Indexed OCR Text

Pages 61-80

٦١
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
و (قوله: أو وليدة) معطوف على (عبد) رفعاً وخفضاً. وأو فيه للتنويع، أو
للتخيير، لا للشكِّ. وكذلك فهمه مالكٌ وغيره. ويعني بالوليدة: الأمة. وقد جاء
في بعض ألفاظه: (أو أمةٍ) مكان: (وليدة). وغرّة المال: خياره. قال ابنُ فارس: معنى ◌ُرَّة المال
غرة كلِّ شيءٍ: أكرمه وأنفسه. وقال أبو عمرو (١): معناه: الأبيض. ولذلك وقيمتها
سميت: غرةً. فلا يؤخذ فيها أسود. ولذلك: اختار مالك أن تكون من الحمر.
ومقتضى مذهب مالك: أنَّه مخيَّر بين إعطاء غرة، أو عُشْر دية الأمّ، من نوع ما
يجري بينهم؛ إن كانوا أهل ذهب فخمسون ديناراً. أو أهل وَرِق فستُمِئَةِ درهمٍ، أو
خمس فرائضٍ من الإبل. وقيل: لا يعطى من الإبل. وعلى هذا في قيمة الغرة
الجمهور. وخالف الثوريُّ، وأبو حنيفة، فقالا: الغرة خَمْسُمِئَةِ درهم؛ لأنَّ دية أمِّه
عندهم خمسةُ آلافٍ درهم. وعمدةُ الجمهور في تقويم الغرَّة بما ذكر قضاءُ الصحابة
بذلك. وذهب بعضُ السَّلَف؛ منهم: عطاء، ومجاهد، وطاووس: إلى غرةِ عبدٍ،
أو وليدةٍ، أو فرس. وقال بعضُهم: أو بغلٍ. وقال ابنُ سيرين: عبدٌ، أو وليدةٌ، أو
مئة شاةٍ. ومتمشَّكُ هؤلاء ما رواه أبو داود من حديث أبي هريرة قال: قضى
رسولُ اللهِ ﴿ في الجنين بغرَّةٍ عبدٍ، أو أمةٍ، أو فرسٍ، أو حمارٍ، أو بغلٍ. وفي
بعض طرقه: خمسمئة شاةٍ (٢). وهو وهمٌّ. وصوابه: مئة شاةٍ. وفي مسند الحارث
ابن أبي أسامة: في الجنين غرَّة عبدٍ، أو أمةٍ، أو عشرٍ من الإبل، أو مئة شاةٍ(٣).
خرَّجه من حديث حَمَلٍ بن مالك(٤). والصحيح: ما خرَّجه مسلم. وقال داود
(١) هو أبو عمرو بن العلاء، من أئمة اللغة والأدب، وأحد القراء السبعة. مات بالكوفة
سنة (١٥٤ هـ).
(٢) رواه أبو داود (٤٥٧٩).
(٣) رواه الحارث بن أبي أسامة كما في (المطالب العالية رقم ١٨٥٥) وفيه: عشرون من
الإبل.
(٤) في المطالب العالية: حَمَل بن النابغة.

٦٢
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
وأصحابه: كلُّ ما وقع عليه اسم (غرة) يجزىء. وأقل سنُّ الغرَّةِ عند الشافعيِّ سبع
سنین في أحد قوليه.
وقد شذَّتْ شرذمةٌ فقالوا: لا شيء في الجنين. وهي محجوجةٌ بكل ما تقدَّم
في الباب، وبإجماع الصحابة على أنَّ فيه حكماً، وبحديث المغيرة الآتي بعده.
معنی الجنين
و (قوله: فطرحت جنينها)(١)، وفي اللفظ الآخر: (سقط ميتاً)(٢).
والجنين: اسم لما يجتنُّ في بطن المرأة [من الولد](٣). والمثَّفق على اعتباره من
أحواله أن يزايلَ أُمَّه وهو تائمُ التصوير والتخطيط. واختلف فيما قبل ذلك من كونه:
علقةً، أو مضغةً. هل يعتبر أم لا؟ فعندنا وعند أبي حنيفة: يُعتبر. وعند الشافعيّ:
لا، حتى يتبيَّن شيءٌ من خَلْقه وتصويره، ولا فرق بين أن يكون ذكراً، أو أنثى؛ إذ
مشروعية الغرّة كلُّ واحدٍ منهما يسمَّى جنيناً، وكأنَّ الشَّرع قصد بمشروعية الغرَّة في الجنين دفع
لدفع الخصومة الخصومة والتنازع. [كما قد فعل في باب المصرَّاة، حيث قدر فيها الصاع من
الطعام رفعاً للتنازع](٤) وجبراً للمتلف بما تيسّر. وقد بالغتِ الصحابةُ في هذا
المعنى، حيث قدّروا الغرّة بخمسين ديناراً، أو ستمئة درهم. والله تعالى أعلم. فإن
زايل الجنين أمَّه بعد موتها، فهل فيه غرة أم لا؟ قولان:
الأول: لربيعة، والليث، والزُّهريّ، وأشهب، وداود.
والثاني: لمالكِ، والشافعيِّ، وعامة العلماء.
(١) هذا القول ليس في التلخيص، وإنما هو في إحدى روايات صحيح مسلم برقم (١٦٨١)
(٣٤) .
(٢) هذا القول رواه مسلم في صحيحه (١٦٨١)٣٥).
(٣) ما بين حاصرتين ليس في (ع) و(ج ٢).
(٤) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٦٣
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
و (قوله: فقضى فيه بغرَّةٍ، وجعله على أولياء المرأة) يعني: الضاربة. وهذا
نصّ: في أنَّ الغرة تقومُ بها العاقلة. وبه قال الكوفيون، والشَّافعيُّ. وهو أحدُ قولي
مالكِ. وقيل: على الجاني. وهو المشهورُ من قول مالكِ. وقاله أهلُ البصرة.
واختلفوا: هل تلزمه الكفارةُ مع الغرَّة أم لا؟ قولان. الأول لمالك.
قلتُ: وهذه الأحاديثُ كلُّها إنَّما جاءت في جنينٍ واحدٍ، انفصل من حرَّةٍ
مسلمةٍ ميتاً. فلو خالف شيئاً من هذه القيود ففيه تفصيل. وذلك يُعرف بمسائل:
الأولى: لو ألقت أجنَّةً لكان في كلِّ جنين غُرَّةٌ. هذا قول الكافَّة، ولا يعرف
فيه خلافٌ.
الثانية: لو ألقت بعضه فلا غرَّة فيه. وقال الشَّافعيُّ: فيه الغرَّة.
الثالثة: لو كان جنينُ أمَةٍ ففيه عُشْر قيمة أمِّه. هذا قولُ عامة أهل العلم.
وذهب الثوريُّ، والُّعمان، وابن الحسن: إلى أنَّ فيه عُشْر قيمته لو كان حيّاً ذكراً
كان أو أنثى. وذهب الحسنُ: إلى أنَّ فيه نصف عشر ثمن أمِّه. وذهب سعيد بن
المسیّب: إلی أنَّ فیه عشرة دنانیر. وقال حمّاد بن أبي سليمان: فیه حُكْم.
الرابعة: جنين الكتابية. وفيه عُشْر دية أمِّه، ولا يحفظ فيه خلاف.
الخامسة: مَن أعتق ما في بطن جاريته، فضربها ضارب، فطرحته، فديته دية
المملوك. وهو قولُ الزهري، والثوريُّ، وأحمدُ، وإسحاق.
السادسة: إذا اختلف الجاني والمجنيُّ عليه، فقال الجاني: طرحته ميتاً.
وقال المجنيُّ عليه: بل حيّاً. فالقول قول الجاني. وبه قال الشافعيُّ، وأبوِ ثورٍ،
وأصحاب الرأي.
السابعة: دِيُّ الجنين موروثةٌ على كتاب الله تعالى. وقال الزهريُّ والشَّافعيُّ:

٦٤
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
وقضى بدية المرأة على عاقلتها، وَوَرَّثَها وَلَدَها ومن معهم. فقال حَمَلُ بنُ
النابغة الهذليُّ: يا رسول الله! وكيف أَغْرَم من لا شرب، ولا أكل، ولا
نطق، ولا اسْتَهَلَّ؟! فمثل ذلك يُطَلُّ. فقال رسول الله وَّهِ: ((إنما هذا من
إخوان الگھَّان» من أجل سجعه الذي سجع.
إن كان الضاربُ هو الأب لم يرثْ من الغرَّة شيئاً. وقال الليث، وربيعة: هي للأم
خاصّةً.
و (قول حَمَلٍ بنِ النابغة: أنغرم من لا شربَ، ولا أكلَ، ولا نطق، ولا
استهلّ) يدل: على أنَّ عاقلة الجاني تحمل الغرَّة كما هو أحد القولين.
و (قوله: فمثل ذلك يُطَلُّ) رویناه بالياء باثنتين من تحتها، بمعنى: يُهدر [ولا
يطلب به](١). ورويناه بالباء بواحدةً من تحتها، من البطلان. أي: هو ممَّن ينبغي
أن يُبطل. والمعنيان يرجعان إلى شيءٍ واحدٍ. أي: هذا لا ينبغي فيه شيءٌ.
إنكارُ السجع
المتكلّف
و (قوله وَله: ((إنّما هذا من إخوان الكهَّان))) فسَّره الراوي: بقوله: من أجل
سجعه. يعني بذلك: أنَّ تشبّه بالكهَّان، فسجع كما يَسْجَعُون حين يخبرون عن
المغيَّات، كما قد ذكر ابن إسحاق من سجع شقِّ وسطيحِ(٢) وغيرهما. وهي عادةٌ
مستمرَّةٌ في الكهَّان. وقيل: إنَّما أنكر النبيُّ وَ﴿ ذلك السَّجَع لأنَّه جاء به في مقابلة
حكم الله مستبعداً له، ولا يذُّ من حيث السَّجع؛ لأنَّ النبيَّ ◌َلِّ قد تكلم بكلامٍ
يشبه السجع](٣) في غير ما موضع. وقيل: إنما أنكر عليه تكلف الإسجاع على
طرق الكهَّان وحوشية الأعراب. وليس بسجع فصحاء العرب، ولا على مقاطعها.
قلتُ: وهذا القولُ الأخير إنَّما يصحُّ أن يقال على قوله بَّهِ: ((أسجعٌ
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) شقّ وسطيح: كاهنان من كهّان العرب.
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).

٦٥
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
كسجع الأعراب؟))(١) لا على قوله: ((إنَّما هذا من إخوان الكهَّان))(٢). فتأمله.
وحَمَلُ بنُ النابغة - بفتح الحاء المهملة والميم -. وقال فيه في الرواية
الأخرى: حَمَلُ بن مالك. وهو هُذَلي من قبيل القاتلة. ولحيان: فخذٌ من هذيل
[ولذلك صدق أن يقال على القاتلة: أنها هذليةٌ لحيانيةٌ. ولحيان](٣) يقال بفتح اللام
و کسرها .
قلتُ: وقد ذكر الحديثَ الحارثُ بن أبي أسامة عن أبي المليح مرسلاً قال:
إنَّ حَمَلَ بن مالك كانت له امرأتان: مليكة، وأُّ عفيف، فحذفت إحداهما
الأخرى(٤) بحجرٍ فأصابت قبْلَها، فماتت، وألقت جنينها ميّاً(٥)، وذكر الحديث
كنحو ما تقدَّم. وعلى هذا فكان حَمَلٌ زوجَ المقتولة والقاتلة، وعاصب القاتلة،
ووالد الجنين. وحينئذٍ يكون قوله: أنغرم من لا شرب ولا أكل. دليلٌ: على أنَّه
غارمٌ وليس بوارثٍ. ولهذا قال الليث بن سعدٍ، وربيعة: إنَّ الغرَّة للأمّ خاصةً.
ويحتمل: أن يكون مُعَبِّراً عن العصبة دون نفسه، مستبعداً للحكم، كما تقدَّم.
والله تعالى أعلم.
و (قوله: وقضى بدية المرأة على عاقلتها) فيه تلفيف في الضمائر أزالته
الرِّواية الأخرى؛ التي قال فيها: (فجعل دية المقتولة على عصبة القاتلة). وقد احتجَّ
(١) رواه مسلم (١٦٨٢) (٣٨)، وأبو داود (٤٥٦٨)، والترمذي (١٤١١)، والنسائي
(٥١/٨)، وابن ماجه (٢٦٣٣).
(٢) هو حديث الباب رقم (٢٠٧٢).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م).
(٤) في حاشية (م): الضاربة: أم عفيف بنت مسروح، ويُقال فيها أيضاً: أم غطيف.
والمضروبة: مليكة بنت ساعدة الهذليّ.
((٥) ذكره ابن حجر في المطالب العالية برقم (١٨٥٥).

٦٦
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
وفي روايةٍ: قال: فجعل رسول الله صلهدية المقتولة على عَصَبَةٍ
القاتلة، وغُرَّةً لما في بطنها.
بظاهر الحديث من رأى: أنَّه لا يستقاد ممَّن قتل بمثقلٍ، وإنَّما عليه الدِّيةُ. وهم
الحنفية. ولا حجَّة لهم في ذلك لما تقدَّم: من أنَّ النبيَّ وَلير قد أفاد ممَّن قتل
بحجرٍ، كما تقدَّم في حديث اليهوديِّ(١)، ولقوله تعالى: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ
عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا أَعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] والمماثلة بالمثقَّل ممكنةٌ، ولإمكان كون
هذا القتل خطأً أو شبه العمد [فاندفع القصاص بذلك](٢)، ولو سُلُّم: أنَّه كان عمداً
لكان ذلك برضا العَصَبة، وأولياء الدَّم لا بالحكم، وكلّ ذلك محتمل، فلا حجَّة
لهم فيه.
العاقلة تحملُ
الدِّية
وفيه ما يدل: على أنَّ العاقلةَ تحمل الدِّية. وقد أجمع المسلمون: على أنَّها
تحمل دية الخطأ، وما زاد على الثلث. واختلفوا في الثلث. فقال الزُّهريُّ: الثلث
فدونه هو في مال الجاني، [ولا تحمله العاقلة. وقال سعيد بن المسيب: الثلث فما
زاد على العاقلة، وما دون الثلث في مال الجاني](٣) وبه قال مالكٌ، وعطاء، وعبد
العزيز بن أبي سلمة. وأمَّا ما دون الثلث فلا تحمله العاقلة عند من ذكر، ولا عند
أحمد. وقالت طائفةٌ: عقل الخطأ على عاقلة الجاني؛ قلَّتْ الجنايةُ أو كثرت. وهو
قولُ الشَّافعيِّ. وقد تقدَّم في الدِّيات وانقسامها. فإن قيل: كيف ألزم العاقلة الدِّية
والقتلُ عمدٌ؟ والعاقلة لا تعقل عمداً، ولا صلحاً، ولا اعترافاً.
فالجوابُ: أنَّ هذا الحديثَ خرَّجه النَّسائيُّ من حديث حَمَلِ بن مالكِ. وقال
فيه: قضى رسولُ اللهِوَه في جنينها بغرةٍ. وأن تقتل بها(٤)، وهو طريقٌ صحيحٌ.
(١) سبق تخريجه في التلخيص برقم (٢٠٦٣ و٢٠٦٤).
(٢) ما بين حاصرتين مستدرك من (ج ٢).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
(٤) رواه النسائي (٤٧/٨).

٦٧
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
وفي أخرى: فقضى فيه بغرَّةٍ، وجعله على أولياء المرأة.
رواه أحمد (٤٣٨/٢ و٥٣٥)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم
(١٦٨١) (٣٦ و٣٧ و٣٨)، وأبو داود (٤٥٧٦ و٤٥٧٩)، وابن ماجه
(٢٦٣٩ و٢٦٤١).
وهذا نصّ: في أنَّه قضى بالقصاص من القاتلة؛ بخلاف الأحاديث المتقدِّمة؛ فإن
فيها: أنَّه قضى على العاقلة بالدِّية.
ووجهُ التلفيق؛ وبه يحصلُ [الجوابُ على](١) التحقيق: أنَّ رسولَ اللهِ وَهل
قضى بقتل القاتلة أولاً، ثمّ إنَّ العصبة، والأولياء اصطلحوا: على أنِ التزم العصبةُ
الدِّيةَ ويعفو الأولياء. فقضى النبيُّ ◌َ ﴿ بالدِّية على العصبة لمَّا التزموها. والله تعالى
أعلم.
و (قوله: وورثها عصبتها ومن معهم) أعاد الضمير الأول على الدِّية، والثاني
على المقتولة. وعنى بالعصبة: بنيها، وبمن معهم من الزوج. ولم يختلف: في أنَّ
الزَّوجَ يرثُ هنا من دية زوجته فرضه، وإن كانوا قد اختلفوا فيه: هل يرث من دية
الجنين؟ على ما تقدَّم. والدِّيةُ موروثةً على الفرائض سواء كانت عن خطأٍ، أو عن
عمدٍ تعذَّر فيه القود. والذي يُبيِّن الحقَّ في هذا الباب حديثان خرَّجهما التُّرمذيُّ.
أحدهما: عن سعيد بن المسيِّب. قال: قال عمر: الدِّية على العاقلة، ولا ترث
المرأة من زوجها شيئاً (٢). فأخبره الضخَّاكُ بنُ سفيان الكِلابيُّ: أنَّ رسول الله ◌ِله
كتب إليه: أنْ وَرِّثِ امرأةٌ أُشَيْمِ الضَّبابيِّ من دية زوجها. وقال: هذا حديثٌ حسنٌ
صحيحٌ (٣). وثانيهما: عن سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ◌ِلَيهوى
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢).
(٢) ليست في (ل ١).
(٣) رواه الترمذي (٢١١٠).

٦٨
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
[١٧٧٣] وعن المِسْوَر بن مَخْرَمة، قال: استشار عمر بن الخطاب
النَّاس في مِلاصٍ المرأة، فقال المغيرة بن شعبة: شهدتُ النبيَّ بَّهِ قضى
قضى في جنين امرأةٍ من بني لحيان سقط ميتاً بغرّةٍ عبدٍ أو أمةٍ، ثمّ إنَّ المرأةَ التي
قضى عليها(١) بغرةٍ توفِيت، فقضى رسولُ اللهِوَ﴾: بأنَّ ميراثَها لبنيها وزوجها، وإنَّ
عَقْلَها على عَصَبَتِها (٢).
تنجيم الدية
العاقلة
ثمَّ حيث وجبت الدِّية على العاقلة؛ فلا تؤخذ منهم حالَّة، بل مُنجَّمةً في
الواجبة على ثلاث سنين. وهو قولُ عامَّةِ أهل العلم من السَّلف والخلف. وتُوزَّعُ على الأحرار،
البالغين، الأغنياء، الذكور. فلا تؤخذ من عبدٍ، ولا من صبيٍّ، ولا من امرأةٍ، ولا
من فقيرٍ بالإجماع على ما حكاه ابنُ المنذر. واختلفوا في قدر ما يوزَّع على مَنْ
یُطالَبُ بها.
فقال الشافعيُّ: من کثر ماله أخذ منه نصف دینار، ومن کان دونه ربع دینارٍ،
لا ينقص منه، ولا يزاد عليه. وحكى أبو ثور عن مالكِ: أنَّه قال: على كلِّ رجلٍ
ربعُ دينار. وبه قال أبو ثور. وقال أحمد: يحملون بقدر ما يطيقون. وقال
أصحابُ الرأي: ثلاثة دراهم، [أو أربعة دراهم](٣) .
قلتُ: والقولُ ما قاله أحمد. فإنَّ التحدیدَ یحتاجُ إلى شرعٍ جدید.
و (قوله: استشار عمر بن الخطّاب النَّاسَ في مِلاَصِ المرأة) كذا صحيحُ
الرواية: (ملاص) من غير ألف. وقد وقع في بعض نسخ الأئمة: (إملاص) وكذا
قيَّده الحميدي. وكلاهما صحيحٌ في اللغة. فإنَّه قد جاء: أملص، وملص: إذا
أفلت. قال الهروي: وسئل عن إملاص المرأة الجنين قال: يعني: أن تزلقه قبل
(١) في حاشية (م): عليها، بمعنى لها، وهي المضروبة.
(٢) رواه الترمذي (٢١١١).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ج ٢).

٦٩
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
فيه بغرةٍ: عبدٍ أو أمةٍ. قال: فقال عمر: ائتني بمن يشهد معك. قال:
فشهد له محمد بن مسلمة .
رواه أحمد (٢٤٤/٤)، والبخاريُّ (٦٩٠٥)، ومسلم (١٦٨٣)،
وابن ماجه (٢٦٤٠).
وقت الولادة. وكلُّ ما زلق من اليد فقد ملِص يملَص. ومنه حديث الدَّجال:
وأملصت به أمُّه(١). قال أبو العبّاس: يقال: أملصت به. وأزلقت به. وأسهلت
به .
قلتُ: وإملاص فيما حكاه الهروي عن عمر هو المصدر؛ لأنَّه ذكر بعده
الجنين، وهو مفعوله. وفيما ذكره مسلم(٢): (ملاص) ويعني به: الجنين نفسه،
فلا يتعدَّى هنا لأنَّه نقل من المصدر المؤكد، فسمِّي به. فإنَّ أصله: ملِص يملَص
ملاصاً؛ كـ (لزِم، يلزم، لزاماً).
وفيه من الفقه: الاستشارة في الوقائع الشَّرعية، وقبول أخبار الآحاد،
والاستظهار بالعدد في أخبار العدول. وليس ذلك عن شكٍّ في العدالة، وإنَّما هو
استزادةُ يقينٍ، وطمأنينةُ نفس. ولا حيَّة فيه لمن يشترط العدد في قبول أخبار
الآحاد؛ لأنَّ عمر - رضي الله عنه - قد قبل خبرَ الضخَّاك وغيره من غير استظهار.
والله تعالى أعلم(٣).
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (٣٥٦/٤).
(٢) من (ج ٢).
(٣) في (ع): ورد بعد هذا الكتاب: كتاب الضحايا، وهو مخالف لترتيب التلخيص والنسخ
المخطوطة.

٧٠
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
(٢٣)
كتاب الحدود
(١) باب
حدّ السَّرقة وما يقطع فيه
[١٧٧٤] عن عائشة قالت: كان رسول الله وَ ﴿ يقطع السارقَ في ربع
دينارٍ فصاعداً.
رواه أحمد (٣٦/٦)، ومسلم (١٦٨٤) (١)، وأبو داود (٤٣٨٣)،
والترمذيُّ (١٤٤٥)، والنَّسائيُّ (٧٩/٨)، وابن ماجه (٢٥٨٥).
(٢٣)
كتاب الحدود(١)
هي: جمع حدٍّ. وأصل الحدِّ: المنع حيث وقع وإن اختلفت أبنيته وصِيَغُه.
وسميت العقوبات المترتبة على الجنايات: حدوداً؛ لأنَّها تمنع من عود الجاني
ومن فعل المعتبر بها .
(١) ومن باب: حدّ الشَّرِقة وما يُقْطَع فيه
تعريف السرقة
والسارق
السَّرِقةُ والسَّرِق - بكسر الراء فيهما -: هو اسم الشيء المسروق، والمصدر
من (سرَق، يسرِق): سَرَقاً - بفتح الرَّاء - كذا قاله الجوهريُّ. وأصلُ هذا اللفظ إنَّما
هو: أخذُ الشيء في خُفْيَةٍ. ومنه: استرق السمع. وسارقه النظر. قال ابنُ عرفة:
(١) في ((ع)): تقديم كتاب الضحايا على كتاب الحدود.

٧١
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
[١٧٧٥] وعنها: أنَّها سمعتْ رسول الله وَ﴿ يقول: ((لا تقطع يدُ
السارق إلا في ربع دينارٍ فصاعداً).
رواه مسلم (١٦٨٤) (٣)، والنسائي (٨١/٨).
السارقُ عند العرب هو: من جاء مستتراً إلى حرزٍ فأخذ منه ما ليس له. فإن أخذ
من ظاهرٍ فهو مختلس، ومستلب، ومنتهب، ومحترسٌّ. فإنْ منع مما في يده فهو
غاصبٌ له.
قلتُ: وهذا الذي قاله ابنُ عرفة هو السارقُ في عُرف الشّرع.
ويستدعي النَّظر في هذا الباب النَّظر في: السَّارق، والمسروق منه، والشيء
المسروق، وحكم السَّارق. ولا خلافَ في أنَّ السَّارقَ إذا كملتْ شروطُه يقطع دون يُقطع السارق
الغاصب، والمختلس، والخائن. وفيمن يستعيرُ المتاع فيجحده(١) خلافٌ شادٌّ، دون الغاصب
حكي عن أحمد، وإسحاق، فقالا: تقطع. والسَّلفُ والخلفُ على خلافهما.
وسيأتي القولُ في حديث المخزوميَّة(٢).
وإنَّما خصَّ الشَّرعُ القطعَ بالسَّارق لأنَّ أخذ الشيء مجاهرةً يمكن أن يسترجعَ انفراد السرقة
منه غالباً. والخائن مكَّنه ربُّ الشيء منه، وكان متمكناً من الاستيثاق بالبيئة. بقطع اليد
وكذلك المعير. ولا يمكن شيءٌ من ذلك في السَّرقة، فبالغ الشَّرعُ في الزَّجر عنها؛
لما انفردت به عن غيرها بقطع الید.
وقد أجمع المسلمون: على أنَّ اليمنى [تقطع إذا وجدت؛ لأنها الأصلُ في اليمنى هي
التي تقطع
محاولة كل الأعمال.
و (قول عائشة - رضي الله عنها -: كان رسولُ الله ◌َيَوْ](٣) يقطع في ربع دينارٍ ما تُقطع فيه
يد السارق
(١) ليست في (ج ٢).
(٢) سيأتي في التلخيص برقم (٢٠٧٨ و٢٠٧٩).
(٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع).

٧٢
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
[١٧٧٦] وعن ابن عمر: أنَّ رسول الله ◌َّ﴿ قطع سارقاً في مِجَنِّ
قیمتُهُ ثلاثةُ دراهِمَ.
رواه أحمد (٨٠/٢)، والبخاريُّ (٦٧٩٧)، ومسلم (١٦٨٦) (٦)،
وأبو داود (٤٣٨٦)، والنسائيُّ (٧٧/٨)، وابن ماجه (٢٥٨٤).
فصاعداً)). وفي الطَّريق الأخرى: ((لا تُقْطَعُ يَدُ السَّارق إلا في ربع دينارٍ فصاعداً)).
هذا تقريرٌ لقاعدة ما تُقطع فيه يدُ السَّارق من النبيِّ مَ ﴿ وبلفظه. لكنَّه ظاهرٌ فيما إذا
كان المسروقُ ذهباً، فلو كان غيرَ ذهبٍ، وكان فضةً، فهل يُعتبر قيمتها بالذَّهب؛
فإنْ سُوِيت ربعَ دينارٍ فصاعداً قُطع فيها، أو إنما تُعتبر بنفسها؛ فإذا بلغت ثلاثة
دراهم وزناً قطع فيها؛ فيكون كلُّ واحدٍ من الذَّهب والفضَّة أصلاً معتبراً بنفسه؟
قولان :
الأول: للشافعيِّ، والأوزاعيِّ، واللیثِ بن سعدٍ، وأبي ثورٍ، وهو مرويُّ عن
عمرَ، وعليٍّ، وعثمان، وبه قالت عائشةُ، وعمرُ بن عبد العزيز. والثاني لمالك
وأصحابه.
وقال أحمد، وإسحاق: إن سرقَ ذهباً فربعُ دينار وإن سرقَ غير الذهب
والفضة فكانت قيمتُه ربعَ دينارٍ، أو ثلاثةَ دراهمَ من الوَرِقِ. وهذا نحوٌ ممّا صارَ
بِمَ إليه مالكٌ في أحدِ القولين. وفي المشهور: أنَّه إنَّما تقوَّم العروض بالدراهم، كما
تُقرَّم قال في حديث ابن عمر. وقال بعضُ أصحابنا: يُقوَّم بالغالب في موضع السَّرقة من
المسروقة؟ الذهب والفضَّة كما تقوَّم المتلفات. وهو القياس. وهذان القولان ناشئان من
العروض
حديثي عائشة، وابن عمر المذكورين في هذا الباب. وقد نُقلت أقوالٌ عن كثيرٍ من
السلف والعلماء في تحديد نصاب السَّرقة لم يثبت فيها عن النبيِّ ◌َّ حديث
مُعْتَمَدٌ، ولا لها في الأصول ظاهر مُستندٍ. فمنها ما روي عن عمر. وقال به
سليمان بن يسار، وابن شبرمة. وهو: أن الخمسَ لا تُقطع إلا في خمْسٍ. ومنها:

٧٣
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
[١٧٧٧] وعن أبي هريرة، قال: قال رسول الله وَ له: ((لعن الله
السَّارق يسرق البيضة فتقطع يده، ويسرق الحبل فتقطع يده)).
أنَّها لا تُقطع إلا في عشرة دراهم. وبه قال عطاء، والنُّعمان، وصاحباه. ومنها:
أنها تُقطع في أربعة دراهم فصاعداً. وهو مرويٍّ عن أبي هريرة، وأبي سعيدٍ.
ومنها: أنها تُقطع في درهم فما فوقه، وهو مروي عن عثمان. ومنها: أنَّها تُقطع
في كلِّ مالَه قيمةٌ، ورُوي عن الحسن في أحد أقواله، وهو قول الخوارج، وأهلُ
الظَّاهر. [واختاره ابن بنت الشافعي] (١). ومنها: أنها لا تُقطع في أقل من
درهمين، وروي عن الحسن. ومنها: أنها لا تُقطع في أقلّ من أربعينَ درهماً، أو
أربعة دنانير. وروي عن النخعيّ.
قلتُ: وهذه كلها أقوال متكافئةٌ، خليةٌ عن الأدلة الواضحة الشَّافية،
ولا يصحّ ما رواه الحجّاج بن أرطاة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه مرفوعاً:
(لا تُقطع يدُ السَّارق في أقلَّ من عشرة دراهم))(٢) لضعف إسناده، ولما يُعارضُه من
قوله في الصحيح: ((لا تُقطع يدُ السَّارق إلا في ربع دينارٍ فصاعداً). ولا حجَّة لمن
احتجَّ بقوله ◌َّهِ: ((لعنَ اللَّهُ السَّارقَ يسرقُ البيضة فتُقطعُ يدُه ويَسرقُ الحبلَ فتُقطع
يده)». لأنَّه وإن احتمل أن يُرادَ بالبيضة بيضة الحديد، وبالحبل حبلَ السُّفُن، كما قد
قيل فيه: فالأظهر من مساقه: أنَّه يُراد به التقليل، لكن أقلُّ ذلك القليل مقيَّدٌ بقوله:
(لا تُقطع يدُ السَّارق إلا في ربع دينارٍ)) وهذا نصٌّ، وبقول عائشة: لم تكن يدُ
السَّارق تُقطع في الشيء الثَّافه. خرَّجه البخاريُّ(٣) وغيره. وهذا منها خبرٌ عن عادة
الشّرع الجارية عندهم. ومعلومٌّ: أنَّ الواحدة من بيض الدَّجاج، والحبل الذي يُشدُّ
(١) ما بين حاصرتين زيادة من (ج ٢).
(٢) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٦/ ٢٧٣).
(٣) ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ١٠٤) بلفظ: ((إن اليد لا تقطع في الشيء التافه))
عن عائشة رضي الله عنها.

٧٤
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
وفي روايةٍ: ((إنْ سرق حبلاً وإن سرق بيضة)).
به المتاع والرَّحل تافهً. وإنما سلكَ النبيُّ ◌َ﴿ في هذا الحديث مسلكَ العرب فيما
إذا أغيت في تكثير شيءٍ أو تحقيره، فإنَّها تذكرُ في ذلك ما لا يصحُ وجودُه، أو
ما يندُر وجودُه إبلاغاً في ذلك، فتقول: لأَصْعَدَنَّ بفلانٍ إلى السَّماءِ، ولأهبطنَّ به
إلى تُخوم الثرى. وفلانٌ مَناطُ الثريا. وهو منِّي مقعدَ القابلة. ومن بنى لله مسجداً
ولو مِثْلَ مِفْحَص قطاة بُني له بيتٌ في الجنَّة. ولا يُتصوَّر مسجدٌ مثل ذلك.
وتصدَّقن ولو بظلف محرَّقٍ. وهو ممَّا لا يُتَصدَّقُ به. ومثل هذا كثير في كلامهم،
وعادةٌ لا تُستنكر في خطابهم. وقيل في الحديث: إنَّه إذا سرقَ البيضة أو الحبل
ربما حملَه ذلك على أن يسرقَ ما يُقطعُ فيه، لأنه ربما يجترىء على سرقة غيرهما،
فيعتادُ ذلك فتُقطُ يده.
و (قوله: ((لعن الله السَّارقَ))) أي: أبعدَه الله. وقد تقدَّم: أنَّ أصل اللعن:
جواز لعن الطَّرد، والبعدُ. وفيه ما يدلُّ: على جواز لعن جنس العصاة؛ لأنَّه لا بدَّ أن يكون
في ذلك الجنس من يستحقُّ ذلك اللعن، أو الذَّمَّ، أو الدُّعاء عليه. وليس كذلك
جنس العصاة
العاصي المعيَّن؛ لأنَّه قد لا يستحقُّ ذلك، فيعلم اللَّهُ أنَّه يتوبُ من ذلك،
فلا يستحقُّ ذلك اللَّعنَ بذلك.
وقد ذهب بعضُ النّاس: إلى أنَّه يجوزُ لعن المعيَّن من أهل المعاصي ما لم
يُحَدَّ. فإذا حُدَّ لم يجزْ؛ لأنَّ الحدودَ كفارةٌ. وهذا فاسدٌ؛ لأنّ العاصي المؤمن لم
حُكْم لعن يخرجْ بمعصيته عن اسم المؤمن. وقد قالَ وَّهِ: ((لعنُ المؤمن كقتله))(١). وقد نهي
المؤمن
عن اللعن. وهو كثير. وقد نهى النبيُّ ◌َ له عن لعن الملقب بـ (حِمَار)؛ الذي كان
يشرب الخمر كثيراً، فلعنه بعضهم، فنهاهم النبيُّ ◌َليه عن لعنه(٢). وهو صحيحٌ
(١) رواه البخاري (٦٦٥٢)، ومسلم (١١٠)، وأبو داود (٣٢٥٧)، والترمذي (٢٦٣٨)،
والنسائي (٥/٧ -٦).
(٢) رواه البخاري (٦٧٨٠).

٧٥
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
رواه البخاريُّ (٦٧٨٣)، ومسلم (١٦٨٧) (٧)، والنسائيُّ (٦٥/٨).
نصٌّّ في الباب. وفرقٌ بين لعن الجنس والشَّخص: لأنَّ لعن الجنس تحقيقٌ
وتحذير، ولعن الشخص حسبانٌ(١) وتعيير. وأمَّا الكافر فلا حرمة له. ويجب
الكفُّ عن أذى من له ذمَّة. ولا حيَّة لمن رأى: أنّه لا تُقطع الخمس إلا في خمسٍ
بما رواه أنس عن أبي بكرٍ: أنَّه قطعَ في خمسةِ دراهمَ؛ لأنَّه ليس فيه دلالةٌ: على
أنَّ هذا أقلُّ ما يُقطع فيه، ولو كان نصاً لما كان معارضاً لقوله وَله: ((لا تُقطع يدُ
السَّارق في أقلّ من ربع دينارٍ)). فإنَّ هذا نصٌّ من النبيِّ وَلِّ فلا يُعارضُ بغيره.
واختلفَ العلماءُ في الحدِّ الذي تقطعُ منه اليدُ. وفيمن قُطعت يدُه ثمَّ سرقَ؛
ما الذي يُقطع له؟ وفيمن كانت له يمينٌ شلَّهُ. فهذه مسائل:
الأولى: لا خلاف: أن اليمين هي التي تُقطع أولاً. ثمَّ اختلفوا إن سرقَ ما يُقْطع ممّن
ثانيةً. فقال مالكٌ، وأهلُ المدينة، والشافعيُّ، وأبو ثورٍ، وغيرهم: تُقطع رجلهُ كرّر السرقة
اليسرى، ثمَّ في الثالثة يدُه اليسرى، ثمَّ في الرابعة رجله اليمنى، ثمَّ بعد هذا يُعزَّر
ويُحبس. قال أبو مصعب من أصحابنا: يُقتل بعد الرابعة. وقد ثبتَ عن أبي بكرٍ
وعمر: أنَّهما قطعًا اليدَ بعد اليَدِ، والرِّجْلَ بعد الرِّجل. وقيل: تُقْطَعُ في الثانية رجلُهُ
اليُسْرَى، ثمَّ لا قطعَ في غيرها، فإن عادَ حُبِسَ، وعُزِّرَ. رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وبه
قال الزُّهريُّ، وحمَّادٌ، وأحمدُ. فلو كانت اليُمنى شلاَء، أو مقطوعةً أكثر الأصابع،
أو لا يمينَ له - وهي المسألة الثانية - ففيه عن مالكِ روايتان. إحداهما: تُقطع يدُه السارق الذي
اليسرى. والأخرى: رجله اليُسرى. وقال الزُّهريُّ: تُقطع الشلّء؛ لأنها جمال. لا يمين له
وبه قال إسحاق، وأبو ثور. وقال أحمد: إذا كان يُحرِّكها قُطعت. وعند الحنفية
تفصيلٌ بعيد التحصيل (٢).
(١) (الحُسبان)): العذاب والبلاء.
(٢) في (ع) و(ل ١): تفصيل طويل.

٧٦
(٢٣) كتاب الحدود - (١) باب: حد السرقة وما يقطع فيه
إلی أین تُقطع يد
السارق؟
ثم إلى أين تُقطع؟ - وهي المسألة الثالثة - فعند الكافة: تُقطع اليد من الرُّسغ،
والرِّجْلُ من المفصل. وهو مروي عن عمر، وعثمان - رضي الله عنهما -. وقال عليٍّ
- رضي الله عنه -: تُقطع الرَّجل من شطر القدم، ويُترك له العقبُ، وبه قال أحمد،
وأبو ثور. وقيل: تُقطع اليدُ إلى المِزْفق. وقيل: إلى المَنْكِب. وهما شاذَّان.
تنبيه: آية السَّرقة وردت عامةً مطلقةً، لكنَّها مخصَّصةٌ مقيدة عند كافة
العلماء؛ إذ قد خرجَ من عموم السَّارق من سرقَ ملكه، ومن سرق أقلّ من نصابٍ،
حُكْم من سرق وغيرَ ذلك. وتقيَّدت باشتراط الحِزْزِ، فلا قطعَ على من سرق شيئاً من غير حرزٍ
من غير حِرْز بالإجماع إلا ما شذَّ فيه الحَسن، وأهلُ الظاهر، فلم يشترطوا الحِرْزَ. وقد روى
النسائيُّ من حديث رافع بن خديج: أنَّ رسولَ اللهِ ◌ِّ قال: ((لا قطعَ في كَثَرٍ ولا
ثمَرٍ))(١)، والكَثَرُ: الجُمَّار (٢). ورَوى من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن
جدِّه: ((أنّه سئل عن الثمر المعلَّق؛ فقال: من أصابَ منه من ذي حاجةٍ غير متخذٍ
خُبْنَةً فلا شيءَ عليه، ومن خرج بشيءٍ منه فعليه غرامةُ مثليْه والعقوبة، ومن سرق
شيئاً منه بعد أن يؤويه الجرين(٣) فبلغَ ثمن المجنِّ فعليه القطع، ومن سرق دون
ذلك فعليه غرامة مثليه والعقوبة))(٤). وفي روايةٍ: ((وليس في الماشية قطعٌ إلا فيما
آواه المرَاحِ فبلغَ ثمن المِجَنِّ ففيه قطعُ اليد، وما لم يبلغ ثمن المِجنِّ ففيه غرامة
مثليه وجلداتٌ))(٥). قال أبو عمر: قوله: وغرامة مثليْه: هو منسوٌ. ولا أعلمُ
أحداً من الفقهاء قال به إلا رواية أحمد. ومحمل هذا على التشديد، والعقوبة.
وأبو عمر يُصحِّح حديثَ عمرو بن شعيب إذا كان الرَّاوي عنه ثقةٌ، والرَّاوي عنه
(١) رواه النسائي (٨٧/٨).
(٢) ((الكَثَر)) بفتحتين: جُمَّار النخل، وهو شحمه الذي وسط النخلة.
(٣) (الجرين)): البيدر، وموضع تجفيف الثمار.
(٤) رواه النسائي (٨٥/٨).
(٥) رواه النسائي (٨٦/٨).

٧٧
(٢٣) كتاب الحدود - (٢) باب: النهي عن الشفاعة في الحدود
(٢) باب
النهي عن الشَّفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام
[١٧٧٨] عن عائشة: أنَّ قريشاً أهمَّهم شأنُ المخزوميةِ التي سرقت،
فقالوا: من يكلم فيها رسولَ الله وَله؟ ومن يجترىء عليه إلا أسامة حِبُّ
لهذا الحديث ابن عجلان، وهو ثقةٌ. وإذا تقرَّر اشتراط الحِرْزِ في السَّرقةِ: فالحِرزُ
عبارة عن المحلِّ الذي يُحفظ فيه ذلك الشيءُ عادة. ثم هو مختلف بحسب اختلاف
الشيء المُخرَز. وتفصيلُ ذلك وبقية ما يتعلَّق بالسَّرقةِ في الفروع.
(٢) ومن باب: النهي عن الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام
(قوله: إنَّ قريشاً أهمَّهم شأنُ المخزومية التي سَرَقتْ) هذا هو الصحيح: أنَّ سبب قطع يد
هذه المرأة سرقت، وقطعت يدها لأجل سرقتها، لا لأجل جحد المتاع. ويدلُّ على
صحة ذلك أربعة أوجهٍ:
المرأة المخزومية
أولها: إنَّ رواية مَن روى: أنها سرقت؛ أكثر وأشهر من رواية من قال: إنَّها
كانت تجحدُ المتاع. وإنَّما انفرد مَعْمَرٌ بذكر الجحد وحدَه من بين الأئمة الحفّاظ،
وقد تابعه على ذلك مَنْ لا يعتدُّ بحفظه كابن أخي ابن شهابٍ ونمطه. هذا قولُ
المحدِّثين.
ثانيها: إنَّ مَعْمَراً وغيرَه ممَّن روى هذه القضية متفقٌ: على أنَّ النبيَّ ◌َّ قال
- حيث أنكر على أسامة -: ((لو أن فاطمة سرقت لقطعتُ يدها)) ثم أَمَرَ بيد المرأة
فقطعت. وهذا يدلُّ دلالة قاطعةً: على أنَّ المرأة قُطِعت في السَّرقة؛ إذ لو كان
قطعها لأجل جحد المتاع لكان ذِكْرُ السَّرقةِ هنا لاغياً، لا فائدة له، وإنّما كان
يقول: لو أنَّ فاطمة جحدتِ المتاعَ لقطعتُ يدها.
وثالثها: إنَّ جاحدَ المتاع خائن، ولا قَطْع على خائنٍ عند جمهور العلماء

٧٨
(٢٣) كتاب الحدود - (٢) باب: النهي عن الشفاعة في الحدود
رسولِ اللهِ ﴾؟! فكلَّمهُ أسامةُ. فقال رسول الله وَّهِ: ((أتشفع في حدٍّ من
حدودالله؟!))
خلافاً لما ذهب إليه أحمد بن حنبلٍ، وإسحاق بن راهويه؛ لقوله ◌َلقر فيما رواه
الترمذيُّ من حديث جابرٍ مرفوعاً: ((ليس على خائنٍ، ولا منتهبٍ، ولا مختلِسٍ
قطع))(١). وقال: هذا حديث حسنٌ صحيح. وهذا نصٌّ. ولأنّه لو كان في جَخد
المتاع قطعٌ لكان يلزمُ القطع على كلٌّ من جحد شيئاً من الأشياء ثمَّ ثبت عليه.
وهذا لا قائلَ به فيما أعلم.
ورابعها: إنَّه لا تعارض بين رواية من روى: (سَرَقَتْ) ولا بين رواية من
روى: (جَحَدَتْ ما استعارت)؛ إذ يمكنُ أن يقال: إنَّ المرأةَ فعلت الأمرين، لكن
قطعتْ في السرقة، لا في الجحد، كما شهد به مساقُ الحديث، فتأمله(٢).
و (قوله وَيقول: ((أتشفعُ في حدٍّ من حدود الله؟!))) إنكار على أسامة، يُفهم
تحريم الشفاعة منه: تحريم الشفاعة في الحدود إذا بلغت الإمام، فَيَخْرُمُ على الشَّافع وعلى
في الحدود إذا المشفَّع، وهذا لا يختلفُ فيه. وقد ذكر الدارقطني عن عروة بن الزبير قال: شفع
بلغت الإمام
الزبيرُ في سارقٍ، فقيل: حتى نُبُلغَهُ الإمام. قال: إذا بلغ الإمام فلعن اللَّهُ الشافع
والمشَفَّع، كما قال رسول الله وَاجٍ(٣). ورواه مالكٌ عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن:
أنَّ الزبير قال ذلك، ولم يذكر النبيَّ وَلي(٤). والموقوف هو الصحيح.
(١) رواه الترمذي (١٤٤٨).
(٢) جاء في حاشية (م): وجه خامس وهو: أنَّ قولها: كانت تستعير المتاع وتجحده
تعريف لها. أي: أن المرأة التي كانت تستعير المتاع سرقت. كما يقال: المرأة التي
تغزل الحرير - مثلاً - سرقت، فحذف لفظ (سرقت) لدلالة الروايات عليه. وفي
الحديث نفسه ما يدل عليه. وقد جاء صريحاً أنها سرقت قطيفة من بيت رسول الله وَلي
فقطعت لذلك. ذكره الخطابي في ((المعالم)).
(٣) رواه الدار قطني (٣٠٥/٣).
(٤) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٨٣٥).

٧٩
(٢٣) كتاب الحدود _ (٢) باب: النهي عن الشفاعة في الحدود
ثم قام فاختطب فقال: ((يا أيُّها الناس إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا
سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحدَّ.
وايم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعتُ يدها)).
وفي روايةٍ: فتلوَّن وجهُ رسولِ الله وَ له فقال: ((أتشفع في حدّ من
حدود الله؟!)) فقال أسامة: استغفر لي يا رسول الله! وفيها: ثُمَّ أَمَرَ بتلك
المرأةِ الَّتي سرقت فَقُطِعَتْ يَدُها .. قالت عائشةُ: فَحَسُنَتْ توبتُها بعدُ،
وتزوَّجت، وكانت تأتيني بعد ذلك فأرفع حاجتها إلى رسول الله وَله.
رواه البخاريُّ (٣٤٧٥)، ومسلم (١٦٨٨)(٨ و٩)، وأبو داود (٤٣٧٣)،
والترمذيُّ (١٤٣٠)، والنسائيُّ (٧٣/٨)، وابن ماجه (٢٥٤٧).
وأمَّا الشَّفاعة قبل بلوغ الإمام: فقد أجازَها أكثرُ أهل العلم لما جاء في السَّتْر الشفاعة قبل
على المسلم مطلقاً، لكن قال مالك: ذلك فيمن لم يُعْرَفْ منه أذىّ للنَّاس، فأمَّا مَنْ بلوغ الحدّ
عُرِفَ منه شرّ، وفسادٌ: فلا أحبُّ أنْ يُشفع فيه. وأمَّا الشَّفاعة فيما لَيس فيه حدٍّ
الإمام
وليس فيه حقٌّ لآدميٍّ، وإنَّما فيه التعزيرُ فجائزة عند العلماء بلغ الإمام أم لا.
و (قوله: ((إنَّما أهلك الذين قبلكم أنَّهم كانوا إذا سرق فيهم الشّريفُ تركوه،
وإذا سرق فيهم الضعيفُ أقاموا عليه الحدَّ)) تهديدٌ، ووعيدٌ شديدٌ على ترك القيام الوعيد الشديد
بالحدود، وعلى ترك التسوية فيما بين الدنيء والشريف، والقويِّ والضعيف. على ترك القيام
ولا خلافَ في وجوب ذلك. وفيه حُبَّةٌ لمن قال: إنَّ شَرْعَ مَن قبلنا شرعٌ لنا.
بالحدود
و (قوله: ((لو أنَّ فاطمة سرقتْ لقطعتُ يدها))) إخبارٌ عن مقدَّرٍ يفيدُ القطع التسوية
بأمرٍ محققٍ. وهو وجوبُ إقامة الحدِّ على البعيد والقريب، والبغيض والحبيب، في إقامة
الحدود
لا تنفع في ذرِّيةِ شفاعةٌ، ولا تحولُ دونه قرابةٌ ولا جماعةٌ.
صحة توبة
و (قولها: فحسنت توبتها، وتزوَّجتْ ... إلى آخره) يدلُّ: على صحة توبة السارق

٨٠
(٢٣) کتاب الحدود ۔ (٣) باب: حد البکر والثيب إذا زنيا
[١٧٧٩] وعنها، قالت: كانت امرأةٌ مخزوميةٌ تستعير المتاعَ
وتجحده، فأمر النَّبِيُّ وَّ بقطع يدها، فأتى أهلُها أسامةَ فكلَّموه، فكلّم
رسول الله وَ﴾. ثمَّ ذكر نحو الأول.
رواه مسلم (١٦٨٨) (١٠)، وأبو داود (٤٣٧٤).
(٣) باب
حدِّ البکر والثێِّب إذا زنيا
[١٧٨٠] عن عبادةَ بن الصَّامت قال: قال رسول الله وَله: ((خذوا
عنّي، خذوا عنّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً؛ البكر بالبكر جلد مئةٍ ونفي
السّارق، وأنَّها ماحيةٌ لإثم السَّرقة، وللمعرّة اللاحقة، فيحرم تعبيره بذلك . أو يعاب
عليه شيء مما كان هنالك. وهكذا حكمٌ أهل الكبائر إذا تابوا منها، وحسنت
أحوالهم بعدها، تُسْمَعُ أقوالُهم، وتُقْبَلُ شهادتهم. وهذا مذهبُ الجمهور، غير أنَّ
أبا حنيفة قال: لا تقبل شهادة القاذف المحدود مطلقاً وإن تاب. وقال مالك:
لا تُقْبَلُ شهادةُ المحدود فیما حُدَّ فيه، وتقبل في غيره.
(٣) ومن باب: حدّ البِكْرِ والنَُّّبِ إذا زَنَيا
(قوله وَلاير: ((خذوا عنِّي، خذوا عنِّي، قد جعل الله لهنَّ سبيلاً))) أي: افهموا
أحکام
حدّالزناة عنِّي تفسير السبيل المذكور في قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَ فِ الْبُيُوتِ حَقَّ يَتَوَفَّهُنَّ
المحصنين
الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لَهُنَّسَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥]، واعملوا به. وذلك: أنَّ مقتضى هذه
الآية: أن من زنى حُبٍس في بيته إلى أن يموت. كذا قاله ابن عباسٍ في النساء،
وحكي عن ابن عمر: أنَّ ذلك حكم الزانيين. يعني: الرَّجل والمرأة. فكان ذلك