Indexed OCR Text

Pages 401-420

٤٠١
(١٢) كتاب الحج - (٣٨) باب: رمي جمرة العقبة
سمعتُهُ يقول: ((إنِ استُعملَ عليكم عَبْدٌ مُجَدَّعٌ (حسبتُها قالت) يقودُكم
بکتابِ اللَّهِ فاسمعُوا له وأطيعُوا)).
رواه أحمد (٤٠٢/٦)، ومسلم (١٢٩٨) (٣١١)، والترمذي
(١٧٠٦)، والنسائي (١٥٤/٧)، وابن ماجه (١٨٦١).
[١١٥٠] وعن جابر بن عبدِ الله، قال: رأيتُ النبيَّ وَّمول
رمَى الجمرةَ بمثلٍ حَصَى الخَذْفِ.
رواه مسلم (١٢٩٩)، والترمذي (٨٩٧)، والنسائي (٢٧٨/٥).
[١١٥١] وعنه، قال: رمَى رسولُ اللهِ وَّهِ الجَمْرةَ يومَ النَّحْرِ ضُحَى،
و (قوله: وإن اسْتُعْمِلَ عليكم عَبْدٌ مجدٌَّ) أي: مقطوع الأنف أو الأطراف.
والجدع: القطع. والعبدِ الذي يكون في هذه الضَّعةِ هو في نهاية الضَّعةِ والخسَّة.
ويُفْهَمُ منه: وجوبُ الطّاعة لمن ولي شيئاً من أمور المسلمين إذا عدل فيهم.
ولا تنزع يدٌ من طاعته، ولا ينظر إلى نسبه ومنصبه، فيما عدا الإمامة الكبرى.
و (قوله: رمى الجمرة بمثل حصى الخَذْف) قد تقدَّم: أن معنى الخَذْف: مقدار حصى
رمي الحصى الصغار. واختلف في مقدارها. وكلهم يكرهون الكِبار؛ لما جاء الرمي
عنه: أنه قال في هذا: ((إِيَّكم والغلوَّ في الدِّين))(١). وأكثر ما قيل في ذلك:
ما روي عن ابن عباس: أن حصاه كان مثل البندقة. وقال عطاء: مثل طرف
الإصبع. وقال الشافعي: أصغر من الأنملة طولاً وعرضاً. وروي عن ابن عمر:
مثل بعر الغنم. وروي عن مالك: أكبر من ذلك أعجب إليَّ.
و (قوله: رمى رسولُ اللهِوَ﴿ الجمرة يوم النحر ضحىّ) لا خلافَ في أنَّ هذا الوقت الأحسن
لرمي جمرة
العقبة
(١) رواه النسائي (٢٦٨/٥) من حديث ابن عباس.

٤٠٢
(١٢) كتاب الحج - (٣٨) باب: رمي جمرة العقبة
وأَمَّا بعدُ فإذا زالتِ الشَّمسُ.
رواه البخاري تعليقاً (٥٧٩/٣)، ومسلم (١٢٩٩) (٣١٤)، وأبو داود
(١٩٧١)، والترمذي (٨٩٤)، والنسائي (٥/ ٢٧٠)، وابن ماجه (٣٠٥٣).
[١١٥٢] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَ له: ((الاستجمارُ تَوٍّ، ورميُ
هو الوقتُ الأحسن لرميها. واختلف فيمن رماها قبل طلوع الفجر. وقد تقدم من
مذهب الشافعي - رحمه الله - جوازُ ذلك. وبه قال عطاء بن أبي رباحٍ، وابنُ أبي
مليكة، وعكرمة بن خالدٍ. وقال مالك وجماعة معه: إنَّ ذلك لا يُجزىّء؛ وإن فعله
أعاد الرمي. فأمَّا بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشمس فقد تقدَّم مَن قال بجواز
ذلك، وذكرنا حديث ابن عباس في المنع مِن ذلك، غير أن أبا بكرٍ بن المنذر قال:
مَن رماها بعد طلوع الفجر، وقبل طلوع الشمس؛ فلا إعادةَ عليه، ولا أعلم أحداً
قال: لا يجزئه. فيلزم من هذا: أنَّ الاتِّفاقَ قد حصل على أنَّ ذلك إنْ وقع أجزأ،
فيكون محملُ النهي عن ذلك في حديث ابن عباس على كراهة الإقدام عليه في
ذلك الوقت .
و (قوله: وأما بعد فإذا زالت الشمس) يعني: بعد جمرة العقبة. وهذا
كقول(١) كافة العلماء والسلف، غير أنَّ طاووساً وعطاء قالا: يجزئه في الثلاثة
الأيام قبل الزوال. وقال أبو حنيفة، وإسحاق: يجزىء(٢) في اليوم الثالث الرمي
قبل الزوال. وهذا الحديث حُبَّةٌ عليهم.
الاستجمار
و (قوله: الاستجمار توٌ) قد تقدَّم في كتاب الطَّهارة: أنَّ الاستجمارَ يُقال
على استعمال الحجارة في محلِّ الغائط والبول، ويقال على استعمال مجمرة
(١) في (هـ) و (ل): قول.
(٢) في النسخ: يجوز، والمثبت من (ج).

٤٠٣
(١٢) كتاب الحج - (٣٩) باب: في الحلاق والتقصير
الجِمارِ توٍّ. والسَّعيُ بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ توٌّ، والطَّوافُ تؤٍّ، وإذَا استجمرَ
أحدكم فليَستجمرْ بتوًّا.
رواه مسلم (١٣٠٠).
*
(٣٩) باب
في الحِلاَق والتَّقصير
[١١٥٣] عن ابن عمر، قال: حلقَ رسولُ اللهِ وَّهِ وحَلَقَ طائفةٌ مِن
البخور. وذكرنا هناك اختيارَ مالكِ فيها. وقد ذُكِر في هذا الحديث الاستجمار
مرتين، فيحسنُ في هذا الحديث أن يحمل أحدهما: على استعمال الحجارة في
المخرجين، والآخر: على استعمال البخور، كما صار إليه مالك. ويجوزُ حملُ
الثاني على التأكيد، وفيه بُعْدُ. و (التؤُ) الوتر والفرد. وفي الحديث: ((فما مضت
إلا توَّةٌ واحدةٌ)) (١) أي: ساعة واحدة. ويقال في غير هذا: جاء فلان توّاً. أي:
قاصداً لا يعرج على شيء. ولا خلاف في وجوب الوتر في السعي، والطواف،
ورمي الجمار. واختلف في الاستنجاء على ما مضى (٢).
(٣٩) ومن باب: الحلاق والتقصير
أحاديثُ هذا الباب تدلُّ: على أنَّ الحِلاقَ نُسُكِّ يُتابُ فاعله. وهو مذهبُ الحِلاق نُسُكٌ
(١) ذكره ابن الأثير في النهاية (١/ ٢٠١).
(٢) في هامش مخطوطة التلخيص:
التَّوُّ: الوتر، ویکون علی وجھین:
أحدهما: أن الطوافَ سبعةُ أطواف، وكذلك السعي سبع، وهو غير شفع.
والوجه الآخر: أنَّ الطوافَ الواجبَ طوافٌ واحد، لا يثنّى، ولا يكرر، وكذلك
السعي، سواء أكان المحرم مفرداً أو قارِناً.

٤٠٤
(١٢) كتاب الحج - (٣٩) باب: في الحلاق والتقصير
أصحابه، وقَصَّرَ بعضُهم، قال عبد الله: إنَّ رسول الله وَله قال: ((رَحِمَ اللَّهُ
المُحَلِّقِينَ)) مَرَّةً أو مَرَّتَينٍ، ثم قال: ((والمُقَصِّرِين)).
رواه أحمد (١١٩/٢ و١٤١)، والبخاري (١٧٢٧)، ومسلم
(١٣٠١) (٣١٦)، وأبو داود (١٩٧٩)، والترمذي (٩١٣)، وابن ماجه
(٣٠٤٤).
الجمهور. وذهب الشَّافعيُّ في أحد قوليه، وأبو ثور، وأبو يوسف، وعطاء: إلى
أنه ليس بنُسُك، بل هو مباح. قال الشَّافعيُّ: لأنه وَرَدَ بعد الحظر، فحُمِلَ على
الإباحة، كاللباس، والطيب. وهذه الأحاديثُ تردُّ عليهم من وجهين:
أحدهما: أنها تضمنت أن كلَّ واحدٍ من الحِلاق والتقصير فيه ثواب، ولو
کان مباحاً لاستوی فعله وتركه.
وثانيهما: تفضيل الحِلاق على التقصير. ولو كانا مباحين لما كان لأحدهما
مزيةٌ على الآخر في نظر الشرع.
الموجب
لأفضلية
الحلاق على
التقصير
واختلف القائلون بكونهما نُسُكين في الموجب لأفضلية الحِلاق على
التقصير. فقيل: لما ذكر عن ابن عباس: قال: حلق رجالٌ يوم الحديبية، وقصر
آخرون. فقال رسول الله وَلاغير: ((اللهم ارحم المحلقين» - ثلاثاً - قيل: يا رسول الله!
لِمَ ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: ((لأنهم لم يشكُّوا))(١). وحاصله: أنه أمرهم يوم
الحديبية بالحِلاق؛ فما قام منهم أحدٌ؛ لما وقع في أنفسهم من أمر الصلح، فلمَّا
حلق النبيُّ وَ﴿ ودعا للمحلقين، أو استغفر لهم ثلاثاً، وللمقصرين واحدة، فبادروا
إلى ذلك. قال أبو عمر بن عبد البرِّ: وكون ذلك يوم الحديبية هو المحفوظ.
وقيل: بل كان ذلك في حجة الوداع؛ كما روته أمّ الحصين من طريق قتادة، وهو
إمامٌ ثقةٌ، وإنما كان الحِلاق أفضلُ لأنه أبلغ في العبادة، وأدلُّ على صدق النية في
(١) رواه ابن ماجه (٣٠٤٥).

٤٠٥
(١٢) كتاب الحج - (٣٩) باب: في الحلاق والتقصير
[١١٥٤] وعنه، أن رسول الله وَ له قال: ((رحمَ اللَّهُ المُحلِّقِينَ))،
قالوا: والمُقَصِّرينَ يا رسولَ الله؟ قال: ((والمُقَصِّرِينَ)).
وفي روايةٍ: قال في الرابعة: ((والمُقَصِّرِينَ)).
رواه مسلم (١٣٠١) (٣١٧ - ٣١٩).
[١١٥٥] وعن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((اللَّهُمَّ اغفرْ
للمُحلِّقينَ))، قالُوا: يا رسولَ الله! وللمُقصِّرِينَ؟ قال: ((اللَّهُمَّ اغفرْ
للمُحلِّقين))، قالوا: يا رسولَ الله! وللمُقصِّرِينَ؟ قَالَ: ((اللَّهُمَّ اغفرْ
للمُحلِّقينَ)). قالوا: يا رسول اللَّهِ! وللمُقصِّرينَ؟ قال: ((وللمُقصِّرِينَ)).
رواه البخاري (١٧٢٨)، ومسلم (١٣٠٢)، وابن ماجه (٣٠٤٣).
[١١٥٦] وعن يحيى بن الحُصين، عن جدته؛ أنَّها سمِعتْ
التذلُّل الله تعالى؛ لأنَّ المقصر مبقٍ على نفسه بعض الزينة التي ينبغي للحاجٌ أن
یکون مُجانباً لها. والله أعلم.
والمُخْصَرُ في الحِلاق والتقصير كغيره؛ في كون ذلك نُسُكاً له، وقال
أبو حنيفة، وصاحباه: ليس على المُخصَر شيءٌ من ذلك، ويردُّه حِلاقُ النبيِّ لَله
يوم الحديبية .
ولا خلافَ في أن حُكْمَ النساء التقصير، وأنَّ الحِلاقَ غيرُ لازم لهنَّ عندنا حكم النساء
وعند كثير من العلماء، على أنَّ الحِلاقَ لهنَّ غيرُ جائز؛ لأنه مُثلةٌ فيهن. ويدلُّ على التقصير
أنه ليس بمشروع لهنَّ: بما رواه أبو داود عن ابن عباس قال: قال رسولُ الله ◌ِّر:
(ليس على النّساء الحلق؛ إنما على النساء التقصير))(١).
وجمهورهم: على أنَّ مَن لبَّد، أو عقص، أو ضفر لزمه أن يحلق، ولا يقصر
(١) رواه أبو داود (١٩٨٥).

٤٠٦
(١٢) كتاب الحج - (٣٩) باب: في الحِلاق والتقصير
النبيَّ ◌َّهُ فِي حَجَّةِ الوَداعِ دَعا للمُحلِّقين ثلاثاً، وللمقصِّرينَ مَرَّةً.
رواه مسلم (١٣٠٣).
[١١٥٧] وعن أنس بن مالكِ، أنَّ رسولَ الله وَ ل﴿ أتى مِنى، فأتى
الجمرةَ، فرمَاها، ثم أتى منزلَه بمِنى ونحرَ، ثم قال للحَلَّقِ: ((خُذْ)) وأشارَ
إلى جانبِهِ الأيمنِ، ثم الأيسَر، ثم جعلَ يُعطيه النَّاسَ.
للسُّنَّة الواردة بذلك؛ ولأنَّ التقصيرَ لا يعمُّ الشَّعر. ومن سُنَّته عمومُ التقصير.
وخالف في هذا أصحابُ الثوري. وقالوا: إن الملبِّدَ والمضفر كغيره يجزئه
التقصير .
و (قول أنس: إنَّ رسول الله وَله أتى الجمرةَ فرماها، ثمَّ أتى منزله بمنىّ،
ونحر، وحلق) هذا يدلُّ: على أنَّ مَن رمى جمرة العقبة حصل له تحلُّلٌ؛ لأنه بعد
أن رَمَى حَلقَ، وهذا لا خلافَ فيه في الجملة، لكن اختلفوا فيماذا يستحلُّ من
محظورات الإحرام:
التحلل بعد
رمي جمرة
العقبة
فقال أبو ثور: يتمُّ تحلل الحاجٌّ من كلِّ شيءٍ إلا النساء برمي جمرة العقبة.
وقال الشافعيُّ، وأصحابُ الرأي، وجماعةٌ من العلماء: بل حتى يحلق. وذهب
مالكٌ: إلى أنَّ الذي يحل له برمي(١) جمرة العقبة كل شيءٍ إلا النساء، والطيب،
والصيد. واختلف قوله إذا تطيّب بعد الجمرة، وقبل الإفاضة؛ هل يجبُ عليه دم
أو لا؟ وروي عن عمر: أنه يحلُّ له كلَّ شيءٍ إلا النساء والطيب. وعن عطاء: إلا
النساء والصيد. ولا خلافَ في أنَّه لا يحلّ النساء، ولا الصيد بعد الجمرة، وأنه
يحلُّ له جميعُ محظورات الإحرام بعد الإفاضة. وتعديد ما يحرم على المحرم
مُفَصَّلٌ في كتب الفقه.
حلاقه وحالخر بعد
رمي جمرة
العقبة
و (قوله للحلَّق: ((خُذْ)) - وأشار إلى جانبه الأيمن-) هذا على عادته وَّل في
(١) في الأصول: رمي.

٤٠٧
(١٢) كتاب الحج - (٣٩) باب: في الحِلاق والتقصير
وفي رواية: فبدأَ بالشِّق الأيمنِ فوزَّعه الشعرةَ والشعرتين بينَ النَّاس،
ثم قال بالأيسرِ فصنعَ مثلَ ذلك، ثم قال: ((ها هُنا أبو طلحةَ؟)) فدفعه إلى
أبي طلحةً.
وفي أخرى: لما حَلقَ شِقَّه الأيمنَ دعا أبا طلحةَ الأنصاريُّ، وأعطَاهُ
إيَّه، ثم ناولَ الخَالِقَ الشِّقَّ الأيسرَ، فقال: ((احْلِقْ))، فحلقَه، فأعطَاه
أبا طلحةَ، فقال: ((اقسمْه بينَ النَّاس)).
الابتداء باليمين في أفعاله؛ فإنَّه كان يحبُّ التيمُّنَ في شأنه كلُّه. وتوزيعُه شعره على
الناس حرصاً منه على تشريكهم في التبرك به، وفي ثوابه.
و (قوله: فوزَّعه: الشَّعرة والشعرتين بين الناس) ليس بمخالفٍ لقوله في
الرواية الأخرى لأبي طلحة: ((اقسمه بين الناس)) فإنَّه لمَّا أمر بتوزيعه أبا طلحة صح
أن يُضافَ التوزيعُ له. كما يقال: أنه وَ * رجم ماعزاً (١)، وقطع يد السارق في
مجنّ (٢)، أي: أمر بذلك.
و (قوله: لما حلق شعر رأسه الأيمن أعطاه أبا طلحة) ليس مناقضاً لما في
الرواية الثانية: أنه قسم شعر الجانب الأيمن بين الناس، وشعر الأيسر أعطاه
أَّ سليم - وهي امرأة أبي طلحة، وهي أم أنس - ويحصلُ من مجموع هذه
الروايات: أنَّ النبيَّ وَلَ﴿ لما حلق الشِّق الأيمن ناوله أبا طلحة ليقسمه بين الناس،
ففعل أبو طلحة، وناول شعر الشِّقِّ الأيسر لأمّ سليم ليكون عند أبي طلحة،
فصحَّتْ نسبةُ كلِّ ذلك إلى مَن نسب إليه على ما قرَّرناه، والله أعلم. وهذا أولى من
أن نُقَدِّرَ تناقضاً واضطراباً. والحمد لله.
(١) رواه مسلم (١٦٩٤)، وأبو داود (٤٤٣٢ و ٤٤٣٣).
(٢) رواه أحمد (٦/٢ و٨٢)، والبخاري (٦٧٩٧)، ومسلم (١٦٨٦)، والنسائي (٨/ ٧٧).

٤٠٨
(١٢) كتاب الحج - (٤٠) باب: مَن حَلَق قبل النحر
وفي أخرى: أنه عليه والصلاة والسلام قسمَ شعرَ الجانبِ الأيمنِ بينَ
النَّاسِ، وشعرَ الأيسرِ أعطَاهُ أُمَّ سُلَيم.
رواه أحمد (١١١/٣)، ومسلم (١٣٠٥) (٣٢٣ و٣٢٤ و٣٢٦)،
وأبو داود (١٩٨٢)، والترمذي (٩١٢)، والنسائي في الكبرى (٤١١٦).
#
#
(٤٠) باب
مَنْ حلقَ قبلَ النحر ونحرَ قبلَ الرمي
[١١٥٨] عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: وقفَ
رسولُ اللهِ وَّهِ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ لِلنَّاسِ بِمِنى، يسألونَه، فجاءَ رجلٌ، فقال:
يا رسول الله! لم أشعرْ فحلقتُ قبلَ أنْ أنحرَ، فقال: ((اذبخ ولا حَرَج» ثم
جاءَ رجلٌ آخرُ، فقالَ: يا رسول الله! لم أشعرْ فنحرتُ قبلَ أنْ أرميَ. قال:
(٤٠) ومن باب: من حلق قبل النحر أو نحر قبل الرمي
أحاديثُ هذا الباب تدلُّ على أنَّ مَن قدَّم شيئاً أو أخّره من الحِلاق، والرمي،
والنحر، والطَّواف بالبيت؛ فلا شيء عليه. وبهذا قال الشَّافعيُّ، وفقهاءُ أصحاب
الحديث في جملة من السّلف؛ تمشُّكاً بهذه الأحاديث. وحكي عن ابن عباس فيمن
قدَّم شيئاً من التُّسُك المذكور عليه الدَّم. وليس بالثَّابت عنه. ورُوي نحوه عن
ابن جُبير، وقتادة، والحسن، والنخعي. وكأنَّ هؤلاء حملوا قولَهُ وَل: ((لا حرج))
أي: لا إثم، ورتَّبوا (١) الحكم المقرر على مَن أخلَّ بشيءٍ من سُنَن الحجِّ على
(١) في (ج) و (ع): أبقوا.

٤٠٩
(١٢) كتاب الحج - (٤٠) باب: مَن حَلَق قبل النحر
((ارْمٍ ولا حَرَج))، قال: فما سُئِلَ رسولُ اللهِ وَهِ عَنْ شَيءٍ قُدُمَ ولا أُخِّرَ إلا
قالَ: ((افعلْ ولا حَرِجَ)).
رواه أحمد (١٩٢/٢)، والبخاري (٨٣ و١٧٣٦)، ومسلم
(١٣٠٦) (٣٢٧)، وأبو داود (٢٠١٤)، والترمذي (٩١٦)، وابن ماجه
(٣٠٥١).
[١١٥٩] وعنه، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَه وأَتَاه رجلٌ يومَ النَّحْرِ،
وهو واقفٌ عند الجمرةِ، فقالَ: يا رسول الله! إني حلقتُ قبلَ أنْ أرمي،
فقال: ((ارْمٍ ولا حَرَج)) وأتاه آخرُ، فقالَ: إني ذبحتُ قبلَ أنْ أرميَ. قالَ:
((ارْمٍ ولا خَّرَج)) وأتَاهُ آخرُ، فقال: إنِّي أفضتُ إلى البَيْتِ قبلَ أنْ أرميَ.
قال: ((ارم ولا حَرَجَ)) قال: فما رأيتُهُ سُئِلَ يومئذٍ عن شيءٍ إلا قال: ((افْعَلُوا
ولا حَرَج)).
رواه مسلم (١٣٠٦) (٣٣٣).
أصله: من وجوب جَبْره بالدم. ولم يختلفوا فيمن نحر قبل الرَّمي: أنه لا شيءَ
عليه. وقال أبو حنيفة: على مَن حلق قبل الرَّمي، أو نحر؛ دم. وقال مالك: إنما
يجبُ الدم على مَن حَلَق قبل الرمي؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِقُواْ رُءُوسَكُمٍ حَّ بَلَ الْحَدْىُ
عِلَهُ﴾ [البقرة: ١٩٦] ومحلّ الهدي من الزمان هو بعد رمي جمرة العقبة. واختلف
قول مالك فيما إذا قدَّم الإفاضة على الرمي. فقيل: يجزئه، وعليه الهدي. وقيل:
لا يجزئه، وهو كمن لم يُفض. وقال: يعيده بعد الرمي، والنحر. وسَبَبُ هذا
الخلاف: معارضة قوله تعالى: ﴿وَلَا تَخْلِّقُواْ رُهُوَسَكُ حَّ بَلْغَ اَلْهَذِىُّ ◌َمِلَّهُ﴾ لهذه الأحاديث،
وتأويل قوله: ((لا حرج)) هل أراد به رَفْعَ الإثم فقط، أو رفع الإثم والحكم.
والمفرِّق تأكَّد عنه بعض تلك الأفعال ما لم يتأكد غيرُه، فأوجب الدم في المتأكد،
ولم يُوجبه في غيره. والظاهِرُ من الأحاديث مذهبُ الشَّافعي وأصحاب الحديث.

٤١٠
(١٢) كتاب الحج - (٤١) باب: طواف الإفاضة يوم النحر
[١١٦٠] وعن ابن عبَّاس، أنَّ النبيَّ قيلَ له في الذَّبح والحَلْقِ والرَّمْي
والتَّقديمِ والتّأخيرِ فقال: ((لا خَرَجَ)).
رواه أحمد (٢١٦/١)، والبخاري (١٧٢١)، ومسلم (١٣٠٧)،
والنسائي (٥/ ٢٧٢)، وابن ماجه (٣٠٥٠).
(٤١) باب
طَوافٍ الإفاضة يومَ النَّخْر،
ونزولِ المُخَصَّب يومَ النَّفْر
[١١٦١] عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ الله وَ﴿ أفاضَ يومَ النَّحْرِ ثم رجعَ
فصلَّى الظهرَ بِمِنى. قال نافع: فكانَ ابنُ عمرَ يُفيضُ يومَ النَّحْرِ، ثم يرجعُ
فيُصلِّي الظهرَ بمنى، ويذكرُ أنَّ النبيَّ وَّهِ فِعلَه.
رواه أحمد (٣٤/٢)، ومسلم (١٣٠٨)، وأبو داود (١٩٩٨).
حكم طواف
الإفاضة
(٤١) ومن باب: طواف الإفاضة
لم يختلفْ في: أن طواف الإفاضة ركنٌ من أركان الحجِّ، وأنَّ سُنَّته يوم
النَّحر. وإنَّما اختلفَ فيمن أخّره عن يوم النَّحر على ما قد تقدَّم، فإن تركه حتى
رجع إلى بلده. فکافتهم: على أنه يرجع فيطوف، ولا يجزئه إلا ذلك. وروي عن
عطاء، والحسن: يحجُّ من قابل. قال عطاء: ويعتمر. [وقد تقدم قولُ مالكِ: أن
طواف الوداع يجزئه](١).
و (قول ابن عمر: أنه ◌َّ﴿ أفاض يوم النَّحر، ثم رجع؛ فصلى الظهر بمنىّ)
(١) ساقط من (ع) و (ج).

٤١١
(١٢) كتاب الحج - (٤١) باب: طواف الإفاضة يوم النحر
[١١٦٢] وعن عبد العزيز بن رُفَيَعِ، قالَ: سألتُ أنسَ بنَ مالكِ،
فقلتُ: أخبرني بشيءٍ عَقَلْتَهُ عن رسولِ اللهِ وَلّهِ: أينَ صلَّى الظهرَ يومَ
التَّرْوِيَةِ؟ قال: بمِنى. قلتُ: فأينَ صَلَّى العصرَ يومَ النَّحْرِ. قال: بالأبطح.
ثم قال: افعلْ ما يفعلُ أُمَراؤُكَ.
رواه البخاري (١٧٦٣)، ومسلم (١٣٠٩)، وأبو داود (١٩١٢)،
والترمذي (٩٦٤)، والنسائي (٢٤٩/٥).
[١١٦٣] وعن نافع، أنَّ ابنَ عمرَ كانَ يرَى التَّحْصِيْبَ سنَّةً، وكانَ
مخالفٌ لما تقدَّم من حديث جابرٍ(١): أنَّ أفاضَ إلى مكَّة، ثم صلَّى بمكة الظهر.
وهذا هو الأصحُّ، ويعضدُه حديثُ أنسٍ، قال فيه: إنه وَّه صلى العصر يوم النَّحر
بالأبطح، وإنما صلى النبيُّ ◌َ ﴿ الظهر بمني يوم التروية، كما قال أنس. وما في
حديث ابن عمر وهمٌّ من بعض الرواة. وقد تقدم: أنَّ التحصيب: نزولُ المحصب، النزول
وهو الأبطح، والبطحاء. و(خَيْف بني كنانة) والخيف: ما انحدر عن الجبل، بالمحصَّب
وارتفع عن المسيل. وقد أخذ مالك بحديث ابن عمر، ورأى: أنه ينزل به عند
رجوعه من منىً، فيصلي به الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، ثم يدخل مكة
أول الليل؛ لا سيَّما للأئمة، وهو واسعٌ لغيرهم. قال عِياض: وهو مستحبٌّ عند
جميع العلماء، وهو عند الحجازيين أوكد منه عند الكوفيين. وكلُّهم مُجمِعٌ
على (٢): أنه ليس من المناسك التي تلزم، وإنما فيه اقتداءٌ بالنبيِّ وَِّ، وتبرُّك
بمنازله. وعلى هذا: فقولُ عائشة: ليس نزول الأبطح سُنَّة، وقول ابن عباس: ليس
التحصيبُ بشيءٍ، إنما يعنيان: أنه ليس من المناسك التي يلزم بتركها دمٌ ولا غيره.
ونزوله ◌َ﴿ بخَيْف بني كنانة إنما كان شكراً لله تعالى على ما أظهره على عدُوّه نزوله (َ﴾
بخيف بني
کنانة
(١) سبق تخريجه برقم (١٣٩٤).
(٢) ساقط من (ع) و(ج).

٤١٢
(١٢) كتاب الحج - (٤١) باب: طواف الإفاضة يوم النحر
يُصلِّي الظهرَ يومَ النَّفْرِ بِالحَصْبَةِ. قال نافع: قد حَصَبَ رسولُ الله ◌ِلَيه
والخلفاءُ بَعدَه.
رواه مسلم (١٣١٠) (٣٣٨).
[١١٦٤] وعن عائشةَ، قالت: نزولُ الأبطَحِ ليس سُنَّةٌ، إنما نَزَلَه
رسولُ اللهِ وَلَ﴿ لأنَّه كانَ أسْمَحَ لخروجِه إذا خرجَ.
رواه البخاري (١٧٦٥)، ومسلم (١٣١١)(٣٣٩)، وأبو داود (٢٠٠٨)،
والترمذي (٩٢٣)، وابن ماجه (٣٠٦٧).
المناكد له في ذلك الموضع، وإظهاراً لما صدقه الله تعالى من وعده في قوله:
﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَآءَ اللَّهُه ◌َامِنِينَ﴾ الآية [الفتح: ٢٧].
وقضية قريشٍ في الصحيفة ونَقْضها منقولٌ في كتب السِّير والأحاديث.
و (قوله: أسمح لخروجه) أي: أسهل. والسَّماح في البيع هو التسهيلُ فيه.
ومنه: السماحُ رباح. وقد تقدَّم أنَّ الثَّقَل بفتح الثاء والقاف هو: اسمُ ما يحمله
الحاملُ مما يُثْقِلُه. ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ ... ﴾
[النحل: ٧] وظاهِرُ هذه الرواية، وهي روايةُ سلمة بن عبد الرحمن، عن
أبي هريرة: أنَّ ذلك كان في حَجّة الوداع. وقد جاء من رواية الأعرج عن
أبي هريرة، عن النبيِّ وَّهِ أنه قال: ((منزلُنا إن شاء اللّهُ إذا فتحَ اللَّهُ الخَيْفَ)) (١)
وظاهِرُ هذا: أن ذلك كان يوم الفتح. قال عياض: فكان على هذا منزلُه في
السنتين. وكذلك جاء مفسراً في حديث أم هانىء(٢).
(١) رواه مسلم (١٣١٤) (٣٤٥).
(٢) منزل أم هانىء (بيتها) هو المكان الذي نزل فيه و ير عام الفتح، وهو المحصَّب.

٤١٣
(١٢) كتاب الحج - (٤١) باب: طواف الإفاضة يوم النحر
[١١٦٥] وعن ابن عبّاس، قال: ليسَ التَّحْصِيْبُ بشيءٍ، إنما هو
منزلٌ نزلَه رسولُ اللهِلِّ.
رواه البخاري (١٧٦٦)، ومسلم (١٣١٢)، والترمذي (٩٢٢).
[١١٦٦] وعن أبي رافع، وكان على ثقَلِ النبيِّ وَّه قال: لم
يأمرْني رسولُ اللهِ وَ﴿وَ أَنْ أنزلَ الأبطحَ حينَ خرجَ مِن مِنى، ولكنْ جئتُ
فضربتُ قُبُّتَه، فجاءَ فنزلَ.
رواه مسلم (١٣١٣)، وأبو داود (٢٠٠٩).
[١١٦٧] وعن أبي هُريرةَ، قال: قالَ لنا رسولُ اللهِوَّهِ ونحنُ بمنى:
(نحنُ نازلونَ غداً بخَيْفٍ بني كِنَانة)) حيثُ تَقاسَمُوا على الكُفْرِ، وذلكَ أنَّ
قريشاً وبني كِنانةَ حالفتْ على بني هاشم وبني المُطْلب: ألَّا يُنَاكِجُوهم،
ولا يُبَايِعُوهم، حتى يُسلمُوا إليهم رسولَ اللهِ وَّه يَعني بذلك المُحَصَّبَ.
رواه البخاري (١٥٩٠)، ومسلم (١٣١٤) (٣٤٤)، وأبو داود (٢٠١٠
و ٢٠١١).
قلت: ويمكن أن تردّ هذه الرواية إلى الأولى؛ بأن يقال: إنَّ قوله: ((إذا فتح
الله)) لم يذكر المفتوح ما هو؟ و: الخَيْفُ إنما هو مرفوعٌ على أنه خبر المبتدأ الذي
هو: منزلنا. فعلى هذا يكون مفعول (فتح) محذوفاً، فيكونُ تقديرُه: إذا فتح الله
في السّير إلى مكة، بمعنى: سهّله، ويسَّر فيه. والله أعلم.

٤١٤
(١٢) كتاب الحج - (٤٢) باب: الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية
(٤٢) باب
الرخصة في ترك البيتوتة بمنى لأهل السقاية
[١١٦٨] عن ابن عمر، أنَّ العبَّاسَ بنَ عبدِ المُطَّلِب استأذنَ
رسولَ اللهِ وَل﴿ أَنْ يبيتَ بمكَّة لياليَ مِنی مِن أجلِ سقايتِه، فأذنَ له.
رواه أحمد (٢٢/٢)، والبخاري (١٦٣٤)، ومسلم (١٣١٥)،
وأبو داود (١٩٥٩).
[١١٦٩] وعن بكرٍ بن عبد الله المُزَني، قال: كنتُ جالساً مع
ابنِ عبَّاس عندَ الكعبةِ، فأتاه أعرابيٍّ، فقال: مَا لي أرى بني عمّكم يسقونَ
(٤٢) ومن باب: الرخصة في ترك البيتوتة
بمنىّ لأهل السقاية
المبيتُ بمنىّ ليالي أيام التشريق من سُنن الحِّ بلا خلافٍ، إلا لذوي السِّقاية
حكم المبيت
بمنى ليالي أيام أو للرُّعاة، ومن تعجّل بالنفر، فمن ترك ذلك ليلةً واحدةً أو جميع الليالي كان عليه
التشريق
دمّ عند مالك. وقال الشافعي بالدم في الجميع، وبصدقة درهم في ليلةٍ واحدةٍ،
ودرهمين في ليلتين، وقال مرة: يطعمُ مسكيناً. ونحوه لأحمد. وقال أصحابُ
الرأي: لا شيء على تارك ذلك، وقد أساء. وروي نحوه عن ابن عباسٍ والحسن.
قال مالك: فأما تَرْكُ المبيت بها ليلةَ عرفة فلا شيءَ فيه.
سقاية الحاج
وفي هذا الحديث من الفقه ما يدل: على أنَّ سقايةَ الحاجّ ولايةٌ ثابتةٌ لولد
ولاية ثابتةٌ لولد العباس لا ينازعون فيها. وقال بعضُ أهل العلم: وفيه إشارةٌ إلى أنَّ الخلافة تكونُ
في ولد العباس، وأنه لا ينبغي أن ينازَعُوا فيها، وأنَّ ذلك يدومُ لهم. وفيه أبوابٌ
من الفقه لا تخفى على متأملٍ. ومشروعيةُ هذه السقاية من باب إكرام الضيف،
واصطناع المعروف.
العباس
٠

٤١٥
(١٢) كتاب الحج - (٤٣) باب: التصدق بلحوم الهدايا
العسلَ واللَّنَ، وأنتُم تسقونَ النَّيذَ؟ أمِن حاجةٍ بكم، أم من بخلٍ؟ فقال
ابن عبّاس: الحمدُ لله! ما بنا حاجةٌ ولا بخلٌ، قَدِمَ النبيُّ بَّه على راحلتِه،
وخلفَه أسامةُ، فاستسقَى، فأتينَاه بإناءٍ مِن نبيذٍ، فشربَ وسقَى فضلَه
أسامةَ، وقال: ((أحسنَنتُم وأجملتُم، كَذا فاصنَعُوا)) ولا نريدُ تغييرَ ما أمرَ به
رسولُ الله ◌ِے.
رواه أحمد (٣٦٩/١)، ومسلم (١٣١٦)، وأبو داود (٢٠٢١).
(٤٣) باب
التَّصدق بلحومِ الهدايا،
وجلودها، وأجلّتها، والاشتراك فيها
[١١٧٠] عن علي، قالَ: أمرني رسولُ اللهِ وَّرِ أنْ أقومَ على بُدْنِهِ
وأنْ أتصدَّقَ بلحومِها وجُلُودِها وأجِلَّتِها،
و (قوله: ((كذا فاصنعوا))) إشارةٌ إلى السِّقاية بالنبيذ. وكأنَّ النبيَّ وَِّ قَصَدَ
التيسيرَ عليهم، وتقليلَ الكلف، فإنَّ الانتباذَ يسيرٌ، قليل المؤنة؛ لكثرة التمر
عندهم، وليس كذلك العسل، فإنَّ في إحضاره كلفة، وفي ثمنه كثرة. والله تعالى
أعلم.
(٤٣) ومن باب: التَّصدُّق بلحوم الهدايا وجلودها وأجلتها
البُذْن: جمع بَدَنة، وهي العظيمةُ الجسم. ومنه: بَدُن الرجل، بدانةً، أي:
کثر لحمه. وقد تقدَّم ذلك.

٤١٦
(١٢) كتاب الحج - (٤٣) باب: التصدق بلحوم الهدايا
وألَّا أعطيَ الجَزَّارَ منها. قال: نحنُ نعطيه مِن عندِنَا ... وفي رواية: في
المساکین.
رواه أحمد (١٣٢/١)، والبخاري (١٧١٦)، ومسلم (١٣١٧)،
وأبو داود (١٧٦٩)، وابن ماجه (٣٠٩٩).
وأمره ﴿ بالتَّصدُّق بلحوم البُدْن، وجلودها، وأجلتها، دليلٌ: على أنَّ جلودَ
الهدي وجلالها لا تُباع، لأنه عطفها على اللحم وحكم لها بحكمه. وقد اتفق:
على أنَّ لحمها لا يُباع، فكذلك الجلود والجلال. وكان ابنُ عمر يكسو جلالها
الكعبة، فلمَّا كسيت الكعبة تصدق بها، أَخْذاً منه بهذا الحديث. وممن صار إلى
مَنْع بيع جلودها عطاء، والنَّخعيُّ، ومالكٌ، وأحمد، وإسحاق وقالوا: يتصدَّق
وينتفع بها. وروي عن ابن عمر: أنه قال: لا بأسَ أن يبيعَ جلدَ هَذْيه ويتصدَّق
بثمنه. وروي هذا عن أحمد، وإسحاق. وكان أبو ثور يرخُّص في بيعه. وقال
النخعي، والحكم: لا بأسَ أن يشتري به المنخل وشبهه .
المعاوضة على
شيء من الهدايا
و (قوله: ولا أعطي الجازر منها) يدلُّ: على أنه لا تجوزُ المعاوضةُ على
شيءٍ منها؛ لأن الجزَّار إذا عمل عمله استحقَّ الأجرة على عمله، فإن دفع له شيءٌ
منها كان ذلك عِوَضاً على فعله، وهو بيعُ ذلك الجزء منها بالمنفعة التي عملها،
وهي الجزر. والجمهور: على أنه لا يُعطى الجازرُ منها شيئاً، تمشُّكاً بالحديث.
وكان الحسن البصريُّ، وعبد الله بن عمير لا يريان بأساً أن يُعطى الجزار الجلد.
و (قوله: نحن نعطيه مِن عندنا) مبالغةٌ في سد الذريعة، وتحقيق للجهة
التي تجب عليها أجرةُ الجازر؛ لأنه لما كان الهديُ منفعته له تعينت أجرة التي
تتم به تلك المنفعة عليه .
وفيه أبوابٌ من الإجارة، وحكمها(١).
(١) في (ج) و (هـ) وأحكامها.
/

٤١٧
(١٢) كتاب الحج - (٤٣) باب: التصدق بلحوم الهدايا
[١١٧١] وعن جابر، قالَ: اشتركْنا مع النبيِّ وَّه فِي الحَجِّ والعُمرةِ،
كُلُّ سبعةٍ فِي بَدَنَةٍ، فقال رجلٌ لجابر: أيشتركُ في البَدَنةِ بما يشتركُ في
الجَزورِ؟ قالَ: ما هي إلا مِن البُدْنِ. وحضرَ جابرٌ الحديبيةَ، قال: نحرَنا
يومئذٍ سبعينَ بَدَنةً، اشتركْنا كلُّ سبعةٍ في بَدَنَةٍ.
رواه أحمد (٣٠٤/٣)، ومسلم (١٣١٨) (٣٥٣)، وأبو داود (٢٨٠٧
و ٢٨٠٨)، والنسائي (٢٢٢/٧).
وفيه دليل: على تجليل البُدْن. وهو ما مضى عليه عملُ السلف، ورآه أئمةُ تحليل البُذْن
العلماء: مالك، والشافعي، وغيرهما. وذلك بعد إشعار الهدي؛ لئلا تتلطَّخ
الجلال. وهي على قدر سعة المُهْدِي؛ لأنها تطوُّع غير لازم، ولا محدودٍ. قال
ابنُ حبيب: منهم من كان يُجلِّل الوشي، ومنهم من يُجلِّل الْحِبَر(١)، والقباطي،
والملاحف، والأُزُر. وتجليلها: ترفيه لها، وصيانةٌ، وتعظيمٌ لحرمات الله،
ومباهاة على الأعداء من المخالفين، والمنافقين. قال مالك: وتشق على الأسنمة
إن كانت قليلةَ الثمن لئلا تسقط، وما علمتُ مَن تَرَكَ ذلك إلا ابن عمر استبقاءً
للثياب؛ لأنه كان(٢) يُجلِّل الجلال المرتفعة من الأنماط، والبرود، والحِبَر. قال
مالك: أما الحللُ فتنزع لئلا يخرقها الشوك. قال: وأحبُّ إليَّ إن كانت الجلال
مرتفعةً أن يترك شقُّها، ولا يجلّلها حتى تغدو من عرفات. ولو كانت بالثمن اليسير
فتشقّ من حيث يُحْرِم. وهذا في الإبل، والبقر دون الغنم.
و (قول جابرٍ: اشتركنا مع رسول اللهِوَ له في الحجِّ والعُمرة كلُّ سبعةٍ في الاشتراك في
بدنة) مع: هذه، متعلُّقة بمحذوف. تقديره: كائنين مع رسول الله وَّ، ولا يصحُّ الهدي
أن يكونَ متعلقاً به (اشتركنا)؛ لأنه كان يلزم منه أن يكون النبيُّونَ ﴿ِ واحداً من سبعةٍ
(١) في (هـ): الخز.
(٢) زيادة من (هـ) و(ج).

٤١٨
(١٢) كتاب الحج - (٤٣) باب: التصدق بلحوم الهدايا
[١١٧٢] وعن أبي الزبير، أنَّه سمعَ جابر بن عبد الله يُحَدِّثُ عن
حَجَّةِ النبيِّ وَ ◌ِّ قال: فأمرنا إذا أَحْلَلْنا أن نُهديَ، ويجتمعَ النَّفْرُ منا في
الهديَّةِ، وذلك حينَ أمرَهم أن يَحِلُوا مِن حَجِّهِم.
رواه مسلم (١٣١٩) (٣٥٤).
يشتركون في بَدَنةٍ، وأنهم شاركوه في هديه. والنقلُ الصَّحیحُ بخلاف ذلك؛ كما
تقدم في حديث جابرٍ وغيره، وإنما أمرهم النبيُّ ◌َ ﴿ أن يجتمعَ السبعةُ في الهدية من
يُذْنِهِم. وأحاديثُ جابرٍ مُصرِّحةٌ: بأن النبيَّ ◌َل ﴿ أمرهم بذلك في الحديبية، وفي
حَجَّة الوداع. وبهذه الأحاديث تمسّك الجمهورُ من السلف وغيرهم على جواز
الاشتراك في الهدي. وممن قال بهذا ابنُ عمر، وأنس، وعطاء بن أبي رباح،
والحسن البصريُّ، وطاووس، وسالم، وعمرو بن دينار، والثوري، والأوزاعي،
والشافعيُّ، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، حكاه ابنُ المنذر.
قال: وقد روينا عن ابن عباس: أنه قال: البَدَنة عن سبعةٍ، وإن تمتعوا. وبه قال
عطاء، وطاووس، وعمرو بن دينار، والثوري، والشافعيُّ. قال: وقد روينا عن
سعيد بن المسيب: أنه قال: تُجزىء الجزورُ عن عشرة. وبه قال إسحاق. قلتُ:
وظاهِرُ ما حكاه ابنُ المنذر: أنهم اشتركوا في الثمن، وأنَّهم سوّوا في ذلك بين
الهدي الواجب والتَّطوُّع، من غير تقييد، ولا تَفْصيلٍ. قد فصَّل غيره الخلافَ
فقال: إنَّ الشَّافعيَّ يجيزه في الواجب، وإن كان بعضُهم يريد اللحم، وبعضهم يريدُ
الفِدية. وأبو حنيفة يُجيزه إذا أراد جميعُهم الفدية. حكاه الإمامُ أبو عبد الله،
مالك لا يجيز وقال: عندنا في التطوُّع قولان. قال ابنُ المنذر، وقال مالك: لا يشترك في شيءٍ
من الهدي، ولا من البُذْن، ولا النسك في الفِذْية، ولا في شيءٍ مما ذكرناه.
الاشتراك في
الهدي الفدية
قلتُ: وكأنَّ هذا الذي صار إليه مالكٌ مستنده قول الله تعالى: ﴿فَا أَسْتَيْسَرَ مِنَ
الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] وأقلُّ ما يُطلق عليه اسم الهدي شاةٌ؛ ولم يقلْ فيه أحدٌ هو
جزءٌ مُسمَّى من اللحم. وقوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَاءٍ أَوْ صَدَقَّةٍ أَوْ شُكٍ ﴾

٤١٩
(١٢) کتاب الحج ۔ (٤٣) باب: التصدق بلحوم الهدايا
[١١٧٣] وعن جابرٍ، قال: كنّا نتمتعُ معَ رسولِ الله وَطَه بالعُمرةِ،
ونذبحُ البقرةَ عن سبعةٍ، نشتركُ فيها.
رواه مسلم (١٣١٨) (٣٥٥)، وأبو داود (٢٨٠٧)، والترمذي (٩٠٤)،
والنسائي (٢٢٢/٧).
[البقرة: ١٩٦]، وقد فسَّر النبيُّ وَّر النسك بشاةٍ في حديث كعب بن عجرة(١)،
فكان ذلك أقلَّ ما ينطلق عليه الاسم، فكأن هو المتعيِّن، ولأنهم قد اتفقوا: على
أنه لا يجوز في الهدايا المريض البيِّن المرض، ولا المعيب بنقص عضوٍ. وإذا كان
كذلك مع صدق الاسم عليه فأحرى وأولى ألا يجوزَ جزءٌ من اللحم. واعتذر عن
حديث جابرٍ: بأن ذلك كان في التطوع. وهو مستندُ أحد القولين المتقدِّمين،
وليس بالمشهور عن مالك. وبأنَّ تلك الأحاديث ليس فيها تصريحٌ بالاشتراك في
الثمن، فلعلَّه قصد التشريكَ في الثواب، أو التشريك في قسمة الجزور، حتى تقسم
البَدَنة أو الجزور سبع قِسَم بين سبعة نَفَرٍ. والله أعلم. وقد أشار إلى هذا جابرٌ
فقال: أمرنا رسولُ اللهِ وَّر: إذا أحللنا أن نُهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية، فإنه
مشعرٌ: بأنَّ التشريك إنما وقع بعد انفراد المهدي بالهدي، فتأمَّله.
وهذا الخلافُ إنما هو في الإبل والبقر. وأمَّا الغنم: فلا يجوزُ الاشتراكُ فيها لا يجوز
اتفاقاً. وقد قدَّمنا: أنَّ اسمَ البَدَنة مأخوذٌ من البدانة. وهي عِظَمُ الجسم. وأنَّ الاشتراك في
الجزورَ من الجزر، وهو: القطع. وأنَّ الجزورَ من الإبل، والجزرة من الغنم. وقد
الغنم اتفاقاً
فرق في حديث جابرٍ بين البُدْن والجزور؛ لأنه أراد بالبَدَنة ما ابتدىء هديه عند
الإحرام. وبالجزور ما اشتري بعد ذلك للنحر. فكأنه ظهر للسائل: أن شأن هذه،
أخف في أمر الاشتراك مما أهدي من البُدْن. فأجابه بما معناه: أنَّ الجزورَ لمّا
اشتریت للنسك صار حكمها حکم البدن.
قلت: وقد سمعت من بعض مشايخنا: أن البَدَنة في هذا الحديث من الإبل.
(١) رواه أبو داود (١٨٦٠).

٤٢٠
(١٢) كتاب الحج - (٤٣) باب: التصدق بلحوم الهدايا
[١١٧٤] وعنه، قال: ذبحَ رسولُ اللهِ وَ﴿ عن عائشةَ بقرةً يومَ
النَّحْرِ.
وفي رواية: نحرَ عن نسائِه بقرةً في حَجَّتِه .
رواه مسلم (١٣١٩) (٣٥٦ و ٣٥٧).
[١١٧٥] وعن زيادٍ بن جُبَيْرٍ، أنَّ ابنَ عمرَ أتى على رجلٍ وهو ينحرُ
بدَنَتَه بارِكَةً، فقال: ابْعَثْها قائمةً مُقَيِّدَةً، سُنَّةَ نَبِّكُم.
رواه البخاري (١٧١٣)، ومسلم (١٣٢٠)، وأبو داود (١٧٦٨).
*
والجزور فيه من البقر. وكأن السائل سأله عن البقرة؛ هل يشترك فيها سبعةٌ؛ كما
يشترك في البَدَنة؟ فقال: هي منها في الحكم المسؤول عنه. وكأنَّ هذا السائلَ لم
يسمعْ في هذا ذكر البقر، فسأل عنها. والله أعلم.
نحره ** عن
نسائه
و (قوله: ذبح رسولُ الله وَله عن عائشة بقرةً) هذا؛ لأنها أردفت، كما
قدَّمنا، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون تطوَّعَ بها عنها.
و (قوله في الرواية الأخرى: نحر عن أزواجه بقرةً) أي: بقرةً، بقرةً عن كلِّ
واحدةٍ؛ بدليل الرواية المتقدِّمة عن عائشة.
و (قوله في الروايتين: نحر وذبح) دليلٌ: على جواز كلّ واحدٍ منهما في
البقر، وسيأتي.
و (قوله: ابعثها قائمةٌ مقيدَّةً، سُنَّة نبيكموَ﴿) أخذ به كافةُ العلماء، في
استحباب ذلك. وبه فُسِّر قولُه تعالى: ﴿فَذَّكُرُواْ أَسْمَ اَللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآَنَّ﴾ [الحج: ٣٦].
إلا أبا حنيفة، والثوري. فإنهما أجازا أن ينحرهما باركة، وقياماً. وشذَّ عطاء،
فخالف، واستحبَّ نحرها باركة معقولةً. والحديثُ حُجَّةٌ عليهم.
نحر الإبل
والبقر قائمةً
مقیداً