Indexed OCR Text
Pages 241-260
٢٤١ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١١) باب: النهي عن صبر البهائم فأحسنوا القتلة. وإذا ذبحتم فأحسنوا الذَّبْحَ. ولُحِدَّ أحدكم شفرته، ولُرِخ ذبيحته)» . رواه أحمد (١٢٣/٤)، ومسلم (١٩٥٥)، وأبو داود (٢٨١٥)، والترمذيُّ (١٤٠٩)، والنسائيُّ (٢٢٧/٧)، وابن ماجه (١٣٧٠). (١١) باب النَّهي عن صبر البهائم وعن اتِّخاذها غرضاً وعن الخذف [١٨٥٥] عن هشام بن زيد بن أنس بن مالكٍ قال: دخلت مع جَدِّي أنس بن مالك دار الحَكَم بن أيوب، فإذا قومٌ قد نصبوا دجاجةً يرمونها. قال: فقال أنس: نهى رسول الله وَل﴿ أن تُصْبَرَ البهائمُ. رواه البخاريُّ (٥٥١٣)، ومسلم (١٩٥٦)، وأبو داود (٢٨١٦)، والنسائيُّ (٢٣٨/٧). كَأَنَّ بَيْنَ فَكِّهَا والفَكِّ فَأْرَةَ مِسْكِ ذُبِحَتْ فِي سُكٌّ (١) وإحسان الذَّبح في البهائم: الرِّفق بالبهيمة، فلا يصرعها بعنفٍ، ولا يجرُّها إحسان الذبح من موضع إلى موضع، وإحداد الآلة، وإحضار نيَّة الإباحة، والقربة، وتوجيهها . في البهائم إلى القبلة، والتَّسمية، والإجهاز، وقَطْع الوَدَجَين والحلقوم، وإراحتها، وتركها إلى أن تبرد، والاعتراف لله تعالى بالمنّة، والشكر له على النعمة بأنه سخّر لنا ما لو (١) الشُّكّ: ضرب من الطيب يُضاف إلى غيره من الطيب. ٢٤٢ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١١) باب: النهي عن صبر البهائم [١٨٥٦] وعن ابن عباس، أنَّ النبي ◌َّله قال: ((لا تتخذوا شيئاً فيه الروح غرضاً». رواه أحمد (٢٨٠/١)، ومسلم (١٩٥٧)، والترمذيُّ (١٤٧٥)، والنسائيُّ (٢٣٨/٧)، وابن ماجه (٣١٨٧). [١٨٥٧] وعن سعيد بن جبيرٍ قال: مرَّ ابنُ عُمَرَ بنفرٍ قد نصبوا دجاجةً يرمونها. وفي روايةٍ: قد جعلوا لصاحبِ الطير كلَّ خاطئةٍ مِنْ نَيْلِهم، فلما رأوا ابن عمر تفرقوا عنها. فقال ابن عمر: من فعل هذا؟ لعن الله من فعل هذا. إِنَّ رسول الله ◌َ﴿ لعن من فعل هذا. وفي روايةٍ: لعن من اتَّخذ شيئاً فيه الروح غرضاً. رواه البخاريُّ (٥٥١٥)، ومسلم (١٩٥٨)، والنسائيُّ (٢٣٨/٧). شاء لسلّطه علينا، وأباح لنا ما لو شاء لحرَّمه علينا. وقال ربيعة: مِن إحسان الذَّبح: ألا تُذبح بهيمة، وأخرى تنظر. وحُكي جوازه عن مالك. والأوَّل أَوْلَى. ثم قوله : ((إذا قتلتم فأحسنوا القتلة)) يُحمل على عمومه في كل شيء من التذكية، والقصاص، والحدود، وغيرها، وليجهز في ذلك، ولا يقصد التعذيب. ونهُه عن صَبْر البهائم مُفَسَّر في حديث ابن عباس حيث قال: ((لا تتخذوا شيئاً فيه الرُّوحُ غرضاً)). وأصل الصَّبْر: الحبس. وقد تقدَّم في: الأيمان. وهذا النهيُ على ظاهره من التحريم. وقد دلَّ على ذلك: لعن رسول الله وله لمن فعل ذلك، كما في حديث ابن عمر. و (خاطئة النبل) هي: التي لا تصيب. وظاهره: أنَّ الذي جعل لصاحب الطير أن يأخذه السهم. ويحتمل: أن يكونَ الذي جعل له جُعْلاً غير ذلك على المخطىء كلَّما أخطأ، وكل ذلك قمار لا يجوز. و (الخذف) صَبْر البهائم ٢٤٣ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١١) باب: النهي عن صبر البهائم [١٨٥٨] وعن جابر قال: نهى رسول الله ◌َ﴿ أَنْ يُقْتَكل شيءٌ من الدَّوابِّ صَبْراً. رواه مسلم (١٩٥٩). [١٨٥٩] وعن سعيد بن جبير: أنَّ قريباً لعبد الله بن مُغَفَّلٍ خذف؛ قال: فنهاه وقال: إنَّ رسول الله وَل﴿ نهى عن الخذف، وقال: ((إنَّها لا تصيد صيداً، ولا تنكأ عدوّاً، ولكنَّها تكسر السِّنَّ، وتفقأ العين)). قال: فعاد. فقال: أحدثك أنَّ رسول الله وَل﴿ نهى عنه؛ ثم تخذف؟! لا أكلمك أبداً ! . رواه أحمد (٨٦/٤)، والبخاريُّ (٥٤٧٩)، ومسلم (١٩٥٤) (٥٤)، والنسائيُّ (٤٧/٨)، وابن ماجه (٣٢٢٧). بالخاء المعجمة بواحدة من فوقها: الرَّمْيُ بالحجر. وبالحاء المهملة: الضرب بالعصا. و (قوله: ((إنها لا تصيدُ صيداً)) أي: لا يحلُّ ما يصاد بالبُندق، ولا الحجر؛ لأنه ليس بمحدد ولا سلاح. و (قوله: ((لا تنكأ عدواً))) المشهور في هذا الحرف عند أكثر الرواة: الهمز. وكذلك قيدته ورويته، وهو من: نَكَأْتُ القرحةَ؛ وفيه بُعْدٌ. وقد وقع في بعض النسخ لبعض الرواة: (لا تنكي) بغير همز، من: نكاية العدو. وهو هنا أشبه، وأوجه، غير أن صاحب العين(١) قد حكى عن قوم من العرب: أنهم يقولون: نكأتُ العدوّ. فعلى هذا تتمشَّى الروايةُ المشهورة. و (قول عبد الله للخاذف بعد التحذير: لا أُكلّمك أبداً) دليلٌ: على هجران هجران من خالف الشرع علی عِلْم من خالفَ الشَّرْعَ على علمٍ تأديباً لهم، وزَجْراً، حتى يرجعوا. والله تعالى أعلم. (١) هو الخليل بن أحمد الفراهيدي. ٢٤٤ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١٢) باب: من ذبح لغير الله (١٢) باب من ذبح لغير الله ولعنه [١٨٦٠] عن أبي الطفيل عامر بن واثلة قال: كنتُ عند عليٍّ بنِ أبي طالب، فأتاه رجلٌ فقال: ما كان النبيُّ ◌َ﴿ يُسِرُّ إليك؟ قال: فغضب، وقال: ما كان النبيُّ ◌َ﴿ يُسِرُّ إليَّ شيئاً يكتمه الناسَ؛ غير أنَّه قد حدَّثني (١٢) ومن باب: لعن من ذبح لغير الله (قول عليّ - رضي الله عنه - للسائل: ما كانَ رسولُ اللهِلَ يُسِرُّ إليَّ شيئاً يكتمُه النَّاسَ)، وفي لفظ آخر: ((ما خصَّنا رسول اللهِ ﴿ بشيءٍ لم يعمَّ به الناسَ))(١) رِّ وتكذيبٌ للفِرَق الغالية فيه، وهم: الشيعةُ، والإماميةُ، والرافضةُ، الزاعمين أنَّ النبيَّلَ﴿ وَصَّى لعليَّ، وولَّاه بالنصِّ، وأسرَّ إليه دونَ الناس كلُّهم بعلومٍ عظيمةٍ، وأمورٍ كثيرة. وهذه كلُّها منهم أكاذيبُ، وتُرَّهاتٌ، وتمويهاتٌ، يشهد بفسادها نصوصُ متبوعهم، وما تقتضيه العاداتُ من انتشار ما تدعو إليه الحاجةُ العامَّةُ. وغضبُ عليٍّ على ذلك دليلٌ: على أنَّه لا يرتضي شيئاً مما قيل هنالك. وإنما استحقَّ لاعنُ أبويه لعنةَ الله لمقابلته نعمةَ الأبوين بالكُفْران، وانتهائه إلى غاية المُقوق والعِضیان، کیف لا وقد قَرَن الله برهما بعبادته وإن كانا كافریْن بتوچیده وشریعته؟ !. استحقاق لاعن أبويه لعنة الله لَعْن مَن ذبح لغير الله وأما لعن مَنْ ذَبَح لغير الله؛ فإن كان كافراً يذبحُ للأصنام فلا خفاءَ بحاله، وهي التي أُهِلَّ بها لغير الله، والتي قال الله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَأْكُلُواْمِمَّا لَمْيُّكَرِ آَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] على ما تقدَّم. وأما إن كان مسلماً فيتناوله عمومُ هذا اللعن، ثم لا تَحِلُّ ذبيحتُه؛ لأنه لم يقصد بها الإباحة الشرعية، وقد تقدَّم أنها شرطٌ (١) هو رواية في مسلم رقم (١٩٧٨) (٤٥). ٢٤٥ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١٢) باب: من ذبح لغير الله بكلماتٍ أربع. فقال: ما هنَّ يا أمير المؤمنين؟! قال: قال: ((لعن الله من لعن والديه، ولعن الله من ذبح لغير الله، ولعن الله من آوى مُحدثاً، ولعن الله من غيَّر منار الأرض». رواه مسلم (١٩٧٨) (٤٣)، والنسائيُّ (٢٣٢/٧). في الذكاة. ويُتصوَّر ذبحُ المسلم لغير الله فيما إذا ذبحَ عابثاً، أو مُجرِّباً لآلة الذبح، أو لِلَّهو، ولم يقصد الإباحةَ، وما أشبه هذا. وقد تقدَّم الكلامُ على لعن مَنْ آوى مُحدثاً في الحج. و (مَنَارُ الأرض) هي التُّخوم، والحدود التي بها تتميز الأملاك. والمُغيِّر لها: لَعْن من غيّر إن أضافَها إلى ملكه فهو غاصبٌ، وإن لم يضفْها إلى مُلكه فهو متعدٍّ ظالمٌ مفسدٌ حدود الأرض لملك الغير. وقد قال ◌َ﴿ه: ((مَنْ غصبَ شِبراً من الأرض طُوَّقَه يومَ القيامة من سبع أَرَضينَ))(١). وقد حملَ أبو عُبيد هذا الحديث على تغيير حدود الحرم، ولا معنى للتخصيص، بل هو عامٌّ في كل الحدود والتُّخوم. والله تعالى أعلم. (١) رواه أحمد (١٨٨١)، وأبو داود (٤٧٧٢)، والترمذي (١٤١٩ و١٤٢١)، والنسائي (١١٥/٧ -١١٦)، وابن ماجه (٢٥٨٠). ٢٤٦ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر (٢٦) كتاب الأشربة (١) باب تحريم الخمر [١٨٦١] عن عليّ بن أبي طالب قال: كانت لي شارفٌ من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله ﴿ ﴿ أعطاني شارفاً من الخمس يومئذٍ، فلمَّا أردت أن أبْتني بفاطمة بنتِ رسول الله ﴿ واعدْتُ رجلاً صوَّاغاً من بني قينقاع يرتحل معي، فنأتيَ بإذخرِ أردتُ أن أبيعه من الصَّوَّاغِيْن، فأستعينَ به في وليمة عرسي. فبينا أنا أجمع لشارفيَّ متاعاً من الأقتاب، والغرائر، والحبال، وشارفاي مُناختان إلى جنب حجرة رجلٍ من الأنصار، وجمعت حتى جمعتُ ما جمعتُ؛ فإذا شارفاي قد اجْتُبَّت أسْنِمتُهُما، وبُقرت خواصرُهما، وأُخذ من أكبادهما؛ فلم أملك عَيْنَيَّ حتى رأيت ذلك المنظر منهما، قلت: من فعل هذا؟ قالوا: فعله حمزة بن عبدالمطلب، وهو في هذا البيت في شَرْبٍ من الأنصار، غَنَّتْهُ قَيْنَةٌ وأصحابه، فقالت في غنائها: * ألا يا حَمْزَ للشُّرُفِ النُّواءِ * (٢٦) كتاب الأشربة (١) ومن باب: تحريم الخمر(١) (قولُها: ألا يا حمزُ للشُّرُفِ النّواءِ) الرواية الصحيحة المشهورة في هذا (١) هذا العنوان ليس في الأصول واستدرك من التلخيص. ٢٤٧ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر فقام حمزةُ بالسيف فاجْتَبَّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما، فأخذ من اللفظ: (للشُّرُفِ) باللام وضم الراء. و (النّواء) بكسر النون. فالشُّرُف بضم الراء: جمع شارف على غير قياس، وذلك أن الشارفَ مؤنث، لأنَّه اسم للناقة المسِنَّة. وهو في أصله صفة لها، فكان حقُّه أن يجمعَ على (فواعل) أو (فُعَل)؛ لأنهما مثالاً جمع فاعلٍ إذا كان للمؤنث، لكنَّه لما كان مذكر اللفظ - أي ليس فيه علامة تأنيث - حملوه على (بازل) الذي هو صفة للجمل المسنّ، فجمعوه جَمْعَه، فقالوا: شُرُفٌ. كما قالوا: بُزُل. واللام في الشُّرُف لام الجرِّ، وهي متعلقة بفعلٍ محذوف دلَّ عليه الحال. أي: انهض للشُّرُف. أو: قم لها. تحرِّضه على نَخرِها، ولذلك قامَ حمزة فنحرها. و (النُّواء): السِّمان. يقال: نَوتِ الناقة، تنوي، فهي ناوية، وجمعُها: نِواء، وهو أيضاً على غير قياس كما تقدَّم. قال الخطّبي: وقد روى هذا اللفظ أبو جعفر الطبريُّ (ذا الشَّرَف) بـ (ذا) التي بمعنى صاحب، وبفتح الراء والشين. قال: وفسره بالبعد. قلتُ: وفي هذه الرواية ومعناها بُعْد. والصواب: رواية الجماعة كما ذكرناه الساعة. و (الصَّوَّاغ): الصائغ؛ وهو الذي يصوغ الذهب والفضة، وهو للمبالغة. و (الأقتاب): جمع قَتَب، وهو أداة الرَّحل، وقد يكون في موضع آخِر الأمعاء. و(اجتبَّ أسنمتَها) أي: شقَّ عنها الجلدَ، وأخرجَ الشَّحم الذي فيها. و (بُقرت خواصرها) أي: نُقَبت. وهذا إنما فعل ذلك بعد أن نحرَها على عادتهم. وعلى هذا يدلُّ الشعر المذكور بعد هذا. ويحتمل أن يكون فَعَل ذلك بها من غير نحرٍ استعجالاً لإجابة الإغراء الذي أغرته به المغنِّية، لا سيما وقد كانت الخمرُ أخذت منه. و (قوله: فلم أملكْ عينيَّ) أن بكَيْتُ، يعني: مغلوباً لشدَّة الموجدة. و (الشَّرْب): بفتح الشين وسكون الراء، اسم للقوم يجتمعون للشُّزب، بضم الشين. و (القَيْنَةُ): المغنِّية. ٢٤٨ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر أكبادِهما. فقال عليٍّ: فانطلقتُ حتى أدخل على رسول الله وَله وعنده زيد ابن حارثة. قال: فعرف رسول الله ﴿ في وجهي الذي لقيتُ. فقال رسول الله صلجر: ((ما لك؟!)) قلت: يا رسول الله! والله ما رأيت كاليوم! عدا و(قوله: ما رأيتُ كاليومَ قطُّ) هذا كلام كثر عندهم، حتى صار كالمثل. والكاف فيه نعت لـ (يوم) محذوف، تقديره: ما رأيت يوماً مثل اليوم. يُهوِله لما لقي فیه. ویحتمل أن یکون نعتاً لمصدر محذوف. أي: ما رأیت گزباً مثل کزب اليوم، أو ما شاكل ذلك. ويدلُّ على الأوَّل ما أنشده ابن شبَّةَ من الزيادة في شعر القينة فقال : وهنَّ مُعَقَّلَاَتٌ بالفِناءِ ألا يا حمزَ للشُّرُفِ النّواءِ وضَرُّجْهُنَّ حمزةُ بالدِّماءِ ضعِ السكِّين في اللَّاتِ مِنْها قَدِيراً مِنْ طَبِيخِ أوْ شِواءِ وعَجَلْ مِن أطابِها لشَرْبٍ ◌ُكم آكل ما ذبحه غیر المالك تعدّياً قلتُ: وعلى هذا: فيكون فيه حجة على إباحة أكلِ ما ذَبَحه غير المالك تعدِّياً، كالغاصب، والسارق. وهو قولُ جمهور العلماء: مالك، والشافعي، وأبي حنيفة، والثوري، والأوزاعي. وخالفَ في ذلك: إسحاق، وداود، وعكرمة، فقالوا: لا يُؤْكل. وهو قولٌ شادٌّ، وحجَّة الجمهور: أن الذكاة وقعت من المتعدِّي على شروطها الخاصة بها. وقيمةُ الذبيحة قد تعلقت بذمة المتعدِّي، فلا موجبَ للمنع، وقد وقعَ التفويت. وقد روى ابن وهب حديثاً يدلُّ على جواز الأكل، فلیبحث عنه، ولیکتب هنا(١). و (قوله: وجمعت حتى جمعت ما جمعت) هكذا رواه الطبريُّ، والعذريُّ، وابن ماهان بـ (حتى) التي هي للغاية. وقد رواه السَّجزيُّ، والسمر قنديُّ: (حين) (١) رواه أحمد (٢٩٣/٥)، وأبو داود (٣٣٣٢)، والدارقطني (٢٨٦/٤) من حديث عاصم بن کلیب. ٢٤٩ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر حمزةُ على ناقتيَّ، فاجتبَّ أسنمتهما، وبقر خواصرهما، وها هو في بيتٍ مكان (حتى) والأول أوضح. وقد سقط (وجمعت) الأول في بعض النسخ، وسقوطه وثبوت (حتى) يُحسِّنُ الكلام، وقد ذكره الحُميديُّ في مختصره بلفظٍ أحسن من هذا، فقال: وأقبلت حين جمعت ما جمعت. قلتُ: وهذا الحديثُ يدلُّ: على أنَّ شُرْبَ الخمر كان إذ ذاك مباحاً، معمولاً به، معروفاً عندهم بحيث لا يُنكر، ولا يُغيَّر، وأن النبيَّ ◌َ﴿ أَقَرَّ عليه، وعليه يدلُّ قولُه تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الضَّلَوَةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣]، وقوله تعالى: ﴿نَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكْرًا وَرِزْقًا حَسَنَا﴾ [النحل: ٦٧]. وهل كان يُباح لهم شربُ القَدْر الذي يسكر؟ ظاهرُ هذا الحديث يدلُّ عليه، فإن ما صَدَر من حمزة - رضي الله عنه - النبيِّ وَله من القول الجافي المخالف لما يجب من احترام النبيِّ ◌َ ﴿ وتوقيره، وتعزيره، يدلُّ: على أنَّ حمزةَ كان قد ذهبَ عقلُه بما يسكر؛ ولذلك قال الراوي: فعرف رسولُ اللهِ ◌ّهِ: أنه ثَمِلُ. ثم إن النبيَّ لَله لم ينكر على حمزة، ولا عنَّفه لا في حال سُكْره، ولا بعد ذلك. فكان ذلك دليلاً على إباحة ما يسكر عندهم. وهذا خلافُ ما قاله الأصوليون وحكَوْه، فإنهم قالوا: إنَّ السكرَ حرامٌ في كل شريعة قطعاً لأنَّ الشرائعَ مصالحُ العباد قطعاً، لا مفاسدهم. وأصلُ المصالح العقل، كما أنَّ أصلَ المفاسد ذهابُه. فيجب المنعُ من كلّ ما يُذْهِبُه ويشوِّشه. وما ذكروه واضح، ويمكن أن ينفصل عن حديث حمزة بأن النبيَّ ◌َّ ترك الإنكارَ على حمزة في حال سُكْره؛ لكونه لا يعقل، وعلى إثر ذلك نزل تحريمُ الخمر. أو أنَّ حمزة لم يقصدْ بشربه الشُّكر، لكنَّه أسرعَ فيه فغلبه. والله تعالى أعلم. ولم يقع في شيء من الصحيح أنَّ النبيَّ ألزم حمزةَ غرامةَ الشَّارفَيْن، لكن روى هذا الحديث عمر بن شبَّة في كتابه، وزاد فيه من رواية أبي بكر بن عياش: فغرمهما النبيُّ نَ﴿ عن حمزة. وهذه الروايةُ جاريةٌ على الأصول إذ لا خلافَ في أنَّ ٢٥٠ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر. معه شَرْب. قال: فدعا رسول الله ﴿ بردائه فارتداه، ثم انطلق يمشي. فاتَّعْتُه أنا وزيد بن حارثة حتى جاء الباب الذي فيه حمزة، فاستأذن، فأذنوا له، فإذا هم شَرْبٌ، فطفق رسول الله وَلور يلوم حمزة فيما فعل، فإذا حمزة محمرةٌ عيناه، فنظر حمزة إلى رسول الله وَ﴿ه ثم صَعَّدَ النظر إلى ركبتيه ثم صَعَّدَ النظر فنظر إلى سرته، ثم صَعَّدَ النظر فنظر إلى وجهه قال حمزة: وهل أنتم إلا عبيدٌ لأبي؟ فعرف رسول الله وَلَ﴿ أنه ثَمِلٌ، فنكص رسولُ الله ◌َ﴿ على عقبيه القهقرى، حتى خرج، وخرجنا معه. رواه البخاريُّ (٣٠٩١)، ومسلم (١٩٧٩) (٢)، وأبو داود (٢٩٨٦). ما يتلف السكرانُ من الأموال يلزمه غرمه. وعلى تقدير ألَّا تثبت هذه الزّيادة؛ فعدمُ النقل لا يدلُّ على عدم المنقول، ولو دلَّ على ذلك لأمكن أن يُقال: إنما لم يحكمْ عليه النبيُّ وَ﴿ بالغرامة لأنَّ علياً - رضي الله عنه - لم يطلبها منه، أو لأن النبيَّ ◌َّ تحمَّلها عنه كما قال في صدقة العباس. والله تعالى أعلم. حُكْم طلاق السكران وقد احتجَّ بهذا الحديث مَن لا يلزم طلاق السكران؛ من جهة أن النبيَّ وَلّ لم يؤاخذْ حمزةَ بما صدر عنه من قوله. وإليه ذهب: المزنيُّ، والليث، وبعض أصحاب أبي حنيفة. وتوقّف فيه: أحمد بن حنبل. والجمهور من السّلف والخلف، وكافَّة الفقهاء: على أنَّ ذلك يلزمه؛ لأن السكرانَ بعد التحريم أدخل نفسه في الشُّكر بمعصية الله تعالى فكان مختاراً لما يكونُ منه فيه، ولم يكن حمزة كذلك، بل كان شُزبه مباحاً كما قدَّمناه، فصار ذلك بمثابة من سَكِرَ من شُزْب اللَّبن، أو غيره من المباحات، فإنَّه لا يلزمه شيء مما يجري منه من القول، ويكون کالمغمی علیه. والله أعلم. و (قوله: فنكص رسولُ الله وَله على عقبيه القهقرى) نكص، أي: تأخّر. و (القهقرى): الرجوعُ إلى وراء، ووجهه إليك. قاله الأخفش. يقال منه: تقهقر ٢٥١ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر [١٨٦٢] وعن أنس بن مالك قال: كنت ساقي القوم يوم حُرِّمت الخمر في بيت أبي طلحة، وما شرابهم إلا الفَضِيخُ: البُسْرُ والتَّمرُ، فإذا منادٍ ينادي: ألا إنَّ الخمر قد حرِّمت! قال: فجرت في سكك المدينة، فقال لي أبو طلحة: اخرج فأهرقها، فهرقتها، فقالوا: أو قال بعضهم: قُتِل فلان، قُتِل فلان وهي في بطونهم. قال: فلا أدري هو من حديث أنسٍ. فأنزل الله عزَّ وجل: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ إِذَا مَا أَنَّقَواْ وَءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ﴾ [المائدة: ٩٣]. رواه البخاري (٥٥٨٢)، ومسلم (١٩٨٠)، وأبو داود (٣٦٧٣)، والنسائيُّ (٨/ ٢٨٧ و ٢٨٨). الرجل، يتقهقر؛ إذا فعل ذلك، وظاهِرُ هذا أنَّ النبيَّ وَلَ و رجع إلى خلفه ووجهه إلى حمزة مخافة أن يصدر من حمزة شيء يُكْره، فإنه قد كان أذهب السكرُ عَقْلَه. وقيل في هذا: إنه خرجَ عنهم مُشْرِعاً. والأولى أوْلى. و (قوله: فارتدى رسولُ اللهِ وَهل بردائه، ثم انطلق يمشي) دليلٌ على المحافظة على المحافظة على حُسْن الهيئات عند ملاقاة الناس، والتزين للمحافل على ما تقتضيه حُسْن الهيئات عادات أهل المروءات، ولا يعدُّ ذلك رياءً ولا سُمعة. و (قوله: فطفِقِ يلومُ حمزة) أي: جعل وأخذ. يُقال: بفتح الفاء وكسرها، والکسر أشهر وأكثر. و (قول أنس: وما شرابُهم إلا الفضيخ البسر والثّمر) الفضيخ: هو أن يفضخ البسر، ويصبُّ عليه الماء حتى يغلي. قاله الحربي. وقال أبو عبيد: هو ما فضخ من البسر من غير أن تمسّه نار، فإن كان معه تمر فهو خليط. قلتُ: وعلى هذا يدلُّ قولُه في أوَّل الرواية الأخرى: (وكانت عامَّة ٢٥٢ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر [١٨٦٣] وعنه؛ وسئل عن الفَضيخ؟ فقال: ما كانت لَنا خمرٌ غير فضيخكم، هذا الذي تسمونه الفضيخ إنِّي لقائم أسقيها أبا طلحة وأبا أيوب خمورهم يومئذ خليط البسر والتمر). وهذه الأحاديثُ على كثرتها تبطل مذهبَ أبي حنيفة، والكوفيين القائلين بأن الخمر لا تكون إلا من العنب. وما كان من غيره لا يُسمَّى خمراً، ولا يتناوله اسمُ الخمر، وإنما يسمى نبيذاً. وهذا مخالفٌ للغة، والسُّنَّة. ألا ترى: أنه لما نزل تحريمُ الخمر فهمت الصحابةُ جميعهم من ذلك تحريم كل ما يسكر نوعه؟ فسوَّوا في التحريم بين المعتصَر من العنب وغيره، ولم يتوقفوا في ذلك، ولا سألوا عنه؛ لأنهم لم يُشْكل عليهم شيء من ذلك، فإن اللسانَ لسانهم، والقرآن نزل بلغتهم. ولو كان عندهم في ذلك شكٌّ، أو توهُمٌ لتوقّفوا عن الإراقة حتى يستكشفوا، ويسألوا، لا سيَّما وكان النبيذُ عندهم مالاً مُختَرماً منهيّاً عن إضاعته قبل التحريم، فلما فهموا التحريمَ نصّاً ترجّح عندهم مقتضى الإراقة والإتلاف على مقتضى الصيانة والحفظ. ثم كان هذا من جميعهم من غير خلافٍ من أحدٍ منهم، فصار القائلُ بالتَّفريق سالكاً غير سبيلهم. ثمّ إنَّه قد ثبتت أحاديثُ نصوصٌ في التَّسوية بين تلك الأشياء، وأن كلَّ ذلك خمرٌ على ما يأتي بَعْد هذا. وقد خطب عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - الناسَ فقال: أَلا وإنَّ الخمر نزل تحريمُها يوم نزل، وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل، والخمر: ما خامر العقل. وهذه الخطبة بمحضر الصحابة - رضوان الله عليهم - وهم أهلُ اللسان، ولم ينكر ذلك عليه أحد، وهو الذي جعل الله الحقَّ على لسانه وقلبه، وإذا ثبت أن كلَّ ذلك [يقال عليه](١) خمر؛ فيلزمه تحريمُ قليله وكثيره، ولا يَحِلُّ شيءٍ منه تمشُّكاً بتحريم مسمَّى الخمر، ولا مخصِّص، ولا مفصِّل يصُ في ذلك. بل قد وردت الأحاديثُ الصحيحةُ والحِسان ما حُرُّم كثيره بالنَّص: على أنَّ ما حُرِّم كثيره حُرِّم قليله. روى الترمذيُّ من حديث جابر بن حُرِّم قليله (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). ٢٥٣ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر ورجالاً من أصحاب رسول الله وير في بيتنا إذ جاء رجل فقال: هل بلغكم عبد الله قال: قال رسولُ الله وَله: ((ما أسكر كثيرُه فقليلُه حرام))(١). قال: هذا حديث حسنٌ غريب. وروى أبو داود عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: سمعتُ رسولَ اللهِ وَ﴾ يقول: ((كلُّ مسكرٍ حرام، وما أسكر منه الفَرَق(٢) فملء الكف منه حرامٌ))(٣). وإسناده صحيح. وأمَّا الأحاديثُ التي تمسَّكَ بها المخالف؛ فلا يصحُ شيء منها على ما قد بيَّن عِلَلَها المحدِّثون في كُتُبهم، وليس في الصحاح شيء منها، ثم العجبُ من المخالفين في هذه المسألة؛ فإنهم قالوا: إنَّ القليلَ من الخمر المعتَصَر من العنب حرامٌ ككثيره، وهو مُجْمَعٌ عليه، فإذا قيل لهم: فَلِمَ حرم القليل من الخمر، وليس مُذْهِباً للعقل؟ فلا بدَّ أن يقال: لأنَّه داعيةً إلى الكثير، أو للتعبُّد، فحينئذ يقال لهم: كل ما قدَّرتموه في قليل الخمر هو بعينه موجود في قليل النبيذ. فيحرم أيضاً، إذ لا فارق بينهما. إلا مجرَّد الاسم إذا سُلّم ذلك. وهذا القياسُ أرفعُ أنواع القياس؛ لأنَّ الفرعَ فيه مساوٍ للأصل في جميع أوصافه. وهذا كما نقوله في قياس الأَمَة على العبد في سراية العتق. ثم العجبُ من أبي حنيفة - رحمه الله تعالى - وأصحابه، فإنَّهم يتوغَّلون في القياس، ويُرجِّحونه على أخبار الآحاد، ومع ذلك فقد تركوا هذا القياسَ الجليَّ المعضودَ بالكتاب والسنَّة، وإجماع صدر الأمَّة. تفصيل: ذهب جمهورُ العلماء من السَّلف، وغيرهم: إلى أنَّ كلَّ ما يسكر ما أسكر نوعه نوعُه حَرُم شربُه، قليلاً كان أو كثيراً، نِيْئاً كان أو مطبوخاً، ولا فرق بين المستخرج فشَرْبهُ حرام من العنب، أو غيره كما قرَّرناه. وأنَّ من شرب شيئاً من ذلك حُدَّ. فأما المستخرجُ من العنب المسكر التّيء: فهو الذي انعقد الإجماعُ علی تحریم کثیره وقليله، ولو (١) رواه الترمذي (١٨٦٥). (٢) (الفَرَق والفَرْق)): مكيال ضخم لأهل المدينة معروف يقرب من (٧) كيلوغرام. (٣) رواه أبو داود (٣٦٨٧). ٢٥٤ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر الخبر؟ قلنا: لا. قال: فإنَّ الخمر قد حُرِّمت! فقال: يا أنس! أَرِق هذه القلال. قال: فما راجعوها، ولا سألوا عنها بعد خبر الرجل. النُّقطة منه. وأما ما عدا ذلك فالجمهورُ على تحريمه على ما ذكرناه. وخالف الكوفيُّون في القليل مما عدا ما ذكر. وهو الذي لا يبلغُ الإسكار. وفي المطبوخ من المستخرج من العنب: فذهب قومٌ من أهل البصرة إلى قصر التحريم على عصير العنب، ونقيع الزَّبيب النِّيء، وأمَّا المطبوخ منهما والنِّيء والمطبوخ ممَّا سواهما فحلالٌ ما لم يقع الإسكار. وذهب أبو حنيفة إلى قَصْر التَّحريم على المعتَصر من ثمرات النخيل والأعناب على تفصيل. فيرى: أنَّ سلافةَ العنب يحرمُ قليلها وكثيرها إلا أن تطبخ حتى ينقص ثلثاها. وأمَّا نقيعُ الزَّبيب والتمر: فيحلُّ مطبوخُهما، وإن مسَّته النار مسّاً قليلاً من غير اعتبار بحدٍّ. وأمَّا النِّيء منه فحرام؛ ولكنه مع تحريمه إياه لا يوجبُ الحدَّ فيه. وهذا كلُّه ما لم يقع الإسكار، فإن وقع الإسكارُ استوى الجميع. هذه حكايةُ الإمام أبي عبد الله. والصحيحُ ما ذهب إليه الجمهورُ علی ما قررناه، والحمد لله. وفي حديث أنس هذا أبوابٌ من الفقه. منها: أن خبر الواحد كان معمولاً به عندهم، معلوماً لهم، ألا ترى أنهم لم يتوقَّفوا عند إخبار المخبر، بل بادروا إلى إتلاف الخمر، والامتناع مما كان مُباحاً لهم. ومنها: أن نداء المنادي عن الأمير المحرّم لا يتنزل في العمل منزلةَ سماع قوله. ومنها: أن المحرمَ الأكل أو الشرب لا ينتفعُ به يُنتفع به في شيء من الأشياء، لا من بيع، ولا من غيره. وفيه: كسر أواني الخمر. وعليه كشر أواني تُخرَّج إحدى الروايتين عن مالك في كسرها؛ لما داخلَها من الخمر، ولعسر الخمر غسلها، وفي الأخرى: إذا طبخ فيها الماء وغسلت جاز استعمالها. وعلى هذا: فإذا كانت الأواني مضرّاة في الخمر لا يُنتفع بها لشيء من الأشياء؛ تكسر على كلِّ حال؛ ولذلك شدَّد مالك في الزِّقاق؛ فإنَّ تَعَلُّقَ الرائحةِ بها عَسِرُ الانفكاك، بل لا ینفڭُ. ٢٥٥ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر وفي روايةٍ: فقال أبو طلحة: يا أنس! قم إلى هذه الجرار فاكسرها. فقمت إلى مِهْراسٍ لنا، فضربتها بأسفله حتى تكسَّرت. رواه مسلم (١٩٨٠) (٤ و ٥). [١٨٦٤] وعنه: لقد أنزل الله الآية التي حرَّم الله فيها الخمر وما بالمدينة شرابٌ يشرب إلا من تمرٍ . رواه مسلم (١٩٨٢). و (المهراس): الحجر الذي يُهرس، ويُدقُّ به. و (قول أنس: لقد أنزل اللَّهُ الآية التي حرَّم فيها الخمر) يعني بها: قوله تعالى: دليل تحريم الخمر في ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَمَنُواْ إِنَّمَا الَْتُ وَاَلْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَامُ وَالْأَزْلُ رِجْسَنُ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَنِ فَأَجْتِبُوهُ .. کتاب الله [المائدة: ٩٠] وهي نصٌّ في تحريم الخمر بمجموع كلماتها، لا بآحادها. وقد فَهِم منها التحريمَ قطعاً الصَّحابة، ولذلك قال عمر - رضي الله عنه - عند سماع: ﴿فَهَلْ أَنْتُ مُّنْنَهُونَ﴾ [المائدة: ٩١]: انتهينا، انتهينا. وقد سبق: أن الخمرَ: كلُّ ما يخامر العقل. والميسر: القمار. وهو لعبٌ يؤكل به مالُ الغير بحيث لا يحصل له به تعريف القمار لا أجر، ولا شكر. ومنه: النَّرد، والشطرنج. حُكي ذلك عن عثمان ومجاهد. والأنصاب: كلُّ ما ينصب ليعبد من دون الله تعالى، ويُذْبَحُ عنده، كما كانت الجاهلية تفعل، والأزلام: قِداح يضربون بها عند العزم على الأمر، في بعضها: تعريف الأزلام افعل. وفي بعضها: لا تفعل. وبعضها لا شيء فيه. فإذا خرج هذا؛ أعادوا الضرب. وقيل: كان في أحدهما: أمرني ربِّ، وفي الأخرى: نهاني ربِّي. والرجس: النجس، وهو المستخبثُ شرعاً. و (قوله: من عمل الشيطان) أي: يَحْمِلُ عليه، ويُزيِّنه. وقيل: هو الذي كان عمل مبادي هذه الأمور بنفسه حتى اقتُدِي به فيها. والعداوة والبغضاء: معروفان. ٢٥٦ (٢٦) كتاب الأشربة - (١) باب: تحريم الخمر ويصدّكم عن ذكر الله، وعن الصلاة: يصرفكم عنهما، فَيَذْهَبُ العقل، ويضيعُ الوقت. المُكم ويُفهم من هذه الآية أيضاً: الحكم بتنجيس الخمر. وهو مذهبُ كافة علماء بتنجيس الخمر السلف والخلف إلا شذوذاً. وإليه ذهب ربيعة، وحُكِيَ عن الليث، والمزني. ووجهُ التمسّك بها على التنجيس أن الله تعالى قد أخبر عنها أنها رجس، والرجس : النَّجِسُ القَذِر، فتنجس. وأيضاً: فلما غلَّظ تحريمها، وأخبر بالمفاسد النَّاشئة عنها اقتضى ذلك الزجر عنها مطلقاً، مبالغة في التحريم، كما فعل في الخنزير، والدم، وغير ذلك من الخبائث المحرمات. ويتحرر القياس بأن يقال: مستخبث شرعاً حرم شربه، فيكون نجساً كالبول. وفي الآية مباحث كثيرة، سنكتب فيها إن شاء الله تعالى جزءاً مفرداً. و (قوله: قال بعضهم: قُتل فلان، قُتِل فلان، وهي في بطونهم) هذا القول حُكْم مَن مات أصدره عن قائله إمَّا غلبةُ خوفٍ وشفقةٍ، وإما غفلةٌ عن المعنى. وبيان ذلك: أنَّ وهو شارب الخمر كانت مباحة لهم، كما قد صح أنهم كانوا يشربونها، والنبيُّ نَله يقرّهم للخمر قبل تحریمھا عليها. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَوةَ وَأَنْتُمْ سُكَرَى﴾ [النساء: ٤٣] ومن فعل ما أبيح له حتى مات على فعله لم يكن له، ولا عليه شيء، لا إثم، ولا مؤاخذة، ولا ذمّ، ولا أجر، ولا مدح؛ لأن المباحَ مستوي الطَّرفين بالنسبة للشرع كما يُعرف في الأصول. وعلى هذا: فما ينبغي أن يُتَخَوَّق ولا يُسأَلَ عن حال مَن مات والخمرُ في بطنه وقت إباحتها، فإمَّا أن يكون ذلك القائلُ غفلَ عن دليل الإباحة، فلم يخطر له، أو يكون لغلبة خوفه من الله تعالى، وشفقته على إخوانه المؤمنين توهَّم مؤاخذةً، ومعاقبةً لأجل شرب الخمر المتقدِّم، فإنَّ الشفيقَ بسوء الظنّ مولع، فرفع اللَّهُ ذلك التوهم بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّلِحَتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُواْ﴾ [المائدة: ٩٣] أي: فيما شربوا. وهذا مثل قوله تعالى في نهر طالوت: ﴿فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّ وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِىِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] ٢٥٧ (٢٦) كتاب الأشربة - (٢) باب: الخمر من النخيل والعنب (٢) باب الخمر من النخيل والعنب [١٨٦٥] عن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَليقول: ((الخمر من هاتين الشجرتين: النخلة والعِنَبَةِ)). أي: ومن لم يشربه. وأصل هذا اللفظ في الأكل. يقال: طَعِم الطعام، وشَرِب الشراب. لكن قد تُجوِّزَ في ذلك. وأحسن ما قيل في الآية: إن معنى قوله: ﴿طَعِموا﴾: شربوا الخمر قبل تحريمها. ﴿إذا ما اثَّقوا﴾ شُرْبَها بعده، ﴿وآمنوا) بتحريمها، ﴿وعملوا الصالحات﴾ التي تصدُّ عنها، ﴿ثم انَّقوا﴾ داوموا على اجتنابها، ﴿وآمنوا﴾ بالوعيد عليها، ﴿ثم انَّقَوا﴾ سوء التأويل في تحريمها، ﴿وأحسنوا﴾ في اجتنابها مراقبة الله. وقيل: إنَّ تكرار الاتقاء في مقابلة دواعي النفس، وتكرار الإيمان تذكير بتحريمها، وتشديد الوعيد فيها. و (الجُناح): الإثم والمؤاخذة. (٢ و٣) ومن باب: الخمر من النَّخل والعنب والنهي عن اتخاذها خلّاً (١) (قوله ◌َير: ((الخمر من هاتين الشجرتين؛ العِنَبَة والنَّخلة))) حجَّةٌ للجمهور على تسمية ما يُعتَصَرُ من غير العنب: بالخمر إذا أسكر، كما قدَّمناه. ولا حيَّة فيه لأبي حنيفة على قوله، حيث قصر الحكمَ بالتَّحريم على هاتين الشجرتين؛ لأنه قد جاء في أحاديث أُخَر ما يقتضي تحريم كلِّ مسكر، كقوله: ((كلُّ مسكرٍ حرام))(٢)، (١) سبق تخريجه قبل قليل. (٢) شرح المصنف - رحمه الله - تحت هذا العنوان ما أشكل في أحاديث هذا الباب، وما أشكل في أحاديث الباب الذي يليه، تحت عنوان: النهي عن اتخاذ الخمر خلّاً ... ٢٥٨ (٢٦) كتاب الأشربة - (٢) باب: الخمر من النخيل والعنب وفي روايةٍ: الكَرْمَة، والنَّخْلة. رواه أحمد (٥٢٦/٢)، ومسلم (١٩٨٥)(١٤ و١٥)، وأبو داود (٣٦٧٨)، والترمذي (١٨٧٥)، وابن ماجه (٣٣٧٨). [١٨٦٦] وعن أنس بن مالك قال: إنَّ رسول الله وَّه نهى أَنْ يُخْلَط التَّمر والزَّهْو، ثم يشرب، وإنَّ ذلك كان عامة خمورهم يوم حُرِّمت الخمر. رواه أحمد (١٤٠/٣)، ومسلم (١٩٨١)، والنسائيُّ (٢٩١/٨). # و((كلُّ ما أسكر حرام))(١)، وحديث معاذ حيث سُئِل رسول الله وَچير عن شراب العسل، والدُّرة، والشعير، فقال: ((أنهى عن كلِّ مسكر))(٢). وإنَّما خصَّ في هذا الحديث هاتين الشجرتين بالذكر لأن أكثر الخمر منهما، أو أعلى الخمر عند أهلها. والله أعلم. وهذا نحو قولهم: المالُ الإبلُ، أي: أكثرها وأعُّها. و (قوله في روايةٍ: الكَرْمة والنَّخلة) يُشْكِلُ مع قوله وَليه: ((لا تقولوا للعنب الكرم، فإنَّ الكرمَ قلبُ المؤمن))(٣)). ويزول الإشكال: بأن نقول: إطلاق هذا كان قبل النهي، ثم بعد ذلك ورد النهي. أو يقال: إنه و ﴿ لم يدخل في هذا الخطاب، فإنه قال فيه: ولا تقولوا، فواجَهَنا به، والمخاطِبُ غير المخاطَبِ، كما تقرّر في تحريم خلط الأصول. التمر والزهو وشربه و (قول أنس: نهى رسولُ اللهِ وَ ﴿ أن يُخْلَط الثَّمر والزَّهْوُ، ثم يُشرب) ظاهرٌ (١) رواه مسلم (١٧٣٣) بلفظ: ((كل ما أسكر عن الصلاة فهو حرام)). (٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٥٣) بنحوه. (٣) رواه أحمد (٣١٦/٢)، ومسلم (٢٢٤٧) (١٠). i 1 ٢٥٩ (٢٦) كتاب الأشربة - (٣) باب: النهي عن اتخاذ الخمر خلاً (٣) بابُ النهي عن اتخاذ الخمر خلاً، وعن التداوي بها، وعن خلط شيئين مما يبغي أحدُهما على الآخر [١٨٦٧] عن أنس، أَنَّ النبيَّ ◌َ ﴿ سئل عن الخمر تتخذ خلاً؟ فقال: ((لا)). رواه أحمد (١١٩/٣)، ومسلم (١٩٨٣)، وأبو داود (٣٦٧٥)، والترمذي (١٢٩٤). في تحريم خلطهما وشربه، وهو مذهبُ كافة فقهاء الأمصار، وجمهور العلماء، ومالك في أحد قوليه، وفي الثاني الكراهة، وهو مشهورُ مذهبه. وقد شدَّ أبو حنيفة، وأبو يوسف فقالا: لا بأس بخلط ذلك وشُربه. وقالا: ما حلَّ مفرداً حلَّ مجموعاً. وهذه مخالفةٌ للنصوص الشَّرعية، وقياسٌ فاسد الوضع، ثم هو منتقِضٌ بجواز نكاح كلِّ واحدةٍ من الأختين منفردةً، والجمع بينهما حرامٌ بالإجماع. وأعجب من ذلك: تأويلُ أصحابهما للحديث، إذ قالوا: إنَّ النَّهي عن ذلك إنما هو من باب السرف بجمع إدامين. وهذا تغيير وتبديل، لا تأويل. ويشهد ببطلانه نصوص أحاديث هذا الباب كلُّها. ثمَّ إنهم جعلوا الشرابَ إداماً فِعْل من ذهل عن الشرع والعادة، وتعامى؛ وكيف ينهى عن الجمع بين إدامين وقد جُمعا على مائدة رسول الله وَ له بغير مَيْنٍ(١) على ما يأتي إن شاء الله تعالى. واختلف القائلون بمنع الخلط في تعليل ذلك وعدمه، فالذي يليق بمذهب أهل الظاهر عدمُ التَّعليل. والجمهورُ يُعَلِّلونه بخوف إسراع الشدّة المسكرة. وعلى هذا: يقصر النهي عن الخلط على كلِّ شيئين يُؤَثِّر كلُّ واحدٍ منهما في الآخر إسراع (١) ((المَيْن)): الكذب. ٢٦٠ (٢٦) كتاب الأشربة - (٣) باب: النهي عن اتخاذ الخمر خلاً [١٨٦٨] وعن طارق بن سويد الجُعفي: أنَّه سأل النبي ◌َّر عن الشدّة إذا خلطا، وهذا هو الذي يُفْهَمُ من الأحاديث الواردة في هذا الباب؛ فإنها مُصرِّحةٌ بالنَّهي عن الخلط للانتباذ والشرب. وقد أبعد بعضُ أصحابنا فمنع الخلط وإن لم يكن كذلك، حتى منع خلطهما للتخليل، وهذا إنما يليقُ بمن لم يعلّل النهي عن الخليطين بعلَّةٍ، ويلزمُ عليه أن يجريَ النهي على خلط العسل واللبن، وشراب الورد والبنفسج، والعسل والخلّ، وغير ذلك. والصوابُ ما ذهبَ إليه مالك والجمهور. والله الموفق. النهي عن خلّاً ونهيه ﴿﴿ عن اتخاذ الخمر خَلاَّ ظاهرٌ في تحريم ذلك. وبه قالت طائفةٌ من اتخاذ الخمر أهل العلم، وروي عن عمر، وبه قال الزُّهري، وكرهه مالك، وقال أبو حنيفة: لا بأس بأن تُتَّخَذ الخمرُ خَلّ. وكيف يصحُّ له هذا مع هذا الحديث ومع سببه الذي خرج عليه؟ وهو: أن أنساً روى أن أبا طلحة سأل النبي وَليزر عن أيتام ورثوا خمراً: أنجعله خلاً؟ قال: ((لا))، فهراقه (١). فلو كان هذا جائزاً لكان قد ضيّع على الأيتام ما لهم، ولوجب الضمان على مَن أراقها عليهم، وهو: أبو طلحة. وكلُّ ذلك لم يلزم؛ فدل ذلك على فساد ذلك القول. الخمر لا تُملك وهذا الحديث أيضاً يدلُّ: على أن الخمرَ لا تُملك بوجه، وهو مذهب الشافعي. وقال بعضُ أصحابنا: إنها تُملك. ولیس بصحیح؛ إذ لا تقوّ تحت ید أحد من المسلمين، ولا يجوز له التصرُّف فيها إلا بالإراقة، ولا يُنتفع بها. فأيُّ معنىً لقول من قال: إنه يملكها؟! غير أنه يُطْلَقُ لفظُ التمليك بالمجاز المحض. والله أعلم. فرع: لو تخلَّلت الخمر بأمر من الله عز وجل حَلَّت. ولا خلاف في ذلك على ما حكاه القاضي عبد الوهاب. فأما لو خلَّلها آدميٌّ فقد أثم؛ لاقتحامه النهي، ثم إنها تحلُّ وتطهر، على الرواية الظاهرة عن مالك، وعنه رواية أخرى: أنها ◌ُكْم تخلّل الخمر (١) رواه أحمد (٢٦٠/٣).