Indexed OCR Text
Pages 681-700
٦٨١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد فقال رسولُ الله ◌َله: ((من هذا؟)) قال: أنا عامرٌ. قال: ((غفرَ لكَ ربّك!)) قال: وما استغفرَ رسولُ الله ◌ِ﴿ه الإنسانِ يخصُّه إلا اسْتُشْهِدَ. قال: فنادَى عمرُ بن الخَطَّاب، وهو على جَمَلِ له: يا نبيَّ الله! لولا ما مَتَّعْتَنَا بعامرٍ. قال: فلمَّا قدمْنَا خيبرَ قال: خرجَ مَلِكُهُم مَرْحَبٌ يَخْطِرُ بسيفِه يقولُ: قد علمتْ خيبرُ أنّي مَرْحَبُ شَاكِ السّلاحِ بَطَلٌ مجرَّبُ إذَا الحروبُ أقبلتْ تَلَهَّبُ قال: وبرزَ له عمي عامرٌ فقال: شَاكي السّلاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ قد علمتْ خيبرُ أنّي عامرُ بِنَجْدٍ(١) قَرَدةً(٢). وهو في الحديث: موضعٌ معروفٌ. حكى هذا كلّه السهيلي. و (قول عمر: يا رسولَ الله لولا متَّعْتَنَا به) أي: هلا دعوتَ الله أن يمتِّعنا ببقائه. و (يخطر بسيفه) أي: يهزّه متكبراً. و (شاكي السلاح) هو الذي جَمَع عليه سلاحه. يقال: شاكي السلاح، وشاكِ - بالكسر - وشاكُ - بالرفع - وشائكٌ. وهذا أصوب، وما قبله مقلوب. والشكة، والشوكة: السلاح. و (مجرَّب) روايتنا فيه بفتح الرَّاء على أنَّه اسم مفعول. يعني: أنه جربت حروبه، وعلمت. ويصحُّ أن يقال بالكسر على أنه اسم فاعل، يعني: أنه جرَّب الحروبَ بنفسه، فخبرها. و (قول عامرٍ: بطلٌ مغامرٌ) البطلُ: الشجاع. يقال: بطلٌ بَيِّن البطولة والبطالة. و (المغامر): اسم فاعل مِن: غامر. يعني: أنه يأتي غمرات الحروب، ويقتحمها. وأصله من الغمر، وهو الماءُ الكثير. و (يسفل) بسيفه. أي: [يختِل أن يضربه](٣) من أسفله. (١) في جميع النسخ: لعنز، وما أثبتناه من التاج واللسان ومجمع الأمثال. (٢) هذا مَثَلٌ يُضْرَبُ لمن ترك الحاجة وهي ممكنة، ثم جاء يطلبها بعد الفوت. (اللسان). (٣) كذا في (هـ) و (م) و (ز)، وفي (ع): يجيل، أي: يضرب به. ٦٨٢ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد قال: فاختَلَفَا ضربتين، فوقعَ سيفُ مَرْحبٍ في تُرْسِ عامرٍ، وذهبَ عامرٌ يسفلُ له، فرجعَ سيفُه على نفسِه فقطعَ أَكْحَلَهُ، فكانتَ فيها نفسُهُ. قال سلمةُ: فخرجتُ فإذا نَفَرٌ من أصحابِ النبيِّ وَّ يقولون: بَطَلَ عَمَلُ عامرٍ. قتلَ نفسَه. قال: فأتيتُ النبيَّ مَ﴿ه وأنا أبكي، فقلتُ: يا رسولَ الله! بَطَل عملُ عامرٍ؟ قالَ رسولُ الله ◌ِوَلِهِ: ((مَنْ قالَ ذلكَ؟)) قال: قلتُ: ناسٌ من أصحابِكَ. قال: ((كذبَ مَنْ قال ذلك، بل له أجرُه مرَّتينٍ»، ثم أرسلني إلى عليٍّ وهو أرْمَدُ، فقال: ((لأعطينَّ الرايةَ رجلاً يُحِبُّ الله ورسولَهُ، أو يحبه الله ورسوله)). قال: فأتيت عليّاً فجئتُ به أقودُه، وهو أرمدُ حتى أتيتُ بِهِ رسولَ الله ◌َّهِ فَسَقَ في عينيه، فَبَرَأْ، وأعطاه الرايةَ. وخرج مرْحَبٌ فقال: قَدْ علمتْ خيبرُ أَنِّي مَرْحَبُ شاكي السَّلاحِ بطلٌ مُجرَّبُ إذَا الحروبُ أقبلتْ تَلَهَّبُ فقال عليٍّ رضي الله عنه: أنا الذي سمَّتني أُمِّي حَيدَره كليثٍ غاباتٍ كَرِيِهِ المَنْظَرَهُ أُوفيهمُ بِالصَّاعِ كَيْلَ السَّنْدَره من أسماء عليّ رضي الله عنه و (قول عليّ: أنا الذي سمتني أمِّ حيدرة) حيدرة من أسماء الأسد، وله أسماء كثيرة. وكان عليٍّ سماه أبوه عليّاً، وسمَّته أمُّه أسداً باسم أبيها، فغلب عليه ما سمّاه به أبوه، فذكر الآن ما سمَّته به أُّه لمناسبة ما بين الحرب وصَوْلة الأسد. والهاء في (حيدره) وفي (المنظره) زائدة للاستراحة. والمنظرة: المنظر. ويعني: أنه كريهُ المنظر في عين عدوه؛ لأن موتَ عدوّه مقرونٌ بنظره إليه. و (ليث) من ٦٨٣ (١٣) كتاب الجهاد والسِّير - (٣٠) باب: في غزوة ذي قَرَد قال: فضرب رأسَ مَرْحبٍ فقَتَلُهُ، ثم كانَ الفتحُ على يَدَيْهِ. رواه مسلم (١٨٠٧). أسماء الأسد. و (الغابات): جمع غابة، وهي ملتفُّ الشجر؛ لأنها تُغيِّب فيها من يدخلُها. و (السندرة) مكيالٌ واسعٌ. قال القتبي: ويحتملُ أن يكونَ أُخِذ من السندرة وهي شجرةٌ يُعْمَلُ منها النبلُ والقِسِيُّ. قال صاحبُ العين: كيل السندرة: ضربٌ من الكيل، ومعناه: أقتلهم قتلاً واسعاً. وقيل: السندرة: العجلة. أي: أقتلهم قتلاً عجلاً عاجلاً. وفي هذا الحديث من معجزات رسول الله وَل﴿ أربعٌّ، ومن الفقه والأحكام ما فيه كثرةٌ لا تخفى على فَطِنِ، من أهمِّها: جواز استقتال المرء نفسه في سبيل الله إرادة الشهادة إرادةَ الشهادة، واقتحام الواحد على الجمع؛ إذا كان من أهل النجدة. وجواز في سبيل الله المبارزة بغير إذْن الإمام. وهو حُبَّةٌ على مَّن كرهها مطلقاً، وهو الحسن، وعلى على الجمع واقتحام الواحد مَن اشترط في جوازها إذْنَ الإمام، وهو إسحاق، وأحمد، والثَّوري. ثم هل يُعان المبارزُ أم لا؟ أجازها أحمد وإسحاق، ومَنَّعَها الأوزاعيُّ، وفسَّر الشَّافعيُّ فقال: إن شرط المبارزُ عَدَمَها لم يجز، وإن لم يشترطْ جاز. وظاهر هذا الحديث: أنَّ الذي قتل مرحباً هو عليٍّ - رضي الله عنه - وقد روي: أنَّ الذي قتله محمَّد بن مسلمة. وحكى محمَّد بن سعد: أن الذي قتله محمَّد، وذقَّفَ عليه عليّ. ٦٨٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣١) باب: خروج النساء في الغزو (٣١) باب خروج النِّساء في الغزو [١٣٢١] عن أنس، أنَّ أُمَّ سُليم اتَّخذتْ يومَ حُنينٍ خِنْجراً، فكانَ معَها، فرآها أبو طلحة، فقال: يا رسول الله! هذه أُمُّ سُلَيم معَها خِنْجَرٌ. فقالَ لها رسولُ اللهِ وَِّ: ((ما هذا الخِنْجَرُ؟!)) قالت: اتَّخذتُه، إنْ دَنامني أحدٌ مِن المشركين بَقَرْتُ به بطنَه. فجعلَ رسولُ اللهِ وَلِّ يضحكُ. قالت: يا رسولَ الله! اقْتُلْ مَنْ بَعْدَنا مِن الطُّلَقَاءِ انْهَزَمُوا بِكَ! فقالَ رسولُ اللهِ وَلِ: (يَا أُمَّ سُلَيمٍ! إِنَّ اللَّهَ قد كَفَى وأحسنَ)). رواه مسلم (١٨٠٩). (٣١) ومن باب: خروج النساء في الغزو (الخَنجر) بفتح الخاء: السِّكّين، ويقال بكسرها. و (بقرتُ بطنه): شققتُه، ووسَّعته. و(الطلقاء) أهل مكة؛ لأنه وَهُ منَّ عليهم، وأطلقهم يوم فتح مكة. و (مَنْ بعدنا) أي: من وراءنا. و (قولها: انهزموا بك) أي: انهزموا حتى اتصلتْ هزيمتُهم بك، أو انهزموا عنك، بمعنى: فرّوا، مُنْكِرَةً ذلك عليهم، ومُقبِّحةً لما فعلوا، ظانّةً: أنهم يستحقُّونَ القتلَ على ذلك، وبأنهم لم يتحقَّقوا في الإسلام. و (قوله: إنَّ اللَّهَ قد كفى وأحسن) أي: كفانا مؤونة العدوِّ، وأغنانا عمَّن فرَّ، وأحسن في التمكين من العدوِّ والظَّفر به. و (يسقين الماء) أي: يَحملنه على ظُهُورهنَّ فيضعنه بِقُرْب الرِّجال، فيتناوله الرِّجالُ بأيديهم فيشربوه. و (يداوين) أي: يُهيّن الأدوية للجراح ويصلحنها، ولا يلمسن من الرجال ما لا يحلُّ. ثمَّ ٦٨٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣١) باب: خروج النساء في الغزو [١٣٢٢] وعنه، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌ِّهِ يَغْزُو بِأُمّ سُلَيْمٍ ونِسوةٍ من الأنصارِ معَه إذا غَزا، فيسقينَ الماءَ، ويُداوينَ الجَرْحَى. رواه مسلم (١٨١٠)، وأبو داود (٢٥٣١)، والترمذي (١٥٧٥). [١٣٢٣] وعنه، قال: لما كانَ يومُ أُحدٍ انهزمَ ناسٌ عن النبيِّ ◌َِِّ، وأبو طلحةَ بينَ يديْ نبيِّ الله وَلَ مُجوِّبٌ عليه بِحَجَفَتِهِ. قال: وكان أبو طلحةَ رجلاً رامِياً شديدَ النَّزْع، وكسرَ يومئذٍ قوسينِ أو ثلاثاً. قال: كانَ الرجلُ يمرُّ ومعه الجَعْبَةُ من النَّْل، فيقولُ: انْثُرهاَ لأبي طلحةَ، قال: ويُشْرِفِ نبِيُّ اللهِ وَه ينظرُ إلى القوم، فيقولُ أبو طلحةً: يا نبيَّ اللَّهِ! بأبي أنتَ وأُمِّي لا تُشرفْ، لا يُصيبنَّكَ سهمٌ مِن سهام القوم، نَحْرِي دونَ نَحْرِكَ! أولئك النساءُ إمَّا متجالاتٌ(١)، فيجوز لهنَّ كَشْفُ وجوههنَّ، وإمَّا شوابُّ، فيحتجبن. وهذا كلُّه على عادة نساء العرب في الانتهاض، والنجدة، والجرأة، والعقَّة. وخصوصاً نساء الصحابة. و (مجوِّبٌ عليه(٢) بحجفته) أي: مُتَرِّسٌ عليه بها يقيه الرمي. و (النَّزْع): الرمي الشَّديد. و (بأبي أنت وأمِّي) أي: أفديكَ بهما، و (أنت): مبتدأ، وخبره محذوفٌ. أي: مفدىّ. و (بأبي) متعلّقٌ به. و (الخَدَم) هنا: جمع خَدَمةٍ، وهي الخلخال، و (سوقهما): جمع ساق. وقيل في الخَدَم: هي سيورٌ من جلودٍ تُجْعَلُ في الرّجل، وقيل: أريدُ به ها هنا: مخرجُ الرَّجل من السراويل. ومنه: فرس مُخَدَّمٌ؛ إذا كان أبيض الرُّسغين. وكان هذا منهنَّ لضرورة ذلك العمل في ذلك الوقت. ويحتمل أن يكون ذلك قبل نزول الحجاب. وقد یتمسّكُ بظاهره مَن یری (١) مفردها: متجالَّة، وهي: المرأة الكبيرة المسنّة. (٢) هذه اللفظة ليست في الأصول، واستدركناها من التلخيص. ٦٨٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣١) باب: خروج النساء في الغزو قال: ولقد رأيتُ عائشةَ بنتَ أبي بكرٍ وأُمَّ سُليم، وإنَّهما لمُشَمِّرَتانِ أرى خَدَمَ سُوقِهِمَا، يَنْقُلانِ القِرَبَ على مُتونِهِمَا، ثم يُفْرغَانِه في أفواهِهم، ثم يَرجعانِ فيملآنِها، ثم يَجيئانِ يُفرغانِهِ في أفْواهِ القوم. ولقد وقعَ السَّيفُ مِن يدِ أبي طلحةَ إمَّا مرَّتينٍ أو ثلاثاً مِن النُّعاس. رواه البخاري (٢٨٨٠)، ومسلم (١٨١١). [١٣٢٤] وعن أُمّ عَطِيَّةَ الأنصاريّة، قالت: غزوتُ مع رسولِ الله ◌َِّل سبعَ غَزَواتٍ، أخلفُهم في رِحالهم فأصنعُ لهم الطّعامَ، وأُدَاوِي الجَرْحَى، وأقومُ على المَرْضَى. رواه مسلم (١٨١٢) (١٤٢). أنَّ تلك المواضعَ ليست بعورةٍ من المرأة، وليس بصحيح؛ لأنَّ النبيَّ وَّ فِي لباس المرأة في حديث أم سلمة؛ الذي رفعه أبو داود حين سُئل: ما تصلي فيه المرأة؟ قال: الصلاة ((تصلي في الدِّرع السَّابغ الذي يغيِّبُ ظهورَ قدميها))(١) وقد أمرت المرأة أن ترخي ثوبها شبراً، فإن خافت أن تنكشف أرخَتْه ذراعاً. إلقاء النعاس و (النّعاس) ما يكون في الرأس، والسّنة: في العين، وقد تقدَّم ذلك. وكان على المسلمين هذا النعاسُ الذي أُلقي عليهم في يوم أُحدٍ لطفاً بهم من الله، زال به خوفُهم، یوم بدر واحد واستراحوا به من شدَّة الشَّعب، وقويت به نفوسُهم. وهكذا فَعَل اللَّهُ بهم يوم بدرٍ . وهو الذي دلَّ عليه قوله تعالى: ﴿ إِذْ يُغَشِيَكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَّةً مِنْهُ﴾ [الأنفال: ١١]. (١) رواه أبو داود (٦٣٩). ٦٨٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٢) باب: لا يُسهم للنساء في الغنيمة (٣٢) باب لا يُسهم للنساء في الغنيمة بل يُحذين منها [١٣٢٥] عن يزيد بن هرمز، أنَّ نجدةَ كتبَ إلى ابنِ عبَّاسٍ يسألهُ عن خَمْس خِلالٍ، فقال ابنُ عباس: لولا أنْ أكتمَ علماً ما كتبتُ إليهَ، كتبَ إليه نجدةٌ: أمَّا بعدُ، فأخبرني هل كانَ رسولُ اللهِ وَلَه يغزُو بالنِّساء؟ وهل كانَ يضربُ لهنَّ بسهم؟ وهل كانَ يقتلُ الصِّبيانَ؟ ومتى يَنقضي يُتْمُ اليتيمِ؟ وعن (٣٢) ومن باب: لا يسهم للنساء من الغنيمة (نجدة) هذا هو ابن عامرٍ الحروري، نُسِب إلى حروراء، وهي موضعٌ بقرب نجدة الحروري الكوفة، خرج منه الخوارجُ على عليَّ - رضي الله عنه - وفيها قُتِلوا، وكان نجدةٌ هذا منهم وعلى رأيهم؛ لذلك استثقلَ ابنُ عباس مجاوبته، وكرهها، لكن أجابه مخافةً جهلٍ یقُ له، فیفتي، ويعملُ به. و (قول ابن عباس - رضي الله عنه -: أنَّ النساءَ كنَّ يُخْذَيْن من الغنيمة، ولا هل يسهم يُسهمُ لهنَّ منها) هذا مذهبُ جمهور العلماء: أنَّ المرأةَ لا يُضْرَبُ لها بسهم وإن للنساء من قاتلتْ، ما خلا الأوزاعي؛ فإنه قال: إن قاتلتْ أُسْهِم لها. وقد مال إليه ابنُ حبيب الغنائم؟ من أصحابنا. وهل يُحْذَيْن؟ أي: يُعْطَيْنَ من الغنيمة بغير تقدير. فالجمهورُ على أنهنَّ يُرْضَخُ لهنَّ. وقال مالك: لا يرضخُ لهنّ، ولم يبلغني ذلك. وكذلك الخلافُ في العبد سواء. غير أنَّ القائلَ: بأنه يُسْهَمُ له إن قاتل؛ هو الحكم، وابنُ سیرین، والحسنُ، وإبراهيم. وقد تقدَّم: أنَّ اليتيمَ في بني آدم مِن قِبَل فَقْد الأب، وفي البهائم من قِبَل فَقْد الأم. و (قوله: متى ينقضي يُتْمُ اليتيم؟) أي: متى ينقضي حُكْم اليتم عنهم، متى ينقضي يتم فيسلّم لهم مالهم؟ هذا مما اختلفَ فيه. فمقتضى كلام ابن عباس هذا، ومذهب اليتيم؟ ٦٨٨ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٢) باب: لا يُسهم للنساء في الغنيمة الخُمُسِ لمن هو؟ فكتب إليه ابنُ عبّاس: كتبتَ تسألُني: هل كانَ رسولُ اللهِ وَهِ يغزُو بالنساء؟ وقد كانَ يغزُو بهنَّ يُداوينَ الجَرْحَى، ويُحْذَيْنَ مِن الغنيمةِ. وأمَّا بسهم فلم يَضربْ لهنَّ، وإنَّ رسولَ اللهِ ﴿ لم يكن يقتلُ الصِّبيانَ، فلا تقتلِ الصِّيَانَ. وكتبتَ تَسألُنِي مَتى يَنقضي يُتْمُ اليتيم؟ فلعَمْرِي إِنَّ الرَّجُلَ لتنبتُ لحيتُهُ وإِنَّه لضعيفُ الأخذِ لنفسِه، ضعيفُ العَطاءِ منها، فإذا أخذَ لنفسِه مِن صَالح ما يأخذُ النَّاسُ، فقد ذهبَ عنه اليُتُمُ. وكتبتَ تسألُني عن الخُمُس لمن هُوَ؟ وإنَّا كنَّا نقولُ: هو لنا، فأبَى علينا قومُنا ذاكَ. رواه مسلم (١٨١٢) (١٣٧)، وأبو داود (٢٧٢٧). مالكِ، وأصحابه، وكافة العلماء: أنَّ مجرَّدَ البلوغ لا يُخْرِجه عن اليتم، بل حتى يُؤْنَسَ رشده، وسدادُ تصرُّفه. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمساً وعشرين سنةً دُفِع إليه مالُهُ وإن كان غيرَ ضابطٍ له. وهل مِن شرط رَفْع الحجر عنه العدالة، أو يكفي ذلك حُسْنِ الحال، وضَبْط المال؟ الأول للشافعي، والثاني للجمهور. وهو مشهورُ مذهب مالكِ. ثم إذا كان عليه مقدَّمٌ، فهل بنفس صلاح حاله يخرجُ من الولاية، أو لا يخرجُ منها إلا بإطلاق حاكم أو وصيٍّ؟ في كلِّ واحدٍ منهما قولان عن مالكٍ والشافعيِّ، غير أنَّ المشهورَ مِن مذهب مالك: أنه لا يخرجُ منها إلا بإطلاقٍ من حَاكِمٍ أو وَصِيٍّ. وكانَّةُ السَّلف، وأهل المدينة، وأئمة الفتوى على أنَّ الكبيرَ السفية يخْجُرُ عليه الحاكمُ، وشدَّ أبو حنيفة فقال: لا يحجر عليه. وقد حكى ابنُ القصَّار في المسألة الإجماع، ويعني به: إجماعَ أهل المدينة. والله تعالى أعلم. الحجر على السفيه و (قوله: كتبتَ تسألني عن الخُمُس، لمن هو؟ وإنّا كنا(١) نقول: هو لنا، فأبى علينا قومنا) هذا الخُمُسُ المسؤولُ عنه هو خمس الخمس، لا خمس الغنيمة، تقسیم خمس الخمس (١) من التلخيص. ٦٨٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٢) باب: لا يُسهم للنساء في الغنيمة [١٣٢٦] وعنه، قال: كتبَ نجدةُ بنُ عَامٍ إلى ابنِ عبَّاس، قال: فشهدتُ ابنَ عبَّاس حينَ قرأ كتابَه، وحينَ كتبَ جوابَه. وقال ابنُ عبّاس: واللَّهِ لولا أنْ أَرُدَّهَ عن نَتْنٍ يقعُ فيه ما كتبتُ إليه ولا نُعْمَةَ عَيْنٍ! قال: فكتبَ إليه: إنَّك سألتَ عن سَهْم ذي القُربى الذين ذكرَ الله، مَنْ هم؟ وإنَّا كنّا نَرى أنَّ قرابةَ رسولِ اللهِوَ ﴿ هَمَ نحن، فأَبى ذلك علينا قومُنا. وسألتَ عن اليتيم متى يَنْقضي يُتْمُهُ؟ وإنَّه إذا بلغَ النَّكاحَ وأُونسَ منه رشدٌ ودُفعَ إليه مالُه فقدَ انقضَى يُتمُه. وسألتَ هل كانَ رسولُ اللهِوَل﴿ يقتلُ مِنْ صِبيانِ المشركينَ أحداً؟ فإنَّ رسولَ اللهِ وَ﴿ لم يكنْ يقتلُ منهم أحداً، وأنت فلا تقتلْ منهم أحداً، إلا أن تكونَ تعلمُ منهم ما يعلمُ الخَضِرُ عليه السَّلام مِن الغُلامِ حِينَ ولا يقول ابنُ عبَّاس، ولا غيره: إنَّ خمسَ الغنيمة يُصْرَفُ في القرابة، وإنما يُصْرَف إليهم خُمُس الخمس على قول من يقسم خمس الغنيمة على خمسة أخماس (١) على ما تقدَّم من مذهب الشافعيِّ، وهو الذي أشار إليه ابنُ عباسٍ، وهو مذهبُ أحمد بن حنبل. و (قوله: فأبى علينا قومنا) كأنه قال: هو لبني هاشم، وقال بنو المطلب: هو لنا. قاله أبو الفرج ابن الجوزي وقد قدَّمنا مذهبَ مالك في هذا، وحُجَّته عليه. و (قوله: وكتبتَ تسألُني عن قَتْل الصِّبيان، ... فلا تَقْتُلِ الصِّبيان) هذا قتل صبيان مذهبُ كافة العلماء: أنَّ الصبيانَ لا يقتلون إلا أن يبيت العدو، فيُصاب صبيانُهم العدو معهم. وقد تقدَّم: أنَّ الصِّبيانَ لا يُقْتَلُون لأنه لا يكونُ منهم قتالٌ غالباً، ولأنهم مالٌ. و (قوله: إلا أن تكون تعلم منهم ما يعلم الخَضِرِ) يعني: أنَّ قَتْل الخَضر (١) في (ع) و(ج): أقسام. ٦٩٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٢) باب: لا يُسهم للنساء في الغنيمة قتلَه. وسألتَ عن المرأةِ والعبدِ هل كان لهما سهمٌ معلومٌ إذا حَضَرُوا البَأْسَ، وإنَّهم لم يكنْ لهم سهمٌ معلومٌ إلا أنْ يُخْذيَا مِن غَنائمِ القومِ. رواه مسلم (١٨١٢) (١٤٠). لذلك الصبيِّ كان بأمر الله تعالى له بذلك، وبعد أن أعلمه الله تعالى: أنَّ قتلَهُ ذلك الغلامَ مصلحةٌ لأبويه. وهذا النوعُ من العلم مُتَعَذِّرٌ على السائل وغيره ممن لا يُعْلِمه اللَّهُ بذلك، فلا يحلُّ قَتْلُ صبيٍّ بحالٍ من الأحوال. هذا معنى كلامه. و (قوله: لولا أن أردَّه عن نتٍ يقعُ فيه) أي: عن فِعْلٍ فاحشٍ يستقبحُه مَن سمعه مِنَ العلماء، ويستخبثه كما يستخبث الشيء المنتن. وفي الرواية الأخرى: لولا أن يقعَ في أُحْمُوقةٍ (١). أي: في فعلٍ من أفعال الحمقى. يعني به: العمل على غير العلم. و (قوله: ولا نُعْمَةَ عينٍ) الروايةُ بضم النون، وفيها لغات: نَعمة - بفتح النون - ونعم عينٍ، ونعم، ونعمى، ونعامى، ونعيم، ونعامٌ. وكلُّ ذلك بمعنى واحد. أي: فلا أنعم عينه، ولا أريها ما يسرُّها. وهي منصوبة على المصدر. و (البأس): الحرب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَسَرَِّلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ [النحل: ٨١] وأصلُ البأس: الشدَّة، والمشقّة. والله تعالى أعلم. (١) انظر: صحيح مسلم (١٣٩/١٨١٢). ٦٩١ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٣) باب: عدد غزوات رسول الله # (٣٣) باب عدد غزوات رسول الله وَطَ﴾ [١٣٢٧] عن أبي إسحاق، قال: لقيتُ زيدَ بنَ أرقم فقلتُ له: كم غزا رسول الله وَّر؟ قال: تِسْعَ عشْرةَ غزوةً. فقلتُ: فكم غزوتَ أنتَ معهُ؟ قال: سبع عشْرةَ غزوةً. قال: فقلت: ما أولُ غزاةٍ غزا؟ قال: ذات العُشَيْرِ. أو: ذات العُسَيْرِ. رواه البخاري (٤٤٧١)، ومسلم (١٢٥٤) في الجهاد (١٤٣)، والترمذي (١٦٧٦). (٣٣) ومن باب: عدد غزوات رسول الله وَليقول (قول زيد بن أرقم - رضي الله عنهما - إنَّ رسولَ الله ◌ُ ير غزا تسع عشرة غزوة) و (قول بريدة: سبع عشرة، قاتل في ثمان منهنّ) كلُّه مخالفٌ لما عليه أهلُ التواريخ والسِّير. قال محمد بن سعد في كتاب ((الطبقات)) له (١): إنَّ غزوات رسول الله﴿ سبع وعشرون، وسراياه ست وخمسون. وفي روايةٍ: ست وأربعون. والتي قاتل فيها رسولُ الله ◌َله: بدر، وأحد، والمريسيع، والخندق، وخيبر، الغزوات التي وقريظة، والفتح، وحُنين، والطّائف. قال ابنُ سعد: هذا الذي اجتمع لنا عليه. قائل فيها وفي بعض الروايات: أنه قاتل في بني النضير، وفي وادي القرى؛ منصرفه من رسول الله ﴾ خيبر، وفي الغابة . قلتُ: وعلى هذا: فقولُ زيد بن أرقم وغيره: أنه غزا تسع عشرة، أو سبع عشرة، أو ست عشرة؛ إنما أخبر كلٌّ منهم عمَّا في عِلْمِه، أو شاهَدَه. والله تعالى أعلم. و (قول زيد بن أرقم: إنَّ أول غزوةٍ غزاها ذات العشير) يقال بالشِّين أول غزوة غزاها (١) زيادة في (ع). ٦٩٢ (١٣) كتاب الجهاد والشّر - (٣٣) باب: عدد غزوات رسول الله ﴾ [١٣٢٨] وعن جابر بن عبد الله، قال: غزِوتُ مع رسول الله وَ مول تسع عشْرةَ غزوةً. قال جابر: لم أشهدْ بدراً ولا أُحُداً، منعني أبي، فلما قُتِل أبي عبدُ الله يوم أحدٍ لم أتخلفْ عن رسولِ الله وَ﴿ في غزوةٍ قَطَّ . رواه مسلم (١٨١٣). والسِّين، ويزاد عليها (ها) فيقال: العشيرة. وهو موضعٌ بقرب الينبوع سكنَ بني مدلج، بينه وبين المدينة تسعة بُرد. وهذا مخالفٌ لما نقله أهلُ التواريخ والسِّير. قال محمد بن سعدٍ: كان قبل غزوة العشيرة ثلاثُ غزوات. يعني: غزاها بنفسه. وقال أبو عمر بن عبد البر: أول غزوة غزاها رسول الله* غزوة ودَّان، غزاها بنفسه في صفر، وذلك: أنه وصل إلى المدينة لاثنتي عشرة ليلةً خَلَتْ من ربيع الأول، وأقام بها بقية ربيع الأول، وباقي العام كله إلى صفر من سنة اثنتين من الهجرة، ثم خرج في صفر المذكور، واستعمل على المدينة سعد بن عُبادة حتى بلغ وذَّان، فوادَعَ بني ضمرة، ثم رجع إلى المدينة ولم يَلْقَ حرباً، وهي المسمّاة: بغزوة الأبواء، ثم أقام بالمدينة إلى ربيع الآخر من السَّنة المذكورة، ثم خرجَ منها، واستعملَ على المدينة السَّائب بن عثمان بن مظعون، حتى بلغ بُوَاط من ناحية رضوى، ثمَّ رجع، ولم يَلْقَ حرباً، ثمّ أقام بها بقيَّة ربيع الآخر، وبعض جمادى الأولى، ثم خرج غازياً، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وأخذ على طريق ملل إلى العشيرة، فأقام بها بقية جمادى الأولى، وليالٍ من جمادى الآخرة، ووادع فيها بني مدلج، ثمَّ رجع، ولم يَلْقَ حرباً، ثم كانت بعد ذلك غزوةٌ بدرِ الأولى بأيام قلائل. هذا الذي لا يشكُّ فيه أهلُ التواريخ والسِّير، فزيد بن أرقم إنما أخبر عما عنده، والله تعالى أعلم. و (قول جابر - رضي الله عنه -: لم أشهدْ بدراً ولا أُحُداً) هذا هو الصَّحیحُ، وقد ذكر ابنُ الكلبي: إنَّه شهد أُحُداً، وليس بشيء. و (قوله: منعني أبي) سَبَبُ منعه له: أنَّه كان لجابرٍ أخوات، ولم يكنْ لأبيه سبب منع جابر من الغزو ٦٩٣ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٤) باب: في غزوة ذات الرقاع [١٣٢٩] وعن عبد الله بنِ بُرَيْدَةَ، عن أبيه، قال: غزا رسول الله وَهـ سبع عشْرةَ غزوةً قاتل في ثمانٍ منهنَّ. رواه البخاري (٤٤٧٣)، ومسلم (١٨١٤) (١٤٦). [١٣٣٠] وعن سلمةَ، قال: غزوتُ مع رسولِ الله وَّرِ سبع غزواتٍ وخرجتُ، فيما يَبْعَثُ من البعوث تسع غزوات؛ مرةً علينا أبو بكرٍ، ومرةً علينا أسامةُ بنُ زیدٍ. رواه البخاري (٤٢٧٠ و ٤٢٧١)، ومسلم (١٨١٥). (٣٤) باب في غزوة ذات الرقاع [١٣٣١] عن أبي موسى، قال: خرجنا معَ رسولِ اللهِ وَِّ فِي غزاةٍ. ونحن ستةُ نَفَرِ بَيْنَنا بعيرٌ نعتقبُه قال: فَتَقِبَتْ أقدامُنا، فنقبتْ قدمايَ، عبد الله من يقومُ عليهنَّ غيره، فحبسه عن الغزو لذلك، كما جاء في الرِّواية الأخرى، وقُتِل أبوه يومَ أحد، وهو عبدُ الله [بن عمرو](١) بن حرام الأنصاري. (٣٤) ومن باب: غزوة ذات الرِّقاع كانت هذه الغزوةُ في جمادى الأولى من السَّنة الرَّابعة من الهجرة، وذلك: خروجه ◌ِلول أنَّه خرِجَ وَلّـ من المدينة في الشهر المذكور، واستعمل على المدينة أبا ذرّ، وقيل: لغزوة ذات الرِّقاع (١) ساقط من (ع). ٦٩٤ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٤) باب: في غزوة ذات الرقاع وسقطتْ أظفاري، فكنَّا نلف على أرجلنا الخرق، فسُمِّيَتْ غزاةَ ذاتٍ الرِّقاع؛ لما كنا نُعَصِّبُ على أرجلنا من الخِرَقِ. وفي رواية: والله يجزي به. قال أبو بردة: فحدَّث أبو موسى بهذا الحديثِ، ثمَّ كره ذاك. قال: كأنَّه كرهَ أنْ يكونَ شيءٌ من عمله أفشاه. رواه البخاري (٤١٢٨)، ومسلم (١٨١٦). عثمان بن عفان، وغزا نجداً يريدُ بني محارب، وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان، فتواقفوا ولم يكن بينهم قتالٌ، وصلَّى رسولُ الله ◌َل﴿ يومئذٍ صلاةَ الخوف. وفي تسمية هذه الغزوة بذات الرِّقاع أربعةُ أقوال. سبب تسمية هذه الغزوة أحدها: ما قاله جابر. والثاني: لأنهم رفعوا راياتهم. والثالث: لشجرة هنالك كانت تدعى: ذات الرِّقاع، وكان المشاةُ يجعلون عليها رِقاعاً. والرابع: لجبلٍ كان هناك، كانت أرضُه ذات ألوانٍ. وفي هذا الحديث ما يدلُّ على ما كانوا عليه من شدة الصبر والجَلَد، وتحمُّل تلك الشدائد العظيمة، وإخلاصهم في أعمالهم، وكراهية إظهار أعمال البِرُّ، والتحدُّث بها إذا لم تَدُْ إلى ذلك حاجة. ٦٩٥ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٥) باب: ترك الاستعانة بالمشركين (٣٥) باب ترك الاستعانة بالمشركين [١٣٣٢] عن عائشة: أنَّها قالتْ: خرجَ رسولُ الله ◌َ﴿ قِبَلَ بدرٍ، فلمَّا كان بِحَرَّةِ الوَبَرَةِ أدركهُ رجلٌ قد كان يُذْكَرُ منه جُزْأةٌ ونجدةٌ، ففرحَ أصحابُ رسولِ اللهِ﴿ حين رأوهُ؛ فلمَّا أدركهُ قال لرسول الله وَ له: جئتُ لأَّبِعَكَ وأصيبَ مَعَكَ. قالَ لهُ رسولُ اللهِ وَ له: ((تؤمن بالله ورسوله؟)) قال: لا. قال: ((فارجع، فلن أستعين بمشرك)). قال: ثم مضى حتى إذا كنا بالشجرة (٣٥) ومن باب: ترك الاستعانة بالمشركين (قوله: فلما كان بحرَّة الوَبَرَة) هو بفتح الباء والرَّاء، وهي الرِّوايةُ المعروفة، وقيَّده بعضُهم بسكون الباء، وهو موضعٌ على أربعة أميالٍ من المدينة. و (قوله ◌َلفر: ((ارجع، فلن أستعينَ بمشرك))). ماهرِ هذا الحديث قال كافَّةُ أقوال العلماء العلماء؛ مالكٌ وغيره، فكرهوا الاستعانةَ بالمشركين في الحرب. وقال مالكٌ بالاستعانة وأصحابُه: لا بأس(١) أن يكونوا نواتيةً(٢) وخذَّاماً. واختلف في استعمالهم برميهم بالمشر کین بالمجانيق، فأُجيز وكُرِهِ. وأجاز ابنُ حبيب: أن يُسْتَعْمَل مَن سَالَمَ منهم في قتال مَن حارب منهم. وقال بعضُ علمائنا بجواز ذلك، ويكونون ناحيةً من عسكر المسلمين. وقالوا: إنما قال النبي # ذلك في وقتٍ مخصوصٍٍ، لرجلٍ مخصوصٍ، لا على العموم. وظاهرُ الحديث حُبَّةٌ عليهم. ثم إذا قلنا: يُستعان بهم. فهل يسهم لهم أو لا؟ قولان. وإلى الأول ذهب هل يسهم الزُّهري والأوزاعيُّ. وإلى الثاني ذَهَب(٣) مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، للمشرك إذا استعین به؟ (١) في (ع): إلا، والمثبت من (ج) و(ج ٢). (٢) (النواتي): جمع نوتي، وهو: الملاح الذي يدير السفينة في البحر. (٣) من (ج ٢). ٦٩٦ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٦) باب: السن الذي يجاز في القتال أدركه الرَّجلُ، فقالَ لهُ كما قالَ أوَّلَ مرةٍ فقالَ لهُ النبيِ ﴿ كما قال أوَّلَ مرةٍ؛ قال: ((فارجع، فلن أستعين بمشرك)). قال: ثُمَّ رجعَ فأدركهُ بالبيداءِ فقال له كما قال أوَّلَ مرةٍ: ((تؤمن بالله ورسوله؟)) قال: نعم. فقالَ لهُ رسولُ اللهِ﴾: ((فانطلقْ)). رواه أحمد (١٤٨/٣ و١٤٩)، ومسلم (١٨١٧)، وأبو داود (٢٧٣٢)، والترمذي (١٥٥٨). * (٣٦) باب السّنّ الذي يجاز في القتال [١٣٣٣] عن ابن عمرَ، قالَ: عَرَضَنِي رسولُ اللهِ وَهِ يومَ أحدٍ في القتال، وأنا ابنُ أربعَ عشْرةَ سنةً فلم يجزْني وعَرَضَنِي يومَ الخندقِ، وأنا ابن خمسَ عشْرَةَ سنةً فأجازني. قال نافع: فقدمت على عمرَ بنِ عبدِ العزيز، وأبو ثور. وقال الشافعي مرة: لا يعطون من الفيء شيئاً، ويعطون من سهم النبيِّ وَ﴿. وقال قتادة: لهم ما صالَحُوا عليه. (٣٦) ومن باب: السنُّ الذي يجاز في القتال كم سنةً بين أحد والخندق؟ (قول ابن عمر: إنَّ رسولَ اللهِوَ﴿ لم يُجزه يومَ أُحُد، وهو ابنُ أربع عشرة سنة، وأجازه في الخندق، وهو ابنُ خمس عشرة سنة) ظاهِرُ كلام ابن عمر هذا: أنَّه كان بين غزوة أُحُدٍ وغزوة الأحزاب سنةٌ، وليس كذلك، فإنَّ النبيَّ ◌َ ◌ّ خرج إلى أُحُدٍ في شؤَّال سنة ثلاثٍ من الهجرة، وكانت غزوة الخندق - وهي غزوةُ الأحزاب - في شوال من السنة الخامسة، فكان بينهما سنتان، ولذلك قال بعضُ العلماء: إنَّ ٦٩٧ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٦) باب: السن الذي يجاز في القتال وهو يومئذٍ خليفةٌ فحدّثْتُه بهذا الحديث. فقال: إنَّ هذا لحدٌّ بين الصغير والكبير. فكتب إلى عماله: أنْ يفرِضُوا لِمَنْ كان ابنَ خمسَ عشرةَ سنةً، وما كان دون ذلك فاجعلوه في العيال. وفي رواية: وأنا ابن أربع عشْرةَ سنةً، فاستصغرني. ذِكْرَ الأحزاب هنا وهمٌّ، وإنما كانت غزوةُ ذات الرِّقاع، فإنها كانت في الرابعة من الهجرة، كما قدَّمناه آنفاً. قلتُ: ويمكن أن يُقالَ: لا وهم في ذلك؛ لإمكان أن يكون ابنُ عمر في غزوة أُحُدٍ دخل في أول سنة أربع عشرة من حين مولده، وذلك في شؤَّال في غزوة أُحُدٍ، ثمَّ كملت له سنة أربع عشرة في شوال من السَّنة الآتية، ثمَّ دخل في الخامس عشرة إلى شؤَّالها الذي كانت فيه غزوةُ الأحزاب، فأراد: أنه كان في غزوة أُحُدٍ في أول الرابعة، وفي غزوة الأحزاب في آخر الخامسة. والله تعالى أعلم. وقد تمسّكت طائفةٌ من العلماء بهذا الحديث: على أنَّ خمس عشرة سنةً سنُّ البلوغ بلوغٌ لمن لم يحتلمْ ولا حاضتْ، وهو قولُ الشافعيِّ، والأوزاعيِّ، وابن حنبل، وابن وهبٍ من أصحابنا. وأبى ذلك مالكٌ، وأبو حنيفة، وغيرهما من الحجازيين، والمدنيين، والكوفيين. قال مالكٌ: لا يُحْكَمُ لمن لم يحتلمْ بحكم البلوغ حتى يبلغَ ما لا يبلغه أحدٌ إلا احتلم، وذلك: سبع عشرة. ورأوا: أنَّ حديثَ ابن عمر إنما موجبُهُ الفرق بين من يطيقُ القتال، ويُسْهَمُ له، وهو ابنُ خمس عشرة سنةً، ومَن لا يطيقه، فلا يُقْسَمُ له، فيجعل في العيال. وهذا هو الذي فهم عمر بن عبد العزيز من الحديث. ولم يختلفْ في: أنَّ الحلمَ والحيضَ بلوغ، واختلفوا في الإنبات البيِّن. الحلم فمنهم مَن قال: يُستدلُّ به على البلوغ، وبه قال أحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثور، والحيض بلوغٌ ورُوي عن القاسم، وسالم. وقاله مالكٌ مرَّةً. وقال الزُّهري وعطاء: لا حدَّ على مَن لم يحتلمْ. وهو قولُ الشافعي، ولم يراع الإنبات، ومال إليه مالكٌ مرَّةً، وقال به بعضُ أصحابه. ٦٩٨ (١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (٣٧) باب: النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو رواه أحمد (١٧/٢)، والبخاري (٢٦٦٤)، ومسلم (١٨٦٨) في الإمارة، وأبو داود (٤٤٠٦)، والترمذي (١٧١١)، والنسائي (١٥٥/٦ - ١٥٦)، وابن ماجه (٢٥٤٣). (٣٧) باب النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو [١٣٣٤] عن ابن عمرَ قالَ: نهى رسولُ الله ◌َ ﴿ أَنْ يُسافَرَ بالقرآنِ إلى أرضٍ العدوِّ. رواه أحمد (٧/٢)، والبخاري (٢٩٩٠)، ومسلم (١٨٦٩) (٩٢)، وأبو داود (٢٦١٠)، وابن ماجه (٢٨٧٩). [١٣٣٥] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلقوله: ((لا تسافروا بالقرآن؛ حکم الإنبات في إثبات البلوغ وعلى الاختلاف في هذا الأصل اختلفوا في إنكاح اليتيمة لمجرَّد الإنبات. ورُوي عن الشافعي: أنَّ الإنباتَ يُحْكَمُ به في الكفَّار، فيقتل مَن أنبت، ويُجْعَلُ من لم يُثْبِتْ في الذَّراري والعيال، ولا يُقْتَلُ، كما فَعَلَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ في بني قريظة، وكما يُروى منه مرفوعاً: ((اقتلوا من جرت عليه المواسي))(١). (٣٧) ومن باب: النهي عن أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدوّ [(قوله : ((لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو)))](٢) يعني بالقرآن: المصحف، وقد جاء مفسَّراً في بعض الطرق. وظاهرُ هذا النهي: تحريمُ السَّفَر به (١) لم نجده. (٢) ما بين حاصرتين ساقط من (ع) و(ج) واستدركناه من (ج ٢). ٦٩٩ (١٣) كتاب الجهاد والسّر - (٣٧) باب: النهي أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو فإني لا آمنُ أنْ يناله العدوّ». قال أيوب: فقد ناله العدوُّ وخاصموكم به. رواه مسلم (١٨٦٩) في الإمارة (٩٤). مطلقاً، فتستوي فيه الجيوشُ والسرايا. وهو مذهب مالك، وقدماء أصحابه، وسحنون، وابن حبيب. وذهب أبو حنيفة وغيره: إلى الفَرْق بين الجيوش العِظام فيجاز ذلك فيها، وبين الصِّغار فيمنع ذلك فيها؛ نظراً إلى العِلَّة التي نصَّ عليها في الحديث، حيث قال: ((فإني لا آمن أن ينالَه العدوّ» ونيلُ العدو له في الجيوش العظام نادرٌ. ولأصحاب القول الأول بعد تسليم العّة المذكورة التمسّك بسدٍّ الذريعة، وبأنَّ نسيانه، وسقوطه ليس نادراً. و (قوله: ((فإني لا آمن أن ينالَه العدؤُ))) ظاهره: أنّه مِن قول النبيِّ وَلِّ لأنه متّصلٌ بما تقدَّم من كلام النبيِّ وَ ﴿، وكذلك رواه جماعةٌ من الحفّاظ الثّقات متصلة به، ومن كلامه ◌َ ﴿﴿، وكذلك رواه عبدُ الرحمن بن مهدي، وابن وهب عن مالك، غير أنَّ يحيى بن يحيى الأندلسي، ويحيى بن بكير روياها من قول مالك، وموقوفة عليه. ويمكن حَمْلُ هذه الرواية على أنَّ مالكاً عرض له شكٍّ في رفعها فوقفها عليه، والظاهرُ روايةُ الجماعة المتقدمة. وفي هذا الحديث ما يدلُّ: على أنه لا يُمَكَّنُ العدوُّ من المصحف، ولا من تمكين العدو بعضه؛ لئلا يستهزىء بذلك، ويستخفَّ به. وأيضاً فإنهم على نجاسةٍ وجَنابةٍ، ولا من المصحف يعترض هذا بكتاب النبيِّ وَّ إلى هرقل، لما قدَّمناه في حديثه. و (قول أيوب: وقد ناله العدوُّ وخاصموكم به) يعني: أنكم لما خالفتم ما قاله لكم نبيِّكم، فمكّنتم عدوَّكم من المصحف نالوه، وتوجَّهت حجَّتُه عليكم، من حيث مخالفتكم نبيَّكم، وأيضاً: فلما وقفوا عليه وجدوا فيه ما يشهد عليكم بالمخالفة، مثل قوله تعالى: ﴿إِن يَكُن مِّنْكُمْ عِشْرُونَ صَبِرُونَ ... ) الآيتين [الأنفال: ٦٥ - ٦٦]، وغير ذلك من الآيات التي تُرِكَ العملُ بها. ٧٠٠ (١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٣٨) باب: في المسابقة بالخيل (٣٨) باب في المسابقة بالخيل، وأنَّها معقودٌ في نواصيها الخيرُ، وما یکره منها [١٣٣٦] عن ابن عمرَ، أَنَّ رسولَ اللَّهِ وَ لِهِ سابقَ بالخيلِ التي قد أُضمِرَتْ من الحَفْيَاءِ. وكان أَمَدُها ثنيةَ الوداع، وسابق بين الخيل التي لم (٣٨) ومن باب: المسابقة بالخيل إضمار الخيل (قوله: سابق بالخيل التي قد أضمرت من الحفياء) المسابقةُ مفاعلةٌ، ولا تكون إلا من(١) اثنين، وذلك: أنَّ المتسابقَيْن إذا جعلا غايةً، وقصدا نحوها، فإنَّ كلَّ واحدٍ منهما يسابقُ صاحبَهُ إليها. وإضمار الخيل: هو أن تُسَمَّن وتُصَان، ثم يقلَّل عَلَفُها، ثم تُجرى على التدريج، وتُجلَّل ليجف عرقها، فتتصلَّب بفعل ذلك بها، حتى يذهب لحمُها، وتبقى فيه(٢) القوة(٣). و (الحفياء): موضع. و (الأمد): الغاية. وبين الحفياء وثنيّة الوداع خمسةُ أميال أو ستة؛ على ما قاله سفيان. وقال ابنُ عقبة (٤): ستة أميالٍ، أو سبعة. وسميت ثنية الوداع بذلك: لأنَّ الخارج منها يودّع مشيِّعه عندها، وهي التي قالت فيها نساءُ الأنصار فيما يحكى: طلع البدر علينا من ثنيَّات الوداع يعنون بذلك النبيَّ وَّهِ. وبين الثنيَّة ومسجد بني زريقٍ ميل واحدٌ. و(زريق) بتقديم الزاي هو الصواب. (١) في (ج ٢): بين. (٢) في (ج) و(ج ٢): فيها. (٣) زاد في (ج٢): والموضع الذي تُضَمَّر فيه يُسمَّى مضماراً. (٤) في (ع): عيينة. والمثبت من (ج) و(ج ٢) وإكمال إكمال المعلم للأبِي (٢١٩/٥).