Indexed OCR Text
Pages 381-400
٣٨١ (١٨) كتاب البيوع - (٦) باب: بيع الخيار، والصدق في البيع (٦) باب بيع الخِيَارِ، والصِّدْق في البَيْعِ، وتَرْك الخديعةِ [١٦١٢] عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ◌ِ له قالَ: ((البَيِّعَانِ كلُّ واحدٍ منهما بالخِيَارِ على صاحبه، ما لم يَتَفَرَّقَا، عليه؛ لأنَّه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعَه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه(١) . (٦) ومن باب: بيع الخِيار قد تقدَّم القولُ على أصل الخيار في الباب قبل هذا. و (البيِّعان) تثنية (بيِّع) وهو يُقالُ على البائع وعلى المشتري. كما يقال كلّ واحدٍ منهما على الآخر. وهو اسمُ فاعل من: باع. كما يقال: تيِّقٌ، من: تاق، وميِّقٌ من: ماق. و (قوله: كلُّ واحدٍ منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا)، وفي الرواية الأخرى: (وكانا جميعاً) ظاهرُ ألفاظ هذا الحديث وإن كثرتْ متواردةٌ على ثبوت ثبوت خيار خيار المجلس لكلِّ واحدٍ من المتبايعين. وإنَّ التفرُّقَ المذكورَ فيه؛ إنَّما هو المجلس لكلّ بالأبدان. وإليه ذهبَ كثيرٌ من الصحابة والتابعين، كسعيد بن المسيب، والزُّهريّ، المتبايعين واحدٍ من وابنِ أبي ذئب، واللَّيْثِ، والثوريِّ، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعيِّ، والشافعيِّ، وأهل الظاهر. وذهبت طائفةٌ من أصحابنا وغيرهم: إلى أنَّه محمولٌ على ظاهره، لكن على جهة الندب، لا على الوجوب. وتَرَكَ العملَ به مالكٌ وربيعة، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، والثوريُّ، والنخعيُّ (١) الجار: بتخفيف الراء، مدينة على ساحل بحر القلزم (الأحمر) بينها وبين المدينة المنورة يوم وليلة. معجم البلدان (٢/ ٩٢). ٣٨٢ (١٨) كتاب البيوع - (٦) باب: بيع الخيار، والصدق في البيع في أحد قوليهما. ورأوا: أنَّ التفرّقَ إذا حصل بالأقوال وجبَ البيع، ولا خِيار إلا إن اشترط . والذي لأجله تَرَكَ مالكٌ العملَ بظاهر الحديث: ما نصَّ عليه في الموطأ لمَّا ذكر هذا الحديث، ثم قال: وليس لهذا عندنا حدٍّ معروفٌ، ولا أمرٌ معمولٌ به(١). وظاهرُ هذا: أنَّ أهلَ المدينة اتفقوا على ترك العمل به. وليس ذلك الظاهر بصحيح؛ لأنَّ سعيد بن المسيب، والزُّهريَّ وابن أبي ذئب من أهل المدينة وقد قالوا به، وقد أنكره ابن أبي ذئب على مالك. وقد اعتذر أصحابُنا عن مالك بأعذار كثيرة أجمعها: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال على قول مالكِ: ليس لهذا عندنا حدٍّ معروف؛ يريدُ: أنَّ فرقتهما ليس لها وقتٌ معلومٌ. وهذه جهالةٌ وُقِف البيعُ عليها، فيكون كبيع الملامسة، والمنابذة. وكبيعٍ على خِيارٍ إلى أجلٍ مجهول. وما كان كذلك فهو فاسدٌ قطعاً، ولا يعارض هذا الأصل بظاهرٍ لم يتحصَّلِ المرادُ منه مفهوماً؛ إذ تفسيرُ ابن عمر ليس بحجَّةٍ، ولهذا عدلَ عن ظاهره الفقهاءُ السبعة(٢)، وغيرهم من السّلف. وأوَّلوه على أنه قد روي في بعض طرقه: ما لم (١) الموطأ (٦٧١/٢). (٢) جُمِعَتْ أسماؤهم في هذين البيتين: قسمتُه ضيزى عن الحق خارجة آلا كل من لا يقتدي بأئمةٍ فَخُذْهُم: عبيد الله، عروة، قاسم سعيد، سليمان، أبو بكر، خارجة - عبيد الله: هو ابن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي. - عروة: هو ابن الزبير. - القاسم: هو ابن محمد بن أبي بكر الصديق. - سعيد: هو ابن المسيب بن حَزْن بن أبي وهب. - سليمان: هو ابن يسار الهلالي المدني. - أبو بكر: هو ابن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام بن المغيرة المخزومي. - خارجة: هو ابن زيد بن ثابت الأنصاري. ٣٨٣ (١٨) كتاب البيوع - (٦) باب: بيع الخيار، والصدق في البيع إلا بيعَ الخيار)). رواه أحمد (٤/٢)، والبخاريُّ (٢١٠٩)، ومسلم (١٥٣١) (٤٣)، وأبو داود (٣٤٥٥)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائيُّ (٢٤٩/٧). [١٦١٣] وعن ابن عمر، عن رسول الله وَ ﴾ أنَّه قال: ((إذا تبايع الرَّجلان فكلُّ واحدٍ منهما بالخيار ما لم يتفرَّقا، وكانا جميعاً، أو يُخَيِّرُ أحدُهُما الآخر؛ فإنْ خَيََّ أحدُهما الآخرَ فتبايعا على ذلك، فقد وَجَبَ البيعُ؛ وإن تَفرَّقَا بعد أنْ تَبَايَعَا ولم يَتْرُكْ واحدٌ منهما البيعَ؛ فقد وجَبَ البيعُ)). يتفرَّقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله. رواه الليثُ عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول اللهِ وََّ، فذكره. فظاهِرُ هذه الزيادة مخالفٌ لظاهر أول الحديث، فإنَّ تأول مَن أخذ بظاهر الحديث لفظَ الاستقالة: باختيار الفسخ تأولنا لفظ الخيار باختيار الاستقالة، فإذا تقابل التأويلان وقف الحديث. والقياسُ في جانبنا. قلتُ(١): وهذا كلامُ وجيزٌ في لفظه، جامعٌ في معناه لكلّ ما يَتَمَسَّكُ به متمسِّكٌ من المالكيِّين، وممن هو على مذهبهم. فلنقتصر عليه. والله الموفّق. و (قوله ◌َّه: ((إلا بيع الخِيار))) معناه على مذهب الشافعيِّ: أنَّ خِيار خيار المجلس المجلس لا أَثَرَ له مع وجود خيار الشَّرط، فلو تفرَّقا مع اشتراط خِيار الثلاث لم وأثره مع يجبِ البيعُ بنفس التفرُّق، بل بمضيِّ مدة الخيار المشترط، ويكون هذا الاستثناء وجود خيار من قوله: ((لا بيعَ بينهما)) وهو استثناءٌ موجبٌ من منفيٍّ. فكأنه قال: كلُّ بِيِّعَيْن فلا الشرط حُكْم لبيعهما ما داما في مجلسهما إلا بيع الخِيار المشترط، فحكمُه باقٍ إلى مذَّته، (١) سقطت من (ع). ٣٨٤ (١٨) كتاب البيوع - (٦) باب: بيع الخيار، والصدق في البيع وفي أخرى: ((كل بَيِّعَيْنِ لا بَيْعَ بينهما حتَّى يتفرقا إلا بيعَ الخيار)). وفي روايةٍ: ((قال نافع: فكان - يعني ابن عمر - إذا بايع رجلاً، فأراد أَلَّا يُقیله، قام فمشی هنيهة، ثم رجع إليه. رواه البخاريُّ (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤ و ٤٥ و ٤٦). [١٦١٤] وعن حكيم بن حزام - وولد في جوف الكعبة وعاش مئةً وعشرين سنة - عن النَّبيِّ وَّه قال: ((الَّبيِّعان بالخيار ما لم يتفرَّقا، فإن صدقا وبيّنَا بُورِكَ لهما في بيعهما، وإن كَذَبَا وكَتَمَا مُحِقَتْ بركةُ بَيْعِهما)». رواه أحمد (٤٠٣/٣)، والبخاريّ (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢)، وأبو داود (٣٤٥٩)، والنسائيُّ (٢٤٤/٧ و٢٤٥). وإن افترقا بالأبدان. ويمكن تنزيلُهُ على مذهب مالكِ على هذا النحو، غير أنَّ التفرُّقَ يحملُ على التفرُّق بالأقوال، ويكون البيعان بمعنى المتساومَيْن. غير أنَّ المتبایعان الاستثناءَ يكونُ مُنقطعاً؛ لأنَّ المتبايعَيْن بالخيار الشرطيِّ ليسا متساومين، بل بالخيار الشرطي مُتعاقدين، فيكون تقديرُه: لكنَّ بيعَ الخِيار يلزم حكمه بانقضاء مُدَّته. والله تعالى متعاقدان أعلم. وقد تقدَّم القولُ في بيع الخِیار وفي مدَّته. ابن عمر والإقالة من البيع و (قول نافع: إنَّ ابنَ عمر كان إذا بايع رجلاً، وأراد ألَّ يقيله، قام فتمشَى هنيهة ثم رجع إليه) دليلٌ: على أنَّ ابنَ عمر كان يرى التفرُّقَ بالأبدان، وأنَّ ذلك يجوز. وحينئذٍ يعارضه قولُ النبيّ وَهِ: ((ولا يحلُّ له أن يفارقَه خشيةَ أن يستقيله)). ويُعتذر عن ابن عمرَ بأنَّ هذه الزيادةَ لم يسمعها، أو لم تصحَّ عنده. وقد حكى أبو عمر الإجماع: على جواز ما فعل ابنُ عمر. فإن صحَّ هذا؛ فتلك الزِّيادةُ متروكةٌ الظاهر بالإجماع. و (هنيهة): تصغير هنةٍ، وهي كلمةٌ يعبَّرُ بها عن كلِّ شيءٍ قليل. فضل الصدق في البيع وذمٌ الكذب فیه و (قوله: ((فإن صدقا وبيَّنا))) أي: إن صَدَقا في الإخبار عن الثمن والمثمون ٣٨٥ (١٨) كتاب البيوع - (٦) باب: بيع الخيار، والصدق في البيع [١٦١٥] وعن ابن عمر، قال: ذكرَ رجلٌ لرسولِ الله وَّهِ: أنَّه يُخْدَعُ في البيوع. فقال رسولُ الله وَّهِ: ((من بايعتَ فقل: لا خِلابةَ)). فكان إذا بايع يقول: لا خِيَابَةَ. رواه أحمد (٦١/٢)، والبخاريُّ (٢٤٠٧)، ومسلم (١٥٣٣). فيما يُبَاعُ مُرابحةً، وبيَّنا ما فيها من العيوب. و ((بورك لهما))) أي: بورك في الثَّمن: بالنماء، وفي المثمون: بدوام الانتفاع به. ((وإن كذبا، وكتما، مُحقت تلك البركة))) أي: أُذْهِبت، ورُفِعت. والرَّجلُ الذي كان يُخْدَعُ في البيوع، هو: حَبَّان بن منقذ بن عمرٍو الأنصاريُّ، والد يحيى وواسع، ابني حبَّان، شهد أُحُداً. أتى عليه مئة وثلاثون سنةً، وكان شُجَّ في بعض مغازيه مع النبي وَلِّ مأمومة(١) خُبل(٢) منها عقله، ولسانه. وذكر الدَّار قطني: أنَّه كان ضرير البصر. وقد روي: أنَّ النبيَّ وَّ جعل له عهدة الثلاث(٣)؛ إذ كان أكثر مبايعته في الرَّقيق. و (الخلابة): الخديعة. ومنه قولهم: إذا لم تَغْلِب فاخْلُبْ. و (قوله: لا خيابة) روايتنا فيه: بالياء باثنتين من تحتها مكان اللام. وهو الصَّحيحُ؛ لأنه كان ألثغ، يُخْرِجُ اللامَ من غير مخرجها. وقد رواه بعضهم: (لا خيانة) بالنون، وليس بالمشهور. وفي غير كتاب مسلم: كان يقول: لا خذابة - بالذال المعجمة -. وهذا الحديث قد رواه الترمذيُّ من حديث أنس. وقال: هو (١) قال في اللسان: شجاج الرأس عشرة، وذكر منها: المأمومة، ويُقال لها: الآمّة، وهي التي لا يبقى بينها وبين الدماغ إلا جلدة رقيقة، وفيها ثلث الدية. (٢) جاء في حاشية (ل ١): قال ابنُ القطاع: خَبِل الزمانُ والشيءُ خَبْلاً، وخَبَالاً: اضطرب. وخُبِل الرجل: اضطرب عقله. (٣) رواه الحاكم (٢/ ٢٢). ٣٨٦ (١٨) كتاب البيوع - (٦) باب: بيع الخيار، والصدق في البيع الصحيح. وقال فيه: إن رجلاً كان في عقله ضعفٌ، وكان يبايع، وأن أهله أتوا رسول الله ﴾ [فقالوا: يا رسول الله! احجرْ عليه. فدعاه النبيُّونَ ﴾](١)، فنهاه، فقال: يا رسول الله! إنِّي لا أصبر عن البيع! فقال: ((إذا بايعت فقل: لا خِلابة))(٢). وخرّجه أبو داود وقال فيه: ((إن كنت غير تاركٍ للبيع فقل: ها وها ولا خلابة(٣))). وذكره البخاريُّ في التاريخ وقال فيه: [((إذا بايعت فقل: لا خِلابة، وأنت في كلِّ سلعةٍ ابتعتها بالخِيار ثلاث ليالٍ)) (٤) وفيه](٥) أبواب من الفقه مختلفٌ فيها: هل يُحجر على البيوع؟ أولها: أنَّ كلَّ من يُخْدَعُ في البيوع لقلة خبرته، وضعف عقله، فهل يحجر مَن يُخدَع في عليه أم لا؟ فقال بالحجر عليه أحمد، وإسحاق. وقال آخرون: لا يُحجر عليه. [والقولان في المذهب](٦). الغَبْنُ هل يُوجب الخيار للمغبون أم لا؟ وثانيها: أنَّ الغَبْنَ هل يُوجِبُ الخِيار للمغبون أم لا؟ فذهب الشَّافعيُّ، وأبو حنيفة، ومالك - في أحد قوليه - إلى نفي الخيار. وذهب آخرون إلى لزوم الخِيار. وإليه ذهب البغداديون من أصحابنا. ثمَّ اختلف هؤلاء في حدِّ الغَبْنِ الموجب للخيار. فمنهم من حدَّه بالثلث. ومنهم من حدَّه بالتفاحش الذي لا یُتغابن بمثله. وثالثها: مدَّة الخِيار. هل هي مقدَّرةٌ بالثلاث في كلِّ مبيع، أو يختلف ذلك بحسب الاحتياج إلى اختيار المبيع على ما قد تقدَّم. مدّة الخيار (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٢) رواه الترمذي (١٢٥٠). (٣) رواه أبو داود (٣٥٠١). (٤) ذكره البخاري في التاريخ الكبير (١٧/٢/٤). (٥) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). (٦) ساقط من (ع) و (ل ١). ٣٨٧ (١٨) كتاب البيوع - (٧) باب: النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحُها (٧) باب النَّهي عن بَيْعِ الثَّمرة حتى يبدُوَ صلاحُها [١٦١٦] عن ابن عمر قال: قال رسولُ اللهِ وَلَهُ: ((لا تبتاعوا الثَّمَرَ حتى يبدو صَلاحُهُ وتذهبَ عنه الآفةُ. قال: يبدو صلاحه: حمرتُه وصفرته. وفي روايةٍ: نهى عن بيع الثمر حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمشتري . وفي أخرى: نهى عن بيع النخل حتَّى يزهو، وعن السنبل حتى يبيضَّ ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. رواه أحمد (٥٩/٢)، والبخاريُّ (٢١٨٣)، ومسلم (١٥٣٤) (٥١) و (١٥٣٥) (٥٠)، والنسائيُّ (٢٦٢/٧). وسببُ الخلاف في هذه الأبواب اختلافُهم في هذا الحديث. هل هو خاصّ بهذا الرجل، أو هو عائّ له ولغيره؟ وإذا تنزَّلنا على حمله على العموم، فهل دلالةٌ هذا الحديث على هذه الأحكام ظاهرةٌ فيها، أم لا؟ وإذا تنزَّلنا على الظهور. فهل سلمت ممَّا يعارضها، أم لا؟ وبَسْطُ هذا يستدعي تطويلاً. (٧) ومن باب: النَّهي عن بيع الثِّمار حتی یبدو صلاحها (قوله: نهى عن بيع النخل حتى يزهوَ [أو حتى تزهي)، جاء الحديث باللفظتين. يقال: أزهت الثمرة تزهو، وأزهت، تُزهي: إذا بدا طيبها وتلونها. ٣٨٨ (١٨) كتاب البيوع - (٧) باب: النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحُها [١٦١٧] وعن جابر قال: نهى - أو نهانا - رسولُ الله بَله عن بيع الثمر حتى يطيب . رواه مسلم (١٥٣٦). حكاه صاحب الأفعال](١). وقال ابنُ الأعرابيّ: يقال: زها النخل يزهو (٢): إذا ظهرت ثمرتُه. وأزهى: إذا احمرَّ أو اصفرَّ، قال غيره: (يزهو) خطأ. وإنَّما يقال: يزهي. وحكاهما أبو زيد. وقال الخليلُ: أزهى الثمر: بدا صلاحه. قال غيره: هو ما احمرَّ منه واصفرَّ. وهو الزَّهو والزُّهو معاً. قلتُ: أحاديث هذا الباب؛ وإن اختلفت ألفاظُها متواردةٌ على النهي عن بيع الثَّمرة - وإن أُبُرت - حتى تصلح لأن يؤكلَ منها أكلاً غالباً. وهل ذلك النهي محمولٌ على ظاهره من التحريم - وهو مذهبُ الجمهور - أو على الكراهة - وهو بيع الثمرة قبل مذهب أبي حنيفة -؟ وعليه: فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدوَ صلاحها، فسخه أن يبدو الجمهور، وصحَّحه أبو حنيفة إذا ظهرت الثمرة، وبناه على أصله في ردِّ أخبار صلاحها الآحاد للقياس. والصحيحُ مذهبُ الجمهور للتمشُّك بظاهر النهي، ولقوله ◌َّ: ((أرأيت إن منع الله الثمرة، بِمَّ يأكل أحدكم مالَ أخيه بغير حق؟!))(٣). وهذا يدلُّ: على أنَّ بَيْعَها قبل بدوٍّ صلاحِها مِنْ أكْل المال بالباطل، ولأنَّه غررٌ، وبَيْعُ الغررِ مُحَرَّم. وعلى مذهب الجمهور؛ فهل يجوزُ بيعُها قبل بدوِّ الصلاح بشرط القطع هل يجوز بيع الثمرة قبل بدو الصلاح بشرط (١) ما بين حاصرتين مستدرك من (م). القطع؟ (٢) جاء في حاشية (ل١): النخل يذكر ويؤنث. قال الخطابي: التمر: اسم للرُّطب واليابس في قول أكثر أهل العلم. وعند بعض أهل اللغة: اسم للرُّطب لا غير. وعلى هذا ما جاء من النهي عن بيع التمر بالتمر. (٣) رواه البخاري (٢١٩٨)، والنسائي (٧/ ٢٦٤). ٣٨٩ (١٨) كتاب البيوع - (٧) باب: النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحُها [١٦١٨] وعن أبي البَخْتَرِيِّ قال: سألتُ ابن عباس عن بيع النَّخل؟ فقال: نهى رسولُ الله ◌َّ﴿ عن بيع النخل حتى تَأْكُلَ منه أو يُؤْكَلَ، وحتى يُوزَنَ. قال: فقلت: ما یوزن؟ فقال رجل عنده: حتى يُحْزَر. رواه البخاريُّ (٢٢٤٦)، ومسلم (١٥٣٧). - وهو مذهبُ عامَّتهم -، أو لا يجوز؛ وإنْ شرطه؟ وهو مرويٍّ عن الثوريِّ، وابن أبي ليلى، تمشُّكاً بعموم تلك الأحاديث. وخصَّصه العامةُ بالقياس الجلي؛ لأنَّ بَيْعٌ معلومٌ؛ يصح قبضُه حالةَ العقد عليه، كسائر المبيعات، فإن وقع بيعُها قبل بدوِ الصلاح من غير شرطٍ؛ فهل يصحُّ، ويُحْمَل على القطع، أو لا يفسخ؟ قولان. وبالثاني قال الجمهور؛ لأنه إذا لم يُشترط القطعُ تناوله النهيُ عن بَيْع الثمار قبل بدوِّ صلاحها. وقد اتفق العلماء: على أنَّه لا يجوزُ شراؤها قبل البدوِّ على التبقية، فأمَّا بعد الطيب فيجوز اشتراط البقاء عند كافَّة العلماء، [خلا ما ذكر من مذهب الحنفي](١)، [وكذلك له الإبقاء](٢) وإنْ لم يصرِّح باشتراطه عند مالكٍ، إذ لا يصحُ اجتناءُ الثَّمرة دفعةً واحدةً؛ لأنَّ تناهيَ طيبها ليس حاصلاً حالةَ التعاقد، وإنما يحصلُ في أوقاتٍ مختلفةٍ. وقد شذَّ ابنُ حبيب، فقال: هي على الجَدِّ حتى يشترطَ البقاء. وما صار إليه مالكٌ أوضح المسالك. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و (ل ١). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١). ٣٩٠ (١٨) كتاب البيوع - (٨) باب: النهي عن المزابنة (٨) باب النَّهي عن المزابَنَةِ [١٦١٩] عن ابن عمر، قال: نهى رسولُ اللهِوَهِ عن المُزَابَةِ. والمزابنةُ: بيع ثَمَرِ النخل بالتمر کَیْلاً، وبیع الزَّبِیب بالعنب کَیْلاً. وعن كل تمرٍ بِخَرْصه. وفي روايةٍ: والمزابنة أن يباعَ ما في رؤوس النخل بتمرٍ، بكيلٍ مسمَّى، إن زاد فَلِيَ، وإن نقص فَعَلَيَّ. رواه البخاريُّ (٢١٧١)، ومسلم (١٥٤٢)(٧٤ و ٧٥)، والنسائيُّ (٢٦٦/٧). (٨) ومن باب: النّهي عن المزابنة ووزنها: مفاعلة، ولا تكون إلا بين(١) اثنين. وأصلُها في اللغة: الدفعُ الشَّديد. ومنه وصفت الحرب بـ (الزَّبون) لشدَّة الدَّفعِ فيها. وبه سُمِّي الشُّرَطيُّ: زِيْنياً؛ لأنه يدفعُ الناسَ بعنفٍ، وشدةٍ. ومنه: زَبْنُ النّاقة الإناء عند الحلب. ولمَّا كان كلُّ واحدٍ من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المبايعة عن حقِّه سميت بذلك. هذا معنى المزابنة لغةً. وأمَّا معناها في الشَّرع: فقد جاء تفسيرُها في هذه الأحاديث معنى المزابنة بألفاظٍ مختلفةٍ، كما وقع في الأصل. حاصلُها عند الشافعيِّ: بيعُ مجهولٍ بمجهولٍ، أو بمعلومٍ من جنسٍ يحرم الرِّبا في نقده. وخالفه مالك في هذا القيد، فقال: سواءٌ كان مماً يحرم الرِّبًا في نقده، أو لا، مطعوماً، أو غير مطعوم. و (قوله في المزابنة: هي بيعُ ثمر النَّخل بالتَّمر كيلاً، وبيع الزبيب بالعنب كيلاً) يعني: أن يكون أحدُهما بالكيل والآخرُ بالجِزَافِ، للجهل بالمقدار في (١) في (م): مِنْ. ٣٩١ (١٨) كتاب البيوع ـ (٨) باب: النهي عن المزابنة [١٦٢٠] وعن سعيد بن المسيب: أنَّ رسول الله ◌ِصَ ل نهى عن المزابَنَةِ والمحاقَلَةِ. والمزابنة: أن يباع ثمر النخل بالتمر. والمحاقلة: أن يباع الزرع بالقمح، واستكرار الأرض بالقمح. قال: وأخبرني سالمُ بنُ عبدالله عن رسولِ الله ێ﴿ أَنَّه قال: ((لا تبتاعوا الثمر حتی یبدوَ صلاحه، ولا تبتاعوا التمرَ بالتمر)). وقال سالم: أخبرني عبدُ الله بن زيد بن ثابتٍ، عن رسولِ الله وَله: أنه أرخَص بَعْدَ ذلك في بيع العربيَّ بالرُّطب أو التمر. ولم یرخّص في غير ذلك. رواه البخاري (٥٨٢٠)، ومسلم (١٥٣٩)(٥٩)، وأبو داود (٣٣٧٧ و ٣٣٧٨)، والنسائي (٢٦٠/٧ و٢٦١)، وابن ماجه (٢١٧٠). [١٦٢١] وعن جابرٍ بنِ عبدِ الله، قال: نهى رسول الله وَّل عن بيع الصُّبْرَةِ من التمر لا يُعْلَمُ مَكِيلَتُهَا بالكيل المسمَّى من الثَّمر. رواه مسلم (١٥٣٠)، والنَّسائيّ (٢٦٩/٧ و٢٧٠). الجنس، فيدخله الخطر. وإذا كان هذا ممنوعاً للجهل من جهةٍ واحدةٍ، فالجهل من جهتين؛ كجزافٍ بجِزَافٍ أَدْخلُ في المنع، وأولى. وهذا الحديثُ يشهدُ للشَّافعيِّ على تفسيره للمزابنة، فإنَّه ما ذُكِرَ في الحديث الأول إلا النخلُ، والعنبُ. وكلاهما يحرم الرِّبا في نقده، وألحق بهما ما في معناهما. وأمَّا مالكٌ: ففهمَ أن المنعَ فيها إنَّما كان من حيث الغرر اللاحق في الجنس الواحد، فعدَّاه لكلِّ جنسٍ وجد فيه ذلك المعنى. والله تعالى أعلم. و (المحاقلة) مُفاعلٌ من الحقل، وهي: المزارعةُ، كما قال النبيُّ وَّيِ معنى المحاقلة ٣٩٢ (١٨) كتاب البيوع - (٩) باب: الرخصة في بيع العَرِيّة بخرصها تمراً (٩) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّة بخرصها تمراً [١٦٢٢] عن زيد بن ثابتٍ: أنَّ رسول الله ،وَّهِ رخّصَ في بيع العَرِيَّة بِخَرْصِهَا تمراً. للأنصار: ((ما تصنعون بمحاقلكم؟)) (١)، - يعني: مزارعهم -. وفي مثل العرب: لا تنبت البقلةَ إلا الحقلةُ. وهي التي تسمَّى في العراق: القراح. وقال الليث: هي: بيعُ الزرع قبل أن يغلظ. وقال أبو عبيد: هي: بيعُ الطعام في سُنبله بالبُرِّ. وقال قومٌ: هي: المزارعةُ بالجزء مما تنبته الأرض. وسيأتي القولُ في كراء الأرض. (٩) ومن باب: الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ معنى العرية وهي في اللغة - على ما نقله الجوهري -: النخلة يُعْرِيْهَا صاحبُها رجلاً محتاجاً، فيجعلُ ثمرها له عاماً، فيَعْرُوها، أي: يأتيها. وهي: فَعِيلة، بمعنى: مفعولة. وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارتْ في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلةِ، ولو جئت بها مع النخلة؛ قلتَ: نخلةٌ عَرِيٍّ. وأنشد لسوید بن الصَّامت: لَيْسَتْ بِسَنْهاء وَلاَ رُجَبِيَّةٍ وَلَكِنْ عَرَايَا في السِّنِين الجَوائِحِ(٢) وقال غيرُه: هي فعيلة، بمعنى: فاعلة، أي: عريت من مِلْك مُعْريها. وقال غيرُهما: عراه، يعروه: إذا أتاه يطلبُ منه عريَّةً، فأعراه. أي: أعطاه إيّاها، كما (١) رواه أحمد (١٤٣/٤)، والبخاري (٢٣٣٩)، ومسلم (١٥٤٨) (١١٤)، وأبو داود (٣٢٩٤)، والنسائي (٤٩/٧)، وابن ماجه (٢٤٥٩). (٢) قال في اللسان: سانهت النخلة، وهي: سنهاء: حملت سنة، ولم تحمل أخرى. والرَّجْبَةُ: أن تُعْمَدَ النخلة بخشبة ذات شعبتين، إذا كثُر حملُها؛ لئلا تتكسّر أغصانُها. ٣٩٣ (١٨) كتاب البيوع - (٩) باب: الرخصة في بيع العَرِيّة بخرصها تمراً يقال: سألني فأسألته. وطلبني فأطلبته. فالعريَّةُ: اسمٌ للنخلة المعطى ثمرها. فهي اسمٌ لعطيَّةٍ خاصةٍ. وقد سمَّتِ العربُ عطايا خاصةً بأسماء خاصةٍ، كالمنيحة: لعطية الشاة لِلَّبن. والإفقار: لما ركب فقاره. والإخبال: لما ينتفعُ به من المال. قلتُ: فقد حصل من نقل أهل اللغة: أن العرِيَّة عطيّةٌ؛ لا بيعٌ. ولمَّا ثبت ذلك فسّر مالكٌ، وأحمدُ بن حنبل، وإسحاق، والأوزاعيُّ العرِيّة المذكورة في الحديث: بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلةً أو نخلتين عَاماً، على ما تقتضيه اللغة. غير أنَّهم اختلفوا في شروطٍ كثيرةٍ وأحكامٍ متعددةٍ. وحاصلُ مذهب مالك في العَرِيَّةِ: أنَّها عطيّةُ ثمرةٍ نخلةٍ أو نخلاتٍ من حائطٍ، فيجوزُ لمن أُعطيها أن يبيعَها إذا بدا صلاحُها من كلِّ أحدٍ بالعين، والعروض، ومن معطيها خاصةً بخرصها تمراً، وذلك بشروطٍ : شروط العربية أحدها: أن تكون أقلّ من خمسة أوسقٍ. وفي الخمسة خلاف. وثانيها: أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلاً، وعنباً. وفي غيرهما مما يُوَسَّق، ويُدَّخر للقوت، خلاف. وثالثها: أن يقومَ بالخرص عند الجداد. ورابعها: أن يكون المشترى جملتُها، لا بعضُها. وخامسها: أن يكون بيعُها عند طيبها، فلو باعها من المُعْرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز، لتعدِّي محلّ الرُّخصة. وأمَّا الشَّافعيُّ: فالعَرِيَّةُ عنده: بيعُ الرُّطَبِ في رؤوس النَّخل بتَمْرٍ مُعَجَّلٍ. فلم يعرِّجْ على اللُّغة المعروفة فيها. وكأنّه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد - راوي الحديث - فإنَّه قال: العَرِيَّة: أن يشتريَ الرجلُ ثمرَ النخلات لطعام أهله رطباً بخرصها تمراً. وهذا لا ينبغي أن يُعوَّل عليه؛ لأنَّ يحيى بن سعيد ليس صحابياً، فيقال: فهمه عن النبيِّ لَّه، ولا رفعه للنبيِّ وَلِّ، ولا ثبت به عرفٌ غالب ٣٩٤ (١٨) كتاب البيوع - (٩) باب: الرخصة في بيع العَرِيّة بخرصها تمراً وفي روايةٍ: رخَّص ◌َ ﴿ فِي العَرِيَّةِ يأخذُها أهلُ البيتِ بخرْصِها تمراً، يأكلونه رُطَباً. شرعيٌّ حتى يرجِّحه على اللغة. وغايته: أن يكونَ رأياً ليحيى، لا روايةً له، ثم يعارضه بتفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا: أن يهبَ الرَّجلُ للرَّجل النخلات، فيشقّ عليه أن يقومَ عليها، فيبيعها بمثل خرصها. ثمَّ هو عينُ المزابنة المنهيِّ عنها، ووضع رخصةٍ في موضع لا ترهق إليه حاجةٌ وكيدةٌ، ولا تندفع بها مفسدةٌ، فإنَّ المشتري لها بالتَّمر متمكنٌ من بيع تمره بعينٍ أو عروض، ويشتري بذلك رطباً، فإن قيل: قد يتعذَّر هذا. قيل: فأجدر بيع الرُّطب بالتَّمر؛ إذا كان لا على رؤوس النَّخل؛ إذ قد يتعذّر بيعُ الثَّمر على مَن هو عنده مِمَّن يريدُ أن يشتريَ الرُّطب به، ولا يجوزُ ذلك، فلا يجوزُ تفسيرُ العَرِيَّةِ بما ذكروا. وأمَّا أبو حنيفة: فإنَّ فسَّر العَرِيَة بما إذا وهب رجلٌ ثمر نخلةٍ، أو نخلاتٍ، ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهبُ أن يعطيَ الموهوبَ له تمراً، ويتمسك بالثمرة، جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنّما هو من باب الرجوع في الهبة؛ التي لم تجبْ بناءً على أصله في أنَّ الهبةَ لا تجبُ إلا بالقبض. وهذا المذهبُ إبطالٌ لحديث العرِيَّةً مِن أصله فيجب اطِّراحه. وذلك: أنَّ حديثَ العرِيَّ تضمَّن أنه بيعٌ مُرَخَّصٌ فيه في مقدارٍ مخصوص. وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية. و (قوله: ورخّص في بيع العَرِيَّة بخرصها تمراً يأكلها أهلُ البيت رطباً)، الخِرْصُ - بكسر الخاء - هو: اسم للمخروص و- بفتح الخاء - هو: المصدر. والروايةُ هنا: بالكسر. (وأهل البيت) - على مذهب مالك ومن قال بقوله -: هم المُعْرون، فيضمنون مقدارَ العَرِيَّةِ، فيدفعون ذلك للمعرى له تمراً عند الجداد رفقاً به حيث كُفي المؤن، وأعطي ما يقتاتُ به. ويحصل من ذلك للمعري(١) دفع ضرر الرخصة في بيع العربة بخرصها تمراً (١) سقطت من (ل ١). ٣٩٥ (١٨) كتاب البيوع - (٩) باب: الرخصة في بيع العَرِيّة بخرصها تمراً وفي أخرى: أن يباع بخرصها كيلاً مكان تمراً. قال يحيى بن سعيد: العَرِيَّةُ: أن يشتري الرجل تمر النخلات لطعام أهله رطباً بخرصها تمراً. رواه أحمد (١٨٦/٥)، والبخاريُّ (٢١٨٨)، ومسلم (١٥٣٩) (٦١ و٦٣)، والنسائي (٢٦٧/٧)، وابن ماجه (٢٢٦٩). [١٦٢٣] وعن بشير بن يسار، عن بعض أصحاب رسولِ اللهِ وَّر) من أهل دارِهم، منهم: سهل بن أبي حثمة: أنَّ رسول الله وَّ نهى عن بيع الثمر بالتَّمْر. وقال: ((ذلك الربا، تلك المزابنة)) إلا أنَّه رخص في بيع العَرِيَّة: النخلة والنخلتين يأخذها أهل البيت بخرصها تمراً. يأكلونها رُطَباً. رواه أحمد (٢/٤)، والبخاريُّ (٢١٩١)، ومسلم (١٥٤٠)، وأبو داود (٣٣٦٣)، والترمذيُّ (١٣٠٣)، والنسائيُّ (٢٦٨/٧). [١٦٢٤] وعن أبي هريرة: أنَّ رسول الله وَلَه رخّص في بيع العرايا بخرصها فيمادون خمسة أوسق، أو: في خمسة أوسقٍ. يشك داود بن الحصين. تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنائها. فظهر لمالكِ: أنَّ العرِيَّةَ إنَّما رُخِّصَ فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه. وأمَّا على مذهب الشَّافعيِّ: فأهلُ البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتّمر ليأكلوها رطباً. وظهر له: أنَّ الموجبَ لهذه الرخصة هو حاجة من له تمرٌ لأكل الرُّطَب. وقد ذكرنا آنفاً ضَعْف هذا المعنى. و (قوله: فيما دون خمسة أوسق) أو (في خمسة أوسقٍ) دليلٌ: على أنّ فيما يُوشَّقْ العرِيَّة إنما تجري فيما يُوَسَّقُ ويكال. ثمَّ هل تقصر على الثَّمر والزبيب، أو يلحق ويُكال العربة تجري ٣٩٦ (١٨) كتاب البيوع - (٩) باب: الرخصة في بيع العَرِيّة بخرصها تمرأ رواه أحمد (٢٣٧/٢)، والبخاريُّ (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١)، وأبو داود (٣٣٦٤)، والترمذي (١٣٠١)، والنسائي (٢٦٨/٧). بهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت؟ قولان؛ وقد تقدَّما. والأولى: التعدية، والإلحاق؛ لأنَّ المنصوصَ عليه في الحديث التَّمْرُ، وقد ألحق بها الزبيب قولاً واحداً عندنا، وليس منصوصاً عليه، ولا سبب للإلحاق إلا أنَّ الزبيبَ في معنى الثَّمر، فيلحق بهما كلُّ ما في معناهما من المدَّخر للقوت. هل يجوز بيع وقد وسّع المناط يحيى بن عمر من أصحابنا فقاس سائر الثِّمار على النخل الثمار كلها والعنب. فأجاز بيعَ الثمار كلِّها بخرصها إذا طابت إلى الجداد. وشدَّ في ذلك بخرصها إذا طابت إلى الجداد؟ شذوذاً منكراً لم يقل به أحدٌ من أهل العلم. وقد دلَّ هذا الحديثُ على قصر الرُّخصة على هذا القدر فلا يزاد عليه. لكن هذا إنما شرط في بيعها من مُعْريها بخرصها كما تقدَّم، وأمَّا من غيره، أو منه بالعين أو بالعروض؛ فجائز مطلقاً من غير تقدير. هذا هو المشهورُ عن المذهب. وقد رُوي عنه: أنه لا يجوزُ شراؤها للمعري إلا بالخرص خاصة، لا بغيره؛ لأنه من باب: العود في الهبة، ومحلّ الرُّخصة الخرص فيقصر عليه. وهذا هو سببٌ في أكثر مسائل هذا الباب: أعني: هل يقاس على الرخص، أو لا؟. و (قوله: فيما دون خمسة أوسق - أو - في خمسة أوسقٍ) هو شكٍّ من داود بن الحصين. وموضع الشك: الخمسة. فتطرح، ويعوَّل على أنَّ الجوازَ مخصوص بما دونها لأوجهٍ : أحدها: أن الحكم لا يثبت بالشك. والثاني: أن الأصلَ في المزابنة المنع، إلا فيما تحقَّقَتْ فيه الرُّخصة، ولم تتحقّق هنا في الخمسة، بل فيما دونها . والثالث: أنَّ الخمسةَ الأوسق هو أول مقادير المال الكثير، الذي [تجبُ فيه ٣٩٧ (١٨) كتاب البيوع - (١٠) باب: فيمن باع نخلاً فيه تمر (١٠) بابٌ فیمن باع نخلاً فیه تمرٌ، أو عبداً وله مالٌ [١٦٢٥] عن ابن عمر، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌ُ له يقول: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤُبَّر فثمرتُها للذي باعها، الزكاةُ من هذا النوع. ويكون مالكُه من الأغنياء الذين](١) يجبُ عليهم مواساةُ الفقير. وهو الذي لا نصابَ له، فقصر المرفق على من هو من نوع الفقراء مناسب لِتَصَرُّفِ الشرع. وبهذا قال الشافعيُّ، إلا أنه قال: لا أفسخُ البيعَ في مقدار خمسة أوسق، وأفسخه فيما فوقها. قلتُ: والأولى فَسْخُه؛ لأنَّ الأصلَ مَنْعُه؛ لأنَّه مزابنةٌ، ولم يتحقق الرافع للمنع. وقد تقدَّم: أنَّ مالكاً يشترطُ في جواز بيع العرِيَّة من معريها أن تُقْوَّم بالخرص عند الجداد. وهو قولُ جُلٌّ أصحابه. ولم يُجيزوه بالنقد. وزعم بعضُهم: أنَّ ذلك جاءَ في الحديث. ولم أقفْ عليه في شيءٍ من كُتُب الحديث مع طُول بَحْثي عنه. ومثل هذا الشرط لا يثبتُ إلا بالسَّمع، فكأنَّ عند مالك سمعٌ ولم يبلغنا. والله تعالى أعلم. تنبيهٌ: العَرِيَّة عندنا مستثناةٌ من أصولٍ ممنوعةٍ: من المزابنة، والغرر، ومن ربا التفاضل، والنَّساء، ومِن الرجوع في الهبة. والذي سوَّغها ما فيها من المعروف، والرِّفق، وإزالة الضرر. كما قدَّمناه. والله تعالى أعلم. (١٠) ومن باب: مَنِ ابتاع نخلاً بعد أن تؤبّر (قوله: ((من ابتاع نخلاً بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها لِلَّذي باعها)))، أبار النَّخل، معنى تأبير وتأبيره: تلقيحه، وتذكيره. وهو: أن يجعلَ في النخلة فحالةٌ، وعند ذلك تثبتُ النخل (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ج ٢). ٣٩٨ (١٨) كتاب البيوع - (١٠) باب: فيمن باع نخلاً فيه تمر ثمرتُها بإذن اللهِ تعالى. يقال: أبَرْتُ النخلة، أبُرها - بكسر الباء وضمها - فهي مأبورةٌ. ومنه قولهم: ((خيرُ المال مهرة مأمورة، أو سكّة مأبورةٌ))(١). ويقال: أَبَّرْتُ النخل - مشدَّداً - تأبيراً. وهي مؤبَّرةٌ، كقوَّمت الشيء تقويماً، وهو مقوَّمٌ. ويقال: تأبَر الغسیل: إذا قبل الإبار. قال الراجز: تَأَبَّرِي يَا خَيْرَةَ الغَسِيْلِ إِذْ ضَنَّ أهلُ النَّخْلِ بالْقُحُولِ ويقال: انتبرت؛ إذا سألتَ غيرك أن يأبُرَ لك نخلك، أو زرعك. قال(٢): وَلِيَ الأَصْلُ الَّذِي في مثله يُصْلِحُ الْآَبِرُ زَزْعَ المُؤْتَبر هذا إبار ثمر النخل، وإبار كل ثمرٍ بحسب ما جرت العادة بأنه إذا فُعِل به ثبت ثمره وانعقد. ثم قد يُعبَّر به عن ظهور الثَّمرة وعن انعقادها، وإن لم يفعل فيها شيءٌ. ومن هنا اختلف أصحابُنا في إبار الزَّرع. هل هو ظهورُه على الأرض، أو الثمر المؤبَّر إفراكه(٣)، وإذا تقرّر هذا، فظاهرُ هذا الحديث يقتضي بلفظه: أن الثمرة المأبورة لا يدخل مع لا تدخلُ مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشَّرط. ويقتضي دليلُ خطابه: أنَّ غير الأصول في البيع إلا بالشّرط المأبورة داخلةٌ في البيع. وهو مذهبُ مالك، والشَّافعيِّ، والليث (٤). وذهب أبو حنيفة: إلى أنَّ الثمرةَ للبائع قبل الإبار وبعده. وقال ابنُ أبي ليلى: الثمرةُ للمشتري قبل الإبار وبعده. وهذا القولُ مخالفٌ للنصِّ الصحيح، فلا يُلتفت إليه. وأمَّا أبو حنيفة: فالخلافُ معه مبنيٌّ على القول بدليل الخطاب. فهو ينفيه. وخَصْمُه يثبته. والقولُ بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر؛ لأنَّه لو كان حكم غير (١) رواه أحمد (٤٦٨/٣)، وانظر: أطراف مسند الإمام أحمد رقم (٢٧٧٦)، ومجمع الزوائد (٢٥٨/٥). (٢) الشاعر هو طرفة بن العبد. (٣) أي: قوّته واشتداده. (٤) سقط من (ع). ٣٩٩ (١٨) كتاب البيوع ۔ (١٠) باب: فیمن باع نخلاً فيه تمر إلا أن يَشْتَرِطَهُ المبتاعُ، ومن ابتاع عبداً فماله للَّذي باعه، إلا أن يشترط المبتائُ». المؤبّر حكم المؤبّر لكان تقييده بالشَّرط لغوٌ لا فائدة له. فإن قيل: فائدتُه التنبيهُ بالأعلى على الأدنى. قيل له: ليس هذا بصحيح لغةً ولا عُرْفاً. ومَن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أَنّ﴾ [الإسراء: ٢٣] تعيَّن أن يُقال لفهمه: أفٍّّ، وتفٌّ. و (قوله: ((إلا أن يشترطه المبتاع))) يعني: الثمر المؤبَّر لا يدخلُ مع الأصول في البيع إلا بالشَّرط. وصحَّ اشتراطه؛ لأنه عينٌ موجودةٌ، يُحاط بها، أُمِنَ سقوطُها غالباً، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطُها مأموناً، فلم يتحقَّقْ لها وجودٌ، فلا يجوزُ للبائع اشتراطَها، ولا استثناؤها، لأنها كالجنين. هذا هو المشهورُ عندنا. وقيل: يجوز استثناؤها. وهو قولُ الشافعيِّ. وخرج هذا الخلافُ على الخلاف في المستثنى. هل هو مُبقىّ على مِلْك البائع؟ أو هو مُشترى من المشتري. فرع: لو اشترى النخل وبقي الثَّمرُ للبائع؛ جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة حكم شراء قبل طِيْبها على مشهور قول(١) مالكٍ. ويرى لها حكم التبعيّة؛ وإنْ أفردتْ بالعقد النخل وبقاء الثمر للبائع لضرورة تخليص الرِّقاب. وعنه في روايةٍ: أنّه لا يجوز. وبذلك قال الشَّافعيُّ، والثوريُّ، وأهلُ الظاهر، وفقهاء الحديث. وهذا هو الأظهرُ من أحاديث النهي عن بيع الثِّمار قبل بدو صلاحها . و (قوله: ((مَن باع عبْداً؛ فمالُهُ للبائع إلا أن يشترطه المبتاع))) دليلٌ: على صحة قولنا: إنَّ العبْدَ يملكُ، خلافاً للشَّافعيِّ، وأبي حنيفة، حيث قالا: إنَّه العبد يملك لا يملك. وقد تقدَّم ذلك. ويلتحقُ بالبيع في هذا الحكم كلُّ عقد معاوضةٍ، كالنكاح، (١) في (ج ٢): مذهب. ٤٠٠ (١٨) كتاب البيوع - (١٠) باب: فيمن باع نخلاً فيه تمر رواه أحمد (٦/٢)، والبخاري (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣) (٨٠)، وأبو داود (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٢٢١٠ و ٢٢١٢). # والإجارة. فأمَّا العِثْقُ فيتبع العبدَ فيه مالُهُ؛ لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى: ((من أعتق عبداً وله مالٌ، فمالُ العبد له، إلا أن يشترطَ السَّيِّدُ))(١). وقد رواه مالكٌ في الموطأ موقوفاً على ابن عمر(٢). ولا يضرُّه التوقيف؛ فإنَّ المرفوعِ صحيح السَّندِ. وهذا الحديثُ حُبَّةٌ على أبي حنيفة، والشَّافعيِّ، حيث قالا: إنَّ المالَ في العتق للسَّيِّدِ. فأمَّا في الصدقة والهبة؛ فهل يتبعُه مالُه فيهما، أو: لا؟ قولان، سَبَبُهما تردُّدهما بين البيع والعتق؛ إذ فيهما شَبَهٌ من كلِّ واحدٍ منهما. وذلك: أنَّ الهبة، والصَّدقة خروجٌ من مِلْكِ إلى مِلْكِ، فأشبهتِ البيع، وخروج عن مِلْكِ بغير عوضٍ، فأشبهت العتق. والأرجحُ: إلحاقُها بالبيع، وقطعها عن العتق؛ لاختصاص العتق بمعنىَ لا يوجد في غيره، على ما قد أوضحه أصحابُنا في كتبهم. وأمَّا الجنايةُ: فالمال فيها تبعٌ للرَّقبة، فينتقلُ بانتقالها؛ لأنَّ العبدَ الجاني إذا كان له مال؛ فالجنايةُ فيه؛ فإن وسع الجناية بقيت الرَّقبةُ لسيِّده؛ وإن لم يكن له مالٌ؛ تعلَّقتْ برقبته، فكأن الرقبة مرجع عند العدم. (١) رواه أحمد (٣٩٦٢)، وابن ماجه (٢٥٢٩). (٢) انظر الموطأ (٢/ ٧٧٥).