Indexed OCR Text

Pages 41-60

٤١
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
بالمدينةِ مَالاً، وكانَ أحَبَّ أموالِه إليه بِيْرُحَاءَ، وكانتْ مُسْتَقْبِلَةَ المسجدِ،
وكانَ النبيُّ ◌َ﴿ يَدْخُلُهَا ويشربُ مِن ماءٍ فيها طيِّب، قالَ أنسٌ: فلمَّا نزلتْ
هذه الآيةُ: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّ حَقَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢] قامَ أبو
طلحةَ إلى رسولِ اللهِ وَّهِ، فقالَ: إنَّ اللهَ يقولُ في كتابِه: ﴿لَنْ تَنَالُواْ الْبِرَّحَتَّى
تُنفِقُواْ مِمَّا ◌ُبُّونَ﴾، وإنَّ أحبَّ أموالي إليَّ بِيْرُحَاءُ، وإنَّها صدقةٌ لله أرجو بِرَّها
وذُخْرَها عندَ الله، فَضَعْها يا رسولَ الله! حيثُ شئتَ، قالَ رسول الله وَّه:
و (قوله في حديث أبي طلحة: وكان أحبّ أمواله إليه پِنْرُحاء) رُویت هذه
اللفظة بكسر الباء بواحدة وبفتح الراء وضمها وبمدها وقصرها. فالنصب: على أنه
خبر كان. وحينئذٍ تُرفع أحب على أنه اسمها. ورفع بیر علی أنه اسم کان وحينئذ
تنصب أحب على أنه خبرها. فأما مدُّ حاء وقصرها فلغتان، وهو حائطَ نخلٍ سُمِّ
بهذا الاسم، بموضع يُعرف بقصر بني جُدَيْلة(١)، وليس ببئر، ولذلك قال الباجي:
قرأتُ هذه اللفظةَ على أبي ذرِّ الهرويِّ بنصب الراء على كلِّ حال، وعليه أدركتُ
أهل العلم والحِفْظ بالمشرق. وقال لي الصّوري: بيرحاء بنصب الراء قال: وبالرفع
قرأناه على شيوخنا الأندلسيين. وقد رَوَى هذا الحرفَ في الأم: حمَّادُ بن سلمة:
بَرِيحاء بكسر الراء وفتح الباء.
و (قوله تعالى: ﴿لَنْ نَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِنَّا تُحِبُّونَ﴾ [آل عمران: ٩٢]). قال
الحسن: لن تكونوا أبراراً حتى تبذلوا كبيرَ أموالكم. أبو بكر الوراق: لن تنالوا برِّي
بكم حتى تبرّوا إخوانكم. قال ابنُ عباس - رضي الله عنهما -: هو الجنة. وقال
مجاهد(٢): ثواب البر.
(١) من (ظ) ومعجم البلدان (٥٢٤/١). وفي (ع): خالد. وفي (هـ) و(ل): خويلد.
(٢) في (ع): مقاتل.

٤٢
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
بَخْ، ذلكَ مالٌ رابحٌ، ذلكَ مَالٌ رَابحٌ، قد سمعتُ ما قلتَ فيها، وإنِّي أرى
أن تجعلَها في الأقربينَ، فقسمَها أبو طلحةَ في أقاربِه وبني عَمِّه.
و (قوله: ((بخ))) بالإسكان، والكسر من غير تنوين، وبالتنوين، وقد ذكر
الأحمر(١) فيها التشديد. وقد رُوي فيها الرفع. وقال بعضُهم: فإذا كررت فالاختيار
فيها التحريك والتنوين في الأول، والتَّسكين في الثَّاني. قال أبو بكر: معناه:
تعظيمُ الأمر وتفخيمه. وسُكُنتِ الخاءُ فيه كما سُكِّنت اللامُ في هل وبل. ومَن قال
((خ)) بالخفض والتنوين شبّهه بالأصوات، کصهٍ ومَهٍ؛ وقال ابنُ السكّیت: بخ،
بخٍ. وبَهْ، وبَهِ.
و (قوله: ((ذلك مال رابح))) المشهور: رابح بالباء بواحدة من الربح.
ووصف المال بالرابح لأنه بسببه يربح، كما قال تعالى: ﴿ فَمَا رَبِحَت ◌َجَرَتُهُمْ﴾
[البقرة: ١٦]. وهذا مذهب العرب في لابن وتامر، أي: ذو لبن وتمر، كما قال
النابغة :
كِلِيْنِ لِهَمِّ يَا أُمَيْمَةُ نَاصِبٍ(٢)
أي: ذو نصب. وقد رُوي رايح، بالياء باثنتين، اسم فاعل من راح. ومعناه:
قربت الفائدة. وقيل: غير بعيد. وقال ابنُ دينار: يروح أجرُه عليه في الآخرة.
وقال غيره: یروحُ عليه كلما أثمرتِ الثمار.
وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه:
منها: صحة الصدقة المطلقة، والحُبْس المطلق، وهو الذي لم يُعيَّن
مصرفه. وبعد هذا ◌ُعيَّن.
ومنها: صحة الوكالة؛ لقوله: ((ضَعْه حيث شئت)).
(١) هو خلف الأحمر.
(٢) وعجزه: وليلٍ أقاسيه بطيء الكواكب.

٤٣
(٩) كتاب الزكاة - (٥) باب: الحض على الصدقة
وفي روايةٍ: قالَ: ((اجْعَلْها في قَرابِكَ))، قالَ: فجعلها في حسانٍ بنِ
ثابتٍ واُبُيٍّ بنِ کَعْبٍ.
رواه أحمد (١٤١/٣)، والبخاري (١٤٦١)، ومسلم (٩٩٨).
[٨٦٤] وعن أبي مسعودٍ البدريِّ، عن النبيِّ نَّهِ قالَ: ((إنَّ المسلمَ
إذا أنفقَ على أهلِه نفقةً وهو يَحتسِبُها كانتْ له صَدَقةً».
رواه أحمد (١٢٠/٤ و١٢٢)، والبخاري (٥٥)، ومسلم (١٠٠٢)،
والنسائي (٦٩/٥).
ومنها: إطلاق لفظ الصدقة بمعنى الحُبْس.
وقد روي: أنها بقيتْ وَقْفاً بأيدي بني عمِّه. وبه احتجَّ غيرُ واحدٍ من العلماء
على جواز تحبيس الأصول على الكوفيين. لكن قد روي من طريقٍ صحيحة: أنَّ
حسان باع نصيبه من معاوية، فقيل له: تبيعُ صدقةً أبي طلحة؟! فقال: أَلا أبيعُ
صاعاً من تمرٍ بصاع من دراهم. وعلى هذا فلا يكون فيه ما يدلُّ على صحة
الوقف .
ومنها: مراعاة القرابة، وإن بعدوا في النَّسب؛ إذ بين أبي طلحة وحسَّان
وأُبيّ آباء كثيرة، وإنما يجتمعان مع أبي طلحة في عمرو بن مالك بن النجار، وهو
السابع من آبائهم. وقال أبو عمر: إنَّ حسَّان يجتمعُ معه في حرام، وهو الجد
الثالث. وأُبيّ يجتمع معه في عمرو، وهو الجد السابع. إلى غير ذلك، فتأمَّلْ
ما فيه.
و (قوله : ((إذا أنفق نفقةً على أهله))) أي: على زوجته وولده. ومعنى
يحتسبها: أي يقصد بها ثوابَ الله.

٤٤
(٩) كتاب الزكاة - (٦) باب: فضل الصدقة على الزوج والولد
(٦) باب
فضل الصدقة على الزوج والولد اليتيم والأخوال
[٨٦٥] عن زينبَ امرأةٍ عبدِ الله، قالت: قالَ رسولُ الله ◌ِّت:
(تصدَّقَنَ يا معشرَ النِّساءِ ولو من حُلِيِّكُنَّ)) قالت: فرجعتُ إلى عبدِ الله،
فقلتُ: إنَّك رجلٌ خفيفُ ذَاتِ اليَدِ، وإنَّ رسولَ الله وَله قد أمَرَنَا بالصَّدقةِ.
فأْتِه، فاسألُهُ فإنْ كانَ ذلكَ يَجْزِي عَنِّي، وإلا صَرفتُها إلى غَيرِكُم. فقالت:
(٦) ومن باب: فَضْل الصدقة على الزوج والولد
حكم زكاة
الحليّ
(قوله وَله: ((تصدَّقْن ولو من حُلِيَكُنَّ))) احتجَّ بظاهره مَن رأى أنَّ الزكاةَ تجبُ
في الحلي. ولا حُجَّةَ فيه؛ لأنَّا لا نُسلِّم أنَّ هذه الصدقةَ هنا هي الواجبةُ بل التطوّع؛
بدليل قوله: ((ولو من حليكن)) فإنه ظاهِرُ في الحثِّ والحضِّ على فعل الخير
والمبالغة فيه. ألا ترى أنه قد سَلَك فيه مَسْلك قوله: ((ردوا السائل ولو بِظِلْفٍ
مُخْرَق)(١).
و (قولها: ((فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتُها لغيركم))) لا يدلُّ على أنها
الصَّدقةُ الواجبة. وإنما ذلك لما وعظهن النبيُّ ◌َ ﴿ بقوله: ((تصدَّقْنَ فإني أريتُكن
أكثرَ أهل النار))(٢) بادَرْنَ هذا الأمر، وأَخَذْنَ في التصدُّق؛ لتحصل لهن الوقايةُ من
النار، فكأنها قالت: أتقيني هذه الصدقةُ من النار؟ وكأنها خافتْ إن تصدَّقتْ على
زوجها ألَّ ينفعها ذلك، ولا يكون لها في ذلك أجر، ولذلك قال عليه لهما في
جوابهما: ((لهما أجران)) ولم يقل: يُجزىء، أو لا يجزىء. والله أعلم. وقد رُوي
(١) رواه أحمد (٤٣٥/٦)، والترمذي (١٦٦٧)، والترمذي (٦٦٥)، والنسائي (٨٦/٥).
(٢) رواه أحمد (٣٧٦/١ و٤٢٣ و٤٢٥)، والنسائي في عشرة النساء (٣٧٥)، وابن حبان
(٣٣٢٣) من حديث ابن مسعود.

٤٥
(٩) كتاب الزكاة - (٦) باب: فضل الصدقة على الزوج والولد
فقالَ لي عبدُ الله: بل ائْتِيهِ أنتِ قالتْ: فانطلقتُ فإذا امرأةٌ من الأنصارِ ببابٍ
رسولِ اللهِ وَ﴿ حَاجَتِي حَاجَتُهَا. قالت: وكانَ رسولُ اللهِوَِّ قد أُلْقِيتْ عليه
المَهابَةُ. قالتْ: فخرجَ علينا بلالٌ فقُلْنَا له: اْتِ رسولَ الله وَِّ، فأخبره أنّ
امرأتينِ بالبابِ تَسألانِكَ: أَتُجزِىءُ الصَّدَقَةُ عنهما على أزواجِهما وعلى أيتامِ
في حُجُورِهِما؟ ولا تُخبره مَنْ نحنُ. قالت: فدخلَ بلالٌ على
في غير مسلم: أن امرأةَ عبد الله بن مسعود كانت صَنَاعاً. وأنها قالت:
يا رسولَ الله! إنِّي ذاتُ صنعةٍ أبيعُ منها، وليس لزوجي ولا لولدي شيء فهل لي
فيهم من أجر؟ وفي أخرى: أنها أخذتْ حليها لتتصدَّق به. وقالت: لعلَّ اللّه أَلَّ
يجعلني من أهل النار (١). وهذا يدلُّ على أنها كانتْ صدقةً تطوّع.
وممن قال بوجوب الزَّكاة في الحلي - وإن كان للباس - عمر، وابن مسعود
في جماعةٍ من الصَّحابة، وابن المسيّب، وابن سيرين، والزُّهري في جماعة من
التابعين، وقاله الكوفيون. وممن قال: لا زكاةَ فيه: ابنُ عمر على خلافٍ عنه.
وجابر، وعائشة، وغيرهم من الصَّحابة والتابعين، وهو قولُ مالك، وأحمد،
وإسحاق، وأظهر قولي الشَّافعي. وفيه دليلٌ على جواز صدقةِ المرأة من مالها بغير هل تتصدق
إِذْن زوجها، لكن فيما لا يجحفُ بحقِّ الزوج مما يكونُ له بال، فأما ماله بالٌ من المرأة من مالها
مالها فليس لها أن تُخْرِجَه بغير معاوضةٍ إلا بإذن الزوج، بدليل ما خرَّجه النسائيُّ زوجها؟
بغیر إذن
من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله وَله: ((لا يحلُّ
لامرأة أن تقضيَ في ذي بال من مالها إلا بإذن زوجها))(٢) - نقلتُه من حفظٍ وسماعٍ لا
من كتاب - وهذا مذهبُ مالك. والذي له بالٌ عنده الثلث فصاعداً. والحليُّ عنّدنا
على ثلاثة أضرب: مثَّخذ للباس، فلا زكاة فيه. ومنَّخذ للتجارة، أو على غير
الوجه المسوغ؛ وفيه الزكاة. ومَّخذ للكِرى، وفيه خلافٌ لتردُّده بينهما.
(١) رواه أحمد (٥٠٣/٣).
(٢) لم نجده في السنن الكبرى ولا الصغرى (المجتبى).

٤٦
(٩) كتاب الزكاة - (٦) باب: فضل الصدقة على الزوج والولد
رسول الله وَ﴾، فسألَه فقالَ له رسولُ اللهِ وَّهِ: ((مَن هُما؟)) فقالَ: امرأةٌ مِنَ
الأَنْصَارِ وَزَيْنَبُ. فقالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((أيُّ الزَّيَانِبِ؟)) قالَ: امرأةٌ
عبدِ الله بن مسعود. فقال له رسولُ الله ◌ِصَلّهِ: ((لهمَا أجرانِ: أجرُ القَرابةِ
وأجرُ الصَّدَقةِ».
رواه أحمد (٥٠٢/٣)، والبخاري (١٤٦٦)، ومسلم (١٠٠٠)،
والنسائي (٩٢/٥ - ٩٣).
و (قوله وله: ((لهما أجران: أجر القرابة وأجر الصَّدقة))) أي: أجر صِلة
حكم وأجرُ
الصدقة على الرحم، وأجر منفعة الصَّدقة. واختلف قولُ مالك في الصدقة الواجبة على القَرابة
الأقارب
غير الوالدين والولد، والزوجة، بالجواز والكراهة. ووَجْهُ هذه الكراهية مخافة
الميل بالمدح بِصِلَة الأرحام. فتفسد نيةُ أداء الفرض، أو تضعف. فأما الوالدان
والولد الفقراء فلا تُدفع الزكاةُ إليهم بالإجماع. واختلفوا في المرأة: هل تُعطي منها
زوجها؟ فأجازه الشافعي وأبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وأشهب إذا
لم يصرفها إليها فيما يلزمه لها، ولم يُجِزْه مالك، ولا أبو حنيفة، واختلف فيه عن
أحمد .
وليس إخبارُ بلالٍ بالسَّائلتين اللتين استكتمتاه مَن هما بكشف أمانة سرِّ
لو جھین:
الأول: أنَّ بلالاً فَهِم أنَّ ذلك ليس على الإلزام، وإنما كان ذلك منهما على
أنهما رأتا أنه لا ضرورةً تُخْوِجُ إلی ذلك.
والثاني: أنه إنما أخبر بهما جواباً لسؤال النبيَّ وَ﴿، فرأى أنَّ إجابةَ
رسول الله ◌َ﴿ أهمُّ وأوجبُ مِن كتمان ما أمرتاه به. وهذا كلُّه بناء على أنهما
أمرتاه. ويُحتمل أن يكونَ سؤالاً للإسراع، ولا يجبُ إسعافُ كلِّ سؤال.

٤٧
(٩) كتاب الزكاة - (٦) باب: فضل الصدقة على الزوج والولد
[٨٦٦] وعن أُمّ سلمةَ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله! هل لي أجرٌ في
بَنِي أبي سَلمةَ؟ أَنْفقُ عليهم ولستُ بِتَارِكَتِهِم هكذا وهكذا إنَّما هم بَنِيَّ.
فقال: ((نعم، لك فيهم أجرُ ما أنفقتِ عليهم)).
رواه أحمد (٢٩٢/٦ و٢٩٣)، والبخاري (١٤٦٧)، ومسلم
(١٠٠١).
[٨٦٧] وعن ميمونةَ بنتِ الحَارثِ، أنَّها أعتقتْ وليدةً في زمانٍ
رسولِ اللهِ﴿ فَذَكَرَتْ ذلك لرسولِ اللهِ له فقال: ((لو أعْطَيْتِها أخْوَالَكِ كانَ
أعظَمَ لأجْرِكٍ)».
رواه أحمد (٣٣٢/٦)، والبخاري (٢٥٩٢)، ومسلم (٩٩٩) (٤٤).
و (قوله: ((لو أعطيتها أخوالكِ كان أعظم لأجرك))) هذا يدلُّ على أنَّ الصدقة
على الأقارب أفضلُ من عِثْق الرقاب. وهو قولُ مالك. وتخصيصُ الأخوال: إمّا
لأنهم من جهة الأمّ، وللأمّ ثلاثة أرباع البِرِّ. وإمَّا لأنهم كانوا أحوج. وهكذا
صحَّتِ الروايةُ في كتاب مسلم: ((أخوالك))، ووقع في البخاري من رواية
الأصيلي: ((أخواتِك)) بالتاء بدل: أخوالك. ولعله الأصحُّ، بدليل رواية مالك في
الموطأ: ((أعطها لأختكِ، وصِلِيها بما ترعى عليها، فهو خيرٌ لك)).

٤٨
(٩) كتاب الزكاة - (٧) باب: الصدقة على الأم المشركة
(٧) باب
الصَّدقة على الأُمّ المشْرِكة، وعن الأم المَيِّة
[٨٦٨] عن أسماءَ بنتِ أبي بكرٍ، قالتْ: قلتُ: يا رسولَ الله! إن
أمِّي قَدِمتْ عَلَيَّ وهي رَاغِبَةٌ أو رَاهِبٌ، أَفَأَصِلُها؟ قال: ((نعم)).
وفي رواية: قال: ((نعم صِلِي أُمَّكِ)).
رواه أحمد (٣٤٤/٦ و٣٤٧)، والبخاري (٥٩٧٩)، ومسلم
(١٠٠٣).
[٨٦٩] وعن عائشةَ، أنَّ رجُلاً أتى النبيَّ وَله فقالَ: يا رسول الله! إنَّ
أمّي افْتِلِتَتْ نفسُها، ولم تُوصٍ، وأَظُّها لو تكلَّمتْ تصدَّقتْ،
(٧) ومن باب: الصَّدقة على الأم المشركة وعن الأم الميّتة
صلة الأقارب
المشركين
(قولها: إنَّ أمي قدمتْ عليَّ وهي راغبةٌ أو راهبة) قد جاء هذا في روايةٍ
أخرى: راغبة، بغير شك. وهو الأصحّ. واختلفَ في معناه: فقيل: راغبةٌ عن
الإسلام: أي: كارهةٌ فيه. وقيل: راغبٌ فيما تعطيها. وذكره أبو داود وقال: قدمتْ
عليَّ أمي راغبة في عهد قريش. وهي راغمة، أي: مُشْرِكة. فالأول بالباء، أي:
طالبة صِلتي. والثاني بالميم، أي: كارهة للإسلام، ساخطةٌ له. وأُّها هذه هي
قبلة بنت عبد العُزَّى العامرية القرشية. ويقال: قتيلة. وقيل فيها نزل قوله تعالى:
﴿لَا يَنْهَنَكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَِّلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم ◌ِّن دِيَرِكُمْ أَنْ نَبَرُوهُرْ﴾ [الممتحنة: ٨]
وفيه صلة الأبوين المشركين كما قال تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾
[لقمان: ١٥].
و (قوله: إنَّ أمي افتُلتتْ نفسُها) الرواية المعروفة عند الجمهور: افتُلتتْ

٤٩
(٩) كتاب الزكاة - (٧) باب : الصدقة على الأم المشركة
أفلَها أجرٌ إنْ تَصَدَّقْتُ عنها؟ قال: ((نعم)).
رواه أحمد (٥١/٦)، والبخاري (٢٧٦٠)، ومسلم (١٠٠٤)،
والنسائي (٢٥٠/٦).
[٨٧٠] وعن حُذيفةَ، عن النبيِّينَ ﴿ قالَ: ((كلُّ معروفٍ صَدقةٌ».
رواه أحمد (٣٨٣/٥ و٣٩٧)، ومسلم (١٠٠٥)، وأبو داود
(٤٩٤٧).
بالفاء، مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعلُه، أي: ماتت فلتةً، أي: فجأة. ونفسُها: بالرفع
والنصب. فالرفع على أنه المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله. والنَّصب: على أنه
المفعولُ الثاني بإسقاط حرف الجر. والأول مضمر، وهو المقامُ مقام الفاعل.
ورواه ابنُ قتيبة: اقتتلت، بالقاف. وفسّره: بأنها كلمةٌ تُقالُ لمن مات فجأة، وتقال
أيضاً لمن قتلته الجن، والعشق.
و (قوله: فهل لها أجرٌ إن تصدَّقْتُ عنها) الرواية الصحيحةُ بكسر الهمزة الصدقة بالمال
نافعةٌ للميت
من إن علی الشرطية، ولا يصحُّ قولُ مَن فتحها؛ لأنه إنما سأل عمَّا لم يفعله. ولم
يُختَلَفْ في مقتضى هذا الحديث: وهو: أنَّ الصدقةَ بالمال نافعةٌ للميت. واختلفَ
في عمل الأبدان هل ينفعُ الميتَ إذا فُعِل عنه؟ فمن حَمَلَهُ على المال قال: ينفعه،
ومن لم يحمله عليه وأخذ بقوله تعالى: ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّ مَا سَعَى﴾ [النجم: ٣٩]
قال: لا ينفعه. وسيأتي كمالُ هذه المسألة في الصَّوم والحج إن شاء الله تعالى.
و (قوله: ((كلّ معروفٍ صَدَقة))) أي: كلُّ ما يُفْعَل من أعمال البِرِّ والخير كان
ثوابُه کثواب من تصدَّق بالمال، والله أعلم.

٥٠
(٩) كتاب الزكاة - (٨) باب: الابتداء في الصدقة بالأهم فالأهم
(٨) باب
الابتداء في الصَّدقة بالأهمِّ فالأهمِّ
[٨٧١] عن جابر، قالَ: أعتقَ رجلٌ من بني عُذْرَةَ عبداً لهُ عن دُبُرٍ،
فبلغَ ذلكَ النبيَّ نَ﴿، فقالَ: ((ألكَ مَالٌ غيرُهُ؟)) فقال: لا، فقالَ: ((مَنْ
(٨) ومن باب: الابتداء بالصدقة بالأهم فالأهم
(قوله: ((أعتق رجلٌ من بني عذرة))) وجاء في رواية أخرى في الأمّ: أن هذا
الرجلَ من الأنصار، واسمه: أبو مذكور. وهذا الحديثُ حُبَّةٌ للشافعي، ومن قال
بقوله على جواز بيع المدبَّر. وأنَّ التدبيرَ ليس بلازم كالوصية. وخالفَه في ذلك
مالكٌ، ومَن قال بقوله. فقال: إنَّه لا يجوزُ بيعُه إلا إن استغرقه دَيْنٌ بعد الموت.
قال مالكٌ: وهو الأمرُ المجمعُ عليه عندنا. وعلى هذا: فظاهِرُ هذا الحديث متروكٌ
بدليل هذا العمل المجْمَع عليه، فيتعيَّن تأويلُ هذا الحديث عند مَن يُرجِّحُ العملَ
المنقولَ على أخبار الآحاد. وهو مذهبُ مالك. وقد حَمَل أصحابُنا هذا الحديثَ:
على أنَّه إنَّما باعه النَّبيُّ ◌َه فِي دَيْنِ مُتقدُّم على التَّدبير. ويعتضدُ هذا: بأن النبيَّ لاَل
تولَّى بيع المدبَّر بنفسه، كما يتولَّى الحاكمُ بيعَ مال المفلس. وأحالتِ الشافعيةُ لهذا
التأويل: بأنه ◌َ﴿ قال للرجل لما دَفَع إليه ثمن المدبَّر: ((ابدأ بنفسك فتصدَّقْ
عليها)). قالوا: ولو كان هنالك دينٌ لكان الابتداءُ به أولى. ولقال له: ابدأُ بِدَيْنك.
قال بعضُ أصحابنا: إنَّ قوله: (ابدأ بنفسك)) مُتضمّنٌ لذلك؛ لأنَّ قوله: ((ابدأ
بنفسك)) إنما يعني به ابدأ بحقوقها. ومِن أعظم حُقوقها تخليصُها من الدَّين الذي
هي مرتهنةٌ به. ومما احتجَّ به أصحابُنا بأنَّ المدبَّر لا يُباع ولا يُوهَب حديثُ
ابن عمر، وهو أنَّه ◌َّهِ قال: ((المدبَّر لا يُباُ ولا يُوهَب، وهو حُرٍّ من الثلث))(١)
وصحيحُه موقوفٌ على ابن عمر، والذي استدلَّ به مالكٌ ما تقدَّم.
(١) رواه البيهقي (٣١٤/١٠)، والدار قطني (١٣٨/٤).

٥١
(٩) كتاب الزكاة - (٩) باب: أعمال البر صدقات
يَشتريهِ مِنِّي؟)) فاشتراه نُعَيْم بن عبدِ الله العَدَويّ بثمانمئةِ دِرهم، فجاءَ بها
رسول الله ◌َ﴿ فدفعَها إليه. ثم قالَ: ((ابدأ بنفسِكَ فتصَدَّقْ عليّها فإنْ فَضَلَ
شَيءٌ فلأهْلِكَ؛ فإنْ فَضَلَ عن أهلِكَ شيءٌ فِلِذِي قرابِتِكَ، فإنْ فَضَلَ عن ذِي
قَرَابِتِكَ شيءٌ فَهُكذا وهُكَذا)» تقولُ: فبينَ يَدَيْكَ وعن يمينِكَ وعن شِمالِكَ.
رواه أحمد (٣٦٩/٣)، ومسلم (٩٩٧)، وأبو داود (٣٩٥٧)،
والنسائي (٣٠٤/٧).
(٩) باب
أعمال البِرِّ صَدَقاتٌ
[٨٧٢] عن أبي ذرٍّ، أنَّ ناساً من أصحاب النبيِّ وَِّ قَالُوا للنبيِّ:
يا رسول الله! ذهبَ أهلُ الدُّثُورِ بِالأجورِ، يُصَلُونَّ كما نُصلِّي، ويَصومُون
كما نَصومُ، ويَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِم قالَ: ((أو ليسَ قد جعلَ اللهُ لكم
و (قوله: ((فإن فضِلَ شيءٌ») المعروفُ: فَضِل بكسر الضاد وهي لغة. ويقال
بفتحها، وهي اختيارُ الجوهري. وهذا الحديثُ دليلٌ على مراعاة الأوكد فالأوكد.
(٩) ومن باب: أعمال البرّ صدقات
قد تقدم القولُ على الدثور، وعلى تفضيل الفقر في كتاب الصلاة. ومقصودُ
هذا الحديث: أنَّ أعمالَ الخير إذا حسنتِ النياتُ فيها تنزلتْ منزلةَ الصَّدقات في
الأجور، ولا سيما في حقّ من لا يقدرُ على الصَّدقة. ويُفهم منه: أن الصدقةَ في
حق القادر عليها أفضلُ له من سائر الأعمال القاصِرة على فاعلها.

٥٢
(٩) كتاب الزكاة - (٩) باب: أعمال البر صدقات
ما تَصَدَّقُونَ؟ إنَّ بِكُلِّ تَسبيحةٍ صَدَقَةً، وكلُّ تكبيرةٍ صدقةٌ، وكلُّ تَحميدةٍ
صدقةٌ، وكلُّ تَهليلةٍ صدقةٌ، وأَمْرٌ بالمعروفِ صَدَقَةٌ، ونَهيٌّ عن المنكرِ
صَدَقةٌ، وفي بُضْع أحدِكُمْ صَدَقَةٌ)). قالُوا: يا رسولَ الله! أَيَّتي أحدُنَا شَهْوَتَهُ
ويكونُ له فيها أجرٌ؟ قال: ((أرأيتُم لو وضعَها في حَرامِ أكانَ عليه فيها
وِزْرٌ؟! فكذلكَ إذَا وضعَها في الحَلالِ كانَ له أجْرٌ».
رواه أحمد (١٦٧/٥ و١٦٨)، ومسلم (٧٢٠) و (١٠٠٦)،
وأبو داود (٥٢٤٣ و ٥٢٤٤).
[٨٧٣] وعن عائشةَ، قالتْ: إنَّ رسولَ اللهِنَّهِ قالَ: ((إنه خُلِقَ كلُّ
إنسانٍ من بني آدمَ على سِتِينَ وثَلثمئةِ مَفصِلٍ، فمن كَبَّرَ اللهَ وحَمِدَ اللهَ،
و (قوله: ((في بُضْع أحدكم صدقة))) البُضع بضم الباء: الجماع. وأصلُه:
الفرج. قال الأصمعيُّ: يقال: ملك فلانٌ بُضْعَ فلانة: إذا مَلَك عَقْدَ نكاحها. وهو
النية الصادقة كنايةٌ عن موضوع الغشيان. والمباضعةُ: المباشرةِ. والاسمُ: البضع. وفيه دليلٌ:
تصرف المباح على أنَّ النيات الصَّادقات تصرفُ المباحات إلى الطَّاعات.
إلى الطاعة
و (قولهم: أيأتي أحدُنا شهوته ويكونُ له فيها أجر؟) استفهامُ مَن استبعدَ
حصولَ أجرٍ بفعل مستلذٌّ يحثُّ الطبعُ عليه. وكأنَّ هذا الاستبعادَ إنما وقعَ من تصفح
الأكثر من الشريعة، وهو أنَّ الأجورَ إنما تحصلُ في العبادات الشاقَّة على النفوس
المخالفة لها. ثم إنه ور أجابهم على هذا بقياس العكس. فقال: ((أرأيتم لو
وَضَعها في حرام؟)) ونظمه: كما يأثم في ارتكاب الحرام يُؤجر في فعل الحلال.
وحاصلُه راجعٌ إلى إعطاء كلٌّ واحدٍ من المتقابلين ما يقابل به الآخر، من الذَّوات
والأحكام. وقد اختلف الأصوليون في هذا النّوع من القياس. هل يُعمل عليه أم
لا؟ على قولين. وهذا الحديثُ حُجَّةٌ لصحةِ العمل بهذا النوع.
و (قوله وَّه: ((إنه خلق كلّ إنسانٍ من بني آدم على ستين وثلاثمئة مَفْصِل)))

٥٣
(٩) كتاب الزكاة - (٩) باب: أعمال البر صدقات
وهَلَّلَ اللهَ، وسَبَّحَ اللهَ، واستغفرَ اللهَ، وعَزَلَ حَجَراً عن طَريقِ المسلمينَ، أو
شوكةً أو عَظماً من طَريقِ النَّاس، وأَمَرَ بمعروفٍ أو نَهَى عن منكر عَدَد تلك
السّتِينَ والثَلثمئة السُّلاَمَى، فإنَه يمشي يَومئذٍ وقد زَحْزَحَ نفسَه عن النَّار)».
قال أبو تَوْبة: وربَّما قالَ: ((يُمْسِي)).
رواه مسلم (١٠٠٧).
الضمير في: إنه، ضميرُ الأمر والشَّأن. والمفاصل: هي العظامُ التي ينفصلُ بعضُها
من بعض. وقد سمّاها: سلاميات. قال أبو عُبيد: السُّلامى في الأصل: عظمٌ في
فرسن البعير. وقد تقدَّم القولُ، في السُّلاميات في الصلاة.
ومقصودُ هذا الحديث: أنَّ العظامُ التي في الإنسان هي أصلُ وجوده، وبها فضل الذكر،
حصولُ منافعه، إذ لا تتأتى الحركات والسَّكنات إلا بها، والأعصاب رباطات، وتمامُ الفضل
واللحومُ والجلود حافظاتٌ وممكِّنات. فهي إذاً أعظم نِعَم الله على الإنسان، وحقّ الضحى
في في ركعتيْ
المنعم عليه أن يقابلَ كلَّ نعمةٍ منها بشكرٍ يخصُّها، وهو أن يعطيَ صدقةً كما أُعطي
منفعة، لكن الله تعالى لطف وخفَّف بأن جعلَ التَّسبيحةَ الواحدة كالعطية، وكذلك
التحميدة، وغيرها من أعمال البر وأقواله، وإن قلَّ مقدارها. وأتمّ تمامَ الفضل، أن
اكتفى من ذلك كلِّه بركعتين في الضُّحى، على ما مرَّ. وقد نبَّهنا على سِرِّ ذلك في
باب: صلاة الضحى.
و (قوله: ((عَدَد تلك السِّتين والثلاثمئة السُّلامى))) كذا وقعتِ الرواية،
وصوابُه في العربية: ثلاثمئة السلامى؛ لأنه لا يُجمع بين الألف واللام والإضافة إلا
في الإضافة غير المحضة، بشرط دخولِ الألف واللام على المضاف والمضاف
إليه .

٥٤
(٩) كتاب الزكاة - (١١) باب: أعمال البر صدقات
[٨٧٤] وعن أبي مُوسى، عن النبيِّ وَّرِ قالَ: ((على كُلِّ مسلم
صَدَقةٌ)). قالَ: أرأيتَ إنْ لم يَجِدْ؟ قال: ((يَعْتَمِلُ بيديْهِ فينفعُ نفسَهُ
ويتصدَّقُ)). قالَ: أرأيتَ إنْ لمْ يستطعْ؟ قال: ((يُعينُ ذَا الحَاجةِ المَلهوفَ)).
قالَ: قيلَ له: أرأيتَ إنْ لم يستطعْ؟ قالَ: ((يأمرُ بالمعروفِ أو الخيرِ)).
قال: ((يأمرُ بالمعروفِ أو الخيرِ)). قال: أرأيتَ إنْ لم يَفعلُ؟ قال: ((يُمْسِكُ
عن الشَّرِّ فإنَّها صَدَقَةٌ)).
رواه أحمد (٣٩٥/٤ و٤١١)، والبخاري (٦٠٢٢)، ومسلم
(١٠٠٨).
[٨٧٥] وعن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّهِ: ((كلُّ سُلَاَمَى مِنَ
النَّاس، عليه صَدَقَةٌ، كلَّ يوم تَطْلعُ الشَّمس. قالَ: تَعْدِلُ بينَ الاثنينِ
صَدَقَةٌ، وتُعِينُ الرَّجلَ في دَابَّتِهِ فَتحمِلَهُ عليها أو تَرْفَعَ له عليها مَتَاعَهُ صَدَقَةٌ .
قالَ: والكلمةُ الطَّيْبَةُ صَدَقَةٌ، وكلُّ خُطْوَةٍ تَمشيها إلى الصَّلاةِ صَدَقَةٌ، وتُمِيطُ
الأَذَى عن الطَّريقِ صَدَقَةٌ».
رواه أحمد (٣١٦/٢)، والبخاري (٢٧٧)، ومسلم (١٠٠٩).
و (قوله: ((على كُلِّ مسلم صدقة))) هو هنا مُطْلَق. وقد قيَّده من حديث
أبي هريرة بقوله: ((في كلِّ يوم))،َ وظاهِرُ هذا اللَّفظ الوجوبُ، لكن خفَّفه اللهُ تعالى
حيث جعلَ ما خفّ من المندوبات مسقطاً له؛ لُطْفاً منه وتفضُّلاً.
(ذو الحاجة): صاحبها. و (الملهوف): المضطر إليها، الذي قد شغله همُّه
بحاجته عن كلِّ ما سواها، ولا شكّ في أن قضاءَ حاجة مَن كانت هذه حالُه يتعدَّد
فيها الأجر، ويكثر بحسب ما كشفَ من كربة صاحبها.

٥٥
(٩) كتاب الزكاة - (١٠) باب: الدعاء للمنفق وعلى الممسك
(١٠) باب
الدعاء للمنفق وعلى المُمْسكِ،
والأمر بالمبادرة للصدقة قبل فَوْتِها
[٨٧٦] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((ما مِن يومٍ يُصْبِحُ
العِبَادُ فيه إلَّا مَلَكان يَنزِلانِ، فيقولُ أحدُهما: اللَّهُمَّ أعطِ مُنْفِقاً خَلَفاً. ويقولُ
الآخرُ: اللَّهُمَّ أَعطِ مُمْسِكاً تَلَفاً)).
رواه أحمد (٣٠٥/٢ - ٣٠٦)، والبخاري (١٤٤٢)، ومسلم
(١٠١٠).
ومقصودُ هذه الأحاديثِ الترغيبُ في أعمالِ البرِّ والخير بطريق إظهار وجه
الاستحقاق واللطف، والحمد لله.
(١٠) ومن باب: الدُّعاء للمنفق وعلى الممسك
(قوله: ((اللهم أعطِ منفقاً خَلَفاً)) هو موافقٌ [في المعنى] (١) لقوله تعالى:
﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنِ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ﴾ [سبأ: ٣٩] وهذا يعمُّ الواجبات والمندوبات.
و (قوله: ((اللهم أعطِ ممسكاً تلفاً)) يعني: الممسك عن النفقات الواجبات،
وأما الممسكُ عن المندوبات؛ فقد لا يستحقُّ هذا الدعاء باللهم إلا أن يغلبَ عليه
البخلُ بها. وإن قلت في أنفسها، كالحبة، واللقمة، وما شاكل هذا. فهذا قد
يتناوله هذا الدعاء؛ لأنه إنما يكونُ كذلك لغلبةِ صفةِ البُخْل المذمومة عليه. وقَلَّ
ما يكون كذلك؛ إلا ويبخلُ بكثير من الواجبات، أو لا يطيبُ نَفْساً بها، والله تعالى
أعلم.
(١) ساقط من (ع).

٥٦
(٩) كتاب الزكاة - (١٠) باب: الدعاء للمنفق وعلى الممسك
[٨٧٧] وعن حَارثةَ بنِ وَهْبٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ وَهِ يقولُ:
((تصدَّقُوا فيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقِتِهِ فيقولُ الذي أُعْطِيها: لو جئتَنَا بها
بالأمسِ قَبِلتُها، فأما الآنَ فلا حاجةً لي فيها، فلا يجدُ من يَقْبَلُها.
رواه أحمد (٣٠٦/٤)، والبخاري (١٤١١)، ومسلم (١٠١١)،
والنسائي (٧٧/٥).
[٨٧٨] وعن أبي مُوسى، عن النبيِّ ◌َ ﴿ّ قالَ: ((ليَأْتِينَّ على النَّاس
زَمَانٌ يطوفُ الرَّجُلُ بِالصَّدقةِ من الذَّهبِ. ثم لا يجدُ أحَداً يأخذُها منهَ،
ويُرى الرَّجلُ الواحِدُ يَتْبعُه أربعونَ امرأةً يَلُذْنَ به مِن قِلَّةِ الرِّجَالِ وكثرةٍ
النِّساء)».
و (قوله: ((تصدَّقوا فيوشك الرجل))) هذا الأمرُ حضّ على المبادرة إلى
إخراج الصدقة. ويوشك: يُسرع.
و (قول المعطي له: ((لو جئتنا بها بالأمس قبلتُها))) يعني: أنه قد استغنى عنها
بما أخرجتِ الأرض، كما قال في الحديث الآخر: ((تقيُ الأرضُ أفلاذَ كبدها
أمثال الأسطوان من الذَّهب))) قال ابنُ السكيت: الفلذ لا يكون إلا للبعير، وهي:
القِطَع المقطوعةُ طولاً. وحَكَى أبو عُبيد عن الأصمعي: الحزة، والفلذة: ما قُطِع
طولاً من اللحم، ولم يخصَّ كبداً من غيره. والأُسطُوان؛ بضم الهمزة والطاء:
السَّواري. واحدتها أُسطُوانة. وهذا عبارةٌ عما تُخرِجُ الأرضُ من الكنوز
والنّدِرات(١). وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا﴾ [الزلزلة: ٢]
أي: كنوزها، على أحد النَّفسيرين. وقيل: موتاها.
و (قوله: ((ويُرى الرجلُ الواحدُ تتبعه أربعون امرأةٌ يَلُذْنَ به من قلَّة الرجال
وكثرة النساء))) معنى يَلُذْن: يستترن ويتحرَّزْن، من الملاذ الذي هو السترة، لا من
(١) جمع نَذْرة، وهي القطعة من الذهب والفضة.

٥٧
(٩) كتاب الزكاة - (١٠) باب: الدعاء للمنفق وعلى الممسك
رواه البخاري (١٤١٤)، ومسلم (١٠١٢).
[٨٧٩] وعن أبي هريرةَ، أنَّ رسولَ الله وَله قالَ: ((لا تقومُ السَّاعةُ
حتَّى يَكْثُر المالُ ويَقِيضَ، حتَّى يَخرُجِ الرَّجلُ بزكاةِ مالِهِ فلا يَجِدُ أَحَداً يَقْبَلُها
منه، وحتّى تعودَ أرضُ العَربِ مُروجاً وأَنْهاراً».
رواه أحمد (٤١٧/٢)، ومسلم (١٥٧).
[٨٨٠] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَلِ: ((تَقِيءُ الأرضُ أفلاذَ
كَبِدَها، أمثالَ الأُسْطُوَانِ مِن الذَّهبِ والفِضَّةِ، فيجيءُ القاتِلُ فيقولُ: في هذا
قَتَلْتُ. ويجيءُ القاطِعُ فيقولُ: في هذا قَطَعْتُ رَحِمي، ويَجيءُ السَّارق
فيقولُ: في هذا قُطِعَتْ يَدِي. ثم يَدَعُونَهُ فلا يأخذون منه شيئاً).
رواه مسلم (١٠١٣)، والترمذي (٢٢٠٨).
اللذة. وذلك إنما يكونُ لكثرة قَتْل الرجال في الملاحم، كما سيأتي في كتاب:
الفتن.
و (قوله: ((حتى تعودَ أرضُ العرب مروجاً وأنهاراً)) أي: تنصرف دواعي
العرب عن مقتضى عاداتهم من انتجاع الغَيْث والارتحال في المواطن للحروب
والغارات، ومن نخوة (١) النفوس العربية الكريمة الأبية إلى أن يتقاعدوا عن ذلك،
فينشغلوا بغراسة الأرض وعمارتها، وإجراء مياهها، كما قد شوهد في كثيرٍ من
بلادهم وأحوالهم.
(١) في (ع) و (ظ): عزّة.

٥٨
(٩) كتاب الزكاة - (١١) باب: لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب
(١١) باب
لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب
[٨٨١] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَله: ((ما تصدَّقَ أحدٌ
بصَدقةٍ مِن طَيِّبٍ ولا يقبلُ الله إلا الطَّيِّبَ إلَّ أخذها الرحمنُ بيمينِهِ وإنْ كانتْ
تَمْرَةَ. فَتَرْبو في كَفِّ الرَّحمنِ حتَّى تكونَ أعظَمَ من الجَبَلِ كما يُرَبِّي أحدُكم
فَلُوَّهُ أو فَصِيْلَهُ)).
وفي روايةٍ: ((لا يَتصدَّقُ واحدٌ بتمرةٍ من كَسْبٍ طَيِّب إلّ أخذَهَا اللهُ
بيمينِهِ فيُربِّيهَا كما يُرَبِّي أحدُكم فَلُوَّهُ أو قَلُوصَه حتَّى تكونَ مثلَ الجَبَلِ أو
أعظمَ.
وفي أُخرى: ((مِن الكَسْبِ الطَّيِّبِ فِيضَعُها في حَقِّها)).
رواه أحمد (٥٣٨/٢)، ومسلم (١٠١٤)، والترمذي (٦٦١)،
والنسائي (٥٧/٥)، وابن ماجه (١٨٤٢).
(١١) ومن باب: لا يقبلُ اللهُ الصَّدقة إلا من ذي الكَسْب الطَّيِّب
(قوله وَله: ((إنَّ اللهَ طيِّبٌ))) أي: مُنزَّه عن النقائص والخبائث. فيكون
بمعنى: القدوس. وقيل: طيب الثناء، ومستلذ الأسماء عند العارفين بها. وعلى
هذا: فطيب: من أسمائه الحسنى. ومعدودٌ في جملتها المأخوذة من السنة؛
کالجميل والنظیف علی قول من رواه ورآه.
والكسب الطيِّب في هذا الحديث الحلال. وهذا كقوله تعالى: ﴿أَنْفِقُواْ مِن
طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧]، و: ﴿كُلُواْ مِن طَِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾
[البقرة: ٥٧] وغيره، وأصل الطيب: المستلذُّ بالطبع. ثم أُطْلِقَ على المطلق

٥٩
(٩) كتاب الزكاة - (١١) باب: لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب
[٨٨٢] وعنه، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّله: ((أيُّها النَّاسُ إِنَّ اللهَ طيِّبٌ
لا يقبلُ إلا طَيِّياً وإنَّ اللهَ أَمَرَ المؤمنينَ بما أمرَ به المرسَلينَ، فقالَ: ﴿يَأَيُّهَا
الرُّسُلُ كُلُواْ مِنَ الطِّبَتِ وَأَعْمَلُواْ صَلِحًا إِنِّى بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]،
وقالَ: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُوا مِن طَيِّبَتِ مَا رَزَقْنَكُمْ﴾ [البقرة: ١٧٢] ثم
ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أشعثَ أغبَر يَمدُّ يَديْه إلى السماء: يا ربِّ يا ربِّ
بالشرع. وإنما لا يقبلُ الله الصدقةَ من المال الحرام؛ لأنه غير مملوك للمتصدِّق.
وهو ممنوعٌ من التصرُّف فيه. والتصدُّقُ به تصرفٌ فيه، فلو قُبلت منه لزم أن يكونَ
مأموراً به، منهياً عنه من وجه واحد، وهو محال. ولأن أكل الحرام يفسدُ القلوبَ،
فتحرم الرقة والإخلاص، فلا تقبلُ الأعمال. وإشارة الحديث: إلى أنه لم يُقبل؛
لأنه ليس بطيب، فانتفت المناسبةُ بينه وبين الطيب بذاته.
و (قوله: ((إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين))) يعني: أنه سوَّى بينهم
في الخطاب بوجوب أكل الحلال.
و ((رزقناكم)) هنا بمعنى: ملَّكناكم، وقد يكونُ في موضع آخر: نفعناكم.
وقد تقدَّم الكلام على الرزق.
و (قوله: ((ثم ذكر الرجل يطيلُ السفر))) يعني: في الحج والجهاد. وما أشبه
ذلك من أسفار الطَّاعات؛ إلا أن أشعث أغبر يدلُّ على المحرِم. والشعث: في
الشعر، والغُبْرة: في سائر الجسد.
و (قوله: ((يمدُّ يديه إلى السماء))) أي: عند الدعاء، وهذا يدلُّ: على
مشروعية مدِّ اليدين عنده إلى السماء. وقد تقدَّم [الكلام على](١) ذلك.
(١) ساقط من (ع).

٦٠
(٩) كتاب الزكاة - (١١) باب: لا يقبل الله الصدقة إلا من الكسب الطيب
ومَطْعَمُهُ حَرامٌ، ومَشْرَبُهُ حَرَامٌ ومَلْبَسُه حَرامٌ وغُذِيَ بالحَرامِ فَأَنَّى يُستجابُ
لذلكَ؟».
رواه أحمد (٣٢٨/٢)، ومسلم (١٠١٥).
*
و (قوله: ((فأنَّى يُستجاب لذلك))) أي: كيف ـ على جهة الاستبعاد - ومعناه:
أنه ليس أهلاً لإجابةِ دُعائه، لكن يجوزُ أن يستجيبَ اللهُ له تفضُّلاً، ولُطْفاً، وكرماً.
و (قوله: ((إلّا أخذها الرحمنُ بيمينه))) أي: قَبِلها مشرّفةٌ، مُكرَّمةً، مرضياً
بها، بالغةً محلّها. وهذا كما قال الشاعر(١):
إِذَا مَا رَايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ تَلَفَّاهَا عَرَابَةُ بِالْيَمِين
أي: هو مؤهَّل للمجد والشَّرَف، ولم يُرد بها اليمين الجارحة؛ لأن المجدّ
معنىً، والمعنى الذي يتلقّى به رايته معنىٌ، وكذلك اليمينُ في حقُّ الله تعالى.
و (قوله: ((فتربو))) أي: يزيدُ ثوابها. وكفَّا الرحمن: عبارةٌ عن محلِّ القبول.
ويجوز أن يكون مصدر: كفّ، يكف، كفّاً. ويكون معناه: الحِفْظ والصيانة،
فكأنه قال: تلك الصدقةُ في حِفْظ الله وكلاءته، فلا ينقصُ ثوابها، ولا يبطلُ
جزاؤها، والله تعالى أعلم. ويحتمل أن يكون الكفُّ عبارةً عن كِفَّة الميزان الذي
تُوزن فيه الأعمال، فيكون من باب حذف المضاف: كأنه قال: فتربو في كِفّة
ميزان الرحمن.
والقَلُوص: الناقة الفتية، كالجارية في النساء. والفلو من الإبل: كالصَّبي في
الرجال.
(١) هو الشماخ.