Indexed OCR Text
Pages 721-740
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤١) باب: في قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ... ﴾ ٧٢١ وقال الآخرُ: الجهادُ في سبيلِ اللَّهِ أفضلُ مِمَّا قُلْتُم، فَزَجرهم عمرُ، وقالَ: لا ترفعوا أصواتَكُم عندَ مِنْبرِ رسولِ الله وَّر، وهو يوم الجمعة، ولكن إذا صَلَّيْتُ الجمعة دخلت واستَفْتيتُه فيما اختلفتم فيه. فأنزل الله عز وجل: ﴿ أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَجْ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الَْرَامِ﴾ الآية إلى آخرها [التوبة: ١٩]. رواه مسلم (١٨٧٩). المسلمين لم يختلفوا في أنَّ الإيمانَ مع الجهاد أفضل من مجرَّد السِّقاية والعمارة، وإنَّما اختلفوا في أي الأعمال أفضل بعد الإسلام، وقد نصُّوا على ذلك في الحديث. وأيضاً: فلا يليقُ أن يُقالَ لهم في هذا الذي اختلفوا فيه: ﴿والله لا يهدي القوم الظالمين﴾ كما قال في آخر الآية. وأيضاً: فإنَّ الآيات التي قبل هذه الآية من قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُواْ مَسَجِدَ اللَّهِ ... ﴾ [التوبة: ١٧ -١٨] تدلُّ: على أنَّ الخطاب مع المشركين، فتعيَّن الإشكال، فلينظر في التخلّص منه. ويمكن أن يتخلَّص منه بأن يقال: إنَّ بعضَ الرُّواة تسامَحَ في قوله: فأنزل الله الآية. وإنما قرأ النبيُّ ◌َ﴿ه على عُمَرَ الآيةَ حين سأله، فظنَّ الرَّاوي أنَّها نزلتْ حينئذٍ، وإنما استدلَّ بها النبيُّ وَّه: على أن الجهادَ أفضل مما قال أولئك الذين سمعهم عُمر، فاستفتى لهم، فتلا عليه ما كان قد أنزل عليه في المشركين، لا أنها نزلتْ في هؤلاء. فيبقى أن يُقال: فكيف يُستدلُّ بما أنزل في المشركين في حالةٍ مخصوصةٍ على مثل ذلك المعنى في المسلمين؛ وهم مخالفون لهم في تلك الحال؟. والجواب: أنَّ هذا لا بُعْدَ فيه. فقد تنتزُ مما أنزل في المشركين أحكامٌ تليقُ انتزاع الأحكام في المسلمين، كما قد فعله عمر، حيث قال: أما إنّا لو شئنا لاتخذنا سلائق اللائقة بالمسلمين وشواءً، وتوضع صحفة، وترفع أخرى، ولكنًّا سمعنا قوله تعالى: ﴿أَذهَبْتُم ◌ُتِبَتگُتِى حَاتِكُ الدُّنْيَا وَأَسْتَمْتَعْتُم بِهَا﴾ [الأحقاف: ٢٠]. وهذه الآية نصٌّ في أنّها للكفار، ومع ذلك ففهم عمر منها الزجرَ عمَّا يناسبُ أحوالهم بعض المناسبة، ولم ينكر عليه أحدٌ من الصحابة، فيمكن أن تكونَ هذه الآيةُ من هذا النوع، والله تعالى أعلم. ٧٢٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤١) باب: في قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقابة الحاج وعمارة المسجد الحرام ... ﴾ [١٣٥٥] وعن أبي سعيد الخدري، أنَّ رجلاً أتى النبيَّ بَّه فقال: أيُّ الناس أفضلُ؟ فقال: ((رجلٌ مجاهدٌ في سبيلِ الله بمالِهِ ونفسِه)). قال: ثم من؟ قال: ((مؤمنٌ في شِعْبٍ من الشِّعاب، يعبدُ الله ويدعُ النَّاس من شرِّه». رواه أحمد (٣٧/٣)، والبخاري (٢٧٨٦)، ومسلم (١٨٨٨)(١٢٢)، وأبو داود (٢٤٨٥)، والترمذي (١٦٦٠)، والنسائي (١١/٦)، وابن ماجه (٣٩٧٨). [١٣٥٦] وعن أبي هريرة، عن رسولِ اللهِ وَّ﴾ قال: ((مِنْ خِيْرِ معاشٍ الناس لهم، رجلٌ ممسك بِعِنانِ فرسه في سبيل الله يطيرُ على متْتِهِ كلما و (قوله: أيُّ الناس أفضل؟) أي: أيُّ الناس المجاهدين؟ بدليل: أنَّه أجابه الجهاد الأكبر بقوله: رجلٌ مجاهِدٌ بنفسه وماله. ثم ذكر بعده مَن جاهد نفسه بالعُزْلة عن الناس، إذا كلُّ واحدٍ من الرَّجُلَيْنِ مجاهدٌ. فالأول للعدوِّ الخارجيّ. والآخر للداخليِّ؛ الذي هو: النفس والشيطان، فجاهدهما بقطع المألوفات، والمستحسنات من الأهل، والقرابات، والأصدقاء، والأوطان، والشهوات المعتادات. وكلُّ ذلك فراراً بدينه، وخوفاً عليه. وهذا هو الجهادُ الأكبر؛ الذي من وصل إليه فقد ظفر متى تكون بالكبريت الأحمر(١). غير أنَّ العزلةَ إنَّما تكونُ مطلوبةً إذا كفى المسلمون عدوّهم، العزلة مطلوبة؟ وقام بالجهاد بعضُهم. فأمَّا مع تعيُّن الجهاد؛ فليس غيرُه بمرادٍ؛ ولذلك بدأ النبيُّ ◌َ بهذا الحديث ببيان(٢) أفضلية الجهاد على العزلة لما قدَّمناه في الباب الذي قبل هذا. و (قوله: ((مِن خير معاش النَّاس لهم)) المعاشُ: مصدر بمعنى المعيشة أو (١) قال في اللسان: أعزُّ من الكبريت الأحمر. ويُقال: ذهبٌ كبريت؛ أي: خالص. (٢) من (م) و(ج ٢). الجهاد من خير معاش الناس ـهم ٧٢٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤١) باب: في قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ... ﴾ سَمِع هَيْعَةً، أو فَزْعَةً طار عليه، يبتغي القتلَ والموتَ مظانّه، أو رجلٌ في غُنَيْمَةٍ في رأس شَعَفَةٍ من هذه الشَّعَفِ، أو بطن وادٍ من هذه الأودية، فيقيم الصلاةَ ويؤتي الزكاةَ، يعبدُ ربَّه حتى يأتيَهُ اليقينُ، ليس مِنَ اللَّهِ إلا في خیر). رواه أحمد (٤٤٣/٢)، ومسلم (١٨٨٩) (١٢٥)، وابن ماجه (٣٩٧٧). العيش. أي: مِن أشرفِ طُرُق المعاش الجهاد. ففيه دليلٌ على جواز نيَّة أخذ المغانم والاكتساب بالجهاد، لكن إذا كان أصلُ النيّة في الجهاد أن يجاهدَ لتكون كلمةُ الله هي العليا. ولهذا أشار ◌َ﴿ في هذا الحديث بقوله: ((رجلٌ مُمْسِكُ بعِنان فرسه في سبيل الله)) وبقوله: ((يبتغي القتلَ مظانِّ)». ومتنُ الفرس وغيره: ظَهْرُه. و (الهيعة): الفزعة. يقال: هاع، يهيع، هيوعاً، وهيعةً؛ إذا خاف (١). و: هاع، يهاع؛ إذا جاع، وإذا تهوَّع. و (مظانّه): أي: في الأوقات التي يظنُّ القتل فيها. وهو منصوبٌ هنا على الظرف. و(الشَّعَفة) بفتح العين غير معجمةٍ: واحدة الشُّعَف، وهي رؤوسُ الجبال. و (اليقين) هنا: هو المتیقِّن، وهو الموت. (١) في (ج ٢): جبن. ٧٢٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٢) باب: في رجلين يقتل أحدهما الآخر (٤٢) باب في رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة، وفيمن قتل كافراً [١٣٥٧] عن أبي هريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِوَهِ قالَ: ((يضحك اللَّهُ عزَّ وجلَّ إلى رجلين يقتل أحدُهما الآخرَ كلاهُما يدخل الجنَّة، قال: يقاتلُ هذا في سبيلِ الله فَيُسْتَشهدُ ثم يتوبُ اللَّهُ على القاتل فَيُسْلِم، فيقاتلُ في سبيل الله فَيُسْتَشْهَدُ)). رواه البخاري (٢٨٢٦)، ومسلم (١٨٩٠) (١٢٨)، والنسائي (٣٩/٦)، وابن ماجه (١٩١). [١٣٥٨] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((لا يجتمع كافرٌ وقاتله في النار أبداً». (٤٢) ومن باب: رجلين يقتل أحدهما الآخر كلاهما يدخل الجنة ضحك الله (قوله: ((يضحك الله إلى رجلين))) قد تقدَّم الكلامُ في الإيمان على الضحك المنسوب إلى الله تعالى، وأنَّه عبارةٌ عن الرضا بالمضحوك منه، وإكرامه، والإقبال عليه. ويحتمل أن يكون من باب حذف المضاف. أي: يضحكُ رسول الله وملائكته ممَّن ذكر عند قبض أرواحهم(١). والله تعالى أعلم (٢). و (قوله: ((لا يجتمع كافرٌ وقاتلُه في النار أبداً)) ظاهِرُ هذا: أنَّ المسلِمَ إذا لا يجتمع كافر وقاتله في النار (١) مذهب السلف: أن الله تعالى يضحك ضحكاً يليق به سبحانه من غير تأويل، ولا تشبيه، ولا تمثیل. (٢) زاد في (ج ٢): كما يُقال: قَتَل السلطانُ فلاناً، وإنما قتله رجالُه. ٧٢٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٢) باب: في رجلين يقتل أحدهما الآخر وفي لفظٍ آخر: ((لا يجتمعان في النَّار اجتماعاً يَضُرُّ أحدُهما الآخرَ))، قتل الكافر لم يدخل النَّارَ بوجهٍ من الوجوه. ولم يقيِّدْه في هذا الطريق بقيدٍ؛ لكن قال في الرِّواية الأخرى: ((ثُمَّ سَدَّد)). وقد استشكل بعضُ الرواة هذا اللفظ. وجهةُ الإشكال: أنَّ مَآلَ السَّداد هو الاستقامةُ على الطريقة من غير زيغ، ومَن كان هذا حالُه لا يدخل النَّار؛ قتل كافراً أو لم يقتله. وسلك في الانفصال عن هذا الإشكال أنْ حمل (سدَّد) على: أسلم، بمعنى: أنَّ القاتلَ كان كافراً، ثمَّ أسلم، وصرفه للحديث الآخر؛ الذي قال فيه: ((يضحك اللَّهُ لرجلين)). قلتُ: وهذا الإشكالُ إنما وقع لهذا القائل من حيث فسَّر السَّداد بما ذكر، والذي يظهرُ لي: أنَّه ليس المراد بالسَّداد هنا ما ذكر؛ بل بعض ما ذكر، وهو أنْ يسدّد حالَه في التخلص من حقوق الآدميين؛ التي تقدَّم الكلامُ عليها في قوله ◌َّ: (القتل في سبيل الله يكفِّر كلَّ شيءٍ إلا الدَّين))(١) فإذا لم تكفِّر الشَّهادةُ الدَّينَ كان أبعد أن يكفِّره قتل الكافر. ويحتملُ أن يقالَ: سدَّد بدوام الإسلامِ حتى الموت. أو باجتناب الموبقات التي لا تُغفر إلا بالتوبة، كما تقدَّم في الطهارة. والله تعالى أعلم. و (قوله في الطريق الآخر: ((لا يجتمعان في النار اجتماعاً يضرُّ أحدُهما الآخر)) مخالفٌ للرِّواية الأولى(٢)، فإنَّ ظاهرَ تلك: نفي الاجتماع مطلقاً. وظاهرُ هذه: نفي اجتماع مخصوص. فتعارض الظاهران. ووجهُ الجمع: حملُ المطلق على المقيَّد. بمعنى: أنَّ من قَتَل كافراً ثمَّ مات مرتكبَ كبيرةٍ، غير تائبٍ منها؛ فاَمْرُه إلی الله تعالی؛ إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه، وأدخله النَّار. ثمّ إن دخل النَّار فإنَّما يدخل حيث يدخلُ المؤمنون المذنبون، لا حيث يدخل الكافرون. فلا يجتمعُ ذلك المؤمنُ مع مقتوله الکافر أبداً، ولا يلقاه حتی یخاصمه، کما قد جاء: (١) سبق تخريجه. (٢) في (ج ٢): الأخرى. ٧٢٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٣) باب: فضل الحمل في سبيل الله والجهاد قيل: من هم يا رسول الله؟! قال: ((مؤمنٌ قتل كافراً ثم سَدَّدَ)). رواه أحمد (٣٦٨/٢)، ومسلم (١٨٩١) (١٣٠ و١٣١)، وأبو داود (٢٤٩٥). (٤٣) باب فضل الحمل في سبيل الله والجهاد، ومن دلَّ على خيرٍ [١٣٥٩] عن أبي مسعودٍ الأنصاريٍّ، قال: جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ، وقال: هذه في سبيل الله! فقال رسول الله مَ لير: ((لك بها يوم القيامة سبعمئةٍ ناقةٍ، كلُّها مخطومةٌ». رواه أحمد (١٢١/٤)، ومسلم (١٨٩٢)، والنسائي (٤٩/٦). أنَّ بعضَ الكفَّار يجتمعُ ببعض المؤمنين في النَّار، فيقولون لهم: ما أغنى عنكم إيمانكم ولا عبادتكم؛ إذ أنتم معنا. فيضُ المؤمنون إلى الله تعالى حتى يخرجوا، فإذا خرجوا، وتفقدهم الكافرون؛ فلم يروهم، قال بعضُهم لبعضٍ: ﴿مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّانَعُتُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ * أَّخَذْتَهُمْ سِخْرِنَّ أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَهُ﴾ [ص: ٦٢ - ٦٣] وقيل في الآية غير هذا. والله تعالى أعلم. (٤٣) ومن باب: فضل الجهاد في سبيل الله (قوله: جاء رجلٌ بناقةٍ مخطومةٍ) أي: [عليها خطامها، أي: زمامها](١). و (قوله ◌َ﴾: («لك بها يوم القيامة سبعمئة ناقةٍ، كلّها مخطومةٌ))) هذه الحسنةُ مضاعفة أعمال المجاهدين (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٧٢٧ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٤٣) باب: فضل الحمل في سبيل الله والجهاد [١٣٦٠] وفي رواية، فقال: إنِّي أُبْدِعَ بي فاحْمِلْني، فقال: ((ما عندي!)) فقال رجلٌ: يا رسول الله! أنا أدلُّه على من يحملُه، فقال رسول الله ◌َ﴾: ((من دلَّ على خيرٍ فله مثلُ أجرٍ فاعله)). رواه أحمد (٢٧٣/٥)، ومسلم (١٨٩٣)، وأبو داود (٥١٢٩)، والترمذي (٢٦٧١). ممَّا ضوعفَ إلى سبعمئة ضعف، وهو أقصى الأعداد المحصورة؛ التي تُضاعَفُ الحسنات إليها. وهذا كما قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِ كُلِّ سُنْكَتِ مِّأَنَةُ حَبَّةٍ﴾ [البقرة: ٢٦١] وبقي بعد هذا المضاعفة من غير حصرٍ، ولا حدٍّ، وهي مفهومةٌ من قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَعِفُ لِمَن يَشَآءُ﴾ [البقرة: ٢٦١](١). و (قوله: إنِّي أُبدع بي) أي: أهلكت راحلتي، وانقطع بي، وهو رباعي، مبنيٌّ لما لم يُسمَّ فاعله. وقد وقع لبعض الرواة: (بُدِّع) على فعلٍ مشدَّد العين. وليس بمعروفٍ في اللغة. و (قوله: احملني) أي: أعطني ما أتحمَّل عليه، أي: أحمل رحلي، وأرتحل عليه. و (قوله: ((مَن دلَّ على خيرِ فله مثلُ أجر فاعله))) ظاهرُ هذا اللفظ: أنَّ للدَّالِ الدَّال على · الخبر له مثل من الأجر ما يساوي أجر الفاعل المنفق. وقد ورد مثل هذا في الشّرع كثيراً، أجر فاعله (١) جاء في هامش (ج ٢) ما يلي: تتميم: (قوله سبعمئة ناقة) يحتمل أن يكون على ظاهره، فتكون له في الجنة يركبها. ويحتمل أن تكون إشارة إلى تضعيف الحسنات. وسُمِّي الثواب باسم الحسنة. ويُقوِّي الأول قوله: مخطومة. وقوله: سبعمئة موافق لقوله : ﴿ في تضعيف الحسنات إلى سبعمئة ضعف. والأصل في ذلك قوله تبارك وتعالى: ﴿كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَثْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]. ٧٢٨ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٤٣) باب: فضل الحمل في سبيل الله والجهاد [١٣٦١] وعن أنس: أنَّ فتىّ من أسلم قال: يا رسول الله! إنِّ أريدُ كقوله: ((من قال مثل ما يقول المؤذِّن كان له مثلُ أجره))(١)، وكقوله فيمن توضأ وخرجَ إلى الصلاة فوجد النَّاس قد صلَّوا: ((أعطاه الله من الأجرِ مثل أجر من حضرها، وصلَّها))(٢). وهو ظاهرُ قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَخْجٌ مِنْ بَيْنِهِ، مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِ ثُمَّ يُدْرِكُهُ الْمَوْتُّ فَقَدْ وَقَعَ أَبْرُءُ عَلَى اللَّهِ﴾ [النساء: ١٠٠] وهذا المعنى يمكنُ أن يقال فيه (٣) ويصار إليه بدليل: أنَّ الثوابَ على الأعمال إنما هو تفضُّل من الله تعالى، النيَّة أصل فيهبه لمن يشاء على أيّ شيءٍ صدر عنه، وبدليل: أنَّ النيّة هي أصلُ الأعمال، فإذا الأعمال صحَّتْ في فعل طاعةٍ فعجز عنها لمانعٍ منع منها فلا بُعْدَ في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل، أو يزيد عليه، وقد دلَّ على هذا: قوله وله: ((نيَّةُ المؤمن خيرٌ من عمله)) (٤)، ولقوله: ((إنَّ بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً، ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم، حبسهم العذر))(٥). وأنصُّ ما في هذا الباب حديث أبي كبشة الأنماري؛ الذي قال فيه النبي وَ له: ((إنَّما الدنيا لأربعة نفرٍ: رجلٌ آتاه الله تعالى مالاً وعلماً؛ فهو يتَّقي فيه ربّه، ويصل به(٦) رحمه، ويعلم الله فيه حقّاً. فهذا بأفضل المنازل. ورجلٌ آتاه الله علماً ولم يؤته مالاً، فهو يقولُ: لو أنَّ لي مالاً العملت فيه بِعَمَلِ](٧) فلانٍ، فهو بنيّته، فأجرهما سواء. ورجلٌ آتاه الله مالاً ولم يؤته علماً؛ (١) رواه أحمد (٣٥٢/٢)، والنسائي (٢٤/٢)، والحاكم (٢٠٤/١)، وابن حبان (١٦٦٧) بلفظ: ((من قال مثل ما قال هذا يقيناً دخل الجنة)). (٢) رواه أبو داود (٥٦٤)، والنسائي (١١١/٢). (٣) في (م) و (ج ٢): به. (٤) رواه الطبراني في الكبير (٢٢٨/٦)، وأبو نعيم في الحلية (٢٥٥/٣). (٥) رواه أحمد (١٠٣/٣)، والبخاري (٢٨٣٩)، وأبو داود (٢٥٠٨)، وابن ماجه (٢٧٦٤). (٦) في (م) و (ج ٢): فيه. (٧) في (م): فعلت فيه بفعل. ٧٢٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٣) باب: فضل الحمل في سبيل الله والجهاد الغزو، وليس معي ما أتجهّزُ! قال: ((ائتِ فلاناً؛ فإنَّه قد كان تجهز فمرض))، فأتاه فقال: إنَّ رسول الله وَ له يقرتُكَ السلامَ، ويقول: أعطني الذي فهو لا يتَّقي فيه ربَّه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم الله فيه حقاً، فهذا بأخبث المنازل. ورجلٌ لم يؤته الله مالاً ولا علماً؛ فهو يقول: لو أنَّ لي مالاً لعملتُ فيه بعمل فلان، فهو بنيته، ووزرهما سواء))(١). وقد ذهب بعضُ الأئمة إلى أنَّ المثل المذكور في هذه الأحاديث إنما هو بغير تضعيف. قال: لأنَّه يجتمعُ في تلك الأشياء أفعالٌ أُخَر، وأعمالٌ كثيرةٌ من البرِّ، لا يفعلها الدَّالُّ الذي ليس عنده إلا مجرَّدُ النيَّةِ الحسنةِ. وقد قال ◌َله للقاعد: «أُّكم خَلَفَ الخارجَ في أهله وماله بخيرٍ فله [مثل] نصف أجر الخارج))(٢). وقال: ((لينبعث من كل رجلين أحدهما والأجر بينهما))(٣). قلت(٤): ولا حجّة في هذا الحدیث لوجهین: أحدهما: إنا نقولُ بموجبه، وذلك أنّه لم يتناولْ محلَّ النزاع، فإنَّ المطلوبَ(٥) إنما هو: أنَّ الناويَ للخير المعوَّق عنه؛ له مثل أجر الفاعل من غير تضعيف. وهذا الحديثُ إنَّما اقتضى مشاركةً ومشاطرةً في المضاعف، فانفصلا. وثانيهما: أنَّ القائمَ على مال الغازي؛ وعلى أهله نائبٌ عن الغازي في عملٍ لا يتأتى للغازي غزوه إلا بأن يُكفى ذلك العمل، فصار كأنَّه يُباشر معه الغزو، (١) رواه أحمد (٢٣١/٤). (٢) رواه مسلم (١٣٨)، وأبو داود (٢٥١٠)، وابن حبان (٤٦٢٩). وما بين حاصرتين مستدرك من مصادر التخريج. (٣) رواه مسلم (١٨٩٦). (٤) بين هذا الباب والباب الذي بعده تحت عنوان: باب البعوث ونيابة الخارج، تداخل في الشرح. (٥) في (ج ٢): الدعوة. ٧٣٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٣) باب: فضل الحمل في سبيل الله والجهاد تجهزت به. قال: يا فلانة! أعطيه الذي تجهزتُ به، ولا تحبسي عنه شيئاً، فواللَّهِ لا تَحْبِسِنَّ منه شيئاً فيبارك الله لكِ فيه. رواه مسلم (١٨٩٤)، وأبو داود (٢٧٨٠). [١٣٦٢] وعن زيدِ بنِ خالدٍ الجهنيِّ، عن رسول الله وَ ◌ّرِ أنَّه قال: ((من جهّز غازياً في سبيل الله فقد غزا، ومَنْ خلفه في أهله بخيرٍ فقد غزا)). فلیس مُقتصراً على النيّة فقط، بل هو عاملٌ في الغزو، ولمّا کان کذلك كان له مثل أجر الغازي كاملاً، وافراً، مضاعفاً، بحيث إذا أُضيف ونسب إلى أجر الغازي كان نصفاً له، وبهذا يجتمعُ معنى قوله وَلاير: ((من خلف غازياً في أهله بخيرٍ فقد غزا» وبين معنى قوله في اللفظ الأول: ((فله مثل نصف أجره» والله تعالى أعلم. وعلى هذا يحملُ قوله: ((والأجر بينهما)) لا أنَّ النائبَ يأخذ نصف أجر الغازي، ويبقى للغازي النصف، فإنَّ الغازيَ لم يطرأُ عليه ما يوجبُ تنقيصاً لثوابه، وإنَّما هذا كما قال: ((من فطَّر صائماً كان له مثلُ أجر الصائم، لا ينقصه من أجره شيء))(١) والله تعالى أعلم. وعلى هذا فقد صارت كلمةُ ((نصف)) مقحمةً هنا بين ((مثل)) و ((أجر)) وكأنّها زيادةٌ ممَّن تسامَحَ في إيراد اللفظ، بدليل قوله: ((والأجر بينهما)) ويشهد له ما ذكرناه، فَلْيُتَنَّه له، فإنه حَسَنٌ. وأمَّا من تحقّق عجزه، وصدقت نِيَّتُه، فلا ينبغي أن يختلف في: أنَّ أجره مضاعفٌ كأجر العامل المباشر؛ لما تقدَّم؛ ولما خرَّجه النسائيُّ من حديث أبي الدَّرداء قال: قال رسول الله وَالتر: ((من أتى فراشه؛ وهو ينوي أن يقوم يصلي من الليل فغلبته عيناه حتى يصبح؛ كان له ما نوى، وكان نومُه صدقةً عليه))(٢). و (جهاز الغازي): ما يحتاجُ إليه في غزوه من العدَّة والسلاح والنفقة وغير ذلك. (١) رواه أحمد (١١٤/٤ - ١١٥)، والترمذي (٨٠٧)، وابن ماجه (١٧٤٦). (٢) رواه النسائي (٢٥٨/٣)، وابن ماجه (١٣٤٤). ٧٣١ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٤٤) باب: في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد رواه أحمد (١١٥/٤)، والبخاري (٢٤٨٣)، ومسلم (١٨٩٥) (١٣٥)، وأبو داود (٢٥٠٩)، والترمذي (١٦٢٨)، والنسائي (٤٦/٦). (٤٤) باب في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد وفيمن خلف غازياً في أهله بخيرٍ أو بشرٍّ [١٣٦٣] عن أبي سعيدٍ: أنَّ رسولَ اللهِوَّهِل بعثَ بَعْئاً إلى بني لِحْيَان من هُذَيْلِ، فقال: ((لينبعثْ من كلِّ رجلينِ أحدُهما والأجرُ بينهما)). وفي روايةٍ، ثم قال للقاعد: ((أيُّكم خلَف الخارجَ في أهله ومالِهِ بخيرٍ كان له مثلُ نصفِ أجرِ الخارج». رواه مسلم (١٨٩٦) (١٣٧ و١٣٨)، وأبو داود (٢٥١٠). [١٣٦٤] وعن سليمان بن بُريدة، عن أبيه، قال: قال (٤٤) [ومن باب: البعوث ونيابة الخارج عن القاعد](١) (البعوث): جمع بعثٍ، وهم السَّرايا، والعساكر الذين يبعثهم الإمامُ للغزو. [و (قوله: آل بني لحيان) بكسر اللام، وهو: لحيان من هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر، بطن يُنسب إليهم نَفَرٌ من أهل العلم. ويُقال في النسب إليه: اللحياني] (٢). (١) هذا العنوان ساقط من (ع) و (ج) ومستدرك من التلخيص و (ج ٢). (٢) ساقط من (ع) و(ج) ومستدرك من (ج ٢). ٧٣٢ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٤٤) باب: في البعوث ونيابة الخارج عن القاعد رسول الله وَل﴾: ((حرمةُ نساء المجاهدين كحرمةِ أُمَّهاتِهم، وما من رجلٍ من القاعدين يَخلُفُ رجلاً من المجاهدين في أهله، فيَخُونُه فيهم، إلا وُقِف له يوم القيامة، فيأخذُ من عمله ما شاء، فما ظنكم؟)). رواه أحمد (٣٥٢/٥)، ومسلم (١٨٩٧) (١٣٩)، وأبو داود (٢٤٩٦)، والنسائي (٥٠/٦). و (قوله: ((حُرمةُ نساء المجاهدين كحرمة أمَّهاتهم))) يعني: أنَّه يجبُ على القاعدين مِن احترامهنَّ، والكفِّ عن أذاهنَّ، والتعرُّض لهنَّ ما يجبُ عليهم في أمهاتهم. حرمة نساء المجاهدين و (قوله: ((فما ظنكم)) يعني: أنَّ المخونَ في أهله إذا مُكِّنَ مِن أَخْذ حسنات مصير خائن المجاهد في الخائن؛ لم يُبْقِ له منها شيئاً، ويكون مصيرُه إلى النَّار. وقد اقْتُصِرَ على مفعولي أهله الظَّنِّ. وظَهَرَ مِن هذا الحديث: أنَّ خيانةَ الغازي في أهله أعظمُ من كلِّ خيانةٍ؛ لأنَّ ما عداها لا يخيّر في أَخْذ كل الحسنات، وإنما يأخذُ بكلّ خيانةٍ قدراً معلوماً من حسنات الخائن. خيانة المجاهد في أهله أعظم من کل خيانة ٧٣٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٥) باب: في قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون ... ﴾ (٤٥) باب في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى الْقَمِدُونَ﴾ الآية [١٣٦٥] عن البراء في هذه الآية: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ اُلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَهِدُونَ فِ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. قال: فأمرَ رسولُ الله ◌ِلهِ زيداً، فجاء بكَتِفٍ فكتبها. قال: فشكا إليه ابنُ أمّ مكتوم ضرارتَه، فنزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ ... ﴾. رواه البخاري (٤٥٩٣)، ومسلم (١٨٩٨)(١٤١)، والترمذي (١٦٧٠)، والنسائي (١٠/٦). [١٣٦٦] وعنه: لما نزلت: ﴿لَّا يَسْتَوِى الْقَعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كلَّمَهُ ابنُ أمّ مكتوم فأُنزلت بـ: ﴿غَيْرٌ أُوْلِ الضَّرَرِ﴾. رواه مسلم (١٨٩٨) (١٤٢). (٤٥) [باب في قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون ... ﴾ الآية](١) (قوله: ﴿وَكُلًا وَعَدَ اللَّهُ الْمُسْنَ ... ﴾ [النساء: ٩٥]) أي: الموفقين المحقّقين في إيمانهم، المجاهدين وغيرهم. وقيل: القاعدين من أولي الأعذار والمجاهدين. و (الحسنى): الجنَّة، كما قال تعالى: ﴿لِلَِّينَ أَحْسَنُوا الْمُسْنَ وَزِيَادَةٌ﴾ [يونس: ٢٦] و((الحسنى: الجنَّة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم)) كما قاله رسول الله ◌َ﴾(٢). (١) ما بين حاصرتين ليس في الأصول، واستدرك من التلخيص. (٢) انظر: الدر المنثور (٣٥٧/٤). ٧٣٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٦) باب: بعث العيون في الغزو (٤٦) باب بعث العیون في الغزو، وما جاء: أنَّ الجنة تحت ظلال السيوف [١٣٦٧] عن أنس بن مالكِ، قال: بعثَ رسولُ اللهِ وَّهِ بُسَيْسَةَ عيناً ينظر ما صنعتْ عِيرُ أبي سفيان. فجاء وما في البيت أحدٌ غيري وغيرِ رسولِ الله ﴿ وقال: لا أدري هل استثنى بعض نسائه. قال: فحدَّثه الحديث. قال: فخرجَ رسولُ الله وَّهِ، فتكلم فقال: ((إنَّ لنا طَلِبَةً. فمن كانَ ظَهْرُهُ حاضراً فلْيركبْ معنا)». فجعل رجالٌ يستأذنونه في ظَهْرانِهم أنهم في عُلْوِ المدينةِ. فقال: ((لا، إلَّا من كان ظهْرُهُ حاضراً)). فانطلق و (قوله: ﴿دَرَجَاتٍ﴾ [النساء: ٩٦]) بدل من ﴿أَبْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٩٥]، وهذه الدَّرجاتُ هي المئةُ الدرجة التي أعدَّها اللَّهُ للمجاهدين، كما تقدَّم في حديث أبي سعید. (٤٦) ومن باب: العيون في الغزو (بُسَيْسَة) بضم الباء بواحدةٍ، وفتح السِّين، وياء التصغير. هكذا رواه جمیعُ رواة الحديث، وكذا وقع في كتاب مسلم وأبي داود. والمعلومُ في كتاب السِّير: (بَسْبَس) بفتح الباء غير مصغرٍ. وهو: بَسْبَسُ بن عمرو. ويقال: ابن بشرٍ من الأنصار، وقيل: حليفهم. وأنشد ابنُ إسحاق في خبره: أنْ تَرِدِ الماءَ بِمَاءِ أَكْيَسُ (١) أَقِمْ لها صُدُورَهَا يَا بَسْبَسُ (١) في سيرة ابن هشام (١/ ٦٣٤): ليس بذي الطلح لها معرّسُ أقم لھا صُدُورَھا یا بسبسُ ٧٣٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٦) باب: بعث العيون في الغزو رسولُ اللهِ وَّ﴿ وأصحابُه حتى سبقُوا المشركين إلى بدرٍ، وجاء المشركون، فقال رسول الله وَله: ((لا يُقَدِّمَنَّ أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكون أنا أؤذنه». فدنا المشركون، فقال رسول الله بَّهِ: ((قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السمواتُ والأرضُ)). قال: يقول عُمَيْرُ بن حُمام الأنصاريُّ: يا رسول الله! جنةٌ عرضها السموات والأرض؟! قال: ((نعم)). قال: بخ بخ. فقال رسولُ الله ◌َ﴿: ((ما يحمِلُك على قول بَخ بَخ؟)) قال: لا والله يا رسول الله! إلا رجاءُ أنْ أكون من أهلها! قال: ((فإنَّك من أهلها». و (العين) هنا: الجاسوس. سمي بذلك لأنه يعاينُ فيخبرُ مرسلَه بما يراه، فكأنه عينُهُ. و (العير) الإبلُ التي عليها الأثقال. و (ظَهرانهم) بضم الظاء: جمع ظهر، وقيل: جمع ظهير، كقضيب وقُضبان، وكئيب وكُثبان. وهو البعيرُ الذي ركب ظهره. و (بخ بخ): كلمة تقال لتفخيم الأمر، وتعظيمه، والتعجّب منه. يقال بسکون الخاء، وکسرها مُنَّنة. و (قوله: ((قوموا إلى جنَّةٍ عرضُها السَّموات والأرض))) أي: كعرض السَّماء والأرض. شبَّه الجنَّةَ بسعة السَّموات والأرض، وإن كانت الجنَّةُ أوسعَ، مخاطبةً لنا بما شاهدنا؛ إذ لم نشاهد أوسعَ من السموات والأرض. وهذا أشبهُ ما قيل في هذا المعنى. و (قوله: لا والله إلا رجاءً) رويته بنصب الهمزة من غير تاء تأنيثٍ على أن يكونَ مفعولاً من أجله. والأولى فيه الرَّفع، على أن يكونَ فاعلاً بفعلٍ مضمر، يدلُ عليه قولُه: ((ما يحملُك على قولك بخ بخ؟))؛ لأنَّه جوابُه. أي: لاَ يحملُني على قولي: بخ بخ إلا رجاءُ أن أكون من أهل الجنَّة. وقد رواه كثيرٌ من المشايخ: إلَّا رجاة - بتاء التأنيث - وهو مصدرُ الرَّجاء، لكنه محدود. قال المبرِّدُ: تقولُ العربُ: فعلته رجاتك. أي: رجاك - من الرَّجا - وهو الطَّمَعُ في تحصيل ما فيه عرضٌ ونَفْعٌ. ٧٣٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٦) باب: بعث العيون في الغزو فأخرجَ تَمَراتٍ من قَرَنِهِ فجعل يأكل مِنْهُنَّ ثم قال: لَئِنْ أنا حييتُ حتى آكلَ تمراتي هذه ، إنَّها لحياةٌ طَويلةٌ . قال: فرمى بما كان معه من التمر، ثمّ قاتلهم حتى قتل. رواه مسلم (١٩٠١). [١٣٦٨] وعن أبي بكرِ بن عبد الله بنِ قيس، عن أبيه، قال: سمعتُ أبي وهو بحضرة العدوِّ يقول: قال رسول الله وَ ﴿: ((إنَّ أبواب الجنةِ تحتَ ظلالِ السُّيوفِ)). فقام رجلٌ رتُّ الهيئةِ فقال: يا أبا موسى! أنت سمعت جزاء المجاهدین و (قوله: فأخرج تمراتٍ من قَرَنه) بفتح القاف والرَّاء، وهي جَعبةُ السِّهام. وهكذا روايتنا فيه، وأمَّا من رواه بضم القاف، وسكون الراء، وكسر الباء [قربه] (١)، و (قرقره) فتغيير، وإن كانت لهما أوجهٌ بعيدةٌ. و (قوله: ((الجنَّةُ تحت ظلالِ الشّيوف)») من الاستعارة البديعة، والألفاظ السَّهلة البليغة؛ التي لا يُنْسَجُ على منوالها، ولا يَقْدِرُ بليغٌ أن يأتيَ بمثلها. يعني بذلك: أنَّ من خاض غمراتِ الحروب، وباشرَ حالَ المسايفة كان له جزاء الجنة . وهذا من باب قوله: ((الجنَّة تحت أقدام الأمَّهات))(٢) أي: مَن تذلَّل لهنَّ، وأطاعهنَّ وَصَل إلى الجنة، ودخلها. استقتال الرجل نفسه وفي هذين الحديثين دليلٌ: على جواز استقتال الرجل نفسه في طلب الشَّهادة؛ وإنْ علم أنَّه يُقْتَل. وقد فعله كثيرٌ من الصحابة والسَّلف وغيرهم. وروي عن عمر وأبي هريرة - رضي الله عنهما -. وهو قولُ مالك، ومحمد بن الحسن، (١) ما بين حاصرتين زيادة من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي. (٢) رواه ابن عدي (٣٢٥/١)، والقضاعي في الشهاب رقم (٨٢)، والخطيب في: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع (٢٨٩/٢). ٧٣٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٦) باب: بعث العيون في الغزو رسول الله ﴿ يقول هذا؟ قال: نعم، قال: فرجع إلى أصحابه، قال: أقرأُ عليكم السلام، ثم كسر جَفْنَ سيفِهِ فألقاه، ثم مشى بسيفه إلى العدوِّ فضربَ به حتى قُتل. رواه أحمد (٣٩٦/٤)، ومسلم (١٩٠٢)، والترمذي (١٦٥٩). غير أنَّ العلماءَ كرهوا فِعْلَ ذلك لرأس الكتيبة؛ لأنه إن هلك هلك جيشُه. وقد روي عن عمر أيضاً كراهية الاستقتال، وقال: لأن أموتَ على فراشي أحبُّ إليَّ من أن أُقتل بين يدي صفٍ. يعني: مُسْتقتلاً. ورأى بعضُ العلماء هذا الفعلَ مِن إلقاء معنى: ولا الید للتهلکة المنهي عنه. تلقوا بأيديكم إلى التهلكة قلتُ: وفي هذا بُعْدٌ من وجهين: أحدهما: أنَّ أحسنَ ما قيل في الآية (١): أنها فيمن ترك الإنفاق في الجهاد. وثانيها: أنَّ عملاً يُقضي بصاحبه إلى الشَّهادة ليس بتهلكة، بل التهلكةُ: الإعراضُ عنه، وتركُ الرَّغبة فيه. ودلَّ على ذلك الأحاديث المتقدِّمة كلها، فلا يُعدل عنها. (١) أشار بذلك إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُواْ بِأَبْدِيكُمْ إِلَى التَّلْكَةِ﴾ [البقرة: ١٩٥]. ٧٣٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٧) باب: في قوله تعالى: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ (٤٧) باب في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُوْمَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [١٣٦٩] عن ثابتٍ، قال: قال أنس: عمَّ سُمِّيْتُ بِهِ لم يشهدْ مع رسول الله ﴿ بذراً، قال: فشقَّ عليه. قال: أوَّلُ مَشْهِدٍ شهده رسولُ اللهِوَِّ غُيُّبْتُ عنه فإنْ أراني اللَّهُ مشهداً فيما بعدُ مع رسولِ الله وَّرَ، فَلَيْرِيَنَّ اللَّهُ ما أصنعُ! قال: فهابَ أنْ يقولَ غيرَها. قال: فشهِدَ مع رسول الله وَ﴾ يومَ أحدٍ. قال: فاستقبل سعدُ بنُ معاذٍ، فقال له أنسٌ: (٤٧) ومن باب: قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُ واْ اللَّهَ عَلَيْهِ ... ﴾ (قول أنس: عمِّ سُمِّيت به) أي: سُمِّيت باسمه، فإنَّ عمَّه أنس بن النضر. و (قوله: إن أشهدني اللَّهُ مشهداً (١) فيما بعد مع رسول الله ﴿ه ليرينَّ اللَّهُ ما أصنع) هذا الكلامُ تضمَّنَ أنَّه ألزمَ نفسه إلزاماً مؤكداً، وهو: الإبلاءُ في الجهاد، والانتهاض فيه، والإبلاغُ في بذل ما يقدر عليه منه، ولم يصرِّحْ بذلك مخافةً ما يتوقَّع من التقصير في ذلك، وتبرُّؤاً مِن حَوْله وقوته؛ ولذلك قال: (فهاب أن يقول غيرها) ومع ذلك فنوى بقلبه، وصمَّم على ذلك، فصحَّ قصدُه، ولذلك سمَّاه الله عهداً في الآية حيث قال: ﴿من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ [الأحزاب: ٢٣] فسمَّاه عهداً](٢). (١) كذا في الأصول، وفي التلخيص: فإن أراني الله مشهداً. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٧٣٩ (١٣) كتاب الجهاد والسير - (٤٧) باب: في قوله تعالى: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ يا أبا عمرو! أين؟ فقال: واهاً لريح الجنَّة أجِدُه دونَ أُحدٍ. قال: فقاتلهم حتى قُتِلَ. قال: فَوُجِد في جسده بِضْعٌ وثمانون من بين ضربةٍ وطعنةٍ ورميةٍ. قال: فقالت أخته عمتي الرُّبَيِّعُ بنتُ النَّضر: فما عرفتُ أخي إلا بِيَنَانِهِ، ونزلت هذه الآية: ﴿رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عَهَدُواْ اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ الآية [الأحزاب: ٢٣]. و (قوله: واهاً لريح الجنَّة!) أي: عجباً منه، فهي هنا تعجّبٌ، وقد تأتي للترحُّم، والتلهف، والاستهانة. و (قوله: أجده دون أُحُدٍ) ظاهرُه الحملُ على: أنَّه وجده حقيقةً، كما جاء في الحديث الآخر: ((إنَّ ريح الجنَّة توجدُ على مسيرة خمسمئة عام))(١) ويحتملُ أن يكون قاله على معنى التمثيل، أي: إنَّ القتلَ دون أُحُدٍ موجبٌ لدخول الجنة، ولإدراك ريحها ونعيمها. و (قوله: فقاتلهم حتى قتل) ظاهره: أنه قاتلهم وحده. فيكون فيه دليلٌ على جواز الاستقتال جواز الاستقتال، بل على نَذْبيّته؛ كما تقدم. و (قولها: فما عرفتُه إلا بينانه) أي: بأصابعه. ومنه قوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نَُّوِىَ [القيامة: ٤]. بَنَانَهُ﴾ و (قوله: ﴿فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ﴾ [الأحزاب: ٢٣]) أي: وفّى بنذره. يقال: نحب، ینحُب إذا نذر، ومنه قول الشاعر: إذا نحبت كلبٌ على النَّاس إنَّهم أحقُّ بتاجِ المساجد المتكرِّم وقيل: قضى أجله على ما عاهد عليه. قال ذو الرُّمَّة: عَشِيَّةَ فرَّ الحارِثِيُّونَ بَعْدَما قَضَى نَحْبَهُ في مُلْتَقَى الجيشِ هَوْبَرُ(٢) (١) رواه أبو نعيم في صفة الجنة (١٩٤)، والحلية (٣٠٧/٣). (٢) انظر: الديوان (٦٤٧/٢). (هو بر)): هو ابن يزيد الحارثي. ٧٤٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٧) باب: في قوله تعالى: ﴿رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه﴾ قال: فكانوا يُرَوْنَ أنَّها نزلتْ فيه وفي أصحابه. رواه مسلم (١٩٠٣)، والترمذي (٣١٩٨) و (٣١٩٩). [١٣٧٠] وعن أنس قال: جاء ناسٌ إلى النبيِّ وَّهِ: أَنِ ابعثْ مَعَنا رجالاً يعلِّمونا القرآن والسنة. فبعث إليهم سبعينَ رجلاً من الأنصار يقال لهم القُرَّاء - فيهم: خالي حرام - يقرؤون القرآن ويتدارسُونَ باللَّيلِ يتعلمون، وكانوا بالنهارِ يجيؤون بالماء فيضعونَه في المسجدِ ويحتطِبُون، فيبيعونه، ويشترون به الطعام لأهل الصُّفَّة وللفقراء، فبعثهم النبيُّ ◌َّه إليهم و (قوله: ﴿ومنهم من ينتظر﴾) أي: الوفاء بما نذر الموت على ما عاهدوا. و (قوله: ﴿وما بدلوا تبديلاً﴾) أي: استمرُّوا على ما التزموا، ولم يقعْ منهم نقضٌ لما أبرموا. و (قوله: قال: فكانوا يرون أنها نزلت فيه وفي أصحابه) هذا القائلُ هو: ثابت. والله تعالى أعلم. ويعني به: أنَّ الصَّحابةَ - رضي الله عنهم - كانوا يظنون: أنَّها نزلتْ فيمن ذكر. وقد قيل: نزلت في السَّبعين الذين بايعوا النبيَّ وَّ على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم، وأبناءهم، فوفّوا بذلك. قاله الكلبيُّ. وقد قيل غير ذلك. و (قوله: فبعث إليهم سبعين رجلاً) هؤلاء السبعون هم الذين استشهدوا ببئر معونة، غَدَرَ بهم قبائلُ من سليم مع عدوِّ الله عامر بن الطفيل، فاستصرخوا عليهم، فقتلوهم عن آخرهم إلَّ رجلين، ولم يُصَب النبيُّ وَّ ولا المسلمون بمثلهم - رضي الله عنهم -. شهداء بئر معونة و (الصُّفَّة): بيتٌ في المسجد مُقْتَطَعٌ عنه. وفيه دليلٌ على جواز استيطان الغرباء والفقراء مكاناً من المسجد، وعلى وضع الماء فيه للشُّرب وغيره، وعلى ما يجوز فعله في المسجد