٢٨١٢)، والترمذيُّ (١٥١١)، والنسائي
(٢٣٥/٧).
بريدة المتقدم في باب: الجنائز(١)، لكن النص الذي في حديث عائشة - رضي الله
عنها - في التعليل بين: أن ذلك الرفع ليس للنسخ، بل لعدم العلة، فتعين ترك ذلك
الظاهر، والأخذ بذلك الاحتمال لعضد النص له. والله تعالى أعلم.
تنبيه: الفرقُ بين رفع الحكم بالنسخ، ورفعه لارتفاع علَّته: أن المرفوع رَفْع الحكم
بالنسخ لا يحكم به أبداً، والمرفوع لارتفاع علته يعود الحكم لعود العلة. فلو قَدِم بالنسخ أو
علی أهل بلدة ناسٌ محتاجون في زمان الأضحى، ولم یکن عند أهل ذلك البلد
لارتفاع علته
سعةٌ يسدُّون بها فاقاتهم إلّ الضحايا، لتعيَّن عليهم: ألّا يدَّخروها فوق ثلاثٍ، كما
فعل النبيُّ ◌َ ﴾.
وفي هذا الحديث أبوابٌ من أصول الفقه. وهو: أن الشرعَ يراعي المصالح، الشرع يراعي
ويحكم لأجلها، ويسكت عن التعليل، ولما تصفح العلماءُ ما وقع في الشريعة من المصالح
هذا؛ وجدوه كثيراً، بحيث حصل لهم منه أصلٌ كلِّيّ وهو: أنَّ الشارع مهما حكم
فإنما يحكم لمصلحة، ثم قد يجدون في كلام الشارع ما يدلُّ عليها، وقد
لا يجدون، فيسبُرون أوصاف المحلِّ [الذي يحكم فيه الشرع حتى يتبيَّن لهم الوصف
الذي يمكن أن يعتبره الشرعُ بالمناسبة، أو لصلاحيَّته لها، فيقولون: الشرع يحكم
بالمصلحة، والمصلحة لا تعدو أوصاف المحل](٢)، وليس في أوصافه ما يصلح
للاعتبار إلا هذا، فتعيَّن. وقد بيَّنا هذا في الأصول. والحمد لله.
و (قوله: ((فکلوا، وادخروا، وتصدّقوا)) هذه أوامر وردت بعد الحظر، فهل
(١) انظر الحديث في التلخيص.
(٢) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٣٨٠
(٢٨) كتاب الأضاحي - (٧) باب: الرخصة في ذلك
[١٩٦٦] عن أبي سعيد الخدري؛ قال: قال رسول الله وص له: ((يا أهل
المدينة! لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث)) . - وفي روايةٍ: ثلاثة أيام -
فشكوا إلى رسول الله وَله: أنَّ لهم عِيالاً وحشماً وخدماً فقال: ((كُلُوا،
وأَطْعموا، واحبسوا، وادخروا)).
رواه أحمد (٨٥/٣)، ومسلم (١٩٧٣) (٣٣).
[١٩٦٧] وعن سلمة بن الأكوع: أنَّ رسولَ الله وَ ◌ّرِ قالَ: ((من ضَخَّى
مِنْكم فلا يُصْبحنَّ في بيته بعد ثالثةٍ شيء)» فلمَّا كان في العام المقبل قالوا:
يا رسول الله! نفعل كما فعلنا عام الأول؟ فقال: ((لا، إنَّ ذاك عامٌّ كان
الناس فيه بجهدٍ، فأردت أن يَفْشو فيهم)).
رواه البخاريُّ (٥٥٦٩)، ومسلم (١٩٧٤) (٣٤).
تقدُّمه عليها يخرجها عن أصلها من الوجوب عند من يراه، أو لا يخرجها؟ اختلف
الأصوليون فيه على قولين، وقد بيَّناهما، والمختارَ منهما في الأصول. والظاهر من
هذه الأوامر هنا: إطلاق ما كان ممنوعاً، بدليل اقتران الادخار مع الأكل،
والصدقة، ولا سبيل إلى حمل الادخار على الوجوب بوجهٍ، فلا يجبُ الأكل، ولا
حُكْم الأكل من الصدقة من هذا اللفظ. وجمهور العلماء: على أنَّ الأكل من الأضحية ليس
الأضحية
بواجب. وقد شذت طائفةٌ فأوجبت الأكل منها تمسُّكاً بظاهر الأمر هنا، وفي قوله:
﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾ [الحج: ٢٨] ووقع لمالك في كتاب ابن حبيب: أن ذلك على
الندب، وأنه إن لم يأكل مخطىء. وقال أيضاً: لو أراد أن يتصدَّقَ بلحم أضحيته
كلِّه كان له کأكله كلِّه حتى يفعل الأمرین.
وقال الطبري(١): جميعُ أئمة الأمصار على جواز ألَّ يأكل منها إن شاء،
(١) في (ز): الخطّبي.