Indexed OCR Text
Pages 181-200
١٨١ (١٥) كتاب النكاح - (٢١) باب: تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة [١٥١٠] ومِنْ حديث أمِّ سَلَمَة: وقال رسول الله وَّهِ: ((إنَّ حمزةَ أخي من الرَّضاعة)). رواه مسلم (١٤٤٨) وهذا الحديث استدرك من النسخة (ك). [١٥١١] وعن أمّ حبيبةَ بنت أبي سفيان قالت: دخل عليَّ رسول الله ◌َ﴿ فقلت: هَلْ لك في أختي عَزَّةَ بنت أبي سفيان؟ فقال: ((أفعل ماذا؟!)) قلت: تنكحها. قال: ((أو تحبين ذلك؟)) قلت: لستُ لكَ بِمُخْلِيَةٍ، وأحَبُّ مَن يشركني في الخير أختي. قال: ((فإنَّها لا تحلُّ لي)). قلت: فإِنِّي أُخْبِرْتُ: أنَّك تخطُب دُرَّة بنتَ أبي سَلَمةَ. قال: ((بنت أمّ سلمة؟)) قلت: نعم. قال: لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّتْ لي، و (قولها: لستُ لكَ بِمُخْلِيَةٍ) - بضم الميم، وسكون الخاء، وكسر اللام - اسم فاعل من: أخلى، يخلي. أي: لستُ بمنفردةٍ بك، ولا خاليةٍ من ضرَّة. و (دُرَّة): الصحيحُ في هذا الاسم: بضم الدَّال المهملة. ووقع لبعض الرواة: ذَرَّة - بفتح الذال المعجمة ۔ وکأنه وهمٌ. و (قوله: ((لو أنَّها لم تكن ربيبتي في حجري ما حلَّت لي))) تقييدُ تحريم تحريم الربيبة الرَّبيبة هنا بكونها في حجر المتزوِّج كتقيدها به في قوله تعالى: ﴿وَرَبِبُكُمُ الَّتِ فِى حُجُورِكُم مِّن نِّسَائِكُمُ ... ﴾ [النساء: ٢٣]. وبهذا التقييد تمسَّك داود، فقال: لا تحرمُ الربيبة إلا إذا كانت في حجر المتزوِّج بأمِّها. وجمهورُ العلماء من السّلف والخَلَف على أنَّ ذلك ليس بشرطٍ في التحريم، وإنما خرج ذلك القيدُ على تعريفهنَّ بغالب أحوالهنَّ. قال ابن المنذر(١): قد أجمع كلُّ من ذكرناه، وكلُّ من لم نذكره من علماء الأمصار: على خلاف قول داود. وقد احتجَّ بعضُهم على عدم (١) في (ع): ابن دريد. ١٨٢ (١٥) كتاب النكاح - (٢٢) باب: تحريم الأخت وبنت الأخ من الرضاعة إنها ابنةُ أخي من الرَّضاعة، أرضعَتْني وأباها ثويبةُ . فلا تَعْرِضْنَ عليّ أخواتِكُنَّ ولا بناتِکنَّ». رواه البخاريُّ (٥١٠١)، ومسلم (١٤٤٩)، وأبو داود (٢٠٥٦)، والنسائيُّ (٩٦/٦)، وابن ماجه (١٩٣٩). اشتراط الحجر بقول النبيِّ وَّهِ: ((لا تعرضْنَ عليَّ بناتِكُنَّ ولا أخواتِكُنَّ» ولم يقل: اللاتي في حجري. و (قوله: ((إنها ابنة أخي من الرَّضاعة))) هذا حجةٌ على أنَّ لبن الفحل يحرِّم كما تقدَّم. وفيه تنبيهٌ على جواز تعليل الحكم بعلَّتين. فإنه علَّل تحريمها: بأنها ربيبةٌ، وابنة أخٍ. وقد اختلف الأصوليون في ذلك. والصحيحُ جوازُه لهذا الحديث وغيره. و (تُوَيبةٌ) - بضم الثاء المثلثة، وفتح الواو، وياء التصغير -: تصغير: ثوبة. وهي المرَّةُ الواحدة من: ثاب: إذا رجع. يقال: ثاب، يثوب، ثوباً، وثوبةً. وثويبة هذه: جاريةٌ لأبي لهب كانت أرضعتِ النبيَّ وَل﴿ وأبا سلمة، ولأجل رضاعها للنبيِّ ◌َ﴿ سقي أبو لهب نطفةً من ماءٍ في جهنم. وذلك أنَّه جاء في الصحيح: أنه رُتي في النَّومِ. فقيل له: ما فُعِل بك؟ فقال: سُقيت في مثل هذه، وأشار إلى ظفر إبهامه(١). و (قوله: ((فلا تَعْرِضْنَ عليَّ بناتكن، ولا أخواتكن))) أي: بلفظ الجمع وإن كانتا اثنتين؛ ردعاً وزجراً أن يعودَ له أحدٌ بمثل ذلك. ولذلك يحسنُ من المنكر على المرأة مثلاً المكلِّمة لرجلٍ واحدٍ أن يقول: أتكلِّمين الرِّجال يا لكعاء؟ !. (١) رواه البخاري (٥١٠١). ١٨٣ (١٥) كتاب النكاح - (٢٢) باب: لا تحرّم المصة ولا المصتان (٢٢) بابُ لا تُحرِّم المصَّةُ ولا المصَّتان [١٥١٢] عن عائشةَ قالتْ: قال رسولُ اللهِ وَله: ((لا تُحَرِّمُ المصَّة والمصَّتان)». رواه أحمد (٩٥/٦)، ومسلم (١٤٥٠)، وأبو داود (٢٠٦٣)، والترمذي (١١٥٠)، والنسائي (٦/ ١٠١)، وابن ماجه (١٩٤١). [١٥١٣] وعن أمِّ الفضل، قالت: دخل أعرابيٍّ على نبيِّ الله وَّل وهو في بيتي. فقال: يا نبيَّ الله! إنِّي كانت لي امرأةٌ فتزوَّجْتُ عليها أخرى. فزعمتْ امرأتي الأولى أنَّها أرضعت امرأتي الحُدْثَى رضعةً أو رضعتين. فقال نبيُّ الله وَلّهِ: ((لا تُحَرِّمُ الإملاجةُ ولا الإملاجتان». وفي لفظٍ آخرٍ: ((لا تحرِّمُ الرَّضعَةُ أو الرَّضعتان، أو المصَّةُ أو المصَّتان)). (٢٢) ومن باب: لا تحرِّمُ المصَّةُ ولا المصَّتان (قوله: ((لا تحرِّم الإملاجةُ والإملاجتان))) قال أبو عُبيد: يعني: المصة والمصَّتين. والملج: المصُّ. يقال: ملج الصبيُّ أمّه، يملجها - بالجيم - وملح، يملح - بالحاء المهملة -. وأملجت المرأة صبيّها. والإملاجة: أن تُمِصَّه لبنها مرةً واحدةً. وأمَّا الرَّضاعة: فقال ابنُ السكيت وغيره: فيه لغتان. كسر الرَّاء وفتحها. وكذلك: الرَّضاع. وقد رضَع - بفتح الضاد وكسرها - لغتان. ورضُع ـ بضم الضاد ۔: إذا کان لئیماً. فھو: راضع. وجمعه: رُضَّع. ومنه قول ابن الأكوع: * واليوم يوم الرُّضَّع * أي: يوم هلاك اللئام. ١٨٤ (١٥) كتاب النكاح - (٢٢) باب: لا تحرّم المصة ولا المصتان رواه أحمد (٣٤٠/٦)، ومسلم (١٤٥١) (١٨ و٢٠)، والنسائي (١٠٠/٦ و١٠١)، وأبو داود (٢٠٦٤)، والترمذيّ (١١٥٣). أقلُّ ما يُحرُّم من الرضاع قلتُ: لم يقل أحدٌ فيما علمتُ بظاهر ذلك(١) الحديث إلا داود. فإِنَّه قال: أقلُّ ما يحرِّم ثلاث رضعات، ولا تُحرِّمُ الرضعةُ ولا الرضعتان. وهو تمسُّكُ بدليل الخطاب. وذهب الشَّافعيُّ: إِلى أنَّ أقلَّ ما يقعُ به التحريمُ خمس رضعات، أخذاً بحديث عائشة الآتي. وشدَّت طائفةٌ، فقالت: أقلُّ ما يقعُ به التحريم عشر رضعات. تمشُّكاً بأنَّه كان فيما أنزل: عشر رضعات. وكأنهم لم يبلغْهم الناسخ. وذهب مَنْ عدا هؤلاء من أئمة الفتوى: إلى أنَّ الرضعة الواحدة تُحرِّم إذا تحقّقت؛ متمسِّكين بأقلّ ما ينطلق عليه اسم الرَّضاع. ولا شكَّ في صِدْق الاسم في مثل قوله تعالى: ﴿وَأُمَّهَتُكُمُ الَّتِىّ أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَعَةِ﴾ [النساء: ٢٣]، وفي قوله: ((يحرم من الرَّضاعة ما يحرم من النَّسب))(٢) على القليل، كما صدق على الكثير. وعُضُّد هذا بما وُجِد من العمل عليه في المدينة. فقد روى مالكٌ عن عروة، وسعيد بن المسيب، وابن شهاب: أن القطرةَ الواحدةَ تُحرِّم. وقد عُضِّد ذلك بقياس الرَّضاع على الصِّهر بعلّة: أنَّه طارىء يقتضي تأبيدَ الحرمة(٣)، فلا يشترط فيه العدد، كالصِّهر(٤). أو يقال: مائع يلج الباطن محرّمٌ، فلا يشترط فيه عددٌ، كالمني. واعتذر عن تلك الأحاديث بأمورٍ : أحدها: أنه ليس عليها العملُ. قال مالك: ليس العملُ على حديث: (ثم نسخن بخمس معلومات). وهذا إنَّما يتمشَى على مذهب مَن يقول: إنَّ العملَ أولى من الخبر. وهو مذهب مالك وأصحابه على تفصيلٍ يُعرف في الأصول. (١) في (ج ٢): هذا. (٢) سبق تخريجه في أحاديث الباب. (٣) في (ج ٢): التحريم. (٤) ساقط من (ع). ١٨٥ (١٥) كتاب النكاح - (٢٢) باب: لا تحرّم المصة ولا المصتان [١٥١٤] وعنها: سأل رجلٌ النَّبِيَّ وَِّ: أَتْحَرِّمُ المصَّةُ؟ قال: ((لا)). رواه مسلم (١٤٥١) (٢٣). وثانيها: أنَّها أحاديث مضطربةٌ متعارضةٌ، الأعداد فيها: عشرٌ، وخمسٌ، وثلاثٌ. فوجب تركُها، والتمشُّك بالأصل. وثالثها: أنَّ عائشة - رضي الله عنها - ذكرت: (في عشر رضعات، ونسخها في خمس)(١): أنَّ ذلك كان بالقرآن، ولم يتواتر إلينا، فليست بقرآن، ولا رفعته إلى النبيِّ وَّهِ، فيكون خبراً من أخبار الآحاد، فلا يصلحُ التمشُّك به، كما ذُكِرَ في الأصول. وغايةُ ما يُحملُ عليه حديثُ عائشة: أنَّ ذلك كان كذلك، ثمَّ نُسِخ كلُّ ذلك تلاوة وحُكْماً. والله تعالى أعلم. وأمَّا حديث: ((لا تُحرِّم المصَّةُ ولا المصَّتان)) فهو أنصُّ ما في الباب، غير أنَّه يمكنُ أن يُحْمَل على ما إذا لم يُتحقَّقْ وصولُ اللبن إلى جوف الرَّضيع. ويؤيِّد هذا التأويلَ قولُه: ((عشر رضعات معلوماتٍ)) و((خمسٌ معلومات)). فَوَصْفُها بالمعلومات إنَّما هو تحرُّزٌ ممَّا يتوهّمُ، أو يُشَكُّ في وصوله إلى الجوف من الرضعات. ويفيدُ دليل خطابه: أنَّ الرَّضعات إذا كانت غير معلومات لم تُحرِّم. وقال بعضُهم: لعلَّ هذا حين كان يشترطُ في التحريم العشر والعدد، فلما نُسِخ ارتفع ذلك كلُّه. والله تعالى أعلم. (١) ذُكِر نصُ هذا الحديث في الباب التالي. ١٨٦ (١٥) كتاب النكاح ۔ (٢٣) باب: نسخ عشر رضعات بخمس (٢٣) باب نَسْخِ عَشْرِ رَضَعَاتٍ بخمسٍ، ورضاعةِ الكبيرِ [١٥١٥] عن عائشة: أنَّها قالت: كان فيما أُنْزِل من القرآن: عشرُ رَضَعاتٍ معلوماتٍ يُحَرِّمْنَ. ثم نسخن بـ: خمس معلوماتٍ. فتوفي رسولُ اللهِ وَّهِ وهنَّ فيما يُقْرَأُ من القرآن. رواه مسلم (١٤٥٢) (٢٤)، وأبو داود (٢٠٦٢)، والترمذيُّ (١١٥٠)، والنّسائيُّ (١٠٠/٦)، وابن ماجه (١٩٤٢). [١٥١٦] وعنها، قالت: جاءتْ سهلةُ بنتُ سُهَيلِ إلى النَّبِيِّ ◌َّهِ. فقالت: يا رسول الله! إنِّي أرى في وجه أبي حُذَيْفَةَ من دخولٍ سالم - وهو (٢٣) ومن باب: رضاعة الكبير (سالم) هذا هو: سالم بن معقل، مولى سلمى بنت يعار، زوجة أبي حذيفة. وقيل: سَهلة بنت سُهيل. وقيل في اسمها غير سلمى. وكان أبو حذيفة قد تبنّاه على ما كانت عادتُهم في التبنِّي، وكان قد نشأ في حجر أبي حذيفة وزوجته، نشأة الابن، فلمَّا أنزل اللَّهُ تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لِأَّبَآَيِهِمْ ... ﴾ [الأحزاب: ٥] بطل حكمُ التبني، وبقي سالمٌ على دخوله على سهلة بحكم صغره، إلى أن بلغ مبلغ الرجال وجدا - أعني: أبا حذيفة وسهلة - في نفوسهما كراهة ذلك، وثقل عليهما أن يمنعاه الدخولَ للإلْف السابق إلى أن سألا [عن ذلك](١) رسولَ اللهِوَ لَه فقال لها رسولُ اللهِ وَله: ((أرضعيه تحرمي عليه، ويذهب ما في نفس أبي حذيفة)) فأرضعته، فكان ذلك. فرأى سائر أزواج النبيِّ وَّهِ خلا عائشة: أنَّ ذلك خاصٍّ بسالم، وأنَّ (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ل ١). ١٨٧ (١٥) كتاب النكاح - (٢٣) باب: نسخ عشر رَضَعات بخمس حليفُه - فقال رسولُ اللهِِّ: ((أرْضِعِيْهِ)). قالت: وكيف أَرْضِعُهُ وهو رجلٌ كبيرٌ؟ فتبسَّم رسولُ اللهِ وََّ، وقال: ((قَدْ عَلِمْتُ أنَّه رجلٌ كبير)). وفي روايةٍ : إنَّه ذو لحیةٍ - بدل - رجلٌ كبيرٌ. رواه أحمد (٣٨/٦ و٣٩)، ومسلم (١٤٥٣) (٢٦) و (٣٠)، والنسائي (١٠٤/٦ و١٠٥)، وابن ماجه (١٩٤٣). ذلك لا يتعدَّاه لما اقترن بذلك(١) من القرائن التي ذكرناها، ولما يعارضه ممَّا يأتي ذكره. وإلى مذهبهنَّ في ذلك صار جمهورُ السَّلف والخلف من الفقهاء وغيرهم. وحملوا الحديثَ على الخصوص. ورأوا: أنَّ رضاعةً الكبير للأجنبية لا تجوز، وإن وقعت لم يلزم بها حُكْم، لا في النكاح، ولا في الحجاب، ما خلا داود فإنه قال: يرفع تحريم الحجاب لا غير. تمشُّكاً بحديث سالم. قال ابن المؤَّاز(٢): لو أُخذ بهذا في الحجابة لم أعِبْه، وتركه أحبُّ إليَّ، وما علمتُ من أخذ به عامّاً إلا عائشة. قال الباجي: قد انعقد الإجماعُ على خلاف التحريم برضاعة الكبير. قال أبو الفضل عياض: لأنَّ الخلافَ إنَّما كان أوَّلاً ثمَّ انقطع. قلت: وفيما ذكره ابنُ المؤَّاز عن عائشة: أنَّها ترى رضاعةَ الكبير تحريماً عاماً نظرٌ؛ فإنَّ نصَّ حديث الموطأ عنها: أنَّها إنما كانت تأخذُ بذلك في الحجاب خاصّةً. فتأمَّل ما في الموطأ(٣) من حديث سالم هذا، فإنَّ مالكاً - رضي الله عنه - ساقه أكملَ مساقٍ وأحسنه، وذكر فيه جملة من القرائن الدالة على خصوصية سالم بذلك. (١) في (ع): به. (٢) هو: محمد بن إبراهيم بن زياد الإسكندراني المالكي، ابن المؤَّاز: صاحب التصانيف، قدم دمشق، وتوفي سنة (٢٦٩ هـ). (٣) رواه مالك في الموطأ (٦٠٥/٢). ١٨٨ (١٥) كتاب النكاح ۔ (٢٣) باب: نسخ عشر رضعات بخمس [١٥١٧] وعنها: أنَّ سالماً مولى أبي حُذيفة كانَ مع أبي حذيفة وأهله في بيتهم. فأتت (تعني: بنت سهيل) النَّبِيَّ وَّهِ. فقالت: إنَّ سالماً قد بلغ ما يبلغُ الرِّجال، وعَقَلَ ما عَقَلُوا. وإنَّه يدخل علينا، وإني أظنُّ: أنَّ في نفس أبي حذيفة من ذلك شيئاً! فقال لها النَّبيُّ وَّهِ: ((أرضعيه تَحْرُمي عليهِ، ويذهبُ الذي في نفس أبي حُذَيْفَةَ)). رواه مسلم (١٤٥٣) (٢٧) وقد اعتُضِد للجمهورُ على الخصوصية بأمور: أحدها: أنَّ ذلك مخالفٌ للقواعد. منها: قاعدة الرَّضاع؛ فإنَّ الله تعالى قد قال: ﴿وَاُلْوَلِدَتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَدَهُنَّ ◌َوْلَيْنِ كَامِلَيْنٍ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمّ الرَّضَاعَةَ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فهذه أقصى مدَّة الرَّضاع المحتاج إليه عادةً، المعتبر شرعاً، فما زاد عليه بمدَّةٍ مؤثرةٍ غير محتاج إليه عادةً، فلا يُعتبر شرعاً؛ لأنه نادر، والنادرُ لا يحكمُ له بحكم المعتاد. ومنها: قاعدةُ تحريم الاطّلاع على العورة؛ فإنه لا يختلفُ في أنَّ ثديَ الحرّة عورةٌ، وأنَّه لا يجوزُ الاطلاعُ عليه، لا يقال: يمكنُ أن يرضع ولا يطَّلع؛ لأنَّا نقول: نفس التقام حَلَمَةَ الثدي بالفم اطّلاع. فلا يجوزُ. ومنها: أنه مخالفٌ لقوله مَّةِ: ((إنَّما الرَّضاعةُ من المجاعة))(١). وهذا منه وِل تقعيدُ قاعدةٍ كليّةٍ؛ تُصرِّحُ بأنَّ الرَّضاعةَ المعتبرةَ في التحريم إنما هي في الزَّمان الذي تغني فيه عن الطعام، وذلك إنَّما يكونُ في الحولين وما قاربهما. وهو الأيامُ اليسيرةُ بعد الحولين عند مالكِ. وقد اضطرب أصحابُه في تحديدها. فالمكثر يقول: شهراً. وكأن مالكاً يشير: إلى أنَّه لا يفطم الصبيُّ في دفعةٍ واحدةٍ، في يومٍ (١) رواه البخاري (٢٦٤٧)، ومسلم (١٤٥٥)، وأبو داود (٢٠٥٨)، والنسائي (١٠٢/٦). : ٠ ١٨٩ (١٥) كتاب النكاح ۔ (٢٣) باب: نسخ عشر رضعات بخمس [١٥١٨] وعن زينب بنت أبي سلمة، أنَّ أمَّها أمَّ سلمة زوج النَّبِيِّ وَه، كانتْ تقول: أبى سائر أزواج النَّبيِّ وَ﴿ أن يُدْخِلْنَ عليهنَّ أحداً بتلك الرَّضاعة، وقلن لعائشة: والله ما نرى هذا إلا رخصة أرخصها رسولُ اللهِوَّ﴿ لسالم خاصَّةً. فما هو بداخلٍ علينا أحدٌ بهذه الرَّضاعةِ، ولا رائینا . رواه مسلم (١٤٥٤). واحدٍ، بل في أيامٍ وعلى تدريج. فتلك الأيَّام التي يحاولُ فيها فطامه حُكْمها حكمُ الحولين، لقضاء العادة بمعاودة الرَّضاع فيها. وقد أطلق بعضُ الأئمة على حديث سالم: أنَّه منسوخٌ. وأظلُّه سمّى التخصيص نسخاً، وإلا فحقيقةُ النسخ لم تحصلْ هنا؛ على ما يُعرف في الأصول. و (قوله: ((أرضعيه يذهبْ ما في نَفْس أبي حذيفة))) يعني: أنَّه إذا علم أبو حذيفة أنّه قد حُكِم له بحكم ذوي المحارم، وقد رفع عنه ما كان يخافه من الحرج والتأثيم(١) لم يبقَ له كراهةٌ، ولا نفرةٌ تغيِّرُ وَجْهَهُ. وكذلك كان. (١) في (ع): التأثم. وفي (م): المأثم. ١٩٠ (١٥) كتاب النكاح - (٢٤) باب: إنما الرضاعة من المجاعة (٢٤) بابُ إنَّما الرَّضَاعةُ مِنَ المجاعةِ [١٥١٩] عن مسروقٍ، قال: قالتْ عائشةُ: دخل عليَّ رسولُ اللهِ وَل وعندي رجلٌ قاعدٌ، فاشتدَّ ذلك عليه. ورأيتُ الغضب في وجهه. قالت: فقلت: يا رسول الله! إنه أخي من الرَّضاعة. قالت: فقال: ((انظرن إخْوَانَكُنَّ من الرَّضاعة، فإنَّما الرَّضاعةُ عن المجاعة)). وفي روايةٍ: ((مِنْ)) بدل ((عن)). رواه البخاريُّ (٥١٠٢)، ومسلم (١٤٥٥)، وأبو داود (٢٠٥٨)، والنسائيُّ (١٠٢/٦). [(٢٤) ومن باب: إنما الرَّضاعة من المجاعة](١) (غَضَبُ النبي ◌َّهِ لما رأى في بيته مَن لا يعرفه) هو تأديبٌ منه لها. وقد كان ◌َ﴿ أَخَذَ على النساء: ألَّ يوطئن فرشهن أحداً يكرهه الزوج. ولذلك بادرت بالعذر، فقالت: إنَّه أخي من الرَّضاعة. و (قوله: ((انظرن إخوانكن من الرَّضاعة))) يعني: تحقَّقن صحة(٢) الرّضاعة، ووقتها؛ فإنها إنما تنشرُ الحرمةُ إذا وقعتْ على شرطها، وفي وقتها، كما ذكرناه آنفاً. و (قوله: ((إنما الرَّضاعة عن المجاعة))) إنَّما: للحصر، فكأنَّه قال: لا رضاعةَ معتبرةٌ إلا المُغْنِية عن المجاعة، أو المطعمة من المجاعة. كما قال (١) ما بين حاصرتين غير موجود في الأصول، واستدركناه من التلخيص. (٢) في (م): صفة. ١٩١ (١٥) كتاب النكاح - (٢٥) باب: في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ (٢٥) باب في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَآءِ﴾ [١٥٢٠] عن أبي سعيد الخُدريِّ: أنَّ رسول الله ◌َ ﴿ يوم حنين، تعالى: ﴿أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ﴾ [قريش: ٤] فـ (عن) أو (من) - على اختلاف الروایتین - متعلِّق بمحذوف. تقدیره ما ذكرناه. (٢٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٢٤] (المحصنة) اسم مفعول، من: أحصنت. وأصلُ الإحصان: المنع. ومنه: معنى الإحصان الحصن التي يمتنعُ فيه. والفرس حصان؛ لأنَّه يتحصّن عليه. ويقال: محصنةٌ، على ذات الزوج؛ لأنَّ الزوجَ قد منعها من غيره، وعلى العفيفة؛ لأنها قد(١) منعت نفسها من الفواحش. ويقال على الحرة؛ لأنَّ الحريةَ تمنعُها ممَّا يتعاطاه العبيد. وقد جاءت الأوجهُ الثلاثةُ في القرآن. والمرادُ به في هذه الآية: ذوات الأزواج. أي: هنَّ (٢) ممن حرم عليكم. ثم استثنى بقوله: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ وهذه الآيةُ اختلف الناسُ في سبب نزولها. وحديثُ أبي سعيد هذا أصحُّ ما نُقِلَ في حكم نكاح ذلك. وبه يرتفعُ الخلافُ. فإنه نصَّ فيه: على أنها نزلتْ بسبب تحرُّج أصحاب المسبيَّات رسول الله وَ﴿ عن إتيان المسبيَّات ذوات الأزواج، فأنزل اللَّهُ تعالى في جوابهم: ﴿ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَنُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] [فالمسبياتُ ذوات الأزواج داخلاتٌ في عموم ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾](٣) فالسبي فسخٌ لنكاحهن بلا شكٌّ. وهل هو نسخ (١) ساقط من (ع). (٢) هذه اللفظة ليست في (ع). (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (م). ١٩٢ (١٥) كتاب النكاح - (٢٥) باب: في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقُوا العدوّ، فقاتلوهم، فظهروا عليهم، وأصابوا بطلاق، أو بغير طلاق؟ ذهب للأول الحسنُ البصريُّ. ثمَّ هل يقصر التحريمُ عليهنَّ - أعني المسبيَّات - لأنهنَّ السّبب، أو يُحْمَلُ اللفظُ على عمومه؟ قولان لأهل العلم. وعن هذا نشأ الخلافُ في بيع الأمة ذات الزَّوج، وهِبتها، وميراثها، وعثْقها. فقال الحسنُ: إنَّ ذلك كلّه طلاقٌ لها من زوجها. [وروي عن عمر في قوله: ﴿إلا ما ملكت أيمانكم﴾ بمِلْك نكاح، أو يمين، أو غَلَبة](١). وذهب مالك، وجمهورُ العلماء: إلى أنَّه ليس شيءٌ من ذلك فسخاً ولا طلاقاً، بدليل حديث بريرة. أنها لما أُعتقت خُيِّرت. فلو كان عتْقُها طلاقاً لما صحَّ خيارها، فإنَّه كان يقعُ بنفس العثْقِ. وهو يدلُّ: على أنَّ الآيةَ مقصورةٌ على سببها. فإذا تقرَّر: أنَّ السبيَ فَسْخٌ فالمشهورُ من مذهبنا: أنَّه لا فَرْقَ بين أن يُسْبَى الزوجان مجتمعين أو مفترقين. وروى ابنُ بكير عن مالكِ: أنهما إِنْ سُبِيا جميعاً، واستبقي الرَّجل، أُقْرًّا على نكاحهما. فرأى في هذه الرواية: أنَّ استبقاءه إبقاءٌ لما يملكه، لأنه قد صار له عهدٌ، وزوجته من جملة ما يملكه، فلا يُحالُ بينها وبينه. والصَّحيحُ الأول للتَّمشُّك بظاهر الآية كما تقدَّم، ولأنَّها قد مُلِكت رقبتُها بالسّباء، فَتُمْلَكُ جميعُ منافعها، ولا ينتقضُ ذلك بالبيع، ولا بغيره من الوجوه التي تنقل الملك المذكور على ما تقدَّم، لأنها خروجٌ من مالك مِلْكاً محقَّقاً، والكافر لا يملك ملكاً محضاً، فافترقا(٢). [و (قوله: في سبي أوطاس) قد قدَّمنا أنَّ غزوةَ أوطاس هي غزوةُ حنين. وقول](٣) من قال: إنَّ ذلك كان في خيبر وهمٌ. (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) و (م) ومستدرك من (ج ٢). (٢) في (ج ٢): فانفصلا. (٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ج). ١٩٣ (١٥) كتاب النكاح - (٢٥) باب: في قوله تعالى: ﴿والمحصنات من النساء﴾ لَهُم سبايا. فكأنَّ ناساً من أصحاب رسولِ الله وَّهِ تَحَرَّجوا من غِشْيَانِهِنَّ من أَجْلِ أزواجِهِنَّ من المشركين. فأنزل الله عز وجل في ذلك: ﴿ وَأَلْمُحْصَنَثُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَئِنُكُمْ كِنَبَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَّبْتَغُواْ بِأَمْوَلِكُم ◌ُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَفِحِينَ فَمَا أَسْتَمْتَعْثُمْ بِهِ، مِنْهُنَّ فَنَاتُوهُنَّ أُجُورَ هُنَ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَضَيْتُم بِهِ، مِنْ بَعْدِ اَلْفَرِيضَةٌ إِنَّ [النساء: ٢٤] أي: فهنَّ لكُمْ حلالٌ إذا انقضتْ ٢٤ ١) اُللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا! عِدَّتهنَّ. رواه مسلم (١٤٥٦) (٣٣)، وأبو داود (٢١٥٥)، والترمذيُّ (١١٣٢)، والنَّسائيُّ (١١٠/٦). * و (قوله: تحرَّجوا من غشيانهنَّ) أي: خافوا الحرج، وهو: الإثمُ هنا. وفي الأم(١) في إحدى الروايات: (تحوَّبوا) أي: خافوا الحوب. وهو الإثم أيضاً. و (غشيانهنَّ) أي: وطؤهنَّ. و (قوله: من أجل أزواجهنَّ) أي: ظنُّوا أنَّ نكاحَ أزواجهنَّ لم تنقطعْ عدم الإقدام عصمته. وفي هذا ما يدلُّ: على وجوب توقُّف الإنسان، وبحثه، وسؤاله عمَّا على أمْرٍ إلا لا يتحقّق وجهه، ولا حكمه. وهو دأبُ من يخافُ الله تعالى. ولا يختلفُ فى أنَّ بعد تبيّن حكمه ما لا يتبيَّن حُكمُه لا يجوزُ الإقدام عليه. و (قوله: ((فهنَّ لكم حلالٌ إذا انقضتْ عدتهنَّ))) يعني بالعدَّة: الاستبراء من استبراءُ المسبية ماء الزَّوج الكافر، وذلك يكونُ بحيضةٍ واحدةٍ، فإن نكاحَ الكافر فاسدٌ عندنا بحكم (١) انظر: صحيح مسلم (١٠٨٠/٢) رقم (٣٥)، وفيه: تخوَّفوا. وكذا في (ع) و(ج). والمثبت من (ج ٢). ١٩٤ (١٥) كتاب النكاح - (٢٦) باب: الولد للفراش (٢٦) باب الولد للفراش [١٥٢١] عن عائشةَ قالت: اختصم سعدُ بن أبي وقَّاصٍ وعبد بن زَمْعَةَ في غُلامِ. فقال سعد: هذا يا رسول الله ابنُ أخي عُتْبَةَ بنِ أَبِي وقَّاصٍ، الأصالة على المشهور. وهو الصحيحُ؛ لعروٌ أنكحتهم عن الشروط الشَّرعية. وقد تقدَّم مِن حكاية الحسن: أنَّ الصَّحابةَ - رضي الله عنهم - كانوا يستبرئون المسبيّة بحيضةٍ. وأمَّا على قول مَن يرى أنَّ أنكحتهم صحيحة - وهو الشَّافعي، وأبو حنيفة - فتعتدُّ عدَّةً كاملةً؛ لأنها قد انفسخَ عنها نكاحٌ صحيحٌ كان، لولا أن عَارِضَ السَّبي قَطَعَهُ، وهي أولى بذلك على مذهب الحسن الذي يقول: إنَّ نكاحَها ينفسخُ بطلاقٍ، فتكون مطلّقةً من زوجٍ في نكاحٍ صحيح، وتعتذُّ عدَّةً كاملة. وهل تعتدُّ على مذاهب هؤلاء عدَّة الأمة، أو عدَّة الحرّة؟ فيه نظرٌ على أصولهم. (٢٦) ومن باب: الولد للفراش (قوله: اختصم سعد بن أبي وقّاص، وعبد بن زمعة في غلام) سببُ هذا الاختصام: أنَّهم كانوا يبتاعون الإماء في الجاهلية، ويستأخرونهنَّ للوطء، ويلحقون النسب بالزنى، فمن ألحقته المزنيُّ بها التحق به، ومن ألحقه بنفسه من الزناة بها التحق به إذا لم ينازعه غيره. فكان عتبةُ بن أبي وقاص قد وقع بأمة زمعة فحملت فولدت غلاماً، فلمّا حضرت وفاةُ عتبة عهد لأخيه سعدٍ بأن يأخذه إليه، لأنّه ابنه، ثمَّ مات عتبةُ على شركه، فحينئذٍ تخاصمَ سعدٌ مع عبد بن زمعة في ذلك الغلام، فاحتجّ سعدٌ باستلحاق أخيه عتبة له على عاداتهم في الاستلحاق بالزِّنى. وتمسَّك عبدٌ بفراش أبيه، وكأنَّ عبداً كان قد سمع: أنَّ الشرع يُلحق بالفراش. وإلا فلم تكن عادتهُم الإلحاق به. فقضى النبيُّ ◌َ ه بالولد لصاحب الفراش، وقطع الإلحاق بالزنى بقوله: ((وللعاهر الحجرُ)). ١٩٥ (١٥) كتاب النكاح - (٢٦) باب: الولد للفراش عَهِدَ إليَّ: أنَّه ابنُه - انظر إلى شبَهه! وقال عبدُ بنُ زَمْعَةَ: هذا أخي يا رسول الله! ولد على فراش أبي من وليدته. فنظرَ رسولُ الله ◌ِوَ ل إلى شبهه، فرأى شبهاً بيِّناً بعتبةَ. فقال: ((هو لك يا عبد !. و (قول عبد بن زمعة في الغلام: أخي، وابن وليدة أبي) تمسَّك به الشَّافعي: على أنَّ الأَخَ يَستلحق، ومنعه مالك وقال: لا يستلحقُ إلا الأب خاصَّةً؛ لأنَّه لا يتنزلُ غيره في تحقيق الإصابة منزلته. وقد اعْتُذِر لمالك عن ذلك الظاهر بو جھین : أحدهما: أنّ الحديث ليس نصّاً في أنه ألحقه به بمجرد نسبة الأخوة، فلعلَّ النبيَّ وَ﴿ علم وطء زمعة تلك الأمة (١) بطريقٍ اعتمدها من اعترافٍ أو غيره، فحكم بذلك، لا باستلحاق الأخ. والثاني: أنَّ حكمه به لم يكن لمجرد الاستلحاق، بل بالفراش. ألا ترى قوله: ((الولد للفراش؟!)) وهذا تقعيدُ قاعدةٍ، فإنه لمَّا انقطع إلحاق هذا الولد بالزاني لم يبقَ إلا أن يلحق بصاحب الفراش؛ إذ قد دار الأمر بينهما. وهذا أحسنُ الوجهَیْن. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ: على أبي حنيفة، حيث يقول: إنَّ الولدَ لا يلحق إلا إذا تقدَّمه ولدٌ سابقٌ، على ما حكاه عنه الإمامُ أبو عبد الله المازري. و (قوله: فرأى شبهاً بيّاً بعتبة وقال: ((هو لك يا عبدُ)) يدلُّ: على أنَّ الشَّبه لا يُعْمَلُ عليه في الإلحاق عند وجود ما هو أقوى منه، فإنَّه ألغاه هنا، وحَكَم بالإلحاق لأجل الفراش، كما ألغاه في حديث اللعان لأجل اللعان. وأمَّا في حديث القافة فليس له هناك معارضٌ هو أقوى منه، فأُعْمِل. و (قوله: ((هو لك يا عبدُ))) هكذا الروايةُ بإثبات (يا) النداء و (عبدٌ) منادى (١) في (ل ١): الوليدة. ١٩٦ (١٥) كتاب النكاح - (٢٦) باب: الولد للفراش الولدُ للفراش، مفرد، يريدُ به: عبد بن زمعة، ولا شكّ في هذا. وقد وقع لبعض الحنفية: (عبدٌ) بغير (يا)، فنوَّنه. وفرَّ بذلك عما لزمهم من إلحاق الولد من غير اشتراط ولدٍ متقدم. وقالوا: إنَّما ملَّكه إياه، لأنه ابن أمة أبيه، لا أنّه ألحقه بأبيه. وهذه غفلةٌ عن الرواية واللسان. أمَّا الرواية: فقد ذكرناها. وأما اللسان: فلو سلمنا أنَّ الروايةَ بغير (يا) فالمخاطبُ عبدُ بن زمعة، وهو بلا شكّ: منادى، إلا أنَّ العربَ تحذفُ حرفَ النداء من الأسماء الأعلام، كما قال تعالى: ﴿ يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا﴾ [يوسف: ٢٩]، وهو كثيرٌ. و (عبدُ) هنا: اسمٌ علمٌ يجوزُ حَذْفُ حرف النداء منه. و (قوله: ((الولدُ للفراش))) الفراشُ هنا: كنايةٌ عن الموطوءة؛ لأنَّ الواطىءَ يستفرشها. أي: يُصيِّرها كالفراش. ويعني به: أنّ الولدَ لاحِقٌ بالواطىء. قال الإمامُ: وأصحابُ أبي حنيفة يحملونه على أنّ المراد به صاحب الفراش، ولذلك لم يشترطوا إمكانَ الوطء في الحرّة. واحتُوا بقول جرير: معنى الفراش وحکمه بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلَقَ العَبَاءَةِ في الدِّمَاءِ قَتِيْلا يعني: زوجها. والأول أولى لما ذكرناه من الاشتقاق، ولأنَّ ما قدَّره من حذف المضاف ليس في الكلام ما يدلُّ عليه، ولا يحوجُ إليه. وعلى ما أصَّلناه فقد أَخَذَ بعموم قوله: ((الولد للفراش)) الشعبيُّ، ومَن قال بقوله. فقال: الولدُ لا ينتفي عمَّن له الفراشُ لا بلعانٍ، ولا غيره. وهو شذوذٌ، وقد حكي عن(١) بعض أهل المدينة، ولا حجّة لهم في ذلك العموم لوجهين: أحدُهما: أنه خرج على سبب ولد الأمة، فيقصر على سببه. وثانيهما: أن الشَّرع قد قعَّدَ قاعدةَ اللِّعان في حقّ الأزواج، وأن الولدَ ينتفي (١) ليست في (ع). ١٩٧ (١٥) كتاب النكاح - (٢٦) باب: الولد للفراش وللعاهر الحجرُ، واحتجبي منه يا سودةُ بنتُ زمعةَ)). قالت: فلم يرَ سودةَ قطُّ . رواه أحمد (٣٧/٦)، والبخاريُّ (٢٢١٨)، ومسلم (١٤٥٧) (٣٦)، وأبو داود (٢٢٧٣)، والنَّسائيُّ (٦/ ١٨٠)، وابن ماجه (٢٠٠٤). بالتعانهما، فيكون ذلك العموم المظنون مخصَّصاً بهذه القاعدة المقطوع بها. ولا يُختلف في مثل هذا الأصل. و (قوله: ((وللعَاهِرِ الحَجَر))) العاهر: الزاني. وهو اسم فاعل من: عهرَ معنى العاهر، الرجل المرأة، يَعْهَرُهَا: إذا أتاها للفجور. وقد عَهِرَتْ(١) هي، وتَعَيْهَرَتْ: إذا وأن الخيبة للزناة زنت. والعَهْرُ: الزِّنى. واختُلفَ في معنى: ((للعاهر الحجر)). فمنهم من قال: عنى به: الرَّجم للزاني المُحصن. ومنهم من قال: يعني به: الخيبة. أي: لا حظّ له في الولد. لأنَّ العربَ تجعلُ هذا مثلاً. كما يقولون: امتلأت يدهُ تراباً. أي: خيبة. قلت: وكأنَّ هذا هو الأشبه بمساق الحديث، وبسببه. وهي حاصلةٌ - أي: الخيبة - لكلِّ الزناة. فيكون اللفظ محمولاً على عمومه. وهو الأصلُ. ويُؤخذ دلیل الرَّجم من موضعٍ آخر. وحملُه على الزَّاني المُحصن تخصيصُ اللفظ من غير حاجةٍ ولا دلیل. و (قوله ◌َل﴿ لسودة: ((احتجبي منه))) يُستدلُّ به على إعطاء الشوائب المختلفة تغليظ الحجاب أحكامها المختلفة، فإنَّه ألحقَ الولدَ بصاحبِ الفراش، وأمرَ سودةَ بالاحتجاب من في حقٌّ أزواجه ﴾ الغلام الملحَق، وإن كان أخاها شرعاً للشبهِ (٢). وهذا منه وقليل من باب الاحتياط، وتوقِّي الشُّبهات. ويُحتمل أن يكون ذلك لتغليظ أمرِ الحجاب في حقّ سودة، لأنها (١) في (ج ٢): عَيْهَرَت. (٢) أي: لشبه الغلام بـ ((عتبة بن أبي وقَّاص)). ١٩٨ (١٥) كتاب النكاح . (٢٧) باب: قبول قول القافة في الولد (٢٧) باب قبول قول القافة في الولد [١٥٢٢] عن عائشةَ: أنَّها قالت: إنَّ رسولَ اللهِوَّهِ دَخَلَ عليَّ مسروراً، تَبْرُقُ أساريرُ وَجْهِهِ من زوجاته - رضي الله عنهنَّ - وقد غُلِّظَ ذلك في حقهنَّ، ولذلك قال وَِّ لحفصةً وعائشةَ في حقِّ ابن أمَّ مكتوم: «أفعمياوان أنتما؟! ألستُما تُبْصِرَانه؟!))(١). وقال لفاطمة بنت قيس: ((انتقلي إلى بيتِ ابن أمُّ مكتوم تضعينَ ثيابَكِ عندَه))(٢)، فأباحَ لها ما منعَه لأزواجه. وطءُ الزنى وفيه: ما يدلُّ: على أنَّ وطءَ الزُّنى يُوجبُ الحرمةَ. وهو مذهبُ أهل الرأي، لا حرمة له والثوري، والأوزاعيِّ، وأحمد، وهو أحدُ قولي مالك، وروي عنه في الموطأ: أنَّه لا يُحَرِّمُ، وهو قول الشَّافعيِّ، وأبي ثورٍ. وهو الصحيحُ؛ لأنَّ وطءَ الزُّنى لا حرمةَ له اتفاقاً، فلا تكون له محرميةٌ. وتفصيلُه في الخلاف. وعلى القول بأنَّه لا يُحرِّمُ؛ يكون الأمر لسودةَ بالاحتجاب من الملحق(٣) واجِباً. (٢٧) ومن باب: قَبُول قول القافَة في الولد (قول عائشة - رضي الله عنها -: دخل عليَّ رسولُ اللهِ وَّهِ مسروراً تبرقُ أساريرُ وجهه) وفي رواية: (أساريرُ جبهته) وهي: الطرائق الدقيقة، والتكشُّر اليسير؛ الذي يكون في الجبهة، والوجه. والغُضون أكثر من ذلك. وواحد الأسارير: أسرار، وواحدُها: سِرٍّ، وسَرَرٌ. فأسارير: جمع الجمع. ويُجمع في (١) رواه أبو داود (٤١١٢)، والترمذي (٢٧٧٩). (٢) رواه مسلم (١٤٨٠) (٤١). (٣) أي: الغلام الملحق بالفراش. ١٩٩ (١٥) كتاب النكاح - (٢٧) باب: قبول قول القافة في الولد فقال: ((ألم تَرَيْ أنَّ مُجَزِّزاً نظرَ آنفاً إلى زيد بن حارثة وأسامةَ بنِ زيدٍ)). القلة أيضاً: أسِرَّة. وهذا عبارة عن انطلاق وجهه، وظهور السرور عليه، ويُعبَّرُ عن خِلاف ذلك بـ: المُقَطِّب. أي: المُجمع. فكأنَّ الحزنَ والغضبَ جمعَه وقبضه. و (مُجَزِّز) - بفتح الجيم، وكسر الزاي الأولى - هو المعروف عند الحفّاظ. وكان ابنُ جريج يقول: مجزَّز - بفتح الزاي - وقيل عنه أيضاً: مُخرِز - بحاء مهملة ساكنةٍ، وراءٍ مكسورةٍ - والصَّواب الأول. فإنه روي أنه إنَّما سمِّي مُجزِّراً؛ لأنه كان إذا أخذ أسيراً جزَّ ناصيتَه. وقيل: حلق لحيته. قاله الزُّبيري. وكان من بني مُدلج، وكانت القِيافة فيهم وفي بني أسد. قال الإمام أبو عبد(١) الله: كانت الجاهليةُ تقدحُ في نسبٍ أسامةَ، لكونه أسودَ شديدَ السَّواد، وكان زيدٌ أبوه أبيضَ من القُطن. هكذا ذكره أبو داود عن أحمد بن صالح. قال القاضي، وقال غيرُ أحمد: كان زيدٌ أزهرَ اللَّون، وكان أسامةُ شديدَ التعريف بأسامة الأُذمة(٢). وزيد بن حارثة عربيٍّ صريحٌ من كلب، أصابَه سِبَاءٌ، فاشتراه حكيم بن ابن زيد، وأبيه، حزام لعمته خديجة بنت خويلد - رضي الله عنها - فوهبته للنبيِّ وَِّ فِتبنّاه، فكان وامه يُدعى: زيد بن محمّد. حتى نزل قوله تعالى: ﴿أَدْعُوهُمْ لَبَآِهِمْ﴾ [الأحزاب: ٥] فقيل: زيد بن حارثة. وابن زيد أسامةُ، وأُّه أمُّ أيمن بركة، وكانت تُدعى: أمّ الظُّبَاء، مولاة عبد الله بن عبد المطلب، وداية رسول الله وَ لّ. ولم أر لأحدٍ أنها كانت سوداء إلا ما رُوي عن ابن سيرين في تاريخ أحمد بن سعيد. فإنْ كان هذا؛ فلهذا خرجَ أسامةُ أسودَ، لكنْ لو كان هذا صحيحاً لم ينكرِ النَّاسُ لونَه؛ إذ لا يُنكر أن يلدَ الإنسانُ أسودَ من سوداء. وقد نسبها الناس فقالوا: أم أيمن بركة بنت ثعلبة بن عمرو بن حصن بن مالك بن سلمة بن عمرو بن التُّعمان. وقد ذكرَ مسلم في الجهاد عن ابن شهابٍ: أنَّ أمَّ أيمن كانت من الحبش وصيفة لعبد الله بن (١) هو الإمام أحمد بن حنبل، كما سيأتي بعد قليل. (٢) ((الأُذمة)»: الشُّمْرة. ٢٠٠ (١٥) كتاب النكاح - (٢٧) باب: قبول قول القافة في الولد وفي روايةٍ: ((عليهما قطيفةٌ قد غطَّا رؤوسهما وبدت أقدامُهما عبد المطلب أبي النبيِّ وَّه، وقد ذكرَه الواقديُّ. وكانت للنبيِّ وَ لِ بركةٌ أخرى حبشيةٌ، كانت تَخْدُمُ أمَّ حبيبة، فلعلَّه اختلط اسمُها على ابن شهابٍ، على أنَّ أبا عمر قد قال في هذه: أظنُّها أمَّ أيمن. أو لعلَّ ابنَ شهابٍ نسبها إلى الحبشة لأنها من مُهاجِرة الحبشة. والله تعالى أعلم. [وقلتُ: هذا أظهرُ، وتزوَّجها عُبيد بن زيدمن بني الحارث، فولدت له أيمن، وتزوَّجها بعده زيد بن حارثة بعد النبوة، فولدت له أسامة. شهدت أحداً، وكانت تُداوي الجرحى. وشهدت خيبر، وتوفيت في أول خلافة عثمان بعشرين يوماً. روى عنها ابنها أنس، وأنس بن مالك، وطارق بن شهاب. قالت أم أيمن: بات رسول الله ◌َ﴿ في البيت، فقام من الليل، فبالَ في فخَّارة، فقمت وأنا عطشى، لم أشعر ما في الفخَّارة، فشربت ما فيها، فلما أصبحنا. قال: ((يا أمَّ أيمن! أهريقي ما في الفخارة))، قلتُ: والذي بعثك بالحق لقد شربت ما فيها! فضحك حتى بدت نواجذه، قال: ((إنه لا تتجِعَنَّ بطنُك بعدها أبداً(١))](٢). و (القطيفة): كِساء غليظ. حكم الرجوع إلی قول القافة وقد استدلَّ جمهور العلماء على الرجوع إلى قول القافة عند التنازع في الولد بسرور النبيِّ وَّهِ بقول هذا القائف. وما كان ◌َّهُ بالذي يُسرُّ بالباطل، ولا يُعجبه. ولم يأخذ بذلك أبو حنيفة والثوريُّ، وإسحاق، وأصحابُهم متمسكينَ بإلغاء النبيِّ ◌َّز الشبه في حديث اللعان على ما يأتي، وفي حديث سودة كما تقدَّم وقد انفصلَ عن هذا بما تقدمَ آنفاً من أن إلغاء الشَّبه في تلك المواضع التي ذكروها إنما كانت لمعارضٍ أقوى منه، وهو معدوم هنا، فانفصلا. والله تعالى أعلم. (١) ذكره الحافظ ابن حجر في الإصابة (٤٣٣/٤). (٢) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول.