Indexed OCR Text

Pages 321-340

٣٢١
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ◌َا}
رسولُ اللهِ وَّ﴾ أن نشتركَ في الإبلِ والبقرِ كلُّ سَبْعَةٍ مِنَّا في بَدَنَةٍ.
رواه مسلم (١٢١٣) (١٣٨
(١٧) باب
فِي حَجَّةِ النبيِّ ◌ِّ
[١٠٩٤] عن جعفر بن محمد، عن أبيه، قالَ: دخلنا على جابرٍ بن
عبد الله، فسألَ عن القوم، حتى انتهى إليَّ، فقلتُ: أنا محمد بن علي بن
و (قوله: أمرنا أن نشتركَ في الإبل والبقر كل سبعةٍ منَّا في بَدَنةٍ) يحتجُّ به مَن الاشتراك في
الهدي
يرى جوازَ الاشتراك في الهدايا، وهم الجمهور. وسيأتي إن شاء الله تعالی.
(١٧) ومن باب: حَجَّة النبيِّ لَّه
حديثُ جابرٍ هذا فيه أحكامٌ كثيرة، وأبوابٌ من الفقه غزيرةٌ(١)؛ وقد
استخرجها الأئمة، وصنَّفوها، وعدَّدوها حتى بلغوها إلى نيفٍ على مئة وخمسين
حكماً (٢)، وإذا تُتُبِّعَ وُجِد فيه أكثر من ذلك، لكن أكثرها لا يخفى على فَطِن،
فلنعمد إلی بیان ما يُشْكِل.
فمن ذلك: سؤال جابرٍ عن القوم حين دخلوا عليه؛ إنما كان ذلك لأنَّه كان
قد عمي. وفعل جابرٍ ذلك الفعل به إنما كان تأنيساً له ومبالغة في إكرامه على
ما يُفْعَل بالصِّغار، وعلى ذلك نَّه بقوله: وأنا يومئذٍ غلام شابٌّ.
(١) في (هـ) و (ل): مديدة.
(٢) الأولى أن يقال: حتى بلغوا بها إلى نيف ومئة وخمسين حكماً.

٣٢٢
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي أَ﴾
حُسين، فَأَهْوَى بيدِه إلى رأسي، فَتَزِعَ زِرِّي الأعلى، ثم نزعَ زرِّي الأسفلِ،
ثم وضعَ كَفَّه بين ثَدْيَيَّ، وأنا يومئذٍ غُلامٌ شَابٌّ فقالَ: مرحباً بكَ يابنَ
أخي. سَلْ عمَّا شئتَ، فسألتُه وهو أعمى، وحضرَ وقتُ الصَّلاة، فقامَ في
سَاجَةٍ مُلتحفاً بها، كلَّما وضعَها على مَنْكِبَيْهِ رجعَ طَرَفاها إليه من صِغَرِها،
ورِداؤُه إلى جنبِهِ على المِشْجَبِ، فصلَّى بنا. فقلتُ: أخبرني عن حَجَّة
رسولِ اللهِ وَهِ. فقالَ بيده، فَعَقَدَ تِسعاً، فقال: إنَّ رسولَ الله وَّ﴿ مكثَ تِسعَ
سنينَ لم يحَّ، ثم أَذَّنَ فِي النَّاس في العاشرةِ: إنَّ رسولَ اللهِوََّهِ حَاجٌ،
فقدمَ المدينةَ بَشرٌ كثيرٌ كُلُّهم يلتَمسُ أن يَأْتمَّ برسولِ اللهِوَّهِ، ويعملَ مثلَ
عَمَلِهِ، فخرجْنا معه حتَّى أتينَا ذَا الحُلَيْفة، فولدتْ أسماءُ بنتُ عُمَيس
محمَّدَ بن أبي بكر، فأرسَلتْ إلى رسولِ اللهِوَله: كيف أصنعُ؟ قالَ:
((اغتسِلي واستثفرِي بثوبٍ وأحرِمي)) فصلَّى رسولُ اللهِوَّهِ في المسجدِ، ثم
و (قوله: مرحباً بك) كلمة ترحيبٍ وإكرامٍ. وقد تقدَّم تفسيرها.
و (قوله: وقام في ساجةٍ ملتحفاً بها) السّاجة: ثوب كالطيلسان،
والمشجب: أعوادٌ تُوضَعُ عليها الثياب ومتاعُ البيت.
و (قوله: مكث رسولُ اللهِ ﴾ تسع سنين لم يحجّ) يعني في المدينة. وأمَّا
بمكة فحجَّ واحدةً باتفاق، واختلف في ثانية: هل حجّها أم لا؟.
کم حجّ
رسول الله رَ﴾؟
و (قوله لأسماء: ((استثفري))) أي: اجعلي لنفسك كثفر الدَّابة، ليمتنع سيلان
الدَّم. و (القصواء): اسم ناقته ◌َّهِ بالمدِّ والهمز. ووقع عند العذريِّ: القُصوى؛
بضم القاف والقصر. وهو خطأ في هذا الموضع. قال ابن قتيبة: كانت للنبيِّ وَّه
نوق رسول نُوقٌ منها: القصواء، والجدعاء، والعضباء. قال غيرُه: والخرماء، ومخضرمة.
وقال: هي كلُّها أسماءٌ لناقةٍ واحدةٍ. قال الحربيُّ: القصواء: التي قُطِع طرف أذنها.
والجدع، والخرم، والقصو: التي قُطِع طرفُ أذنها. والجدعُ أكثر منه. قال

٣٢٣
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي 15
ركبَ القَصْواءَ، حتَّى إذا استوتْ به ناقتُه على البَيْداءِ نظرتُ إلى مَدِّ بَصَري
بينَ يديْه مِن راكبٍ وماشٍ، وعن يمينِهِ مثلَ ذلكَ، وعن يسارِهِ مثلَ ذلكَ،
ومن خلفِهِ مثلَ ذلك، ورسولُ اللهِ وَّهِ بين أَظْهُرِنا، وعليه ينْزِلُ القرآنُ، وهو
يعرفُ تأويلَه، وما عَمِلَ به من شيءٍ عملنا به، فأهلَّ بالتوحيدِ: ((لَبَّيكَ اللهم
لَيْكَ، لا شريكَ لك ◌َبَيْكَ، إنَّ الحمدَ والنُّعمةَ لك والملكَ، لا شريكَ لكَ))
وأهلَّ النَّاسُ بهذا الذي يُهُّون به، فلم يَرُدَّ رسولُ اللهِّر عليهم شيئاً منه،
ولزمَ رسولُ الله ◌ِ لّهِ تَلْبِيتَه. قال جابر: لسْنَا نَنوي إلا الحَجَّ، لسنا نعرفُ
العُمرةَ،
الأصمعي: كلُّ قطْع في الأُذُن جدٌ. فإن جاوز الرُّبع؛ فهي عضباء. والمخضرم:
المقطوع الأذنين، فإذا اصطلمتا؛ فهي صلماء. وقال أبو عبيد: القصواء:
المقطوعة الأذن عرضاً. والمخضرمة: المستأصلة. والعضباء: النِّصف فما فوقه.
و (قوله: فنظرتُ إلى مدِّ بصري من راكبٍ وماشٍ) لا خلافَ في جواز الركوب
والمشي في
الرُّكوب والمشي في الحجِّ، واختلف في الأفضل منهما:
الحجِ
فذهب مالكٌ، والشَّافعي في آخرين: إلى أنَّ الركوبَ أفضلُ اقتداءً
بالنبيّ وَّهِ، ولكثرة النَّفقة، ولتعظيم شعائر الحجِّ بأبَّهةِ الركوب.
وذهب غيرُهم: إلى أنَّ المشيَ أفضلُ؛ لما فيه من المشقَّة على النفس.
ولا خلافَ في: أنَّ الركوبَ في الوقوف بعرفة أفضل. واختلفوا في الطواف
والسَّعي: والركوب عند مالك في المناسك كلها أفضل، للاقتداء بالنبيِّ ◌َّر. وقد
تقدَّم الكلامُ على التَّلبية.
و (قول جابرٍ: لسنا ننوي إلا الحجَّ، لسنا نعرفُ العُمرة) هذا يحتملُ أن يخبر العمرة في أشهر
به عن حالهم الأول قبل الإحرام، فإنهم كانوا يرون العُمرة في أشهر الحج من أفجر
الحج قبل
الإسلام
الفجور، كما تقدَّم. فلما كان عند الإحرام بيَّن لهم النبيُّ وَّ فقال: ((من أراد أن

٣٢٤
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
حتى إذا أتيْنَا البيتَ معه، استلمَ الرُّكنَ،
يُهِلَّ بحجِّ فليفعلْ، ومن أراد أن يُهلَّ بعُمرةٍ فليفعل، ومن أراد أن يهلَّ بحجِّ وعُمرةٍ
فليفعل)) فارتفَع ذلك الوَهَمُ الواقعُ لهم، كما سيأتي هذا إن شاء الله تعالى.
الرمل في
أشواط الطواف
الثلاثة
طواف القدوم
و (يستلم الركن) أي: يلمس الحجر الأسود بفيه، وسُمِّي الحجر: ركناً؛
لأنه في الركن. و (الرَّمل): تقريبٌ بين المشي والسير. وبفعله وَ ﴿ هذا تقرَّر أنَّ
الرَّمَلَ في الأشواط الثلاثة سُنَّةٌ راتبةٌ، وإن كان أصلُ مشروعيته في عُمرة القضاء
ليرى أهلُ مكة قوَّتهم، وجَلَدَهم، كما في حديث ابن عباس على ما يأتي؛ لكن لمَّا
فعله في حَجَّة الوداع مع زوال ذلك المعنى تحقَّق أنه تعبُّدٌ، وأنَّه سُنَّةٌ. وهذا
الطَّوافُ المذكورُ هنا؛ هو المسمَّى بطواف القدوم وهو سُنَّةٌ مؤكدةٌ يجب بتركه دمٌ
على غير المراهق(١). وهذا قولُ أبي ثورٍ، وأحد قولي مالكِ. وقيل: لا يجبُ
بتركه دمٌّ، ويجزىء عنه طواف الإفاضة. وهو قول الشَّافعيِّ، وأصحاب الرأي.
ولا يخاطب بطواف القدوم مكيٌّ .
الأطواف الثلاثة
والأطوافُ الثلاثة: هذا، وطواف الإفاضة - ويُسمَّى: طواف الزيارة؛ لأن
الطائفَ يزورُ البيتَ من مِنى، فيطوفه. وقد أجاز الحنفيُّ وغيرُه هذه التسمية، وكره
مالكٌ أن يقال: طوافِ الزِّيارة - وطواف الوداع، وهو الذي يُفعل عند الصَّدَر من
مكة. ولا دَمَ على تاركه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
و (قوله: وعليه ينزل القرآن، وهو يعرفُ تأويله) يعني: إنه إنما كان يفعلُ
من أفعال الحجِّ بحسب ما ينزل عليه به الوحي، فيفهمه هو ويُبيّنه للناس بفعله،
ولذلك قال ﴿لجه: ((خُذُوا عني مناسككم))(٢) فكانوا كما قال جابر: إذا عمل شيئاً
اقتداء
المسلمین
بالرسول الخ
في الحج
(١) ((المراهق)): هو الذي ضاق عليه الوقتُ بالتأخير حتى يخاف فوت الوقوف بعرفة.
(النهاية ٢٨٤/٢).
(٢) رواه مسلم (١٢٩٧)، وأبو داود (١٩٧٠)، والنسائي (٥/ ٢٧٠).

٣٢٥
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ◌َار
فرَمَلَ ثَلاثاً، ومَشَى أربَعاً .
- وفي رواية: لمَّا قَدَم مَكَّة أتى الحَجَر فاستلَمه، ثم مشَى يمينَه، فَرَمَلَ
ثلاثاً، ومشى أربَعاً - ثم نَفَذَ إلى مقام إبراهيمَ، فقرأ: ﴿وَأَّخِذُواْ مِن ◌َّقَامِ
إِبْرَهِمَ مُصَلّ﴾ [البقرة: ١٢٥] فجعل المقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فكانَ أبي
اقتدوا به فيه(١)، وعملوه على نحو ما عمل.
و (قوله: فأهلَّ بالتوحيد) يعني: بقوله: لبيك اللهم لبيك، لا شريك لك. التلبية في
بخلاف ما كانت تُلُبِّي الجاهلية؛ إذ كانت تشركُ بالله، فتقولُ في تلبيتها: إلَّا شريكاً الجاهلية
والإسلام
هو لك تملكه وما مَلَك. وقد تقدَّم القولُ على التلبية.
و (قوله: وأهلَّ الناسُ بهذا الذي يهلُون به) يعني: أنَّهم لم يلتزموا هذه هل يجزىء
التلبيةَ الخاصَّة التي لبَّى بها رسولُ اللهِ ﴿؛ إذ فهموا: أنها ليست مُتَعيِّئَةٌ، فإنه قد
التحمید
ترك وَ كلَّ أحدٍ على ما تيسّر له من ألفاظها؛ ومع هذا فلا بُدَّ أن يأتيَ الملِّي،
التلبية؟
ما يقال عليه تلبيةً لساناً. ولا يجزىء منها التحميد، ولا التكبير، ولا غيره، عند
مالك.
والتكبير عن
و (قوله: ثم نفذ إلى مقام إبراهيم) يعني: أنه صار إليه بعد أن فرغَ من
طوافه. والرِّواية هنا ﴿واتخذوا﴾ بكسر الخاء على الأمر. وهي قراءةُ الكوفيين،
وأبي عمرو. وهي أمر. وعلى قراءة الفتح، وهي قراءةُ الباقين، هو خبر عن
الملتزمين لاستقبال الكعبة. واختلف في مقام إبراهيم ما هو؟ فقال ابنُ عباس: هو ما هو مقام
مواقِفُه كلُّها. وقال الشعبيُّ وعطاء: هو عَرَفة، والمزدلفة، والجمار. وقال إبراهيم؟
مجاهد: الحَرَم. وقال جابرٌ وقتادة: الحجر: الذي قام عليه للبناء، فكان يرتفعُ به
كلما ارتفع البناء. ويرفعُ هذا الخلافَ، ويبيِّن المرادَ بالمقام قولُه: فجعل المقام
(١) من (هـ).

٣٢٦
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ال#
يقولُ: (ولا أعلمُه ذَكَرَه إلا عن النبيِّ وَّ) كان يقرأ في الرَّكعتين: ﴿قل هو
الله أحد﴾ و ﴿قل يا أيها الكافرون﴾ ثم رجعَ إلى الرُّكنِ فاستَلَمَه، ثم خرجَ
من البابِ إلى الصَّفا، فلما دَنَا من الصَّفا قرأ: ﴿﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَيْرِ
اللَّهِ ﴾ [البقرة: ١٥٨]
بينه وبين الكعبة. وهذا يدلُّ: على أنه هو الموضعُ المعروفُ هناك، الذي يستقبل
ركعتا الطواف باب البيت. و (مصلىً) أي: موضع صلاةٍ ودعاءٍ. وهاتان الركعتان هما المسنونتان
للطوَّاف. وهما سُنَّتان مؤكّدتان، يجبُ بتركهما دمِّ عند مالكِ. ويدركهما ما لم
يخرجْ من الحرم. فإن خرج ولم يركع؛ فهل يعيدُ الطواف لهما، أم لا؟ قولان.
فإذا قلنا: لا يعيدُ الطوافَ لهما فقد وَجَب الدَّم، وكذلك إذا رجعَ إلى بلاده وَجَبَ
الدَّم. وغير مالكٍ لا يرى فيهما دماً، ويركعهما متى ذكرهما.
و (قوله: ثم رجع إلى الركن واستلمه) يعني: بعد الصلاة، وهذا يدلُّ: على
شدة العناية والتهمُّم باستلام الحجر.
و (قوله تعالى: ﴿﴿ إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآيِرِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]) الصفا:
جمع صفاة. قال:
* لها كفلٌ كصفاة المسيل *
أو واحدٌ؛ والجمع: صِفِىَ. قال(١):
مَوَاقِعُ الطَّيْرِ مِنَ الصُّفِيِّ(٢)
(١) القائل هو الأخيل.
(٢) صدر البيت: كأن متْنَيْه من النَّفِيِّ.

٣٢٧
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ◌َ﴾
((أبدأُ بما بَدأَ اللَّهُ به)) فبدأَ بالصَّفا فَرَقِيَ عليه، حتى رأى البيتَ
فاستقبلَ القِبِلَةَ، فَوَحَّدَ اللَّه عزَّ وجلَّ، وكَبَّره وقال: ((لا إلهَ إلا اللَّهُ
وحدَه لا شريكَ له، له الملك وله الحمدُ، وهو على كلِّ شيءٍ قدير،
وهو حجرٌ أملس، وهو الصفوانَ. و (المروة) من الحجارة ما لان وصغر.
قال(١):
صليلُ زُيُوفٍ يُنْتَقَدْنَ بِعَبْقَرا
كَأَنَّ صَلِيلَ المَرْوحِيْنَ تَشُدُّهُ
وقال آخر :
فَإِذَا مَا صادَفَ(٢) المَرْوَ رَضَخْ
وَيُوالي الأرض خُفّاً ذَابِلاً
وهما هنا اسمان لصفحين معلومين. وقيل: سُمِّيا بذلك لجلوس الصفي
وامرأته عليهما. و (الشعائر): المعالم التي للحجِّ، جمع شعيرةٍ، سميت بذلك لما
تُشْعِر به تلك المواضع من أعمال الحجِّ. أي: تُعْلِم، أو لما يستشعر هناك من
تعظيم الله تعالى، والقيام بوظائفه .
والطوافُ بين الصفا والمروة ركنٌ من أركان الحجّ والعُمرة عند جمهور السعي بين
العلماء. ما خلا أبا حنيفة؛ فإنه لم يره فيهما واجباً في الحج. وسيأتي استيفاءُ الصفا والمروة
الکلامُ علیھما إن شاء الله تعالی.
و (قوله: ((أبدأ بما بدأ اللَّهُ به))) فبدأ بالصَّفا فرقي عليها حتى رأى البيت، بدء السعي
بالصفا
فاستقبله. هكذا المشروعيةُ المستحبَّةُ مهما أمكنت. ولذلك يمنعُ الابتداءُ بالمروة،
فإن فعل ألغي ذلك الشَّوطُ عند الجمهور. وقال عطاء: إن جهلَ ذلك أجزأه.
(١) هو امرؤ القيس.
(٢) في (هـ) و (ل): صدف.

٣٢٨
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ◌َ#
لا إلهَ إلا اللَّهُ وحدَه، أنجزَ وعده، ونصرَ عبده، وهزمَ الأحزابَ وحده)) ثم
دعا بينَ ذلكَ. قال مثلَ هذا ثلاثَ مَرَّات. ثم نزلَ إلى المروةِ حتَّى انصَبَّتْ
قدمَاهُ في بَطْنِ الوادِي سعَى، حتى إذا صَعِدَتا مشى حتى أتى المروةَ، ففعلَ
على المروةِ كما فعلَ على الصَّفا، حتى إذا كانَ آخرُ طَوافٍ على المروةِ
قال: ((إني لو استقبلتُ مِن أمري ما استدبرتُ لم أسقِ الهَدْيَ، ولجعلتُها
عُمْرةً، فمنْ كانَ منكم ليسَ معَه هَذْيٌ فليَحِلَّ وليجعلْها عمرةً)) فقامَ
سُرَاقَةُ بن مالكِ بن جُعْشُمَ، فقالَ: يا رسول الله! ألِعَامُنا هذا أم لأَبَدٍ.
فِشَبَّكَ رسولُ اللهِ﴿ أصابعَه واحدةً في أخرى، وقال: ((دَخَلَتِ العُمرةُ في
الحَجِّ) مرتين ((لا بل، لأبدٍ أبَدٍ)) وقدم عَليٍّ من اليمنِ بِبُدْنِ النبيِّ ◌َِّ، فوجدَ
ويكره الجلوسُ على الصَّفا والمروة، والدعاء عليهما كذلك، ويُؤْخَذُ من قوله ◌َّتِ:
((أبدأ بما بدأ الله به)): أنَّ الذي يقدَّم ليعطفَ عليه أوكد من المعطوف في مقصود
المقدِّم بوجهٍ ما، كما يفهم من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَتِ وَالْمُؤْمِنِينَ
وَاَلْمُؤْمِنَتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]، ومن قوله تعالى: ﴿وَإِ لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَءَامَنَ وَعَمِلَ
صَلِحًا﴾ [طه: ٨٢] فإن المعطوف عليه في هذه المواضع مقدّم لمزيةٍ له على
المعطوف. ومثل هذا كثيرٌ، وله موضعٌ آخرُ يُعْرَفُ به. ولا يُفْهَمُ منه: أن الواو
ترتّب؛ لأنه إنما أخذه بالابتداء لا بالترتيب. وقد تقدم القولُ على تحلُّلهم بعمل
العمرة.
و (قول سراقة بن جُعْشُم: ألعامنا هذا أم لأبد؟ فقال: ((دخلت العمرةُ في
معنی: دخلت
العمرة في الحج، لا، بل لأبدٍ أبد))) ظاهر هذا السؤال والجواب: أنهما في فسخ الحجِّ في
الحج
العُمرة، فيقتضي أن ذلك جائز مطلقاً مُؤبّداً، وليس مخصوصاً بالصحابة. وبهذا
استدلَّ من قال بجواز ذلك مطلقاً، وهم أهلُ الظاهر. وقد صرف هذا الظاهرَ
الجمهورُ إلى: أنَّ السؤالَ إنما كان عن فِعْلِ العُمرة في أشهر الحجِّ، فأجاب بذلك.
وعلى هذا: فيكونُ معنى ((دخلت العمرةُ في الحج))؛ أي: في أشهر الحجّ. وقيل:

٣٢٩
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي كلّ
فاطمةَ ممن حَلَّ ولَبِسَتْ ثياباً صَبيغاً واكتحلتْ، فأنكرَ ذلك عليها، فقالتْ:
إِنَّ أبي أَمَرني بهذا، قالَ: فكانَ عليٍّ يقولُ بالعراق: فذهبتُ إلى رسولِ الله
مِحَرِّشاً على فاطمَة، للذي صَنَعَتْ، مُستفتياً لرسول الله وَِّ فيما ذكرتْ
عنه. فأخبرتُه أني أنكرتُ ذلكَ عليها. فقال: ((صَدَقَتِ صَدَقَتْ، ماذا قلتَ
دخلت العمرةُ بالحجِّ؛ أي: في حقِّ القارن. والذي حملهم على هذه التّأويلات
ما تقدَّم من أنَّ الأصلَ وجوبُ الإتمام لما دخل فيه من الحج والعُمرة وأن الصَّحابة
قد قالوا: إنَّ ذلك كان مخصوصاً بهم كما تقدَّم، والله تعالى أعلم.
و (قوله: حتى انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي) هكذا صحَّت روايتي فيه.
وقال القاضي عياض: حتى إذا انصبَّتْ قدماه في بطن الوادي، بـ (إذا)، وقال:
هكذا في جميع النسخ الواصلة إلينا من مسلم، ليس في أصول شيوخنا فيها
اختلاف، وفيه وَهم، وإسقاط لفظة: رمل، وبها يتمُّ الكلام، وكذا جاء في غير
مسلم: حتى إذا انصبَّت قدماه في بطن الوادي رَمَل. قلتُ: هذا الوهم الذي أبداه
لازم على روايته هو، إذ رواه بـ (إذا) فيحتاج إلى الجواب، فأبداه. وأما على
ما رويته أنا من إسقاط: إذا، فلا يحتاج إلى تقدير ذلك؛ إذ ليس في الكلام
ما يستلزمه. فتأمَّله. و (الرَّمَل): سُنَّ في السعي في بطن الوادي، واختلف فيمن الرّمل في بطن
تركه؛ هل يلزمه دمٌ أم لا؟ واختلف في تعليل الرَّمَل، وفي سبب اختصاصه بذلك الوادي في
المحلِّ؛ فقيل: فَعَلِهِوَ﴿ هناك ليرى المشركون جَلَده وجَلَد أصحابه. قلتُ: وهذا السَّعي
إنما كان في عُمرة القضاء، غير أنه دام على فعله في حَجَّته، فدلَّ: على أنه سُنَّةٌ
راتبةٌ. وقيل: بل اقتدى فيه بهاجَر في سَعْيها لطلب الماء لولدها، على ما جاء في
الحديث. ويقال للطواف بينهما: طواف وسعي، ولا يقال: شوط، ولا دور، وقد
كرهه جماعةٌ من السلف والشَّافعيُّ.
و (قوله: ((لو استقبلتُ من أمري ما استدبرتُ لم أسق الهديّ، ولجعلتها
عُمرةً)) هذا يردُّ على مَن قال: إنَّ النبيَّ ◌َ﴿ أحرم مُتمتعاً، ويدلُّ: على أنَّه إنما
إحرام رسول الله
** كان قراناً

٣٣٠
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
حِينَ فَرَضْتَ الحَجَّ؟)) قالَ: قلتُ: اللَّهُمَّ إني أُهِلُّ بما أَهَلَّ به رسولُكَ. قال:
((فإنَّ مَعِي الهَدْيَ فلا تَحِلُّ» قال: فكان جماعةُ الهَدْي الذي قَدِمَ به عليٍّ من
اليمنِ والذي أتى به النبيُّوَلِّمِئةً. قال: فَحَلَّ النَّاسُ كلُّهم وقصّروا، إلا النبيَّ وَّ
ومن كان معَه الهَدْي، فلما كانَ يومُ التَّروِيَة توجَّهوا إلى مِنى، فأهلُّوا بالحَجِّ
أحرم بما أحرم به مُختاراً له، وإنه خُيِّر في أنواع الإحرام الثلاثة، ولم يُعيَّن له واحدٌ
فيها؛ فأمر به. لكنه اختار القران على ما تقدَّم، ثمَّ إنه لما أمر أصحابَهُ بالتحلُّل
بعمل العُمرة، فتوقَّفوا لأجل أنَّه لم يتحلَّل هو؛ أخبرهم بسبب امتناعه، وهو:
سوقُه الهديّ، ثم أخبرهم: أنه ظهر له في ذلك الوقت ما لم يظهر له قبل ذلك من
المصلحة التي اقتضت أن أباحَ لهم فَسْخ الحجِّ، وأنّه لو ظهر له من ذلك قبل
إحرامه مما ظهر له بعد؛ لأحرم بعمرةٍ حتى تطيب قلوبهم، وتسكن نفرتهم من
إيقاع العُمرة في أشهر الحجِّ.
وإنكارُ عليٍّ على فاطمة تحلُّلها: إنما كان لأنه عَلِم أنها أحرمتْ بالحجِّ،
وأنَّها تحللتْ منه قبل إتمامه، وإنما أمرها النبيُّ ◌َّه بالتحلُّل؛ لأنها لم تسق
الهدي، كما أمر غيرها ممن لم يسق الهديَ.
و (قوله وَّ لعليَّ - رضي الله عنه -: ((بم أهللت؟))) يدلُّ: على أنه لم يكن
عنده خبرٌ بما به يُخْرِمِ النبيُّ وَ﴿، ولم يتقدَّم له فيه عهدٌ منه، وأنَّ عليّاً - رضي الله
عنه - هو الذي ابتدأ إحرامه محالاً به على إحرام النبيِّ ◌َ ﴿ من غير تعيين حجّ
ولا عُمرةٍ، وأنه وَلّهِ أقرَّه على ذلك، فكان ذلك حُجَّةً على جواز الحوالة على
إحرام الغير مطلقاً إذا تحقَّق أنه أحرم ولا بدَّ، وبه قال الشَّافعيُّ، وأخذ منه جواز
الإحرام من غير تعيينٍ، ثم بعد ذلك یعيَّن. وسيأتي.
و (قوله: فلما كان يوم التروية توجَّهوا إلى مِنى، فأهلُوا بالحجِّ) يوم التروية:
هو اليومُ الثامن من ذي الحجة. سُمِّي بذلك: لأنَّ قريشاً كانت تحملُ الماء من مكة
إلى مِنى للحاجٌّ تسقيهم، فيروَون منه. و (توجهوا): قصدوا، وأخذوا في الأهبة
الحوالة على
إحرام الغير
الإهلال بالحج
مِنْ مكة

٣٣١
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
وركبَ النبيُّ وَّهِ، فصلَّى بها الظهر والعصرَ والمغربَ والعِشاءَ والفجرَ. ثم
مكثَ قليلاً حتَّى طلعتِ الشمسُ، فَأَمَرَ بِقُبَّةٍ من شَعَرٍ تُضْربُ له بنمرةَ. فسارَ
إلى مِنى. لا أنَّهم توجَّهوا بمشيهم إلى مِنى، فأحرموا منها، فإنَّ ذلك باطلٌ بإجماع
العلماء. على أنَّهم أحرموا من مكة. والمستحبُّ عند أكثر العلماء فيمن أحرم من
مكَّة بالحجِّ أن يكونَ إحرامه من مكة مُتَّصلاً بسيره إلى مِنى يوم التروية؛ أخذاً
بظاهر هذا الحديث. واستحبَّ بعضُهم أن يكون ذلك أول هلال ذي الحجّة
ليلحقهم من الشَّعث إلى وقت الحجِّ ما لحق غيرهم. والقولان عن مالكِ، وقد
تقدَّم في حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -.
و (قوله: وركب النبيُّ ◌َ له إلى مِنى، فصلَّى بها الظهر، والعصر، والمغرب، الخروج إلى
والعشاء، والفجر) يعني: أنه صلَّى كلَّ صلاةٍ في وقتها، غير مجموعةٍ، كما قد منى يوم التروية
توهَّمه بعضُهم، ممن لا يعرف. وإنما ذكر عدد الصلوات الخمس هنا ليعلم الوقت
الذي وصل فيه إلى مِنى؛ والوقت الذي خرجَ فيه منها إلى عرفة، ولذلك قال مالك
باستحباب دخوله إلى مِنى، وخروجه منها في ذينك الوقتين المذكورين. وقد
استحبَّ جميعُ العلماء الخروجَ إلى مِنى يوم التَّروية، والمبيت بها، والغدوَّ منها
إلى عرفة، ولا حرج في ترك ذلك، والخروج من مكة إلى عرفة، ولا دم.
و (نمرة) هو موضعٌّ بعرفة. وهو الجبلُ الذي عليه أنصاب الحرم، على يمين
الخارج من مأزمي مِنى إلى الموقف. و (نمرة) أيضاً: موضعٌ آخر بقُدَيْد. وفيه
دليلٌ: على جواز استظلال المحرم في القِباب والأخبية، ولا خلافَ فيه. واختلفَ استظلال
في استظلال الراكب في حال وقوفه، فكرهه مالك، وأهل المدينة، وأحمد بن
المحرم
حنبل. وأجاز ذلك غيرهم. وعليه عند مالك الفدية إذا انتفعَ به، وكذلك استظلاله
عنده(١) في حال سيره. وكذلك لو كان نازلاً بالأرض أو راجلاً فاستظلَّ بما يقربُ
من رأسه. وسيأتي الكلامُ عليه.
(١) أي: عند مالك.

٣٣٢
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
رسولُ اللهِوَ ﴿ ولا تشكُّ قريشٌ إلا أنه واقفٌ عند المَشْعِرِ الحَرام كما كانت
قريشٌ تصنعُ في الجاهليةِ. فأجازَ رسولُ اللهِ وَّهِ حَتَّى أتى عَرَفَة، فوجدَ
القُبَّةَ قد ضُربتْ له بِنَمِرَةَ، فنزلَ بها. حتَّى إذا زاغَتِ الشمسُ أمرَ بالقَصْوَاءِ،
فَرُحِلَتْ له، فأتى بَطَنَ الوَادِي، فخطبَ النَّاسَ، وقال: ((إنَّ دماءكم وأموالَكم
و (قوله: ولا تشكُّ قريشٌ إلا أنَّه واقفٌ عند المشعر الحرام) يعني: كما
موقف قريش كانت قريشٌ تصنعُ في الجاهلية؛ فإنَّها كانت تقفُ بالمشعر الحرام بدل وقوف
في الجاهلية
الناس بعرفة، وتقول: نحن أهلُ الحرم، لا نخرجُ منه إلى الحلِّ. وكان هذا من
جملة ما ابتدعتْ وغيّرتْ من شريعة إبراهيم وسُنَّته في الحجِّ.
و (قوله: فَرُخِّلَتْ له القصواء) أي: وُضِع عليها الرَّحْل، و (القصواء) ناقته،
وقد تقدَّم ذكرها. و (زاغت الشَّمس) مالت. و(بطن الوادي) المنخفض منه،
ويعني به: وادي عُرَنَة المعروف هناك، وهو موضعٌ متسعٌ، جامع. ولذلك خصَّه
بخطبته. والله تعالى أعلم.
خطبة عرفة
و (قوله: فخطب الناس) دليلٌ: لمالكِ وجميع المدنيين، والمغاربة؛ إذ
قالوا: ليوم عرفة خطبةٌ قبل الصَّلاة، يذكِّر الناس فيها، ويعلمهم ما يستقبلون من
الوقوف وغيره من المناسك. وهو أيضاً حُبَّةٌ على الشافعيِّ وأبي حنيفة؛ إذ قالا:
ليس عرفة بموضع خطبةٍ، وهو قولُ العراقيين من أصحابنا.
خطب الحج
وخُطَبُ الحجّ عندنا ثلاثة: يوم التروية بعد صلاة الظهر في المسجد الحرام،
يذكّر الناس، ويعلمهم أحكام إحرامهم، ويحضّهم على الخروج إلى مِنى.
والثانية: بعرفة قبل الصلاة بإجماع من القائلين بها. وأجمعوا: على أنه لو
صلَّى ولم يخطبْ فصلاتُه جائزةٌ.
والثالثة: بعد يوم النحر، يُعلِّمُهم فيها أحكامَ الرمي والتَّعجيل.

٣٣٣
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي #
حَرامٌ عليكم، كحُرْمةِ يومِكم هذا، في شهرِكُم هذا، في بلدِكُم هذا. ألا
كُلُّ شيءٍ من أمرِ الجاهليةِ تحتَ قَدَمَيَّ موضوعٌ، ودماءُ الجاهليةِ موضوعةٌ،
وإنَّ أوَّلَ دمٍ أَضَعُ مِن دِمائِنا دمُ ابنِ ربيعةً بن الحارثِ، كانَ مُسْترضَعاً في
بني سَعْدٍ، فَقتلتْه هُذَيلٌ، ورِبَا الجاهليةِ موضوعةٌ، وإنَّ أَولَ رباً أضعُهُ رِبَانا،
ربَا العبّاس بن عبد المطلب. فإنه موضوعٌ كلُّه. فاتَّقُوا اللَّهَ في النِّساءِ،
فإنَّكم أخذتمُوهنَّ بأمَانَةِ اللَّهِ.
و (قوله: ((أَلا كلُّ شيءٍ من أمر الجاهلية تحت قدميَّ موضوعٌ))) يعني به: إلغاؤهِ ﴿ ما
الأمور التي أحدثوها، والشرائع التي كانوا أشرعوها في الحجِّ وغيره. وهذا ابتدعه
كقوله وَلجه: ((من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردِ))(١).
الجاهليون في
الحج
و (قوله: ((وربا الجاهلية موضوعٌ))) الرِّبا: الزيادة، والكثرةُ لغةً. ثم إنهم إيطال الربا
كانت لهم بيوعاتٌ يسمُونَها: بيع الربا. منها: أنهم كانوا إذا حلَّ أجلُ الدَّين يقولُ وتحريمه
الغريمُ لربِّ الدَّين: أنظِرني، وأزيدك. فيُنْظِرِه إلى وقتٍ آخر على زيادةٍ مقرَّرةٍ، فإذا
حلَّ ذلك الوقت الآخر قال له أيضاً كذلك، وربما يؤدِّي ذلك إلى استئصال مال
الغريم في نزرٍ يسيرٍ كان أخَذه أوَّل مرةٍ. فأبطل اللَّهُ ذلك، وحرَّمه، وتوعَّدَ عليه
بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَوْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِى يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ
الْمَسِّ ... ﴾ الآيات [البقرة: ٢٧٥ - ٢٨١] وردَّهم فيه إلى رؤوس أموالهم، وبلَّغ
ذلك رسول الله ﴿ قرآناً وسُنَّةً، ووعظ الناس، وذكَّرهم بذلك في ذلك الموطن مبالغةً
في التبليغ، وبدأ ﴿ بربا العباس لخصوصيته بالنبيَِّ ﴿ ليقتدي الناسُ به قولاً
وفعلاً؛ فيضعون عن غرمائهم ما كان من ذلك.
و (قوله: ((فاتقوا اللَّهَ في النِّساء، فإنَّكم أخذتموهنَّ بأمانة الله))) أي: بأنَّ الله الوصية بالنساء
ائتمنكم عليهن، فيجبُ حِفْظَ الأمانة وصيانتها بمراعاة حقوقها، والقيام بمصالحها
(١) رواه أحمد (٧٣/٦)، والبخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨) (١٨).

٣٣٤
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ◌ِ﴾
واسْتَخْلَلْتُم فروجهنَّ بكلمةِ اللَّه. ولكم عليهنَّ ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكُم أحداً
تكرهونَه، فإنْ فعلنَ ذلكَ فاضرِبُوهنَّ ضَرْباً غيرَ مُبرِّحٍ. ولهنَّ عليكم
رزقُهنّ، وكسوتُهنَّ بالمعروف. وقد تركتُ فیکم ما لن
الدينية والدنيوية. وجاء في حديث آخر: ((فإنهن عوانٍ عندكم))(١) جمع: عانية.
وهي الأسيرةُ. والعاني: الأسير. وذلك أنها محبوسةٌ لحقُّ الزوج، وله التصرُّف
فيها، والسَّلطنة عليها.
و (قوله: ((واستحللتم فروجهنَّ بكلمة الله))) قيل: إنَّ كلمة الله كلمة: لا إله
إلا الله. ومعنى هذا عند هذا القائل: إنه لولا الإسلامُ للزوج لما حلَّت له. وقيل:
هي كلمةُ النكاح التي يستحلُّ بها الفرج. وهي الصيغُ التي ينعقد بها النكاح. وأشبه
من هذه الأقوال: أنها عبارةٌ عن حكمه تعالى بحليَّة النكاح، وجوازه، وبيان
شروطه؛ فإنَّ حُكْم الله كلامه المتوجّه للمحكوم عليه على جهة الاقتضاء أو التخيير
على ما قدَّمناه فيّ الأصول.
من واجبات
الزوجات
و (قوله: ((ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحداً تكرهونه))) معنى هذا:
لا يُدْخِلْنَ منازلكم أحداً ممن تكرهونه ويدخل في ذلك الرجال، والنساء، الأقرباء
والأجانب. وقد بيَّنا هذا المعنى فيما تقدم. ولا يُفهم من هذا الكلام: أنه النهي عن
الزِّنى؛ فإنَّ ذلك يَخْرِمِ مع مَن يكرهه الزَّوج ومع مَن لا يكرهه. وقد قال: ((أحداً
تكرهونه)) ثم إنها تكونُ استعارةً بعيدةً. وأيضاً: فإن الزنى يترتب عليه الحدُّ.
الرفق بالتأديب
و (قوله: ((فاضربوهن ضرباً غير مُبرِّح») ليس بالحدِّ، وإنما هو تأديبٌ.
والمبرِّح: الشديد الشاقُّ. والبَرْح: المشقَّة الشديدة، وفيه إباحة تأديب الرجل
زوجته علی وجه الرِّفق.
و (قوله: ((ولهنَّ عليكم رزقُهن وكسوتُهن بالمعروف))) أي: بما يعرف من
النفقة على
الزوجة
(١) رواه ابن ماجه (١٨٥١) من حديث عمرو بن الأحوص.

٣٣٥
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
تَضِلُّوا بعدَه إنِ اعتصمتُم به: كتابَ الله. وأنتم تُسألونَ عَنِّي. فما أنتم
قائلونَ؟» قالوا: نشهدُ أنَّك قد بَلَّغتَ وأَدَّيتَ ونَصَحْتَ. فقالَ بإصبعِه
السَّبابَةِ، يرفعُها إلى السَّماءِ ويُنَكِّبُها إلى النَّاس: ((اللَّهُمَّ! اشهدْ. اللَّهُم!
اشهدْ ثلاثَ مَرَّات. ثم أَذَّنَ، ثم أقامَ فصلَّى الظهرَ، ثم أقامَ فصلَّى العصرَ،
حاله وحالها، وهو حُجَّةٌ لمالك؛ حيث يقول: إنَّ النفقات على الزوجات غير
مقدراتٍ، وإنما ذلك بالنظر إلى أحوالهم وأحوالهنَّ.
و (قوله: فقال بأصبعه السَّبابة يرفعُها إلى السَّماء، ويُنكِّبُها إلى الناس) هذه
الإشارة منه 18 إمَّا إلى السماء؛ لأنها قِبلة الدعاء، وإمَّا لعلوّ الله المعنوي؛ لأنَّ
الله تعالى لا يحويه مكان، ولا يختصُّ بجهةٍ. وقد بيَّن ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ
مَمَكُنْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] و (يُنكِّبُها) روايتي في هذه اللفظة، وتقييدي على
مَن أعتمده من الأئمة المقيّدين؛ بضم الياء، وفتح النون، وكسر الكاف مشدّدةً،
وضم الباء بواحدةٍ. أي: يُعَدِّلها إلى الناس، وقد رويت: (يَنْكُبُها) مفتوحة الياء،
ساكنة النون، ويضم الكاف، ومعناه: يقلبها، وهو قريب من الأول، وقد رويت:
(ینكُتُها) باثنتين فوق، وهي أبعدُها.
و (قوله بعد الفراغ من الخطبة: ثم أذَّن، ثم أقام) دليلٌ: على تقديم الخطبة تقديم الخطبة
على الصلاة، وعلى أنَّ الأذانَ بعد الخطبة. وبه أخذ مالكٌ في أحد أقواله؛ فإنَّه
على الصلاة في
عرفة
رُوي عنه: أنه يؤذن بعد تمام الخطبة، فيجلس الإمامُ على المنبر، ويُؤْذِّن المؤذن.
ورُوي عنه أيضاً: أنَّه يؤذن في آخر خطبة الإمام حتى يكون فراغُ الإمام من الخطبة
مع فراغ المؤذن من الأذان. وهو قولُ الشَّافعيّ. وروي عنه: أنه يؤذن لها إذا جلس
بين الخطبتين. وقال أبو ثور: يؤذِّنُ المؤذِّنُ والإمامُ على المنبر قبل الخطبة؛
کالجمعة. ورُوي أيضاً مثله عن مالك.
الجمع بين
الظهر والعصر
و (قوله: فصلَّى الظهر، ثمّ أقام فصلَّى العصر) فيه دليلٌ: على أنَّ الجمعَ بين في عرفة

٣٣٦
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ﴾
ولم يُصلِّ بينَهما شيئاً. ثم ركبَ رسولُ الله ◌َ ◌ّهِ. حتى أتى المَوْقِفَ،
الصَّلاتين يُكتفى فيه بأذانٍ واحدٍ للصلاتين، وعلى أن كلَّ صلاةٍ منهما لا بُدَّ لها من
إقامةٍ. وهذا قولُ أحمد، وأبي ثور، وابن الماجشون، والطحاوي. وقال مالك:
يؤذن ويقيم لكلِّ صلاة قياساً على سائر الصلوات. وهو مذهبُ عمر، وابن مسعود
- رضي الله عنهما - وذهب أبو حنيفة، وأبو يوسف: إلى أذان واحدٍ، وإقامة
واحدةٍ. وقال الشَّافعيُّ في أحد قوليه : بإقامتین دون أذانٍ. وروي مثله عن القاسم،
وسالم. ومثله في كتاب ابن الجلَّب(١). وقال الثوريُّ: تُجزىء إقامةٌ واحدة
لا أذانَ معها. قلتُ: والصحيحُ الأول؛ حسب ما دلَّ عليه الحديث. والجمع بعرفة
والمزدلفة في ذلك سواء.
و (قوله: ولم يُصَلِّ بينهما شيئاً) أي: لم يُدْخِلْ بينهما صلاة أخرى، لا نَفْلاً،
ولا غيره. وبهذا قال مالكٌ وغيره. وقال ابنُ حبيب: يجوزُ أن يتنفَّلَ بينهما. وليس
بالبيِّن. ولا خلافَ في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفة ومزدلفة. وإنما اختلفوا
فيمن فاته الجمعُ مع الإمام بعرفة. فالجمهور: على أنه يجمعُ بينهما اتِباعاً
لفعله وَّر. وقال الكوفيون: يصليهما من فاتتاه لوقتهما، ولا يجوزُ الجمعُ إلا مع
الإمام. ولم يختلف: أنَّ من صلّهما في وقتهما أنَّ صلاته جائزة إذا لم يكن إماماً.
واختلفوا فيمن صلَّى قبل أن يأتي المزدلفة، فذهب الكوفيون: إلى أنهما
لا يُجْزیانه؛ ويُعيدهما؛ وإن صلَّهما بعد مغيب الشفق. وقاله ابنُ حبيب. وقال
مالك: لا يُصليهما قبل المزدلفة إلا مِنْ عُذْرٍ به، أو بدابَّته، ولا يجمعُ هذا بينهما
حتى يغيب الشَّفق. وقال مالك: يُصلِّيهما لوقتهما. وقيل: تجزئه صلاتهما في
وقتهما قبل المزدلفة؛ كان إمام الحاجُّ أو غيره؛ وهو مرويٍّ عن جماعةٍ من الصحابة
والتابعين. وقاله الشَّافعي، والأوزاعيُّ، وأبو يوسف، وأشهب من أصحابنا.
(١) هو عبيد الله بن الحسن بن الجلاب المصري، توفي سنة (٣٧٨ هـ).

٣٣٧
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي #
فجعلَ بطنَ ناقتِهِ القصْواءِ إلى الصَّخَراتِ ، وجعلَ حَبْلَ المُشاهِ بينَ يديْه،
واستقبلَ القبلةَ، فلم يَزَلْ واقفاً حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وذهبتِ الصُّفرةُ قليلاً،
وسُمِّيَت المزدلفةُ بذلك؛ لاقتراب الناس بها إلى مِنىّ للإفاضة من عرفاتٍ. لم سميت
والازدلاف: القرب. يقال: ازدلف القومُ؛ إذا اقتربوا. وقال ثعلب: لأنها منزلةُ المزدلفة
قربةٍ الله تعالى. وقال الهروي: سُمِّيت بذلك: لازدلاف النَّاس بها. والازدلاف:
بذلك؟
الاجتماع. وقيل سُمِّيت بذلك: للنزول بها بالليل. وزلف الليل: ساعاته. وتسمَّى
أيضاً المزدلفة: بالمشعر؛ لأنها من المشاعر، وهي المعالم. والصواب: أن
المشعرَ موضعٌ مخصوصٌ من المزدلفة، وهو الذي كانت الحُمْسُ تقفُ فيه، ولا
تتعدّاه، ويُكتفى بالوقوف فيه عن عرفة.
وسُمِّيَت مِنِىّ بذلك: لما يُمنى فيها من الدماء، أي: تراق. وقيل: لأنَّ آدم لم سميت منى
بذلك؟
تمثّی الاجتماع مع حواء فيها .
وسُمِّيت عرفة بذلك: لأنَّ جبريلَ عرّف آدم، فقال: عرفتَ عرفت؟ وقيل: لم سميت عرفة
لأنَّ آدمَ تعرَّف فيه بحواء بعد إنزالهما إلى الأرض، وهي المعرَّف. والتعريف: بذلك؟
الوقوفُ بها.
و (قوله: وجعل حَبْل المشاة بين يديه) يريدُ: صفّهم ومجتمعهم. وحَبْل
الرّمْل: ما طال منه. وقيل: حَبْل المشاة: طريق الرَّجَّالة، حيث يسلكون.
و (قوله: وجَعَل بطنَ ناقته إلى الصَّخَرات) يعني - والله أعلم - أنه علا على
الصَّخراتِ ناحية منها، حتى كانت الصخراتُ تُحاذي بطنَ ناقته.
و (قوله: فلم يزلْ واقفاً بعرفة حتى غربت الشمس، وذهبت الصُّفرةُ قليلاً) الوقوف بعرفة
لا خلافَ في أَنَّ الوقوفَ بعرفة ركنٌ من أركان الحجِّ، وأنه مِن بعد الزّوال، وأنه
لا يُجزىء قبله، وأن وقوفَ الليل يُجزىء. وأكثر العلماء: على أنَّ وقوفَ النهار
يُجزىء إلا مالكاً؛ فإنه في معروف مذهبه كمن لم يقف، ولا خلافَ في أفضلية

٣٣٨
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي الإ#
حتى غابَ القُرْصُ، وأردفَ أسامةَ خلْفه، ودفعَ رسولُ اللهِ وَّهِ، وقد شَنَقَ
للقَصواءِ الزّمام، حتى إنَّ رأسَها ليُصيبُ مَوْرَكَ رَحْلِه، ويقولُ بيده اليُمنى:
الجمع بين الوقوفين ليلاً ونهاراً. وفيه دليلٌ: على الاحتياط بأخذ جُزءٍ من الليل
زائدٍ علی مغيب الشمس.
قلتُ: وقد روى الترمذيُّ حديثاً صحيحاً يرفعُ الخلافَ في هذه المسألة: عن
عروة بن مُضرَّس - رضي الله عنه - قال: أتيتُ رسولَ الله ◌ِ * بالمزدلفة حين خرج
إلى الصَّلاة، فقلت: يا رسول الله! إنِّي جئتُ من جبلي طيء، أَكْلَلْتُ راحلتي،
وأتعبتُ نفسي، والله ما تركتُ من جبل إلا وقفتُ عليه! فهل لي من حجٌّ؟ فقال
رسولُ الله ◌َ له: ((مَن شهد صلاتنا هذه، فوقف معنا حتى ندفع؛ وقد وقف بعرفة
قبل ذلك ليلاً أو نهاراً فقد تمَّ حجّه، وقضى تفئه))(١). قال: هذا حديث حسنٌ
صحيحٌ. وزاد النَّسائي: ((ومن لم يدرك مع الإمام والناس؛ فلم يدرك)). وظاهر
هذا: أنه لا يلزم الجمعُ بين وقوف الليل والنهار، بل أيُّهما فعل أجزأ؛ لأن الرواية
فيه بـ (أو) التي هي لأحد الشَّيئين، غير أنَّه قد جاء في كتاب النَّسائي من حديث
عبد الرحمن بن يعمر - رضي الله عنه - قال: شهدت النبيَّ ◌َ﴿ بعرفة، وأتاه ناسٌ
من نجدٍ، فأمروا رجلاً، فسأله عن الحجِّ؟ فقال: ((الحجُّ عرفة، من جاء ليلة جمع
قبل صلاة الصبح؛ فقد أدرك حجَّه)). وقال الترمذي: ((من جاء ليلة جمع قبل طلوع
الفجر)). قال وكيعٌ: هذا الحديثُ أمُّ المناسك. وقال: حديث حسنٌ صحيح(٢).
و (شَتَقِ الزمام) ضمَّه، وضيّقه على ناقته. وقد فسَّره بقوله: حتى إنَّ رأسَها
ليصيبُ مَوْرَكَ رَحْلِهِ. وهو قطعةٌ من أدم يتورك عليها الراكبُ، تجعلُ في مقدمة
الرَّحل، شبه المِخدّة. قال القاضي عياض: مورك؛ بفتح الراء.
(١) رواه الترمذي (٨٩١)، والنسائي (٢٦٣/٥).
(٢) رواه الترمذي (٨٨٩)، والنسائي (٢٦٤/٥).

٣٣٩
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي ا #
(أيُّها النَّاسُ! السكينةَ السَّكينةَ)) كلَّما أتى جبلاً من الجبال أرخَى لها قليلاً،
حتى تَصْعَدَ. حتى أتى المزدلفةَ، فصَلَّى بها المغربَ والعِشاءَ بأذانٍ واحدٍ
وإقامتين، ولم يُسبِّح بينَهما شيئاً. ثم اضْطَجعَ رسولُ اللهِ وَِّ حتى طلَعَ
الفجرُ، فصلَّى الفجرَ، حينَ تبيَّنَ له الصبحُ، بأذانٍ وإقامةٍ. ثم ركبَ
القصواءَ، حتى أتى المَشْعَر الحرامَ. فاستقبلَ القِبْلَة، فدعاه وكبّره وهلَّله
ووخَّدَه، فلم يزلْ واقفاً حتى أسفرَ جداً. فدفعَ قبلَ أن تطلعَ الشَّمسُ،
وأردفَ الفَضْلَ بنَ عَبَّاس، وكان رجلاً حَسَنَ الشَّعْرِ، وأبيضَ وسيماً. فلمّا
دفعَ رسولُ الله ◌َّهِ مَرَّتْ ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فَطَفِقَ الفضلُ ينظُرُ إليهِنَّ، فوضعَ
رسولُ الله ◌َ﴿ يدَه على وجهِ الفضلِ، فحوَّل الفضلُ وجهَه إلى الشقِّ الْآخَر
و (قوله: ثم اضطجع حتى طلع الفجر، فصلَّى حتى تبيَّن له الصبح) فيه: المبيت
سُنَّةُ المبيت بالمزدلفة، وصلاة الصبح بها بغلس. وسيأتي: أنه أرخصَ لبعض نسائه بالمزدلفة
في النّفْر منها إلى مِنىّ قبل طلوع الفجر. وفيه: الأذان في السفر؛ خلافاً لمن قال:
يقتصر المسافرُ على الإقامة.
و (قوله: ثم ركب حتى أتى المشعر الحرام) فيه: أنَّ الوقوفَ بالمشعر إلى الوقوف
الإسفار من المناسك. وقد ذكره اللَّهُ تعالى في قوله: ﴿فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ بالمشعر الحرام
الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٩٨]. وقد اختلفَ في وجوب الوقوف فيه: فذهب
أبو عبيد القاسم بن سلَّم: إلى وجوبه. والجمهور على أنه مُستحب.
و (الظُّعُن): النِّساء في الهوادج. و (يجرين) بضم الياء وفتحها، وكلاهما
واضح المعنى. و (طَفِق) أخذ، وجعل. وَوَضْعُ يد رسول اللهِوَ ◌ّهِ على وَجْه
الفَضْل: إنما كان خوفاً من الفتنة عليه. وكونه وَ لخير لم ينهه عن ذلك ولم يزجره،
دليلٌ: على أنه لم يفعلْ مُحَرَّماً. وقال بعضُ مشايخنا: سَتْرُ الوجه عن النساء سُنَّة.
وكان الحجابُ على أزواج النبيِ وَلِّ واجباً.

٣٤٠
(١٢) كتاب الحج - (١٧) باب: في حجة النبي 5 #
ينظرُ، فحوَّلَ رسولُ اللهِ وَهِ يدَه من الشِّقِ الآخَر على وجه الفضلِ، فصرفَ
وجهَه من الشِّق الآخَر ينظرُ. حتى أتى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فحَرَّكَ قليلاً، ثم سلَكَ
الطريقَ الوُسطى التي تخرجُ على الجمرةِ الكُبرى. حتى أتى الجمرةَ التي
عندَ الشَّجرةِ، فرماها بسبع حَصَياتٍ، يُكبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ منها، حَصَى
الخَذْف، رمَى مِن بَطْنِ الوَادَي. ثم انصرفَ إلى المَنْحَرِ،.
ما یسنُّ في بطن
محسّر
و (قوله: حتى أتى بطن مُحَسِّر فحرَّك قليلاً) مُحَسِّر: وادٍ معروف هناك،
يُستحبُّ للحاجُ أن يحرِّك دابته هنالك، كما فعله النبيُّ آ چ.
و (قوله: كلُّ حصاةٍ منها حصى الخذف) هكذا صحَّتِ الروايةُ فيه في كتاب
مسلمٍ. وكان في كتاب القاضي ابن عيسى: كلّ حصاةٍ منها مثل حصى الخذف.
وهذا هو الصواب. وكذا رواه غير مسلم. والخذف: رميك حصاة، أو نواة تأخذها
بين سبابتيك، أو تجعل مِخْذَفَةً من خشبٍ ترمي بها بين إبهامك والسَّبابة.
رمي جمرة
العقبة
و (قوله: رمى من بطن الوادي) يعني من أسفلها، كما يأتي من حديث
ابن مسعود، وهو المستحبُّ. فلو رمی من أيِّ مکانٍ کان صحَّ رمیُه؛ إذا رمی في
موضع الرمي.
أین یکون
النَّحر؟
و (قوله: ثمَّ انصرف إلى المنحر) أي: الموضع الذي نحر هو فيه. وموضع
نحره أولى من غيره؛ على أنَّ كلَّ منىّ منحرٌ؛ كما قاله وَلِهِ. قال مالك: إلا
ما خلف العقبة وقُدَيْد. والنحر بمنى عند مالك له ثلاثةُ شروطٍ :
أحدها: أن يوقف بالهدي بعرفة.
الثاني: أن يكون النَّحرُ في أيام مِنی.
الثالث: أن يكون النحرُ في حجّ لا في عمرةٍ.
فإذا اجتمعتْ هذه الشروط؛ فلا يجوزُ النحرُ إلا بمنى، لا بغيرها. وقال