Indexed OCR Text
Pages 621-640
٦٢١ (٢١) كتاب النذور والأيمان - (٤) باب: كفّارة النذر غير المسمّى كفارة يمين [١٧٤٦] وعن عمرَ بن الخطّاب قال: قال رسول الله وَله: ((إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)). قال عمر: فوالله! ما حلفت بها منذُ سمعتُ لفظاً ولا نيَّةً: فالأصلُ عدم لزومه. وما ذكرناه هو مذهب مالك، وأصحابه، و کثیر من أهل العلم. وقد ذهبت طائفة من فقهاء المحدثين (وأبو ثور)(١): إلى أنَّ كفارة اليمين تجري في جميع أبواب النذر تمسكاً بإطلاق الحديث الأول. والحجَّة عليم ما ذكرناه. و (قوله: ((إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))) إنما نهى النبيُّ ل عن الحلف النهي عن بالآباء لما فيه من تعظيمهم بصيغ الأيمان؛ لأن العادةَ جاريةٌ بأن الحالفَ منَّا إنَّما الحلف بالآباء يحلفُ بأعظم ما يعتقده كما بيَّنَّه. وإذا كان ذلك: فلا أعظم عند المؤمن من الله وبغير الله تعالى تعالى. فينبغي ألا يحلف بغيره، فإذا حلف بغير الله فقد عظّم ذلك الغير بمثل ما عظم به اللَّهَ تعالى، وذلك ممنوعٌ منه. وهذا الذي ذكرناه في الآباء جارٍ في كلِّ محلوفٍ به غير الله تعالى، وإنما جرى ذكرُ الآباء هنا لأنَّه هو السببُ الذي أثار الحديثَ حين سمع النبيُّ ◌َله عمر يحلف بأبيه. وقد شهد لهذا المعنى قوله: ((من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)) وهذا حصرٌ، وعلى ما قررناه فظاهر النهي التحريم. ثم هذا النهي وإن كان ظاهره التَّحريم فيتحقق فيما إذا حدث بملةٍ غير الإسلام، أو بشيءٍ من المعبودات دون الله تعالى، أو ما كانت الجاهليةُ تحلفُ به كالدُّمى(٢)، والدِّماء، والأنصاب. فهذا لا يُشكُّ في تحريمه. وأمَّا الحلفُ بالآباء، والأشراف، ورؤوس السلاطين، وحياتهم ونعمهم(٣) وما شاكل ذلك فظاهر هذا الحديث يتناولهم بحكم عمومه، ولا ينبغي أن يختلفَ في تحريمه. وأمَّا ما كان معظَّماً في الشَّرع مثل: والنبيِّ ◌َله، والكعبة، والعرش، والكرسي، وحرمة الصالحين: فأصحابنا يُطلقون على الحلف بها الكراهة. وظاهرُ الحديث وما قدَّمناه من النظر (١) سقط من (ع). (٢) في حاشية (ل ١): الدُّمى: جمع دُمْية، وهو الصَّنم. قاله الجوهري. (٣) ساقطة من (ع). ٦٢٢ (٢١) كتاب النذور والأيمان - (٤) باب: كفّارة النذر غير المسمّى كفّارةُ يمين في المعنى يقتضي التحريم. والله تعالى أعلم. فإن قيل: كيف يحكم بتحريم الحلف بالآباء والنبيُّونَ﴿ قد حلفَ بذلك لمَّا قال: ((أفلح وأبيه إنْ صدق))(١)؟ وكيف يُحْكِمُ بتحريم الحلف بغير الله وقد أقسم الله تعالى بغيره فقال: ﴿والضحى﴾، ﴿والشمس﴾، ﴿والعاديات﴾، ﴿والنازعات﴾ وغير ذلك ممَّا في كتاب الله تعالى (من ذلك)(٢)؟ فالجواب: أمَّا عن قوله ◌َله: ((أفلح وأبيه)): فقد تقدَّم في الإيمان. وحاصله: أنَّ ذلك يُحْتَمَلُ أن يكون صَدَرَ منه قبل أن يُوحى إليه بهذا النَّھي. وَيُحْتَمَلُ أن یکون جری هذا على لسانه من غير قصدٍ للحلف به، كما يجري في لغو اليمين؛ الذي هو: لا والله، بلی والله . وأمَّا عن قسم الله تعالی بتلك الأمور فمن وجهين: أحدهما: أنَّ المقسم به محذوفٌ. تقديرُه: وربِّ الضحى. وربِّ الشمس، ونحو ذلك. قاله أكثرُ أئمة المعاني. وثانيهما: أنَّ الله تعالى يقسم بما يريد [كما يفعل ما يريد](٣)، إذ لا حكم عليه، ولا حاكم فوقه، ونحن المحكومُ عليهم، وقد أبلغنا حكمه على لسان نبيِّه ◌َ ﴿ فقال: [((من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت(٤)](٥)، و ((من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله))(٦). فيجب الانقيادُ، والامتثال لحكم ذي العزَّة والجلال. للَّه تعالى أن يحلف بما شاء من مخلوقاته (١) رواه أبو داود (٣٩٢ و ٣٢٥٢). (٢) زيادة من (م). (٣) ما بين حاصرتين سقط من (ع). (٤) هو حديث الباب. (٥) ما بين حاصرتين ساقط من (م) و(ج ٢). (٦) هو حديث الباب. ٦٢٣ (٢١) كتاب النذور والأيمان - (٤) باب: كفّارة النذر غير المسمّى كفّارةُ يمين رسولَ الله وَ ◌ّ نهى عنها ذاكراً ولا آثراً. رواه البخاري (٦٦٤٧)، ومسلم (١٦٤٦)، وأبو داود (٣٢٥٠)، والترمذي (١٥٣٣)، والنسائي (٤/٧) وابن ماجه (٢٠٩٤). [١٧٤٧] وعن عبدِ الله، عن رسولِ الله وَّهِ: أنَّه أدرك عمر بن الخطاب في ركبٍ؛ وعمر يحلف بأبيه. فناداهم رسولُ اللهِ وَّهِ: ((ألا إنَّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم، فمن كان حالفاً فليحلف بالله أو لِيَصْمُتْ)). وفي لفظٍ آخر: ((من كان حالفاً فلا يحلف إلا بالله)). وكانت قريشُ تحلف بآبائها فقال: «لا تحلفوا بآبائكم». و (قوله: ((من كان حالفاً فليحلف بالله))) لا يُفهم منه قَصْرُ اليمين الجائزة حكم الحلف على الحلف بهذا الاسم فقط، بل حكم جميع أسماء الله تعالى حكم هذا الاسم. بأسماء الله فلو قال: والعزيز، والعليم، والقادر، والسميع، والبصير؛ لكانت يميناً جائزة. وصفاته وهذا متفق عليه. وكذلك الحكمُ في الحلف بصفات الله تعالى. كقوله: وعزة الله، وعلمه، وقدرته، وما أشبه ذلك ممَّا يتَمَخَّضُ فيه الصفة الله تعالى، ولا ينبغي أن يختلفَ في هذا النوع أنَّها أيمانٌ كالقسم الأول. وأمّا ما يضاف إلى الله تعالى مما ليس بصفة له كقوله: وخَلْق الله، ونعمته، ورزقه، وبيته: فهذه ليست بأيمان جائزة، لأنها حلف بغير الله عزَّ وجلَّ. (على ما)(١) تقدَّم. وبين هذين القسمين قسمٌ آخر مُتردّدٌ بينهما، فاختلف فيه لتردُّده، كقوله: وعهد الله، وأمانته، وكفالتهِ، وحقُّه. فعندنا: أنَّها أيمانٌ ملحقةٌ بالملحق بالقسم الأول؛ لأنها صفاتٌ. وعند الشَّافعيِّ: ليست بأيمان. ورأى: أنَّها من القسم الثاني. و (قول عمر: فما حلفتُ بها ذاكراً ولا آثراً) أي: لم يقع منّي الحلفُ بها. ولا تحدثتُ بالحلف بها عن غيري. وأثرتَ الحديث: نقلْتَهُ عن غيرك. (١) في (ل ١): كما. ٦٢٤ (٢١) كتاب النذور والأيمان - (٥) باب: النهي عن الحلف بالطوافي رواه البخاري (٦٦٤٦)، ومسلم (١٦٤٦) (٣ و٤)، وأبو داود (٣٢٤٩)، والترمذي (١٥٣٤)، والنسائي (٥/٧). (٥) باب النَّهي عن الحلف بالطواغي، ومن حلف باللات فليقل: لا إله إلا الله [١٧٤٨] عن عبد الرحمن بن سَمُرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ وَلِ: (لا تحلفوا بالطّواغي، ولا بآبائكم)). رواه مسلم (١٦٤٨)، والنسائي (٧/٧)، وابن ماجه (٢٠٩٥). (٥) ومن باب: النهي عن الحلف بالطواغي الحلف بمحرَّم الطَّواغي: جمع طاغية، كالروابي: جمع رابية. والدوالي: جمع دالية. وهي شرعاً لا حنث مأخوذةٌ من الطُّغيان. وهو: الزيادةُ على الحد. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَفَا الْمَآءُ فيه ولا كفَّارة حَلْنَكُ فِي الْمَرِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] أي: زاد. وقد تقدَّم أن الطواغي، والطواغيت: كلُّ معبود سوى الله تعالى في كتاب الإيمان. وقد تقرَّر أنَّ اليمينَ بذلك مُحرَّم، ومع ذلك فلا كفَّارةَ فيه عند الجمهور لأجل الحلف بها، ولا لأجل الحنث فيها. أمَّا الأول؛ فلأنَّ النبيَّ وَ ◌ّه قد قال: ((من قال: واللات والعزَّى(١) فليقل: لا إلهَ إلا الله)) ولم يذكر كفَّارة. ولو كانت لوجب تبيينها لتعيُّن الحاجة لذلك. وأمَّا الثاني؛ فليستْ بيمينٍ منعقدةٍ، ولا مشروعةٍ فيلزم بالحنث فيها الكفارةُ(٢). وقد شذَّ بعضُ الأئمة(٣) وتناقض، فيما إذا قال: أشرك بالله، أو اكفر بالله، أو هو يهوديّ، أو (١) من (ج ٢). (٢) في (ج ٢): فيلزم الحنث فيها حكم الكفارة. (٣) في (ج ٢): أبو حنيفة. ٦٢٥ (٢١) كتاب النذور والأيمان - (٥) باب: النهي عن الحلف بالطواغي [١٧٤٩] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَ لّهِ: ((من حَلَفَ منكم؛ فقال في حلفه: باللات؛ فليقل: لا إله إلا الله. ومن قال لصاحبه: نصرانيٌّ، أو بريءٌ من الإسلام، أو من النبيِّ ◌َّهِ، أو من القرآن، وما أشبه ذلك. فقال: هي أيمانٌ يلزم بها كفارةٌ إذا حنث فيها. أمّا شذوذه: فلأنَّه لا سلفَ له فيه من الصحابة، ولا موافق له من أئمة الفتوى فيما أعلم. وأما تناقضه: فلأنَّه قال: لو قال: واليهودية، والنصرانية، والنبيِّ، والكعبة؛ لم يجبْ عليه كفَّارةٌ عنده مع أنَّها على صيغ الأيمان اللغوية، فأوجب الكفَّارة فيما لا يُقال عليه يمينٌ لا لغةً ولا شرعاً، ولا هو من ألفاظها. ولو عكس لكان أولى، وأمسَّ. ولا حُجَّةَ له في آية كفارة اليمين؛ إذ تلك الكلماتُ ليست أيماناً، كما بيَّنَّاه. ولو سلَّمنا: أنَّها أيمانٌ؛ فليست بمنعقدةٍ، فلا يتناولها العموم. ثمَّ يلزمُ بحكم العموم أن يوجب الكفارةَ في كلِّ ما يقال عليه يمينٌ لغةً، وعُرْفاً، ولم يقلْ بذلك. والله تعالى أعلم. و (قوله: (مَن قال: واللَّت؛ فليقل: لا إلهَ إلا الله))) اللَّت، والعزَّى، ومناة: أصنامٌ ثلاثةٌ كانت في جوفِ الكعبة. وقيل: كانت اللَّتُ بالطائف. والعزَّى بغطفان، وهي التي هَدَمَها خالد بن الوليد. ومناة بقديد. وقيل بالمشلل. فأمَّا اللَّت فقيل: إنّهم أرادوا به تأنيث اسم الله تعالى. وقيل: أرادوا أن يسموا بعضَ آلهتهم باسم الله تعالى، فصرف الله ألسنتهم عن ذلك؛ فقالوا: اللَّت؛ صيانةً لذلك الاسم العظيم أن يُسمَّى به غيرُه، كما صرف ألسنتهم عن نسب(١) محمَّد ◌ِّ إلى: مذمَّم، فكانوا إذا تكلموا باسمه في غير السَّبِّ قالوا: محمَّد، فإذا أرادوا أن يسبُّوه قالوا: مُذَمَّم. حتى قال النبي ◌َّهِ: ((ألا تعجبون؟ ممَّا صرف الله عنِّي من أذى قريشٍ، يسبون مذمَّماً، وأنا محمَّد))(٢). ولمَّا نشأ القومُ على تعظيم تلك الأصنام، وعلى الحلف بها، وأنعم الله عليهم بالإسلام بقيتْ تلك الأسماءُ تجري على (١) في (ع) و (ل ١): سب، والمثبت من (ج ٢). (٢) رواه البخاري (٣٥٣٣)، والنسائي (١٥٩/٦). ٦٢٦ (٢١) كتاب النذور والأيمان - (٥) باب: النهي عن الحلف بالطوافي تعال أُقَامِرْكَ؛ فليتصدق)). رواه أحمد (٣٠٩/٢)، والبخاري (٤٨٦٠)، ومسلم (١٦٤٧)، وأبو داود (٣٢٤٧)، والترمذي (١٥٤٥)، والنسائي (٧/٧)، وابن ماجه (٢٠٩٦). ألسنتهم من غير قصد للحلف بها، فأمر النبيُّ ◌َ ﴿ من نطق بذلك أن يقول بعده: لا إلهَ إلا الله، تكفيراً لتلك اللفظة، وتذكيراً من الغفلة وإتماماً للنعمة. وخصَّ اللات بالذكر في هذا الحديث لأنها كانت أكثر ما كانت تجري على ألسنتهم. وحكمُ غيرها من أسماء آلهتهم حكمها؛ إذ لا فرق بينها. والعُزَّى: تأنيث الأعزّ، كالجُلَّى: تأنيث الأجل. و (قوله: ((من قال: تعال أُقَامِرْكَ فليتصدَّق))) القول فيه كالقول في اللَّت؛ وجوب الصدقة لأنهم كانوا اعتادوا المقامرة. وهي من أكل المال بالباطل. ولمَّا ذمَّها النبيُّ ◌َّـ علی من حلف باللات أو دعا بالغ في الزَّجر عنها، وعن ذِكْرها، حتَّى إذا ذكرها الإنسانُ طالباً للمقامرة بها؛ أمره غيره للمقامرة بصدقةٍ. والظاهر: وجوبُها عليه؛ لأنَّها كفَّارةٌ مأمورٌ بها، وكذلك قولُ: لا إلهَ إلا الله. على مَن قال: واللَّت. ثمَّ هذه الصَّدقة غيرُ محدودةٍ، ولا مقدَّرة، فيتصدَّق بما تيسّر له ممَّا يصدق عليه الاسم. كالحال في صدقة مناجاة الرسول وص له في قوله تعالى: ﴿إِذَا فَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَىْ نَجْوَنَكُمْ صَدَقَةٌ﴾ [المجادلة: ١٢] فإنها غيرُ مقدَّرة. وقال الخطابيُّ: يتصدّق بقدر ما أراد أن يقامرَ به، وليس في اللفظ ما يدلُّ عليه، ولا في قواعد الشرع، ولا للعقل مجالٌ في تقدير الكفَّارات. فهو تحكم. وأبعد من هذا قولُ من قال من الحنفية: إن المراد بها: كفارة اليمين. وهذا فاسدٌ قطعاً؛ لأنَّ كفارة اليمين ما هي صدقة فقط، بل عتقٌ، أو كسوة، أو إطعامٌ، فإن لم يجدْ فصيامٌ. فكيف يصحُّ أن يقال: أطلق الصَّدقةَ، وهو يُريدُ به إطعامَ عشرة مساكين، وأنَّه مخيّر بينه وبين غيره من الخصال المذكورة معه في الآية؟ وأيضاً: ٦٢٧ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٦) باب: مَن حلف على يمين فرأى خيراً منها فليكفُرْ (٦) باب من حلف على يمينٍ فرأى خيراً منها فليُكَفِّرْ [١٧٥٠] عن زَهْدَم الجَرْمِيِّ، قال: كُنَّا عند أبي موسى فدعا بمائدته وعليها لحمُ دجاجٍ. فدخل رجلٌ من بني تيمِ الله؛ أحمر، شبيهٌ بالموالي فقال له: هلمَّ! فتلكأ، فقال: هلم! فإني قد رأيتُ رسول الله ټچ يأكل منه. فقال الرجل: إنِّي رأيته يأكل شيئاً فَقَذِرْتُه، فحلفتُ أَلَّا أَطْعَمَه. فقال: هلم! فإِنَّه لا يتمشَّى على أصل الحنفية المتقدِّم الذِّكر، فإنَّهم قالوا: لا تجبُ الكفارة إلا بالحنث في قوله: هو يهوديٌّ، أو نصرانيٌّ، إلى غير ذلك ممَّا ذكروه. وهذا حكمٌ مُعلَّقٌ على نطقٍ بقولٍ ليس فيه يمين، ولا التزامٌ، وإنَّما هو استدعاءٌ للمقامرة. فأين الأرضُ من السماء؟ والعرش من الثَّرى؟ !. (٦) ومن باب: من حلفَ على يمينٍ فرأى غيرَها خيراً منها فليكفّر (قوله: إنَّ أبا موسى دعا بمائدِهِ وعليها لحمُ دجاجٍ) يدلُّ: على أنَّ أكلَ حكم أكل الطَّات على الموائد جائزٌ معمولٌ به عندهم. وأنَّ ذلك لا يُناقض الزُّهدَ، ولا الطيِّات يُنقصه خلافاً لبعض متقشِّفة المتزهدة. و (قول الرَّجل: رأيته يأكل شيئاً فقَذِرْتُهُ) يعني به: أنَّه رأى الدَّجاج يأكلُ حكم أكل نجاسةً فاستقذرَه، فحلفَ ألا يأكلَه لذلك. وظاهر قول هذا الرجل؛ أنَّه كان يكره الحيوانات التي أكلَ ما يأكلُ النجاساتِ من الحيوانات. وقد اختلف في ذلك. فكرهَهُ قومٌ. فكان النجاسات تأكــل ابنُ عمر لا يأكلُ الدَّجاجة حتَّى يقصرَها أياماً. ومثل ذلك روي عن ابن القاسم في الجدي الذي ارتضعَ على خنزيرة: إنَّه لا يُذْبح حتَّى يذهبَ ما في بطنِهِ. وكرهَ الكوفيُّون أكل لحوم الجلَّلة، والشافعيُّ: إن كان أكلُها أو غالبُه النجاسةَ، فإن كانَ غالبُهُ الطَّهارة لم يكرهه. وأجازَ مالكٌ أكل لحوم الإبل الجلَّلة، وأكلَ ما يأكلُ الجيفَ من الطَّير وغيره لبعد الاستحالة. ٦٢٨ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٦) باب: مَن حلف على يمين فرأى خيراً منها فليكفُرْ أُحدِّثْك عن ذلك! إني أتيتُ رسول اللهِ وَّهُ في رهطٍ من الأشعريِّين نستحمله، فقال: ((والله! ما أحملكم، وما عندي ما أحملكم عليه)». فلبثنا ما شاء الله، فأُتي رسول الله وَ ﴿ بنهب إبلٍ، فدعا بنا، فأمر لنا بخمس ذَوْدٍ غُرّ الذُّرَى. قال: فلما انطلقنا قال بعضنا لبعض: أَغْفَلْنَا رسولَ الله وَ ه یمینه ، قلتُ: وهذا محمولٌ على ما إذا ذهبَ ما في بطونها من ذلك، كما حكيناه عن ابن القاسم، لأنَّ مالكاً قد قال في روث ما يأكلُ النجاسة وبَوْلِهِ: أنَّه نجسٌ، بخلاف أصله في أنَّ الأبوال تابعةٌ لِلُحوم. وكره ابنُ حبيب من أصحابنا أكلَ ما يأكلُ النجاساتِ مطلقاً. قلتُ: وقد روى أبو داود من حديث ابن عباس: أنَّ النبيَّ لَّهِ نهى عن أكلٍ الجَلَّلة وألبانِها(١). وهو حجَّةٌ لابن حبيب؛ لولا أنَّه من رواية محمد بن إسحاق. و (قوله: فتَلَكَّأَ) أي: تثاقلَ، وتأخّر. و(نستحمله) أي: نسأله أن يحملَنا. أي: يُعطينا ما نتحمَّل عليه وبه، و (نَهْبُ إبلٍ) أي: غنيمتها. والنهب: الغنيمة. وكان أبو بكرٍ - رضي الله عنه - إذا أوترَ من أول الليل قال: أحرزتُ نهبي. أي: غنيمتي. وقد تقدَّم الكلام في (الذَّوْدِ) في كتاب الزكاة. و (قوله: غُرِّ الذُّرى) غرُّ: جمع أغرُّ. وأصله: الذي في جبهته بياضٌ من الخيل. و(الذُّرى): جمع ذُروة. وهي: من كل شيءٍ أعلاه. والمراد بـ (غرِّ الذُّرى): أن تلك الإبلَ كانت بيضَ الأسنمة. وقد روي: (بُقْعُ الذُّرى) أي: فيها لمعِّ بيضٌ وسودٌ. ومنه قيل: (الغرابُ الأبقعُ) و (الشَّاة البقعاء): إذا كانا كذلك. و (قوله: أَغْفَلْنَا رسولَ اللهِ له يمينَه) أي: وجدناه غافلاً عنها. كما تقولُ العرب: أحمدتُ الرَّجل: وجدتُه محموداً. وأذممته: وجدتُه مذموماً. فكأنّه قالَ: (١) رواه أبو داود (٣٧٨٥). ٦٢٩ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٦) باب: مَن حلف على يمين فرأى خيراً منها فليكفّرْ لا يُبَارَكُ لنا! فرجعنا إليه، فقلنا: يا رسول الله! إنا أتيناك نستحملُك، وإنك حلفت: ألا تحملنا، ثم حملتنا، فنسيتَ يا رسول الله؟! قال: ((إني والله! إن شاء الله، لا أحلف على يمينٍ فأرى غيرها خيراً منها؛ إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ، وتحللتها، فانطلقوا فإنَّما حَمَلَكُمُ اللَّهُ عز وجل)). وجدناه غافلاً عنها، فاغتنمنَا غفلتَه، فأخذنا منه في حال غفلته. و (قوله: لا يُبَارَكُ لنا) أي: فيما أعطانا إنْ سكتنا عن ذلك ولم نعرِّفْهُ. وفيه من الفقه ما يدلُّ على جواز اليمين عند التبرُّم، وجواز ردّ السَّائل المثقل عند تعذُّر الإسعاف، وتأديبه بنوع من الإغلاظ بالقول. وذلك: أنَّهم سألوه في حالٍ تحقَّقَ فيها: أنَّه لم يكن عنده شيءٌ، فأذَّبهم بذلك القول، ثمَّ: إنَّه ◌ِوَه بقي مترقِّباً لما يُسعِفُ به طِلْبَتَهُم، ويجبرُ بهِ انكسارَهم، فلمَّا يسَّر اللَّهُ تعالى ذلك عليه أعطاهم، وجبرَهم على مقتضى کرم خُلُقِه. و (قوله: ((إنِّي واللَّه لا أحلفُ على يمينِ فأرى غيرَها خيراً منها إلا أتيتُ الذي هو خيرٌ وتحلَّلتها)، وفي الرواية الأخرى: ((إلا كفَّرتُ عن يميني، وأتيتُ هل تجزىء الذي هو خيرٌ)) اختلافُ هاتين الروايتين أوجبَ اختلاف العلماء في الكفارة قبل الكفارة قبل الحنث؟ الحنث هل تجزىء، أم لا؟ على ثلاثة أقوال: جوازها مطلقاً. وهو مذهب أربعة عشر من الصحابة، وجمهور الفقهاء. وهو مشهورُ مذهب مالكِ. وقال أبو حنيفة، وأصحابُه: لا تُجزىء بوجهٍ. وهي رواية أشهب عن مالكِ. وقال الشَّافعيُّ: تُجزىء بالإطعام، والعتق، والكسوة. ولا تُجزىء بالصَّوم. وقد ذكرَ أصحابُنا للخلاف في هذه المسألة سبباً آخر. وهو اختلافهم في اليمين. هل هو جزء السبب، والحنث الجزء الآخر؟ أم ليس كذلك؟ بل وجود اليمين هو السبب فقط، والحنثُ شرطُ وجوب الكفَّارة. وبسطُ هذا في مسائل الخلاف. وذكرَ (١) مسلمٌ في بعض طرق حديث أبي موسى الأشعريِّ المُردَفة. حدثنا شيبان بن فرُّوخ، حدثنا الصَّعِقُ (١) انظر صحيح مسلم (١٢٧١/٣). ٦٣٠ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٦) باب: مَن حلف على يمين فرأى خيراً منها فليكفِّرْ وفي روايةٍ: ((إلا كفَّرتُ يميني وأتيتُ الذي هو خيرٌ)). رواه البخاري (٧٥٥٥)، ومسلم (١٦٤٩) (٩ و ٧)، وأبو داود (٣٢٧٦)، والنسائي (٩/٧). ابن حَزْن - بكسر العين - من الصعِقِ، حدثنا مطر الورَّاق، حدثنا زَهْدَم الجَزْمِيُّ. وهذا سندٌ فيه نظرٌ. وذلك: أنَّ الدارقطني استدركَه على مسلم. فقال: ابن الصَّعِقِ، ومطر ليسا بالقويين، ولم يسمعْ مطرُ من زَهْدَمٍ. قلتُ: وهذا لا عتْبَ على مسلمٍ فيه، ولا نقصَ يلحقُ كتابَه بسبب ذلك؛ لأنَّه قد أخرجَ الحديثَ من طرقٍ كثيرةٍ صحيحةٍ، ثم أردفَ هذا السَّند بعد تلك الطُرق الصحيحة المتصلة، ولذلك قال فيه: عن زهدم قال: دخلت على أبي موسى، وهو يأكلُ لحمَ دجاجٍ، وساقَ الحديث بنحو حديثهم، وزادَ فيه: قال: إنِّي والله ما نسيتُ. فذكرَه مُرْدِفاً لأجل هذه اللفظة الزائدة، ثمَّ هذا على ما شرَطه في أول كتابه؛ حيث قَسَم الأسانيدَ إلى ثلاثة أقسامٍ، وثلاث طبقاتٍ. فهذا السَّند من الطَّبقة الأخيرة؛ التي هي دونَ من قبلَها، وفيها مّغمزٌ بوجهٍ ما. وهذا يدلُّ: على أنَّه أدخل الثلاثَ الطبقاتِ في كتابه خلافاً لمن زعمّ: أنَّه لم يُدخل فيه من الطَّبقة الثالثة أحداً. وذكرَ مسلمٌ بعد هذا السَّندِ ضُرَيبُ بن نُقَيْر عن زهدمٍ. قال القاضي عياض: ضُرَيْب بن نُقَير [- مصغران - ونُفَيْرٌ](١) هذا بالقاف أشهر. وهي رواية الصَّدَفيِّ، والأسديِّ، والتميميُّ من أشياخنا. وكذا قيَّدناه عنهم. وكان الخشنيُّ قيَّده بالفاء. وقال الحافظ أبو عليَّ: يقال بهما. والقاف أشهر. وأمَّا جُبير بن نُفير: فلم يختلف: أنَّه بالفاء. و (قول أبي موسى: وافقته وهو غضبان)(٢) وحلفه في تلك الحال يدلُّ (١) ما بين حاصرتين سقط من (ع). (٢) إشارة إلى إحدى روايات الحديث في مسلم برقم (١٦٤٩) (٨) والتي لم تُذكر في التلخيص. ٦٣١ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٦) باب: مَن حلف على يمين فرأى خيراً منها فليكفُرْ [١٧٥١] وعن أبي هريرة قال: أعتم رجلٌ عند النّبِيِّ بَّر، ثم رجع إلى أهله فوجد الصبية قد ناموا، فأتاه أهله بطعامه، فحلف لا يأكل من أجل صبيته، ثم بدا له فأكل، فأتى رسول الله وَ ل﴿ فذكر ذلك له، فقال رسول الله وَطار: ((من حلف على يمينٍ؛ فرأى غيرها خيراً منها؛ فليأتها؛ ولیکفّر عن یمینه». وفي أخرى: ((فليكفَّر عن يمينه، وليفعل الذي هو خير)). رواه مسلم (١٦٥٠) (١١ و١٤)، والترمذي (١٥٣٠). لمالكِ: على صحة قوله بلزوم حكم اليمين الواقعة في حال الغضب. وهو له حجَّةٌ على الشَّافعي حيث قال: إنَّها لا تلزم، كما تقدَّم. ويدلُّ أيضاً على قول مالك حدیث عديّ بن حاتم المذكور. و (قوله: أعْتَمَ رجلٌ عند النبيِّينَ﴾ أي: تأخّر عنده إلى عَتَمَةِ الليل. وهي شدَّةُ ظلمته. ولعلَّه يريدُ بذلك: أنَّه صلَّى مع رسول الله ﴿ِ العَتَمَةَ، وكان النبيُّ ◌َّ قدْ أخّرَها منتظراً للنَّاس، فإِنَّه وَله كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجَّل، وإذا رآهم قد أبطؤوا أخَّر. يعني: في العشاء الآخرة. و (قوله ◌َّلجر: ((من حلف على يمينٍ فرأى غيرها خيراً منها فليكفِّر عن يمينه، حكِم تقديم وليفعل الذي هو خيرٌ))) هذا أمرٌ من النبيِّ وَله بتقديم الكفارة على الحنث. وهو الكفّارة على الحنٹ نصٌّ في الردِّ على أبي حنيفة، فإنَّ أقلَّ مراتب هذا الأمر أن يكونَ من باب الإرشاد إلى المصلحة. وأقلُّ مراتب المصلحة أن تكون مباحةً. فالكفارةُ قبل الحنث جائزة مجزيةٌ. وقد تضافر على هذا المعنى فعلُ النبيِّ ◌َ﴿ المتقدِّم في حديث أبي موسى، وأمره هذا، وكذلك حديث عديٍّ الآتي بعد هذا. و (قوله: ((فليفعل الذي هو خيرٌ)) أي: الذي هو أكثرُ خيراً. أي: الذي هو أصلح. يعني: من الاستمرار على موجب اليمين، أو ما يُخالف ذلك ممَّا يحنث ٦٣٢ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نية المستحلف [١٧٥٢] وعن تميم بن طرَفَة قال: جاء سائلٌ إلى عديٍّ بن حاتم. فسأله نفقةً في ثمن خادم، أو في بعض ثمن خادم. فقال: ليس عندي ما أعطيك إلا دِرْعي، وَمِغْفَري. قال: فَأَكْتُبُ إلى أهلي أن يعطوكها، قال: فلم يرض. فغضب عديٌّ. فقال: والله لا أعطيك شيئاً! ثم إنَّ الرجل رضي، فقال: أما والله! لولا أني سمعت رسول الله وَل و يقول: ((من حلف على يمينٍ ثم رأى أتقى لله منها؛ فليأت التقوى)) ما حتَّثْتُ يميني. رواه مسلم (١٦٥١) (١٥) به. والأصلحُ تارةً یکون من جهة الثواب و کثرته. وهو الذي أشار إليه في حدیث عديٌّ، حيث قال: ((فليأت التَّقوى)). وقد يكون من حيث المصلحةُ الرَّاجحةُ الدنيويَّ التي تطرأ عليه بسبب تركها حرجٌ ومشقّةٌ. وهي التي أشار إليها النبي ◌ِه بقوله: ((لُأَنْ يَلَجَّ أحدُكم بيمينه آثَمُ له عند الله من أن يكفِّرُ)))(١) يعني بذلك: أنَّ استمراره على مقتضى يمينه إذا أفضى به إلى الحرج - وهو المشقّة - قد يفضي به إلى أن يأثم، فالأولى به أن يفعل ما شرع اللَّهُ له من تحنيثه نفسه وفعل الكفارة(٢). وغضب عديٍّ في الحديث الأول ويمينه سببهما: أنَّ الرَّجل السائل لم يرض بالدِّرع والمِغْفَرِ مع أنَّه لم يكن عنده غيرهما. ويمينه في الحديث الثاني وما يفهم من غضبه فيه سببه فيما يظهر من مساق الحديث: أن عديّاً استقلَّ ما سُئِل منه. ألا ترى قوله: تسألني مئة درهم، وأنا ابن حاتم؟! فكأنَّه قال: تسألني هذا الشيء اليسير وأنا من عرفت؟ أي: نحن معروفون ببذل الكثير. فهذا سببٌ غير السبب (١) الحديث في صحيح مسلم (١٦٥٥) (٢٦). (٢) في حاشية (م): الحرج الذي يلحقه في المضيِّ على اليمين أشدُّ من الحرج الذي يلحقه في إخراج الكفارة. هذا معناه. ٦٣٣ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف [١٧٥٣] وعنه، قال: سمعتُ عديَّ بنَ حاتم - وأتاه رجل يسأله مئة درهم - قال: تسألني مئة درهم وأنا ابن حاتم؟! والله لا أعطيك! ثم قال: لولاً أنَّ سمعت رسول الله وَّه يقول: ((من حلَف على يمينٍ ثم رأى خيراً منها؛ فليأت الذي هو خیر)). وفي روايةٍ: ((فرأى خيراً منها فليكفرها وليأت الذي هو خير)). رواه مسلم (١٦٥١) (١٨ و١٧)، والنسائي (١١/٧). (٧) باب اليمين على نية المستحلف والاستثناء فيه [١٧٥٤] عن أبي هريرة، قال: قال رسولُ الله ◌َله: ((يمينك على ما ◌ُصدِّقُكَ عليه صاحِبُك)). الأول. هذا ظاهرُ الحديث، غير أنَّ القاضي عياضاً قال: معنى قوله عندي: وأنا ابنُ حاتم. أي: عُرِفْتُ بالجود، ووَرِثْتُهُ، ولا يمكنني ردُّ سائلٍ إلا لعذرٍ، وقد سأله ويعلم: أنه ليس عنده ما يعطيه، فكأنّه أراد أن يُبخِّلَهُ. فلذلك قال: واللَّهِ لا أعطیك؛ إذ لم یعذره. قلتُ: وهذا المعنى إنما يليقُ بالحديث الأول، لا بالثاني. فتأمَّلْهُما. وفيه من الفقه: أنَّ اليمين في الغضب لازمة كما تقدم. (٧) ومن باب: اليمين على نيّة المستحلِف (قوله: ((يمينك على ما يُصَدِّقك عليه صاحبك))) يعني: أنَّ يمينَك التي يجوزُ الحلفُ بالحقِّ لك أن تحلفها؛ هي التي تكونُ صادقةً في نفسها، بحيث لو اطّلع عليها صاحبُك والصدق ٦٣٤ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف وفي رواية: ((يُصَدِّقُكَ به صاحبُك)). رواه أحمد (٢٢٨/٢)، ومسلم (١٦٥٣)، وأبو داود (٣٢٥٥). [١٧٥٥] وعنه، قال: قال رسول الله وَلهو: ((اليمين على نية المستخلِف». رواه مسلم(١٦٥٣) (٢١). العلم: أنَّها حقٌّ وصِدْقٌ، وأنَّ ظاهر الأمر فيها كباطنه، وسرَّه كعَلَنِهِ، فيصدقك فيما حلفت عليه. فهذا خطابٌ لمن أراد أن يُقْدِمَ على يمينٍ، فحقُّه أن يعرضَ اليمينَ على نفسه، فإن رآها كما ذكرناه حلف إن شاء، وإلا أمسك؛ فإنها لا تحلُّ له. هذا فائدةُ هذا اللفظ . فأمَّا (قوله: ((اليمينُ على نيَّة المستحلِف))) فمقصوده: أنَّ من توجّهت عليه يمينٌ في حقِّ ادُّعِيَ عليه به؛ فحلفَ على ذلك لفظاً، وهو ينوي غيره، لم تنفعه نيَّته، ولا يخرج بها عن إثم تلك اليمين. ويظهر من كلام الأئمة على هذين الحديثين: أنَّ معنى الأول مردودٌ إلى الثاني، وما ذكرته أولى إن شاء الله تعالى. ویتبيَّنُ لك ذلك من سياق اللفظين. فتأملهما تجد ما ذكرته. وإذا تقرَّر هذا؛ فاعلم: أنَّ اليمين إمَّا أن يتعلَّق بها حقٌّ لّ دميٍّ أو لا. فإن لم يتعلَّقْ بها حقٌّ لَادميٌّ، وجاء صاحبُها مستفتياً، ولم يضبط بشهادة؛ فله نيَّته. قال القاضي: ولا خلافَ في ذلك نعلمه. وأما إن حلف لغيره في حقِّ عليه؛ فلا خلافَ أنَّه يحكم عليه بظاهر يمينه إذا قامت عليه بيَّةٌ، سواءٌ حلف متبرِّعاً، أو مُسْتَحْلَفاً. وأمَّا فيما بينه وبين الله تعالى: فاختلفَ فيه قولُ مالكِ وأصحابه اختلافاً كثيراً. فقيل: على نيّة المحلوف له. وقيل: على نيّة الحالف. وقيل: إن كان مُسْتَحْلَفاً؛ فاليمينُ على نيّة المحلوف له. وإن كان متبرعاً؛ فعلى نية الحالف. وهو ظاهرُ قول مالكِ، وابن القاسم. وقيل: عكسه. وقيل: تنفعه نيَتُه فيما لا يقضى عليه فقط. العبرةُ في الحلف على اللفظ الظاهر ٦٣٥ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف [١٧٥٦] وعنه، عن النَّبيَِّ﴾ قال: ((قال سليمان بن داود نبيُّ الله: لَأَطِيْفَنَّ الليلةَ على سبعين امرأةً؛ كُلُهنَّ تأتي بغلامِ يُقاتلُ في سبيل الله ..... وروي عن مالكِ: إنْ كان على وجه المكر والخديعة؛ فهو آثمٌ. وإن كان على وجه العُذْر فلا. وعکسه ابنُ حبيب. ذكر هذه الأقوالَ كلها القاضي عياض، وقال: ولا خلافَ في أنَّ الحالفَ بما يقتطعُ به حقَّ غيره ظالمٌ، آئمٌ، حانثٌ. و (قول سليمان: لَأَطِيْفَنَّ الليلةَ على سبعينَ امرأةً) هذا الكلام قَسَمٌّ؛ وإن لم حكم الحلف يُذكر فيه مُقْسَمٌ به؛ لأنَّ لام (لَأَطِيْفَنَّ) هي التي تدخلُ على جواب القسم. فكثيراً ما بألفاظ لا تدل تَحْذِفُ معها العربُ المُفْسَمَ به اكتفاءً بدلالتها على المُقْسَم به، لكنَّها لا تدلُّ على معيّن على مُقْسَم به مُقْسَمٍ به مُعَيَّنٍ. وعلى هذا: ففيه من الفقه ما يدل: عَلى أنَّ من قال: أحلفُ، أو أشهد، أو ما أشبه ذلك ممَّا يفيدُ القَسَمَ، ونوى بذلك الحلف بالله تعالى؛ كانت يميناً جائزة، منعقدةً. وهو مذهبُ مالكِ. وقد قال الشّافعيُّ: لا تكونُ يميناً بالله تعالى حتى يتلفَّظَ بالمُقْسَم به. وقال أبو حنيفة: هي يمينٌ أراد بها اليمينَ بالله تعالى أم لا. وكأنَّ الأولى ما صار إليه مالكٌ؛ لأنَّ ذلك اللفظَ صالحٌ وَضْعاً للقَسَم بالله تعالى؛ فإذا أراده الحالف؛ لزمه كسائر الألفاظ المقيّدة بالمقاصد من العمومات، والمطلقات، وغير ذلك. وأمَّا إذا لم يُرِدْ باللفظ القَسَم أو القَسَم بغير الله تعالى؛ فلا يلزمه به شيءٍ(١)، لأنَّ الأوَّلَ لا يكون يميناً، والثاني غير جائز، ولا مُنْعَقِدٍ، فلا يلزم به حكمٌ على ما تقدَّم. و (قوله: كُلُّهُنَّ تأتي بغلامِ يُقَاتِلُ في سبيل الله)، وفي اللفظ الآخر: (بفارس). قد تقدَّم القولُ في الغلام، وأنَّه الصغير. وأراد به ها هنا: الشابّ المطيقّ للقتال. وهذا الكلامُ من سليمانَ ﴿ ظاهره الجزمُ على أنَّ اللَّهَ يفعلُ ذلك (١) في (ج ٢): حكم. ٦٣٦ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف الذي أراد، لكن الذي حمله على ذلك صدقُ نيته في حصول الخير، وظهورٍ الدِّين، وفعل الجهاد، وغلبةُ رجاء فضل الله تعالى في إسعافه بذلك. ولا يَظُّ به: أنه قطعَ بذلك على الله تعالى إلا من جهل حالة الأنبياء في معرفتهم بالله تعالى وبحدوده، وتأدّبهم معه. ورواية العُذْري: (لأطوفنَّ). ورواية الجماعة كما تقدم. وكلاهما صحيحٌ في اللغة. يقال: أطفت بالشيء، أطيف به، وأنا مطيف. وطفت على الشيءٍ، وبه، أطوف، وأنا طائف، كما قال تعالى: ﴿فَطَّفَ عَلَيْهَا طَلِفٌ مِّن رَّكَ وَهُمْ نَآَيِمُونَ ﴾ [القلم: ١٩]. وأصله: الدَّوران حول الشيء. ومنه: الطواف بالبيت. وهو في هذا صحة وسلامة الحديث كنايةٌ عن الجماع، كما جاء عن نبيًّا وَّرِ: أنَّه كان يطوفُ على نسائِه، وهنَّ الأنبياء عليهم تسعٌّ، في ساعة واحدةٍ من ليلٍ أو نهارٍ (١). وهذا يدلُّ: على ما كان اللَّهُ تعالى خَصَّ الصلاة والسلام به الأنبياء من صحة البنية، وقوة الفحوليّة، وكمال الرُّجولية، مع ما كانوا فيه من الجهد، والمجاهدات، والمكابدات على ما هو المعلوم من حال نبيِّنًا وَّةٍ، وأنَّه توفِّي ولم يشبع من خبز البُرِّ ثلاث ليالٍ تباعاً (٢). وقد روي عن سليمان اَلِهِ: أنَّه كان يفترش الرَّماد، ويأكل خبز الرَّماد(٣). وهذا هو المعلوم من حال الأنبياء - صلوات الله عليهم أجمعين - ومن كان هذه حاله فالعادة جاريةٌ بأن يضعف عن الجماع، لكن خرق الله لهم العادة في أبدانهم، كما خرقها لهم في معجزاتهم، وأكثر أحوالهم. (١) رواه أحمد (١١١/٣). (٢) رواه البخاري (٥٤١٦) من حديث عائشة، وأحمد (٤٣٤/٢)، ومسلم (٢٩٧٦) من حديث أبي هريرة. (٣) ((خبز الرماد)): هو الظُّلْمةُ، وهي: عجين يُوضع في الملَّة حتى ينضج. والملَّة: الرَّماد والتراب الذي أُوقِد فيه النار. ٦٣٧ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف فقال له صاحبه، أو المَلَك: قل: إن شاء الله، وقد اختلفت الرِّوايات في عدد النِّساء اللواتي طاف عليهنَّ سليمان. ففي الأصل: ستون، وسبعون، وتسعون. وفي غير كتاب مسلم: مئة. والله تعالى أعلم أيُّ ذلك كان. و (قوله: ((فقال له صاحبه أو المَلَكُ))) هذا شكّ من أحد الرواة في الذي قاله النبيُّ ◌َ﴿ منهما. فإن كان صاحبه، فيعني به: وزيره من الإنس، أو الجنِّ. وإن كان المَلَكُ؛ فهو الذي كان يأتيه بالوحي. وقد أبعد من قال: هو خاطره. و (قوله: قل: إن شاء الله) هذا تذكيرٌ له بأن يقولَ بلسانه، لا أنَّه غفل عن عتابُ الأنبياء التفويض إلى الله تعالى بقلبه؛ فإنَّ ذلك بعيدٌ على الأنبياء، وغير لائقٍ بمناصبهم: بما لا يُعاتب ١ عليه غيرهم الرفيعة، ومعارفهم المتوالية. وإنَّما هذا كما قد اتفق لنبيِّنًا وَطي لما سُئِل عن الرُّوح، والخَضِر، وذي القرنين؛ فوعدهم بأن يأتي بالجواب غداً، جازماً بما عنده من معرفته بالله تعالى، وصِذْق وعده في تصديقه، وإظهار كلمته، لكنه ذَهَل عن النطق بكلمة: (إن شاء الله)، لا عن التفويض إلى الله تعالى بقلبه، فأُدِّبَ بأن تأخّر الوحي عنه؛ حتى رموه بالتكذيب لأجلها. ثم إنَّ الله تعالى علَّمه وأدَّبه بقوله: ﴿ وَلَا نَقُولَنَّ لِشَأَىْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلَّ أَن يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤]، فكان بعد ذلك يستعملُ هذه الكلمةَ حتَّى في الواجب(١). وهذا لعلوٍّ مناصب الأنبياء، وكمال معرفتهم بالله تعالى، يُناقشون، ويُعاتبون على ما لا يعاتب عليه غيرهم، كما قد قال النبيُّ ◌َ﴿ في حقٌّ لوطٍ: ((ويرحم الله لوطاً! لقد كان يأوي إلى ركن شديد))(٢) فعَتَبَ عليه نطقه بكلمةٍ يسوغ لغيره أن ينطقَ بها، وقد استوفينا هذا المعنى فيما تقدَّم. (١) في (ل): الوجوب. (٢) رواه أحمد (٣٢٦/٢)، والبخاري (٣٣٧٢)، ومسلم (١٥١) (٢٣٨)، وابن ماجه (٤٠٢٦). ٦٣٨ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نية المستحلف فلم يقل، ونسي؛ فلم تأت واحدةٌ من نسائه؛ إلا واحدةٌ جاءت بشقِّ غُلام. قال رسول الله وَلفيه: ((ولو قال: إن شاء الله، لم يَحْنَثْ، وكان دَرَكاً لحاجته)). ١ و (قوله: ((فلم يقل، ونسي))) أي: لم ينطق بتلك الكلمة ذهولاً ونسياناً، أنساه اللَّهُ تعالى إيَّاها لينفذَ قدرُ الله تعالى الذي سبق به عِلْمُه، من جعل ذلك النسيان سبباً لعدم وقوع ما تمنَّه وقَصَده سليمان - عليه السلام -. جواز قول (لو) و (قوله: ((فلو قال: إن شاء الله لم يحنث))) دليلٌ: على جواز قول: (لو) و (لولا) بعد و (لولا) بعد وقوع المقدور. وقد وقع من ذلك مواضع كثيرة في الكتاب، والسُّنَّة، وكلام السَّلف، كقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنَّ لِكُمْ قُوَّةٌ أَوْ ءَاوِىّ إِلَى رَكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، وقوع المقدّر وكقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسٌَّ مُّؤْمِنَتٌ﴾ [الفتح: ٢٥]، وكقوله وَّ: ((لولا حواءُ لم تخن أنثى زوجَها الذَّهر، ولولا بنو إسرائيل لم يخبث الطَّعام، ولم يَخْتَز اللحمُ))(١). النھي عن قول (لو) تضجّراً أو اعتماداً على الأسباب فأمَّا قولُ النَّبِيِّ:﴿ في الصحيح: ((لا يقولنَّ أحدُكم: لو؛ فإنّ (لو) تفتحُ ، عملَ الشيطان))(٢)) فمحمول على من يقول ذلك معتمداً على الأسباب، مُغْرِضاً عن المقدور، أو متضجّراً منه، كما حكاه الله تعالى من قول المنافقين حيث قالوا: ﴿لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ثمَّ ردَّ الله قولهم، وبيَّن لهم عَجْزَهم، فقال: ﴿قُلْ فَأَدْرَهُواْ عَنْ أَنفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَدِّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] ولذلك قال وَ﴿ه في ذلك الحديث: ((المؤمن القويُّ خيرٌ وأحبُّ إلى الله من المؤمن الضَّعيف، وفي كلِّ خيرٌ. احرِصْ على ما ينفعك، واستعنْ بالله ولا تَعْجِزْ، ولا تقلْ: لو كان كذا لكان كذا؛ فإنَّ (لو) تفتح عمل الشيطان. قلْ: ما شاء الله كان، وما شاء فعل))(٣) فالواجبُ عند وقوع المقدور التسليمُ لأمر الله، وتركُ الاعتراض على (١) رواه أحمد (٣١٥/٢)، والبخاري (٣٣٩٩)، ومسلم (١٤٧٠) (٦٢). (٢) هو الحديث التالي. (٣) رواه أحمد (٣٦٦/٢ و٣٧٠)، ومسلم (٢٦٦٤)، والنسائي في عمل اليوم والليلة (٦٢٣ و٦٢٤)، وابن ماجه (٧٩) و (٤١٦٨). ٦٣٩ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف الله، والإعراضُ عن الالتفات إلى ما فات. فيجوز النطق بـ (لو) عند السلامة من تلك الآفات. والله تعالى أعلم. وفيه دليل: على أنَّ اليمينَ بالله تعالى إذا قُرِنَ بها (إن شاء الله) لفظاً منويّاً؛ حكم الاستثناء لم يلزم الوفاءُ بها، ولا يقع الحنثُ فيها. ولا خلافَ في ذلك. واختلفوا فيما إذا في الحلف وقع الاستثناء منفصلاً عن اليمين. فالجمهور: على أنَّه لا ينفع(١) الاستثناءُ حتى يكون مثَّصلاً به، منويّاً معه، أو مع آخر حرفٍ من حروفه. وإليه ذهب مالكٌ، والشَّافعيُّ، والأوزاعيُّ، والجمهورُ. وقد اتفق مالك والشافعيُّ: على أنَّ السُّعال، والعطاس، وما أشبه ذلك لا يكون قاطعاً إذا كان ناوياً له. وقال بعضُ أصحابنا: لا ينفع الاستثناءُ إلا أن ينويه قبل نطقه بجميع حروف اليمين. وعند هؤلاء: أنَّ السكوتَ المختارَ الذي يقطع به كلامه، أو يأخذ في غيره لا ينفع معه الاستثناء. وكان الحسنُ، وطاووس، وجماعةٌ من التَّابعين يرون للحالف الاستثناء ما لم يقمْ من مجلسه. وقال قتادة: ما لم يقمْ أو يتكلم. وعن عطاء: قذر حلبة ناقة. وعن سعيد بن جبير: بعد أربعة أشهر. وروي عن ابن عباس: بعد سنة. وقد أُنكرت هذه الرواية عنه، وضُعَّفَتْ، وتأولها بعضُهم: بأنَّ له أن يستثنيَ امتثالاً لأمر الله: ﴿وَلَا نَقُولَنَ لِشَأَىْءٍ إِ فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلََّ أَن يَشَآءَ اَللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ -٢٤] لا لحلٌ اليمين. والصَّحيحُ الأول إن شاء الله؛ لأنه لو لم يُشْتَرط الاتصالُ لما انعقدت يمينٌ، ولا تصوّر عليها ندمٌ، ولا حنثٌ، ولا احتيج للكفارة فيها. وكلُّ ذلك حاصلٌ بالاتفاق. فاشتراطُ الاتصالِ صحيحٌ. ولتفصيل هذه الجملة علم الخلاف. جواز فصل الاستثناء وقد احتجَّ من قال بفصل الاستثناء بما قال في هذا الحديث: إنّ سليمان بالسكوت اليسير - عليه السلام - لمَّا حلف قال له صاحبه - أو - المَلَك: قل: إن شاء الله. ووجهه: (١) في (ع) و(م): يقع. ٦٤٠ (٢١) كتاب النذور والإيمان - (٧) باب: اليمين على نيّة المستحلف وفي رواية: ((على تسعين امرأةً؛ كلها تأتي بفارس يُقَاتلُ في سبيل أنَّه إنّما عرض عليه الاستثناء بعد فراغه من اليمين. فلو قالها بعد فراغ قول الصَّاحب لكان قولها غير مثَّصلِ باليمين، [ومع ذلك](١) فلو قالها لكانت تنفع، ولم يحنث، كما قال النبيُّ ◌َّ: ((لو قال: إنْ شاء اللَّهُ لم يحنث)). والجواب: منع أنه قاله بعد فراغه من اليمين. بل لعلَّه قال ذلك في أضعاف يمينه؛ لأنَّ يمينه تلك كثرت كلماتها فطالت. وليس ذلك الاحتمال بأولى من هذا، فلا حجّة فیه، لا له، ولا عليه. وقد احتجَّ المخالفُ أيضاً بما رواه أبو داود عن عِكْرمة - مولى ابن عباس -: أنَّ رسولَ اللهِ ﴿ قال: ((واللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قريشاً! واللَّهِ لأَغْزُوَنَّ قريشاً! واللّهِ لأَغْزُوَنَّ قريشاً!)) ثم قال: ((إن شاء الله))، وفي روايةٍ: ثمَّ سکت، ثمّ قال: ((إن شاء الله))(٢). وهذا مرسل. وقد أُسند من حديث عبد الواحد بن صفوان. وليس حديثُه بشيءٍ على ما قاله أهلُ الحديث. والمرسل هو الصحيح. قلتُ: وهذا الحديث حجةٌ ظاهرةٌ على جواز الفصل بالسُّكوت اليسير، وأنَّ ذلك القدر ليس بقاطع؛ لأنَّ الحالَ شاهدةٌ على الاتصال، لكن عند من يقبل المرسل. ويحتمل أن يكون ذلك السكوتُ عن غلبة نَفَسٍ خارجٍ أو أمرٍ طارىءٍ. وفيه بُعْدٌ. حكم الاستثناء بمشيئة الله في الطلاق والعتاق ثمَّ اختلف العلماءُ في الاستثناء بمشيئة الله تعالى؛ هل يَرْفَعُ حكم الطَّلاق، والعتاق، والمشي لمكة، وغيرها من الأيمان بغير الله تعالى، أم لا؟ فذهب مالكٌ، والأوزاعيُّ: إلى أنَّ ذلك لا يرفعُ شيئاً من ذلك. وذهب الكوفيُّون، والشافعيُّ، وأبو ثور، وبعض السّلف: إلى أنه يرفعُ ذلك كلَّه. وقصر الحسنُ الرَّفعَ على العتق، والطلاق خاصةً. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه أبو داود (٣٢٨٥ و٣٢٨٦).