Indexed OCR Text
Pages 41-60
٤١
(٢٢) كتاب القسامة - (٦) باب: لا يحل دم امرىء مسلم إلا بإحدى ثلاث
لأنَّه كان أولَ من سنَّ القتل)).
رواه أحمد (٣٨٣/١)، والبخاري (٣٣٣٥)، ومسلم (١٦٧٧)،
والنسائي (٨٢/٧)، وابن ماجه (٢٦١٦).
يَشْفَعَ شَفَعَةٌ سَيِّئَةٌ يَكُنْ لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا﴾ [النساء: ٨٥] أي: نصيب. وقال الخليل:
الكفل من الأجر والإثم: الضعف.
و (قوله: ((لأنَّه أولُ من سنَّ القتل») نصٌّ على تعليل ذلك الأمر؛ لأنَّه لما عقوبة من سنَّ
كان أولَ من قتل كان قَتْلُه ذلك تنبيهاً لمن أتى بعده، وتعليماً له. فمن قَتَلَ كأنَّه في الإسلام سُنَّةً
سيئة
اقتدى به في ذلك، فكان عليه من وزره. وهذا جارٍ في الخير والشَّرِّ؛ كما قد نصَّ
عليه النبيُّ وَ﴿ في الحديث المتقدِّم بقوله: ((من سنَّ في الإسلام سنَّةً حسنةً كان له
أجرها، وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. ومن سنَّ في الإسلام سنَّةً سيئةً كان
عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة))(١). وبهذا الاعتبار يكون على
إبليس كفلٌ من معصية كلِّ من عصى بالسجود؛ لأنه أول من عصى به. وهذا - والله
أعلم - ما لم يتبْ ذلك القاتلُ الأول من تلك المعصية؛ لأن آدم - عليه السّلام - أول
من خالف في أكل ما نُهِيَ عنه، ولا يكون عليه شيءٌ من أوزار من عصى بأكل
ما نهي عنه، ولا شربه ممن بعده بالإجماع؛ لأنَّ آدم عليه السلام تاب من ذلك،
وتاب الله عليه، فصار كأن لم يَجْنِ؛ فإنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له.
والله تعالى أعلم.
وابنُ آدم المذكور هنا هو: قابيل، قَتَل أخاه هابيل لمَّا تنازعا تزويج إقليمياء،
فأمرهما آدم أن يقرِّبا قرباناً، فمن تُقُبَّل منه قربانه؛ كانت له. فتُقُبِّل قربان هابيل،
فحسده قابيل، فقتله بغياً وعدواناً. هكذا حكاه أهلُ التفسير.
(١) رواه مسلم (٢٦٧٤)، وأبو داود (٤٦٠٩)، والترمذي (٢٦٧٦).
٤٢
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
[١٧٦٩] وعنه، قال: قال رسول الله وَله: ((أولُ ما يُقْضَى بين النَّاس
يومَ القيامة في الدِّماء)».
رواه أحمد (٤٤٠/١)، والبخاري (٦٨٦٤)، ومسلم (١٦٧٨)،
والترمذي (١٣٩٧)، والنسائي (٨٣/٧)، وابن ماجه (٢٦١٧).
(٧) باب
تحريم الدماء والأموال والأعراض
[١٧٧٠] عن أبي بكرة، عن النبيِّ وَ ﴿ُ أنَّه قال: ((إنَّ الزمان قد
استدار كهيئته يوم خلق اللَّهُ السمواتِ والأرض.
تعظيم أمر
الدماء في
الإسلام
و (قوله: ((إنَّ أول ما يقضى بين النَّاس يوم القيامة في الدِّماء))) هذا يدلُّ:
على أنّه ليس في حقوق الآدميين أعظم من الدِّماء. ولا تعارض بين هذا وبين
قوله ﴿: ((أول ما يُحاسَبُ به العبدُ مِن عمله الصلاةُ) (١)؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما أوَّلٌ
في بابه. فأولُ ما ينظر فيه من حقوق الله الصلاة. فإنَّها أعظمُ قواعد الإسلام
العمليّة. وأول ما ينظر فيه من حقوق الآدميين الدِّماء؛ لأنَّها أعظمُ الجرائم. وقد
تقدَّم هذا في كتاب الصلاة.
(٧) ومن باب: تحريم الدِّماء والأموال والأعراض
(قوله: ((إنَّ الزَّمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض»)
اختلف في (معنى هذا اللفظ)(٢) على أقوالٍ كثيرةٍ. وأشبه ما فيها ثلاثة أقوالٍ:
معنى استدارة
الزمان
(١) رواه النسائي (٧/ ٨٣).
(٢) في (ع): هذا المعنى.
٤٣
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
أحدها: قاله إياس بن معاوية، وذلك: أنَّ المشركين كانوا يحسبون السَّنة
اثني عشر شهراً وخمسة عشر يوماً، فكان الحُّ يكون في رمضان، وفي ذي
القعدة، وفي كلِّ شهرٍ من السَّنة [بحكم استدارة الشهر بزيادة الخمسة عشر يوماً،
فحجَّ أبو بكرٍ - رضي الله عنه - سنة تسعٍ في ذي القعدة](١) بحكم الاستدارة، ولم
يحج النبيُّ ◌َ﴿. فلما كان في العام المقبل وافق الحجُ ذا الحجَّة في العشر، ووافق
ذلك الأهلة. وقد رُويَ أنَّ أبا بكرٍ إنَّما حجَّ في ذي الحجة .
الثاني: روي عن ابن عباس: أنَّه قال: كانوا إذا كانت السَّنَةُ التي ينسأ فيها،
قام خطيبهم وقد اجتمع إليه النّاسُ يوم الصَّدَر فقال: أيها الناس: إني قد نسأت
العام صَفَراً الأول. يعني: المحرّم. فيطرحونه من الشهور، ولا يعتدُّون به.
ويبدؤون العِدَّة، فيقولون لصفرٍ وشهر ربيع الأول صفران، ولربيع الآخر وجمادى
الأولى: شهرا ربيع، ولجمادى الآخرة ورجب: جماديان، ولشعبان: رجب،
ولرمضان: شعبان،، وهكذا إلى محرَّم. ويبطلون من هذه السَّنة شهراً فيحجون في
كل شهرٍ حجتين. ثم ينسأ في السَّنة الثالثة صفراً الأوّل في عدَّتهم، وهو الآخر في
العدَّة المستقيمة، حتى تكون حجتهم في صفرٍ حجتين. وكذلك الشُّهور كلُها حتّی
يستدير الحجُّ في كل أربعٍ وعشرين سنةً إلى المحرَّم الشهر الذي ابتدؤوا فيه النّساء.
ونحوه قال ابن الزبير، إلا أنَّه قال: يفعلون ذلك في كلِّ ثلاث سنين، يزيدون
شهراً. قيل: وكانوا يقصدون بذلك موافقة شهور العجم لشهور الأهلة حتَّى تأتي
الأزمان واحدةً.
الثالث: قيل: كانت العرب تحتجُّ عامين في ذي القعدة، وعامين في ذي
الحجة، فصادفت حجَّةُ أبي بكرٍ - رضي الله عنه - ذا القعدة من السَّنة الثانية.
وصادفت حجَّة النبيِّ ◌َلقر ذا الحجة بالاستدارة.
(١) ما بين حاصرتين سقط من (ع).
٤٤
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
السَّنَةُ اثنا عشر شهراً. منها أربعةُ حُرمٌ،
والأشبهُ القول الأول؛ لأنَّه هو الذي استفيد نفيه من قوله وَليهِ: ((إنَّ الزَّمان قد
استدار))، أي: زمان الحجِّ عاد إلى وقته الأصليِّ؛ الذي عيَّنه الله تعالی له يوم خلق
السموات والأرض بأصل المشروعية التي سبق بها علمه، ونفذ بها حكمه. ثم
قال: ((السَّنة اثنا عشر شهراً)) ينفي بذلك الزِّيادةَ التي زادوها في السَّنة؛ وهي
الخمسة عشر يوماً بتحكمهم. ثمَّ هذا موافقٌ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ
أَثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَبِ الَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ﴾
[التوبة: ٣٦] فتعيَّن الوقتُ الأصليُّ، وبطل التحكّمُ الجهليُّ. والحمد لله الوليُّ .
قلتُ: وهذه أقوالُ سلفِ هذه الأمَّة، وعلماءِ أهل السُّنَّة، وقد تكلّم على
هذا الحديث بعضُ من يدَّعي علم التعديل بقولٍ صدر عنه من غير تحقيقٍ ولا
تحصيل، فقال: إنَّ الله - سبحانه - أول ما خلق الشمس أجراها في برج الحمل،
وكأنَّ الزَّمانَ الذي أشار إليه (١) النبيُّنَ لِهِ صادف حلولَ الشمس في برج الحمل.
قلتُ: وهذا تقوُّلٌ بما لم يصحّ نقله؛ إذْ مقتضى قوله: إنَّ الله تعالى خلق
البروج قبل الشمس، وأنه أجراها في أول برج الحمل. وهذا لا يُتُوصَّلُ إليه إلا
بالنَّقل عن الأنبياء - صلوات الله وسلامه عليهم - ولا نقلاً صحيحاً عنهم بشيءٍ من
ذلك. ومن اذَّعاه فليُسْنِدْهُ. ثمَّ: إنَّ العقل يجوز خلاف ما قال. وهو: أن يخلقَ
اللَّهُ تعالى الشَّمس قبل البروج. ويجوز أن يخلق ذلك دفعةً واحدة. ثم إنَّ علماء
التعديل قد اختبروا كلامَ ذلك الرجل فوجدوه خطأً صُراحاً؛ لأنهم اعتبروا بحساب
التعديل اليوم الذي قال فيه النبيُّ ر ذلك القول، فوجدوا الشمس فيه في برج
الحوت بينها وبين الحمل عشرون درجة. ومنهم من قال: عشر درجات.
الأشهر الحُرُم، والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((منها أربعة حرم))) أيْ: من الاثني عشر شهراً، وأولها المحرَّمُ.
(١) في (ج ٢): به.
ومعنى أسماء
الأشهر
٤٥
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
سمي بذلك: لتحريم القتال فيه. ثمَّ صفر. سمي بذلك: لخلوٍّ مكة من أهلها فيه.
وقيل: وقع فيه وباءٌ فاصفرَّت وجوههم. أبو عبيد: لصِفر الأواني من اللَّبَن. ثمَّ
الربيعان: لارتباع الناس فيهما. أي: لإقامتهم في الربيع. ثم جماديان، وسمیا
بذلك: لأنَّ الماء جمد فيهما. ثم رجب. سمي بذلك: لترجيب العرب إياه. أي:
لتعظيمهم له، أو لأنَّه لا قتال فيه. والأرجب: الأقطع. ثم شعبان. وسمي بذلك:
لتشعب القبائل فيه. ثم رمضان. وسمي بذلك: لشدَّة الرمضاء فيه. ثم شؤَّال.
وسمي بذلك: لأنَّ اللقاحَ تشول فيه أذنابها. ثم ذو القعدة، سمي بذلك لقعودهم
فيه عن الحرب. ثم ذو الحَّة، وسمي بذلك: لأن الحجَّ فيه. ويجوز في (فاء:
ذي القعدة وذي الحبَّة الفتح والكسر، غير أنَّ الفتح في (ذي القعدة) أفصح.
وسميت الحُرُم حُرُماً: لاحترامها وتعظيمها بما خُصَّت به من أفعال البِرِّ، وتحريم
القتال، وتشديد أمر البغي والظلم فيها.
وذلك: أن العرب كانت في غالب أحوالها، ومعظم أوقاتها قبل مجيء مكانة الأشهر
الإسلام أهل غارةٍ، ونهبٍ، وقتالٍ، وحربٍ، يأكل القويُّ الضعيف، ويصولُ على
المشروف الشريف، لا يرجعون لسلطانٍ قاهرٍ، ولا أمرٍ جامع، وكانوا فوضى الإسلام
فضا (١)، مَنْ غَلَبَ سَلَبَ، ومَنْ عَّ بَّ(٢)، لا يأمن لهم سِرْبٌ، ولا يستقرُّ بهم حالٌ.
فلطف اللَّهُ بهم بأن جَعَلَ في نفوسهم احترامَ أمورٍ يمتنعون فيها من الغارة،
والقتال، والبغي، والظلم، فيأمن بعضُهم من بعضٍ، ويتصرَّفون فيها في
حوائجهم، ومصالحهم، فلا يهيج فيها أحدٌ أحداً، ولا يتعرَّض له، حتى إنَّ الرَّجل
يلتقي فيها بقاتل أبيه وأخيه فلا يتعرض له بشيءٍ، ولا بغدرٍ؛ بما جعل الله في
قلوبهم من تعظيم تلك الأمور. ولا یبعد أن یکون أصلُ ذلك مشروعاً لهم من دین
إبراهيم وإسماعيل، كالحجِّ، والعمرة، وغيرهما ممَّا كان عندهم من شرائعهما.
الحرم عند
العرب قبل
(١) يقال: أمرهم فوضى فضاً، أي: سواءٌ بينهم. وأمرهم فضّاً بينهم، أي: لا أمير عليهم.
(٢) أي: مَن غلب أخذ السّلَب.
٤٦
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
وهذه الأمورُ من الزَّمان: الأشهر الحرم. ومن المكان: حَرَم مَّة. ومن
تعظيم الإسلام
لحرمة الأشهر الأموال: الهديُ والقلائد. ويشهد لما ذكرناه قوله تعالى: ﴿يَتْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ
قِقَالٍ فِيةٍ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةُ حُرُمٌ﴾
[التوبة: ٣٦]، ثم قال: ﴿ذَلِكَ الدِّينُ اَلْقَيِّمُ﴾ [التوبة: ٣٦]، وقوله تعالى في
الحَرَمِ: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءَامِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧]، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْ أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا
ءَامِنًا وَمُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧]، وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةٌ
لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ [البقرة: ١٢٥]، وقوله تعالى: ﴿﴿ جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْعَرَامَ قِيَمًا
لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] ومعنى كون هذه الأمور قياماً للناس؛ أي: تقوم بها
أحوالهم، وتنتظم بها مصالحهم من أمر أديانهم ومعايشهم. هذا معنى ما قاله
المفسرون. فلمَّا جاء الإسلامُ لم يزذ تلك الأمور إلا تعظيماً وتشريفاً، غير أنَّه لمَّا
حَدَّ الحدود، وشرع الشرائع، ونصب العقوبات، والزواجر؛ اتفقت كلمة
المسلمين، والتزِمَتْ شرائعُ الدِّين، فأمن النَّاسُ على دمائهم ونفوسهم، وأموالهم،
فامتنع أهلُ الظلم من ظلمهم، وكفَّ أهلُ البغي عن بغيهم، واستوى في الحقِّ
القويُّ، والضعيف، والمشروف والشَّريف. فمن صدر عنه بغيٌّ؛ أو عدوان قمعته
كلمةُ الإسلام، وأقيمت عليه الأحكام، فحينئذٍ لا يعيده شيءٌ من تلك المحرَّمات،
ولا يحولُ بينه وبين حكم الله تعالى أحدٌ من المخلوقات. فالحمد لله الذي هدانا
لهذا الدِّين القويم، والمنهج المستقيم. وهو المسؤولُ بأن ينعمَ علينا بالدَّوام،
والتَّمام، ويحشرنا في زمرة واسطة النظام محمّدٍ عليه الصلاة والسلام.
والهَذي: ما يُهْدَى من الأنعام إلى البيت الحرام. والقلائد: يعني به. ما تُقْلَّدُ
به الهدايا؛ وذلك بأن يجعل في عنق البعير حبلٌ يُعَلَّقُ به نعلٌ، كما تقدَّم في كتاب
الحج. ويعني بذلك: أنَّ الهدي مهما أُشْعِر وقُلُّد لم يجزْ لأحدٍ أن يتملَّكه، ولا أن
يأخذه إن وجده. بل يجبُ عليه أن يحملَه إلى مكة إنْ أمكنه ذلك حتى ينحر هناك
على ما تقدَّم.
الحرم
٤٧
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
ثلاثةٌ متواليات: ذو القَعْدة، وذو الحِجَّة، والمحرم، ورجب شهر
مضر، الذي بين جُمادى وشعبان))، ثم قال: ((أيُّ شهر هذا؟)) قُلْنا: اللَّهُ
ورسولُه أعلمُ! قال: فسكتَ حتّى ظنَنَّا أنَّه سيُسَمِّيه بغير اسمهِ. قال:
((أليس ذا الحجة؟))، قلنا: بلى. قال: ((فأيُّ بَلَدٍ هذا؟))، قلنا: الله ورسوله
أعلم! قال: فسكت حتى ظنّنا أنَّه سيسمِّيه بغير اسمه. قال: ((أليس
البلدةَ؟))، قلنا: بلى. قال: ((فأيُّ يوم هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم! قال:
فسكت حتى ظنًّا أنه سيسمِّيه بغير اسمه. قال: ((أليس يومَ النحر؟)) قلنا:
بلى يا رسول الله! قال: ((فإنَّ دماءكم، وأموالكم - قال وأحسبه قال -
و (قوله {له: ((ثلاثةٌ مُتَوالياتٌ))) أي: يتلو بعضها بعضاً، كما قد قال في
الرواية الأخرى: ((ثلاثةٌ سردٌ، وواحدٌ فردٌ».
و (قوله: ((رجب شهر مُضَرَ الذي بين جمادى وشعبان))) هذه مبالغةٌ في تعيين
هذا الشهر ليتميَّز عمَّا كانوا يتحكّمون به من النَّسَاء، ومن تغيير أسماء الشُّهور. وقد
تقدَّم: أنَّهم كانوا يسقطون من السّنة شهراً وينقلون اسم الشهر لِلَّذي بعده، حتى
سمّوا شعبان رجباً. ونسبة هذا الشهر لمضر: إمَّا لأنَّهم أول من عظَّمه، أو: لأنَّهم
کانوا أكثر العرب له تعظيماً، واشتهر ذلك حتی عرف بهم.
و (قوله: ((أيُّ شهرٍ هذا؟ و: أيُّ بلدٍ هذا؟ و: أيُّ يوم هذا؟)) وسكوته بَعْدَ المبالغة في
كلِّ واحدٍ منها) كان ذلك منه استحضاراً لفُهومهم، وتنبيهاً لَّغفلتهم، وتنويهاً بما تحريم الدماء
يذكره لهم؛ حتّى يُقْبِلوا عليه بِكُليَّتهم، ويستشعروا عظمة حرمة ما عنه يخبرهم.
ولذلك قال بعد هذا: ((فإنَّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرامٌ عليكم كحرمة
يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا)). وهذا منه ◌َّ﴿ مبالغةً في بيان تحريم
هذه الأشياء، وإغياءٌ في التنفير عن الوقوع فيها؛ لأنَّهم كانوا قد اعتادوا فعلها،
واعتقدوا حليَّتها، كما تقدَّم في بيان أحوالهم، وقبح أفعالهم.
٤٨
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
وأعراضَكم حرامٌ عليكم كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم
هذا، وستلقون ربكم فيسألُكم عن أعمالكم، فلا ترجعوا بعدي كفَّاراً
يضرب بعضكم رقاب بعض،
الاستعداد للقاء
الله تعالى
و (قوله: ((وَسَتَلْقَوْن ربَّكم فيسألُكُم عَنْ أَعْمالِكُم))) أي: ستقفون في العرض
موقف مَنْ لقي فحبس حتَّى تعرضَ عليه أعماله، فيسأل عنها، وهذا إخبارٌ بمقامٍ
عظيمٍ، وأمرٍ هائلٍ، لا يُقْدَرُ قدرُه، ولا يتصوَّرُ هولُه، أصبح النَّاس عن التَّذكر فيه
معرضين، وعن الاستعداد له متشاغلين. فالأمر كما قال في كتابه المكتون: ﴿ قُلّ
هُوَ نَا عَظِيمٌ * أَتُ عَنَّهُ مُعْرِضُونَ﴾ [ص: ٦٧ - ٦٨]. فنسأل الله تعالى من فضله أن
يوقظنا من رقدتنا، ويُنَبِّهنَا من غفلتنا، ويجعلنا ممَّنْ استعدَّ لِلقائه، وكفي فواجىء
نِقَمَهِ وبلائه.
و (قوله: ((فلا ترجعوا بعدي كفاراً (١) يضرب بعضكم رقاب بعضٍ))) بهذا
وأشباهه كفَّر الخوارجُ عليّاً، ومعاوية، وأصحابهما. وهذا إنَّما صدر عنهم؛ لأنَّهم
سمعوا الأحاديث ولم تُحِطْ بها فهومهم، كما قرؤوا القرآن ولم يجاوز تراقيهم،
فكأنَّهم ما قرؤوا قولَ الله - عزَّ وجلَّ -: ﴿وَإِن ◌َآَيِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَقْنَتَلُواْ فَأَصْلِحُوا
بَيْنَهُمَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّمَا أَلْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيَّكُمْ﴾ [الحجرات: ٩ -١٠]
فأبقى عليها اسمَ الإيمان وأخوّته، مع أنَّهم قد تقاتلوا، وبغتْ إحداهما على
الأخرى، وقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ إِ، وَيَغْفِّرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءِ﴾
[النساء: ٤٨ و١١٦] والقتل ليس بشركٍ بالاتفاق والضرورة. وكأنَّهم لم يسمعوا
قولَ رسول الله وَلفيه: ((تبايعوني على ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تزنوا، ولا تسرقوا،
ولا تقتلوا النَّفس التي حرَّم الله إلا بالحقِّ. فمن وَفَى منكم فأجره على الله، ومن
أصاب شيئاً من ذلك فعوقب به فهو كفارة له))(٢) وقد تقدَّم هذا المعنى في كتاب:
الإيمان.
(١) في (ج ٢): ضلالاً.
(٢) رواه البخاري (٧٢١٣)، ومسلم (١٧٠٩)، والترمذي (١٤٣٩)، والنسائي (٧/ ١٤٢).
٤٩
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
ألا لیبلِّغ الشاهدُ الغائبَ ، فلعلَّ بعض من يبلغه یکون أوعی له من بعض
مَنْ سمعه)). قال: ((ألا هل بلغت!)).
وإنَّما يُحْمَلُ الحديث على التشبيه تغليظاً؛ وذلك: أنَّ المسلمين إذا
تحاجزوا، وتقاتلوا؛ فقد ضلَّت الطائفة الباغية منهما، أو كلاهما إنْ كانتا باغيتين
عن الحقِّ، وكفرتْ حقَّ الأخرى وحُرْمَتَها. وقد تشبّهوا بالكفار. وكأنَّه وَلَّ اطَّلع
على ما يكون في أُمَّته من المِحَن والفِتَن، فحذَّر من ذلك، وغلَّظه بذلاً للنصيحة،
ومبالغةً في الشَّفقة. ◌ِ﴾.
و (قوله: ((أَلَا ليبلُغْ الشَّاهدُ الغائبَ))) أمرٌ بتبليغ العلم، ونشره. وهو فرضٌ الأمر بتبليغ
العلم
من فروض الكفايات.
و (قوله: ((فلعلَّ بعضَ من يبلغُه يكون أوعى له ممَّن سمعه») حُبَّةٌ على
جواز أخذ العلم والحديث عمَّن لا يفقه ما ينقل؛ إذا أدَّاه كما سمعه. وهذا كما
قال :﴿ فيما خرَّجه التِّرمذيُّ: ((نضَّر الله امراً سمع مِنَّا حديثاً فبلَّغه غيره كما سمعه،
فربَّ حاملٍ فقهٍ إلى من هو أفقه منه، وربَّ حامل فقهٍ ليس بفقيه))(١).
فأمَّا نَقْلُ الحديث بالمعنى: فمن جوَّزه إنَّما جوَّزه من الفقيه العالم بمواقع حكم نقل
الألفاظ. ومِن أهل العلم مَن منع ذلك مطلقاً. وقد تقدَّم ذلك. وفيه حُبَّةٌ: على الحديث
أنَّ المتأخرَ قد يفهم من الكتاب والسُّنَّة ما لم يخطر للمتقدّم؛ فإنَّ الفهمَ فَضْلُ الله
بالمعنى
يؤتيه من يشاء. لكنَّ هذا يندر ويقلُّ، فأين البحرُ من الوَشَلِ (٢). والعَلُّ من العَلَلِ.
لیس التکُّل في العینین کالگحل.
و (قوله: ((ألا هلْ بَلَّغْتُ))) استفهام على جهة التقرير. أي: قد بلغتكم ما التبليغ
لا عذرَ بعد
(١) رواه أحمد (٤٣٧/١)، والترمذي (٢٦٥٧)، وابن ماجه (٢٣٢).
(٢) ((الوشل)): الماء القليل يتحلب من جبلٍ أو صخرةٍ يقطر منه قليلاً، لا يتصل قطره.
١٠
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
وفي روايةٍ: ((وأعراضكم)) - من غير شك - وفيها زيادة: ثم انكفأ إلى
كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزَيْعَةٍ من الغنم فقسمها بيننا.
أمرتُ بتبليغه لكم، فلا عُذْرَ لكم؛ إذ لم يقعْ منِّي تقصيرٌ في التبليغ. ويحتمل: أن
يكون على جهة استعلام ما عندهم، واستنطاقهم بذلك، كما تقدَّم في حديث
جابرٍ، حيث ذكر خطبته وَ ل فيه بعرفة فقال: ((وأنتم تسألون عنّي؛ فما أنتم قائلون؟))
قالوا: نشهد: أنَّك قد بلَّغْتَ، وأَدَّيْتَ، ونَصحْتَ. فقال بإصْبَعِه - السَّبابة - يرفعُها
إلى السَّماء، ويَنْكُتُها إلى الأرض(١): ((اللهم اشهدْ - ثلاث مراتٍـ»(٢).
و (قوله: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما، وإلى جُزَيْعَةٍ من الغنم
فقسمها بيننا). (انكفأ): انقلب ومال. و (الملحة): أن يكون في الشاة لمعِّ سودٌ،
ويكون الغالبُ البياض. و (الجُزَيْعَة): القُطيعة. والجزع: منقطع الوادي. ورواية
الكافَّة: (جزيعةٌ) بالزَّاي. وقد قيََّها بعضهم: (جذيعةً) بالذَّال. وهو وهمٌ. قال
الدَّار قطني: قوله: ثم انكفأ إلى كبشين ... الخ، وهم من ابن عون فيما قيل. وإنَّما
رواه ابنُ سیرین عن أنسٍ.
قلتُ: إنَّما نسب هذا الوهم لابن عونٍ؛ لأنَّ هذا الحديث قد رواه عن
ابن سيرين أيوب السَّخْتِيانيُّ، وقرَّة بن خالد، وانتهى حديثهما في خطبة النبيِّ لاَّه
في حجَّه يوم النَّحر عند قوله: ((ألا هل بلغت)) في رواية أيُّوب. وزاد قرَّة إلى هذا:
قالوا: نعم. قال: ((اللهم اشهد)). وبعد قوله: ((ألا هل بلغت)) زاد ابنُ عون عن ابن
سيرين، عن أبي بكرة: ثم انكفأ إلى كبشين أملحين فذبحهما ... الخ. وهذا
الكلامُ إنَّما كان من النبيِّ ◌َ ﴿ في خطبة عيد الأضحى؛ على ما رواه أيوب وهشامٌ
(١) في (م)، وصحيح مسلم: الناس.
(٢) رواه مسلم (١٢١٨).
٥١
(٢٢) كتاب القسامة - (٧) باب: تحريم الدماء والأموال والأعراض
وفي أخرى: قال أبو بكرة: خطبنا رسولُ الله ◌َّه يوم النَّحر فقال:
(أيُّ يومٍ هذا؟)).
رواه أحمد (٣٧/٥)، والبخاري (١٠٥)، ومسلم (١٦٧٩)
(٢٩ و٣٠ و٣١)، وأبو داود (١٩٤٨)، وابن ماجه (٢٣٣).
عن ابن سيرين، عن أنس بن مالك؛ على ما ذكره مسلمٌ في الضحايا، عنه، قال
أنس: إنَّ رسولَ اللهِوَلَ صلَّى ثمَّ خطب، فأمر مَنْ كان ذبح قبل الصلاة أن يعيد
ذبحاً. قال: وانكفأ رسولُ اللهِوَ ﴿ إلى كبشين أملحين، فذبحهما، فقام النَّاسُ إلى
غُنَيْمَةٍ، فتوزّعوها. أو قال: فتجزَّعوها(١). فكأنَّ ابنَ عونٍ اختلط عليه الحديثان
فساقهما مساقاً واحداً. وأنَّ ذلك كان في خطبة عرفة. وهو وهمٌ لا شكَّ فيه. وقد
فهم بعضُ علمائنا: أنَّ يوم الحج الأكبر يوم النَّحر من تعظيمه و ﴿ ليوم النَّحر بما
ذكره في هذا الحديث. وفيه نظرٌ، غير أنَّه قد ورد في بعض روايات البخاريِّ:
أَنَّه ◌َ﴾ قال: ((أيُّ يوم تعلمونه أعظم؟))(٢)، قالوا: يومنا هذا. وهذا حبَّةٌ واضحةٌ
على ذلك. وقد ذكرنا الخلافَ في ذلك في كتاب الحجّ.
(١) رواه مسلم (١٩٦٢).
(٢) رواه البخاري (٦٧٨٥).
٥٢
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
(٨) باب
الحثّ على العفو عن القصاص بعد وجوبه
[١٧٧١] عن علقمةَ بنِ وائل عن أبيه، قال: إنِّي لقاعدٌ مع النبيِّ وَل
إذ جاء رجل يقود آخرَ بِنِسْعَةٍ فقال: يا رسول الله! هذا قَتَل أخي. فقال
رسولُ اللهِ وَله: ((أقتلته؟)) فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال:
(٨) ومن باب: الحثِّ على العفو
عن القصاص بعد وجوبه
(قوله: جاء رجلٌ يقودُ آخر بنِسْعَةٍ). النِّسعة: ما ضفر من الأدم كالحبال.
وجمعها: أنسائعٌ. فإذا فُتل ولم يُضْفر؛ فهو الجديل. والجدلُ: الفتل. وفيه من
الفقه: العنف على الجاني، وتثقيفه، وأخذ الناس له حتى يُحضروه إلى الإمام،
ولو لم يُجعل ذلك للناس لفرَّ الجناة، وفاتوا، ولتعذّر نصرُ المظلوم، وتغيير
المنكر.
العنف على
الجاني
و تثقيفه،
وإحضاره
ع دعوى
الدَّم
و (قوله: هذا قتلَ أخي، فقال رسول الله وَله: ((أقتلتَه))) فيه من الفقه سماع
المدّعي في دعوى المدَّعي في الدَّم قبل إثبات الموت والولاية. ثم لا يثبت الحكم حتَّى يثبتَ
كلُّ ذلك. فإن قيل: فقد حكم النبيُّ ◌َلي على القاتل في هذا الحديث من غير إثبات
ولاية المدَّعي. فالجواب: إنَّ ذلك كان معلوماً عند النبي وچر وعند غيره، فاستغنى
عن إثباته لشهرة ذلك. وفيه: استقرارُ المدَّعى عليه بعد سماع الدعوى لإمكان
إقراره، فتسقطُ وظيفة إقامة البينة عن المدَّعي. كما جرى في هذا الحديث.
الأصل في
و (قوله: لو لم يعترف أقمتُ عليه البيّنة) بيانٌ: أنَّ الأصل في ثبوت الدِّماء
ثبوت الدُّماء الإقرارُ، أو البيّنة. وأمّا القَسَامة: فعلى خلاف الأصل، كما تقدَّم؛ وفيه: استقرارُ
الإقرار أو البيئة
المحبوس، والمتهدَّد، وأخذه بإقراره. وقد اختلف في ذلك العلماءُ، واضطربَ
٥٣
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
نعم قتلته. قال: ((فكيف قتلته؟)) قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة
فسبَّني، فأغضبني، فضربته بالفأس على قرنه، فقتلته. فقال له النبي ◌َّ:
((هل لك من شيءٍ تؤدِّيه عن نفسك؟))
المذهبُ عندنا في إقراره بعد الحبس والتهديد. هل يُقبل جملةً، أو لا يقبل جملة؟
والفرق(١) (فيقبل إذا عيَّن ما اعترف به من قتلٍ، أو سرقةٍ، ولا يُقبل إذا لم يعين)
ثلاثة أقوال.
و (قوله: ((كيف قتلتَه؟))) سؤالُ استكشافٍ عن حال القتل، لإمكان أن يكون وجوب البحث
خطأً، أو عَمْداً. ففيه من الفقه: وجوب البحث عن تحقيق الأسباب التي تنبني الحكم
عن أسباب
عليها الأحكام، ولا يُكتفى بالإطلاق. وهذا كما فعله النبيُّ ◌َّ مع ماعزٍ حين
اعترفَ على نفسه بالزِّنى على ما يأتي.
و (قوله: كنت أنا وهو نختبطُ من شجرةٍ فسبَّني، فأغضبني، فضربتُه بالفأس
على قرنه فقتلته). نختبطُ (نفتعل) من الخبط، وهو ضرب بالعصا ليقعَ يابسُ
ورقِها، فتأكلَه الماشية. وقرن الرأس: جانبه الأعلى. قال الشاعر:
وَضَرَبْتُ قَرْنَيْ كَبْشِهَا فَتَجَدَّلا(٢)
و (قوله: ((هل لك من شيءٍ تؤدِّيه عن نفسك))) يدلُّ: على أنَّهِوَلِّ قد ألزمَه السعي في
حكمَ إقراره، وأنَّ قتلَه كان عمداً، إذ لو كان خطأً لما طالبه بالدِّية، ولطولب بها الإصلاح بين
الناس
العاقلةُ، ويدلُ: على هذا أيضاً: قوله: ((أترى (٣) قومك يشترونك؟)) لأنه لما
استحقَّ أولياءُ المقتول نفسه بالقتل العمد صاروا كالمالكين له، فلو دفعَ أولیاءُ
القاتل عنه عِوضاً فقبلَه أولياءُ المقتول لكان ذلك كالبيع. وهذا كلُّه إنما عرضَه
(١) أي: إن القول الثالث هو التفريق بين ما إذا عيَّن أو لم يُعيِّن.
(٢) في (ل): فتجندلا. و (جدَّله): صرعه وأوقعه على الأرض فهو مجدَّل.
(٣) في التلخيص: فترى.
٥٤
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
قال: ما لي مالٌ إلا كسائي وفأسي. قال: ((فترى قومك يشترونك؟)) قال:
أنا أهونُ على قومي من ذاك. فرمى إليه النبيُّ نَّه بِنِسْعَتِه وقال: ((دونك
صاحبك!)) فانطلق به الرَّجل، فلمَّا ولَّى قال رسول الله بَّه: ((إنْ قَتَله فهو
مِثْلُهُ»
النبيُّ ◌َ﴿ على القاتل بناءً منه: على أنَّه إذا تيسَّرَ له ما يُؤدي إلى أولياء المقتول
سألهم في العفو عنه. ففيه من الفقه: السعيُّ في الإصلاح بين النَّاس، وجوازٌ
الاستشفاع، وإن رُفعت حقوقهم للإمام، بخلاف حقوق الله تعالى، فإنه لا تجوز
الشفاعة فيها إذا بلغتِ الإمامَ.
و (قوله: مالي مالٌ إلا كسائي وفأسي) فيه من الفقه: أنَّ المال يُقال على كلِّ
ما يُتْموَّل من العروض وغيرها. وأنَّ ذلك ليس مخصوصاً بالإبل، ولا بالعين. وقد
تقدَّمَ ذلك.
و (قوله: فرمى إليه النبيُّ ◌َ﴿ بِنِسْعَتِه وقال: ((دونك صاحبك))) أي: خذه
فاصنع به ما شئتَ. هذا: إنَّما حكم به النبيُّ ◌َ﴿ لَمَّا تحقَّق السببَ، وتعذّر عليه
الإصلاحُ، وبعد أن عرضَ على الوليِّ العفوَ فأبى، كما قاله ابن أَشْوَع، وبعد أنْ
علم: أنَّه لا مستحِقَّ للدَّم إلا ذلك الطالبُ خاصةً. ولو كان هناك مستحقٌّ آخرُ
لتعيَّن استعلامُ ما عنده من القصاص أو العفو.
دفع القاتل
وفيه ما يدلُّ: على أنَّ القاتل إذا تحقَّقَ عليه السببُ، وارتفعتِ الموانعُ
الجاني إلى لا يقتلُّه الإمام، بل يدفعُه للوليِّ يفعلُ به ما يشاء من قتلٍ، أو عفوٍ، أو حبسٍٍ، إلى أن
الولي
يرى رأيه فيه. ولا يسترقُّه بوجهٍ؛ لأنَّ الحرَّ لا يُملك. ولا خلافَ فيه فيماً أَعلمُه.
معنى أن الوليّ
و (قوله: فانطلقَ به فلمَّا ولَّى: قال رسولُ اللهِ وَهِ: ((إنْ قتلَه فهو مثلُه)))
القاتل
والمقتول في ظاهره: إنْ قتلَه كان عليه من الإثم مثلُ ما على القاتل الأول. وقد صرَّح بهذا في
الرواية الأخرى التي قال فيها: («القاتلُ والمقتولُ في النَّار)) وهذا فيه إشكال عظيم.
الإثم سواء
٥٥
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
فرجع، فقال: يا رسول الله! بلغني أنَّك قُلْتَ: إنْ قتله فهو مثله، وأخذتُه
فإنَّ القاتلَ الأوَّلَ قتلَ عَمداً. والثاني يُقتل قِصَاصاً، ولذلك: لما سمع الوليُّ ذلك
قال: يا رسول الله! قلتَ ذلك؟! وقد أخذته بأمرك. فاختلف العلماء في تأويل هذا
على أقوال.
الأول: قال الإمام أبو عبد الله المازري: أمثلُ ما قيل فيه: أنّهما استويا
بانتفاء التباعة عن القاتل بالقصاص.
قلتُ: وهذا كلامٌ غير واضح. ويعني به - والله أعلم -: أنَّ القاتل إذا قُتل
قصاصاً لم يبق عليه تبعةٌ من القتل. والمقتصُّ: لا تبعة عليه؛ لأنه استوفى حقّه،
فاستوى الجاني والوليُّ المُقتصُّ في أنَّ كلَّ واحدٍ منهما لا تبعة عليه.
الثاني: قال القاضي عياض: معنى قوله: ((فهو مثله)) أي: قاتلٌ مثله، وإن
اختلفا في الجواز والمنع، لكنهما اشتركا في طاعة الغضب، وشفاء النفس،
لا سيَّما مع رغبة النبي وَ ﴿ في العفو، على ما جاء في الحديث.
قلتُ: والعجيب من هذين الإمامين: كيف قنعا بهذين الخيالين(١) ولم
يتأمّلا مساقَ الحديث، وكأنهما لم يسمعًا قول النبي وَّ حين انطلق به يجرُّه ليقتلَه:
(القاتلُ والمقتولُ في النَّار)). وهذه الرواية مفسِّرةٌ لقوله في الرواية المتقدِّمة: ((إِنْ
قتلَه فهو مثلُه))، [لأنها ذُكرت بدلاً منها، فعلى مقتضى قوله: فهو مثلُه، أي: هو
في النار مثلُه](٢)، ومن هنا عظمَ الإشكالُ. ولا يُلتفت لقول من قال: إنَّ ذلك إنَّما
قاله ◌َ﴿ للوليِّ لما علمه منه من معصيةٍ يستحقُّ بها دخولَ النار؛ لأنَّ المعصية
المقدرة(٣) إمّا أن يكون لها مدخلٌ في هذه القصة، أو لا مدخلَ لها فيها. فإن كان
(١) في (ع) و(م): الحالين.
(٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٣) المقدرة ليست في (ع).
٥٦
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
بأمرك! فقال رسول الله وَله :
الأول فينبغي لنا أن نبحثَ عنها حتى نتبيَّتها ونعرفَ وجه مناسبتها لهذا الوعيد
الشديد. وإن لم يكن لها مدخل في تلك القضية لم يلق بحكمة النبيِّ وَّ، ولا
ببلاغته، ولا ببيانه أن يذكر وعيداً شديداً في قضيّةٍ ذات أحوالٍ وأوصافٍ متعددةٍ،
ويقرن ذلك الوعيد بتلك القصَّة، وهو يُريد: أنَّ ذلك الوعيدَ إنَّما هو لأجل شيءٍ لم
يذكره هو، ولا جرى له ذكرٌ من غيره. ثمَّ إِنَّ المقول له ذلك قد فهم: أنَّ ذلك إنما
كان لأمرٍ جرى في تلك القصة، ولذلك قال للنبيِّ لَّه: تقول ذلك، وقد أخذتُه
بأمرك؟! ولو كان كما قاله هذا القائل؛ لقال له النبيُّ وَّه: إنَّما قلتُ ذلك للمعصية
التي فعلتَ، أو: الحالة التي أنت عليها، لا لهذا، ولما كانَ يسكتُ عن ذلك،
ولبادرَ لبيانه في تلك الحال؛ لأنَّ الحاجة له داعيةٌ، والنصيحة والبيان واجبان
عليه وَل ـ والله تعالى أعلم -.
الثالث: أنَّ أبا داود (١) روى هذا الحديث من طريق أبي هريرة وقال فيه:
قُتل رجلٌ على عهد رسول الله وَّه فِرُفعَ إلى النبيِّ لَ هُ فدفعَه إلى وليِّ المقتول.
فقال القاتلُ: يا رسول الله! واللهِ ما أردتُ قتلَه! فقالَ رسولُ اللهِوَله للوليِّ: ((أما
إِنَّه إنْ كانَ صادقاً ثمَّ قتلتَه دخلتَ النَّار)). فحاصلُه: أنَّ هذا المعترف بالقتل زعمَ أنَّه
لم يُردْ قتلَه، وحلف عليه، فكان القتل خطأً، فكأنَّ النبيَّ ◌َّهِ خاف أن يكونَ القاتل
صدقَ فيما حلفَ عليه، وأنَّ القاتلَ يعلم ذلك؛ لكن سلَّمه له بحكم إقراره بالعمد
ولا شاهدَ يشهدُ له بالخطأ. ومع ذلك فتوقَّعَ صدقَه، فقال: إن قتلتَه دخلتَ النَّار.
فكأنَّه قال: إن كان صادقاً وعلمتَ أنت صدقَه، ثمَّ قتلتَه؛ فأنت في النار. وهذا
- على ما فيه من التكلُّف - يُبطلُه قولُه: ((القاتل والمقتول في النّار)) فسوَى بينَهما في
الوعيد. فلو كانَ القاتلُ مُخطئاً لما استحقَّ بذلك النَّارَ، ولما باءَ بإثمه وإثمٍ
صاحبه؛ فإنَّ المخطىءَ لا يكون آئماً، ولا يتحمَّلُ إثمَ من أخطأ عليه.
(١) رواه أبو داود (٤٤٩٨) عن أبي هريرة.
٥٧
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
الرابع: أنَّ أبا داود(١) روى هذا الحديث عن وائل بن حجرٍ، وذكر فيه ما
يدلُّ: على أنَّ النبيَّ نَّهِ قصد تخليصَه فعرضَ(٢) الدِّيةَ، أو العفوَ على الوليِّ ثلاثَ
مرَّاتٍ، والوليُّ في كلِّ ذلك يأبى إلا القتلَ معرضاً عن شفاعة النبي ◌َّ وعن حرصه
على تخليص الجاني من القتل، فكأنَّ الوليَّ صدرَ منه جفاءٌ في حقِّ النبيِّ وَّر حيث
ردَّ متأكَّدَ شفاعته، وخالفَه في مقصوده. ويظهرُ هذا من مَسَاق الحديث. وذلك:
أن وائل بن حجرٍ قال: كنتُ عند النبيِ وَّهِ إذ جيء برجلٍ قاتل في عنقه نِسْعَةٌ.
قال: فدعا وليَّ المقتول، فقال: ((أتعفو؟)) قال: لا. فقال: ((أتأخذُ الديةَ؟)) قال:
لا. قال: ((أتقتلُ؟)) قال: نعم. قال: ((اذهب به)) فلمَّا ولَّى قال: ((أتعفو؟)) قال:
لا. قال: ((أفتأخذ الدِّيّة؟)) قال: لا. قال: ((أفتقتل؟)) قال: نعم. قال: ((اذهب به)).
فلمَّا كان في الرابعة قال: ((أما إنَّك إن عفوتَ عنه يبوءُ بإثمه وإثم صاحبه)»، قال:
فعفا عنه(٣). فهذا المَسَاقُ يُفهم منه: صحةُ قصد النبي ◌َّ لتخليص ذلك القاتل،
وتأكُّدِ شفاعته له في العفو، أو قَبُول الدِّية. فلمَّا لم يلتفتِ الوليُّ إلى ذلك كلِّه
صدرتْ منه * تلك الأقوال الوعيدية مشروطة باستمراره على لَجَاجِه، ومُضيّه
على جَفائه. فلما سمعَ الوليُّ ذلك القولُ عفا وأحسنَ، فقُبِلَ، وأُكرِمَ. وهذا أقربُ
من تلك التأويلات والله أعلم بالمشكلات. وهذا الذي أشار إليه ابن أشوع حيث
قال: إنَّ النبيَّ وَ له سألَه أن يعفوَ فأبى.
تنبيهٌ: إنَّما عظمَ الإشكال من جهة قوله ◌َّ: ((القاتل والمقتول في النَّار))،
ولما كان ذلك قالَ بعضُ العلماء: إنَّ هذا اللفظ يعني: قوله: («القاتلُ والمقتول في
النار)) إنَّما ذكره النبيُّ وَّهِ في حديثٍ آخر، وهو قوله ◌َّه: ((إذا التقى المسلمان
(١) رواه أبو داود (٤٤٩٩) عن وائل بن حجر.
(٢) في (ل ١): بعرضٍ.
(٣) رواه أبو داود (٤٤٩٩).
٥٨
(٢٢) كتاب القسامة - (٨) باب: الحث على العفو عن القصاص بعد وجوبه
((أما تريد أن يبوء بإثمك وإثم صاحبك؟)) قال: بلى يا نبيَّ الله، قال: ((فإنَّ
ذاك کذاك)». قال: فرمی بنِسْعَتِهِ وخلَّی سبیله.
بسيفيهما فالقاتلُ والمقتولُ في النار))(١). فوَهم بعضُ الرواة، فضمَّه إلى هذا
الحدیث الآخر.
قلتُ: وهذا فيه بعدٌ. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((أما تريدُ أن يبوءَ بإثمك وإثمٍ صاحبك؟))) أي: ينقلب، ويرجع.
وأكثر ما يُستعمل: (باءَ بكذا) في الشرِّ. ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَاءُو بِغَضَبٍ عَلَى
غَضَبٍ﴾ [البقرة: ٩٠] ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أنَّ المقتولَ ظلماً تُغفر له
ذنوبه عند قتل القاتل له. والوليُّ يُغفر له عند عفوه عن القاتل. فصارَ ذهابُ
ذنوبهما بسبب القاتل، فلذلك قيل عنه: إنَّه باءَ بذنوب كلِّ واحدٍ منهما. هذا أحسنُ
ما قيل فيه. والله تعالى أعلم.
و (قوله: ((ألكَ شيءٌ تؤدِّيه عن نفسك))) يُفيد: أنَّه لو حضرتِ الدِّيةُ لدُفعتْ
للوليِّ، ولسقطَ القصاصُ لكن برضى الوليِّ، ولا يُجبرُ على أخذها؛ لأنَّ الذي
للوليِّ القصاصُ أو التخييرُ. وهو حقُّه، ولا يُختلف في هذا. وإنَّما اختلف في
إجبار القاتل على إعطاء الدِّية إذا رضي بها الوليُّ. فذهبَ جماعةٌ: إلى إجباره
عليها. منهم: الشافعيُّ وغيره على ما تقدَّم في كتاب الحجِّ. وقالت طائفةٌ أُخرى:
لا يُجبر عليها، ولا يكون ذلك إلا برضا القاتل والوليِّ، وإليه ذهب الكوفيون.
وهو مشهورُ مذهب مالكِ. وسببُ هذا الخلاف معارضةُ السُّنَّة للقرآن. وذلك: أنَّ
ظاهرَ القرآن وجوبُ القصاص. وهو قولُه تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوْ كُلِبَ عَلَيْكُمْ
اَلْقِصَاصُ فِىِ الْقَدْلَى﴾ [البقرة: ١٧٨]. وقوله: ﴿وَكَبْنَا عَلَيَّهِمْ فِهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾
[المائدة: ٤٥]. وقد ثبتَ: أنَّ النبيَّنَّه قال: ((منْ قُتِلَ له قتيلٌ فأهلُه بينَ خيرتين،
(١) رواه أحمد (٤٦/٥)، ومسلم (٢٨٨٨) (١٥)، وأبو داود (٤٢٦٩)، والنسائي
(١٢٤/٧)، وابن ماجه (٣٩٦٥).
التخییر بین
أخذ الدية
والقتل
٥٩
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
وفي روايةٍ: فانطلق به وفي عنقه نِسْعَةٌ يجرُّها، فلمَّا أدبر قال
رسول الله ◌َله: ((القاتل والمقتول في النَّارِ))، فأتى رجلُ الرَّجلَ فقال له
مقالة رسول الله﴿، فخلَّى عنه، قال ابن أَشْوَعَ: إنَّ النبيَّ ◌ََّ إنَّما سأله أَنْ
یعفوَ عنه فأبى.
رواه مسلم (١٦٨٠) (٢٢ و٢٣)، وأبو داود (٤٤٩٩ - ٤٥٠١)،
والنسائي (١٥/٧ و١٦).
#
(٩) باب
دية الخطأ على عاقلة القاتل،
وما جاء في دية الجنين
[١٧٧٢] عن أبي هريرة قال: اقتتلتِ امرأتان من هذيل، فرمت
إحداهما الأخرى بحجرٍ،
بينَ أن يأخذوا العقلَ، وبينَ أن يقتلُوا))(١)، وهذا نصٌّ في التخيير. وبيانِ الأرجح
يستدعي تطويلاً. وبسطُه في كتب الخلاف.
(٩) ومن باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
وما جاء في دية الجنين
(قوله: اقتتلت امرأتان من هُذيل - وفي أخرى -: من بني لحيان، فرمت
إحداهما الأخرى بحجرٍ). وفي حديث المغيرة: ضربتها بعمود فُسطاط(٢).
(١) رواه البخاري (٤٢٩٥)، ومسلم (١٣٥٤)، والترمذي (٨٠٩ و١٤٠٦)، والنسائي
(٢٠٥/٥ و ٢٠٦).
(٢) رواه مسلم (١٦٨٢) (٣٨).
٦٠
(٢٢) كتاب القسامة - (٩) باب: دية الخطأ على عاقلة القاتل
فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله وَّله، فقضى رسول الله
وَ لَه: أن دية جنينها غرةٌ عبدٌ، أو وليدةٌ، ..
لا تباعد بينهما؛ إذ يُحتملُ أن تكونَ جمعت ذلك عليها، فأخبر أحدهما بإحدى
الآلتين، والثاني بالأخرى.
و (قوله: فقتلتها وما في بطنها) ظاهر العطف بالفاء: أنَّ القتلَ وقع عقب
حکم الجنين
إن خرج ميتاً، الضَّرب، وليس كذلك لما رواه سعيد بن المسيِّب عن أبي هريرة قال: إنَّ
أو خرج حیاً ثم
مات، بسبب
ضرب أمّه
رسول الله وَّ﴿ قضى في جنين امرأةٍ من بني لحيان سقط ميتاً بغرّةٍ - عبدٍ أو وليدةٍ -
ثمَّ: إن المرأة توفيت (١). وهذا نصٌّ في تأخّر موتها عن وقت الضرب. وفي هذه
الرواية أيضاً: بيان أنَّ الجنين خرج ميتاً. والأولى محتملةٌ لأن يكون خرج، ولأن
يكون لم يخرج، لكنه مات، وبينهما فرقان، فإنَّه إذا مات في بطنها ولم يخرجْ فلا
شيء فيه عند كافة العلماء؛ لأنَّه لم تتحقق حياته، ولأنَّه كالعضو منها، ولم ينفصل
عنها، فلا شيء فيه. وأجمع أهلُ العلم: على أنَّ في الجنين الذي يسقط من ضرب
أمه حيّاً؛ ثم يموت؛ الدِّيَةَ كاملةً في الخطأ وفي العمد بعد القسامة. وقيل: بغير
قسامة، لكن اختلفوا فيما به تُعْلَمُ حياته. وقد اتفقوا: على أنَّه إذا استهلَّ صارخاً،
أو ارتضع، أو تنفَّس نفساً محققاً حيٌّ، فيه الدِّية كاملة. واختلفوا فيما إذا تحرَّك.
فقال الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة: حركتُه تدلُّ على حياته. وقال مالكٌ: لا؛ إلا أن
يقارنَها طولُ إقامةٍ. وسَبَبُه اختلافُ شهادة الحركة في الوجود للحياة.
و (قوله: فقضى رسول الله ﴿: أنَّ دية جنينها غرَّة - عبدٌ، أو: وليدةٌ -).
(قضى): حكم وألزم. و (غرَّة - عبدٌ أو وليدة -) رُوي: (غرةٌ) - بالتنوين - ورفع
(عبدٌ) على البدل. وروي بغير تنوين وخفض عبد بالإضافة. ومعناهما متفاوت(٢)
وإن اختلف توجيههما النحوي.
(١) رواه أحمد (٥٣٥/٢)، والبخاري (٦٩١٠)، ومسلم (١٦٨١). ما
(٢) في (ج ٢): تقارب.