Indexed OCR Text

Pages 501-520

٥٠١
(٤) کتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها
وَإِذَا رَأَوْأْ تِجَرَةً أَوْ لَوَا أَنفَضُّوْاْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوكَ قَائِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
رواه مسلم (٨٦٣) (٣٨)، وأبو داود (١٠٩٣ - ١٠٩٥)، والنسائي
(١١٠/٣).
[٧٣٢] وعن كَعْبِ بنِ عُجْرَة، أنَّه دخلَ المسجدَ وعبدُ الرحمنِ بن أُمِّ
الحَكَم يخطبُ قَاعِداً، فقالَ: انْظُروا إلى هذا الخَبيثِ يخطبُ قَاعِداً، وقالَ
الله تعالى: ﴿ وَإِذَا رَأَوْأْ نِجِرَةً أَوْ لَوَّ أَنفَضُواْ إِلَيْهَا وَتَرَّكُوَكَ قَآيِمًا﴾ [الجمعة: ١١].
رواه مسلم (٨٦٤)، والنسائي (١٠٢/٢).
أربعون رجلاً إلى تمام الصلاة، والأصح من هذه الأقوال ما يعضدُه هذا الحديث،
وهو قولُ إسحاق وأصحابنا. والله تعالى أعلم.
و (قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْأْ نِجَرَةً أَوْ لَمْوَا﴾ [الجمعة: ١١]) التِّجارة هنا: العيرُ
التي تحملُ التِّجارة. واللهو: الطبل؛ الذي كانوا يضربونه عند قدومهم. وانفضُّوا:
أي: تفرَّقوا.
و (قوله: ((وتركوك قائماً)) أي: تَخْطُب. [فهذا ذمّ لمن تَرَكَ الخطبة بعد
الشُّروع فيها، ونهيٌّ للمسلمين أن يتفرَّقُوا عن إمامهم](١). [وقد استُدلَّ به على
اشتراط الخطبة في الجمعة، وفيه بُعْدٌ](٢) وأَحْسَنُ متمسّكِ فيه قولُهُ وَّةِ: ((صلُّوا
كما رأيتموني أُصلِّي)»(٣).
و (قول كعب بن عجرة: انظروا إلى هذا الخبيث يخطبُ قاعداً) يدلُّ: على
خلافٍ قولِ أبي حنيفة، حيث رأى أنَّ الخطيبَ إن شاء قام، وإن شاء قَعَدَ في
(١)) من (ع): فقط.
(٢) ساقط من (ع).
(٣) رواه أحمد (٥٣/٥)، والبخاري (٧٢٤٦) من حديث مالك بن الحويرث رضي الله
عنه .

٥٠٢
(٤) كتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها
[٧٣٣] وعن ابن عمرَ، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَّهَ يخطبُ يومَ الجُمعةِ
قائماً، ثم يجلسُ، ثم يقومُ. قالَ: كما تفعلونَ اليومَ.
رواه البخاري (٩٢٠)، ومسلم (٨٦١)، وأبو داود (١٠٩٢)،
والترمذي (٥٠٦)، والنسائي (١٠٩/٣)، وابن ماجه (١١٠٣).
[٧٣٤] وعن جابر بن سَمُرةَ، قالَ: كانَ للنبيِّ وَّهِ خُطْبتانِ، يجلسُ
بينَهما يقرأُ القرآنَ، ويُذكِّرُ النَّاسَ.
رواه أحمد (١٠١/٥)، ومسلم (٨٦٢) (٣٤)، وأبو داود (١١٠١)،
والترمذي (٥٠٧)، والنسائي (١١٠/٣)، وابن ماجه (١١٠٥).
[٧٣٥] وعنه، أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّهِ كانَ يخطبُ قَائماً، ثم يجلسُ، ثم
يقومُ فيخطبُ قائماً، فمن نَبَأَكَ أنَّه كانَ يخطبُ جَالِساً فقد كذبَ، فقدْ واللهِ
صَلَّيْتُ معه أكثرَ من ألفيْ صَلاة.
رواه مسلم (٨٦٢) (٣٥).
مشروعية خطبته، ويدلُّ حديثا ابن عمرو وجابر بن سمرة بعده: على مشروعية الجلوس في
الجلوس بين وسطها، وقد اختلفَ في ذلك، قال القاضي أبو الفضل: اختلفَ أئمَّةُ الفتوى في
حُكْم الجلوس بين الخطبتين: فذهب مالك، وأبو حنيفة، وأصحابُهما، وجمهورُ
الجمعة
الخطبتين في
العلماء: إلى أنه سُنَّة، وإن لم يجلسْ فقد أساء، ولا شيءَ عليه. وقال الشافعيُّ:
هي فرضٌ، ومَن لم يجلسها فكأنه لم يَخْطُب، ولا جُمُعةً له. وقد حُكي عن مالك
نحوه، ورأى مالك، والشافعيُّ، وأبو ثور: الجلوس على المنبر قبلَ القيام إلى
الخُطْبةِ، ومَنَعَهُ أبو حنيفة، وقد رُوي عن مالك، وهو غيرُ معروفٍ من مذهبه.
و (قول جابر: فقد والله صليتُ معه أكثر من ألفَيْ صلاة) ظاهِرُ هذا أنه أرادَ

٥٠٣
(٤) کتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها
[٧٣٦] وعنه، قالَ: كنتُ أُصلِّي معَ رسولِ اللهِ وَّهِ فكانتْ صَلاتُهُ
قَصْداً، وخُطبتُه قَصْداً.
رواه مسلم (٨٦٦) (٤١)، وابن ماجه (١١٠٦).
[٧٣٧] وعن أبي وائل، قالَ: خطبنَا عَمَّارٌ، فَأَوْجَزَ وأَبْلَغَ، فلمَّا نزلَ
قُلْنَا: يا أبَا الْيَقْظَان. لقد أبلغتَ وأوجزتَ، فلو كنتَ تَنَفَّسْتَ؟! فقالَ: إِنِّي
سمعتُ رسولَ اللهِ﴿ يقولُ: ((إنَّ طُولَ صَلاةِ الرَّجُلِ، وقِصَرَ خُطْبتِهِ مَئِنَّةٌ مِن
فِقْهِهِ،
ألفي صلاة جمعة. وهو محال، لأنَّ هذا القَدْرَ من الجُمَع إنما يكونُ في نيف
وأربعين سنةً، ولم يصلِّ النبيُّ وَ ﴿ هذا المقدارَ من الجمع، فيتعيَّن أن يُراد به
الصلوات المفروضات، أو قُصد به الإغياء والتكثير، والله أعلم.
و (قوله: كانت صلاةُ رسول الله وَلِّ قَصْداً وخطبته قصداً) أي: متوسطة
بين الطول والقصر، ومنه: القصدُ من الرجال، والقصدُ في المعيشة. والإكثارُ في
الخطبة مكروهٌ للتشدُّق والإملال للتطويل، كما مضى في حديث معاذ.
و (قوله: خَطَبنا عمَّار فأبلغ وأوجز) أي: أبلغَ في المعنى، وأوجزَ في
اللفظ، وهذه المسمَّةُ بالبلاغة والفصاحة.
و (قوله: فلو كنتَ تَنَفَّسْتَ) أي: أطلتَ الكلامَ شيئاً، يقال: نفَّس الله في
عمرك(١)، أي: أطاله.
و (قوله وَّهِ: (مَئِنَّة من فقهه))) الروايةُ في هذا اللفظ: مئنّة؛ بالهمز، والقصر
وتشديد النون. وَوَقَعَ لبعضهم: مائّة بالمد، وهو غَلَطْ، وكذلك كلُّ تقييدٍ خالفَ
(١) في (هـ): عمره.
-

٥٠٤
(٤) کتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها
فَأَطِيْلُوا الصَّلاةَ وأقْصِرُوا الخُطْبَة، وإنَّ مِنَ البَيَانِ سِحْراً)).
رواه أحمد (٢٦٣/٤)، ومسلم (٨٦٩)، وأبو داود (١١٠٦).
الأول. قال الأصمعيُّ: سألني شعبةُ عن هذا الحرف؟ فقلت: هو كقولك: علامة،
ومَخْلَقةٌ، ومَجْدَرةٌ [وَمَحْراةً](١).
قال أبو عبيد: يعني: إنَّ هذا مما يُستدلُ به على فقه الرجل.
قال أبو منصور: جَعَل أبو عبيد الهمزة فيه أصلية.
قال أبو الحسن بن سراج: الميم في: ((مثنة)) أصلية، ووزنها فَعِلة، من مأنت
إذا شعرت، وقاله أبوه أبو مروان.
قال الأزهري: الميم في مَئِنَّة ميم مفعلة، وليست بأصلية. ومعنى قول
المرَّار(٢):
فَتَهَامَسُوا سِرّاً وقَالُوا عَرِّسُوا
مِنْ غَيْرٍ تَمْئِنَةٍ لِغَيْرٍ مُعَرَّسِ
أي: لم يتأكَّدوا من وقت التعريس. ويقال: أتاني فلان ما مأَنْتُ مْنَه، ولا
شأنت شأنه، أي: لم أفكر فيه، ولم أتھیَّا له.
و (قوله: ((فأطيلوا الصَّلاة وأقصروا الخطبة))) غيرُ مخالف لقوله: كانت
صلاته قصداً وخطبته قصداً. لأنَّ كلّ واحدٍ قَصْدٌ في بابه، لكنَّ الصلاةَ ينبغي أن
تكون أطولَ من الخطبة، مع القصد في كلّ واحدٍ منهما.
و (قوله: ((وإنَّ من البيان سحراً)) البيانُ هنا: الإيضاح البليغُ مع اللفظ
المستعذَب، وفي هذا الحديث تأويلان:
(١) من اللسان.
(٢) هو المرّار الفقعسي.
٠,

٥٠٥
(٤) كتاب الجمعة - (٥) باب: الخطبة، والقيام لها
[٧٣٨] وعن عُمَارَةَ بنِ رُؤَيْبَة، ورَأَى بِشْرَ بنَ مَروانَ على المِنْبَرِ رافعاً
يَدَيْهِ، فقالَ: قَبَّحَ اللهُ هَاتينِ اليَدينِ، لقدْ رأيتُ رسولَ اللهِ وَ﴿ِ ما يزيدُ على
أنْ يقولَ بيديهِ هُكَذا وأشارَ بإِصْبَعِهِ المُسَبِّحَةِ.
رواه مسلم (٨٧٤)، وأبو داود (١١٠٤)، والترمذي (٥١٥)،
والنسائي (١٠٨/٣).
أحدهما: أنه قصد به الذَّم؛ لأنَّ الإبلاغَ في البيان يفعلُ في القلوب من
الإمالة، والتحريك، والتطريب، والتَّحزين ما يفعل السحر. واستدلَّ متأوِّلُ هذا
بإدخال مالك الحديثَ في موطئه في باب: ما يُكره من الكلام بغير ذِكْر الله، وأنه
مذهبه في تأويل الحديث.
وثانيهما: أنَّه على جهة المدح؛ فإنه اللهَ تعالى قد امتنَّ على عباده بالبيان،
حيث قال: ﴿خَلَقَ الْإِنِسَنَ * عَلَّمَهُ أَلْبَيَانَ﴾ [الرحمن: ٣ -٤] وشبَّهه بالسحر
لميلِ القُلوب إليه، وأصلُ السحر: الصرف، والبيانُ يصرفُ القلوبَ، ويميلها إلى
ما يدعو إليه .
قلتُ: وهذا التأويلُ أولى لهذه الآية وما في معناها.
و (قوله: وأشار بإصبعه المسبِّحة) كان ذلك - والله أعلم - من رسول الله وَل
عند التشهُّد في الخطبة، كما كان يفعل في الصلاة.

٥٠٦
(٤) كتاب الجمعة - (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
(٦) باب
ما يقال في الخطبة ورفع الصوت بها
[٧٣٩] عن جابر بن عبد الله، قالَ: كانت خطبةُ رسول الله وَله يومَ
الجمعة، يَحمَدُ اللهَ، ويُثْنِي عليه، ثم يقولُ على إثرِ ذلكَ، وقد عَلا صوتُه
واشْتَدَّ غضبُه (وفي روايةٍ: واحْمَرَّتْ عَيْنَاهُ) حَتَّى كأنَّه مُنْذِرُ جيشٍ، يقولُ:
((صَبَّحَكُمْ ومَسَّاكُمْ))، ويقول: ((بُعِثْتُ أنَا والسَّاعَةَ كِهَاتَيْنِ)) وَيَقْرُنُ بِينَ إِصْبَعَيْهِ
(٦) ومن باب: ما يقال في الخطبة
كونه وَ﴿ تحمُّ عيناه، ويعلو صوتُه، ويشتدُّ غَضَبُه في حال خُطبته، كان هذا
منه في أحوال، وهذا مُشْعِرٌ بأنَّ الواعظَ حقُّه أن يكونَ منه في وَعْظه بحسب الفصل
الذي يتكلَّم فيه ما يطابقه، حتى لا يأتي بالشيء وضدُّه ظاهرٌ عليه، وأما اشتدادُ
غضبه، فيحتملُ أن يكونَ عند نَهْيه عن أمرٍ خُولف فيه، أو يريدُ أنَّ صفته صفةٌ
الغضبان.
و(مُنْذِر الجيش)) هو: المخبرُ بجيش العدو الذي يخوفُ به.
و (قوله وَله: ((بُعِثْتُ أنا والساعة كهاتين))) قيَّدناه بالفتح، والضم. فأما
الفتح: فهو على المفعول معه. والرفع: على أنَّه معطوفٌ على التاء في بُعثت،
وفُصِل بينهما بـ ((أنا)) توكيداً للضَّمير؛ على ما هو الأحسن عند النَّحويين، وقد
اختارَ بعضُهم النصبَ بناءً على أنَّ التشبيه وقعَ بملاصقة الأصبعين واتِّصالهما،
واختار آخرون الرفعَ بناءً على أنَّ التشبيهَ وقعَ بالتَّفاوت الذي بين رؤوسهما.
ويعني: أنَّ ما بين زمان النبيِّ ◌َ ◌ّهِ وقيام الساعة قريب، كَقُرب السَّبابة من الوسطى،
وهذا أوقع. والله أعلم.

٥٠٧
(٤) کتاب الجمعة - (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
السَّبَّابَةِ والوُسْطَى، ويقولُ: ((أَمَّا بعدُ فإِنَّ خيرَ الحديثِ كتابُ الله. وخيرُ
الهُدَی هُدَی محمدٍ،
وقد جاء من حديث سَهْل عنهَ﴿ أنه قال: ((سَبَقْتُها بما سبقتْ هذه هذه))(١)
يعني الوسطى والسَّبابة.
و (قوله: ((أما») كلمةٌ تَفْصِل ما بعدها عمَّا قبلها، وهي حرفٌ متضمّنٌ
للشرط، ولذلك تدخلُ الفاءُ في جوابها. وقدَّرها النحويون بـ (مهما) و ((بعد)):
ظرف زماني قُطِع عن الإضافة مع كَوْنها مرادة، فَبُني على الضَّم، وخصَّ بالضم:
لأنه حركةٌ ليستْ له في حال إعرابه، والعاملُ فيه ما تضمَّنه ((أما)) من معنى الشرط،
فإن معناه: مهما يكنْ من شيء بعد حَمْد الله فكذا، والله أعلم. وقال بعضُ
المفسرين في قوله تعالى: ﴿ وَءَاتَّيْنَهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ لَلِطَابِ﴾ [ص: ٢٠] أنه قوله:
((أما بعد)).
و (قوله: ((خيرُ الهدي هدي محمد))) روي: الهُدَى: بضم الهاء، وفتح الدال معنى الهداية
فيهما، وبفتح الهاء، وسكون الدال فيهما. وهما من أصل فعلٍ واحدٍ من الهداية،
وهي: الدَّلالة والإرشاد. والهَذْيُ في مستعمل(٢) العرف هَذْيان؛ هَذْي دلالة
وإرشاد: وهو الذي يُضاف إلى الرسلِ والكُتُب، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِىّ إِلَى
صِرَطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الشورى: ٥٢]، وفي القرآن: ﴿هُدِّى لِلْتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]
والهدي الثاني: بمعنى: التأييد والعصمة من تأثير الذُّنوب، والتَّوفيق، وهذا هو
الهديُ الذي لا يُنسب إلا لله تعالى. وهو المراد بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ
أَحْيَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِى مَن يَشَآءُ﴾ [القصص: ٥٦]. وحملتِ القدريةُ هذا الهديَ على
البيان بناءً على أصلهم الفاسد في القدر، كما قدَّمناه في أول كتاب الإيمان، ويردُ
(١) رواه الترمذي (٢٢١٣) من حديث المستورد بن شداد.
(٢) في (ع): استعمال.

٥٠٨
(٤) كتاب الجمعة - (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
وشرُّ الأُمورِ مُحْدَثاتُها، وكلُّ بِدْعَةٍ ضَلالٌ))، ثم يقولُ: أَنَا أَوْلَى بِكُلِّ مُؤمنٍ
من نفسِهِ، مَنْ تركَ مالاً فلأهلِه،
عليهم قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السََِّّ وَيَهْدِى مَن يَشَآءُ إِلَى صِرَطٍ مُسْنَقِيٍ﴾
[يونس: ٢٥]. ففرَّق بين الدَّلالة والهداية، ولهذا موضعٌ يُعْرَفُ فيه، قال أبو عبيد:
الهَذْي بفتح الهاء وإسكان الدال: هو الطَّريقُ، فهديُ محمد: طريقُه. كما يُقال:
فلانٌ حَسَنُ الهدي، أي: المذهب في الأمور كلِّها والسيرة، ومنه: ((اهتدوا بهدي
عمَّار))(١).
و (قوله: ((شرُّ الأمور مُخْدَثاتها))) يعني: المحدثات التي ليس لها في
الشريعة أصلٌ يشهدُ لها بالصحة والجواز، وهي المسمَّاة بالبِدَع، ولذلك حُكِم
عليها بأنَّ كلَّ بدعةٍ ضلالة، وحقيقةُ البدعة: ما ابتُدىء وافتح من غير أصلٍ
شرعي، وهي التي قال فيها وَّر: ((مَن أحدثَ في أمرنا ما ليس منه فهو رَدِّ)(٢).
شر الأمور
البدع المحدثة
و (قوله: ((أنا أولى بكلِّ مؤمنٍ من نَفْسه))) أي: أقربُ له من نفسه، أو أحقُّ
النبيُّ أولى
نفسه
بالمؤمن من به منها، ثم فسّر وَجْهه بقوله: ((مَن تركَ مالاً فلأهله، ومن تركَ دَيناً أو ضياعاً فإليَّ
وعليّ)). وبيانُه: أنه إذا ترك ديناً أو ضياعاً ولم يقدر على أن يُخلِّص نفسه منه؛ إذ لم
يترك شيئاً يسدُّ به ذلك، ثم يخلِّصه النبيُّ ◌َ ﴿ بقيامه به عنه أو سدٍّ ضَيْعته كان أولى
به من نفسه؛ إذ قد (٣) فَعَل معه ما لم يفعلْ هو بنفسه. والله تعالى أعلم.
وأما روايةُ مَن رواه: ((أنا أولى بالمؤمنين مِن أنفسهم)) في غير الأَصْل
فيحتملُ: أن يحملَ على ذلك، ويحتملُ: أن يكونَ معناه: أنا أولى بالمؤمنين من
(١) رواه أحمد (٣٩٩/٥)، والترمذي (٣٨٠٧) من حديث ابن مسعود.
(٢) رواه البخاري (٢٦٩٧)، ومسلم (١٧١٨)، وأبو داود (٤٦٠٦)، وابن ماجه (١٤) من
حديث عائشة.
(٣) ساقط من (ع).

٥٠٩
(٤) کتاب الجمعة ۔ (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
ومَنْ ترِكَ دَيْناً أو ضَيَاعاً فإِليَّ وعَليَّ)) .
وفي روايةٍ: كانَ يخطبُ النَّاسَ، يَحمَدُ اللهَ ويُتِنِي عليه بما هو أهله.
ثم يقولُ: (مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادِيَ له، وخيرُ
الحديثِ كتابُ الله ... )) وساقَ الحديث.
رواه مسلم (٨٦٧) (٤٣ و ٤٥)، والنسائي (١٨٨/٣ - ١٨٩).
[٧٤٠] وعن ابن عبّاس أنَّ رسولَ اللهِنَ ◌ّه قالَ في مخاطبتهِ ضِمَاداً:
(إنَّ الحمدَ للهِ، نحمَدُه ونستعينُهُ، مَنْ يهدِه اللهُ فلا مُضِلَّ له، ومَنْ يُضْلِلْ فلا
هاديَ له. أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا اللهُ وحدَه لا شريكَ له، وأنَّ محمَّداً عبدُه
ورسولُه، أمَّا بَعْدُ ... )) وسيأتي بكمالهِ».
رواه أحمد (٣٠٢/١)، ومسلم (٨٦٨)، والنسائي (٨٩/٦ - ٩٠)،
وابن ماجه (١٨٩٣).
بعضهم لبعض. كما قال تعالى: ﴿أَنِ أَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٦٦] أي: ليقتلْ
بعضكم بعضاً، في أشهر أقوال المفسّرين.
والضَّياع: العِيال، قاله النَّضْر بن شُمَيْل، وقال ابنُ قتيبة: هو مصدرُ ضاع،
يضيع، ضياعاً، ومثله: مضى، يمضي، مضاءً. وقضى، يقضي، قضاءً، أراد: من
ترك عيالاً(١) عالةً أو أطفالاً، فجاء بالمصدر موضعَ الاسم، كما تقول: ترك فقراً،
أي: فقراء. والضياع بالكسر: جمع ضائع، مثل: جائع، وجياع، وضيعة الرجل
أيضاً: ما يكون منه معاشه من صناعة أو غلَّة، قاله الأزهري. وقال شمر: ويدخلُ
فيه: التجارة، والحرفة، يقال: ما ضيعتك؟ فتقول: كذا.
(١) من (هـ) و (ظ).

٥١٠
(٤) کتاب الجمعة ۔ (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
[٧٤١] وعن عديٍّ بن حاتم، أنَّ رجلاً خطبَ عندَ النبيِّ لَّهِ فقالَ:
مَنْ يُطعِ اللهَ ورسوله فقدْ رَشَدَ، ومَنْ يَعْصِهما فقد غوَى. فقالَ
قلتُ: وهذا الكلامُ إنما قاله النبيُّ ◌َ﴿ حين رَفَعَ ما كان قرَّر من امتناعه من
الصلاة على مَن مات وعليه دَيْن لم يترك له وفاءً، كما قاله أبو هريرة: كان
النبيُّ ◌َ﴿ يُؤتى بالميت عليه الذَّين؛ فيسأل: ((هل ترك لدينه وفاءً))؟ فإن قيل: إنه
ترك وفاءً صلَّى عليه، وإن قالوا: لا، قال: ((صلُّوا على صاحبكم)). قال: فلما فتح
اللهُ عليه الفتوحَ قال: «أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم. من تُوفِّي فترك ديناً، فعليَّ،
ومن تَرَكَ مالاً فلورثته))(١).
قال القاضي: وهذا ممَّا يلزم الأئمة من الفرض في مال الله تعالى للذريّة،
وأهل الحاجة، والقيام بهم، وقَضَاء دُيون محتاجيهم.
و (قوله للخطيب الذي قال: ((من يطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومن يَعْصِهما
إنکار جمع اسم
الله واسم فقد غوى))) ظاهره: أنه أنكر عليه جَمْعَ اسمِ الله واسم رسوله وََّ في ضميرٍ واحد،
رسوله في
ضمیر واحد
ويُعارضه: ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود: أنَّ النبيَّ ◌َّ خَطَبَ فقال في
خطبته: ((من يطع الله ورسوله فقد رَشَد، ومن يَعْصِهما فإنه لا يضرُّ إلا نفسه))(٢).
وفي حديث أنس: ((ومن يعصهما فقد غوى))(٣) وهما صحيحان، ويعارضه أيضاً
قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٦] فجمع بين
ضمير اسم الله وملائكته، ولهذه المعارضة صَرَفَ بعضُ القراء هذا الذَّ إلى: أنَّ
ذلك الخطيب وقف على: ومَن يعصهما، وهذا تأويلٌ لم تساعده الرواية؛ فإن
(١) رواه أحمد (٣٩٩/٢)، والبخاري (٢٢٩٨)، ومسلم (١٦١٩)، وأبو داود (٢٩٥٥)،
والترمذي (٢٠٩١).
(٢) رواه أبو داود (٢١١٩).
(٣) رواه أبو داود (١٠٩٨).

٥١١
(٤) کتاب الجمعة - (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
رسولُ اللهَ وَّهِ: ((بِْسَ الخطيبُ أنتَ، قَلْ: ومَنْ يَعْصِ اللهَ ورسولَه)).
رواه أحمد (٢٥٦/٤)، ومسلم (٨٧٠)، وأبو داود (١٠٩٩)،
والنسائي (٩٠/٦).
الروايةَ الصَّحيحةَ: أنه أتى باللفظين في مساقٍ واحد، وأنَّ آخرَ كلامه إنما هو: فقد
غَوَى، ثم إنَّ النبيَّ وَهُ ردَّ عليه وعلَّمه صوابَ ما أخلَّ به، فقال: ((قُلْ: ومن يعصٍ
اللهَ ورسولَه فقد غوى)» فظهر أنَّ ذمَّه له إنما كان على الجَمْع بين الاسمين في
الضَّمیر، وحينئذٍ یتوجّه الإشكال، ونتخلّص عنه من أوجه:
أحدها: أنَّ المتكلمَ لا يدخلُ تحت خطابٍ نفسه إذا وجَّهه لغيره،
فقوله وَاهُ: ((بئسَ الخطيبُ أنت)) منصرفٌ لغير النَّبِي وَلّ لفظاً ومعنى.
وثانيها: أنَّ إنكاره ﴿ على ذلك الخطيب يحتملُ أن يكونَ كأنَّ هناك من
يتوهّم التسويةَ مِن جَمْعِهما في الضَّمير الواحد، فمنع ذلك لأجله، وحيث عُدِم
ذلك جاز الإطلاقُ.
وثالثها: أنَّ ذلك الجمعَ تشريفٌ، ولله تعالى أن يشرِّفَ مَن شاء بما شاء،
ويمنع من مثل(١) ذلك للغير، كما قد أقسمَ بكثيرٍ من المخلوقات، ومَنَعنا من
القسم بها، فقال سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَتِكَتَهُ يُصَلُونَ عَلَى النَّبِيِّ يَأَيُّهَا الَّذِينَ
ءَامَنُواْ صَلُواْ عَلَيْهِ وَسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] وكذلك(٢) أذن لنبيه ◌َّ في
إطْلاق مثل ذلك، ومَنَع منه الغيرَ على لسان نبيِّه.
ورابعها: أنَّ العملَ بخبر المنع أولى لأوجه: لأنه تقعيدُ قاعدة، والخبر
(١) ساقط من (ع).
(٢) في (ع): وكان.

٥١٢
(٤) کتاب الجمعة ۔ (٦) باب: ما يُقال في الخطبة ورفع الصوت بها
[٧٤٢] وعن صَفْوَانَ بنِ يَعْلَى، عن أبيه، أنَّه سمعَ النبيَّ ◌َلّهِ يقرأُ
على المِنبر: ﴿وَنَادَ وْأَيَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧].
رواه أحمد (٢٢٣/٤)، والبخاري (٣٢٣٠)، ومسلم (٨٧١)،
وأبو داود (٣٩٩٢)، والترمذي (٥٠٨).
[٧٤٣] وعن عَمْرَة بنتِ عبدِ الرحمن، عن أُختٍ لِعَمْرَةَ، قالتْ: أَخَذْتُ
﴿قّ وَاَلْقُرْءَانِ الْمَجِيدِ﴾ [قَ: ١] من في رسولِ الله ◌َّهِ يومَ الجمعةِ، وهو
يقرأُ بها على المِنبرِ في كلِّ جُمُعَةٍ.
رواه أحمد (٤٣٦/٦)، ومسلم (٨٧٣) (٥٢)، وأبو داود (١١٠٠)،
والنسائي (١٠٧/٣).
الآخر يحتملُ الخصوص، كما قرَّرناه، ولأنَّ لهذا الخبر ناقل، والآخر مُبْقَى على
الأصل، فكان الأولُ أولى، ولأنه قول، والثَّانِي فِعْل، فكان أولى. والله أعلم.
و (قوله: إنَّ النبيَّ وَ﴿ قرأ على المنبر: ﴿وَنَادَوْ يَمَلِكُ﴾ [الزخرف: ٧٧])
يحتملُ: أن يكونَ أراد الآيةَ وحدها، أو الشُّورةَ كلَّها، ونبَّه ببعضها عليها، كما
يُقال: قرأتُ: (الحمدُ للهِ) وفي قراءته وَلَ﴿ هذه الآية وسورة (ق) دليلٌ: على صحّة
استحباب مالك قراءة شيء من القرآن في الخطبة، وخصَّ هذه الآية، وسورة ق؛
لما تضمَّنته من المواعظ، والزَّجر، والتحذير.
استحباب قراءة
شيء من القرآن
في الخطبة

٥١٣
(٤) كتاب الجمعة - (٧) باب: ركوع مَن دخل والإمام يخطب
(٧) باب
رکوع من دخل والإمام يخطب،
والتعليم في حالة الخطبة
[٧٤٤] عن جابر بن عبد الله، قالَ: جاء سُلَيْكُ الغَطَفَانِيُّ يومَ
الجمعةِ، ورسولُ اللهِ﴿ يخطبُ، فجلسَ، فقالَ له: ((يا سُلَيْكُ! قُمْ فَارْكَعْ
ركعتين وتَجَوَّزْ فيهما)) ثم قالَ: ((إذَا جَاءَ أحدُكم يومَ الجُمعةِ والإمامُ يخطبُ
فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فيهما».
رواه أحمد (٣١٧/٣)، والبخاري (٩٣٠)، ومسلم (٨٧٥) (٥٩)،
وأبو داود (١١١٥)، والترمذي (٥١٠)، والنسائي (١٠٣/٣)، وابن ماجه
(١١١٢).
(٧) ومن باب: ركوع مَن دخل والإمام يخطب
(قوله ﴿ لسُلَيْك: (قُمْ فاركِعْ ركعتين))) و (قوله: ((إذا جاء أخذُكم يوم
الجمعة والإمامُ يخطب فليركع ركعتين وليتجوَّزْ فيهما))) اختلف العلماءُ في العمل
بهذا الحديث: فذهب الشافعي، وأحمد، وإسحاق، والحسن، وأبو ثور، وفقهاء
أصحاب الحديث: إلى العمل بظاهره، وهو: أنَّ الداخلَ في حال خطبة الإمام
يركعُ ركعتين. وقال الأوزاعي: إنَّما يركعهما مَن لم يركعهما في بيته. وذهب
مالك، والليث، وأبو حنيفة، والثوري، وأصحابهما، وجمهور من الصَّحابة
والتَّابعين: إلى أنه لا يركع، وهو مرويٍّ عن عمر، وعثمان، وعليّ. واحتجَّ لهم
بقوله ◌َّ﴿ الذي رآه النَّبِيُّ ◌َّه يتخطَّى رقابَ الناس في حال الخطبة: ((اجلس فقد
آذيت))(١)، ويأمره وَله بالإقبال على الخطبة والإصغاء لها، والصلاةُ في ذلك الوقت
(١)) رواه أحمد (١٨٨/٤ و١٩٠)، وأبو داود (١١١٨)، والنسائي (١٠٣/٣) من حديث
عبد الله بن بسر.

٥١٤
(٤) كتاب الجمعة - (٧) باب: ركوع من دخل والإمام يخطب
[٧٤٥] وعن أبي رِفَاعَةَ، قالَ: انتهيتُ إلى النبيِّ وَّ وهو يخطبُ،
قال: فقلت: يا رسولَ الله! رجلٌ غريبٌ جاءَ يسألُ عن دِينِهِ، لا يَدْري
ما دینُه.
تصرفُ عن ذلك، وبالعمل المنقول المستفيض بالمدينة على أنَّهم كانوا لا يركعون
في تلك الحال، ولذلك قال ابنُ شهاب: خروجُ الإمام يقطعُ الصلاة، وكلامُه يقطعُ
الكلام.
وقد تأوَّلَ أصحابُنا حديثَ جابر تأويلات في بعضها بُعْد، وأَولى معتمدٍ
المالكية في تَرْك العمل به أنه خَبَرٌ واحد عارضه عَمَلُ أهلِ المدينة خَلَفاً عن
سلَف، من لدن الصَّحابة - رضي الله عنهم - إلى زمان مالك - رحمه الله تعالى -
فيكون العملُ بهذا العمل أولى، وهذا أصلُ مالك - رحمه الله تعالى - وأما
أبو حنيفة فتركَ العملَ به على أصله أيضاً في ردِّ أخبار الآحاد فيما تعُّ به البلوى،
والله أعلم. وذهب بعضُ المتأخرين من أصحاب الحديث إلى الجَمْع بين الأمرين،
فخيَّر الداخلَ بين الركوع وتَرْكه، وهو قولُ من تعارضَ عنده الخبرُ والعمل.
و (قول أبي رفاعة: انتهيتُ إلى النََِّهُ وهو يخطب) يحتملُ أن تكونَ
تلك الخطبةُ للجمعة ولغيرها؛ إذ قد كان النبيُّ وَِّ يجمعُ الناسَ لغير الجمعة عند
نزول النَّوازل، فيخطبهم ويعظهم.
من آداب
المتعلِّم
والمُعَلَم
و (قوله: رجل غريب جاء يسألُ عن دِيْنِه لا يدري ما دينُه) استلطافٌ في
السؤال، واستخراجٌ حَسَنٌ للتعليم؛ لأنه لما أخبره بذلك تعيَّن عليه أن يعلِّمه.
وأيضاً: فإن هذا الرجلَ الغريبَ الذي جاء سائلاً عن دِيْنه هو من النَّوع الذي قال فيه
النَّبِيُّ ◌َهُ: ((إنَّ ناساً يأتونكم من أقطار الأرض يطلبون العِلْمَ فاستوصُوا بهم
خيراً)(١) فإنه ◌َ ﴿ كان لا يأمرُ بشيء إلا كان أوَّل آخذٍ به، وإذا نهى عن شيء كان
أوَّل تاركٍ له.
(١) رواه الترمذي (٢٦٥٠)، وابن ماجه (٢٤٧) من حديث أبي سعيد الخدري.

٥١٥
(٤) كتاب الجمعة - (٧) باب: ركوع من دخل والإمام يخطب
قالَ: فأقبلَ عَلَيَّ رسولُ اللهِ بَّهِ، وتركَ خطبتَهَ حتَّى انتهى إلَيَّ، فَأُتَِّيَ
بِكُرْسِيٍّ، حسبتُ قوائمَه حَديداً، قالَ: فقعدَ عليه رسولُ اللهِ وَّهِ وجعلَ
يُعلِّمني مِمَّا عَلَّمَه اللهُ، ثمَّ أَتَى خطبتَه فَأَتَمَّ آخرَها.
رواه أحمد (٨٠/٥)، ومسلم (٨٧٦)، والنسائي (٢٢٠/٨).
و (قوله: فأقبل عليَّ وترك خطبته) إنما فَعَلَ ذلك لتعيّنه عليه في الحال،
ولخوف الفوت، ولأنه لا يناقضُ ما كان فيه من الخطبة. ومشيُهِنَّهِ وقُرْبُه منه في
تلك الحال مبادرةٌ لاغتنامِ الفرصة، وإظهار التَّهمم بشأن السائل.
و (قوله: فأتي بكرسي حسبتُ قوائمَه حديداً) هكذا صحيحُ الرواية، وذكره
ابنُ قتيبة وقال: ((بكرسي خُلْب))، قال: والخُلْبُ: اللَّيْفُ. وهو تصحيف منه،
وإنما هو: خِلْت، كما رواه ابنُ أبي شيبة، وهو بمعنى: حسبت؛ الذي رواه
مسلم، وَوَقَعَ في نسخة ابن الحذَّاءِ: ((بكرسي خشب)) وهو أيضاً تصحيفٌ، وصوابه
ما قدَّمناه. وقد فسَّره حُميد في كتاب ابنٍ أبي شيبة، فقال: أراه كان من عود
أسود، فحسبه من حديد، قلتُ: وأظنُّ أنَّ هذا الكرسيَّ هو المنبر. ويعني به: أنه
نُقِل عن موضعه المعتاد له إلى مَوضع السَّائل، ليجلسَ عليه النبيُّ ◌َّ.
و (قوله: ثم أتى خطبته فأتمَّ آخرها) أي: لما فرَّغْ من تعليم الرَّجل رَجَعَ
إلى أسلوب خُطبته المتقدِّم، لا يقال: إن هذا الفعلَ منهِوََّ قَطْعٌ للخطبة لما قرَّرناه
من أن تعليمَ العلم؛ والأمر؛ والنهي في الخطبة، لا يكون قَطْعاً للخطبة، والجمهور
على أنَّ الكلامَ في الخطبةِ لأمرٍ يحدثُ لا يفسدها. وحكى الخطّابيُّ عن بعض
العلماء: أن الخطيبَ إذا تكلّم في الخطبة أعادها.

٥١٦
(٤) كتاب الجمعة - (٨) باب: ما يُقرأ به في صلاة الجمعة
(٨) باب
ما يُقْرَأُ به في صلاة الجمعة، وفي صبح يومها
[٧٤٦] عن ابن أبي رَافِع، قالَ: استخلفَ مروانُ أبا هُريرةَ على
المدينةِ، وخرجَ إلى مكَّةَ، فصلَّى لنا أبو هريرة الجمعةَ، فقراً بعدَ سُورة
الجمعةِ في الركعة الآخرة ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ قال: فَأَدْرَكْتُ أبا هريرة
حينَ انصرفَ، فقلتُ له: إنَّكَ قرأتَ بسُورتين كان عليّ بنُ أبي طَالبٍ يقرأ
بهما بالكُوفةِ، فقالَ أبو هريرة: إني سمعتُ رسولَ الله وَلَه يقرأُ بهما يومَ
الجمعةِ .
وفي رواية: فقرأْ بسُورة الجمعةِ في السَّجدة الأولى، وفي الآخرة:
﴿إذا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾ .
رواه مسلم (٨٧٧)، وأبو داود (١١٢٤)، والترمذي (٥١٩)،
وابن ماجه (١١١٨).
(٨) ومن باب: ما يقرأ في صلاة الجمعة
قراءةُ النبيِوَ لَ﴿ في الجمعة بسورتها ليذكِّرهم بأمرها، ويُبيِّن تأكيدها
وأحكامها، وأما قراءةُ سورة المنافقين فلتوبيخ مَن يحضرها من المنافقين؛ لأنَّه قلَّ
مَن كان يتأخّر عن الجمعة منهم؛ إذ قد كان هذَّد على التخلُّف عنها بحرق البيوت
على مَن فيها، ولعل هذا - والله أعلم - كان في أول الأمر، فلمَّا عقل الناسُ أحكام
الجمعة، وحَصَل توبيخُ المنافقين عَدَلَ عنها إلى قراءة: سبِّح اسم ربك الأعلى،
وهل أتاك حديث الغاشية، على ما في حديث عبّاد بن بشر، لما تضمنتاه من
الوعظ، والتحذير، والتذكير، وليخفّف أيضاً عن الناس، كما قال: ((إذا أممتَ

٥١٧
(٤) كتاب الجمعة - (٨) باب: ما يُقرأ به في صلاة الجمعة
[٧٤٧] وعن التُّعمَان بنِ بَشيرِ، قالَ: كانَ رسولُ الله ◌َليهِ يقرأُ في
العيدينِ وفي الجُمعةِ ﴿سبِّح اسمَ رَبِّكَ الأُعلَى﴾، و﴿هلْ أتاكَ حديثُ
الغاشية﴾ .
قال: وإذا اجتمعَ العيدُ والجمعةُ في يومٍ واحدٍ قرأَ بهما أيضاً في
الصَّلاتینِ.
رواه مسلم (٨٧٨) (٦٢)، وأبو داود (١١٢٢ و١١٢٣)، والترمذي
(٥٣٣)، والنسائي (١١٢/٣)، وابن ماجه (١١١٩).
الناسَ فاقرأ بالشمس وضحاها، وسبِّح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث
الغاشية))(١).
و (قوله: وإذا اجتمع العيدُ والجمعةُ في يومٍ واحدٍ قرأ بهما أيضاً في حكم اجتماع
الصلاتين) هذا يدلُّ: على أنَّه لا يُكتفى بصلاة العيد عن صلاة الجمعة إذا اجتمعا الجمعة والعيد
في يوم. وهو المشهورُ من مذاهب العلماء، خِلافاً لمن ذَهَب إلى أنَّ الجمعةَ تسقطُ في يوم واحد
يومئذ. وإليه ذهب ابن الزبير، وابن عباس، وقالا: هي السُّنَّة، وذهب غيرهما:
إلى أنهما يُصلَّيان، غير أنه يُرخَّص لمن أتى العيدَ من أهل البادية في تَرْك إتيان
الجمعة، وإلى ذلك ذَهَبَ عثمانُ - رضي الله عنه - والذي استمرَّ العملُ عليه ما دلَّ
عليه ظاهرُ الحديث المتقدِّم.
وسجودُهُ وَل﴿ في صلاة الجمعة عند قراءة السَّجدة دليلٌ: على جواز قراءة جواز قراءة
السَّجدة في صلاة الفريضة، وقد كرهه في المدونة(٢). وعُلِّل بخوف التخليط على السجدة في
صلاة الفريضة
(١) رواه البخاري (٧١١)، ومسلم (٤٦٥)، وأبو داود (٧٩٠ - ٧٩٣)، والنسائي (٢/ ٩٧
و ٩٨) من حديث جابر.
(٢) هو كتاب ((المدونة)) في فروع المالكية، لأبي عبد الله عبد الرحمن بن القاسم المالكي
المتوفى سنة (١٩١ هـ). (كشف الظنون ٢ / ١٦٤٤).

٥١٨
(٤) كتاب الجمعة - (٩) باب: ما جاء في التنفل بعد الجمعة
[٧٤٨] وعن ابن عبّاس، أنَّ النبيَّ ◌َلهُ كانَ يقرأُ في صَلاة الفجرِ يومَ
الجمعة ﴿الَمّ تَنْزِيلُ ... ﴾ السجدة. و﴿هَلْ أَتَّى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ
الدَّهْرِ﴾ وأنّ النبيَّ وَّهِ كان يقرأْ في صَلاة الجمعة سورةَ الجُمعةِ والمنافقينَ.
رواه مسلم (٨٧٩)، وأبو داود (١٠٧٤)، والترمذي (٥٢٠)،
والنسائي (١١١١/٣).
(٩) باب
ما جاء في التنقّل بعد الجمعة
[٧٤٩] عن أبي هُريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله وَّهِ: ((إذا صَلَّيْتُمْ بعدَ
الجُمعَةِ فَصَلُوا أَرْبَعاً».
الناس، وقد عُلِّل بخوف زيادةٍ سجدةٍ في صلاة الفَرْض، وهو تعليلٌ فاسدٌ بشهادة
هذا الحدیث.
(٩) ومن باب: التنفل بعد الجمعة
(قوله ◌َله: ((إذا صلَّيتم بعد الجمعة فصلُّوا أربعاً))) أي: إذا أردتم أن تصلُّوا
نَفْلاً، كما قال في الرواية الأخرى: ((من كان مصلياً بعد الجمعة فليصلِّ أربعاً))،
قال الإمامُ: وكلُّ هذا إشارةٌ إلى تَرْكِ الاقتصار على ركعتين، لئلا تلتبسَ الجمعة
بالظهر - التي هي أربع - على الجاهل، أو لئلاّ يتطرّق أهلُ البدع إلى صلاتها ظهراً
أربعاً، وإلى الأخذ بظاهر هذا الحديث ذَهَبَ أبو حنيفة وإسحاق فقالا: يصلِّي أربعاً
لا يفصل بينهن. وروي عن جماعةٍ من السّلف: أنه يصلّي بعدهما ركعتين ثم

٥١٩
(٤) كتاب الجمعة - (٩) باب: ما جاء في التنفل بعد الجمعة
وفي روايةٍ: ((فإنْ عَجِلَ بكَ شيءٌ فَصَلِّ رَكعتينٍ في المسجدِ،
وركعتينٍ إذا جِئْتَ)).
وفي لفظ آخر: ((مَنْ كانَ منكم مُصَلِّياً بعدَ الجمعةِ فَلْيُصَلِّ أربعاً)).
رواه أحمد (٢٤٩/٢ و٤٤٢)، ومسلم (٨٨١) (٦٨)، وأبو داود
(١١٣١)، والنسائي (١١٣/٣)، وابن ماجه (١١٣٢).
[٧٥٠] وعن ابن عمرَ، ووصفَ تَطَوُّعَ رسولِ الله ◌ِّهِ، فقالَ: وكانَ
لا يُصلِّ بعدَ الجمعةِ حتَّى ينصرفَ، فيُصلِّ ركعتينٍ في بيتِه.
رواه أحمد (٣٥/٢)، ومسلم (٨٨٢) (٧١)، وأبو داود (١١٢٨)،
والترمذي (٤٣٢)، وابن ماجه (١١٣٠).
أربعاً، وهو مذهبُ الثوري، وأبي يوسف، لكن استحبَّ أبو يوسف تقديمَ الأربع
على الاثنتين. واستحبَّ الشافعيُّ التنفلَ بعدها، وأن الأكثرَ أفضل، وأخذ مالك
برواية ابن عمر: أنه ﴿ كان لا يصلِّي بعد الجمعة حتى ينصرفَ فيصلي في بيته
ركعتين. وجعله في الإمام أشدُ، ووسَّع لغيره في الرُّكوع في المسجد مع استحبابه
أَلَّا یفعلوا، قاله عِیاض.
والمقصورة: موضعٌ من المسجد، تُقْصَرُ على الملوك والأمراء، وأول من حكم اتخاذ
عمل ذلك معاوية لما ضَرَبِه الخارجيُّ، واستمر العملُ عليها لهذه العلة تحصيناً المقصورة في
للأمراء، فإن كان اتخاذُها لغير تلك العلَّة فلا يجوز، ولا يُصلَّى فيها؛ لتفريقها
المسجد
الصفوف، وحيلولتها بين الإمام وبين المصلِين خَلْفه، مع تمكّنهم من مشاهدة
أفعاله، وقد أجاز اتخاذَها بعضُ المتأخرين لغير النَّحصين، وفيه بُعْد، واختلف في
الصَّلاة فيها: فأجازه أكثرُ السّلف، وصلَّوا فيها، منهم: الحسن، والقاسم بن

٥٢٠
(٤) كتاب الجمعة - (٩) باب: ما جاء في التنفل بعد الجمعة
[٧٥١] وعن السَّائب ابن أُختِ نَمِرٍ، قالَ: صَلَّيْتُ مع مُعاويةَ الجمعةَ
في المَقصُورةِ فلمَّا سَلَّمَ الإمامُ قُمْتُ فِي مَقامِي فَصَلَّيْتُ، فلمَّا دخلَ أرسلَ
إِلَيَّ فقالَ: لا تَعُدْ لما فعلتَ، إِذَا صَلَّيتَ الجمعة فلا تَصِلْهَا بصَلاةٍ حتَّى
تَكَلَّمَ أو تخرُجَ، فإنَّ رسولَ اللهِ وَ له أمرَنا بذلكَ أَلَّا نُوصلَ بصَلاةٍ حتَّى نتكلّم
أو نخرجَ.
رواه مسلم (٨٨٣)، وأبو داود (١١٢٩).
*
محمد، وسالم، وغيره، وأباه آخرون، وکرهوه، ورُوي عن ابن عمر، أنه كان إذا
حَضَرتِ الصلاةُ وهو في المقصورة خَرَج عنها إلى المسجد، وهو قولُ الشَّافعي،
وأحمد، وإسحاق، غير أنَّ إسحاق قال: فإن صلَّى أجزأته، وقيل: هذا إذا كانت
مُباحة، فإن كانت محجورةً إلا على آحاد لم تجزْ فيها الجمعة؛ لأنها بتحجيرها
خرجتْ عن حكم(١) الجامع المشترك في الجمعة.
و (قوله: أَلَّا تُوصَل بصلاة) هكذا في إحدى الرِّوايتين، وقد روي: ((ألا
نُوصِلَ صلاةً) فالأولى: توصل بالتاء مبني لما لم يُسَمَّ فاعله، وفيه ضميرٌ هو
المفعول الذي لم يُسمَّ فاعله، وبصلاةٍ: مُتعلُّق به. فعلى هذا: يكون النهيُ
مخصوصاً بالجمعة لفظاً. والرواية الأخرى: نُوصِلَ، بالنون مبني للفاعل،
وصلاةً: مفعول، وهذا اللفظُ يعمُّ جميعَ الصلوات. ومقصودُ هذا الحديث: مَنْعُ ما
يؤدِّي إلى الزِّيادة على الصَّلوات المحدودات، والله تعالى أعلم.
(١) ساقط من (ع).