Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول اله ◌َ﴾
أنا من المشركينَ، إنَّ صلاتي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي للهِ ربِّ العالمينَ،
لا شريكَ له، وبذلكَ أُمِرْتُ وأنَا مِنَ المسلمينَ، اللَّهُمَ أنتَ المَلِكُ لا إلهَ إلَّا
أنتَ، أنتَ ربِّي وأنَا عَبْدُكَ، ظلمتُ نفسِي واعْتَرَفْتُ بذنبي؛ فاغفرْ لي ذُنوبي
جميعاً، إنَّه لا يغفرُ الذنوبَ إلا أنتَ، وَاهْدِني لأُحسنِ الأخلاقِ، لا يَهدي
لأحسنِها إلا أنتَ، واصْرِفْ عَنِّي سَيَّها لا يصرفُ عنِّي سَيْئَها، إلا أنتَ،
لبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخيرُ كلُّه في يَدَيْكَ، والشَّرُّ ليس إليكَ، أنا بِكَ وإليكَ،
الخَلْقِ. وأَصْلُه: من العلم، وقيل: من العلامة. و ((أنا من المسلمين))) أي:
مسلم من المسلمين المتمكُّنين في الاستسلام، الذين سَلَّموا أنفسهم للنيران(١)،
وأموالهم للضِّيفان، وولدهم للقربان، وفوَّضُوا جميع أمورهم للرَّحمن. وفي
التلاوة: ﴿وَأَنْ أَوَّلُ الْتُتْلِينَ﴾ [الأنعام: ١٦٣] أي: أول سابق بالنسبة إلى زمانه.
و (قوله: ((واهدني لأحسن الأخلاق))) أي: لَأَكْملها، وأَفْضلها. وهي:
الخُلُق الصحيح، والكفُّ عن القبيح. وقيل: للقيام بالحقوق، والعَفْو عن العقوق؛
كما قال: ((أن تعطيَ مَنْ حرمك، وتعفوَ عمَّن ظلمك))(٢). وقد أجاب الله تعالى
دعاءَ نبيه ◌َّ في ذلك، فجمع له منها ما تفرَّق في العالمين، حتى قال له
تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤]. و ((لبيك))) معناه: إجابةً لك بعد
إجابة. و ((سعديك))) أي: مساعدةً بعد مساعدة، وهما مِنَ المصادر التي
لا تُستعمل إلا مضافةً مُثَّاة. وقد تقدَّم القولُ في: ((بيدك الخير)).
و (قوله: ((والشرّ ليس إليك))) أي: لا يُضافُ إليك مخاطبةً ونسبةً، تأذُّباً،
مع أنه بقضاء الله تعالى وقدره، وخَلْقه واختراعه، كالخير، كما قال الله تعالى:
(١) أي: نيران الحروب والأعداء، أي: ضحّوا بأنفسهم في سبيل الله تعالى.
(٢) رواه أحمد (١٤٨/٤ و١٥٨).
٤٠٢
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله (5﴾
تَبَارَكْتَ وتَعَالَيْتَ، أستغفرُكَ وأتوبُ إليكَ !! وإذا ركعَ قال: ((اللَّهُمَّ لكَ
رَكَعْتُ، وبِكَ آمَنْتُ، ولكَ أَسْلَمْتُ، خشِعَ لكَ سمعي وبَصري، ومُخِّي
وعَظمِي وعَصبي)) وإذا رفعَ قالَ: ((اللَّهُمَّ رَبَّنا لكَ الحمدُ مِلء السَّمواتِ
والأرضِ، وما بينَهما، وملء ما شِئْتَ مِنْ شَيءٍ بعدُ)) وإذا سجدَ قالَ:
﴿قُلْ كُلّ مِنْ عِندِ اللَّهِ﴾ [النساء: ٧٨]، وكما قال: ﴿وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍ فَلَ كَاشِفَ
لَهُ إِلَّهُوَ وَإِن يَسْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ﴾ [الأنعام: ١٧].
و (قوله: ((خَشَعَ لك سمعي، وبصري، ومُخِّي، وعَظْمِي وعَصَبي))) أي:
أَخَذَ كُّ عضو من هذه الأعضاء حظّه من الخضوع والتذلل، أي: سكنتْ،
وافتقرتْ، وإن كان أصلُ الخشوع في القلب؛ لكن ثمرته تظهرُ على الجوارح
والأعضاء، فَسُمِّ بذلك: خُشُوعاً، كما قال تعالى: ﴿وتَرَى الْأَرْضَ خَشِعَةٌ﴾
[فصلت: ٣٩] أي: متذللة، مفتقرة لما تُحيا به من الماء، أو يكون هذا على
الإغياء(١) والتشبيه كما قال:
لا عُضْوَ لِي إِلَّ وَفِيهِ مَحَبَّةٌ فَكَأَنَّ أَعْضائِي خُلِقْنَ قُلُوبا
وهذا هو النورُ الذي دعا به النبيُّ ونَ﴿ في حديث ابن عباس المتقدِّم. وقد
تقدَّم القولُ في: ((ملء السموات والأرض)) في كتاب الطهارة.
و (قوله: ((وملء ما شئت من شيء بعد))) يُخْتَمَلُ أن يكونَ معناه: من شيء
يمكن أن يخلقَه يكون أكبرَ من السَّموات والأرض، ويحتمل أن يراد به العرش،
والكرسي، ففي الحديث: ((إنَّ السمواتِ والأرضَ في الكرسي كالحلقة الملقاة في
فلاةٍ من الأرض، والكرسي وما فيه في العرش كحلقةٍ ملقاة في فلاة))(٢) والله تعالى
أعلم، ومقصود هذا الحديث: الإغياء في تكثير الحمد والثناء.
(١) هو بلوغ الغاية في الأمر.
(٢) رواه الآجري وأبو حاتم البستي والبيهقي. (تفسير القرطبي ٢٧٨/٣).
٤٠٣
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ◌َ﴾
((اللَّهُمَّ لكَ سجدتُ، وبكَ آمنتُ، ولكَ أسلمتُ، سجدَ وَجهِي للذي خَلَقه
وصوَّرَه، وشقَّ سمعَه وبصرَه، تباركَ اللهُ أحسنُ الخالقينَ)) ثم يكونُ مِن آخِر
ما يقولُ بين التَّشَهُّدِ والتَّسليم: ((اللَّهُمَّ اغفرْ لي ما قَدَّمتُ وما أخَّرْتُ،
وما أَسْرَرْتُ وما أَعْلَنْتُ وما أَسْرَفْتُ، وما أنتَ أعلمُ به مِنِّي أنتَ المُقَدِّمُ
وأنتَ المُؤْخِّرُ لا إلهَ إلَّ أنتَ)).
وفي روايةٍ قالَ: كانَ إذا اسْتَفْتَحَ الصَّلاةَ كَبَّرَ ثم قالَ: ((وَجَّهْتُ
وَجْهِي)) وقال: ((وَأَنَا أَوَّلُ المسلمينَ)) وقالَ: وإذا رفعَ رأسَه من الرُّكوع قالَ:
و ((بعد)) ظرفُ مبنيٌّ على الضم؛ لأنه قُطِع عن المضاف إليه، مع أنه مراد،
ومعناه هنا: بعد السَّموات والأرض المذكورة قبل.
و (قوله: ((وشقَّ سمعه وبصره))) أي: خَلَقَ فيه السَّمع والبصر، وقد يَحْتَجُ
بإضافة السمع إلى الوجه من يقول: إن الأُذَنین من الوجه فيُغسلان بغسله،
ولا حُجَّة فيه؛ لأنه يعارضه قوله ◌َّهِ: ((فإذا مسحَ رأسَه خرجتِ الخطايا من رأسه،
حتى تخرجَ من أذنيه))(١) فَجَعَلَ الأذنَ غايةً للرأس، فهي منه؛ لأنَّا نقولُ بموجب
ذلك، ونُفرِّق بين السمع والأذن، فإنَّ السمعَ الإدراك الذي في الأذن لا الأذن،
ولأنَّ الوجهَ لا يتضمَّنُ الأذنين كما تقدَّم.
و (قوله: ((أنت المقدّم وأنت المؤخِّر))) أي: تُقدِّم مَن تشاء فتجعلهم أنبياء،
وأولياء، وعلماء، وفُضَلاء. وتؤخِّر مَن شئت فتجعله فرعون، وأبا جهل. أو
تملّك الملكَ مَن تشاء، وتنزُ الملكَ ممن تشاء، وعلى الجملةِ فكلُّ تقديمٍ وتأخير
منه .
و (قوله: (كان إذا استفتح الصلاةَ كبَّر ثم قال: وَجَّهْتُ وجهي))) أُخَذَ به حكم دعاء
التوجُّه
(١) رواه مالك في الموطأ (٣١/١)، والنسائي (٧٤/١)، وابن ماجه (٢٨٢) من حديث
الصُّنابحي رضي الله عنه.
٤٠٤
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٧) باب: في كيفية صلاة رسول الله ﴾
((سمعَ الله لمن حَمِدَه، رَبَّنا ولكَ الحمدُ)) وقالَ: وصَوَّرَهُ فأحسنَ صُوَرَه.
وقالَ: إذا سَلَّم قالَ: اللَّهُمَّ اغفرْ لي مَا قَدَّمْتُ ... إلى آخر الحديث.
رواه أحمد (١٠٢/١)، ومسلم (٧٧١)، وأبو داود (٧٦١)،
والترمذي (٣٤٢٣).
الشَّافعي، وأن هذا التوجيهَ سُنَّهُ راتبةٌ في صلاة الفَرْض بعد التّكبير، ولا حُجَّةَ له
فيه؛ لأنَّ هذا يُحْتَمَلُ أنَّه كان في صلاة الليل فقط، وتكونُ الصلاةُ يراد بها صلاة
الليل فقط، ولئن سلَّمنا أنه للعموم لزم منه أن يكون الدعاء المذكور في هذا
الحديث في الركوع والسُّجود سُنَّة راتبة في كلِّ صلاة، ولا قائل به، فإنَّ مساقَ
الحديث واحدٌ، فلم يُفَرِّقْ بين الثَّوجيه وغيره من الأدعية والأذكار. ولئن سلمنا
الفرق فعندنا ما یعارضُ ذلك، وهو أمران:
أحدهما: أنه قال في الرواية الأولى: ((إنه كان إذا قام إلى الصَّلاة قال:
((وجهتُ وجهي)) ولم يذكر التَّكبير، وظاهِرُه إذا أراد القيام، فيكون قَبْل التَّكبير.
وثانيهما: أنه لو كان ذلك سُنَّةٌ راتبةٌ لنقله أهلُ المدينة بالعمل؛ إذ مِثْلُ ذلك
لا يَخْفَى عليهم مع شدّة بَحْثِهم عن أفعاله وأحوالِه، وخُصُوصاً في الصَّلاة الكثيرة
التَّكرار، العظيمة الموقع. فلما كان ذلك علمنا: أنه ليس بسُنَّ راتبة، ولا يُمْنَعُ مَن
قاله كسائر الأذكار والأدعية. وقد روى الدارقطني في حديث عليٍّ المتقدِّم: أن
ذلك كان في المكتوبة(١)، فإن صحَّ هذا كان دليلاً على جواز وقوع ذلك في الصَّلاة
المكتوبة، إذ لم يضرَّ بمن خلفه بطول القيام: لا أنَّ سُنَّةٌ رَاتبة؛ لما تقدَّم،
والله أعلم.
(١) رواه البيهقي في السنن الكبرى (٣٢/٢ و٣٣) من حديث علي رضي الله عنه. ولم
نجده في سنن الدارقطني كما أشار المصنّف - رحمه الله -.
٤٠٥
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٨) باب: ترتيل القراءة
(١٠٨) باب
ترتيل القراءة، والجهر في صَلاة اللَّيل وتطويلها
[٦٤٧] عن حذيفةَ، قالَ: صَلَّيْتُ مع النبيِّ وَِّ ذاتَ ليلةٍ فافتتحَ
البقرةَ، فقلتُ: يركعُ عند المئة، ثم مضى، فقلتُ: يُصلِّي بها في ركعةٍ،
فمضَى، فقلتُ: يركعُ بها، ثم افتتحَ النِّساءَ فقرأَها، ثم افتتحَ آلَ عِمرانَ
فقرأهَا، يقرأ مُتَرَسِّلا، إذا مرَّ بآيةٍ فيها تسبيحٌ سَبَّحَ، وإذا مَرَّ بسؤالٍ سَأَلَ،
وإذَا مَرَّ بِتَعَوُّذ تعوَّذ، ثم ركعَ فجعلَ يقولُ: ((سبحانَ ربِّي العظيم)) فكانَ
ركوعُه نَحْواً من قيامِه ثم قالَ: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه)) ثم قامَ طويلاً قريباً مما
ركعَ، ثم سجدَ فقالَ: ((سبحانَ ربِّيَ الأعلى)) وكانَ سُجُودُه قريباً مِن قيامِه
- وزادَ في روايةٍ فقالَ: ((سمعَ الله لمن حَمِدَه، رَبَّنا لكَ الحمدُ)).
رواه مسلم (٧٧٢)، وأبو داود (٨٧١ و٨٧٤)، والنسائي (١٧٦/٢
و ١٧٧).
[٦٤٨] وعن عبدِ الله، قالَ: صلَّيْتُ مع رسول الله وَ لَ فأطالَ حتَّى
(١٠٨) ومن باب: ترتيل القراءة
(قوله: يقرأ مُترسِّلاً) أي: مترفِّقاً مُتمهِّلاً. من قولهم: على رِسْلِك، أي:
على رفْقك، وهذا التطويلُ وهذه الكيفيةُ التي صدرتْ عنه في هذه الصَّلاة، إنما كان
منه بحسب وقت صادفه ووجْدٍ وَجَده، فاستطابَ ما كان فيه، واستغرقه عمَّا سواه.
[وهو موافقٌ لما قاله في حديث آخر: ((إذا أمّ أحدُكم الناسَ فليخفّف، وإذا صلى
وحده فليطوِّل ما شاء))(١).
(١) رواه مسلم (٤٦٧)، والترمذي (٢٣٦) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
٤٠٦
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٨) باب: ترتيل القراءة
هَمَمْتُ بِأَمْرِ سوءٍ، قالَ: قيلَ: وما هَمَمْتَ به؟ قالَ: هَمَمْتُ أنْ أجلسَ
وأدعَه.
رواه أحمد (٣٨٥/١)، والبخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٧٣)،
وابن ماجه (١٤١٨).
[٦٤٩] وعن عائشةً، أنَّ النبيَّ وَلَه سمعَ رجلاً يقرأُ مِن اللَّيْلِ، فقالَ:
((رَحِمَهُ اللهُ، لقد أَذْكَرَنِي كَذَا وكذَا آيَةً، كنتُ أَسْقَطْتُها من سُورةِ كَذا وكذا)).
رواه البخاري (١١٣٥)، ومسلم (٧٨٨)(٢٢٤)، وأبو داود (١١٣١).
و (قوله: لقد أذكرتني كذا](١) وكذا آيةً كنت أسقطتها))) قال ابنُ السيد
البطليوسي: كذا وكذا: كناية عن الأعداد [المعطوف بعضها على بعض من أحد
وعشرين إلى تسعةٍ وتسعين، والمميز بعد هذه الأعداد](٢) حقه أن يُنصب، قال:
وإذا قال: له عندي كذا وكذا درهماً. فهي كنايةٌ عن الأعداد من أحد عشر إلى
تسعة عشر. هذا اتفاقٌ من البصريين والكوفيين. وقال الكوفيون خاصَّة: إذا قال:
له عندي كذا أثواب، فهي كنايةٌ عن الأعداد المضافة إلى الجمع من ثلاثة إلى
عشرة. وإذا قال: له عندي كذا درهم بالإفراد، فهي كنايةٌ عن الأعداد المضافة إلى
المفرد من مئة إلى تسعمئة، ولا يجيزُ البصريُّون والكوفیُّون إضافةً ذا إلى ما بعده؛
لأنَّ المبهمَ لا يُضاف. انتهى قولُه.
قلتُ: وعلى نحو ما اتَّفق عليه البصريون والكوفُّون فرَّع الإقرارَ ابنُ
عبد الحكم فقال: إنْ قال: له عندي كذا كذا درهماً، لزمه أحد عشر. وإن قال:
(١)) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
(٢)) ما بين حاصرتين ساقط من (ع).
٤٠٧
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٩) باب: استغراق الليل بالنوم
(١٠٩) باب
استغراق الليل بالنوم من آثار الشيطان
[٦٥٠] عن عبد الله، قال: ذُكِرَ عِنْدَ رسول اللهِوَلّهِ رَجُلٌ نامَ ليلةً
حتى أصبحَ، قالَ: ((ذلكَ رجلٌ بالَ الشيطانُ في أُذنيْه)) أو قالَ: «في أُذْنِهِ)).
رواه أحمد (٣٧٥/١)، والبخاري (٣٢٧٠)، ومسلم (٧٧٤)،
والنسائي (٢٠٤/٣)، وابن ماجه (١٣٣٠).
كذا وكذا، لزمه أحد وعشرون. وإن قال: كذا درهماً لزمه عشرون؛ بناء على أقلّ
ما تقتضيه هذه الكنايات. وعلى هذا الأصل فيكون قوله و الإ: ((كذا وكذا)): أنه أقلّ
ما يحمل عليه إحدى وعشرون آيةً. ولا يجوزُ في: آية، في الحديث إلا النَّصب
على ما حكيناه. وقد تقدم القولُ في نسيان النَّبِي وَ ◌ّر، وأنه إن نَسي شيئاً من الوحي
لا يقرّ على نسيانه إلا أن يكون ذلك نَسْخاً؛ كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَ * إِلَّا
مَا شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] والله أعلم به.
(١٠٩) ومن باب: استغراق الليل بالنَّوم من آثار الشيطان
(قوله: ((ذاك رجلٌ بال الشَّيطان في أذنه))) يصحُّ بقاؤه على ظاهره؛ إذ
لا إحالةَ فيه، ويفعلُ ذلك استهانةً به، ويحتملُ أن يُحْمَل على التوسُّع، فيكون
معناه: أنَّ الذي ينامُ الليلَ كُلَّه، ولا يستيقظُ عند أذان المؤذِّنين، ولا تذكار
المذكِّرِين، فكأن الشيطانَ سدَّ أذنيه ببوله، وخصَّ البول بالذكر إبلاغاً في التَّفحيش
به، وليجتمعَ له مع إذهاب سَمْعه استقذارُ ما صُرِف به سمعه، ويُحتملُ أن يكون
معناه: أن الشيطانَ استولى عليه، واستهانَ به، حتى قد اتَّخذه كالكنيف المُعَدِّ
لإلقاء البولِ فيه. والله أعلم.
٤٠٨
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٩) باب: استغراق الليل بالنوم
[٦٥١] وعن عليٍّ بن أبي طالبٍ، أنَّ النبيَّ نَّهِ طَرَقَهُ وفاطمةَ،
فقالَ: ((ألا تُصلُّون؟)) فقلتُ: يا رسولَ الله إنَّما أنفسُنَا بيدِ اللهِ، فإذا شاءَ أنْ
يبعثَنا بعشَنا. فانصرفَ رسولُ الله ◌ِلّهِ حين قلتُ له ذلكَ. ثم سمعتُه وهو
مُدبرٌ يضربُ فَخِذَه، ويقولُ: ﴿وَكَانَ الْإِنسَنُ أَكْثَرَ شَىْءٍ جَدَلًا﴾
[الكهف: ٥٤].
رواه أحمد (١٠٢/١)، والبخاري (١١٢٧)، ومسلم (٧٧٥)،
والنسائي (٢٠٥/٣ - ٢٠٦).
[٦٥٢] وعن أبي هُريرةَ، يَبْلُغُ بِهِ النبيَّ نَّهِ قالَ: ((يَعْقِدُ الشيطانُ على
قافِيَةِ رأس أحدِكُم ثلاثَ عُقَدٍ إِذَا نَامَ،
و (قوله: ((طَرَقَهُ وفاطمة))) أي: أتاهما ليلاً، والطارقُ: هو الآتي باللَّيل،
ومنه سُمِّي النجم: طارقاً في قوله: ﴿وَلَّمَاءِ وَالْكَارِقِ﴾ [الطارق: ١] وهذا الإتيانُ
منه﴿ إنما كان منه ليوقظَهما للصَّلاة؛ بدليل قوله: ((ألا تصلُّون))؟! وقد استنكر
منهما نَوْمَهُما في تلك الليلة؛ إذ خالفا عادَتَهُما، ووقتَ قيامهما؛ ولذلك اعتذرَ له
عليٍّ رضي الله عنه بقوله: ((إنما أنفسُنا بيد الله فإذا شاء بَعَثَها)) أي: أيقظها،
وانصرافُ النبيِّ ◌َ ﴿ عند سماعه هذا الكلام منه، وضربه فخذه وتمثُّله بالآية: يدلُّ
على أنه وَ﴿ لم يَرْضَ بذلك الجواب منه؛ لأنَّ الحزمَ والتهمُّم بالشيء يقتضي أن
لا ينامَ عنه؛ لأنَّ مَن تحقَّق رجاؤه بشيء، واشتدَّتْ عنايتُهُ به ورغبتُه فيه، أو خافَ
من شيءٍ مكروهٍ قلَّ ما يصيبه ثقيل النوم، أو طويله، والله أعلم.
عقد الشيطان
و (قوله: ((يعقدُ الشيطانُ على قافية رأس أحدكم ثلاثَ عقد)») هذا العقدُ
على رأس الذى يعقده الشيطانُ كأنَّه من باب عَقْد السَّواحر ﴿النَّفَّئَتِ فِىِ الْعُقَدِ ﴾
النائم
[الفلق: ٤]. وذلك بأنهن يأُخُذْنَ خيطاً فيعقدْنَ عليه عقدةً منه، ويتكلَّمْنَ عليه
بالسِّحر فيتأثّر المسحورُ عند ذلك، إما بمرضٍ، أو تخييل، أو تحريك قَلْب، أو
تَحْزِين، أو غير ذلك، فشبّه فِعْلَ الشيطان بالنَّائم بفعل السَّواحر، وذلك: أنَّ النائمَ
٤٠٩
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٩) باب: استغراق الليل بالنوم
بكل عُقْدَةٍ يضربُ عليكَ ليلاً طويلاً، فإذا استيقظَ فذكرَ الله؛ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ،
وإِذَا تَوضَّأَ انْحَلَّتْ عنه عُقْدَتان، فإذا صَلَّى انْحَلَّتْ العُقَدُ، فأصبحَ نَشِيطاً
طَيَّبَ النَّفْسِ، وإلا أصبحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ».
كُلَّما أراد أن يقومَ ليذكرَ الله، أو يصلِّي، غرَّه وخَدَعه، بأن يقولَ له: عليكَ ليلٌ
طويلٌ فارقد، فيريه أنَّه لطول ما بقي عليه من الليل ما يُمكنه استيفاء راحته من
النَّوم، وقيامه بعد ذلك لِحِزْبِهِ، فيصغي لذلك، ويرقد، ثم إن استيقظَ ثانيةً فَعَل به
ذلك، وكذلك ثالثة، فلا يستيقظُ من الثالثة إلا وقد طلع الفجر، فيفوته ما كان أرادَ
من القيام، وإنما خصَّ العقدَ بثلاث لأنَّ أغلبَ ما يكون انتباهُ النائم في السحر، فإن
اتفق له أن يستيقظَ ويرجعَ للنوم ثلاث مرات لم تَنْقَضِ النومةُ الثالثةُ في الغالب إلا
والفجرُ قد طلع، والله أعلم.
وروايتُنا الصَّحيحة: ((عليك ليلٌ طويل)) على الابتداء والخبر، وقد وقع في
بعض الروايات: ((عليك ليلاً طويلاً)) على الإغراء، والأول أولى من جهة المعنى؛
لأنَّه الأمكنُ في الغرور، من حيثُ إنه يُخْبِرُهُ عن طُول الليل، ثم يأمرُه بالرُّقاد
بقوله: ((فارقد)) وإذا نُصِبَ على الإغراء لم يكنْ فيه إلا الأمر بملازمة طول الرُّقاد،
وحينئذٍ يكون قولُه: ((فارقد)» ضائعاً، والله أعلم. و ((قافية الرأس))): آخره،
وكذلك قافيةُ كلِّ شيءٍ، ومنه: قافية الشعر.
و (قوله: ((فأصبح نشيطاً طيِّبَ النفس))) أي: نشيطاً لما يَرِدْ عليه من عباداتٍ
أُخَر؛ من صلواتٍ وغيرها، فإنه يألفُ العبادات ويعتادُها، حتى تصيرَ له شِرْباً(١)،
فتذهب عنه مشقَّتها، ولا يستغني عنها. و ((طيب النفس))): لرجاء ثواب ما فعل،
ولانشراحٍ صدره بما يستقبل، والله أعلم.
و (قوله: ((وإلا أصبحَ خبيثَ النَّفْس كسلان))) أي: بِشُؤْم تفريطه، وبإتمام
(١) ((شِرْباً): مَوْرِداً.
ـانية
٤١٠
(٣) كتاب الصلاة - (١٠٩) باب: استغراق الليل بالنوم
رواه أحمد (٢٤٣/٢)، والبخاري (٣٢٦٩)، ومسلم (٧٧٦)،
وأبو داود (١٣٠٦)، والنسائي (٢٠٣/٣ - ٢٠٤)، وابن ماجه (١٣٢٩).
خديعةِ الشيطان عليه، إذ قد حَمَلَهُ على أنْ فاته الحظُّ الأوفر مِن قيام الليل.
و ((كسلان)) أي: متثاقل عن الخيرات فلا يكادُ تسخو نفسه، ولا تخفُّ عليها
صلاة، ولا غيرها من القُربات، وربما يحملُه ذلك على تَضْبيع الواجبات.
و ((كسلان)) غير منصرف، للألف والنون الزَّائدتين، وهو مُذَكَّرُ کسلی، وقد
وقع لبعض رواة الموطأ: ((كسلانا)) مصروفاً، وليس بشيء، وقد أضاف النبيُّ ◌َّ
في هذا الحديث الخُبْثَ للنفس، مع أنه قد قال في حديثٍ آخر: ((لا يقلْ أحدكم:
خَبْثَتْ نفسي، ولكن ليقلْ: لقَستْ نفسي))(١) ولا تعارض بينهما؛ لأن الذي منعه
النبيُّ ◌ََّ إنما هو: أن يُطْلِقُ الإنسانُ على نفسه لَفْظَ الخُبْث، وهو مذمومٌ فيذمَ
نفسه، ويضيف الذمَّ إليها، وهو ممنوعٌ في مثل هذا، وأما لو أضاف الإنسانُ لفظً
الخُبْث إلى غيره مما يصدق عليه، لم يكن ذلك مَذْموماً ولا ممنوعاً، واللهُ أعلم.
ولقست: معناه غثَّت(٢)، ويقال: مقست بالميم والقاف، ونقست بالنون،
وكله بمعنى خبثت، وكأنَّ النبيَّ وَ﴿ كرهَ إطلاقَ ذلك اللفظ، فنقل إلى غيره، كما
قرَّرناه، وقد غيَّر رسول اللهِوَ ﴿ اسمَ عاصية بجميلة(٣)، وكره لفظ العقوق(٤). وهذا
النحو كثيرٌ عنه وَآلهدى .
(١) رواه البخاري (٦١٨٠)، ومسلم (٢٢٥١) من حديث سهل بن حنيف.
(٢) ((غثت)): فسدت.
(٣) رواه مسلم (٢١٣٩)، وأبو داود (٤٩٥٢)، والترمذي (٢٨٤٠)، وابن ماجه (٣٧٧٣)
من حديث ابن عمر رضي الله عنه.
(٤) رواه البخاري (٦٤٧٣)، ومسلم (٢٠٨٩) من حديث المغيرة رضي الله عنه.
٤١١
(٣) كتاب الصلاة- (١١٠) باب: أفضل النوافل ما صلّ في البيت
(١١٠) باب
أفضل النوافل ما صُلِّيَ في البيت
[٦٥٣] عن ابن عمرَ، عن النبيِّ وَِّ قال: ((اجْعَلُوا مِن صَلاتِكم في
بُيُوتِكم، ولا تَتَّخِذُوهَا قُبُوراً».
رواه أحمد (١٦/٢)، والبخاري (٤٣٢)، ومسلم (٧٧٧)، وأبو داود
(١٤٤٨)، والترمذي (٤٥١)، والنسائي (١٩٧/٣).
[٦٥٤] وعن جابر، قالَ: قالَ رسولُ اللهِوَلّهِ: ((إِذَا قَضى أحدُكم
الصَّلاةَ في مَسجدِهِ، فليجعلْ لبيتِهِ نَصِيْباً مِن صَلاتِهِ، فإنَّ اللهَ جاعلٌ في بيتِه
مِن صَلاتِهِ خَيْراً».
رواه أحمد (٣١٦/٣)، ومسلم (٧٧٨).
(١١٠) ومن باب: فضل النوافل
(قوله {يَاقة: ((اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم))) ((مِن)) هنا: للتبعيض، ويعني
به: التَّوافل، بدليل قوله في الحديث الآخر: ((إذا قضى أحدُكم الصلاةَ في مسجده
فليجعلْ لبيته نصيباً من صَلاته))(١). وقوله: ((ولا تَّخِذُوها قبوراً)) أي: لا
تُصَيِّرُوها كالقبور التي ليس فيها صلاة.
و (قوله: ((فإنَّ اللهَ جاعلٌ في بيته مِن صلاته خيراً))) الضَّميرُ في بيته عائد على
المصلِّ الذي تضمَّنه الكلامُ المتقدّم. و((من)) ها هنا: سببية، بمعنى: مِن أجل،
والخيرُ الذي يُجعل في البيت بسبب التنفُّل فيه هو: عمارتُه بذكر الله، وبطاعته،
وبالملائكة، وبدعائهم، واستغفارهم، وما يحصلُ لأهله من الثَّواب والبركة.
(١) رواه أحمد (٣١٦/٣)، ومسلم (٧٧٨) من حديث جابر رضي الله عنه.
٤١٢
(٣) كتاب الصلاة ۔ (١١٠) باب: أفضل النوافل ما صلي في البيت
[٦٥٥] وعن أبي مُوسى، عن النبيِّ وَّهِ قالَ: ((مَثَلُ البيتِ الذي يُذْكَرُ
اللهُ فيه، والبيتِ الذي لا يُذْكَرُ اللهُ فيه، مَثَلُ الحَيّ والمَيِّتِ)).
رواه البخاري (٦٤٠٧)، ومسلم (٧٧٩).
[٦٥٦] وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ رسولَ الله ◌َّهِ قالَ: ((لا تَجْعَلُوا بيوتكم
مقابرَ، إنَّ الشَّيْطَانَ يَنْفِرُ من البيتِ الذي تُقرأُ فيه سورةُ البقرة)».
رواه أحمد (٣٦٧/٢)، ومسلم (٧٨٠)،. وأبو داود (٢٠٤٢)،
والنسائي (١٠٨٠١) في الکبری.
[٦٥٧] وعن زيد بن ثابتٍ، قالَ: احْتَجَرَ رسولُ اللهِوَهِ حُجَيْرَةٌ
بِخَصَفَةٍ أو حَصِيرٍ، فخرجَ رسولُ اللهِ وَّهِ يُصلِّي فيها، فَتَتَبَّعَ إليه رجالٌ،
وجاؤوا يُصلُّون بصلاتِه، قالَ: ثم جَاؤوا ليلةً فَحَضَرُوا، فأبطأَ
رسولُ الله ◌َّ﴿ عنهم، فلم يخرجْ إليهم، فرَفعُوا أصواتَهم، وحَصَبُوا البَابَ،
فِخرجَ إليهم رسولُ اللهِ ◌ّ مُغْضَباً، فقالَ لهم: ((ما زالَ بكم صَنِيْعُكُم حتَّى
ظننتُ أنَّه سيُكتبُ عليكم، فعليكم بالصَّلاةِ في بُيُوتِكم، فإنَّ خيرَ صَلاةِ
المرءِ في بيتهِ إلا الصَّلاةَ المكتوبةَ)).
رواه أحمد (١٨٢/٥ و١٨٧)، والبخاري (٧٢٩٠)، ومسلم
(٧٨١) (٢١٣).
والخصفة: حصير يُخصف، أي: يُخاط من السَّعف. ومنه قوله تعالى:
﴿يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ اَلْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: ٢٢] أي: يخيطان. والخصفة:
ما يُخصف، والحصيرُ: ما ينسج. وهو على الشكِّ من الرَّاوي. وكان هذا الفعلُ
منه ◌َ ﴿ وهذا القولُ في رمضان، وقد تقدَّم في حديث عائشة.
٤١٣
(٣) كتاب الصلاة - (١١١) باب: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ
(١١١) باب
أَحَبّ العمل إلى الله أَدْوَمُهُ وإن قلَّ،
وكراهية التَّعَمُّقِ والتشديد
[٦٥٨] عن عائشةَ، أنَّها قالتْ: كانَ لرسولِ اللهِّهِ حَصِيرٌ، وكانَ
يُحَجِّرُهُ من اللَّيل فيُصلِّي فيه، فجعلَ الناسُ يُصلُّون بصلاتِهِ، ويبسطُه بالنَّهارِ،
فِثَابُوا؛ ذاتَ ليلةٍ فقالَ: ((يا أيُّها النَّاسُ، عليكم من الأعمالِ ما تُطيقون، فإن
الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا، وإن أَحَبَّ العَمَلِ إلى الله ما دُورِم عليه، وإن قلَّ،
وكانَ آل محمَّد إذا عَمِلوا عَمَلاً أَنْبَتُوه.
رواه أحمد (٢١٢/٦)، والبخاري (٤٣ و٦٤٦٤)، ومسلم (٧٨٢)
(٢١٥)، وأبو داود (١٣٦٨).
ومعنى (خَصَبُوا الباب)) أي: رَمَوْه بالحصباء، حِرْصاً على خروجه إليهم
للصلاة. و((سيُكتب)) أي: يُفترض، وقد تقدَّم الكلامُ على هذا المعنى في قيام
رمضان.
(١١١) ومن باب: أحبُّ العمل إلى الله أدومه
(قوله وَطاهر: ((عليكم من الأعمال ما تطيقون))) هذا حضّ على التَّخفيف في
أعمال النوافل، ويتضمَّنُ الزَّجرَ عنَ التَّشديد، والغلوِّ فيها، وسَبَبُ ذلك: أنَّ
التَّخفيفَ يكون معه الدوام، والنشاط، فيكثرُ الثوابُ لتكرارِ العمل، وفراغ القلب،
بخلاف الشاقُ منها، فإنه يكونُ معه التَّشويش، والانقطاعُ غالباً.
و (قوله: ((فإن الله لا يملُّ حتى تملُّوا))) ظاهِرُه محالٌ على الله تعالى. فإن
الملالَ فتورٌ عن تعب، وألمٌ عن مشقَّة، وكلُّ ذلك على الله تعالى مُحال، وإنما
٤١٤
(٣) كتاب الصلاة - (١١١) باب: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ
[٦٥٩] وعن علقمةً، قالَ: سألتُ عائشةَ قالَ: قلتُ: يَا أُمَّ
المؤمنينَ! كيف كانَ عملُ رسولِ الله ◌ِّهِ؟ هل كانَ يَخُصُ شيئاً مِن الأَيَّامِ؟
قالتْ: لا، كانَ عملُه دِيمَةً، وأَيُّكم يستطيعُ ما كانَ رسولُ اللهِ وَلَه
يستطيعُ؟ !.
رواه أحمد (٤٣/٦ و٥٥)، والبخاري (٦٤٦٦)، ومسلم (٧٨٣)
(٢١٧)، وأبو داود (١٣٧٠)، والترمذي (٢٨٥٦).
أُطْلِقَ هنا على الله تعالى على جهة المقابلة اللَّفظية مجازاً كما قال: ﴿وَمَكَرُواْ
وَمَكَرَ اَللَّهُ﴾ [آل عمران: ٢٤]، و: ﴿فَمَنِ أَعْتَدَىْ عَلَيْكُمْ فَأَعْتَدُواْ عَّهِ﴾
[البقرة: ١٩٤] ووجهُ مجازه: أنه تعالى لما كان يقطعُ ثوابَ عملٍ مَن ملَّ العملَ
وقَطَّعه، عبَّر عن ذلك بالملل من باب: تسمية الشيء باسم سَبَبه.
و(قول علقمة: ((هل كان رسولُ اللهِ وَّ يخصُّ شيئاً من الأيام؟))) وجوابُ
عائشة بنفي ذلك، خَرَج على غير الصِّيام؛ لأنه قد ثَبَتَ عنه وَ﴿ أنه كان يخصُّ
الإثنين والخميس بالصيام، فتعيَّن صَرْفُ حَمْله إلى غير ذلك.
و (قولها: ((وأيكم يستطيعُ ما كان رسولُ الله ◌ِوَلِّ يستطيع؟))) هذا يدلُّ: على
خشيته * شدَّة ما كان النبيُّ وَّ فيه مِن كَثْرَة التَّكاليف والاجتهاد في الوفاء بها، وذلك أنه
واجتهاده في كُلِّفَ بتكاليفَ خاصَّة به، كما خُصَّ به من الواجبات زيادةً على ما ساوى فيه جميع
العبادة
المكلفين. ثم إنه قد كُلِّف مراعاةَ مصالح أهل بيته، ومصالح الخَلْق كلُّهم، خاصَّة
وعامَّة، الدينية والدنيوية، هذا بالنَّظر إلى ظاهِر أَمْره، وأما بالنَّطر إلى خواصِّ باطنه
مما لا يُدْرَك، ولا يُمْكِنُ وَصْفه. وغايةُ العبارة عنه قوله: ((إني لأعلمُكم بالله
وأشدُّكم له خشية))(١) ولذلك كان ◌َِّ مُتواصِلَ الأحزان، والعبادات، والمشقّات،
(١) رواه أحمد (٦١/١ و١٢٢/٦)، والبخاري (٦١٠١)، ومسلم (٢٣٥٦) من حديث
عائشة رضي الله عنه.
٤١٥
(٣) کتاب الصلاة ۔ (١١١) باب: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ
[٦٦٠] وعن أنس، قالَ: دخلَ رسولُ اللهِوَِّ المسجدَ، وحَبْلٌ
ممدودٌ بين سارِيَتَين، فقالَ: ((ما هذا؟)) فقالُوا: لزينبَ، تُصلِّ فإذا كَسِلتْ أو
فَتَرَتْ أمسكتْ بهِ، فقالَ: ((حُلُوه، لِيُصَلِّ أحدُكم نَشَاطَهُ، فإذا كَسِلَ أو فتَر
قعدَ».
وفي رواية: ((فليقعدْ)).
رواه أحمد (١٠١/٣)، والبخاري (١١٥٠)، ومسلم (٧٨٤)،
وأبو داود (١٣١٢)، والنسائي (٢١٨/٣ -٢١٩)، وابن ماجه (١٣٧١).
[٦٦١] وعن عائشةَ، أنَّ الحَوْلاءَ بنتَ تُوَيْتٍ مَرَّت بها، وعندَها
رسولُ الله ◌َّهِ، فقالتْ: هذه الحَوْلاءُ بنتُ تُوَيْتٍ، وزَعمُوا أَنَّها لا تنامُ
اللَّيلَ. فقالَ رسولُ الله ◌َّهِ: ((لا تنامُ اللَّيلَ! خُذُوا مِن العَمَلِ ما تُطيقونَ،
فواللهِ! لا يَسأَمُ اللهُ حتَّى تَسْأَمُوا)).
رواه مسلم (٧٨٥).
[٦٦٢] عن عائشةَ، أنَّ النبيَّ وَ لَّهِ قالَ: ((إذا نَعَسَ أحدُكم في الصَّلاةِ
فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يذهبَ عنه النَّومُ؛
ليست له راحة، وقال في لفظ آخر: ((إنِّي أخشاكُم لله، وأعلمكم بحدوده))(١). وقد
كان تتفطّر قدماهُ من القيام، ويُجْهِد نفسَه من الجوع، ويربط على بطنه بالحجر،
والحجرين، وكان ينتهي مِن إجهاد نفسه، إلى أن يرقَّ عليه وَلِيُّه، ويرحمه النَّاظرُ
إليه .
و (قوله: ((إذا نَعَس أحدُكم في الصَّلاة فليرقد)))(٢) الحديثُ نَّه في آخره على
(١) رواه أحمد (٢٢٦/٦) من حديث عائشة رضي الله عنها.
(٢) في التلخيص كلمة (باب) وقد حذفناها لأن السياق متصل، ولعدم وجودها في الشرح.
٤١٦
(٣) كتاب الصلاة - (١١١) باب: أحب العمل إلى الله أدومه وإن قلّ
فإنَّ أحدَكُم إذا صَلَّى وهو نَاعِسٌ لعلَّه يذهبُ يستغفرُ فَيَسُبُّ نَفْسَه)).
رواه أحمد (٢٠٥/٦)، والبخاري (٢١٢)، ومسلم (٧٨٦)،
وأبو داود (١٣١٠)، والترمذي (٣٥٥)، وابن ماجه (٩٩/١ - ١٠٠).
[٦٦٣] وعن أبي هريرةَ، قالَ: قالَ رسولُ الله ◌ِهِ: (إِذَا قامَ أحدُكم
من اللَّيلِ فاستعجمَ القرآنُ على لسانِهِ، فلم يدرِ ما يقولُ فليَضطَّجِعْ)).
رواه أحمد (٣١٨/٢)، ومسلم (٧٨٧)، وأبو داود (١٣١١)،
وابن ماجه (١٣٧٢).
علَّة ذلك، وهو أنه توقَّع منه ما يكونُ منه مِنَ الغلط فيما يقرأ، أو يقول، ولم
يجعلْ علَّة ذلك نقضَ طهارته، فدلَّ على أنَّ النومَ ليس بحدثٍ على ما تقدَّم.
و (قوله: ((لعله يذهبُ يستغفر، فيسبُّ نفسه))) رويناه برفع الباء من يسبّ،
ونصبها، فمن رفع فعلى العطف على يذهب، ومَن نصب فعلى جواب لعلَّ، وكأنه
أَشْرَبَها معنى الثَّمني، كما قرأ حفص: ﴿لَّعَلِّ أَبْلُغُ اَلْأَسْبَبَ * أَسْبَبَ السَّمَوَتِ
فَأَطَّلِعَ﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] بنصب العين.
و (قوله: ((فاستعجم القرآنُ))) رفعاً على أنه فاعل استعجم، أي: صارت
قراءتُه كالعجمية، لاختلافِ حروفِ النَّائم، وعَدَمِ بيانها، والله أعلم.
٤١٧
(٣) كتاب الصلاة - (١١٢) باب: الأمر بتعاهد القرآن
أبواب فضائل القرآن وما يتعلق بها
(١١٢) باب
الأمر بِتَعاهُدِ القرآنِ، وذَمِّ مَنْ فََّطَ فيه حتَّى نسيَ
[٦٦٤] عن ابن عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِلَّهِ قالَ: ((إنَّما مَثَلُ صَاحبٍ
القرآنِ كَمَثَلِ صَاحبِ الإِبلِ المُعَقَّلةِ، إنْ عاهدَ عليهَا أمسكها، وإنْ أطلقَها
ذَهَبَتْ، وإذَا قامَ صَاحِبُ القُرآنِ فقرأه باللَّيْلِ والنَّهارِ ذكرَه، وإذَا لم يقمْ به
نَسیه».
رواه أحمد (١١٢/٢)، والبخاري (٥٠٣١)، ومسلم (٧٨٩)(٢٢٧)،
والنسائي (٢/ ١٥٤).
[٦٦٥] وعن عبدِ الله، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَلَهَ: ((بِئْسَمَا لِأَحَدِكم أنْ
يقولَ: نَسِيتُ آيَةً كَيْتَ وكَيْتَ، بَلْ هُو نُسِّيَ، اسْتُذْكِرُوا القرآنَ؛ فلهو أشدُ
تَفَصِّياً مِن صُدورِ الرِّجال من النَّعَم بِعُقُلِها)).
(١١٢) ومن باب: الأمر بتعاهُدِ القرآن
(قوله وَاهُ: ((بئسما لأحدكم أن يقولَ: نسيتُ آية كيت وكيت))) بئسما: هي
بئس التي للذمِّ أخت نِعْمَ التي هي للمدح، وهما فعلان غير منصرفين يرفعان
الفاعلَ ظاهراً، أو مضمراً؛ إلا أنه إن كان ظاهِراً لم تكنْ في الأمر العام إلا بالألف
واللام، للجنس. أو مضافاً إلى ما هما فيه حتى يشتملَ على الممدوح بهما
والمذموم، ولا بُدَّ من ذِكْر الممدوح والمذموم تَعْييناً، كقولك: نِعْم الرجلُ زيد،
وبئس الرجلُ عمرو. فإن كان فاعِلُهما مضمراً: فلا بُدَّ من ذكر اسم نكرة، يُنْصَبُ
على التمييز لذلك المضمر، كقولك: نِعْم رجلاً زيد. وقد يكون هذا التفسير: ما،
٤١٨
(٣) كتاب الصلاة - (١١٢) باب: الأمر بتعاهد القرآن
كما في الحديث، وكما في قوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّاهِىَ﴾ [البقرة: ٢٧١]، وقد يجمعُ
بين الفاعل الظاهر، وبين المفسّر، فيقال:
تزوَّدْ مِثْلَ زادِ أبِيْكَ [فينا
فنعم الزادُ زاد أبيك](١) زادا
والاسمُ الممدوح أو المذموم مرفوعٌ بالابتداء، وخبره الجملة المتقدمة، من
نِعْم وفاعلها، وقيل: على الخبر، وإضمار المبتدأ. واختلف العلماءُ في متعلَّق هذا
الذم، فقال بعضهم: هو على نسبة الإنسان لنفسه النسيان؛ إذ لا صُنْع له فيه.
فالذي ينبغي له أن يقول: أُنسيت، مبنياً لما لم يُسَمَّ فاعلُه، وهذا ليس بشيء،
لأنه وَ لّ قد نَسَبَ النسيانَ لنفسه، وقد نسبه اللهُ إليه، في قوله تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَاَ
تَ * إِلَّا مَا شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦ -٧] وفي قوله وَّه: ((إنما أنا بَشَرٌ مِثْلكم أنسى
كما تنسون، فإذا نسيتُ فذكِّروني))(٢) وقيل: كان هذا الذُ خاصاً بزمان النَّبِي وَلـ
لأنه كان من ضروب النسخ نسيان الآية، كما قال تعالى: ﴿سَنُقْرِتُكَ فَلَا تَسَ * إِلََّ مَا
شَآءَ اللّهُ﴾ [الأعلى: ٦ - ٧] أن ينسيكه كما قرأتِ الجماعة: ﴿﴿مَا نَسَخْ مِنْ ءَايَةٍ أَوْ
نُنِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] بضم النون، وترك الهمز، أي نُنْسِكَها، فلما كان هذا؛
فكأنه نهى عن ذلك القول؛ لئلا يتوهّم في كثير من مُحْكَم القرآن: أنه قد ضاعَ
حكم ترك بكثرة النَّاسين، وفيه بُعْدٌ. وقيل قول ثالث وهو أولاها: إنَّ نسيانَ القرآن إنما يكونُ
تعاهد القرآن لترك تعاهُدِه، وللغفلةِ عنه، كما أنَّ حِفْظَه: إنما يثبت بتكراره، والصَّلاة به، كما
واستذكاره
قال في حديث ابن عمر: ((إذا قام صاحبُ القرآن يقرأه بالليل والنهار ذَكَره، وإن لم
(١) ساقط من (ع)، والبيت لجرير.
(٢) رواه أحمد (٤٣٨/١)، وأبو داود (١٠٢٢)، والنسائي (٢٨/٣ و٢٩)، وابن ماجه
(١٢٢١) من حديث ابن مسعود رضي الله عنه.
٤١٩
(٣) كتاب الصلاة - (١١٢) باب: الأمر بتعاهد القرآن
وفي روايةٍ، قالَ عبدُ الله: تَعاهَدُوا هذه المصَاحِفَ - وربَّما قالَ:
يقمْ به نَسِيَه))(١) فإذا قال الإنسانُ: نسيت آية كيت، فقد شَهِدَ على نفسه بالتَّفريط
وتَرْك معاهدته له، وهو ذَنْبٌ عظيم، كما قال في حديثٍ أنس الذي خرَّجه التِّرمذيُّ
مرفوعاً: ((عُرِضَتْ عليَّ أعمالُ أمتي، فلم أَرَ ذنباً أعظمَ من سُورةٍ من القرآن؛ أو آية
أوتيها رجلٌ ثم نَسِيها))(٢) وهو نصٌّ، وعلى هذا فمتعلَّق الذم: تَرْكُ ما أُمِر به من
استذكار القرآن وتَعَاهُدِه، والنسيانُ علامةُ تَرْك ذلك، فعلّق الذمّ عليه. ولا يقال:
حِفْظُ جميع القرآن ليس واجباً على الأعيان؛ فكيف يَذُغُ مَن تغافلَ عن حِفْظه؟ لأنا
نقول: مَنَ جَمَع القرآنَ فقد عَلَتْ رتبتُه ومرتبتُه، وشَرُف فِي نَفْسِه وقومه شرفاً
عظيماً. وكيف لا يكون ذلك ومَن حَفِظ القرآن فكأنما أُدْرِجَتْ النبوةُ بين كتفيه؟!
وقد صار ممن يُقال فيه: هو من أهل الله وخاصته، وإذا كان كذلك فمن المناسب
تغليظُ العقوبة على مَن أَخَلَّ بمرتبته الدِّينية، ومُؤاخذته بما لا يُؤَاخَذُ به غيره، كما
قال تعالى: ﴿ يَنِسَآءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾
[الأحزاب: ٣٠] لا سيما إذا كان ذلك الذَّنبُ مما يُخْبِط تلك المنزلةَ ويُسْقِطُها؛
كترك معاهدة القرآن المؤدِّي به إلى الرّجوع إلى الجهالة. ويدلُّ على صحّة هذا
التأويل، قولُه في آخر الحديث: ((بل هو نُسِّي)). وهذا اللفظُ رويناه مُشَدَّداً مَبْنِيّاً لما
لم يُسَمَّ فاعلُه، وقد سمعناه مِن بَعْض مَن لقيناه بالتَّخفيف، وبه ضُبِط عن أبي بحر،
والتشديد لغيره، ولكلٍّ منهما وَجْهٌ صحيح، فعلى التَّشديدِ يكونُ معناه: أنه عُوقِبَ
بتكثير النِّسيان عليه؛ لمَّا تمادى في التَّفريط. وعلى الشَّخفيف فيكون معناه: تَرْكُهُ
غيرُ مُلْتَفَت إليه، ولا مُعْتَتَى به، ولا مَرْحُوم؛ كما قال الله تعالى: ﴿نَُواْ اللَّهَ
فَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركَهُم في العذاب، أو تَركَهم من الرَّحمة.
(١) رواه مسلم (٢٢٧/٧٨٩) من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
(٢) رواه أبو داود (٤٦١)، والترمذي (٢٩١٧).
٤٢٠
(٣) كتاب الصلاة - (١١٢) باب: الأمر بتعاهد القرآن
القرآنَ؛ فَلهُو أشدّ تَفَصِّياً مِن صدور الرِّجالِ من النعَم من عُقُلِهِ. قال: وقالَ
رسول الله وَله: ((لا يَقلْ أحدُكم نَسِيتُ آيَةَ كَيْتَ وكَيْتَ، بلْ هُو نُسِّيَ)).
رواه أحمد (٤٢٩/١)، والبخاري (٥٠٣٩)، ومسلم (٧٩٠)(٢٢٨
و ٢٢٩)، والترمذي (٢٩٤٣)، والنسائي (١٥٤/٢).
[٦٦٦] وعن أبي مُوسى، عن النبيِّينَ ﴿ِ قالَ: ((تَعاهَدُوا هَذا القرآنَ،
فوالذي نَفْسُ محمدٍ بيدِه! لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتاً مِنَ الإِبلِ فِي عُقُلِها)).
رواه أحمد (٣٩٧/٤)، والبخاري (٥٠٣٣)، ومسلم (٧٩١).
#
*
و (قوله: ((كيت وكيت))) كلمةٌ يُعَبَّرُ بها عن الجُمَل الكثيرة، والحديث من
الأمر الطويل. ومثلها: ذیت وذیت. قال ثعلب: كان من الأمر کیت وکیت، وكان
من فلان ذيت وذيت، فكيت: كنايةٌ عن الأفعال، وذيت: إخبارٌ عن الأسماء.
و «التفصِّي)»: التفلُّتُ والانفصال، يقال: تفصَّى فلان عن كذا، أي: انفصلَ عنه.
و ((النَّعَم)): الإبل، ولا واحد له من لفظه. و «العُقُل)): جمع عِقال، وهو ما تُعْقَلُ
به النَّاقة.
و (قوله: ((مِن عُقُله))) مِن: على أَصْل ما يقتضيه اللَّفْظُ من أصل التَّعدِّي،
فأما روايةُ مَن رواه: بعُقُلها، وفي عُقُلها، ومِن عُقُلها، فعلى أن تكون الباء والفاء
بمعنى: ((من))، أو يكون معناهما: المصاحبة، والظَّرفيّة، ويعني به: تشبيهُ من
يتفلَّتُ منه بعضُ القرآن بالنَّاقة التي انفلتتْ مِن عِقالها، وبقي مُتعلِّقاً بها، والله
أعلم.
وصاحبُ القرآن: هو الحافظُ له، المشتغلُ به، الملازمُ لتلاوته. ولفظُ
الصُّحبةِ مُسْتَعْمَلٌ في أصل اللُّغة على إِلْفِ الشَّيء ومُلازمته، ومنه: أصحابُ الجنة،
وأصحابُ النار، وأصحابُ النَّبِي ◌َِّ .