Indexed OCR Text
Pages 701-720
٧٠١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٨) باب: في المسابقة بالخيل تُضْمَر من الثنية إلى مسجد بني زريق، وكان ابنُ عمرَ فيمن سابقَ بها. ولا خلاف في جواز تضمير الخيل والمسابقة بها على الجملة، وكذلك المسابقة الإبل، وعلى الأقدام، كما جرى في حديث سلمة بن الأكوع، وكذلك المراماة بالخيل والإبل بالسِّهام، واستعمال الأسلحة، ولا شكّ في جواز شيءٍ من ذلك؛ إذا لم يكن على الأقدام هنالك مراهنةٌ؛ لأن ذلك كلَّه مما ينتفعُ به في الحروب، ويحتاج إليه. إنما اختلفوا؛ هل ذلك من باب النَّدب، أو من باب الإباحة إذا لم يحتج إلى ذلك؟ فإن احتيج إلى شيءٍ من ذلك كان حُكمُه بحسب الحاجة. وأمَّا المراهنة: فأجازها على الجملة مالكٌ؛ والشافعيُّ؛ في الخفّ، المراهنة والحافر، والنّصل، وذلك على ما يُروى عن النبيِّ وَّهِ: ((لا سَبْق إلا في خفِّ، أو حافٍ، أو نصلٍ))(١) على أنه لا يُروى هذا الحديث بإسنادٍ صحيح، وهو مع ذلك مشهورٌ عند العلماء، مُتداوَلٌ بينهم. وقد منع بعضُ العلماء الرِّهان في كلّ شيءٍ إلا في الخيل؛ لأنَّها التي كانت عادة العرب المراهنة عليها. وروي عن عطاء: السبقُ في كلّ شيءٍ جائز. وقد تؤوِّلَ عليه؛ لأن حَمْلَه على العموم في كلِّ شيءٍ يؤدي إلى شروط الرِّهان إجازة القمار. وهو محرَّم باتفاق. ثمّ إنَّ الذين أجازوا الرِّهان شرطوا فيها شروطاً، وذكروا لها صوراً منها متفقٌ على جوازها، ومنها متفقٌ على مَنْعها، ومنها مُختلفٌ فيها. فالمتفق عليها: أن يُخْرِجَ الإمامُ أو غيره مُتطوِّعاً سَبقاً (٢) ولا فرس له في الحلبة، فمن سبق فله ذلك السَّبَقُ. وأما المتفق على منعه: فهو أن يخرجَ كلُّ واحدٍ من المتسابقَيْن سَبَقاً، ويشترطُ أنه إن سبق أمسك سَبَقَهُ، وأخذ سَبَقَ صاحبه. فهذا قمار، فلا يجوزُ باتفاقٍ؛ إذا لم يكن بينهما محلّلٌ. فإن أدخلا بينهما محلّلاً يكون المحلِّل في له السَّبَق، ولا يكون عليه شيءٌ إن سُبِقٍ. فهذه ممَّا اختلف فيها، فأجازها الرهان (١) رواه أحمد (٤٧٤/٢)، وأبو داود (٢٥٧٤)، والترمذي (١٧٠٠)، والنسائي (٢٢٦/٦)، وابن ماجه (٢٨٧٨). (٢) ((السَّبَق)): ما يُجعل من المال رهناً على المسابقة. ٧٠٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٨) باب: في المسابقة بالخيل وفي رواية: قال عبد الله: فجئتُ سابقاً فطَفَّفَ بِيَ الفرسُ المسجدَ. رواه البخاري (٢٨٦٨)، ومسلم (١٨٧٠)، وأبو داود (٢٥٧٥)، والترمذي (١٦٩٩)، والنسائي (٢٢٦/٦). ابنُ المسيب، والشافعيُّ، ومالك مرةً، والمشهور عنه: أنه لا يجوز. قلتُ: والصحيح: جوازه إن كان المحلّل لا يأمنُ أن يَسِقَ لما خرَّجه أبو داود عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سعيد بن المسيِّب، عن أبي هريرة، عن النبيِّ ◌َ ﴿ قال: ((مَن أدخل فرساً بين فرسَيْن، وهو لا يأمنُ أن يَسْبِقَ فليس بقمار، ومن أدخله وقد أمن أن يَسْبِقَ فهو قمار))(١). وأمَّا إذا لم يكنْ بينهما محلّلٌ لم يجز؛ لأنَّ مقصودهما المخاطرة، والمقامرة. وهو مذهبُ الزُّهريّ، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق. وقد حُكي فيها الاتفاق، فلو كان للوالي أو غيره فرسٌ في الحلبة، فيُخْرِجِ سَبَقاً على أنَّه إن سَبَق هو حبسَ سَبقه، وإن سُبِقِ أخذ السَّبَق السابقُ؛ فأجازها الليث، والشافعيُّ، والثَّوري، وأبو حنيفة، وهو أحدُ أقوال مالكِ؛ لأنَّ الأسباقَ على ملك أربابها، وهم فيها على ما شرطوه. ومنع ذلك مالكٌ في قولٍ آخر، وبعض أصحابه، وربيعةُ، والأوزاعي، وقالوا: لا يرجع إليه سَبقه، وإنَّما يأكله مَن حَضَر إن سبق مُخْرِجُه، إن لم يكن مع المتسابقين ثالث. شروط السّبق والمسابقة عقدٌ لازمٌ كالإجارة، فيشترطُ فِي السَّبَق ما يشترطُ في الأجرة من انتفاء الغرر والجهالة. ومِنْ شَرْط جوازها: أن تكون الخيلُ متقاربةً في النوع والحال. فمتى جهل(٢) حال أحدها، أو كان مع غير نوعه، كان السَّبق قماراً باتفاق. و (قول ابن عمر: فجئتُ سابقاً، فطفَّفَ بي الفرس المسجد: أي: زاد على (١) رواه أبو داود (٢٥٧٩)، وابن ماجه (٢٨٧٦). (٢) في (ع) و(ج): علم. ٧٠٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٨) باب: في المسابقة بالخيل [١٣٣٧] وعن جريرِ بنِ عبدِ الله، قال: رأيت رسولَ الله وَ﴿ يَلْوِي ناصيةَ فرس بإصْبعِه، وهو يقول: ((الخيلُ معقودٌ بنواصيها الخيرُ إلى يومٍ القيامة: الأجر والغنيمة)). رواه أحمد (٣٦١/٤)، ومسلم (١٨٧٢)، والنسائي (٢٢١/٦). [١٣٣٨] ونحوه، عن عروة البارقيِّ وابنِ عمرَ، وليس في حديثهما: رأيتُ رسولَ الله ◌َ﴿ يَلْوِي ناصيةَ فرسِ بإصبعه. وليس في حديث ابن عمر: ((إلى يوم القيامة)). رواه أحمد (٣٧٥/٤ - ٣٧٦)، والبخاري (٢٨٥٠)، ومسلم (١٨٧١) (١٤٩٣/٣) و (١٨٧٣) (٩٨ و٩٩)، والترمذي (١٦٩٤). الغاية المفروضة. وأصل التطفيف: العلوُّ ومجاوزة الحد. ومنه قالوا: طفَّف (١) كذا؛ أي: علا. وإناء طفَّان؛ أي: علا ما فيه. ومنه: التطفيف في الكيل؛ فإنه إذا أخذ لنفسه فقد علا على الحقِّ. وإذا نقص غيره فقد أعلى حقّه على حقٌّه. و (قوله: الخيلُ معقودٌ في نواصيها الخير) هذا الكلامُ جَمَعَ من أصناف الخير في البديع ما يعجز عنه كلُّ بليغ، ومن سهولة الألفاظ ما يعجب، ويستطاب. نواصي الخيل و (النواصي): جمع ناصية، وهي: الشعرُ المنسدلُ على الجبهة. و (إلى يوم القيامة) متعلِّق بـ (معقود) ويُفْهَمُ منه: دوامُ حُكْم الجهاد إلى يوم المعاد. و (الأجر والغنيمة) تفسيرٌ للخير المذكور. وهو مرفوعٌ على أنَّه خبرُ مبتدأ محذوف. وهذا المعنى هو الذي عُبِّر عنه بالبركة في حديث أنس. و(لَيُّ النبيِّ ◌ِ ل ◌ْ ناصية فرسه بيده) ليحسَّها، ويتعاهدها، ويُكْرمها بذلك، كما قال: ((ارتبطوا الخيلَ، وامسحوا بنواصيها، وأكفالها، وجلودها)»(٢). (١) في (ج ٢): طف. (٢) رواه أبو داود (٢٥٤٤)، والنسائي (٢١٨/٦ و٢١٩). ٧٠٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٨) باب: في المسابقة بالخيل [١٣٣٩] وعن أنس، قال: قال رسول الله وَ له: ((البركةُ في نواصي الخیل». رواه أحمد (١١٤/٣)، والبخاري (٢٨٥١)، ومسلم (١٨٧٤)، والنسائي (٢٢١/٦). [١٣٤٠] وعن أبي هريرة قال: كان رسولُ اللهِ وَ لَه يكرهُ الشِّكال من الخیل. الشِّكال من الخیل و (قول أبي هريرة: كان رسولُ الله ◌ِله يكره الشِّكال من الخيل) يحتملُ أن يكونَ كره اسمَ الشِّكال من جهة اللفظ؛ لأنه يشعر بنقيض ما تُراد الخيلُ له. وهذا كما قال: ((لا أحبُّ العُقُوقَ) (١) ويحتمل أن يكرهه لما يقال: إنَّ حوافرَ المشكل وأعضاءه ليس فيها من القوة ما في ما ليس كذلك. وقد جاء الشِّكالُ مفسّراً في تلك الرواية تفسيراً ليس معروفاً عند اللغويين. قال أبو عبيد: الشِّكال: أن تكون منه ثلاثُ قوائم محجلة وواحدةٌ مطلقة، أو يكون ثلاث قوائم مطلقة وواحدةٌ محجلة. ولا يكون الشِّكال إلا في الرِّجل، ولا يكون في اليد. وقال ابنُ دريد: هو أن يكونَ تحجيلُه في يدٍ ورجلٍ من شقِّ واحد، فإن كان مخالفاً قيل: شكال مخالف. وقال أبو عمر المطرِّز: هو بياض الرِّجْل اليمنى واليد اليسرى. وقيل: بياض الرجلين. وقيل: بياض اليدين والرجل الواحدة. وقيل: بياض الرجلين واليد الواحدة. وهذه أقوالُ اللغويين، وليس فيها ما يوافقُ ذلك التفسير إلا ما حكاه ابنُ دريد من الشِّكال (١) رواه أحمد (١٩٤/٢ و٣٦٩/٥ و٤٣٠). وكلامه وَّر هذا في معرض الجواب لمن سأله عن العقيقة. قال ابن الأثير في النهاية (٢٧٧/٣): ليس فيه توهين لأمر العقيقة، ولا إسقاط لها، وإنما كَرِهِ الاسْم، وأحبَّ أن تُسمَّى بأحْسَن منه، كالنَّسيكة والذبيحة، جَزْياً على عادته في تغيير الاسم القبيح. ٧٠٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله وفي رواية: الشكالُ: أن يكون الفرس في رِجْلِه اليُمْنَى بياضٌ، وفي يده اليُسرى. أو: في يدهِ الْيُمْنَى، ورجلِهِ الیُسْرى. رواه أحمد (٢/ ٢٥٠)، ومسلم (١٨٧٥) (١٠١ و١٠٢)، وأبو داود (٢٥٤٧)، والترمذي (١٦٩٨)، والنسائي (٢١٩/٦). # * (٣٩) باب الترغيب في الجهاد وفضله [١٣٤١] عن أبي هريرةَ قال: قالَ رسولُ اللهِوَّهِ: «تضمَّن اللَّهُ لمنْ خرجَ في سبيله، لا يُخْرِجُه إلا جهادٌ في سبيلي، وإيمانٌ بي، وتصديقٌ برسولي فهو عليَّ ضامنٌ أنْ أدخله الجنةَ، أو أَرْجِعَهُ إلى مسكنِهِ الذي خرجَ المخالف، فإن صحَّ أنَّ ذلك من قول النبيِّيَّ فهو حقٌّ. والله تعالى أعلم. وإن كان ذلك من قول بعض الرواة فالمعروفُ عند اللغويين ما قدّمته من قول أبي عبيد. (٣٩) ومن باب: الترغيب في الجهاد (قوله: ((فهو عليَّ ضامنٌ))) قيل فيه: هو بمعنى مضمون. كما قالوا: ماء دافق. [أي: مدفوق](١) و: لا عاصم اليوم. أي: معصوم. وقيل: معناه: ذو ضمان. كما قال في الحديث الآخر: ((تكفل الله)) أي: ضمن. وهذا كلُّه عبارةٌ عن أنَّ هذا الجزاءَ لا بُدَّ منه؛ إذ قد سبق هذا في علمه ونافذٍ حكمه. وعن هذا المعنى عبَّر بقوله تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ أَشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَقْوَلَم ... ﴾ الآية [التوبة: ١١١]؛ لأنَّ من اشترى شيئاً تعيّن عليه ثمنه، وكذلك من ضمنه. و (قوله: ((أنْ أُدْخِلَه الجنَّةَ، أو أرجعَه إلى مسكنه))) يعني: أنَّ الله تعالى للمجاهد في سبيل الله إحدى الحسنيين (١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع). ٧٠٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله منه نائلاً ما نالَ من أجرِ أو غنيمةٍ؛ والذي نفسُ محمدٍ بيده! ما من كَلْم يُكْلَمُ في سبيل الله، إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كُلِّمَ، ضمنَ له إحدى الحسنيين؛ إمَّا الشهادة، فيصير إلى الجنَّة حيّاً يُرْزَقُ فيها، وإمّا الرجوع إلى وطنه بالأجر والغنيمة . و (قوله: ((نائلاً ما نال من أجرٍ أو غنيمة))) كذا لأكثر الرواة بـ (أو) وهي هنا بمعنى الواو الجامعة على مذهب الكوفيين، وأنشدوا: نالَ الخِلافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَراً كَما أَتَّى رَبَّهُ مُوسَى عَلَى قَدَرِ (١) وقد دلَّ على هذا المعنى روايةُ أبي داود لهذه اللفظة، فإنه قال فيها: ((من أجرٍ وغنيمة)) بالواو الجامعة. وقد رواه بعضُ رواة كتاب مسلمٍ بالواو. وذهب بعضُ العلماء: إلى أنها ((أو)) على بابها لأحد الشيئين، وليست بمعنى الواو. وقال: إنَّ الحاصلَ لمن لم يستشهد من الجهاد أحد الأمرين: إما الأجر؛ إن لم يغنم، وإمَّا الغنيمة ولا أجر. وهذا ليس بصحيح؛ لما يأتي من حديث عبد الله بن عمرو؛ أنه قال: قال رسول الله وَله: (ما من غازية تغزو فيصيبوا ويغنموا إلا تعجَّلوا ثلثي أجورهم من الآخرة، ويبقى لهم الثلث))(٢). وهذا نصٌّ في: أنَّه يحصلُ له مجموُ الأجر والغنيمة. فالوجهُ: التأويلُ الأول. والله تعالى أعلم. و (قوله: ((ما من كَلْم يكلم في سبيل الله))) أي: ما من جرح يُجْرَحُ في الجهاد الذي يُبتغى به وَجْهُ الله. الكلم في سبيل الله الشهید لا يغسَّل و (قوله: ((إلا جاء يوم القيامة كهيئته حين كلم))) فيه دليلٌ: على أنَّ الشهيد لا يغسَّل. وهو قولُ الجمهور. وقد تقدم في الجنائز. (١) هذا البيت لجرير بن عطية، يمدح الخليفة عمر بن عبد العزيز. (٢) رواه مسلم (١٩٠٦)، وأبو داود (٢٤٩٧)، والنسائي (١٧/٦ و١٨)، وابن ماجه (٢٧٨٥). ٧٠٧ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله لونُه لونُ دم وريحُه ريحُ مِسْكِ؛ والذي نفسُ محمدٍ بییدہ لولا أنّ یَشُقَّ علی المسلمين،َ ما قعدتُ خلاف سريةٍ تغزو في سبيل اللَّهِ أبداً، ولكنْ لا أجدُ سَعَةً فأحملَهُمْ، ولا يجدون سَعَةً، ويَشُقُّ عليهم أنْ يتخلفوا عني، والذي نفسُ محمدٍ بيده! لودِدْتُ أن أغزو في سبيل الله فأُقْتَلَ، ثم أغزوَ فَأَقْتَلَ، ثم أغزوَ فَأُقْتَلَ)). رواه مسلم (١٨٧٦) (١٠٣)، والنسائي (١١٩/٨). [١٣٤٢] وعنه، عن النبيِّ نَّه قال: ((تكفَّل اللَّهُ لِمَنْ جاهَدَ في سبيله لا يُخْرِجُه من بيته إلا جهادٌ في سبيله وتصديقُ كلمتِهِ. بأنْ يُدْخِلَه الجنَّة، أو و (قوله: ((لونه لون دم، وريحه ريح مسك))) وفي الرواية الأخرى: ((وجرحه يَثْعَبُ دماً))، أي: يسيل. وقد يستدلُّ بهذا الحديث: على أنَّ تغيُّر ريح الماء حكم تغير ربح بالمخالط النّجس لا يُخْرِجُه عن أصله، كما لم يخرج الدمَ عن كونه دماً استحالةُ الماء بالمخالط رائحته إلى رائحة المسك، وهو قولُ عبد الملك في رائحة الماء أنها لا تفسده، النجس ولا تُخْرِجُه عن أصله. وقد استُدِلَّ به أيضاً على نقيض ذلك، وهو: أنَّ تغيّر الرائحةِ يُخْرِجُه عن أصله، كما هو مذهبُ الجمهور. ووجهُ هذا الاستدلال: أن الدم لما استحالت رائحتُه إلى رائحة المسك خَرَجَ عن كونه مُستخبثاً نجساً، فإنه صار مِسْكاً، وإنَّ المسكَ بعضُ دم الغزال، فكذلك الماء إذا تغيرت رائحته. وأخرج البخاري هذا الحديثَ في: المياه. وتُؤْوِّل له كلا التأويلين. و (قوله: ((والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله))) تنبيهٌ على: وجوب الإخلاص في الجهاد، وتنويةٌ بالمخلص فيه، واستبعاد للإخلاص، وإشعار بقلّته. و (قوله: ((وتصديق كلماته))) بالجمع. وفي غير كتاب مسلم ((كلمته))(١). (١) كما في البخاري (٣١٢٣). ٧٠٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله يَرْجِعَهُ إلى مسكنه الذي خرجَ مِنْهُ معَ ما نالَ من أجرٍ، أو غَنِيمةٍ. رواه أحمد (٣٩٩/٢)، والبخاري (٣١٢٣)، ومسلم (١٨٧٦) (١٠٤)، والنسائي (١٦/٦). [١٣٤٣] وعنه، عن النبيِّ وَّ قال: ((لا يُكْلَمُ أحدٌ في سبيلِ الله - والله أعلمُ بمن يُكْلَمُ في سبيله - إلا جاءَ يومَ القيامةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ، اللون لونُ الدَّمِ، والرِّيحُ رِيْحُ المِسْكِ». رواه مسلم (١٨٧٦) (١٠٥). [١٣٤٤] وعنه، قال: قيل للنبيِّ وَّهِ: ما يَعْدِلُ الجهادَ في سبيل الله؟ قال: ((لا تستطيعونه!)) قال: فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً، كلُّ ذلك يقول: وكلٌّ متقاربٌ في المعنى. يعني به: كلام الله تعالى الذي أخبر به عن ثواب الجهاد، لم سمي الشهيد وفضل الشهادة. وسُمِّ الشهيدُ شهيداً؛ لأنه حيٌّ يُرزق، ويُشاهد الجنَّة، وما أكرمه شهيداً؟ اللَّهُ تعالى به. وقيل: لأنه ممن يشهدُ على الأمم يوم القيامة. وقيل: لأنَّ اللَّهَ تعالى وملائكته شهدوا له بالرِّضا والرّضوان. فعلى هذا يكونُ فعيل بمعنى: مفعول. أي: مشهود له. وعلى التأويلين الأولين بمعنى: فاعل. و (قوله: ما يعدل؟) أي: ما يعادله ويماثله في الثواب عند الله تعالى؟. و (قوله: ((لا تستطيعونه))) أي: لا تطيقون أن تفعلوا ما يساوي ثوابَ الجهاد. ووجهُه: أنَّ كلَّ ما يصدرُ من المجاهد في حالتي نومه ويقظته، وسكونه وحركته هو عملٌ صالح يُكتبُ له ثوابُه دائماً، بدوام أفعاله، إذ لا يتأتَّى لغيره فیه؛ لأنه على كل حالٍ في الجهاد، وملابس أحواله، وذلك: أنَّ المجاهدَ إمَّا أن ينالَ من العدوِّ، أو يغيظه، أو يروِّعه، أو يكثر سوادَ المسلمين، أو يصيبه نصب أو مخمصةٌ. وكلُّ ذلك أعمالٌ كثيرةٌ لها أجورٌ عظيمةٌ، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كل ما يصدر من المجاهد في كل أحواله عمل صالح ٧٠٩ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله ((لا تستطيعونه!)) قال في الثالثة: ((مَثَلُ المجاهدِ في سبيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصائم القائم القانتِ بآياتِ اللّهِ لا يَقْتُرُ من صيامٍ ولا صلاةٍ حتى يرجعَ المجاهدُ في سبيل الله)). رواه مسلم (١٨٧٨)، والنسائي (١٩/٦). [١٣٤٥] وعن أنس، قال: قال رسول الله وَّهِ: ((لغدوةٌ في سبيلِ الله أو روحةٌ، خيرٌ من الدُّنياً وما فيها)). رواه أحمد (١٣٢/٣)، والبخاري (٢٧٩٢)، ومسلم (١٨٨٠)، والترمذي (١٦٥١)، وابن ماجه (٢٧٥٧). لَا يُصِيبُهُمْ تَلَمَأْ وَلَا نَصَبُ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَقُونَ مَوِْنًا يَغِبُطُ الْحِكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍ ثَّيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَلِحُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [التوبة: ١٢٠] وعلى هذا نبّه النبيُّ وَّز حيث قال: ((مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم، القائم، القانت بآيات الله، لا يفترُ من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهدُ في سبيل الله)(١). فشبه المستغرقَ في أفضل العبادات التي هي الصوم والصلاة، الخاشع فيها؛ الذي لا يفترُ بالمجاهد؛ لذلك المعنى الذي ذكرنا. و (القائم) يعني به: في الصلاة. و (القانت) الخاشع فيها . و (الغَدوة) بفتح الغين: واحدة المشي في الغدوِّ. وبضم الغين: وهو البكور. و (الروحة): المشيةُ في الرواح، وهو الرُّجوُ بالعشيِّ. وأول العشيِّ: الزوال. وقد تقدَّم هذا في الجمعة. و (قوله: ((خير من الدنيا وما فيها))) وفي الرواية الأخرى: ((مما طلعت عليه ثواب المشية الشمس)) يعني: أنَّ الثوابَ الحاصل على مشيةٍ واحدةٍ في الجهاد خيرٌ لصاحبه من الواحدة في الجهاد (١) رواه البخاري (٢٧٨٧)، والنسائي (١٨/٦). ٧١٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله [١٣٤٦] وفي حديث أبي أيوبٍ: ((خيرٌ مما طلعتْ عليه الشَّمْسُ أو غربت». رواه مسلم (١٨٨٣). [١٣٤٧] وعن أبي سعيد الخدريٍّ: أنَّ رسولَ اللهِ وَلِ قالَ: (يا أبا سعيد! من رضي بالله ربّاً وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ نبيّاً، وجبتْ له الجنَّة)). فعَجِبَ لها أبو سعيد، فقال: أَعِذَها عليَّ يا رسول الله! ففعل، ثمَّ قال: ((وأخرى يُرْفَعُ بها العبدُ مئة درجةٍ في الجنَّةِ، ما بين كلِّ درجتينٍ كما الدنيا كلِّها لو جُمِعَتْ له بحذافيرها. وهذا كما قال في الحديث الآخر: ((وموضع قوس أحدكم أو سوطه في الجنّة خيرٌ من الدنيا وما فيها))(١). هذا منها ل﴿ إنما هو على ما استقرَّ في النفوس من تعظيم مُلْك الدنيا. وأمَّا على التحقيق فلا تدخلُ الجنةُ تحت (أفعل) إلا كما يقال: العسل أحلى من الخلِّ. وقد قيل: إنَّ معنى ذلك - والله أعلم - أنَّ ثوابَ الغَدوة والروحة أفضلُ من الدنيا وما فيها لو ملكها مالكٌ، فأنفقها في وجوه البر والطاعة غير الجهاد. وهذا أليق، والأوَّل أسبق. مآل المؤمن الجنة و (قوله: ((مَن رضي بالله ربّاً، وبالإسلام ديناً، وبمحمدٍ رسولاً، وجبت له الجنّة))) أي: مَن مات على ذلك فلا بدَّ له من دخول الجنَّة قطعاً، ولو دخلَ النَّارَ في كبائر عليه فمآله إلى الجنَّة على كلِّ حال. درجات الجنة و (قوله وَله: ((وأخرى يُرفع بها العبدُ مئة درجةٍ))) أي: خصلة أخرى. والدرجة: المنزلةُ الرفيعة، ويُرادُ بها غُرَفُ الجنَّة ومراتبها؛ التي أعلاها الفردوس، كما جاء في الحديث. ولا يُظَنُّ مِن هذا: أنَّ درجات الجنة محصورةٌ بهذا العدد، (١) رواه أحمد (٢٦٣/٣ - ٢٦٤)، والبخاري (٦٥٦٨)، والترمذي (١٦٥١). ٧١١ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٣٩) باب: الترغيب في الجهاد وفضله بينَ السماءِ والأرضِ)). قال: وما هي يا رسول الله؟! قال: ((الجهاد فى سبيل الله! الجهاد في سبيل الله!)). رواه أحمد (١٤/٣)، ومسلم (١٨٨٤)، والنسائي (١٩/٦). بل هي أكثرُ من ذلك، ولا يَعْلَمُ حَصْرَها ولا عددها إلا الله تعالى، ألا تراه قد قال في الحديث الآخر: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأْ وَارْقَ؛ فإنَّ منزلتك عند آخر آيةٍ تقرؤها))(١) فهذا يدلُّ: على أنَّ في الجنة درجاتٍ على عدد آي القرآن، وهي نيفٌ على ستة آلاف آية، فإذا اجتمعت للإنسان فضيلةُ الجهاد مع فضيلة القرآن، جُمعت له تلك الدَّرجاتُ كلُّها. وهكذا ما زادت أعماله زادتْ درجاتُه. والله تعالى أعلم(٢). (١) رواه أحمد (١٩٢/٢)، وأبو داود (١٤٦٤)، والترمذي (٢٩١٤). (٢) زاد في (ج ٢): قال شيخنا أبو محمد عبد العظيم المنذري: (قوله ((مئة درجة))) يحتمل أن يكون الحديث على ظاهره، وأن الدرجات: المنازل التي بعضها أرفع من بعض في الظاهر، وكذلك منازل الجنة، كما جاء في أصحاب الغرف أنهم يراهم من هو أسفل منهم، كالكوكب الدُّريَّ، ويحتمل أن يكون المراد الرفعة المعنوية من عظيم الأجسام، وكثرة النعيم، وأن أنواع النعيم على المجاهد، وثوابه، يتفاضل تفاضلاً كثيراً، ومثل ذلك تفاضله في البعد بما بين السماء والأرض من البعد. ورجَّح بعضُهم الأول. ٧١٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى (٤٠) باب فضل القتل في سبيل الله تعالى [١٣٤٨] عن أنس بن مالكٍ، عن النبيِّيلَّه قال: ((ما مِن أحدٍ يدخلُ الجنَّةَ يحبُّ أنْ يرجعَ إلى الدُّنيا، وأنَّ له ما على الأرضِ مِن شيءٍ غيرُ الشَّهيدِ، فإنَّه يتمنَّى أن يرجعَ فيُقْتلَ عشرَ مَرَّاتٍ لِمَا يَرَى من الكرامةِ». وفي رواية: ((لما يَرى مِن فضلِ الشَّهادة)). رواه أحمد (١٠٣/٣)، والبخاري (٢٨١٧)، ومسلم (١٨٧٧)، (١٠٨ و١٠٩)، والترمذي (١٦٤٣)، والنسائي (٣٦/٦). [١٣٤٩] وعن أبي قتادةَ، عن رسولِ اللهِ وبَِّ، أنَّه قامَ فيهم فذكرَ لهم: ((أَنَّ الجهادَ في سبيلِ الله والإيمانَ به أفضلُ الأعمالِ))، فقام رجلٌ فقال: (٤٠) ومن باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى الإيمان أفضل الأعمال (قوله: إنَّ الإيمانَ والجهاد أفضلُ الأعمال) الإيمانُ هنا: هو المذكورُ في حديث جبريل، ولا شكّ في أنَّه أفضل الأعمال؛ فإنَّه راجعٌ إلى معرفةِ الله ورسوله، وما جاء به، وهو المصحّح لأعمال الطَّاعات كلِّها، المتقدِّم عليها في الرُّتبة والمرتبة، وإنما قرن به الجهاد هنا في الأفضلية؛ وإن لم يجعله من جملة مباني الإسلام التي ذكرها في حديث ابن عمر؛ لأنه لم يتمكن من إقامة تلك المباني على تمامها وكمالها، ولم يظهر دينُ الإسلام على الأديان كلِّها إلاّ بالجهاد، فكأنه أصلٌ الجهاد أفضل في إقامة الدِّين والإيمان، أصلٌ في تصحيح الدِّين، فجمع بين الأصلَيْن في من جميع العبادات الأفضليّة. والله تعالى أعلم. وقد حصل من مجموع هذه الأحاديث: أنَّ الجهادَ أفضلُ من جميع العبادات العملية، ولا شكَّ في هذا عند تعيينه على كلِّ مكلفٍ العملية ٧١٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى يا رسول الله! أرأيتَ إن قُتلتُ في سبيل الله أيُّكَفِّرُ الله عني خَطَايَايَ؟ فقال له يقدرُ عليه، كما كان في أوَّل الإسلام، وكما قد تعيَّن في هذه الأزمان(١)؛ إذ قد استولى على المسلمين أهلُ الكفر والطغيان، - فلا حول ولا قوة إلا بالله العليِّ العظيم - وأمَّا إذا لم يتعيّن فحينئذٍ تكون الصلاة أفضل منه، على ما جاء في حديث أبي ذرًّ؛ إذ سُئِل عن أفضل الأعمال فقال: ((الصلاةُ على مواقيتها))(٢). و (قول السَّائل: أرأيتَ إنْ قتلتُ في سبيل الله؛ أتكفّر عنِّي خطاياي؟) هذا تكفير الجهاد بحكم عمومه يشملُ جميعَ الخطايا، ما كان من حقوق الله تعالى، وما كان من حقوق الله حقوق الآدميين. فجوابه بـ (نعم) مطلقاً يقتضي تكفير جميع ذلك، لكنَّ الاستثناءَ الواردَ بعد هذا يُبيِّنُ أنَّ هذا الخبرَ ليس على عمومه، وإنما يتناولُ حقوق الله تعالى خاصّةً لقوله:﴿: ((إلا الدَّين)). وذِكْرُه الذَّيْنَ تنبيهً على ما في معناه من تعلُّق حقوقِ الغير بالذُّمم، كالغصب، وأخذ المال بالباطل، وقَتْل العمد، وجراحه، وغير ذلك من التَّبعات، فإنَّ كلَّ هذا أولى بأن لا يغفر بالجهاد من الدَّين، لكنَّ هذا كلُّه إذا امتنع من أداء الحقوق مع تمكّنه منه، وأمَّا إذا لم يجد للخروج من ذلك سبيلاً؛ إرضاء الله فالمرجوُّ من كرم الله تعالى إذا صَدَق في قَصْده، وصحَّت توبتُهُ أن يُرضيَ اللَّهُ تعالى خصوم من لم خصومَه عنه، كما قد جاء نصّاً في حديث أبي سعيد الخدري المشهور في هذا، عليه یتمگّن أداء ما وقد دلَّ على صحة ما ذكرناه قوله ﴿ه: ((لتؤذُّنَّ الحقوقَ إلى أهلها يوم القيامة ... ))(٣) الحديث. وسيأتي إن شاء الله تعالى. ولا يلتفت إلى قول من قال: إنَّ هذا الذي ذكره من الذَّيْن إنَّما كان قبلَ قوله ◌ِوَله: ((من ترك ديناً أو ضياعاً أحكام الديون فعليَّ ... ))(٤) الحديث. يشير بذلك إلى أنَّ ذلك المعنى منسوخٌ. فإنَّه قولٌ باطلٌ في الدُّنيا (١) في (ع): الأوقات. (٢) رواه البخاري (٥٢٧)، ومسلم (٨٥) من حديث عبد الله بن مسعود. (٣) رواه أحمد (٢٣٥/٢)، ومسلم (٢٥٨٢)، والترمذي (٢٤٢٠). (٤) رواه البخاري (٥٣٧١)، ومسلم (١٦١٩)، والترمذي (١٠٧٠)، والنسائي (٤/ ٦٦). ٧١٤ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى رسول الله ◌َ﴿: ((نعم، إِنْ قُتلتَ في سبيلِ اللهِ، وأنتَ صابرٌ مُخْتَسِبٌ، مُقبلٌ غيرُ مُدبرٍ))، ثم قال رسولُ اللهِ وَلِ: ((كيف قُلتَ؟)) قال: أرأيتَ إنْ قتلتُ في سبيلِ الله أتكفَّرُ عني خَطَايَايَ؟ فقال رسول الله بَّهِ: ((نعم، وأنتَ صَابِرٌ محتسبٌ، مقبلٌ غيرُ مُدبرٍ، إلا الذَّيْنَ، فإنَّ جبريلَ قالَ لي ذلكَ)). رواه مسلم (١٨٨٥)(١١٧)، والترمذي (١٧١٢)، والنسائي (٣٤/٦). [١٣٥٠] وعن عبد الله بن عَمْرٍو، أنَّ النبيَّ نَّهِ قال: ((القتلُ في سبيلِ الله يُكَفِّرُ كلَّ شيءٍ إلا الدَّيْنَ)). رواه مسلم (١٨٨٦) (١٢٠). مفسوخٌ؛ فإنَّ المقصودَ من هذا الحديث بيانُ أحكام الدُّيون في الدُّنيا، وذلك: أنّه كان من أحكامها دوام المطالبة وإن كان الإعسار. وقال بعضُ الرُّواة: إنَّ الحرّ كان يُباعُ في الدَّين. وامتنع النبيُّ ◌َ ه من الصلاة على مَن مات وعليه دينارٌ ولم يجدْ وفاءً له. فهذه الأحكامُ وأشباهُها هي التي يمكنُ أن تنسخ، والحديثُ الأوَّل لم يتعرَّضْ لهذه الأحكام. وإنما تعرَّضَ لمغفرة الذنوب فقط. هذا إذا قلنا: إنَّ هذا ناسخ. فأما إذا حقَّقنا النّظر فيه فلا يكون ناسخاً، وإنما غايتُه: أن تحمَّل النبيُّ ◌َّ على مقتضى كرم خُلُقه عن المعسر دَيْنَه، وسدَّ ضيعة الضَّائع. وقد دلَّ على ذلك قولُهُ وَ﴿ في هذا الحديث بعينه: ((أنا أولى بكل مؤمنٍ من نفسه، وأنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم»(١) فعلى هذا يكون هذا التحملُ خصوصاً به، أو من جملة تبرُّعاته لمَّا وسَّع اللَّهُ عليه، وعلى المسلمين. وقد قيل في معنى هذا الحديث: إنَّ معنى ذلك: أنَّ النبيَّ وَ ل﴿ قام بذلك من مال الخمس والفيء ليبيِّن: أنَّ للغارمين ولأهل الحاجة حقّاً في بيت مال المسلمين، وإنَّ النَّاظرَ لهم يجبُ عليه القيامُ بذلك لهم، والله تعالى أعلم. (١) هو الحديث السابق. ٧١٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى [١٣٥١] وعن مسروق، قالَ: سَأَلْنَا عبدَ اللَّهِ عن هذه الآية: ﴿وَلَا وفيه من الفِقْه: جوازُ تأخير الاستثناء قدراً قليلاً؛ لأنَّه أطلق أولاً، فلما ولَّى تأخير الاستثناء دعاه، فذكر له الاستثناء، وقد يُجاب عنه: بأنَّه لمَّا أراد أن يستثنيَ أعاد اللَّفظَ الأوَّل، ووصل الاستثناء به في الحال، فلا يجوزُ التأخير، ويدلُّ على ذلك: أنَّ الاستثناء والتخصيص وغيرهما الصَّادرة عنه وَ﴿ كلٌّ من عند الله، لا من عند النبي ﴿ بالاجتهاد، وقد تقدَّم الاختلافُ في هذا الأصل. و (قول مسروقٍ: سألنا عبد الله عن هذه الآية) هو عبد الله بن مسعودٍ، وهكذا في رواية أبي بحرٍ: سألنا عبد الله بن مسعودٍ. ومن قال فيه: عبد الله بن عمرو فقد أخطأ . و (قول عبد الله: أما إنَّا سألنا عن ذلك فقال) كذا صحَّتِ الروايةُ، ولم يذكر فيها (رسول الله:﴿) وهو المرادُ منها قطعاً. أَلا ترى قوله: فقال؟ وأسند الفعلَ إلى ضميره، وإنما سكت عنه للعلم به، فهو مرفوع، وليس هذا المعنى الذي في هذا الحديث ممَّا يُتَوصَّل إليه بعقلٍ ولا قياس، وإنَّما يُتَوصَّل إليه بالوحي، فلا يُقال: هو موقوفٌ على عبد الله بن مسعودٍ . وقد تضمَّن هذا الحديثُ تفسيرَ قوله تعالى: ﴿بَلْ أَحْيَآهُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل حياة الشهداء عمران: ١٦٩] وأنَّ معنى حياة الشهداء: أنَّ لأرواحهم من خصوص الكرامة ما لیس لغیرهم، بأن جعلت في جوف طيرٍ، كما في هذا الحديث، أو في حواصل طيرٍ خضرٍ، كما في الحديث الآخر، صيانةً لتلك الأرواحِ، ومبالغةً في إكرامها، لإطلاعها على ما في الجنّة من المحاسن والنِّعم، كما يطلع الراكبُ المظلَّل عليه بالهودج الشفَّاف؛ الذي لا يحجبُ عمَّا وراءه، ثمَّ يدركون في تلك الحال التي يسرحونَ فيها من روائح الجنَّة، وطيبها، ونعيمها، وسُرورها ما يليقُ بالأرواح ممَّا ترتزقُ وتنتعش به. وأمَّا اللَّذات الجسمانية فإذا أعيدتْ تلك الأرواحُ إلى أجسادها استوفتْ من النَّعيم جميعَ ما أعدَّ اللَّهُ تعالى لها، ثمَّ إنَّ أرواحَهم بعد سَرْحها في ٧١٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِىِ سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأْ بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: ١٦٩]. فقال: أمَا إِنَّا سَأَلْنا عن ذلكَ فقال: ((إنَّ أرواحَهم في جَوْفٍ طَيْرٍ الجنَّة ترجعُ تلك الطير بهم إلى مواضع مكرَّمةٍ؛ مُشَرَّفةٍ؛ منوَّرةٍ؛ عُبِّر عنها بالقناديل لكثرة أنوارها، وشدَّتها. والله تعالى أعلم. وهذه الكراماتُ كلُّها مخصوصةٌ بالشهداء كما دلَّت عليه الآيةُ وهذا الحديث، وأمَّا حديث مالكِ الذي قال فيه: ((إنما نسمةُ المؤمن طائرٌ يَعْلَقُ في ثمر الجنة)) (١) فالمراد بالمؤمن هنا: الشهيد. الميت يعرض عليه مقعده من الجنة أو النار والحديثان واحدٌ في المعنى، وهو من باب حَمْل المطلق على المقيّد. وقد دلَّ على صحة هذا قولُه في الحديث الآخر: ((إذا مات الإنسانُ عُرِض عليه مقعدُه بالغَداة والعشيٍّ من الجنة والنار، فيقال: هذا مقعدُك حتى يبعثَك اللَّهُ إليه يوم القيامة))(٢)؛ فالمؤمنُ غير الشهيد هو الذي يُعْرَض عليه مقعده من الجنة وهو في موضعه من القبر أو الصُّور، أو حيث شاء اللَّهُ تعالى غير سارحٍ في الجنة، ولا داخل فيها، وإنما يدرك منزلته فيها بخلاف الشهيد؛ فإنه يباشر ذلك ويشاهده وهو فيها، على ما تقدَّم، وكذلك أرواحُ الكفار تشاهدُ ما أعدَّ الله لها من العذاب عند عَرْض ذلك عليها، كما قال تعالى في آل فرعون: ﴿أَلنَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوَاْ ءَالَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ اَلْعَذَابِ﴾ [غافر: ٤٦]. وعند هذا العَرْض تدركُ روحُ الكافر من الألم، والتخويف، والحزن، والعذاب بالانتظار ما لا عينٌ رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فنسأل اللَّهَ العافية. كما أنَّه يحصلُ للمؤمن عند عَرْض الجنّة من الفرح، والسرور، والتنعم بانتظار المحبوب ما لا عين رأت، ولا أذنٌّ سمعت، ولا خطر على قلب بشر. فإذا أعيدتِ الأرواحُ إلى الأجساد استكملَ كلُّ فريقٍ منهم ما أعدَّ اللَّهُ له. وبهذا الذي ذكرناه تلتئمُ الأحاديث، وتتَّفق. واللَّهُ الموفق. (١) رواه مالك في الموطأ (٢٤٠/١). (٢) رواه أحمد (٥١/٥)، والبخاري (٦٥١٥)، والنسائي (١٠٧/٤)، وابن ماجه (٤٢٧٠). ٧١٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى خُضْرِ لها قناديلُ مُعلَّقةٌ بالعرشِ، تسرحُ في الجنَّةِ حيثُ شاءتْ، ثم تَأْوِي وقد حصل من مجموع الكتاب والسُّنَّة أنَّ الأرواحَ باقيةٌ بعد الموت، وأنها الأرواح باقيةٌ متنعمةٌ، أو معذَّبةٌ إلى يوم القيامة. بعد الموت وقد اختلف النَّاسُ في الأرواح قديماً وحديثاً ما هي؟ وعلى أيّ حال هي؟ ما هي الروح؟ اختلافاً كثيراً، واضطربوا فيها اضطراباً شديداً؛ الواقف عليه يتحقَّقُ أنَّ الكلَّ منهم على غير بصيرةٍ منها. وإنما هي أقوالٌ صادرةٌ عن ظنون متقاربةٍ(١)، ولا يشك في أنه مما انفردَ اللَّهُ تعالى بعلم حقيقته. وعلى هذا المعنى حَمَل أكثرُ المفسرين قولَه تعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّ وَمَا أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥]. فليقطع العاقلُ طمعَه من علم حقيقته، ولينظرْ هل وَرَدَ في الأقوال الصَّادقة ما يدلُّ على شيءٍ من صفته؟ وعند تصفّح ذلك، واستقراء ما هنالك يحصلُ للباحث: أنَّ الروحَ أمر(٢) ينفخ في الجسد، ويقبض منه، ويتوفّى بالنوم والموت، ويؤمن، ويكفر، ويعلم، ويجهل، ويفرح، ويحزن، ويتنعم، ويتألم، ويخرج، ويدخل، والإنسان يجدُ من ذاته بضرورته قابلاً للعلوم وأضدادها، وللفكر وأضدادها، ولغير ذلك من المعاني، فيحصل من مجموع تلك الأمور على القطع: أنَّ الروحَ ليس من قبيل الأعراض لاستحالة كلّ ما ذكر عليها، فيلزم أن يكون الرُّوحُ من قبيل ما يقومُ بنفسه، وأنَّه قابلٌ للأعراض. وهل هو مُتحيِّزٌ أو ليس بمتحيٍّ؟ [ذهبت طوائفُ من هل الروح الأوائل، ومَن نحا نحوهم من الإسلاميين، إلى أنه قائم بنفسه غير متحيّز]. وذهب متحيِّ؟ أكثرُ أهل الإسلام إلى أنَّ ذلك من أوصاف الحقِّ سبحانه وتعالى الخاصة به، وأنَّه لا تصح مشاركته في ذلك لأدلةٍ تُذكر في علم الكلام، وأنَّ الروحَ قائمٌ بنفسه متحيٌِّّ، فهو من قبيل الجواهر. ثمَّ اختلف، هل هو يقبل الانقسامَ فيكون جسماً أو لا يقبله فيكون جوهراً هل الروح يقبل الانقسام؟ (١) في الأصول: متقابلة، وما أثبتناه من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي. (٢) ليست في الأصول، واستدركت من: إكمال إكمال المعلم للأُبِّي. ٧١٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى إلى تلكَ القَناديلِ، فاطٌّلَعَ إليهم ربُّهم عزَّ وجلَّ اطّلاعةً فقالَ: هل تَشْتَهُونَ شيئاً؟ قالوا: أيَّ شيءٍ نَشتهِي؟ ونحنُ نسرحُ من الجنَّةِ حيثُ شِئْنا؟! ففعلَ بهم ذلكَ ثلاثَ مرَّاتٍ، فلمَّا رَأَوْا أنَّهم لن يُتركوا مِن أن يُسألُوا، قالوا: فرداً؟ فذهبت طائفةٌ من جلَّة علماء أهل السُّنََّ إلى أنه جسمٌ لطيفٌ مشابكٌ لجميع أجزاء البدن، أجرى اللَّهُ العادةَ ببقائه في الجسم ما دام حيّاً، فإذا أراد الله تعالى إماتة الحيوان نزعه منه، وأزال اتصاله بالحياة، وأعقبها بالموت. وأطبق معظمُ المتكلمين من أهل السُّنَّة على أنه جزءٌ فردٌ من أجزاء القلب، أو غيره مما يكون في الإنسان، أجرى اللَّهُ العادةَ بحياة ذلك الجسم ما دام ذلك الجزءُ متصلاً به. والله تعالى أعلم، وأحكم، والتسلیم أولی وأسلم. والذي اتَّفق أهلُ التحقيق عليه: أنَّه مُحْدَثٌ مخترعٌ؛ لأنَّه متغيِّر، وكلُّ متغيّر الرُّوحِ مُحْدَثٌ مُحدَثٌ على ما يُعرف في موضعه، ولا يُلتفت لقول مَن قال: إنَّ الرَّوحَ قديمٌ؛ إذ بطلان القول لا قديمَ إلا الله تعالى، على ما يُعْرَفُ في موضعه، ولا يلتفت أيضاً لقول التناسخية القائلين بأن الأرواحَ تنتقلُ إلى أجسادٍ أُخَر، فأهلُ السعادة يُنْقَلونَ إلى أجسادٍ حَسنةٍ مشرقةٍ مرفَّهةٍ، فتنغَّم بها، كما جاء في هذه الأحاديث، وأهل الشَّقاء تُنقَل أرواحُهم إلى أجسامِ خسيسةٍ قبيحةٍ، فتعذّب فيها، حتى إذا استوفتْ أمَدَ عقابها رجعتْ إلى أحسنَ بُنيةٍ، وهكذا أبداً. وهذا معنى الإعادة والثَّواب والعقاب عندهم. وهو قولٌ مناقضٌ لما جاءتْ به الشريعة، ولما أجمعتِ الأمَّةُ عليه، ومُعْتَقِدُه يُكفَّر قطعاً، فإنَّه أنكر ما عُلِم قطعاً من إخبار الله تعالى، وإخبار نبيّه وَل عن أمور الآخرة، وعن تفاصيل أحوالها، وأنَّ الأمرَ ليس على شيءٍ ممَّا قالوه. فالتناسخُ والقولُ به باطل، مُحالٌ عقلاً، على ما يُعرَفُ في علم الكلام. و (قوله: ((فاطَّع إليهم ريُّهم اطّلاعةً))) أي: تجلّى لهم برفع حُجُبهم، وكلَّمهم مشافهةً بغير واسطةٍ، مبالغةً في الإكرام، وتتميماً للإنعام. بالتناسخ الخُّلاع الله إلى الشهداء ٧١٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤٠) باب: فضل القتل في سبيل الله تعالى يا ربِّ نُريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادِنا حتى نُقْتَلَ في سبيلِكَ مرَّةً أُخرى. فلمَّا رأى أنْ ليس لهم حاجةٌ تُركُوا)). رواه مسلم (١٨٨٧)، والترمذي (٣٠١٤ و٣٠١٥). [١٣٥٢] وعن جابر، قالَ: قالَ رجلٌ يومَ أُحدٍ: أين أنا يا رسولَ الله إِنْ قُتلتُ؟! قال: ((في الجَنَّةِ))، فألقَى تَمَراتٍ كنَّ في يدِه ثم قاتلَ حتَّى قُتِلَ. رواه أحمد (٣٠٨/٣)، والبخاري (٤٠٤٦)، ومسلم (١٨٩٩)، والنسائي (٣٣/٦). [١٣٥٣] وعن البراء، قال: جاء رجلٌ من بني النَِّيتِ - قَبِيْلٍ مِن الأنْصارِ - فقال: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلا اللَّهُ، وأنَّك عبدُه ورسولُه. ثم تقدَّم فقاتلَ حتَّى قُتِلَ، فقالَ النبيُّ ◌َّهِ: ((عَمِلَ هذا يَسيراً، وأُجِر كثيراً)). رواه البخاري (٢٨٠٨)، ومسلم (١٩٠٠). و (قولهم: ((نريدُ أن تَرُدَّ أرواحَنا في أجسادنا))) دليلٌ: على أنَّ مُجرَّد الأرواح تمنِّي الشهداء هي المتكلِّمة، ويدلُّ على: أنَّ الروحَ ليس بِعَرَض خلافاً لمن ذهب إلى ذلك. وفيه ردِّ الرجوع إلى على التَّناسخيَّة، وأن أجوافَ الطير ليست أجساداً لها، وإنما هي مُودعةٌ فيها على الدنيا سبيل الحفظ والصيانة والإكرام، على ما قدَّمناه. وهذا كلُّه يدلُّ على: أنَّ لمنزلة الشهادة من خصوص الإكرام ما ليس لغيرها من أعمال البِرُّ، كما قال في الحديث الآخر: ((ليس أحدٌ له عند الله خيرٌ يتمنَّى أن يرجعَ إلى الدنيا إلا الشّهيد؛ لما يرى من فضل الشهادة(١))(٢). (١) ساقط من (ع) و (ج) واستدرك من (ج ٢). (٢) رواه الترمذي (١٦٤٠ - ١٦٤٣). ٧٢٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٤١) باب: في قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام ... ﴾ (٤١) باب الآية في قوله تعالى: ﴿أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَّامِ ... ﴾ [١٣٥٤] عن الثُّعمانِ بنِ بشيرٍ، قال: كنتُ عندَ مِثْبرِ رسولِ اللهِ وَه فقال رجلٌ: ما أُبالي أَلَّا أعمل عملاً بَعْدَ الإسلام إلا أنْ أُسقي الحاجَّ. وقال آخرُ: ما أبالي أَلّا أعمل عملاً بعد الإسلام إلا أنْ أَعْمُرَ المسجد الحرام. أَجَعَلْتُمُ سِقَايَةَ الَْاَجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ (٤١) ومن باب: قوله تعالى: اْرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَاَلْيَوْمِ الْآَخِ ... ﴾ [التوبة: ١٩] (السقاية): مصدر كالسعاية والحماية، وهو على الحذف، أي: أجعلتم صاحبَ سقاية الحاجِّ مثل مَن آمَنَ بالله، وجاهَدَ في سبيله؟ ويصحّ أن يقدَّرَ الحذفُ في: (من آمن) أي: أجعلتم عمل سقي الحاج كعمل مَن آمن؟ و (الحاجُ): اسم جنس الحُجَّاج. و (عمارة المسجد الحرام): معاهدته، والقيام بمصالحه. وظاهِرُ هذه الآية أنَّها مبطلةٌ قولَ من افتخر من المشركين بسقاية الحاجُ وعمارة المسجد الحرام، كما ذكره السدِّي. قال: افتخر عباسٌ بالسِّقاية، وشيبةُ بالعمارة، وعليٍّ بالإِسلام والجهاد، فصدَّق اللَّهُ عليّاً وكذَّبهما، وهذا واضحٌ. وأمَّا حديثُ النعمان هذا فمشكلٌ على مساق الآية، فإنَّه يقتضي أنها إنما نزلتْ عند اختلافِ المسلمين في الأفضل من هذه الأعمال، وحينئذ لا يصلحُ أن يكون قولُه تعالى: أَمَلْتُمُ سِقَائَةَ الْمَجِ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْخَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَأَلْيَوْمِ الْآَخِرِ وَجَهَدَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوِّنَ عِندَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] [نزل جواباً لذلك](١) فإنَّ أولئك (١) ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢).