Indexed OCR Text
Pages 201-220
٢٠١ (٢٤) كتاب الأقضية - (١٢) باب: الأمر بالمواساة بالفضل (١٢) باب الأمر بالمواساة بالفضل وجمع الأزواد إذا قلّت [١٨٢٦] عن أبي سعيد الخدريٍّ، قال: بينما نحن في سفرٍ مع النبيِّ ◌َ﴿ إذا جاءَ رجلٌ على راحلةٍ له، قالَ: فجعلَ يضربُ يميناً وشِمالاً، على وجوب الضيافة. وهو ظاهِرٌ في ذلك، غير أنَّ هذا محمولٌ على ما كان في أول الإسلام من شدَّة الأمر، وقلَّة الأزواد، فقد كانت السَّريَّةُ يخرجها النبيُّ ◌َلٍّ ولا يجدُ لها إلا مِزْوَدَي تمرٍ. فکان أميرُ السَّرئَةِ یقوتهم إياه، کما قد اتفق في جیش أبي عبيدة، وسيأتي. وإذا وجب التضييفُ كان للضيف طلبُ حقِّه شرعاً، وإن لم يكن الحال هكذا فيحتمل أن يكونَ هذا الحقُّ المأمورُ بأخذه هو حقُّ ما تقتضيه مكارمُ الأخلاق، وعاداتُ العرب، كما قررناه، فيكون هذا الأخذُ على جهة الحضِّ والترغيب بإبداء ما في الضيافة من الثواب والخير، وحُسْن الأحدوثة، ونفي الذمِّ، والبخل، لا على جهة الجبر والقهر؛ إذا الأصلُ ألا يحلَّ مالُ امرىءٍ مسلم إلا بطيب قلبه، ويحتمل أن يُرادَ بالقوم الممرور بهم أهل الذِّمة، فينزل بهم الضيف، فيمنعونه ما قد جُعِل عليهم من التضييف، فهؤلاء يؤخذ منهم، ما جُعِل عليهم من الضيافة على جهة الجبر من غير ظلم ولا تعدٍّ. وقد رأى مالك سقوطً ما وجب عليهم من ذلك لما أحدث عليهم من الظلم. والله تعالى أعلم. (١٢) ومن باب: الأمر بالمواساة وجمع الأزواد إذا قَلَّتْ (قوله: جاء رجلٌ على راحلته فجعل يضربُ يميناً وشمالاً) كذا رواه ابنُ ماهان بالضاد المعجمة، وبالباء الموحّدة من تحتها، من الضرب في الأرض؛ الذي يُراد به: الاضطرابُ والحركة، فكأنه كان يجيء بناقته، ويذهبُ بها فِعْل المجهود الطالب. وفي كتاب أبي داود: يضرب راحلته يميناً وشمالاً. وقد رواه العذريُّ فقال: يصرف - بالصاد المهملة والفاء - من الصَّرف، ولم يذكر المصروفَ ٢٠٢ (٢٤) كتاب الأقضية - (١٢) باب: الأمر بالمواساة بالفضل فقال رسولُ الله ◌َّهِ: ((مَنْ كان معه فضلُ ظَهْرٍ فليَعُدْ به على من لا ظهرَ له، ومَنْ كانَ له فضلٌ مِن زادٍ فليعدْ به على من لا زادَ له)). قال: فذكرَ من أصناف المال ما ذکر حتی رئینا: إنه لا حقَّ لأحدٍ منا في فضل. رواه أحمد (٣٤/٣)، ومسلم (١٧٢٨)، وأبو داود (١٦٦٣). [١٨٢٧] وعن إياس بن سلمةً عن أبيه، قال: خرجنا مع رسول الله وَ﴿ في غزوةٍ، فأصابنا جَهْدٌ، حتَّى همَمْنَا أن ننحرَ بعضَ دَوَابِنا، فأمرَ نبِيُّ الله ◌َ ﴿ فجمعنَا أَزْوَادَنا، فبَسْنا له نِطَعاً، فاجتمع زادُ القومِ على ما هو؟ وقد رواه السَّمر قنديُّ، والصدفيُّ كذلك وبيّنوا المصروف، فقالوا: يصرفُ بصرَه يميناً وشمالاً. يعني: كان يُقلِّبُ طرفه فيمن يُعطيه ما يدفعُ عنه ضرورته. ولا تباعدَ بين هذه الرِّوايات؛ إذ قد صَدَر مِنَ الرجل كلُّ ذلك، ولمَّا رَآه النبيِ وَِّ على تلك الحال أمر كلَّ مَن كان عنده زيادةٌ على قدر كفايته أن يبذله، ولا يُمسكه، وكان ذلك الأمرُ على جهة الوجوب لعموم الحاجة، وشدَّة الفاقة؛ ولذلك قال الصحابيُّ: حتى رئينا: أنَّه لا حقَّ لأحدٍ منا في فضل. أي: في زيادةٍ على قدر تحريم إمساك الحاجة. وهكذا الحكمُ إلى يوم القيامة؛ مهما نزلت حاجةٌ أو مجاعةٌ في السَّفرِ، أو الفضل في الحضر، وجبتِ المواساةُ بما زاد على كفاية تلك الحال، وحَرُمَ إمساكُ الفضل. و (قوله: حتى رئينا) هكذا وقعتْ هذه الروايةُ بضم الراء وكسر ما بعدها مبنياً لما لم يسمّ فاعله. أي: أُظهِر لنا. وفي بعض النسخ: (رأينا) مبنياً للفاعل. وفي بعضها: حتى قلنا. من القول بمعنى الظنّ، كما قال الشاعر (١): مَتَّى تَقُولُ القُلصَ الرَّواسِمَا يُدْنِيْنَ أَمَّ قَاسِمٍ وقَاسِما؟ و (قوله: فجمعنا أزوادنا): هذه الروايةُ الواضحةُ المحفوظة. وقد وقع - (١) هو هُذْبة بن خشرم. ٢٠٣ (٢٤) كتاب الأقضية - (١٢) باب: الأمر بالمواساة بالفضل النِّطَعِ. قال: فتطاولت لأَحْزُرَه كم هو، فَحَزَرْتُهُ كرَبْضَةِ العَنْزِ، ونحنُ أربعَ عشرةَ مئةً. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً ثم حَشَوْنا جُرُبَنا. فقال نبِيُّ الله وََّ: ((فهلْ مِن وَضوءِ؟)) قال: فجاءَ رجلٌ بإدَارةٍ وفيها نُطْفَةٌ، فأفرغَها في قَدَحِ، فَتَوضَّأْنَا كلُّنا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً أربعَ عشرةَ مِئة. قال: ثم جاءَ بعد ذلك ثمانيةٌ، فقالوا: هلْ من طَهُور؟ فقالَ رسول اللهَِّهِ: ((فَرِغَ الوَضُوءُ». رواه مسلم (١٧٢٩). لبعضهم: (تزوادنا) بالتاء باثنتين من فوقها، بفتح التاء وكسرها، وهو اسمٌ من الزاد؛ كالتِّسيار، والتمثال. ووقع لبعضهم: (مزاودنا) والأول أوجهُ، وأُصُ. و (قوله: فَحَزَرْتُه كَرَبْضَة العَنْزِ) أي: قدَّرتُه مثل جُثَّة العنز، فحقُّه على هذا أن يكون مضمومَ الراء؛ لأنه اسم. وكذلك حفظي عمَّن أثقُ به. فیکون: كـ (ظلمة) و(غرفة) وقد روي بكسر الراء، ذهب فيه مذهب الهيئات، كـ (الجِلسة) و (المِشية) وقد رُوي بفتح الراء، وهي أبعدُها؛ لأنه حينئذ يكون مصدراً، ولا يُحْزَرُ المصدر، ولا يقدَّر. و (النُّطْفة): القطرة، ومرادُه بها هنا: القليل من الماء. يُقال: نطف الماء ينطف. أي: قطر. و (نُدَغْفِقُه دَغْفَقَةً) أي: نأخذُ منه ونصبُّ على أيدينا صبّاً شديداً. و (الجُرُب): جمع جراب، وهي الأوعيةُ التي يُجعل فيها الزاد. وتسمى أيضاً: مزاود. وهذا الحديثُ قد اشتمل على معجزتين من معجزات النبي ◌َّر في الطعام والشراب. وقد وقع ذلك منه مرات كثيرة. وروي من طرق عديدة، ووقع منه في جموع كثيرة، ومشاهد عظيمة. فهي من معجزاته المتواترة، وكراماته المتظاهرة، وقد بيَّنَّا ذلك في كتابنا في الردّ على النصارى. ٢٠٤ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها (٢٥) كتاب الصيد والذبائح وما يحلّ أكله من الحيوان وما لا يحلّ (١) باب الصيد بالجوارح وشروطها [١٨٢٨] عن عديٍّ بن حاتم، قالَ: قلت: يا رسولَ الله! إني أُرسلُ (٢٥) كتاب الصيد الأصل في جواز الصيد على الجملة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة. فأما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿يَسْتَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَّ قُلْ أُعِلَ لَكُمُ الَِّبَتُ وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِجِ مُكَلِينَ﴾ [المائدة: ٤] أي: وصيد ما علّمتم ... الآية. وقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبْلُوَلِكُمُ اللَّهُ بِشَىْءٍ مِنَ الصَّيْدِ ... ﴾ [المائدة: ٩٤]. وقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُ مَتَعًا لَّكُمْ وَلِلسَيَّارَةِ ... ﴾ [المائدة: ٩٦]. وأما السُّنَّة: فصحيحها الأحاديث الآتية. وأما الإجماعُ: فمعلوم. الأصل في جواز الصيد تعريف الصيد والصيدُ: ذكاءً في المتوحش طبعاً، غير المقدور عليه، المأكول نوعه. والنظر فيه: في الصائد، والمَصِيد، والآلة التي يُصاد بها. ولكلٍّ منها شروط يأتي ذكرُها أثناء النظر في الأحاديث إن شاء الله تعالى. ٢٠٥ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها الكِلابَ المعلَّمَةَ فيمسكْنَ عليَّ، وأذكرُ اسمَ اللَّهِ عليه. فقالَ: ((إذا أرسلتَ كلبَكَ المعلَّمَ؛ (١ و٢) ومن باب: الصيد بالجوارح وشروطها(١) (قوله: ((إذا أرسلتَ كلبك المُعلَّم))) تعليمُ الكلب وغيره مما يُصاد به هو: تعليم الكلب تأديبُه على الصيد، بحيث يأتمر إذا أُمِر، وينزجر إذا زُجِر. ولا يختلف في هذين وغيره الشرطين في الكلاب وما في معناها من سباع الوحوش. واختلف فيما يُصاد به من الطير. فالمشهورُ: أنّ ذلك مشترطُ فيها. وذكر ابنُ حبيب: أنه لا يُشترط أن تنزجر إذا زُجِرت؛ فإنه لا يتأتى ذلك فيها غالباً. فيكفي أنها إذا أُمِرت أطاعت. قلتُ: والوجودُ يشهدُ للجمهور، بل الذي لا ينزجرُ نادرٌ فيها، وقد شرط الشافعي، وجمهور من العلماء في التعليم أن يمسكَ على صاحبه، ولا يأكل منه شيئاً. ولم يشترطه مالك في المشهور عنه، وسيأتي. وقد ألحق الجمهور بالكلب كلّ حيوان مُعلَّم يتأتى به الاصطيادُ تمسُّكاً ما أَلْحِق بكلب بالمعنى، وبما رواه الترمذي عن عديّ بن حاتم قال: سألتُ رسول الله وَلفيه عن الصيد صيد البازيّ فقال: (ما أمسك عليك فَكُل))(٢) على أنَّ في إسناده مجالداً، ولا يُعرف إلا من حديثه، وهو ضعيف. والمعتمد: النظر إلى المعنى، وذلك أن كلَّ ما يتأتى من الكلب يتأتى من الفهد مثلاً، فلا فارقَ إلّا فيما لا مدخل له في التأثير، وهذا هو القياس في معنى الأصل، كقياس السيف على المدية؛ التي ذَبَح النبيُّ وَلـ بها، وقياس الأَمَةِ على العبد في سراية العتق. وقد خالف في ذلك قوم، وقصروا الإباحةَ على الكلاب خاصة. ومنهم من يستثني الكلبَ الأسود، وهو الحسن، (١) ضمَّن المؤلف - رحمه الله - في شرح ما أشكل في هذا الباب، شرح ما أشكل في الباب الذي يليه وهو: باب: الصيد بالسهم ومحدد السلاح وإذا غاب الصيد. (٢) رواه الترمذي (١٤٦٧). ٢٠٦ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها والنخعي، وقتادة؛ لأنه شيطان كما قال النبي وَ لغيره، متمسِّكين بقوله: ﴿مكلّبين﴾ وبأنه ما وقع في الصحيح إلا ذكر الكلاب، وهذا لا حَّةً لهم فيه؛ لأن ذِكْرَ الكلاب في هذه المواضع إنما كان لأنها الأغلب والأكثر. وأيضاً فإنَّ ذِكْرَها خصوصاً لا يدلُّ على أن غيرها لا يُصاد بها؛ لأنَّ الكلبَ لقب، ولا مفهومَ لِلَّقب عند جماهير المحققين من الأصوليين، ولم يصر إليه إلا الدقَّاق، وليس هو فيه على توفيق، ولا وفاق. ولو صحَّ زَعْمُه ذلك لكفر من قال: عيسى رسول الله؛ فإنه كان يلزم منه بحسب زعمه: أن محمداً وغيره من الأنبياء - صلوات الله وسلامه علیھم - ليس رسولاً . وفي ( قوله وَله: ((إذا أرسلت))) ما يدلُّ: على أن الإرسالَ لا بدَّ أن يكون من جهة الصائد، ومقصوداً له؛ لأنَّ أفعلَ فعل الفاعل كأخرج، وأكرم، ثم هو فعل عاقل، فلا بدَّ أن يكون مفعولاً لغرضٍ صحيح، وفيه مسألتان: إرسال الكلب للصيد الأولى: أن يقصد الصائد عند الإرسال قصد التذكية والإباحة، وهذا لا يختلف فيه، فلو قصد مع ذلك اللهو؛ فكرهه مالك، وأجازه ابنُ عبد الحكم. وهو ظاهرُ قول الليث: ما رأيت حقاً أشبه بباطل منه. يعني: الصيد. فأما لو فعله بغير نيَّة التذكية: فهو حرام؛ لأنه من باب الفساد وإتلاف نفس حيوان بغير منفعة. وقد نهى رسولُ الله ◌َل# عن قتل الحيوان إلا لمأكلة. الثانية: لا بد أن یکون انبعاثُ الکلب بإرسالٍ من ید الصائد، بحیث یکون زمامُه بيده [فيخلِّي عنه، ويُغريه عليه، فينبعث، أو يكون الجارحُ ساكناً مع رؤية الصيد، فلا يتحرَّكُ له إلا بإغراء الصائد. فهذا بمنزلة ما زمامه بيده](١) فأطلقه مغرياً لـ على أحد القولين. فأما لو انبعث الجارحُ من تلقاء نفسه من غير إرسال، (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٢٠٧ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها وذكرتَ اسمَ الله علیه؛ فَكُلْ)). ولا إغراء: فلا يجوز صيده، ولا يحلُّ أكله؛ لأنه إنَّما صاد لنفسه، وأمسك عليها، ولا صُنْع للصائد فيه، فلا يُنسب إليه إرساله؛ لأنه لا يصدق عليه: ((إذا أرسلت كلبك المعلم)). ولا خلافَ في هذا فيما علمته. و (قوله: ((وذكرتَ اسم الله)))، وفي الأخرى: ((واذكر اسم الله))) على الأمر. وظاهر هذا: أنه لا بدَّ من التسمية بالقول عند الإرسال، فلو لم توجدْ على التسمية عند أيِّ وجهٍ كان لم يُؤكل الصيد. وهو مذهبُ أهل الظاهر، وجماعة أهل الحديث، إرسال كلب ويعضدهم ظاهِرُ قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَأْكُلُواْ مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ أَسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ﴾ الصيد [الأنعام: ١٢١]. وذهب طائفةٌ من أصحابنا، وغيرهم: إلى أنه يجوزُ أكْلُ ما صاد المسلم وذبحه، وإن ترك التسمية عمداً. وحملوا الأمرَ بالتسمية على الندب، وكأنهم حملوا هذه الظواهر على ذكر اسم الله بالقلب، وهو لا يخلو عنه المسلمُ غالباً، فإنه إذا نوى التذكية فقد ذكر الله تعالى بقلبه، فإن معنى ذلك: القصد إلى فعل ما أباحه الله تعالى على الوجه الذي شرعه الله، وهذا كما قاله بعضُ العلماء في قوله وَير: ((لا وضوءَ لمن لم يذكر اسم الله عليه))(١)، أي: من لم ينوٍ. وأصلُ هذا: أن الذكرَ إنما هو التنُّهُ بالقلب للمذكور، ثم سُمِّ القولُ الدالُّ على الذكر: ذكراً، ثم اشتهر ذلك حتى صار السابق إلى الفهم من الذكر: القول اللسانيَّ. فأما الآية: فمحمولةٌ على أن المرادَ بها ذبائحُ المشركين، كما هو أشهرُ أقوال المفسرين وأحسنها. وذهب مالك في المشهور عنه إلى الفرق بين ترك التسمية عمداً، أو سهواً، فقال: لا تُؤْكَّلُ مع العمد، وتؤكل مع السَّهو. وهو قولُ كافَّة فقهاء الأمصار، وأحد قولي الشافعي، ثم اختلف أصحابُ مالك في تأويل قوله: (١) رواه أبو داود (١٠١ و١٠٢). ٢٠٨ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها قلتُ: وإنْ قَتَلْنَ؟ قال: ((وإنْ قتلنَ. ما لم يَشْرَكْها كلبٌ ليس معها))، لا يؤكل. فمنهم من قال: تحريماً. ومنهم من قال: كراهة. ووجهُ الفرق: أن الناسيَ غیر مُكلَّفٍ بما نسیه، ولا مؤاخذة علیه، فلا يُؤثر نسيانه بخلاف العامد. قتل الجوارح للصيد ذکاة و (قوله: وإن قَتَلْنَ) هذا لا يختلفُ فيه أن قَتْلَ الجوارح للصيد ذكاة إذا كان قتلها بتخليب، أو تنبيب، فأما لو قتله صَدْماً، أو نطحاً: فلا يُؤكل عند ابن القاسم. وبه قال أبو حنيفة. وقال أشهب: يؤكل. وهو قولُ أحد قولي الشافعي. وسبب الخلاف: هل صدم الجارح له، أو نطحه كالمعراض إذا أصاب بعَرْضه، أم لا؟ فشبهه ابن القاسم به؛ فمنع، وفرَّق الآخرون: بأن الجوارحَ حيوان، وقد أمسك على صاحبه، وقد قال الله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِمَا أَمْسَكْنَ عَلَيَّكُمْ﴾ [المائدة: ٤] وليس كذلك المعراض؛ فإنه لا يقال فيه: أمسك عليك. قلتُ: وهذا الفرقُ لفظي لا فِقْهَ فيه، فإن المعراضَ، وإن لم يُقَلْ فيه أمسك عليك؛ لكنه يقال فيه: أمسك - مطلقاً -؛ لأنه لما أصاب الصيد وقتله فقد أمسكه، موت الصيد والأفقهُ: قولُ ابن القاسم، والله أعلم. فأما لو مات الصيدُ فزعاً، أو دَهَشاً، ولم يكن للجوارح فيه فعل: فلا يختلفُ في أنه لا يؤكل فيما علمت. فَزَماً زكاة المقدور عليه: الذبح و (قوله: ((فإن أدركته حياً فاذْبَحْهُ)) هذا يدلُّ: على أن المقدورَ عليه لا تكونُ ذكاته العقر، بل الذبح، أو النحر. وعلى هذا: فيجب على الصائد إذا أرسلَ الجوارحَ أن يجتهدَ في الجزي مهيّئاً لآلة الذبح؛ فإنه إن فرّط في شيء من ذلك حتى هلك الصيدُ بين يدي الجوارح لم يَجُزْ أكله؛ لأنه لما أمسكته الجوارحُ صار مقدوراً عليه. والصائدُ لو لم يُفرِّطْ كان مُتمكُّناً من ذبحه، فإن أدركه الصائدُ منفوذ المقاتل فحكمه حُكْم المقتول؛ لأنه ميؤوس من بقائه. إلا أنَّ مالكاً استحب ذكاتَه مراعاةً للخلاف. هذا هو مشهور قوله. و (قوله: ما لم يَشْرَكْها كلبٌ ليس معها)))، وفي أخرى: («فإن خالطها ٢٠٩ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها قلتُ له : فإني أَرْمِي بالمِعْراضِ الصيدَ، فأُصيبُ، فقال: ((إذا رميتَ بالمِعراضِ فَخَزَق فكُلْه، وإن أصابَه بعَرْضِه فلا تأكلْه». وفي رواية: ((فإنَّه وقيذٌ فلا تأكلْه)). رواه أحمد (٢٥٨/٤)، والبخاري (٥٤٧٧)، ومسلم (١٩٢٩)(١ و ٣)، والترمذي (١٤٦٥)، والنسائي (٧/ ١٨٠)، وابن ماجه (٣٩٥). كلابٌ من غيرها فلا تأكل»)، وفي الأخرى: (((وإن وجدت مع كلبك كلباً غيره وقد قتل، فلا تأكل، فإنك لا تدري أيهما قَتَلَهُ))) هذه الرواياتُ وإن اختلفت ألفاظُها فمعناها واحد. وهذا الاختلافُ يدل: على أنهم كانوا ينقلون بالمعنى. وتفيدُ هذه الرواياتُ: أنَّ سببَ إباحةِ الصيد الذي هو عَقْر الجارح له لا بُدَّ أن يكون متحقّقاً غير مشكوك فيه، ومع الشكّ لا يجوزُ الأكل. وهذا الكلبُ المخالطُ محمولٌ على اشتراك أنه غير مُرسَلٍ من صائد آخر، وأنه إنما انبعث في طلب الصيد بطبعه ونفسه. ولا كلبٍ آخر يختلفُ في هذا. فأما لو أرسله صائدٌ آخر على ذلك الصيد فاشترك الكلبان فيه: مع كلب · الصيد فإنّه للصائدين؛ يكونان شريكين. فلو أنفذ أحد الكلبين مقاتله، ثم جاء الآخر، فهو للذي أنفذ مقاتله. و (قوله: فإني أرمي بالمعراض) قال أبو عبيد: المعراضُ: سهم لا ريشَ ما هو فيه، ولا نصل. وقال غيرُه: المعراضُ: خشبةٌ ثقيلة، أو عصا غليظة في طرفها المعراض؟ حديدة، وقد تكون بغير حديدة، غير أنها محدّدٌ طرفها. وهذا التفسيرُ أولى من تفسیر أبي عبيد، وأشهر. و (قوله: ((إذا رميتَ بالمعراض فَخَزَقَ فَكُلْ، وإن أصابه بِعَرْضه فلا تأكُلْه رمي الصيد فإنه وَقِيذ))) معنى خَزَق: خَرَق ونفذ. والعرض: خلاف الطول. والوقيذ: بالمعراض الموقوذ، أي: المضروبُ بالعصا حتى يموت. وبه فسّر قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْقُّونَةٌ﴾ [المائدة: ٣]. ٢١٠ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها [١٨٢٩] وعنه، قال: سألتُ رسولَ اللهِ وَ ◌ّهِ قلتُ: إنّا قومٌ نصيدُ بهذه الكِلابِ، فقال: ((إذا أرسلتَ كِلابَكَ المعلَّمةَ، وذكرتَ اسمَ الله عليها ويظاهر هذا الحديث قال جمهورُ العلماء من السلف والخلف. وقد شدَّ مكحول، والأوزاعي، فأباحا أَكْلَ ما أصاب المعراضُ بعرضه. وهو قولٌ مردودٌ بالكتاب والسُّنَّة؛ لأنه مخالفٌ لنصوصهما. الصيد بمحدّد السلاح و (قوله: ((وإن رميتَ بسهمك فاذكرِ اسْمَ الله))) هذا دليلٌ على جواز الصيد بمحدَّد السلاح، وكذلك (قوله: ((في المعراض)): إذا أصاب بحدِّه فكل. وكذلك قوله تعالى: ﴿تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَلُكُمْ﴾ [المائدة: ٩٤] ولا خلافَ فيه. غیاب ما صِنْد بالسهم و (قوله: «فإن غابَ عنكَ يوماً، فلم تجد فيه إلا أثَرَ سهمِك فَكُلْ)) ونحوه في حديث أبي ثعلبة؛ غير أنه زاد: ((فكله بعد ثلاث ما لم يُثْتِن)). وإلى الأخذِ بظاهر هذه الأحاديثِ صار مالك في أحد أقواله، وسوَى بين السَّهم والكلب. والقول الثاني: إنَّه لا يُؤكل شيء من ذلك إذا غابَ عنك. والقول الثالث: الفرقُ بين السهم، فيؤكل، وبين الكلب فلا يؤكل. ووجهه: أن السهمَ يَقْتُلُ على جهةٍ واحدة فلا يشكل، والجارحُ على جهاتٍ متعدّدة فيُشْكِل. والقول الثاني أضعفُها. أَكْلُ ما أنتن و (قوله: ((ما لم يُنْتِن))) اختلف العلماءُ في تعليل هذا المنع، فمنهم من قال: من اللحم إذا أنتن لحقَ بالمستقذرات التي تمجُها الطِّباع، فيكره أكْلُها تنزيهاً، فلو أكلها لجاز، كما قد أكل النبيُّ وَّر الإهالةَ السنخة (١)، وهي المنتنة. ومنهم من قال: بل هو مُعلَّل بما يُخَافُ منه الضّرر على آكله. وعلى هذا التعليل يكون أَكْلُه محرّماً؛ إن كان الخوفُ محقّقاً. وقيل: إن ذلك النتنَ يمكنُ أن يكون من نَهْش ذوات السّموم. قال ابنُ شهاب: كُلْ مما قُتِل إلا أن ينعطن، فإذا انعطن فإنه نهش. وفسّروا (١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٤٠٨/٢). ٢١١ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (١) باب: الصيد بالجوارح وشروطها فكلْ مما أمسكنَ عليكَ وإنْ قتلنَ. إلا أنْ يأكلَ الكلبُ، فإنْ أكلَ فلا تأكلْ، فإنّي أخافُ أن يكونَ إنما أمسكَ على نفسِه، وإنْ خالطَها كِلابٌ من غيرها فلا تأکلْ)). وفي رواية: ((فإنما سَمَّيْتَ على كلبِكَ ولم تُسَمِّ على غيرِه)). رواه مسلم (١٩٢٩) (٢ و٣). (ينعطن) بأنه إذا مُدَّ تمرَّط. قال ابن الأعرابي: إهاب معطون، وهو الذي تمرَّط شعره(١). و (قوله: ((وإن وجدتَه غريقاً في الماء، فلا تأكُلْ، فإنك لا تدري الماءُ قَتَلَهُ، ما وُجِد مِن أو سهْمُك؟))) هذا محملُه على الشك المحقّق في السبب القاتل للصيد، والشكُّ: الصيد غريقاً تركُّدٌ بين مجوَّزين لا ترجيحَ لأحدهما على الآخر، فما كان كذلك لم يؤكل، وأما لو تحقّق أن سَهْمَه أنفذَ مقاتله، ثم وقع في الماء، أو سقط من الهواء، أو ما شاكل ذلك، فإنه يُؤكل. وهو مذهبُ الجمهور: مالك، والشافعي، وغيرهما. وقد روى ابنُ وهب عن مالك كراهةَ ذلك على ما حكاه ابنُ المنذر، وهي من جهة الورع، والله أعلم. و (قوله ◌َ﴿: ((إلا أن يأكل الكلب، فإن أكل فلا تأكل، فإني أخافُ أن يكون أَكْلُ ما أكلَ إنما أمسك على نفسه))) بهذا قال الجمهورُ من السلف وغيرهم، منهم: ابن عباس، كلبُ الصيد منه والزهري، وأبو هريرة، والشعبي، وسعيد بن جبير، والنخعي، وعطاء بن أبي رباح، وعكرمة، وقتادة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان. (١) جاء في حاشية (ل ١): قال ابن القطاع: عَطَنْتَ الإهابَ عَطْناً: غممته لينتثر صوفه. وعَطِن الجلدُ عَطَناً: تغيّرتْ ریحُه. ٢١٢ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٢) باب: الصيد بالسهم (٢) باب الصيد بالسهم ومحدّد السلاح وإذا غابَ الصَّيدُ [١٨٣٠] عن عديٍّ بن حاتم، قال: قال رسولُ الله وَلِّ: ((إذا أرسلتَ كلبَكَ فاذكرِ اسمَ الله، فإنْ أمسكَ عليكَ فأدركتَه حيّاً فاذبحه، وإنْ أدركتَه قد قَتَل ولم يأكلْ منه فكلْه، وإن وجدتَ مع كلبِكَ كلباً غيرَه وقد قَتَلَ فلا تأكلْ، فإنَّك لا تَدري أيُّهما قَتَلَهُ. وإن رميتَ سهمَكَ فاذكرِ اسمَ الله، فإنْ غابَ عنكَ يوماً فلم تجدْ فيه إلا أثرَ سهمِكَ، فكلْ إنْ شئتَ، وإنْ وجدتَه غَرِيقاً في الماءِ فلا تأكلْ». وذهبت طائفةٌ أخرى إلى جواز أكل ما أكل الكلبُ منه. منهم: ابن عمر، وسعد بن مالك، وسلمان، وبه قال مالك، مُتمسّكين بحديث أبي ثعلبة الخشني الذي خرجه أبو داود وغيره. قال فيه الرسول وَ له: ((إذا أرسلتَ كلبك المعلّم، وذكرتَ اسم الله فكُل، وإن أكل منه)) وقد روي مثل حديث أبي ثعلبة عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وروي أيضاً من طرق متعدّدة عن عديٍّ بن حاتم مثله، والأشهر عنه: الحديث الأول، وقد رام بعضُ أصحابنا الجمعَ بین حديثي: عديّ بن حاتم، وأبي ثعلبة؛ بأن حملوا حديثَ النهي على التنزيه، والورع، وحديث الإباحة على الجواز. وقالوا: إن عدِيّاً كان موسّعاً عليه، فأفتاه بالكف ورعاً؛ وأبو ثعلبة كان محتاجاً فأفتاه بالجواز، والله تعالى أعلم. وقد دلَّ على صحة هذا التأويل قوله وَله: («فإني أخافُ أن يكونَ إنما أمسكَ على نفسه)). وقد روي عن قوم من السلف التفرقةُ بين ما أكل منه الكلبُ فمنعوه، وبين ما أكل منه البازيُّ فأجازوه. وبها قال النخعي، وحماد بن أبي سليمان، والثوريُّ، وأصحابه. وحکي ذلك عن ابن عباس، وفيها ضعفٌ وبُعْدٌ، والله تعالى أعلم. ٢١٣ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٢) باب: الصيد بالسهم وفي رواية: ((فإنَّكَ لا تَدري الماءُ قتَلَه أم سَهْمُكَ؟)). رواه مسلم (١٩٢٩) (٦) و (٧). [١٨٣١] وعن أبي ثعلبة الخشنيِّ، قال: أتيتُ رسولَ اللهِ وَهـ فقلتُ: يا رسولَ الله! إنَّا بأرضٍ قوم أهلِ كتابٍ، نأكلُ في آنيتهم، وأرضٍ صَيْدٍ أصيدُ بقوسي، وأصيدُ بكلبي المعلّم، أو بكلبيَ الذي ليس بمعلَّم. فأخبرني ما الذي يَحِلُّ لنا من ذلك؟ قال: ((أمَّا ما ذكرتَ: أنكم بأرضٍ قومٍ أهلِ كتابٍ تأكلونَ في آنيتِهم، فإنْ وجدتُم غيرَ آنيتِهم فلا تأكلُوا فيها، وإنّ لم تجدُوا فاغسلُوها، ثم كُلوا فيها. وأمَّا ما ذكرتَ: أنك بأرضٍ صَيْدٍ، فما أصبتَ بقوسكَ فاذکرِ اسمَ الله، ثم كلْ وما أصبتَ: بكلبك المعلّم فاذكرٍ اسمَ الله، ثم كلْ، وما أصبتَ بكلِكَ الذي ليس بمعلَّم فأدركتَ ذكاتَه فكُلْ)). وفي روايةٍ: ((إذا رميتَ بسهمِكَ فغابَ عنكَ فأدركتَه فكلْ ما لم ◌ُْتِنْ)). و (قوله: ((فإنك لا تدري الماءُ قَتَله، أم سَهْمُك))) دليلٌ على أن المشاركةَ في المشاركة في قتل الصيد لا تضرّ إذا تحقّق: أن سَهْمَه، أو جارحه قتله، وكذلك إذا أصابه السهمُ قتل الصيد في الهواء، فسقط، أو تردّى من جبل، لكن هذا إنما يتحققُ إذا وجد السهمُ، أو الجارح قد أنفذ مقاتله، فحينئذٍ لا تضرُّ المشاركة، فلو لم يعلمْ ذلك حرمُ الأكلُ على نصٌّ هذا الحديث؛ خلافاً للشافعي، فإنه قال: فيما رُمي في الهواء، فسقط ميتاً، ولم يُذْرَ مِمَّ مات: إنه يؤكل. وقاله أبو ثور، وأصحاب الرأي. قال ابنُ المنذر: وروی ابنُ وهب عن مالك نحو قول هؤلاء. قلتُ: والصحيحُ الأول، وهو المشهورُ من قول مالك. وهو قولُ الجمهور. وهو الذي يظهرُ من هذا الحديث. و (قوله: ((ما لم يُنْتِن))) هو رباعيٌّ مضمومُ الأول، من: أنتن الشيء: إذا ٢١٤ (٢٥) کتاب الصيد والذبائح - (٣) باب: النهي عن أکل کلّ ذي ناب وفي روايةٍ: ((بعدَ ثلاثٍ فَكُلْه لم يُنتنْ)). وقال في روايةٍ في الكلب: ((كُلْهُ بعدَ ثلاثٍ إلا أنْ يُنتن فدعْه)». رواه أحمد (١٩٥/٤)، والبخاري (٥٤٧٨)، ومسلم (١٩٣٠ و ١٩٣١) (٩ و١٠ و١١)، وأبو داود (٢٨٥٥)، والترمذي (١٤٦٤)، والنسائي (١٨١/٧)، وابن ماجه (٣٢٠٧). (٣) باب النهي عن أكلِ كلِّ ذي نابٍ من السِّباع وذي مخلبٍ من الطير [١٨٣٢] عن أبي ثعلبة، قال: نهى رسول الله وَ لفر عن أكل كلِّ ذي ابٍ من السِّباع. قال ابن شهاب: ولم أسمع ذلك من علمائنا بالحجاز حتى تغيرتْ رائحته. وقال بعضُ اللغويين: يقال: أنتنَ اللحم: إذا تغير بَعْدَ طبخه. و (صلَّ) و (أصلَّ): إذا تغير وهو نِيْءٌ. قلتُ: وهذا الحديثُ الصحيح يردُ ما قاله هذا اللغوي، بل يقال: أنتن اللحمُ نِيئاً ومطبوخاً. ويقال في غير اللحم: أنْتَنَ أيضاً، كما يقال: أنتن الأنف. (٣) ومن باب: النهي عن أكل كلِّ ذي ناب من السباع (قول أبي ثعلبة: نهى رسولُ الله ◌ِ ﴿ عن أَكْل كلِّ ذي ناب من السباع) ظاهرُ هذا النهي: التحريم، وقد جاء نصّاً في حديث أبي هريرة إذ قال: ((كلُّ ذي ناب من السِّباعِ فَأَكْلُه حرام))). الناب: واحد الأنياب، وهي مما يلي الرَّباعيات من ٢١٥ (٢٥) کتاب الصيد والذبائح ۔ (٣) باب: النهي عن أکل کلّ ذي ناب حدثني أبو إدريس الخولانيُّ، وكان من فقهاء أهل الشام. رواه أحمد (١٩٤/٤)، والبخاريُّ (٥٥٣٠)، ومسلم (١٩٣٢)(١٢ و١٣)، وأبو داود (٣٨٠٢)، والترمذيُّ (١٤٧٧)، والنسائي (٢٠٠/٧)، وابن ماجه (٣٢٣٢). الإنسان. ذهب الجمهورُ من السلف وغيرهم إلى الأخذ بهذا الظاهر في تحريم السباع، وهو قولُ الشافعي، وأبي حنيفة، ومالك في أحد قوليه، وهو الذي صار إليه في الموطَّأ، وقال فيه: وهو الأمرُ عندنا، وروى عنه العراقيون الكراهة، وهو ظاهر المدوّنة، وبه قال جمهورُ أصحابه. تنبيه: هذا الخلافُ إنما هو في السباع العادية المفترسة كالأسد، والنمر، والذئب، والكلب. وأما ما ليس كذلك فجلُّ أقوال الناس فيه: الكراهة. وحيث صار أحدٌ من العلماء إلى تحريم شيء من هذا النوع؛ فإنما ذلك لأنه ظهر للقائل بالتحريم أنَّه عادٍ، وذلك كاختلافهم في الضَّبُع، والثعلب، والهرِّ وشبهها. فرآها حكم أكل قوم من السباع فحكموا بتحريمها، وأجاز أكلها: الشافعي، وأحمد، وإسحاق، الضبع والثعلب والهر وأبو ثور، وهو قولُ: عليَّ، وجماعة من الصحابة، وكرهها مالك. حكى ذلك: القاضي عياض. تنبيه: إنما عدل القائلون بالكراهة عن ظاهر التحريم(١) المتقدِّم؛ لأنهم حجة القائلين اعتقدوا معارضةً بينه وبين قوله تعالى: ﴿قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآ أُوحِىَ إِلَّ مُحَرَّمَا عَلَى طَاعِمِ بالكراهة يَطَعَمُهُ إِلَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْلَحْمَ خِزِيرٍ ... ) الآية [الأنعام: ١٤٥]. ووجه ذلك أنهم حملوا قوله: ﴿فيما أوحي إليَّ﴾ على عموم وحي القرآن، والسُّنَّة، وقالوا: إن هذه الآيةَ نزلتْ على النبي وَّر، وهو واقفٌ بعرفة في حجة الوداع، فهي متأخرة عن تلك الأحاديث، والحصر فيها ظاهر، فالأخذُ بها أولى؛ (١) في (ل ١): الحديث. ٢١٦ (٢٥) کتاب الصيد والذبائح ۔ (٣) باب: النهي عن أکل کلّ ذي ناب [١٨٣٣] وعن أبي هريرة، عن النبيِّ وَ لقره قال: ((كلُّ ذي نابٍ من السُّباع فأكله حرام)). رواه مسلم (١٩٣٣)، والترمذيُّ (١٤٧٩)، والنسائيُّ (٢٠٠/٧)، وابن ماجه (٣٢٣٣). [١٨٣٤] وعن ابن عباس، قال: نهى رسولُ اللهِ وَ﴿ عن كلّ ذي نابٍ من السباع، وعن كلِّ ذي مخلبٍ من الطير. بالتحريم حجة القائلين لأنها: إما ناسخة لما تقدَّمها، أو راجحة على تلك الأحاديث، وأما القائلون بالتحريم، فظهر لهم، وثبت عندهم أن سورةَ الأنعام: مكِّيَّة، نزلتْ قبل الهجرة، وأن هذه الآية قُصِد بها الرأُ على الجاهلية في تحريمهم البحيرة، والسائبة، والوصيلة، والحامي، ولم يكن في ذلك الوقت محرَّمٌ في الشريعة إلا ما ذكره في ما حَرُم الآية، ثم بعد ذلك حرَّم أموراً كثيرة؛ كالحمر الإنسية، والبغال، وغيرها، كما رواه الترمذيُّ عن جابر قال: حرَّم رسولُ اللهِ وَله لحومَ الحمر الأهلية، ولحوم البغال، بالشۀ وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مِخْلَب من الطير(١). وذكر أبو داود عن جابر أيضاً قال: ذبحنا يوم خيبر الخيلَ، والبغال، والحمير، فنهانا رسولُ اللهِ وَلّ عن البغال، والحمير، ولم ينهنا عن الخيل(٢). قلتُ: والصحيحُ ما ذهب إليه الجمهور. والله أعلم بحقائق الأمور. و (قوله: عن كلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير) هو معطوفٌ على قوله: (نهى عن كلِّ ذي ناب من السِّباع). وقد تقرَّر أنَّ ذلك النهي محمولٌ على التحريم في السباع، (١) رواه الترمذي (١٤٧٨). (٢) رواه أبو داود (٣٧٨٩). ٢١٧ (٢٥) کتاب الصيد والذبائح ۔ (٣) باب: النهي عن أکل کلّ ذي ناب رواه أحمد (٢٤٤/١)، ومسلم (١٩٣٤)، وأبو داود (٣٨٠٥)، والنسائي (٢٠٦/٧)، وابن ماجه (٣٢٣٤). فيلزم منه تحريمُ كلِّ ذي مخلبٍ من الطير؛ لأنَّ الواو تشرِّك بين المعطوف حُكْم كل ذي والمعطوف عليه في العامل ومعناه؛ لأنها جامعة. وقد صار إلى تحريم كل ذي مخلب من الطير مِخْلَبٍ من الطير طائفة؛ تمشُّكاً بهذا الظاهر. وممن قال بذلك: أبو حنيفة، والشافعي. وأمَّا مذهبُ مالك: فحكى عنه ابن أويس كراهة أكل كلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطير. وجُلُّ أصحابه، ومشهور مذهبه: على إباحة ذلك؛ مُتمسّكين بقوله تعالى: ﴿ قُل لََّ أَجِدُ فِ مَآَ أُوْحِىَ إِلَىَّ مُحَرَّمًا ... ﴾ [الأنعام: ١٤٤]، وقد تقدَّم الكلامُ عليها، والظاهر: التمسُّكُ بما قرَّرناه من ذلك الحديث الظاهر. وتقييد الطير بـ (ذي المخلب) يقتضي: منع أكل سباع الطير العادِيَة: كالعقاب، والشاهين، والغراب، منع أَكْل سباع وما أشبهها، ولا يتناول: الخطّاف وما أشبهها. الطير العادية و (قوله ◌َله لأبي ثعلبة في أواني أهل الكتاب: ((إن وجدتم غير آنيتهم، فلا حُكْم استخدام تأكلوا فيها))(١)): إنما كان هذا لأنهم لا يتوَقَّوْن النجاسات فيأكلون لحم الخنزير، أواني أهل وربما أكلوا الميتات، فإذا طبخوا ذلك في القدر تنجسَّت، وربَّما سَرَتِ النجاسةُ في الکتاب أجزاء قدور الفخار، فإذا طُبِخ فيها بعد ذلك، وبعد أن غُسِلتْ تُوُقِّع مخالطة تلك الأجزاء النجسة للمطبوخ في القدر ثانية؛ فاقتضى الورعُ الكفَّ عنها. وقد أشار إلى هذا ابنُ عباس؛ فإنه روي عنه أنه قال: إنْ کان الإناءُ من نحاس، أو حدید: غُسِل، وإن كان من فخَّار: أغلي فيه الماء، ثم غُسل. و (قوله: ((وإن لم تجدوا غيرها(٢) فاغسلوه))) هذه إباحةٌ عند الحاجة؛ لكن (١) هذه العبارة بكاملها من حديث الباب السابق في التلخيص. (٢) هذه الكلمة ليست في أصل الحديث، والعبارة بكاملها من حديث الباب السابق حسب التلخيص. ٢١٨ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٤) باب: إباحة أكل ميتة البحر (٤) باب إباحة أكل ميتة البحر وإن طفت [١٨٣٥] عن جابر، قال: بعثنا رسولُ الله ◌ِنَّهِ وأمَّر علينا أبا عبيدة نتلقَّى عِيراً لقريشٍ، وزوَّدنا جِراباً من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة بشرط الغَسْل؛ فإن الماءَ طهور؛ لكن ينبغي أن يكون الغسلُ على ما قاله ابنُ عباس كما حكيناه عنه آنفاً. وهذا فيما يطبخون فيه من أوانيهم، فأمَّا ما يستعملونه من غير أن يطبخوا فيه: فخفيف؛ إن لم تظنَّ فيه نجاسة، وقد توضَّأ عمر - رضي الله عنه - من بيت نصرانيّ في حُقِّ نصرانيةٍ. فأما لو كان الإناءُ من أواني الخمر، أو مما يُجعل فيه شيء من النجاسات، فلا شك في المنع من استعماله؛ إلا أن يُغْسَل غَسْلاً بالغاً؛ فإن كان منها ما يبعُدُ انفصالُ النجاسة عنه؛ لم يَجُز استعماله ألبتة. قلتُ: ويظهرُ لي - على مقتضى هذا الحديث - أنه لا ينبغي للوَرِع أن يُقدمَ على أكل طعام أهل الكتاب؛ ما وجد منه بُدّاً؛ بل هو أولى بالانكفاف عنه من الأواني. والله تعالى أعلم. (٤) ومن باب: إباحة أكل ميتة البحر الغِيْر: الإبلُ المحمَّلة. (قوله: وزوَّدَنا جِراباً من تمر؛ لم يجدْ لنا غَيْرَهُ) اختلفت ألفاظُ الرواة في هذا المعنى. فمنها: ما ذكرناه. وفي رواية: (فكنا نحملُ أزوادنا على رقابنا). وفي أخرى: (فَفَنِي زادُهم). وفي الموطأ: (فكان مزودي تمر)، وفي أخرى: (فكان يُعطينا قَبْضَة قَبْضَة، ثم أعطانا تمرةً تمرةً) ویلتثم شتات هذه الروايات بأن يقال: إن النبيَّ ◌َّو زادهم ذلك المزود، أو المزودين إلى ما كان عندهم من زاد أنفسهم الذي كانوا يحملونه على رقابهم، ثم إنهم لما اشتدَّت بهم الحالُ جمع أبو عبيدة ما کان ٢١٩ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٤) باب: إباحة أكل ميتة البحر يعطينا تمرةً تمرة. قال: فقلت: كيف كنتم تصنعون بها؟ قال: نمصها؛ كما يمصُّ الصَّبيُّ، ثم نشرب عليها من الماء، تكفينا يومنا إلى الليل، وكنا نضرب بِعِصِيِّنا الخَبَط، ثم نبلُّه بالماء فتأكله. وفي روايةٍ: فَسُمِّي جيش الخَبَطِ. عندهم إلى المزود الذي زادهم النبيُّ وَ﴿ فكان يفرِّقه عليهم قبضةً قبضةً، إلى أن أشرفَ على النفاذ، فكان يعطيهم إياه تمرة تمرة إلى أن فَنِي ذلك. وجَمْعُ أبي عبيدة الأزواد، وقسمتها بالسويّة: إمّا أن يكون حكماً حَكم به لما شاهَدَ من ضرورة الحال، ولما خاف من تَلَفَ مَن لم يكن معه زاد، فظهر له: أنه قد وجب على مَن معه زادٌ أن يُحيي من ليس له شيء، أو یکون ذلك عن رضا من كان له زادٌ رغبةً في الثواب، وفيما قاله النبي ◌َ ﴾ [في الأشعريين من أنهم إذا قلَّ زادُهم جمعوه فاقتسموه بينهم بالسويّة. قال رسولُ اللهِ وَلِ﴿و](١): ((فهم مني، وأنا منهم))(٢) وقد فعل ذلك النبيُّ ◌َ ﴿ غير مرَّة. ولذلك قال بعضُ العلماء: إنه سُنَّة. و (الخَبَطَ) بفتح الخاء والباء: اسمٌ لما يخبط فيتساقط من ورق الشجر. وبسكون الباء: المصدر. وتبليلهم الخَّبَط بالماء ليلين للمضغ. وإنما صاروا لأكل الخَبَط عند فَقْد التمرة الموزعة عليهم. وهذا كله يدلُّ على ما كانوا عليه من الجدِّ، من فضائل والاجتهاد، والصبر على الشدائد العظام، والمشفَّات الفادحة، إظهاراً للدِّين، الصحابة وإطفاءً لكلمة المبطلين. رضي الله عنهم أجمعين. وساحل البحر، وسِيقُه، وشُه، كلُّ ذلك بمعنى واحد. و (رُفِع لنا) أي: ظهر لنا، واطَّلَعنا عليه. وهو مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله. و (الكثيب) و (الضرب): الجبل الصغير، والكوم أصغر منه. و (الضخم): المرتفع الغليظ. (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). (٢) رواه مسلم (٢٥٠٠). ٢٢٠ (٢٥) كتاب الصيد والذبائح - (٤) باب: إباحة أكل مينة البحر قال: وانطلقنا على ساحل البحر، فَرُفع لنا على ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه فإذا هي دابة تدعى: العنبر. قال: قال أبو عبيدة: ميتةٌ. ثم قال: لا بل نحن رسل رسول الله صل﴿، وقد اضطررتم فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهراً؛ ونحن ثلاثمئةٍ حتى سَمِنًا. قال: ولقد رأیتنا نغترف من و (قوله: تُدْعَى العَنْبَرَ) أي: تُسمَّى بـ (العنبر)، ولعلَّها سميت بذلك لأنها الدابَّةُ التي تلقي العنبر، وكثيراً ما يوجد العنبر على سواحل البحر، وقد وُجِد عندنا منه على ساحل البحر بقادس - موضع بالأندلس - قطعة كبيرة كالكوم، حصل لواجدیه منه أموال عظيمة. و (قول أبي عبيدة: مَيْتَة) أي: هي ميتة، فلا تُقْرَب لأنها حرام بنصِّ القرآن العام، ثم إنه أضرب عمَّا وَقَعَ له من ذلك لما تحقَّق من الضرورة المبيحة له، ولذلك قال: (لا، بل نحنُ رُسُلُ رسولِ اللهِوَله وقد اضْطُرِزْتُم فَكُلُوا) وهذا يدلُّ: جواز حَمْل على جواز حَمْل العموم على ظاهره، والعمل به من غير بحث عن المخصّصات، العموم على فإن أبا عبيدة حكم بتحريم ميتة البحر تمُّكاً بعموم القرآن، ثم إنه استباحها بحكم ظاهره الاضطرار، مع أنَّ عموم القرآن في الميتة مخصَّصٌ بقوله بَّهِ: ((هو الطهور ماؤه، الحِلُّ ميتته))(١)، ولم يكن عنده خبر من هذا المخصَّص، ولا عند أحد من أصحابه. ماذا و (قوله: فأقمنا عليها شهراً حتى سَمِنًا) دليلٌ لمالك، ولمن يقول بقوله: بأكل على أنَّ المضطرّ يأكلُ من الميتة شِبَعه، ويتبسّط في أكلها، فإنها قد أُبيحت له، المضطر وارتفع تحريمُها في تلك الحال فأشبهت الذكيَّة، وخالفه في ذلك جماعةٌ، منهم: الميتة؟ الحسن، والنخعي، وقتادة، وابن حبيب، فقالوا: لا يأكلُ منها حتى يضطرَّ إليها من ثانية، ولا يأكل منها إلا ما يقيم(٢) رمقه. وقال عبد الملك: إن تغذّى حرمتْ عليه (١) رواه أحمد (٢٣٧/٢)، وأبو داود (٨١)، والترمذي (٦٩)، والنسائي (١٧٦/١)، وابن ماجه (٣٨٦). (٢) في (ل ١): يسدُّ.