Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(١٢) كتاب الحج - (٦١) باب: إثم من أراد أهل المدينة بسوء
[١٢٤٢] وعن أبي هريرة، قال: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ:
(يتركونَ المدينةَ على خيرِ ما كانتْ لا يَغْشاها إلا العَوَافي - يُريدُ عوافيَ
السّباع والطَّير - ثم يخرجُ راعيانِ من مُزَينَةَ يُريدان المدينةَ يَتْعِقانِ بغنمهما
فيجدانِها وَحْشاً،
و (قوله: ((تتركون المدينة على خير ما كانت))) تتركون: بتاء الخطاب. ما صارت إليه
ومراده: غير المخاطبين، لكن فرعهم من أهل المدينة، أو نسلهم. و (على خير المدينة
ما كانت) أي: على أحسن حالٍ كانت عليه فيما قبل. وقد وجد هذا الذي قاله
النبي ◌َ ﴿، وذلك: أنها صارت بعده والز معدن الخلافة وموضعها، ومقصد الناس،
وملجأهم، ومعقلهم، حتى تنافس النَّاسُ فيها، وتوسَّعوا في خططها، وغرسوا
وسكنوا منها ما لم يُسكن من قبل، وبنوا فيها، وشيّدوا حتى بلغت المساكنُ
إهاب، كما سيأتي في حديث أبي هريرة الآتي إن شاء الله تعالى، وجُلِبت إليها
خيراتُ الأرض كلُّها، فلما انتهت حالُها كمالاً وحُسْناً، انتقلت عنها الخلافةُ إلى
الشام، فغلبت عليها الأعراب، وتعاورتها الفتن، فخاف أهلُها، فارتحلوا عنها.
وذكر الأخباريون: أنَّها خَلَتْ من أهلها، وبقيت ثمارها للعوافي الطير،
والسِّباع، كما قال ◌َّزَ، ثم تراجع الناسُ إليها، وفي حال خلائها غَذَت الكلابُ
على سواري المسجد. وعوافي الطير: هي الطالبةُ لما تأكل. يقال: عضوته،
أعضوه؛ إذا طلبت معروفه. وغذَّى الكلب يُغَذِّي: إذا بال دفعةً بعد دفعةٍ .
و (قوله: ((ثم يخرج راعيان من مُزينة ينعقان بغنمهما))) أي: يصيحان بها،
ليسوقاها. والنعاق: صوتُ السائق للغنم. ومنه قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ أَلَّذِى يَنْعِقُ بِمَالَا
يَسْمَعُ﴾ [البقرة: ١٧١].
و (قوله: ((فيجدانها وحشاً)) أي: خلاء. يقال: أرض وحش. أي خالية.
ومشى وحشاً؛ أي: وحده. قاله الحربي. ويحتمل أن يكون معناه: كثيرة الوحش؛
كما قال في البخاريٍّ: ((فيجدانها وحوشاً)) أي: يجدان المدينة كثيرةً الوحوش لما

٥٠٢
(١٢) كتاب الحج - (٦٢) باب: فضل المنبر والقبر
حتى إذا بلغَا ثَنِيَّةَ الوَدَاعِ خرًّا على وُجوهِهِما)).
رواه البخاري (١٨٧٤)، ومسلم (١٣٨٩) (٤٩٩).
*
*
(٦٢) باب
فضل المِنْبَرِ والقَبْرِ،
وما بينَهما، وفضلُ أُحُد
[١٢٤٣] عن أبي هُريرةَ، أَنَّ رسولَ اللهِ لإِ قالَ: ((ما بين بَيْتِي
ومِنْرِي رَوْضَةٌ مِن ریاضِ الجَنّةِ،
خلتْ من سكانها، كما قال: للعوافي. والوحش: كلُّ ما توخّش من الحيوان،
وجمعه: وحوش. والضمير في (يجدانها) على هذا: راجعٌ للمدينة. وقيل: إنَّه
عائدٌ على الغنم. أي: صارت هي وحوشاً، إمَّا بأن تنقلبَ كذلك - والقدرة
صالحةٌ - وإمّا بأن تتوحش، فتنفر من أصوات الرُّعاة.
و(خرًّا على وجوههما) أي: سَقَطا ميتين. وهذا الذي ذكره النبيُّ بَّه من
حديث الرَّاعيين إنما يكونُ في آخر الأمر، عند انقراض الدنيا، بدليل ما قال
البخاريُّ في هذا الحديث: ((آخر من يُحشر راعيان من مزينة))(١). قيل: معناه: آخر
من يموت بها فَيُحشر؛ لأنَّ الحشرَ بعد الموت. ويُحتمل: أن يتأخّر حشرُهما
لتأخير موتهما. قلتُ: ويحتملُ أن يكونَ معناه: آخر من يُحشر إلى المدينة. أي:
يُساق إليها. كما في لفظ كتاب مسلم.
(٦٢) ومن باب: فضل المنبر والقبر والمسجد
(قوله ◌َّ: ((ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنَّة))) الصحيحُ من
(١) رواه البخاري (١٨٧٤).

٥٠٣
(١٢) كتاب الحج - (٦٢) باب: فضل المنبر والقبر
ومِنْبَرِي على حَوْضِي».
رواه أحمد (٣٧٦/٢)، والبخاري (١١٩٦)، ومسلم (١٣٩١).
[١٢٤٤] ونحوه، عن عبد الله بن زيد المازِني، ولم يقل: ((ومنْبِري
على حَوْضِي)).
رواه أحمد (٤٠/٤)، والبخاري (١١٩٥)، ومسلم (١٣٩٠)،
والنسائي (٣٥/٢).
[١٢٤٥] وعن أبي حُمْيْد، قال: خرجنا مع رسولِ الله وَ﴿ ﴿ في غَزْوَة
الرواية: بيتي. وروي في غير الأم: (قبري) مكان (بيتي). وجعل بعضُ الناس هذا
تفسيراً لقوله: (بيتي). والظاهر بيت سُكْناه. [والتأويلُ الآخر جائز؛ لأنه وَّ دُفِن
في بيت سُكناه](١).
قال القاضي عياض: أجمع المسلمون: على أنَّ موضعَ قبر النبيِّ وَّ﴿ أفضل أفضل بقاع
بقاع الأرض كلِّها. وقد حمل كثيرٌ من العلماء هذا الحديثَ على ظاهره، فقال: الأرض
يُنقلُ ذلك الموضعُ بعينه إلى الجنَّة. وقال بعضُهم: يحتملُ أن يريدَ به: أنَّ العملَ
الصَّالِح في ذلك الموضع يُؤدِّي بصاحبه إلى الجنَّة.
و (قوله: ((ومنبري على حوضي))) حَمَلَه أكثرُهم على ظاهره، فقال: يكون منبره ◌َافي على
منبرُه ذلك بعينه على حوضه. وقيل: إنَّ له على حوضه منبراً آخر غير ذلك، حوضه
أعظم، وأشرف منه. وقيل معناه: إنَّ ملازمة منبر النبي و ﴿ لسماع الذكر،
والوعظ، والتعلُّم، يُفضي بصاحبه إلى الورود على الحوض. وللباطنية في هذا
الحديث من الغُلوِّ والتحريف ما لا ينبغي أن يُلتفت إليه. والأولى: التمسُّك
بالظّاهر. فقد جاء في الصحيح: أنَّ هنالك - أعني في أرض المحشر - أقواماً على
منابر، تشريفاً لهم، وتعظيماً. كما قال: ((إنَّ المقسطين على منابر من نورٍ يوم
(١) ما بین حاصرتین سقط من (ز).

٥٠٤
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله#
تبوكِ، وساقَ الحديثَ، وفيه: ثم أقبلنا حتى قَدِمْنا واديَ القُرى، فقال
رسولُ اللهِ﴾: ((إنِّي مسرعٌ، فمن شاءَ منكم فلْيُسرع معي، ومَنْ شاءَ
فلْيَمْكُثْ)) فخرجْنا حتى أشرفنا على المدينةِ، فقال: ((هذه طَابةُ، وهذا
أُحُدٌّ، وهو جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّه)).
رواه أحمد (٤٢٤/٥)، والبخاري (٤٤٢٢)، ومسلم (١٣٩٢).
*
*
*
(٦٣) باب
فضل مسجد رسول الله رَ﴾
والمسجد الحرام، وما تُشدُّ الرِّحالُ إليه،
والمسجد الذي أُسْسَ على التقوى، وإتيانٍ قُباءَ
[١٢٤٦] عن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَِّ: ((صَلاةٌ في
مَسجدي هذا خيرٌ من ألفٍ صلاةٍ في غيرهِ من المَسَاجِدِ، إلا المسجدَ
الحرامَ)).
القيامة))(١) وإذا كان ذلك في أئمة العدل فأحرى الأنبياء. وإذا كان ذلك للأنبياء،
فأحرى وأولى بذلك نبينا ◌َ ﴿. فيكون منبره بعينه، ويزاد فيه، ويعظم، ويرفع،
وينوّر على قدر منزلته وَ﴿، حتى لا يكون لأحدٍ في ذلك اليوم منبرٌ أرفع منه؛ إذ
ليس في القيامة أفضل منه وَلته.
[(٦٣) ومن باب: فضل مسجد رسول الله وَّرِ والمسجد الحرام](٢)
(قوله: ((صلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ من ألف صلاةٍ في غيره من المساجد إلا
المسجد الحرام))) اختلف في استثناء المسجد الحرام، هل ذلك لأن المسجد
(١) رواه مسلم (١٨٢٧).
(٢) هذا العنوان ساقط من الأصول، واستدرك من التلخيص.

٥٠٥
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله﴾
وزاد في رواية: قال رسولُ اللهِصَلّهِ: ((فإنِّي آخرُ الأنبياء، وإنَّ
مَسجِدِي آخرُ المَساجِدِ».
رواه أحمد (٢٥٦/٢)، والبخاري (١١٩٠)، ومسلم (١٣٩٤)
(٥٠٦ و٥٠٧)، والترمذي (٣٢٥)، والنسائي (٣٥/٢)، وابن ماجه
(١٤٠٤).
الحرام أفضل من مسجده وير، أو هو لأن المسجد الحرام أفضل من سائر المساجد
غير مسجده وَ﴿، فإنه أفضلُ المساجد كلها؟ وانجرَّ مع هذا الخلاف الخلافُ في:
أي البلدين أفضل، مكة، أو المدينة؟ فذهب عمر وبعض الصحابة، ومالكٌ، وأكثر
المدنيين: إلى تفضيل المدينة. وحملوا الاستثناء على تفضيل الصلاة في مسجد
المدينة بألف صلاةٍ على سائر المساجد إلا المسجد الحرام، فبأقلّ من الألف.
واحتجُوا بما قال عمر - رضي الله عنه -: صلاة في المسجد الحرام خيرٌ من مئة
صلاة فيما سواه. ولا يقول عمر هذا من تلقاء نفسه، ولا من اجتهاده؛ إذ
لا يُتُوصَّل إلى ذلك بالاجتهاد، فعلى هذا تكون فضيلةُ مسجد رسول الله وَالحفر على
المسجد الحرام بتسعمئة وعلى غيره بألف. وذهَب الكوفيُّون، والمكتُّون،
وابن وهبٍ، وابن حبيبٍ من أصحابنا: إلى تفضيل مسجد (١) مكة. واحتجُوا بما
زاده قاسم بن أصبغ وغيره في هذا الحديث من رواية عبد الله بن الزبير بعد قوله:
(إلا المسجد الحرام)) قال: ((وصلاةٌ في المسجد الحرام أفضلُ من صلاةٍ في
مسجدي هذا بمئة صلاة».
قلتُ: وقد روى هذا الحديث عبدُ بن حميد، وقال فيه: ((بمئة ألف صلاةٍ))
وهذه زيادات منكرةٌ، لم تشتهر عند الحفّاظ، ولا خرَّجها أهلُ الصحيح.
والمشهور المعلوم الحديث من غير هذه الزيادات، فلا يُعوَّل عليها، وينبغي أن
يُجرَّد النظر إلى الحديث المشهور، وإلى لفظه. ولا شكَّ أنَّ المسجد الحرام
(١) زيادة من (ع) و (ج).

٥٠٦
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله ﴾
[١٢٤٧] وعن ابن عبّاس، أنَّ امرأةً اشتكتْ شَكْوَى، فقالت: إنْ
شَفَانِي اللَّهُ لأخرجَنَّ فلأصلينَّ في بيتِ المَقْدِس، فَبَرأَتْ، ثم تَجَهَّزَتْ تريدُ
الخروجَ، فجاءتْ ميمونةُ زوجُ النبيِّ وَ تُسلِّم عليها، فأخبرتْها ذلكَ،
فقالتْ: اجلسِي فَكُلِي ما صنعتِ، وصَلِّ في مسجدٍ رسولِ اللهِ وَّرَ، فإنِّي
مُستثنى من قوله: ((من المساجد)) وهي بالاتفاق مفضولةٌ، والمستثنى من المفضول
مفضول إذا سكت عليه. فالمسجد الحرام مفضولٌ، لكن لا يقال: إنَّه مفضول
بألف؛ لأنه قد استثناه منها، فلا بدَّ أن يكون له مزيّةٌ على غيره من المساجد، لكن
ما هي؟ لم يُعيِّنها الشرع، فيتوقَّف فيها، أو يُعتمد على قول عمر آنفاً. ويدلُّ على
صحة ما قلناه زيادة عبد الله بن قارظ بعد قوله: ((إلا المسجد الحرام)) ((فإني آخر
الأنبياء، ومسجدي آخر المساجد)) فربط الكلام بـ (فاء) التعليل مشعراً بأنَّ مسجده
إنما فُضِّل على المساجد كلها؛ لأنه متأخِّرٌ عنها، ومنسوبٌ إلى نبيِّ متأخرٍ عن
الأنبياء كلِّهم في الزمان. فتدبّره فإنه واضحٌ.
و (قوله عن ابن عباس: أنَّ امرأةً اشتكت شكوى) جميع رواة مسلم رووا
هذا الحديث من طريق الليث، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن معبد، عن
ابن عباس: أن امرأةً. وقال النسائي: روى هذا الحديثَ الليثُ، عن نافع، عن
إبراهيم، عن ميمونة، ولم يذكر ابن عباس. وكذلك البخاريُّ: عن الليث، ولم
یذکر فیه ابن عباس. وقال بعضُهم: صوابه: إبراهيم بن عبد الله بن معبدٍ بن عباس
أنه قال: أن امرأة اشتكت، و (عن ابن عباس) خطأ. والصواب: (ابن) بدل (عن).
والله أعلم.
و (قول ميمونة للمرأة التي نذرت أن تصلي في بيت المقدس: اجلسي
وصلِّى في مسجد الرسول وَل﴾﴾ إنما أمرتها بذلك؛ لأنها لو مشت إلى مسجد بيت
المقدس؛ فصلَّت فيه، حصل لها أقلُّ مما يحصل لها في مسجد النبيِّ وَِّ،
وضيّعت على نفسها ألفَ صلاةٍ في مسجد الرسول وَلِّ مع ما يلحقها من مشقَّات
نذر الصلاة في
أحد المساجد
الثلاثة

٥٠٧
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله (﴾(
سمعتُ رسولَ اللهِ وَله يقولُ: ((صَلاةٌ فيه أفضلُ من ألفِ صَلاةٍ فيما سِوَاهُ مِنَ
المساجد إلا مسجدَ الكعبةِ)».
رواه أحمد (٣٣٣/٦)، ومسلم (١٣٩٦)، والنسائي (٣٣/٢).
[١٢٤٨] وعن أبي هريرةَ، يبلُغُ به النبيَّ ◌َّهِ: ((لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلا إلى
ثلاثةِ مساجدَ: مَسجدي هذا، ومَسْجِدِ الحَرامِ، ومَسجدِ الأقصى)».
وفي رواية: ((إنَّما يُسَافَرُ إلى ثلاثةِ مساجدَ» وذكرها.
رواه أحمد (٢٣٤)، والبخاري (١١٨٩)، ومسلم (١٣٩٧) (٥١١)، وأبو
داود (٢٠٣٢)، والنسائي (٢/ ٣٧)، وابن ماجه (١٤٠٩).
[١٢٤٩] وعن أبي سعيدٍ، قالَ: دخلتُ على رسولِ الله وَّهِ فِي بيتٍ
الأسفار، وكثرة النفقات، فرفعتْ عنها الحرج، وكثَّرت لها في الأجر. وعلى قياس
هذا: فعند مالك: إذا نذر المدنيُّ الصلاة في مسجد مكة صلَّى في مسجد المدينة؛
لأنها أفضل عنده. ولو نذر المكيُّ الصلاةَ في مسجد المدينة أتاه. ولو نذر كلُّ
واحدٍ منهما الصلاةَ في بيت المقدس صلَّى في مسجد بلده؛ لأنه أفضل منه. قال
الإمامُ أبو عبد الله: ذهب بعضُ شيوخنا إلى ما قالت ميمونة.
و (قوله: ((صلاة فيه أفضل من ألف صلاة، فيما سواه))) أي: في مسجد
المدينة. واختلفوا: هل يراد بالصلاة هنا: الفرض، أو هو عامّ في الفرض والنفل؟
وإلى الأول ذهب الطحاوي. وإلى الثاني ذهب مُطرِّف من أصحابنا.
و (قوله: ((لا تُشَدُّ الرِّحال إلا إلى ثلاثة مساجد))) قد قلنا: إنَّ شدَّ الرِّحال فضيلة
المساجد
كنايةٌ عن السفر البعيد. وقد فسَّر هذا المعنى في الرواية الأخرى التي قال فيها:
(إنما يُسافر إلى ثلاثة مساجد)) ولا شكّ في أنَّ هذه المساجدَ الثلاثة إنما خصَّت
سائر المساجد
الثلاث على
بهذا لفضلها على سائر المساجد. فمن قال: [لِلَّه عليَّ صلاة في أحدها، وهو في

٥٠٨
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله.
بعضٍ نسائِه فقلتُ: يا رسول الله! أيُّ المَسْجِدَيْن الذي أُسِّسَ على التَّقوى؟
قال: فأخذَ كَفّاً مِنْ حَصْباءَ فضربَ به الأرضَ، ثم قال: ((هُوَ مَسْجِدُكُم لهذا))
لمسجدِ المدينةِ .
رواه أحمد (٨/٣)، ومسلم (١٣٩٨)، والترمذي (٣٠٩٩)،
والنسائي (٣٦/٢).
غيرها، فعليه إتيانها، بَعُدَ أو قَرُبَ. فإن](١) قال: ماشياً، فلا يلزمه المشي - على
المشهور - إلا في مسجد مكة خاصَّةً، وأما المسجدان الآخران: فالمشهور: أنَّه
لا يلزم المشيُ إليهما من نذره، ويأتيهما راكباً. وقال ابنُ وهب: يأتيهما ماشياً،
كما سمَّى. وهو القياس؛ لأنَّ المشي إلى مكة إنما يلزم من حيث كان قربةً مُوصِلةً
إلى عبادةٍ تُفعل في مسجدٍ له حرمةٌ عظيمةٌ، فكذلك يلزم كلّ مشي قربةٍ بتلك
الصفة، ولا يلزمه المشي إلى سائر المساجد؛ لأن البعيدَ منها قد نُهي عن السفر
إليه، والقريبة منها متساوية الفضيلة، فيصلِّي حيث شاء منها. وقد قال بعضُ
أصحابنا: إن كانت قريبةً على أميالٍ يسيرةٍ فيأتيها، وإن نذر أن يأتيها ماشياً، أتى
ماشياً؛ لأن المشي إلى الصلاة طاعة تُرفع به الدرجات، وتُحطّ به الخطايا. وقد
ذهب القاضي إسماعيل إلى أن مَن قال: عليَّ المشيُّ إلى المسجد الحرام أصلي
فيه. فإنه يأتي راكباً إن شاء، ويدخل مكة مُخْرِماً. وأحلَّ المساجد الثلاثة محلاً
واحداً، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان في النَّذر إن شاء الله تعالى.
و (قوله، وقد سُئل عن أيِّ المسجدين الذي أُسس على التقوى: ((هو
مسجدكم هذا» لمسجد المدينة) يردّ قول ابن عباس: إذ قال: إنَّه مسجد قباء.
قال: لأنه أول مسجدٍ بُني في الإسلام. وهذا السؤالُ صَدَر ممَّن ظهرت(٢) له
المسجد الذي
أسس على
التقوى
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ل) و (ج): حصلت.

٥٠٩
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله #
٠
المساواةُ بين مسجدين معينين، لهما مزية على غيرهما من المساجد، بحيث يصلح
أن يقال على كلِّ واحدٍ منهما: أُسِّس على التقوى. وذلك: أنه رأى مسجدَ قُباء
أول مسجدٍ بناه النبيَُّ﴿ وأصحابُه، وذلك: أنه لما هاجرّه نزل على بني
عمرو بن عوف في قُباء يوم الاثنين، فأقام فيهم أياماً، وأسَّس فيها مسجدَ قُباء، ثم
إنه ارتحل عنهم يوم الجمعة إلى بني سالم بن عوف، فصلَّى عندهم الجمعة، وهي أول جمعة
أوَّلُ جمعةٍ جُمعت في الإسلام، ثمَّ إنه دخل المدينةَ فنزل على بني مالك بن جمعت في
النجار، على أبي أيوب، فأسَّس مسجده بالمربد الذي کان للغلامین الیتیمین،
الإسلام
فاشتراه من الناظر لهم على ما تقدَّم في كتاب الصلاة. فلمَّا تساوى المسجدان
المذكوران في بناء النبي و ﴿ وأصحابه لهما، صار كلُّ واحدٍ من المسجدين مُؤسَّسا
على التقوى. فلمَّا قال الله تعالى لنبيَّهِ وَّ: ﴿لَّمَسْسِدُّ أُسِّسَ عَلَ اَلتَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقٌ
أَن تَقُومَ فِيهِ﴾ [التوبة: ١٠٨] أشكل التعيين، فسُئل عن ذلك، فأجاب: بأنه مسجدُ
المدينة. فإن قيل: إذا كان كلُّ واحدٍ منهما أُسِّس على التقوى؛ فما المزيةُ التي مزية مسجـ
أوجبتْ تعيينَ مسجد المدينة؟ قلنا: يمكن أن يقال: إنَّ بناءَ مسجد قُباء لم يكنْ المدينة
بأمرٍ جزمٍ من الله تعالى لنبيّه ◌َ *، بل ندب إليه، أو كان رأياً رآه، بخلاف مسجد
المدينة، فإنّه أمر بذلك، وجزم عليه، فأشبه(١) امتثالَ الواجب، فكان بذلك الاسم
أحقّ. أو حصل له وَلايز ولأصحابه - رضي الله عنهم - من الأحوال القلبية عند بنائه
ما لم يحصلْ لهم عند غيره، فكان أحقَّ بذلك. والله أعلم.
ويلزم مين تعيين النَّبي و # مسجده لأن يكون هو المراد بقوله تعالى:
﴿لَّمَسْجِدُّ أُمِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ﴾ أن يكون الضميرُ في ﴿فيه
رجال﴾ عائد على المسجد الذي أسس على التقوى؛ لأنه لم يتقدمه ظاهرٌ غيره
يعودُ عليه، وليس الأمرُ كذلك، بدليل ما رواه أبو داود من طريقٍ صحيحةٍ، عن
(١) في (ع) و(ج): أسسه، والمثبت من باقي النسخ.

٥١٠
(١٢) كتاب الحج - (٦٣) باب: فضل مسجد رسول الله (﴾
[١٢٥٠] وعن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَه كانَ يأْتِي قُبَاءَ كلَّ سَبْتٍ
رَاكِباً ومَاشِياً.
رواه أحمد (٥٨/٢)، والبخاري (٧٣٢٦)، ومسلم (١٣٩٩)
(٥٢١)، والنسائي (٣٧/٢).
مدح أهل قباء أبي هريرة: أنَّ النبيَّ ◌َّه قال: ((نزلت هذه الآية: ﴿فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَنَهَّرُ واْ وَاللهُ
◌ُحِبُّ الْمُلَّهِرِينَ﴾ [التوبة: ١٠٨] في أهل قُباء؛ لأنهم كانوا يستنجون بالماء))(١)
فعلى هذا: يكون الضمير في ﴿فيه رجال﴾ غير عائد على المسجد المذكور قبله،
بل على مسجد قباء؛ الذي دلَّتْ عليه الحال والمشاهدةُ عندهم، وأما عندنا: فلولا
هذا الحديثُ لحملناه على الأول. وعلى هذا يتعيَّنُ على القارىء أن يقفَ على
(فيه) من قوله: ﴿أحق أن تقوم فيه﴾ ويبتدىء: ﴿فيه رجال يحبون أن يتطهروا﴾
ليحصلَ به التنبيهُ على ما ذكرناه. والله تعالى أعلم.
وفي إتيانه وَ﴿ قُباء كل سبتٍ دليلٌ على جواز تخصيص بعض الأيام ببعض
الأعمال الصالحة، والمداومة على ذلك. وأصلُ مذهب مالك: كراهةُ تخصيص
شيءٍ من الأوقات بشيءٍ من القُرَب إلا ما ثبت [به توقيف](٢). وقُباء بينها وبين
المدينة نحو الثلاثة أميال، فليست مما تشدُّ الرِّحال إليها، فلا يتناولها الحديث
المتقدِّم، وكونه وَ ل﴿ يأتيها راكباً وماشياً؛ إنما كان ذلك بحسب ما اتفق له. وكان
تعاهدُه لقباء لفضيلةٍ مسجدها، ولتفقّد أهلها اعتناءً بهم، وتشريفاً لهم، وليس في
تعاهده وَ لِّ مسجدَ قُباء ما يدلُّ على إلحاق مسجدها بالمساجد الثلاثة كما ذهب إليه
محمد بن مسلمة، كما قدَّمنا. و (قُباء): مُلحق ببعاث؛ لأنه من قَبَوْت أو قَبيت،
فليست همزته للتأنيث، بل للإلحاق، فلذلك صُرِف، والله تعالى أعلم.
إتيانه * قباء
کل سبت
١
(١) رواه أبو داود (٤٤).
(٢) في (ع) و (ج): بدلیل.

٥١١
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
(١٣)
كتاب الجهاد والسِّيَر
(١) باب
في التأمير على الجيوش والسرايا،
ووصيتهم، والدعوة قبل القتال
[١٢٥١] عن سليمانَ بن بُريدة، عن أبيه، قالَ: كانَ رسول اللهِوَهـ
إذا أَمَّر أميراً على جيشٍ أو سريةٍ، أوصاه في خَاصَّتِهِ بتقوى الله، ومَنْ معَه
مِن المسلمينَ خیراً،
(١٣)
كتاب الجهاد
(١) باب: التأمير على الجيوش
(قوله: كان رسول الله وَل﴿ إذا أمَّر أميراً على جيشٍ أو سريةٍ أوصاه في خاصته تأمير الأمراء
بتقوى الله) فيه من الفِقه: تأميرُ الأمراء، ووصيّتهم. وقد تقدَّم القولُ في الجيش، ووصبتهم
والسَّرية. قال الحربيُّ: السَّريةُ: الخيلُ تبلغ أربعمئةٍ ونحوها. و (تقوى الله) التحرُّز
بطاعته من عقوبته.
و (قوله: ومن معه من المسلمين خيراً) أي: ووصَّاه بمن معه من النساء والصبيان
المسلمين(١) أن يفعل معهم خيراً.
النهي عن قتل
والرهبان
(١) في (هـ) و (ط) و(ج) ووصَّاه بمن معه منهم.

٥١٢
(١٣) كتاب الجهاد والسير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
ثم قالَ: ((اغزُوا باسم الله، في سبيلِ الله، قَاتِلُوا مَن كفرَ باللَّهِ، اغزُوا ولا
تَغُلُّوا ولا تَغْدِرُوا، ولا تَمْثُلُوا، ولا تَقتلُوا وليداً، وإذا لَقِيتَ عَدَّكَ مِن المشركينَ
فادعُهم إلى ثلاثٍ خصالٍ أو خِلالٍ،
و (قوله: ((اغزوا باسم الله))) أي: اشرعوا في فِعْل الغزو مُستعينين بالله،
مُخلصین له.
و (قوله: ((قاتِلُوا من كفر بالله))) هذا العمومُ يشملُ جميعَ أهل الكفر،
المحاربين وغيرهم، وقد خصّص منه مَن له عهدٌ، والرُّهبان، والنّسوان، ومن لم
يبلغ الحُلُم. وقد قال متصلاً به: ((ولا تقتلوا وليداً) وإنما نهى عن قتل الرهبان
والنساء؛ لأنهم لا يكون منهم قتالٌ غالباً، فإن كان منهم قتالٌ أو تدبير أو أذىّ
قُتِلوا؛ ولأن الذَّراري والأولاد مالٌ. وقد نهى رسول الله لو له عن إضاعة المال(١).
و (قوله: ((ولا تغلُّوا، ولا تغدِروا، ولا تُمَثِّلوا)») الغُلولُ: الأخذُ من الغنيمة
من غير قسمتها، والغدر: نقضُ العهد. والتمثيلُ هنا: التشويهُ بالقتيل؛ كجدع
أنفه، وأذنه، والعبث به. ولا خلافَ في تحريم الغلول، والغدر، وفي كراهة
المُثْلَةِ.
حكم الغلول
والغدر والمثلة
دعوة العدو إلى
ثلاث خلالٍ
و (قوله: ((وإذا لقيتَ عدوَّك من المشركين فاذعُهم إلى ثلاثٍ خلالٍ، أو
(١) جاء في فتح الباري للحافظ ابن حجر (١٤٨/٦) ما يلي:
((واتفق الجميعُ كما نقل ابن بطّال وغيره: على مَنْع القصد إلى قَتْل النساء
والولدان، أما النساء؛ فلضعفهن، وأما الولدان؛ فلقصورهم عن فِعْل الكفر، ولما في
استبقائهم جميعاً من الانتفاع بهم، إمّا بالرقٌ أو بالغداء فيمن يجوز أن يُفادى به)) وهذا
أولى.
وحديثُ نهي رسول الله# عن إضاعة المال، رواه البخاري (٢٤٠٨)، ومسلم
(٥٣٩) من حديث المغيرة بن شعبة - رضي الله عنه -.

٥١٣
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
فَأَيَّتُهُنَّ ما أجابُوك فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم ، ثمَّ ادْعُهم إلى الإسلامِ، فإنْ
أَجابُوا فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم. ثم ادْعُهم إلى التَّحَوُّلِ مِن دَارِهم إلى
دَارِ المهاجرينَ، وأخبرهم أنَّهم إنْ فَعَلُوا ذلكَ فلهم مَا للمهاجرينَ،
وعليهم ما على المهاجرينَ، .
خِصالٍ))) الرواية بـ (أو) التي للشَّكِّ، وهو من بعض الرواة. ومعنى الخلال
والخصال واحدٌ.
و (قوله: ((فأيتهن ما أجابوك فاقبلْ منهم، وكُفَّ عنهم))) قيَّدناه عمَّن يُوثَقُ
بعلمه، وتقييده، بنصب (أيَّتهن) على أن يعمل فيها (أجابوك) على إسقاط حرف
الجرِّ. و (ما) زائدة. ويكون تقديرُ الكلام: فإلى أيتهن أجابوك فاقبلْ منهم. كما
تقولُ: أُجيبك إلى كذا، أو في كذا، فيتعدّى إلى الثاني بحرف الجرِّ.
و (قوله: ((ثم ادعهم إلى الإسلام))) كذا وقعتِ الروايةُ في جميع نُسخ كتاب دعوة العدو إلى
مسلم، ثم ادعهم - بزيادة ثم - والصوابُ إسقاطها، كما روي في غير كتاب مسلم، الإسلام
كمصنّ أبي داود(١)، وكتاب الأموال لأبي عبيد(٢)؛ لأنَّ ذلك هو ابتداءُ تفسير
الثلاث الخصال.
و (قوله: ((ثمَّ ادعهم إلى التحوّل من دارهم إلى دار المهاجرين))) يعني: حكم الهجرة
المدينة. وكان هذا في أول الأمر، في وقتٍ وجوب الهجرة إلى المدينة على كلِّ في أول الإسلام
مَن دَخَل في الإسلام. أو على أهل مكة خاصةً. في ذلك خِلاف. وهذا يدلُّ: على
أنَّ الهجرة كانت واجبةً على كلِّ مَن آمن من أهل مكة وغيرها. وسيأتي إيعاب(٣)
ذلك.
(١) انظر: سنن أبي داود (٨٣/٣).
(٢) انظر: كتاب الأموال (ص ٣٥).
(٣) ((إيعاب)): استيفاء.

٥١٤
(١٣) كتاب الجهاد والسَّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
فإِنْ أبَوْا أن يَتحوَّلُوا منها، فأخبرهم أنَّهم يكونونَ كأعرابِ المسلمينَ،
يجري عليهم حكمُ اللَّهِ الذي يجري على المؤمنينَ ، ولا يكونُ لهم في
الغنيمةِ والفَيْءِ شيءٌ، إلا أنْ يُجاهِدُوا مع المسلمينَ،.
قسمة الخمس
والفيء
إیثار
المهاجرین
على غيرهم
و (قوله: ((فإن أبوا أن يتحوَّلوا فأخبرهم: أنهم يكونون كأعراب المسلمين،
يجري عليهم حُكْمُ الله الذي يجري على المؤمنين، ولا يكون لهم في الغنيمة
والفيء شيءٌ؛ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين))) يعني: أنَّ من أسلم ولم يجاهِد،
ولم يهاجر؛ لا يُعطى من الخُمُس، ولا من الفيء شيئاً. وهذا يتمشَّى على مذهب
مالك في قسْمة الخمس، والفيء؛ إذ يرى: أن ذلك موكولٌ لاجتهاد الإمام، يضعُه
حيث يراه من المصالح الضرورية، والأمور المهمة، ومنافع المسلمين العامَّة،
ويُؤْثِر فيه الأحوج، فالأحوج، والأهمّ فالأهم؛ ولا شكَّ أنَّ المهاجرين كانوا في
ذلك الوقت أولى به من غيرهم من المسلمين الذين لم يهاجروا، وأقاموا في
بلادهم، فإنَّ المهاجرين خَرَجُوا من بلادهم (١)، وأموالهم لله تعالى، ووصلوا إلى
المدينة فقراء، ضعفاء، غرباء، فلا شكَّ في أنهم الأولى. قال القاضي عياض:
ولذلك كان النبي ◌َّه يُؤثرهم بالخمس على الأنصار غالباً، إلا أن يحتاجَ أحدٌ من
الأنصار. وقد أخذ الشافعي بهذا الحديث في الأعراب، فلم ير لهم شيئاً من
الفيء، وإنما لهم الصدقةُ المأخوذةُ من أغنيائهم، وتُرَدُّ على فقرائهم، كما أن أهل
الجهاد وأجناد المسلمين لا حقَّ لهم في الصدقة - عنده - ويُصرف كلُّ مالٍ في
أهله. وسؤَّى مالك وأبو حنيفة بين المالين، وجوَّزا صرفهما للصُّنفين. وذهب
أبو عبيد (٢): إلى أنَّ هذا الحديث منسوخٌ، وأنَّ هذا كان حُكْم مَن لم يهاجر أولاً ،
في أنه لا حقَّ له في الفيء، ولا في الموالاة للمهاجر، ولا موارثته. قال
(١) في (هـ) و (ط): ديارهم.
(٢) في الأصول: أبو عبيدة، وهو خطأ، والمثبت من شرح صحيح مسلم للنووي
(٣٨/١٢)، والأموال لأبي عبيد (ص ٣٠٧).

٥١٥
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
فإنْ هم أَبُوْا فسلْهم الجِزْيَةَ ، فإنْ هم أجَابُوكَ فاقبلْ منهم وكُفَّ عنهم،
فإنْ هم أَبَوْا فاستعنْ باللَّهِ وقاتلهم.
الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ ءَامَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُواْ مَا لَكُ مِن وَلَيَتِهِم مِّن شَىْءٍ﴾ [الأنفال: ٧٢]، ثم نسخ
ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوْ اَلْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ [الأنفال: ٧٥]، وبقوله ◌َلِّ بعد
فتح مكة: ((لا هجرة، ولكن جهاد ونيّة))(١)، وبقوله ◌َله: ((المؤمنون تتكافأ
دماؤهم، وهم يدٌ على من سواهم)) (٢) وهذا فيه بعدٌ. وسيأتي بيانُ حكم الخمس
والفيء والغنيمة، إن شاء الله تعالى. ومحملُ الحديث عند أصحابنا المالكيين على
ما تقدّم مِن مذهب مالك - رحمه الله تعالى -.
و (قوله: ((فإن هم أبوا فسلهم الجزية))) حُجَّةٌ لمالك، وأصحابه، والأوزاعيِّ مِمَّنْ تؤخذ
في أخذ الجزية من كل كافرٍ، عربياً كان أو غيره، كتابياً كان أو غيره. وذهب الجزية؟
أبو حنيفة: إلى أنها تُقبل من الجميع إلا من مشركي العرب، ومجوسهم. وهو قولُ
عبد الملك، وابن وهب من أصحابنا. وقال الشافعيُّ - رحمه الله تعالى -: لا تُقبل
إلا من أهل الكتاب - عرباً كانوا أو عجماً -، ولا تقبل من غيرهم، والمجوسُ عنده
أهلُ كتاب. واختلف في استرقاق العرب. فعند مالك، والجمهور: أنهم كغيرهم، حكم استرقاق
يُسْتَرَقُّون حيث كانوا. وعند أبي حنيفة، والشَّافعيِّ: لا يسترقون، إما أن يسلموا، العرب
أو يقتلوا. وهو قولُ بعض أصحابنا، غير أنَّ أبا حنيفة يسترقُّ النساء، والصغار،
وقد(٣) اختلف في القدر المفروض من الجزية. فقال مالك: هو أربعةُ دنانير على قدر الجزية
أهل الذَّهب، وأربعون درهماً على أهل الوَرِق. وهل ينقصُ منها للضعيف أو لا؟
قولان. وقال الشافعي: هي دينارٌ على الغنيِّ والفقير. وقال أبو حنيفة،
والكوفيون: على الغنيِّ ثمانية وأربعون درهماً. والوسط: أربعة وعشرون درهماً.
(١) رواه البخاري (٣٠٧٧)، ومسلم (١٣٥٣) من حديث ابن عباس.
(٢) رواه أحمد (١١٩/١)، والنسائي (٢٤/٨) من حديث علي.
(٣) من (ع).

٥١٦
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أنْ تجعلَ لهم ذِمَّةَ اللَّهِ وذِمَّةَ نَبِيِّه، فلا
تجعلْ لهم ذِمَّةَ نبيّه، ولكن اجعلْ لهم ذِمَّتَكَ وذِمَّةَ أصحابِكَ، فإنّكم أنْ
تُخْفِرُوا ذِمَمِكُم وذِمِمَ أصحابِكُم، أهونُ مِن أن تُخْفِرُوا ذِمَّة اللَّهِ وذِمَّةَ
رسوله. وإذا حاصرتَ أهلَ حِصْنٍ فأرادُوكَ أنْ تُنزلَهم على حُكم الله فلا
تُنزِلْهم على حُكم اللَّهِ، ولكنْ أنزلْهم على حكمِكَ، فإنَّك لا تَدْرِي أتصيبُ
حکم الله فیھم أم لا)).
والفقير: اثنا عشر. وهو قولُ أحمد بن حنبل. ويُزاد ويُنقص على قدر طاقتهم.
وهي عند مالك، وكافة العلماء على الرجال الأحرار، البالغين، العقلاء، دون
غيرهم. وإنما تؤخذ ممن كان تحت قَهْر المسلمين، لا ممَّن نأى بداره. ويجبُ
تحویلهم إلى بلاد المسلمین، أو حربهم.
المصيب في
مسائل الاجتهاد
و (قوله: ((وإذا حاصرت أهل حصن ... الكلام إلى آخره))) فيه حُجَّةٌ لمن
يقول من الفقهاء وأهل الأصول: إنَّ المصيبَ في مسائل الاجتهاد واحدٌ، وهو
المعروفُ من مذهب مالكِ وغيره. ووجهُ الاستدلال: هو أنَّه ◌ِوَّهِ قد نصَّ على أنَّ
الله تعالى حُكماً معيّناً في المجتهدات، فمن وافقه؛ فهو المصيب؛ ومن لم يوافِقْه
فهو مُخطىءٌ. وقد ذهب قومٌ من الفقهاء، والأصوليين: إلى أنَّ كلَّ مجتهد
مصيبٌّ، وتأولوا هذا الحديثَ: بأن قالوا: إن معناه: أنَّه وَ# كان يوصي أمراءه أن
لا ينزلوا الكفار على حُكم ما أنزل الله على نبيّه في حال غيبة الأمراء عنه، وعَدَم
علمهم به، فإنهم لا يدرون إذا فعلوا ذلك؛ هل يصادفون حُكم ما أنزل اللَّهُ على
نبيِّه أم لا؟ وفي هذا التأويل بُعْدٌ وتعسفٌ، واستيفاءُ المباحث في هذه المسألة في
علم الأصول.
و (قوله: ((وإذا حاصرتَ أهلَ حصنٍ، فأرادوك أن تجعلَ لهم ذمَّةَ الله ...
الحديث إلى آخره))) الذمةُ: العهد. وتُخْفِروا: تنقضوا، وهو رباعيٍّ. يُقال:

٥١٧
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
رواه أحمد (٣٥٢/٥ و٣٥٨)، ومسلم (١٧٣١) (٣)، وأبو داود
(٢٦١٢)، والترمذي (١٦١٧)، وابن ماجه (٢٨٥٨).
[١٢٥٢] وعن سعيد بن أبي بُرْدَة، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ النبيَّ وَّل
بعثَه ومُعاذاً إلى اليمنِ. فقالَ: ((يَسِّرا ولا تُعَسِّرا، وبشِّرَا ولا تُنفِّرا، وتَطَاوَعا
ولا تَخْتَلِفا».
رواه أحمد (٣٩٩/٤ و٤١٢)، والبخاري (٣٠٣٨)، ومسلم
(١٧٣٣).
[١٢٥٣] وعن أنس بن مالكِ، قالَ: قالَ رسول الله وَ له: ((يَسِّرُوا ولا
تُعسّروا، وسَكِّنُوا ولا تُنَفِّرُوا)).
رواه أحمد (١٣١/٣ و٢٠٩)، والبخاري (٦١٢٥)، ومسلم
(١٧٣٤).
[١٢٥٤] وعن ابن عَوْن، قال: كتبتُ إلى نافع أسألُه عن الدُّعاء قبلَ
القِتالِ. قال: فكتبَ إليَّ: إنَّما كانَ ذلكَ في أَوَّلِ الإسلامِ، قد أغارَ
رسولُ الله ◌ٌَّ على بني المُصْطَلِقِ
أخفرت الرَّجل: نقضت عهده، وخفرته: أجرته، ومعناه: أنه خافَ مِن نَقْص من
لا يعرفُ حقَّ الوفاء بالعهد، كجَهَلة الأعراب، فكأنه يقول: إنْ وَقع نقضٌ من مُتَعَدٍّ
كان نَقْضُ عهد الخَلْق أهون من نقض عهد الله. والله تعالى أعلم.
و (قول نافع - وقد سُئل عن الدعوة قبل القتال -: أنها كانت في أول الدعوة قبل
الإسلام. واستدلالَه بقضية بني المصطلِقِ) يُفهم منه: أن حُكم الدعوة كان متقدِّماً، القتال
وأنه منسوخٌ بقضية بني المصطلِقِ. وبه تمسَّك مَن قال بسقوط الدعوة مُطلقاً.

٥١٨
(١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
وهم غارُّون، وأنعامُهم تُسْقَى على الماءِ، فقتلَ مُقاتِلتَهم، وسبَى سبيَهم،
وأصابَ يومئذٍ. (قال يحيى بن يحيى: أحسبُه قال: جُوَيْرِيَةَ). (أو قال:
البتة) ابنةَ الحارثِ.
وفي روايةٍ: وأصابَ يومئذٍ جُويريةَ بنتَ الحَارثِ. ولم يَشُكَّ.
ومنهم مَن ذهب إلى أنها واجبةٌ مُطلقاً، مُتمسِّكاً بظاهر وصية النبيِّمَ ◌ّ بذلك
أمراءه، ولم تصلح عنده قضية بني المصطلق لأن تكون ناسخةً لذلك؛ لأنَّ تلك
الوصايا (١) تقعيدُ قاعدة عامَّة؛ وقضية بني المصطلِقِ قضيّةٌ في عينٍ (٢)، ولأن
الفعل لا ينسخ الوصية قولٌ، وقضية بني المصطلِقِ فعلٌ، والفعل لا ينسخُ القول على ما يُعرف في
القول
الأصول. والذي يجمعُ بين هذه الأحاديث صريحُ مذهب مالكِ، وهو أنه قال:
لا يُقاتل الكفارُ قبل أن يُدْعَوا، ولا تلتمس غِرَّتهم؛ إلا أن يكونوا ممن بلغتهم
الدعوة، فيجوز أن تُؤخذ غِرّتهم. وعلى هذا فيحملُ حديث بني المصطلق: على
أنهم كانوا قد بلغتهم الدعوة، وعرفوا ما يطلبه المسلمون منهم. وهذا الذي صار
فائدة دعوة إليه مالك هو الصَّحيح؛ لأنَّ فائدة الدَّعوة أن يعرف العدوُّ أنَّ المسلمين لا يقاتِلُون
العدو
للدنيا، ولا للعصبية، وإنما يقاتِلُون للدِّين. وإذا علموا بذلك أمكن أن يكونَ ذلك
سَبَيَاً مُمِيلاً لهم إلى الانقياد للحقِّ بخلاف ما إذا جهلوا مقصودَ المسلمين، فقد
يظنُّون أنهم يقاتِلُون للمُلْك، وللدنيا، فيزيدون عُتوّاً، وتعصُّباً.
و (قوله: أغار عليهم) أي: أرسل عليهم الغارة، وهي الخيلُ التي تُغِيرُ في
أول النهار. وغازُون: غافِلُون. والغِرَّة: الغفلة. والأنعام: الإبل، والبقر،
والغنم. والمقاتلة: الصَّالحون للقتال، المطيقون له. والسّبيُّ: الذَّراري، والنساء.
و (قوله: وأصاب يومئذٍ) قال يحيى(٣): أحسبه قال: جويرية، أو قال: ابنة
(١) في (ز) و (هـ): القضية، والمثبت من (ع).
(٢) أي: في ذاتها.
(٣) هو: يحيى بن يحيى التميمي، روى مسلمٌ هذا الحديثَ عنه.

١
(١٣) كتاب الجهاد والسُّير - (١) باب: في التأمير على الجيوش والسرايا
٥١٩
رواه أحمد (٣١/٢ و٣٢)، والبخاري (٢٥٤١)، ومسلم (١٧٣٠)،
وأبو داود (٢٦٣٣).
الحارث. هكذا صوابُ هذه الرِّواية، بإسقاط: البتة. وقد غلط فيها بعضُ النَّقلة.
فظنَّ: أن يحيى إنما شكَّ في اسم ابنة(١) الحارث؛ هل هي جويرية أو البتة؟
وحمله على ذلك الأخذُ بظاهر ذلك اللفظ، وهو غلطٌ فاحش؛ لأنه لم يذهبْ أحدٌ
من الناس إلى أنَّ اسمَ ابنة الحارث هذه: البتة. وإنما يحيى بن يحيى شكَّ في
سماع اسم جويرية، ثم بثَّ القضية، وحقَّق السَّماع لاسمها؛ بدليل قوله في الرواية
الأخرى: جويرية بنت الحارث. ولم يشكّ. والله أعلم.
فرع: إذا قَتَل مَن أُمِر بدعوته من (٢) قَبْل أن يُدْعَى، فهل على قاتله ديةٌ، أم القتل قبل
لا؟ فذهب مالكٌ وأبو حنيفة: إلى أنه لا دية عليه؛ لأنه حلالُ الدَّم بأصل الكفر،
الدعوة
ولم يتجدَّدْ من جهته ما يُوجِبُ حُرمةَ دمه، فبقي على الأصل لعدم الناقل، ولا
يصلح المنعُ من قتالهم قبل الدعوة مُوجباً لحرمتهم، كما لا(٣) يصلح ذلك موجباً
لحرمة نسائهم، وأبنائهم. والله تعالى أعلم.
(١) في (هـ): بنت.
(٢) من (ع).
(٣) المثبت من (ع)، وفي (ز): ولا، وفي (هـ) و(ط): كما لم.

٥٢٠
(١٣) كتاب الجهاد والسّير - (٢) باب: النهي عن الغدر
(٢) باب
النهي عن الغدر، وما جاء أن الحربَ خَذْعَة
[١٢٥٥] عن ابن عمر، قال: قالَ رسولُ اللهِ وَّ: ((إذا جمعَ الله
الأَوَّلينَ والآخِرِينَ يومَ القيامةِ، يُرْفعُ لكلِّ غادِرٍ لِوَاءٌ، فقيل: هذه غَدْرَةُ
فلان بن فلانٍ».
رواه أحمد (٤٨/٢)، والبخاري (٦١٧٨)، ومسلم (١٧٣٥)(٩)،
وأبو داود (٢٧٥٦)، والترمذي (١٥٨١).
[١٢٥٦] وعن أبي سعيد، قال: قال رسول الله وَله: ((لكلِّ غادِرِ
لواءٌ يومَ القيامةِ، يُرفعُ له بقدرٍ غَدْرَتِهِ،
يرفع للغادر
لواء يوم القيامة
(٢) ومن باب: النهي عن الغدر
(قوله: ((لكلِّ غادر لواءٌ يوم القيامة يُرفع له))) هذا منه وَ لّ خطابٌ للعرب
بنحو ما كانت تفعل؛ وذلك: أنهم يرفعون للوفاء رايةً بيضاء، وللغدر رايةً سوداء،
ليشهروا به الوفيّ، فيعظُّموه، ويمدحوه، والغادر فيذموه، ويلوموه بغدره. وقد
شاهدنا هذا فيهم عادةً مستمرةً إلى اليوم. فمقتضى هذا الحديث: أنَّ الغادرَ يُفعل
به مثلُ ذلك؛ ليشهر بالخيانة والغدر، فيذمّه أهلُ الموقف، ولا يبعدُ أن يكونَ
الوفيُّ بالعهد يُرفع له لواءٌ [يُعرف به وفاؤه وبره، فيمدحه أهل الموقف، كما يُرفع
لنبيِّنا محمدٍ وَ﴿ لواء](١) الحمد فيحمده كلُّ مَن في الموقف.
و (قوله: ((بقدر غدرته))) يعني: أنَّه إن كانت غدرته کبیرةً عظيمةً رفع له لواءٌ
كبير، عظيم، مرتفعٌ، حتى يعرفه بذلك مَن قَرُب منه ومَن بَعُد.
(١) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).