Indexed OCR Text

Pages 81-100

٨١
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
- وفي روايةٍ: (بكراً) مكان (شابةً) - لَعَلَّها تُذَكِّركَ ما مضى من زمانك.
قال: فقالَ عبدُ الله: لئنْ قُلْتَ ذاك، لقَدْ قال لنا رسولُ الله ◌َلته: ((يا
مَعْشَرِ الشَّبَابِ مَنِ استطاع
المعصر(١) وما قارب ذلك. والبكر: الذي لم يتزوَّجْ من الرِّجال والنِّساء. يقال:
رجلٌ بکرٌ. وامرأة بکرٌ ۔ بکسر الباء ۔ والبِکر أیضاً: أول الأولاد - بالكسر - كما قال
الشاعر :
يَا بِكْرَ بِكْرَينٍ وَيَا خِلْبَ الكَبِدْ أَصْبَحْتَ مِنِّي كَذِرَاعٍ مِنْ عَفُدْ
وفي مقابلة البكر: الأيِّم. وسيأتي ذِكْرُها إن شاء الله تعالى.
و (قوله: لعلّها تذكرك بعضَ ما مضى مِن زمانك) أي: زمان نشاطك
وغُلْمتك(٢). فقد قال في الرواية الأخرى: (لعلَّها(٣) ترجع إليك ما كنت تعهد من
نفسك) وكان عبدُ الله قد قلَّت رغبتُه في النِّساء؛ إِمَّا للاشتغال بالعبادة؛ وإمّا للسنِّ،
وأما لمجموعهما، فحرَّكه عثمان بذلك. و (الباءة) بفتح الباء والمدِّ: النكاح.
وأصله: المنزل. يقال: باءةٌ، ومباءة، ومبوَّأ. ومنه قوله ﴿ ﴿ في المدينة حين أطلَّ
عليها: ((هذه المبوَّأ))(٤) أي: المنزل. ثمَّ قيل للتزويج: باهٌ؛ لأنَّ مَن تزوَّجَ امرأةً
بوَّأها منزلاً. قال الأصمعي: وفيه لغتان: باهٌ، وباءً. قال: هو الغشيان. وإن شئت
جمعتَ بالتاء، فقلت: باءات. قال غيره: فيه أربع لغات، وزاد: باهة، فأبدل من
الهمزة هاءّ، وباهاً - بالقصر والهاء -.
و (قوله وهي: ((من استطاع))) أي: من وجد ما به يتزوَّج. و((من لم يستطع))
(١) هي التي بلغت عصر شبابها، وأدركت (اللسان).
(٢) ((الغُلْمَةُ)): هيجان شهوة النكاح من الرجل والمرأة وغيرهما.
(٣) ساقطة من (ج ٢).
(٤) ذكره ابن الأثير في النهاية (١٥٩/١).

٨٢
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
مِنْكُم الباءة فَلْيَتَزوَّجْ.
أي: من لم يجد ذلك. ولا يُراد به هنا: القدرة على الوطء، لقوله: ((فعليه
بالصوم، فإنَّه له وجاء».
الترغيب في
النكاح
و (قوله: ((فليتزوج))) أمرٌ، وظاهره: الوجوب. وبه قال داود ومَن تابعه.
والواجبُ عندهم العقدُ لا الدُّخول، فإنه إنما يجبُ عندهم مرَّةً في العُمر.
والجمهور: على أنَّ التزويجَ مندوبٌ إليه، مُرغَّب فيه على الجملة. وقد اعتبره
بعضُ علمائنا بالنظر إلى أحوال النّاس، وقسّمه بأقسام الأحكام الخمسة (١). وذلك
واضحٌ. وصرف الجمهورُ ذلك الأمر عن ظاهره لشيئين:
أحدهما: أنَّ الله تعالى قد خيَّر بين التزويج والتسرِّي بقوله تعالى: ﴿فَأَنكِحُواْمَا
طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَلِّ مَثْنَى وَقُلَثَ وَرُبَعَ﴾ [النساء: ٣] ثمّ قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَكُمْ﴾
[النساء: ٣] والتَّسرِّي ليس بواجبٍ إجماعاً، فالنكاحُ لا يكون واجباً؛ لأنَّ التخييرَ
بين واجبٍ وبين ما ليس بواجبٍ يرفعُ وجوبَ الواجب. وبَسْط هذا في الأصول.
وثانيهما: قوله تعالى: ﴿ وَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ خَفِعُونٌّ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَجِهِمْ أَوْمَا
مَلَكَتْ أَتْمَنُهُمْ فَإِنَهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ -٦] ولا يقال في الواجب: إنه
غير ملوم.
ثمّ هذا الحدیثُ لا حُجَّة لھم فیه لوجهین:
أحدهما: أن نقولَ بموجبه في حقِّ الشابُّ المستطيع الذي يخافُ الضررَ
على نفسه ودينه من العُزبة، بحيث لا يرتفعُ عنه إلاَّ بالتزويج، وهذا لا يختلفُ في
وجوب التزويج عليه .
والثاني: أنَّهم قالوا: إنَّما يجبُ العقد لا الوطء. وظاهرُ الحديث: إنما هو
الوطء. فإنه لا يحصلُ شيءٌ من الفوائد التي أرشد إليها في ذلك الحديث؛ من
(١) الأحكام الخمسة هي: الواجب، المندوب، المباح، المكروه، الحرام.

٨٣
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
فإِنَّه أغضُّ لِلْبَصَرِ، وأحْصَنُ للفَرْجِ.
تحصين الفرج، وغضِ البصر بالعقد. بل: إنّما يحصلُ كلُّ ذلك بالوطء. وهو
الذي يحصلُ دفع الشَّبق إليه بالصوم. فما ذهبوا إليه لم يتناوله الحديث. وما تناوله
الحديثُ لم يذهبوا إليه. وذلك دليلٌ على سوء فهمهم، وقلَّة فِطْنتهم.
ولا حُجَّةً لهم في قوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء ... ) الآية
لأَنَّه أمرٌ قُصِدَ به بيانُ ما يجوز الجمعُ بينه من أعداد النِّساء، لا أنَّه قصد به حكم
أصل القاعدة.
ولا حجَّة لهم في قوله تعالى: ﴿وَأَنكِحُواْ الْأَيَمَى مِنْكُمْ وَالصَِّلِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾
[النور: ٣٢] فإنَّه أمرٌ للأولياء بالإنكاح، لا للأزواج بالنكاح.
و (أغضُّ): أَسَدُّ(١). و (أحصنُ): أمنع.
و (قوله: ((فعليه بالصوم))) قال الإمام أبو عبد الله: فيه إغراءً بالغائب، ومن
أصول النحويين ألا يغری بغائب، وقد جاء شاذاً قول بعضهم: عليه رَجُلاً ليسني،
على جهة الإغراء. قال القاضي أبو الفضل عياض: هذا الكلامُ لأبي محمد بن
قتيبة والزَّجَّاجي وبعضهم، ولكن على قائله أغاليط ثلاثة:
أولها: قوله: لا يجوزُ الإغراءُ بالغائب. وصوابه: لا يجوزُ إغراء الغائب.
أو: لا يُغْرى غائبٌ. فأمَّا الإغراءُ بالشاهد والغائب فجائز. وهكذا نصّ أبو عبيد في
هذا الحديث، وكذلك كلام(٢) سيبويه ومَن بعده من أئمة هذا الشأن قالوا: وإنَّما
يُؤْمَرُ بمثل هذا الحاضر، والمخاطب، ولا يجوزُ: دونه زيداً. ولا: عليه زيداً
- وأنت تريدُ غير المخاطب -؛ لأنه ليس بفعل له، ولا تصرّف تصرّفه. وإنما جاز
(١) في اللسان: غضَّ طرفه وبصره: كفّه، وخفضه، وكسره.
(٢) ساقط من (ع).

٨٤
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
ومن لم يَسْتَطِعْ فعليه بالصَّومِ.
للحاضر لما فيه من معنى الفعل، ودلالة الحال. فأمَّا الغائبُ فلا يوجدُ ذلك فيه
لعدم حضوره، وعدم معرفته بالحالة الدالة على المراد.
وثانيها: عدّ قولهم: عليه رجلاً، ليس من إغراء الغائب. وقد جعله سيبويه
والسّيرافي منه. ورأوه شاذاً.
قال القاضي: والذي عندي: أنَّه ليس المرادُ بها حقيقة الإغراء، وإن كانت
صورته، فلم يُرِد هذا القائلُ تبليغَ هذا الغائب، ولا أمره بإلزام غيره، وإنما أراد
الإخبار عن نفسه بعدم(١) مبالاته بالغائب، وأنَّه غير متأتٌّ له منه ما يريد، فجاء
بهذه الصُّورة. يدلُّ على ذلك. ونحوه قولهم: إليك عنِّي. أي: اجعل شغلك
بنفسك عنِّي، ولم يرد أن يغريه به، وإنّما مرادُه: دعني وكن كمن شُغِل عنّي.
وثالثها: عَدُّهم هذه اللفظة في الحديث من إغراء الغائب. قال القاضي:
والصَّواب: أنه ليس في هذا الحديث إغراءُ الغائب جملةً. والكلامُ كلُّه والخطابُ
للحضور، الذين خاطبهم وَ ﴿ بقوله: ((من استطاعَ منكم الباءة)) فالهاء هنا(٢) ليست
للغائب، وإنَّما هي لمن خصّ من الحاضرين بعدم الاستطاعة؛ إذ لا يصحُّ خطابه
بكاف الخطاب؛ لأنه لم يتعيَّن منهم، ولإبهامه بلفظة (مَنْ) وإن كان حاضراً. وهذا
النحو كثيرٌ في القرآن. كقوله تعالى: ﴿يَّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِ الْقَفْلِّ الْخُرُّ
بَلُْ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَىْءٌ﴾ [البقرة: ١٧٨]، وكقوله: ﴿كُتِبَ
عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنْ تَّطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ [البقرة: ١٨٣ - ١٨٤]،
وكقوله: ﴿ وَمَن يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَعْمَلْ صَلِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ ﴾
[الأحزاب: ٣١] [فهذه الهاءات كلها ضمائر للحاضر لا للغائب، ومثله: لو قلت
(١) في (ج ٢): لقّة.
(٢) أي: الهاء في ((فعليه)).

٨٥
(١٥) كتاب النكاح . (١) باب: الترغيب في النكاح
فإنَّه له وِجاءٌ)).
رواه أحمد (٤٣٢/١)، والبخاريُّ (٥٠٦٦)، ومسلم (١٤٠٠)،
وأبو داود (٢٠٤٦)، والترمذيُّ (١٠٨١)، والنَّسائيُّ (١٦٩/٤)، وابن ماجه
(١٨٤٥).
[١٤٤٨] وعن أنس: أنَّ نفراً مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ◌َ ﴿ سألوا أزواجَ
الرجلين: من قام الآن منكما فله درهم](١). فهذه الهاءُ لمن قام من الحاضرين.
قلتُ: اختصرتُ كلامَ القاضي في هذا الفصل من غير تبديل ولا زيادة، وهو
حَسَنٌ جيدٌ، فلذلك نقلتُه بلفظه.
و (قوله: ((فإنَّ له وِجاء») بكسر الواو، والمدِّ، وهو: عضُّ الأنثيين(٢) أو
رضّهما بحجرٍ ونحوه. وأصله: الغمز، والطّعن. ومنه: وجأ في عُنقه، ووجأ بطنه
بالخنجر. وقال بعضُهم: الوَجْء: أن توجأ العروق والخصيتان باقيتان بحالهما.
والخصاء: شقُّ الخصيتين، واستئصالهما. والجبُّ: أن تُحمى الشفرة، ثم تستأصل
بها الخصيتان. وقد قاله بعضُهم: (وَجا) بفتح الواو، والقصر. وليس بشيءٍ؛ لأنَّ
ذلك هو: الحفا في ذوات الخفِّ. قاله الخطابي.
وفيه دليلٌ: على جواز المعاناة لقطع الباهِ بالأدوية. وعلى أنَّ مقصودَ جواز المعاناة
النكاح: الوطء. وعلى وجوب الخيار في العنَّة.
و (المعشر): الجماعةُ من الناس.
[و (قوله: أنَّ نفراً) النفرُ: الجماعة من الناس] (٣) وأقلهم ثلاثة وهم كذلك
لقطع الباه
بالأدوية
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) أي: لزقهما مع بعضهما. انظر: إكمال إكمال المعلم (٤/ ٧).
(٣) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).

٨٦
(١٥) كتاب النكاح ۔ (١) باب: الترغيب في النكاح
هنا. وقد ذكر البخاري حديثَ أنس هذا على سياقٍ أحسن من هذا، وأتمّ، فقال:
جاء ثلاثةُ رهطٍ إلى بيوت أزواج النبيِّ ◌َ ﴿ يسألون عن عبادته، فلمَّا أخبروا كأنهم
تقالُوها، فقالوا: أين نحن من النبيِّ وَ ﴿ قد غفر اللَّهُ له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخّر.
قال أحدُهم: أمَّا أنا فأصلِّي الليل أبداً، وقال الآخر: أمَّا أنا فأصوم الذَّهر، ولا
أفطر. وقال الآخر: وأنا أعتزلُ النِّساء، فلا أتزوَّج أبداً. فجاء رسولُ الله ◌ِوَله فقال:
مِن سُنَّهِ﴾((أنتم القائلون كذا؟ أما والله إنّي لأخشاكم لله، وأتقاكم له، لكنِّي أصوم وأفطر،
وأصلِّي، وأرقد، وأتزوَّج النساء، فمن رغب عن سنَّي فليس مني))(١).
قلت: فهؤلاء القوم حصلَ عندهم أنَّ الانقطاع عن ملاذُ الدنيا من النِّساء
والطَّيِّب من الطَّعام والنَّوم، والتَّفرُّغ لاستغراق الأزمان بالعبادات أولى، فلما سألوا
عن عمل رسول الله ﴿ وعبادته لم يُدركوا من عبادته ما وقعَ لهم أَبْدَوْا فارقاً بينَهم
وبين النبيِّ ◌َّه: بأنه مغفور له. ثمَّ أخبر كلُّ واحدٍ منهم بما عزمَ على فعله، فلما
بلغَ ذلكِ النبيَّ :﴿ أجابَهم بأن ألغى الفارقَ بقوله: ((إِنِّي أخشاكم لله)). وتقريرُ
ذلك: إنِّي وإنْ كنت مغفوراً لي فخشيةُ الله وخوفُه يحملُني على الاجتهاد وملازمة
العبادة، لكنَّ طريقَ العبادة ما أنا عليه، فمن رغب عنه وتركه؛ فليس على طريقي
في العبادة.
معنى عبادة الله
قلت: ويوضّح هذا المعنى ويبيّته: أنَّ عبادة الله إنَّما هي امتثال أوامره
الواجبة والمندوبة، واجتناب نواهيه المحظورة والمكروهة، وما مِن زَمانٍ مِن
الأزمان إلا وتتوجَّه على المكلف فيه أوامر أو نواهٍ، فمن قامَ بوظيفة كلٌّ وقتٍ فقد
أذَّى العبادةَ وقامَ بها. فإذا قام باللَّيل مصلِّياً فقد قام بوظيفة ذلك الوقت، فإذا
احتاج إلى الثَّوم لدفع ألم السَّهر، ولتقوية النَّفس على العبادة ولإزالة تشويش
(١) رواه البخاري (٥٠٦٣).

٨٧
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
النَّبيِّ وَ﴿ عن عَملِهِ في السرِّ .. فقال بعضهم: لا أتزوَّجُ النِّساء. وقال
بعضهم: لا آكلُ اللَّحْمَ. وقال بعضهم: لا أنامُ على فراشٍ. فحَمِدَ الله
مدافعة النَّوم المشوِّشة للقراءة، أو لإعطاء الزَّوجة حقَّها من المضاجعة كان نومُه
ذلك عبادةَ كصلاته، وقد بيَّن هذا المعنى سلمانُ الفارسيُّ لأبي الدرداء بقوله:
لكنِّي أقومُ وأنامُ، وأحتسب في نومتي ما أحتسبُه في قومتي. وكذلك القول في مقاصد الزواج
الصيام. وأمّا التزويج فيجري فيه مثل ذلك وزيادة نيَّة تحصين الفرج، والعين،
وسلامة الدِّين، وتكثير نسل المسلمين. وبهذه القصود الصحيحة تتحقق فيه
العبادات العظيمة. ولذلك اختلف العلماء في: أي الأمرين أفضل؟ التزويج أم
التفرُّغ منه للعبادة؟ كما هو معروفٌ في مسائل الخلاف. وعلى الجملة: فما من
شيءٍ من المباحات المستلذَّات وغيرها إلا ويُمكن لمن شرحَ الله صدرَه أن يصرفَه
إلى باب العبادات والطاعات بإخطار معانيها بباله، وقصد نيّة التقرُّب بها، كما قد
نصَّ عليه المشايخ في كتبهم، كالحارث المحاسبيِّ وغيره. ومن فهمَ هذا المعنى
وحصَّله تحقق: أنَّ النبيَّ وَ﴿ قد حلَّ من العبادات أعلاها؛ لانشراح صدره،
وحضور قصده، ولعلمه بحدود الله، وبما يُقَرِّبُ منه. ولما لم ينكشف هذا المعنى
للنَّفر السّائلين عن عبادته استقلُّوها بناءً منهم على أن العبادة إنما هي استفراغ
الوسع في الصلاة، والصوم، والانقطاع عن الملاذٌ. وهيهات بينهما ما بين الثريًّا
والثَّرى، وسهيلٍ والسُّها(١).
وعند الوقوف على ما أوضحناه من هذا الحديث يتحقق أن فيه رداً على غلاة الردّ على غلاة
المتزهدين، وعلى أهل البَطالة من المُتَصوِّفين؛ إذ كلُّ فريقِ منهم قد عدلَ عن المتزهُّدين
طريقه، وحادَ عن تحقيقه.
و (قوله: وقال بعضُهم: لا آكل اللحم، وقال بعضهم: لا أنام على فراشٍ)
قال البخاري بدل هذا الكلام: أما أنا فأصوم ولا أفطر. وهذا المساق أحسن؛
(١) كويكب صغير خفي في بنات نعش الكبرى، والناس يمتحنون به أبصارهم (اللسان).

٨٨
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
وأثنى عليه فقال: ((ما بالُ أقوام قالوا: كذا وكذا؟! لكنِّي أُصَلِّي وأنامُ،
وأصومُ، وأفطر، وأتزوجُ النِّساء. فمن رَغِبَ عَنْ سُنَّتي فليسَ منِّي)).
رواه أحمد (٢٤١/٣)، والبخاريُّ (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١)،
والنسائيُّ (٦٠/٦).
[١٤٤٩] وعن سعدِ بنِ أبي وقَّاصٍ قال: أرادَ عُثْمانُ أن يَتَبَثَّلَ، فنهاه
رسولُ اللهِ وَّهِ. وَلَوْ أَجَازَ لهُ ذلك، لاخْتَصَيْنَا.
لأنه وَ﴿ أجابهم في الرُّوايتين بقوله: ((لكنِّي أصوم وأفطر)) ولم يرو فيه مسلم جواباً
عن الأكل والنَّوم على الفراش بأكثر من قوله: ((لكنِّي أصوم وأفطر)) فبقي أكل
اللحم، والنوم على الفراش بغير جواب فكان مساق البخاريِّ أولى. والله تعالى
أعلم.
رُ الَّجُل
و (قوله: رَدَّ على عثمان التَّثُّلَ)(١) وهو هنا: الانقطاع عن النِّساء. وأصله:
الانقطاع مطلقاً. يقال: بتل إلى كذا. أي: انقطع إليه. وتبثَّل عن كذا، أي:
انقطع عنه. ومنه: تبتلتُ الأمرَ. والبتلة والعذراء: البتول. أي: المنقطعة عن
الرَّجل إلى عبادة الله تعالى. وردُّ التبتل: عبارةٌ عن أنَّه لم يأذن له فيه، ولم يجزه
له، كما قال: ((لا رهبانيَّ في الإسلام))(٢) أي: لا تبثُّل.
و (قوله: ولو أجاز له ذلك لاختصينا)(٣). قد بيَّنَّا: أنَّ الخصاءَ هو شقُّ
الخصيتين وانتزاعهما. وقد يُقال: من أين يلزم من جواز التبثُّل عن النساء جواز
تحريم الخصاء
بالإجماع
(١) هذه العبارة من الحديث رقم (٦/ ١٤٠٢) وليست من الحديث الذي في التلخيص
والذي رقمه (١٤٠٢/٨).
(٢) ذكره العجلوني في كشف الخفاء (٥٢٨/٢).
(٣) هذه العبارة من الحديث رقم (٨/ ١٤٠٢) وهو الوارد في التلخيص.

٨٩
(١٥) كتاب النكاح - (١) باب: الترغيب في النكاح
رواه أحمد (١٧٥/١)، والبخاريُّ (٥٠٧٣)، ومسلم (١٤٠٢)،
والتُّرمذيُّ (١٠٨٣)، والنَّسائيُّ (٥٨/٦)، وابن ماجه (١٨٤٨).
الاختصاء(١)؟ وهو قطع عضوين شريفين بهما قوام النَّسل، وفي قطعهما ألمٌ عظيمٌ
لا يجوز لأحدٍ أن يُدخلَه على نفسه، وضررٌ عظيمٌ ربَّما يُفضي بصاحبه إلى الهلاك،
وهو محرمٌ بالاتفاق.
والجواب: إنَّ ذلك لازمٌ من حيث أن مطلق التبتل يتضمَّنُه، وكأنّ قائل ذلك
وقع له: أنَّ التبتل الحقيقي؛ الذي تؤمَن معه شهوةُ النساء هو الخِصَاء. فكأنَّه أخذ
بأكثر مما يدلُّ عليه الاسم. وقولكم: هو ألمٌ عظيمٌ. مسلمٌ لكنَّه مغتفرٌ في جنب
صيانة الدِّين، فقد يُغتفر الألم العظيم في جَنْب ما هو أعظمُ منه، كقطع اليد
للأَكَلة، وكالكيِّ، والبَطُ(٢)، وغير ذلك. وقولكم: هو مفضٍ إلى الهلاك غالباً،
غير مسلم، بل نقول: وقوع الهلاك منه نادرٌ، فلا يُلتفت إليه، وخِصَاء البهائم
يشهد لذلك. وما ذكرناه إنما هو تقدير ما وقعَ لسعدٍ، ولا يُظنُّ: أنَّ ذلك يجوز
لأحدٍ اليوم. بل هو محرمٌ بالإجماع. وكلُّ ما ذكرناه مبني على الأخذ بظاهر:
(لاختصينا) ويُحتمل أن يُريدَ به سعدٌ: لمنعنا أنفسنا من النِّساء منعَ المختصي.
والظاهر هو الأول. والله الموفق.
وحديث أنسٍ وسهلٍ يدلان: على أنَّ التزويج أفضل من التَّفرُّغ للعبادة. وهو
أحد القولين المتقدِّمين. ويمكن أن يُقال: كان ذلك في أول الإسلام، لما كانَ
النِّساءُ عليه من المعونة على الدِّين والدنيا، وقِلَّة الكُلف، والتعاون على البرِّ
والتقوى، والحُنوِّ، والشَّفقة على الأزواج. وأمَّا في هذه الأزمان فنعوذ بالله من
(١) في (ج ٢): الخصاء.
(٢) البَطُّ: الشَّق، يُقال: بطَّ الدُّمَّل ونحوه: شقه.

٩٠
(١٥) كتاب النكاح - (٢) باب: ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة
(٢) باب
رد ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة
[١٤٥٠] عن جابر: أنَّ رسولَ الله وَله رأى امرأةً، فأتى امرأَتُهُ زَيْنَبَ
وهي تَمْعسُ منيئةً لها، فقضى حاجته منها، ثم خرجَ إلى أصحابهِ فقالَ:
(إنَّ المرأةَ تُقْبِلُ في صُورةٍ شيطانٍ، وتُدْبِرُ في صُورةِ شيطانٍ، فإذا أبصرَ
أحدُكم امرأةً فليأتِ أهله. فإن ذلك يردُّ ما في نَفْسِه)).
الشيطان والنسوان. فوالله الذي لا إلهَ إلا هو لقد حلَّت العزبةُ والعزلةُ، بل وتعيَّن
الفرار من فتنتهن، والرحلة، فلا حول ولا قوة إلا بالله(١).
(٢) ومن باب: ردُّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة
(قوله: رأى امرأة) أي: وقع بصره عليها فجأة، وكان ◌َّ لا تحتجبُ
النساءُ منه، وكان إذا أعجبته امرأةٌ فرغب فيها حَرُمَ على زوجها إمساكها، هكذا
ذكره أبو المعالي وغیرُه.
و (قوله: وهي تمعس منيئةً لها) أي: تَدبغُ جلداً. قال أبو عبيد: الجلد أول
ما يُذْبَغ يسمى: منيئةً، على وزن فعيلة، ثمَّ هو: أَفِيق، وجمعه: أَفُق، ثمَّ يكون
أديماً .
عِظَمُ فتنةً
النساء
و (قوله: ((إنَّ المرأة تُقْبِلُ في صورة شيطان))) أي: في صفته من الوسوسة،
والتَّحريك للشهوة؛ لما يبدو منها من المحاسن المثيرة للشهوة النفسية، والميل
الطبيعي، وذلك يدعو إلى الفتنة التي هي أعظمُ من فتنة الشيطان، ولذلك قال ◌َّ:
(١) هذا رأي الإمام أبي العباس القرطبي رحمه الله تعالى، وبما يتناسب مع ظروفه وزمانه،
والحقيقة أنَّ كل زمان فيه نساء مؤمنات صالحات طيّبات، وفيه غير ذلك. ويبقى قوله
تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاً لتسكنوا إليها ... ﴾ [الروم: ٢١]،
وقوله : (يا معشر الشباب ... )) وما فيهما من أحكام، هو الأصل.

٩١
(١٥) كتاب النكاح - (٢) باب: ردّ ما يقع في النفس بمواقعة الزوجة
وفي روايةٍ: ((إذا أحدُكم أَعْجَبَتْهُ المرأةُ، فوقعتْ في قلبهِ، فليعْمِذْ إلى
امرأتِه فَلْيُواقِعْهَا».
رواه أحمد (٣٣٠/٣)، ومسلم (١٤٠٣) (٩) و (١٠)، وأبو داود
(٢١٥١)، والترمذي (١١٥٨).
*
((ما تركتُ في أمَّتي فتنةً أعظم على الرِّجال من النِّساء))(١) فلمَّا خاف ◌َِّ هذه
المفسدةَ على أمَّته أرشدهم إلى طريقٍ بها تزولُ وتنحسمُ، فقال: ((إذا أبصر أحدُكم
المرأةَ فأعجبته فليأتِ أهلَه))(٢) ثمَّ أخبر بفائدة ذلك، وهو قولُه: ((فإنَّ ذلك يردُّ ما
في نفسه)). وللردِّ وجهان:
أحدهما: أنَّ المنيَّ إذا خرج انكسرتِ الشهوةُ، وانطفأت، فزال تعلُّقُ النَّفس
بالصُّورة المريبة.
وثانيهما: أنَّ محلَّ الوطء والإصابة متساوٍ من النِّساء كلِّهنَّ، والتفاوت إنَّما
هو مِن خارج ذلك، فلْيُكتَفَ بمحلِّ الوطء الذي هو المقصودُ ويُغفَل عمَّا سواه،
وقد دلَّ على هذا ما جاء في هذا الحديث في غير الأم بعد قوله: («فليأت أهله)»:
((فإنَّ معها مثل الذي معها)»(٣).
تحذير: لا يُظَنُّ برسول الله :﴿ - لمَّا فعل ذلك - ميلُ نفسٍ، أو غلبةُ شهوةٍ.
حاشاه عن ذلك، وإنَّما فعَلَ ذلك لِيَسُنَّ، ولِيُقْتَدى به، وليحسمَ عن نفسه ما يتوقَّعُ
وقوعُه.
(١) رواه أحمد (٢٠٠/٥ و٢١٠)، والبخاري (٥٠٩٦)، ومسلم (٢٧٤٠)، والترمذي
(٢٧٨٠).
(٢) هو حديث الباب.
(٣) رواه ابن حبان (٥٥٧٢).

٩٢
(١٥) كتاب النكاح - (٣) باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة
(٣) باب
ما كان أبيح في أوَّل الإسلام من نِكاح المُتعة
[١٤٥١] عن عبدِ الله، قال: كُنَّا نغزو مع رسولِ الله ◌َّو، ليس لنا
نساءٌ.
(٣) ومن باب: ما كان أبيح في أول الإسلام
من نكاح المتعة ونسخه
كانت المتعةُ
رخصة فى أوَّل
الإسلام
(قوله: كنا نغزو مع رسول الله ﴿ ليس لنا نساءٌ) هذا الحديثُ وأكثر أحاديث
· هذا الباب تدلُّ: على أنَّ نكاحَ المتعة إنما أُبِيحَ [في السفر لحال الضرورة، في مدَّةٍ
قصيرة، كما قال ابنُ أبي عمرة: إنها كانت رخصةً](١) في أول الإسلام، لمن اضطر
إلیھا، کالميتة، والگَّم، ولحم الخنزير.
وقد اختلفت الرواياتُ واضطربتْ في وقت إباحتها، وتحريمها، اضطراباً
شديداً، بحيث يتعذّر فيها التلفيق، ولا يحصلُ معه تحقيق، فعن ابن أبي عمرة:
أنها كانت في أول الإسلام، كما تقدَّم. وفي روايةٍ: ومن رواية سلمة أنها كانت
عام أوطاس، ومن رواية سبرة إباحتها يوم الفتح، وهما متقاربان، ثم تحريمها
حينئذ في حديثيهما. ومن رواية علي: تحريمها يوم خيبر. وهو قبل الفتح. وفي
غير كتاب مسلم عن عليٍّ: نهيه # عنها في غزوة تبوك. وقد روى أبو داود من
حديث الرَّبيع بن سَبْرَة: النهي عنها في حيَّة الوداع(٢). وروي أيضاً عن الحسن
البصري: أنها ما حلَّت قطّ إلا في عُمرة القضاء. ورُوي هذا عن سبرة أيضاً.
قلتُ: ولما اختلفت هذه الرُّواياتُ اختلفَ العلماءُ في ذلك على وجهَيْن:
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢) رواه مسلم (١٤٠٦)، وأبو داود (٢٠٧٢)، والنسائي (١٢٦/٦)، وابن ماجه (١٩٦٢).

٩٣
(١٥) كتاب النكاح - (٣) باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة
فقلنا: ألا نَسْتَخْصِي؟ فنهانا عن ذلك.
أحدهما: ترجيح بعض هذه الروايات على بعض.
وثانيهما: أنَّ إباحةَ ذلك وتحريمَه تكرَّر في مواطن.
قلتُ: وعلى الجملة: فالرواياتُ كلُّها مُنَّفَقةٌ على وقوع إباحة المتعة، وأنَّ تحريم نكاح
ذلك لم يطل، وأنَّه نُسِخ، وحُرِّم تحريماً مُؤْيَّداً، وأجمع السَّلفُ والخلفُ على جداً،
المتعة تحريماً
تحريمها، إلا ما رُوي عن ابن عبّاس، وروي عنه: أنَّه رجع عنه، وإلا الرَّافضة، وبالإجماع
ولا يُلْتَفَتُ لخلافهم؛ إذ ليسوا على طريقة المسلمين.
وأجمعوا: على أنَّ نكاح المتعة متى وقع فُسِخ قبل الدُّخول وبعده، إلا
ما حكي عن زفر، فإنَّه يُلغي الأجل، ويُصحَّح العقد. وكأنه رأى: أنَّه متى فسد؛
ألغي الشَّرط؛ وحكم بالصِّحة. وهو خلافٌ شاذّ.
واختلف أصحابُنا إذا دخل في نكاح المتعة هل يحدُّ ولا يلحق به الولد؟ أو
يدفع الحدُّ بالشبهة ويلحق الولد على قولين، ولكن يُعزّر ويُعاقب. وإذا تقررت
هذه المقدّمةُ فلنبحث عن ألفاظ الأحاديث الواقعة في هذا الباب.
و (قوله: ألا نستخصي) أي: نستدعي من يفعل الخصاء، أو نحاول ذلك
بأنفسنا. وقد تقدَّم تفسيرُ الخصاء.
و (قوله: فنهانا عن ذلك) هذا النهيُ على التَّحريم. ولا خلافَ في تحريم
ذلك في بني آدم؛ لما فيه من الضَّرر(١) وقَطْع النسل، وإبطال معنى الرجولية. وهو
في غير بني آدم ممنوعٌ أيضاً في الحيوانِ إلا لمنفعةٍ حاصلةٍ في ذلك، کتطييبٍ
اللحم، أو قَطْع ضررٍ ذلك الحيوان. وسيأتي لهذا مزيدُ تفصيل (٢).
(١) في (ج ٢): الأضرار.
(٢) في (ج ٢): بيان.

٩٤
(١٥) كتاب النكاح - (٣) باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة
ثُمَّ رخّصَ لنا أنْ ننكحَ المرأةَ بالثَّوبِ إلى أجلِ. ثم قرأَ عبدُ الله: ﴿ يَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَّ اَللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَّدُوَاْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾
[المائدة: ٨٧].
رواه البخاري (٤٦١٥)، ومسلم (١٤٠٤).
[١٤٥٢] وعن سلمةَ بنِ الأكْوَع، وجابرِ بنِ عبد الله، قالا: خَرَجَ
علينا مُنَادِي رسولِ الله وَّهِ، فقال: إنَّ رسولَ اللهِ وَ لَ قد أُذِنَ لكم أن
تَسْتَمْتِعُوا. يعني: مُتْعَةَ النِّساءِ.
رواه البخاري (٥١١٧)، ومسلم (١٤٠٥) (١٣).
[١٤٥٣] وعن جابرِ بنِ عبد الله، قال: كنَّا نستمتعُ بالقُبْضَةِ من التَّمرِ
والدَّقيقِ الأَيَّامَ على عَهْدِ رسولِ الله ◌ِِّ، وأبي بكرٍ، حتى نهى عنه عُمَرُ في
و (قولُه: رخّص لنا أن ننكحَ المرأةَ بالثَّوب إلى أجل) وفي حديث جابرٍ:
(بالقُبضة من التَّمر والدَّقيق) وليس في هذا حجَّةٌ لمن قال: إنَّ الصداقَ لا يتقدَّر
أقلُّه بمقدارٍ، وهو قول الشافعيِّ؛ لأنَّ هذا الحديثَ كلَّه منسوخ، ولأنَّ ذلك
للضرورة وعدم الوجدان لأكثر منه، ولإمكان أن تساوي القُبضةُ من الدَّقيق أو الثَّمر
أقلَّ الصداق على قول من يُحدِّده؛ لأنَّ تلك الأوقات أوقات المجاعات،
والشَّدائد، وكان نكاحُ المتعة ينفسخُ بحلول الأجل، من غير طلاقٍ، ولا يجبُ به
ميراث. وقد قدَّمنا الكلامَ على هذا في باب المتعة في الحجِّ.
واستدلالُ عبدالله بن مسعودٍ على إباحته بقوله: ﴿لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَتِ مَآ أَحَلَ اللَّهُ
تَكُمْ﴾ لا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّ اللَّه تعالى هو الذي حرَّم نكاح المتعة لا نحن. وكأنه ما
کان إذ ذاك بلغه الناسخ، وبعد ذلك بلغه، ورجع عن ذلك.
و (قول جابرٍ: كثَّا نستمتعُ بالقُبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله وَلـ
وأبي بكرٍ - في رواية -: وعمر) ظاهِرُ هذا: استمرارُ العمل عندهم، وفي أعصارهم

٩٥
(١٥) كتاب النكاح - (٣) باب: ما كان أبيح في أول الإسلام من نكاح المتعة
شأنٍ عمرو بن حُرَیْثٍ.
رواه مسلم (١٤٠٥) (١٦).
[١٤٥٤] وعن أبي نُضْرَةَ، قال: كنت عِنْدَ جابرِ بنِ عبدِ الله. فأتَاه
آتٍ فقال: ابنُ عباس وابنُ الزبير اختلفاً في المُتعتين. فقال جابرٌ: فعلنَاهُمَا
مَعَ رسولِ الله وَّهِ. ثُم نهانَا عنهما عُمَرُ فلم نَعُدْ لهما.
رواه مسلم (١٤٠٥) (١٧).
على نكاح المتعة، واشتهار ذلك إلى أن نهى عنه عمر. وهذا مخالفٌ لأكثر
أحاديث هذا الباب، كما ذكره. والصَّحيحُ الأول، كما ذكرناه. وهذا محمولٌ من
جابرٍ على إخباره عمَّن لم يبلغه النَّاسخ كابن عبّاسٍ، فاستمرَّ على التمسُّك بالإباحة
الأولى في هذه الأعصار، إلى أن أوضح عمر وعبد الله بن الزبير أنَّ ذلك منسوخٌ،
وتقدَّما في ذلك، وتوعَّدا عليه بالرَّجْم، فتبيَّن الصبحُ لذي عينين، وضاءت الشمسُ
لسلیم الحاسَّتین.
وكان شأن عمرو بن حريث: أنَّه تزوج امرأةً نكاح المتعة، وأنَّه استمرَّ عليها
إلى زمان خلافة عمر؛ لأنه لم يسمع الناسخ، فحملتْ منه، فأنهي أمرُه إلى عمر،
فتُهي عن ذلك.
وقد تقدَّم القولُ على قول جابرٍ: (فعلناها مع رسول الله وَّ) في باب متعة
الحج.

٩٦
(١٥) كتاب النكاح - (٤) باب: نسخ نكاح المتعة
(٤) باب
نسخ نكاح المتعة
[١٤٥٥] عن سلمةَ بنِ الأكوع، قال: رخّصَ رسولُ الله وَ له عام
أَوْطَاس في المتْعَةِ ثلاثاً، ثم نهى عنها.
رواه مسلم (١٤٠٥) (١٨).
[١٤٥٦] وعن الرَّبيع بن سَبْرةَ الجُهَنِيُّ: أَنَّ أَبَاه غَزَا مع
رسولِ اللهِوَ﴿ فَتحَ مكَّةَ. قال: فأقمنا بها خمسَ عشرةَ (ثلاثينَ بينَ ليلةٍ
ويومٍ) فأذِنَ لنا رسولُ اللهِنَّهِ فِي مُتْعَةِ النِّساء. فخرجتُ أنا ورجلٌ مِنْ
قومي. ولي عليه فضلٌ في الجَمَالِ، وهو قريبٌ من الدَّمَامَةِ، مع كلِّ واحد
[(٤) ومن باب: نسخ نكاح المتعة](١)
غزوةُ أوطاس هي: غزوة حُنينٍ، على ما قاله أبو عمر. وكانت غزوة حُنينٍ
بعد فتح مكة بأيام(٢)، وذلك: أنَّ فتح مكّة كان لعشرٍ بقين من شهر رمضان سنة
ثمانٍ من الهجرة، وكانت وقعةُ حنين في أول شوال من السّنة المذكورة.
و (قوله: رخّص لنا في المتعة ثلاثاً) وفي حديث سَبْرَة: (فكنَّ معنا ثلاثاً)
بدُ: علی قِصَر مُدَّة الرخصة، وأنّ لم یکن إلا ثلاث ليالٍ لا غير.
و (الدَّمامة) بالدال المهملة هي: دقةٌ في الخَلْقِ، وقُبْح في المنظر(٣).
(١) ما بين حاصرتين ساقط من الأصول، واستدركناه من التلخيص.
(٢) من (ج ٢).
(٣) في هامش (ج ٢) تتميم: الدمامة - بالدال المهملة - في الخَلْق، وبالمعجمة: في
الخُلُق. وقد قيل: الدمامة تختصُّ بالوجه.

٩٧
(١٥) كتاب النكاح - (٤) باب: نسخ نكاح المتعة
منا بُرْدٌ. فبُردي خَلَقٌّ، وأما بُرْدُ ابنِ عمِّي فبُردٌ جديدٌ، غَضٌّ. حتَّى إذا كُنَّا
بأسفلِ مكَّةَ، أو بأعلاها. فلقينا فتاةً مثلَ البَكْرَةِ العَنَطْتَطَةِ. فقلنا: هل لكِ
أنْ يَسْتَمْتِعَ مِنْكِ أحدُنا؟ قالت: وماذا تَبْذُلانِ؟ فَنَشَرَ كلُّ واحدٍ منا بُرْدَهُ.
فجعلت تَنْظُرُ إلى الرَّجلين، ويراها صاحبي تنظرُ إلى عِطْفِهَا فقال: إنْ بُرْدَ
هذا خَلَقٌ وبُردي جدیدٌ غَضِّ. فتقول: بردُ هذا لا بأسَ به - ثلاث مرارٍ، أو
مرتين - ثم استمتعتُ مِنْهَا. فلمْ أخْرُجْ حتَّى حرَّمَها رسولُ اللهِ وَّتِ.
وفي رواية: فَكُنَّ معنا ثلاثاً، ثم أمرَنَا رسولُ الله ◌َّټ بفراقهن.
رواه أحمد (٤٠٤/٣)، ومسلم (١٤٠٦) (٢٠) و (٢١)، وابن ماجه
(١٩٦٢).
. [١٤٥٧] وعنه، عن أبيه، أنَّ رسولَ الله وَّهِ قالَ: ((أيُّها النَّاسُ إِنِّي
كنتُ أذنتُ لكم في الاستمتاع من النساء، وإنَّ اللَّهَ قد حرَّمَ ذلك إلى يومٍ
و (الجديد): الغضُّ الذي عليه نضارةُ الجدَّة، وغضارتها. والغضُّ من التفّاح:
الطَّريُّ، المتناهي طيباً. و (البَكْرَةُ): الفتيّة من الإبل؛ شَبَّهها بها لقوتها، وعبالتها.
و (العَنَطْنَطَة): الطويلة العُنُقَ باعتدالٍ وحُسْنٍ، وهي: العيطاء أيضاً؛ كما جاء في
الرواية الأخرى. والعنقاء، والعطبول نحوه. وفي الأمّ (١): (بُرْدُ هذا خَلَق مخٌ) بالميم
والحاء المهملة المشدَّدة، وهو الدَّارس، المتغيِّر من القِدَم. و (العِطف) بكسر
العين: الجانب. وكأنها تتبختر، وتُزْهَى بنفسها.
و (قوله: فلم أخرجْ حتى حرَّمها) يعني: من مكة. وهذا نصٌ صريحٌ في
التحريم بعد الإباحة.
و (قوله: ثمَّ أمرنا رسولُ اللهِ وَهِ بفراقهنَّ) وفي الرواية الأخرى: ((من كان
(١) انظر: صحيح مسلم (١٠٢٥/٢).

٩٨
(١٥) كتاب النكاح - (٤) باب: نسخ نكاح المتعة
القيامةِ، فمن كانَ عندَه منهنَّ شيءٌ فَلْيُخَلِّ سبيلَه. ولا تأخذُوا مما آتيتمُوهنَّ
شيئاً».
وفي رواية: قال: رأيتُ رسولَ اللهِ وَّ قائماً بين الرُّكْنِ والبَابِ وهو
يقول: ((أيُّها النَّاسُ .. )) نحوه.
رواه مسلم (١٤٠٦) (٢١).
[١٤٥٨] وعن عبد الله بن الزبير، أنه قامَ بمَّةَ، فقال: إنَّ ناساً
أعمى الله قلوبَهم، كما أعمَى أبصارَهم، يُقتون بالمتعةِ. يُعرِّض برجلٍ.
عنده منهنَّ شيءٌ فليُخَلُ سبيلَها)) هذا ردّ على زفر؛ إذ صحَّح العقد، وأبطل
الشَّرط. وهو حجةٌ للجمهور على قولهم: إنَّه يفسخ على كلِّ حال.
و (قوله: ((ولا تأخذوا ممَّا آتيتموهن شيئاً)) يعني: لأنهنَّ قد استحقَقْنَ ذلك
بالڈُّخول علیھنَّ.
تكرار تحريم
نكاح المتعة
و (قوله: بين الركن والباب) يعني: الحجر الأسود. وهذا كان يوم الفتح
کما قاله(١) في الرواية الأخرى. ویمکن أن يقال: لا تناقض بين هذا وبين ما روي
من تحريم نكاح المتعة يوم حنين، وفي حَّة الوداع، ويوم الفتح، وفي غزوة
تبوك؛ لأنَّ ذلك محمولٌ على أنّه كرّر تحريمها في هذه المواطن كلِّها توكيداً لها،
وزيادةً في الإبلاغ.
و (قوله: يُعَرِّض برجلٍ) يعني به: ابن عبّاس. وكان إذ ذاك قد عمي، وكان
هذا من عبد الله زمن إمارته، وإنَّما قدعه(٢) ابنُ الزبير بهذا القول لظهور الناسخ
النكاح المتعة، وشهرة الأحاديث في ذلك، فكأنَّه نسبه إلى التفريط. وكان
(١) في (ع): قالوه.
(٢) ((القَدْع)): الكفُّ والمنع.

٩٩
(١٥) كتاب النكاح - (٤) باب: نسخ نكاح المتعة
فنادَاه فقالَ: إِنَّك لَجِلْفٌ جَافٍ. فلعَمْرِي! لقد كانت المتعةُ تفعلُ على عهدٍ
إمام المتقين (يريدُ رسولَ اللهِ ﴿) فقال له ابن الزبير: فَجرِّبْ بنفسِك،
فوالله لئن فعلتَها لأرجمنَّك بأحجارِكَ. قال ابن شهاب: فأخبرني خالدُ بن
عبد الله بن عبَّاس في آخر عمره(١) قلَّ ما يصغي لمن يحدِّث عن رسول الله وَله كما
تقدَّم من قوله: فلما ركب النَّاسُ الصعبَ والذَّلولَ لم يأخذْ من الناس إلا ما يَعرف.
وكان قد عرف الإباحةَ فاقتصر عليها، ولم يُصْغ إلى غيرها. كما قال: (لقد كانت
تفعلُ على عهد إمام المتقين) - رسول رب العالمين، رسول الله اله ...
و (الجِلْف) و (الجافي) هما بمعنىّ واحدٍ. قاله ابنُ السكيت، وغيرُه.
وكرَّرَهما لفظاً لاختلافهما على عادة العرب في ذلك، وعليه حملوا: ﴿أَشْكُواْ بَقِّى
وَحُزْفِ إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦]، و: ﴿حَّ تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَلِكِينَ﴾
[يوسف: ٨٥] وأصل الجِلْف: الشاة المسلوخة بغير رأس ولا قوائم. قاله القتبي،
والهروي.
و (التائه)(٢): الحائِد عن مقصوده، الحائر.
و (قوله: لئن فعلتَها لأرجمنك بأحجارك) حُجَّةٌ لأحد القولين المتقدِّمين في
أنَّ من نكح نكاحَ المتعة أُقيمَ عليه الحدُّ. ويحتملُ أن يُحمل على الإرهاب
والتغليظ.
وكنايتُّهم عن ابن عباس في هذه المسألة بـ (رجلٍ) سترٌّ منهم له؛ لأجل هذه
الفتيا التي صدرتْ عنه، فإنهاً ما كانت تليقُ بعلمه، ولا بمنصبه في الفضل والدين.
وإنكار عليٍّ، وابن الزبير، وغيرهما، وإغلاظهم عليه، ولا منكر عليهم،
يدل: على أنَّ تحريمَ ذلك كان عندهم معلوماً.
(١) في (ج ٢): أمره.
(٢) وردت هذه الروايةُ في إحدى روايات الحديث (٢٩/١٤٠٧) ولم يوردها التلخيص.

١٠٠
(١٥) كتاب النكاح - (٤) باب: نسخ نكاح المتعة
المهاجر بن سيف الله؛ أنه بينما هو جالسٌ عندَ رجلٍ جاءَه رجلٌ فاستفتَاه
في المتعة. فأمرَه بها. فقال له ابن أبي عَمْرَة الأنصاريُّ: مَهْلاً. قال:
ما هي؟ واللَّهِ لقد فُعلتْ في عهدٍ إمام المتقين. قال ابن أبي عمرة: إنَّها
كانت رخصةً في أول الإسلام لمن اضْطَرَّ إليها، كالمَيتَةِ والدَّمِ ولحمِ
الخِنزيرِ، ثم أحكمَ الله الدِّينَ ونَهى عنها.
رواه مسلم (١٤٠٦) (٢٧)، وأبو داود (٣٠٧٢)، والنسائي
(١٢٦/٦).
[١٤٥٩] وعن عليٍّ بن أبي طالب، وسمعَ ابنَ عبَّاسِ يُلِيِّنُ في نِكاحِ
المتعةِ، فقال: مَهلا يا بنَ عبَّاس! فإن رسولَ الله وَّهِ نهى عن مُتْعَةِ النِّسَاءِ،
يومَ خيبرَ، وعن أكلِ لحومِ الحُمُرِ الأنَسِيَّةِ.
رواه أحمد (٧٩/١)، والبخاري (٥١١٥)، ومسلم (١٤٠٧) (٣٠)،
والترمذي (١١٢١)، والنسائي (٢٠٢/٧)، وابن ماجه (١٩٦١).
و (قول ابن عباس: لقد فُعِلتْ على عهد إمام المتقين) تنبيهٌ منه: على أنَّه لو
كانت المتعةُ ممَّا يُتَّقَى لكان النبيُّنَ ﴿ أولى بتقاةِ ذلك؛ فإنَّه أتقى الله، وأخوفُ من
كلِّ مُتَّقٍ.
وقولُ ابن أبي عمرة هو الحقُّ الصَّريح، كما شهدتْ لهُ الأحاديثُ الصَّحيحةُ
المتقدّمةُ.
و (قول عليَّ - رضي الله عنه -: إنَّ رسولَ الله وَلفوز نهى عن المتعة يوم خيبر،
وعن أكل لحوم الحمر الأَنَسِيَّة) إلى ظاهر هذا ذهب جمهورُ العلماء، فحكموا
بتحريم المتعة على ما قدَّمناه، وبتحريم الحمر الأهلية؛ إلا أنه روي عن