Indexed OCR Text
Pages 281-300
٢٨١ (٣) كتاب الصلاة - (٧٨) باب: النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان (٧٨) باب النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان، وفضل العشاء والصبح في جماعة [٥٤٠] عن أبي هريرة، ورأى رَجُلاً يَجْتَازُ المسجدَ خارجاً بعدَ الأذان، فقالَ: أمَّا هَذا فقد عَصَى أبَا القَاسمِ وَّهِ . رواه مسلم (٦٥٥) (٢٥٨)، وأبو داود (٥٣٦)، والترمذي (٢٠٤)، والنسائي (٢٩/٢)، وابن ماجه (٧٣٣). [٥٤١] وعن عثمانَ بن عفَّانَ، قالَ: سمعتُ رسولَ اللهِوَّهِ يقولُ: (مَنْ صَلَّى العِشَاءَ في جَمَاعَةٍ فكأنَّما قامَ نِصْفَ اللَّيْلِ، ومَنْ صَلَّى الصُّبْحَ في جَماعةٍ فكأنَّما صَلَّى اللََّلَ كُلُّه)). (٧٨) ومن باب: النَّهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان (قول أبي هريرة في الخارج من المسجد: أمَّا هذا فقد عَصَى أبا القاسم) محمولٌ: على أنه حديثٌ مرفوعٌ إلى رسول الله وَّةِ، بدليلٍ ظاهرٍ نسبته إليه في معرِض الاحتجاج به. وما كان يليقُ بواحدٍ منهم للذي عُلِم من دينهم، وأمانتهم، وضبطهم، وبُعدهم عن التَّدليس ومواقع الإيهام. وكأنّه سَمِعَ ما يقتضي تحریمَ الخروج من المسجد بعد الأذان، فأطلقَ لفظَ المعصية. فإذا ثَبَتَ هذا استثمر منه : أنَّ مَن دخل المسجدَ لصلاةٍ فَرْض، فأذَّنَ مؤذِّنُ ذلك الوقت حَرُم عليه أن يخرجَ منه لغير ضرورة حتى يصلي فيه تلك الصلاة؛ لأن ذلك المسجد تعيّن لتلك الصلاة، أو لأنه إذا خَرَج قد يمنعه مانعٌ من الرجوع إليه أو إلى(١) لغيره فتفوته الصَّلاة. فَضْل صلاة و (قوله: ((مَن صلَّى العِشاء في جماعةٍ فكأنَّما قامَ نصفَ ليلةٍ، ومن صلى العشاء والفجر الصبحَ في جماعةٍ فكأنَّما صلَّى الليل كلَّه))) معناه: قامَ نصفَ ليلةٍ لم يصلِّ فيها في جماعة (١) من (ظ) و (ط). ٢٨٢ (٣) كتاب الصلاة - (٧٨) باب: النهي عن الخروج من المسجد بعد الأذان رواه أحمد (٥٨/١)، ومسلم (٦٥٦) (٢٦٠)، وأبو داود (٥٥٥)، والترمذي (٢٢١) . [٥٤٢] وعن جُنْدَبِ بن عبدِ الله القَسْرِيِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَالتٍ: ((مَنْ صَلَّى صَلاةَ الصُّبْح فهو في ذِمَّةِ اللهِ، فلا يَطْلُبَّكُمُ اللهُ مِن ذِمَّتِهِ بشيءٍ، فإنَّه مَنْ يطلبْه مِن ذِمَّتِهِ بَشيءٍ يُدْرِكُهُ، ثم يَكُبَّه على وَجْهِهِ في النَّارِ)). رواه أحمد (٣١٣/٤)، ومسلم (٦٥٧) (٢٦٢)، والترمذي (٢٢٢). العتمة والصبحَ في جماعة، إذ لو صلَّى ذلك في جماعةٍ لحصلَ له فَضْلُها وفضل القيام. و (قوله: ((من صلَّى الصبحَ فهو في ذمة الله))) أي: في أمان الله، وفي جواره، أي: قد استجارَ بالله تعالى، والله تعالى قد أجاره، فلا ينبغي لأحدٍ أن يتعرَّضَ له بضر أو أذى، فمن فعل ذلك فاللهُ يطلبُ بحقّه، ومَن يطلبه لم يجدْ مفرّاً الوعيد الشديد ولا ملجأ. وهذا وعيدٌ شديدٌ لمن يتعرَّض للمصلِّين. وترغيبُ حضور صلاة لمن يتعرَّض الصبح. و (يكبه في النار) يَقْلِبُه فيها(١) على وجهه. للمصلین (١) من (ظ) و (ط). ٢٨٣ (٣) كتاب الصلاة - (٧٩) باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر (٧٩) باب الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر [٥٤٣] عن محمودِ بن الرَّبيع الأنصاريّ، أن عِتْبَانَ بنَ مالكِ - وهو من أصحاب النبيِّ وََّ، ممن شهدَ بَدْراً مِن الأنصار - أنَّه أَتَّى رسولَ الله ◌َ فقالَ: يا رسولَ الله! إنِّي قد أنكرتُ بَصَرِي، وأَنَّا أُصَلِّي لقومِي، وإذَا كانتِ الأمطارُ سَالَ الوَادِي الذي بيني وبينَهم، ولم أستطعْ أنْ آتيَ مسجدَهم، فأُصلِّ لهم. وَودِدْتُ أنَّك يا رسولَ الله تَأْتِيني فتُصلي في مُصَلَّى، أَنَّخِذُه مُصَلَّى، قالَ: فقالَ رسولُ الله ◌ِ: ((سأفعلُ إن شاءَ اللهُ))، قال عِتْبَانُ: فغدا رسولُ اللهِ وَّهِ وأبو بكر الصِّدِّيق حين ارتفعَ النَّهارُ، فاستأذنَ رسولُ اللهِ وَ فأذنتُ له، فلم يجلسْ حتَّى دخلَ البيتَ، ثم قالَ: ((أينَ تُحِبُّ أنْ أُصَلِّي مِن بيتك؟)) قالَ: ((فأشرتُ إلى ناحيةٍ من البيتِ، فقامَ رسولُ الله ◌ِوَِّ فِكَبَّرَ، فقُمْنَا وراءَه، فصَلَّى رَكعتينِ، ثم سَلَّمَ، قالَ: وحَبَسْنَاهُ على خَزِيرةٍ صَنَعْنَاه (٧٩) ومن باب: الرُّخصة في التَّخلف عن الجماعة للعذر (قوله: أنكرت بصري) أي: عميت بعد أن لم أكن كذلك، وفي هذا الحديث أنه أباح له الصلاة في بيته لتحقق عُذْره، ولأن مثل هذا لا يقدرُ على الوصول مع الأمطار وسَيْل الوادي، وكونه أعمى. وهذا بخلاف عُذْر الأعمى الذي في حديث أبي هريرة المتقدِّم إذ قال له: ((لا أجد لك رخصةً))؛ وقد تقرَّرَ الإجماعُ المتقدِّم: على أنَّ مَن تحقَّق عُذْرُه أُبيح له التخلفُ عن الجماعة والجمعة. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى. و (الخزيرة) قال فيها ابنُ قتيبة: هي لحمٌ يقطعُ صغاراً ثم يُصَبُّ عليها ماء كثير، فإذا نَضِج ذُرَّ عليه الدَّقيق، فإن لم يكن فيها لحمٌّ فهي عصيدة. وقال ٢٨٤ (٣) كتاب الصلاة - (٧٩) باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة للعذر له، وفي روايةٍ: جَشِيشَةٍ. قالَ: فئابَ رجالٌ مِن أهلِ الدَّارِ حَوْلْنَا، حتَّى اجتمعَ في البيتِ رجالٌ ذَوُو عددٍ، فقالَ قائلٌ منهم: أينَ مالكُ بن الدُّخْشُم؟ فقالَ بعضُهم: ذلكَ منافقٌ لا يحِبُّ اللهَ ورسولَه. فقالَ رسولُ اللهِ وَيته: ((لا تَقُلْ له ذلكَ، ألا تراه قد قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يريدُ بذلكَ وجهَ اللهِ؟)) قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ. قالَ: فإنَّمَا نَرَى وَجْهَهُ ونصيحتَه للمنافقين. قالَ: فقالَ رسولُ اللهِ وَلِّ: ((فإنَّ الله حَرَّم على النَّار مَنْ قالَ: لا إلهَ إلَّا اللهُ، يَبْتغي بذلكَ وجهَ اللهِ)). قال ابنُ شِهابِ الزُّهريُّ: ثم نزلتْ بعد ذلك فرائضُ وأمورٌ، نَرى أنَّ الأمرَ انتهى إليهَا، فمنِ استطاعَ أن لا يَغْتَرَّ فلا يَغْتَرَّ. وفي روايةٍ، قال محمودُ بنُ الرَّبيع: إِنِّي لَأَعْقِلُ مَجَّةٌ مَجَّها رسولُ اللهِ وَ ل﴿ من دَلْوِ في دَارِنا . أبو الهيثم: إذا كانت من دقيق فهي حريرة، وإذا كانت من نخالة فهي خزيرة. قال ابنُ السّكيت: الخزيرة: اللفيتة من لبن أو ماء ودقيق. قلتُ: وقد سمّاها في الرواية الأخرى: جشيشة. قال شمر: هي أن تُطحنَ الحنطة قليلاً ثم يُلقى فيها لحمٌّ أو تمر فيطبخ فيه. وقال النَّضر: الخزيرةُ من النخالة، والحريرة من اللبن. و (قوله: ((فثاب رجال))) قال النّضر: المثابةُ: المجمعُ والمرجعُ. وأصلُه من: ثاب إلى كذا؛ أي: رجع، وقد تقدَّمَ الكلامُ على قوله: ((إن الله حرَّم على النارَ من قال: لا إله إلا الله))(١). و (قول محمود: ((إِنِّي لأعقلُ مجّةً مجّها رسولُ اللهِ وَ لّ من دلوٍ في دارنا») (١) سبق هذا برقم (٢٣) وهو في صحيح مسلم برقم (٢٩). ٢٨٥ (٣) كتاب الصلاة - (٨٠) باب: صلاة النفل في جماعة رواه أحمد (٤٤/٤)، والبخاري (٦٤٢٢)، ومسلم (٣٣) في المساجد (٢٦٣ و٢٦٤ و٢٦٥)، والنسائي (٨٠/٢). (٨٠) باب صلاة النفل في جماعة، والصلاة على البسط وإن عتقت وامتهنت [٥٤٤] عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالكِ، أن جَدَّتَه مُلَيْكَةَ دعتْ رسولَ اللهِوَّهِ لطعام صَنَعَتْهُ، فأكلَ مَنه ثم قالَ: أي: في وجهه. والمج: طرح الماء وغيره من الفم، كما قال: يَمُجُّ لُعاعَ البقل فِي كَلِّ مَشْرَب وإنما فعل النبيُّ نَّه ذلك مباسطة للصبي وتأنيساً له، كما قال: ((يا أبا عُمَيْر ما فعل الثُّغير؟))(١). أو لعله إنما فعل هذا ليعقل هذا الفعل منه لصغره، فيحصل له بذلك تأكيد في فضيلة الصُّحبة، ونقل شيءٍ عنه عليه الصلاة والسلام كما كان، وكان محمودٌ إذ ذاك ابنُ أربع سنين. وقيل: ابن خمس سنين. وفيه دليلٌ: على جواز سماع جواز سَماع الصَّغير إذا عقل، وتثبّت، ثم نَقَلَهُ في كبره. وهذا الحديثُ فيه أبوابٌ الصغير إذا عقل من الفقه لا تخفى على فَطِن متأمِّل. والله الموفِّقُ للصَّواب. وتثبت (٨٠) ومن باب: صلاة النَّفل في جماعةٍ الضَّمِيرُ في قوله: ((إن جدَّته مُلَيْكَة)) عائدٌ على إسحاق بن عبد الله، وهي أم أبيه: عبد الله بن أبي طلحة، ومالك هو القائل: إن جدته. قال أبو عمر. وغلَّط (١) رواه البخاري (٦١٢٩)، ومسلم (٢١٥٠)، وأبو داود (٤٩٦٩)، والترمذي (٣٣٣) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه. ٢٨٦ (٣) كتاب الصلاة - (٨٠) باب: صلاة النفل في جماعة ((قُومُوا فَأُصَلِّي لكم)). قالَ أنسُ بن مَالك: فقمتُ إلى حَصيرِ لنَا قد اسْوَدَّ مِن طُول ما لُبِسَ، فَنَضَحْتُهُ بماءٍ، فقامَ عليه رسولُ الله ◌ِ، وصَفَفْتُ أنا واليتيمُ وراءَه، والعجوزُ مِنْ وَرائِنَا، فصلَّى لنا رسولُ الله ◌ِّهِ رَكعتينٍ، ثم انصرفَ. رواه أحمد (١٣١/٣ و١٦٤)، والبخاري (٣٨٠)، ومسلم (٦٥٨)، وأبو داود (٦١٢)، والترمذي (٢٣٤)، والنسائي (٥٦/٢ - ٥٧). غيره هذا القول، وقال: بل مُلَيْكة جدَّةُ أنس أمُّ أمِّه، وعليه يعودُ الضَّمير، وهو القائل: إنَّ جدَّته. والرواية الصحيحة: مُلَيكة، بضم الميم وفتح اللام، وذكر ابن عتاب عن الأصيلي أنها مَلِيكة، بفتح الميم وكسر اللام. و (قوله: ((فنضحته بماءٍ))) قال إسماعيلُ بن إسحاق: إنما نَضَحَهُ ليلين وليتوطأ للصلاة. والأظهر قولُ غيره: إنَّ ذلك إما لنجاسةِ متيقّنة، فيكونُ النضحُ هنا غسلاً، أو متوقعة؛ لامتهانه طول افتراشه، فيكون رشّاً لزوال الشك وتَطْييب النفس. وهذا هو الأليق، لا سيما وقد كان عندهم أبو عُمير أخو أنس طفلاً صغيراً حينئذ . حُكم الاثنين خلف الإمام و (قوله: ((فصففت أنا واليتيم (١) وراءه))) حُجَّة لكافّةِ أهل العلم: في أنَّ هذا حكم الاثنين خلف الإمام، وعلى أبي حنيفة والكوفيين إذ يقولون: يقومان عن يمينه ويساره. ◌ُكْم قیام خلف المرأة الإمام و (قوله: ((والعجوز من ورائنا))) هذا حُكْمُ قيام المرأة خلفَ الإمام، ولا خلافَ فيه. ويجوزُ أن يُتمسّك به على أنَّ المرأةَ لا تؤمّ الرجال؛ لأنها إذا كان (١) هو ضيمر بن سعد الحميري. ٢٨٧ (٣) كتاب الصلاة - (٨٠) باب: صلاة النفل في جماعة [٥٤٥] وعن أنس - أيضاً -، قالَ: كانَ رسولُ اللهِ وَّه أحسنَ النَّاس خُلُقاً، فربما تحضرُهُ الصَّلاةُ وهو في بيتِنَا، قالَ: فيأمرُ بالبِسَاطِ الذي تحتَّه فيُكْنَسُ، ثم يُنْضَحُ، ثم يَؤُمُّ رسولُ اللهِ ونَقُومُ خلفَه، فيُصلِّي بنَا. قالَ: وكانَ بِسَاطُهم من جَرِيدِ النَّخْلِ . رواه أحمد (١٤٧/٣ و١٨٥)، ومسلم (٦٥٩). [٥٤٦] وعنه، قال: دخلَ النبيُّ ونَ ﴿ علينا، وما هو إلا أنَا وأُمِّي وأم مقامُها في الائتمام متأخِّراً عن مرتبة الرجال فأبعد أن تتقدَّمهم، وهو قولُ الجمهور خلافاً للطبري وأبي ثور في إجازتهما إمامة النِّساء للنساء والرجال جملة. وحُكي إمامة النساء عنهما إجازةُ ذلك في التّراويح إذا لم يوجد قارىء غيرها. واختلف في إمامتها النساء: فذهب مالكٌ، وأبو حنيفة، وجماعةٌ من العلماء: إلى مَنْع إمامتها للنساء، وأجازَ ذلك الشَّافعي. وفيه روايةٌ شائَّةٌ عن مالك. وفي هذا الحديث أبوابٌ من الفقه: منها: الصلاة على ما تُنبته الأرض، فإنَّ الصلاة على ما هذا الحصيرَ كان من جَريد النَّخل، كما قاله في الرِّواية الأخرى، ولا خلافَ فى تنبته الأرض هذا. وما رُوي عن عمر بن عبد العزيز من خلاف هذا؛ إنما كان لأنَّ مُباشرةَ الأرض أبلغُ في التواضع. وفيه: أنَّ الافتراش يُسمَّى: لباساً، فمن حلف: ألا يلبس ثوباً فافترشه وجلس عليه حَنِث، وعلى هذا لا يفترش الرجلُ الحريرَ فيجلس افتراش الحرير عليه، وهو مذهبُ مالك وكافّة العلماء، خِلافاً لعبد الملك، ومَن قال بقوله: في إجازة الافتراش. وفيه حُجَّةٌ على: أنَّ مَن يعقلُ الصلاةَ من الصّبيان؛ حُكْمهم في القيام خلف الإمام حُكْم الرِّجال. وهو مذهبُ الجمهور. ورُوي عن أحمد: كراهةٌ ذلك، وقال: لا يقومُ مع النّاس إلا مَن قد بَلَغ. وروي عن عمر بن الخطاب وغيره: أنه كان إذا أبصر صبياً في الصف أخرجه. وهذا عند الكافة محمولٌ على مَن لا يعقل الصلاةَ ولا يكفّ عن العبث فيها . ٢٨٨ (٣) كتاب الصلاة - (٨٠) باب: صلاة النفل في جماعة حَرَامِ خَالتي، فقالَ: (قُومُوا فلُصَلِّيَ لكم)) (في غير وقتٍ صَلاةٍ) فصلَّى بنَا، فقالَ رجلٌ لثابتٍ: أينَ جعلَ أَنْساً منه؟ قالَ: جعلَه على يمينِهِ، ثم دَعا لنَا أهلَ البيتِ بكلِّ خيرٍ من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، فقالتْ أُمِّي: يا رسولَ اللهِ! خُوَيْدِمُكَ ادْعُ اللهَ له. قالَ: فدعا لي بكلِّ خيرٍ، وكانَ في آخرِ ما دَعَا لي بِهِ أنْ قالَ: اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَه وولدَه، وبَارك له فیهِ». رواه أحمد (١٩٤/٣)، والبخاري (٦٣٣٤)، ومسلم (٦٦٠)، (٢٦٨)، والترمذي (٣٨٢٧). و (قوله: ((قُوموا فلأصلي لكم))) هذه اللفظةُ رويناها هنا: فلأصلي، بكسر اللام ((فلأصليَ لكم)) وفتح الياء: على أنها لام كي، والفاء زائدة. وقد جاءت زائدة في مواضع منها قولهم: زيد فمنطلق، كما قال: وقائلةٍ خَوْلانُ فانكِح فتاتهم(١) وهو مذهبُ الأخفش فيما سمعت، وقد روي: بكسر اللام وجزم الياء، على أنه أَمَر نفسه. كما يُقال: لأقم، ولأقعد. وقد رُوي بفتح اللام وإثبات الياء ساكنة، وهي أشدّها؛ لأنَّ اللامَ تكونُ جوابَ قسم محذوف، وحينئذٍ يلزمها النون في الأعرف. و (قوله: ((اللهم أكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ») حُجَّةٌ على جواز الدعاء في تكثير المال والولد، لكن مع الدعاء بالبركة والاجتهاد في كفاية الفتنة، وبذلك کَمُل لأنس خيرُ الدنيا والآخرة، وهذا الحديثُ عَلَمٌ من أعلام نبوة النَّبِيِ وَّرِ لأنه اسْتُجِيبَ له في أنس، فَكَثُر مالُه وولدُه. الدعاء في تکثیر المال والولد (١) وعجزه: وأكرومة الحيين خِلْوٌ كما هيا. ٢٨٩ (٣) كتاب الصلاة - (٨١) باب: فضل انتظار الصلاة في المسجد [٥٤٧] وعن أبي سعيد الخدريٍّ، أنَّه دخلَ على رسولِ الله وَّه فوجدَه يُصلِّي على حَصيرٍ يسجدُ عليه. رواه مسلم (٦٦١)، وابن ماجه (١٠٢٩). (٨١) باب فضل انتظار الصلاة في المسجد [٥٤٨] عن أبي هريرة، قالَ: قالَ رسول الله وَّهِ: ((صَلاةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ تزيدُ على صَلاتِهِ في بيتِهِ، وصَلاتِهِ في سُوقِهِ، بضعاً وعشرينَ درجةً، وذلكَ أنَّ أحدَهم إذا تَوَضَّأَ فأحسنَ الوُضُوءَ، ثم أتى المسجدَ، لا يَنْهَزُهُ إلا الصَّلاةُ، لا يُريدُ إلا الصَّلاةَ، (٨١) ومن باب: فضل انتظار الصلاة (قوله: ((لا ينهزه إلا الصلاة))) أي: لا يحرِّكه إلا إرادةُ الصلاة. ومنه: انتهز الفرصة، أي: تحرَّك إليها وحصَّلها. و (قوله: ((ما لم يُحدث فيه))) قد فسَّره أبو هريرة بما ذكر في الأصل، وهو منه تمشُّكٌ بالعرف الشّرعي. وقد فسَّره غيرُه: بأنه الحدثُ الذي يصرفه عن إحضار فَضْل انتظار الصَّلاة، ويحمله على الإعراض عن ذلك، سواء كان مسوغاً أو غير مسوغ. وهو تمشُّكٌ بأصل اللغة. حَمَلَه بعضُهم على إحداثِ مأثم، والله أعلم. وقد تقدَّم الكلامُ في البضع. وهذا الحديثُ يُفهم منه: أنَّ فَضْلَ الجماعةِ لم يكنْ لأجل الجماعة فقط، بل فَضْل الجماعة لما يُلازمها من الأحوال، كقصد الجماعة، ونَقْل الخُطا، وانتظار الصلاة، وصلاة الملائكة عليه، وغير ذلك. ويعتضدُ بهذا الحديث مالكٌ لمذهبه في قوله: ٢٩٠ (٣) كتاب الصلاة - (٨١) باب: فضل انتظار الصلاة في المسجد فلم يَخْطُ خُطْوةً، إلا رُفعَ له بها درجةٌ، وحُطَّ عنه بها خطيئةٌ، حتَّى يدخلَ المسجدَ، فإذا دخلَ المسجدَ كانَ في الصَّلاةِ ما كانتِ الصَّلاة هي تَحْبِسُهُ، والملائكةُ يُصلُّونَ على أحدِكم ما دامَ في مجلسِه الذي صَلَّى فيه يقولونَ: اللَّهُمَّ ارحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغفرْ له، اللَّهُمَّ تُتْ عليه، ما لم يُؤْذِفیه، ما لميُحدِثْ فیه)). قيلَ لأبي هريرةَ: ما يُحْدِثُ؟ قالَ: يَفْسُو، ويَضْرُطُ. رواه أحمد (٢٥٢/٢ و٤٧٥)، والبخاري (٦٤٧)، ومسلم (٦٤٩) في المساجد (٢٧٢)، وأبو داود (٥٥٩)، والترمذي (٦٠٣). وابن ماجه (٨٧٦) . لا تفضلُ جماعةٌ جماعةً، لاشتراكهم في تلك الأمور. و (قوله: ((فلم يخط خُطوة))) بضم الخاء الرواية، وهي واحدةُ الخُطا، وهي ما بين القدمين، فأما: الخَطوة، بفتح الخاء: فهي المصدر، واحدة الخطو. فالضم للاسم، والفتح للمصدر. و (قوله: ((ما لم يؤذٍ فيه))) أي: ما لم يصدرْ عنه ما يَتَأَذَّى به بنو آدم والملائكة. قلتُ: ويحتملُ قوله: ((ما لم يُحْدث فيه)) أن يكون بدلاً من قوله: ((ما لم يؤذ فیه)). ثواب الخطا إلى المساجد و (قوله: ((إلّا رُفع له بها درجةٌ وحُطَّ عنه بها خطيئة)): قال الداودي: إن كانت له ذنوبٌ حُطَّتْ عنه، وإلا رُفِعَتْ له درجات. قلتُ: وهذا يقتضي أنَّ الحاصِلَ بالخطوة درجةٌ واحدة، إما الحطّ وإما الرَّفع. وقال غيره: بل الحاصلُ بالخطوة الواحدة ثلاثةُ أشياء؛ لقوله في الحديث الآخر: ((كتب اللهُ له بكل خطوةٍ حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط بها عنه سيّئة)) (١)، والله تعالى أعلم. (١) سبق تخريجه برقم (٥٣٩). ٢٩١ (٣) كتاب الصلاة - (٨٢) باب: من كانت داره عن المسجد أبعد (٨٢) باب من كانت داره عن المسجد أبعد کان ثوابه في إتيانه أکثر [٥٤٩] عن أبي مُوسى، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَّه: ((إنَّ أعظمَ النَّاس أجراً في الصَّلاة أبعدُهم إليها مَمْشىّ، فأبعدُهم. والذي ينتظرُ الصَّلاةَ حتَّى يُصلِّيها مع الإمام أعظمُ أجراً مِنَ الَّذي يُصلِّيها ثم يَنامُ» . رواه البخاري (٦٥١)، ومسلم (٦٦٢). [٥٥٠] وعن أُبَيِّ بن كعب، قالَ: كانَ رجلٌ من الأنصارِ، لا أعلمُ رَجُلاً أبعدَ مِن المسجدِ منه، وكَانَ لا تُخْطِئُهُ صَلاةٌ. قالَ: فقيل له : - أو قلتُ له ـ: لو اشتريتَ حِماراً تركبُه في الظَّلْمَاءِ والرَّمْضَاءِ. قالَ: ما يَسُرُّنِي أنَّ مَنزلي إلى جَنْبِ المسجدِ، إنِّي أُريدُ أن يُكتبَ ممشايَ إلى المسجدِ، ورُجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي. فقالَ رسول اللهِوَّ: ((قَدْ جَمَعَ اللهُ لكَ ذلكَ كلَّه)). رواه مسلم (٦٦٣)، وأبو داود (٥٥٧)، وابن ماجه (٧٨٣). [٥٥١] وعن جابر بن عبد الله، قالَ: كانت ديارُنَا نَائِيَةً مِن المسجدِ، فأردنا أنْ نبيعَ بيوتَنا فنقتربَ مِن المسجدِ، فنهانا رسولُ اللهِ وَّهِ، فقالَ: ((إنَّ لكم بكلِّ خُطوةٍ درجةً)). رواه مسلم (٦٦٤). [٥٥٢] وعنه، قالَ: أرادَ بنو سَلِمَةَ أنْ يَتَحَوَّلُوا إلى قُرْبِ المسجدِ قالَ: والبقاعُ خاليةٌ، فبلغَ ذلك النبيَّ وَّه فقالَ: ((يا بني سَلِمَةَ! دِيَارَكُمْ ٢٩٢ (٣) كتاب الصلاة - (٨٢) باب: من كانت داره عن المسجد أبعد تُكْتَبْ آثَارُكم)) (وفي روايةٍ: دِيَارَكُمْ تُكْتَبْ آثارُكُم) فقالُوا: ما كانَ يَسُرُنا أنَّا كَّا تَحَوَّلْنَا . رواه البخاري (٦٥٦)، ومسلم (٦٦٥) (٢٨١). (٨٢) ومن باب: مَن كانت دارُه عن المسجد أبعدَ كان ثوابُه أكثر (قوله: (ديارَكم تُكتبْ آثاركم))) دياركم: بالنصب على الإغراء. أي: الزموا دياركم. وتُكتب: جزم على جواب ذلك الأمر. والآثار: الخطا. والبقاع: جمع بقعة، وهي المواضعُ الفارغة. زاد في كتاب البخاري: ((وكره أن تعرى المدينة)). وهذا تنبيهٌ على علَّةٍ أُخرى تحملُهم على مقامهم بمواضعهم، وهي: أنه كَرِهَ أن تُتركَ جهاتُ المدينة عراء، أي: فضاء خاليةٌ فيؤتون منها. ومن هذا قولُه تعالى: ﴿فَبَدْنَهُ بِالْعَرَآءِ﴾ [الصافات: ١٤٥] أي: بموضعٍ خالٍ. البعد من وهذا الحديثُ والأحاديثُ التي قبله تدلُّ: على أنَّ البعدَ من المسجد أفضل، المسجد أفضل فلو كان بجوار مسجدٍ فهل له أن يجاوزه للأبعد؟ اختلف فيه: فروي عن أنس: أنه كان يجاوزُ المحدَث إلى القديم. ورُوي عن غيره أنه قال: الأبعدُ فالأبعدُ من المسجد أعظمُ أجراً. وكَرِهَ الحسنُ وغيرُه هذا، وقال: لا يدغ مسجداً قربه ويأتي غيره. وهو مَذْهَبُنا. وفي المذهبِ عندنا في تخطّ مسجده إلى مسجده الأعظم قولان . ٢٩٣ (٣) كتاب الصلاة - (٨٣) باب: المشي إلى الصلاة تُمحى به الخطايا (٨٣) باب [المشي إلى الصلاة تُمحى به الخطايا وترفع به الدرجات] [٥٥٣] عن أبي هريرةَ، أنَّه سمعَ رسولَ الله وَلَه يقولُ: ((أرأيتُم لو أذَّ نَهْراً بيابٍ أحدِكُم يغتسلُ منه كلَّ يومٍ خمسَ مراتٍ هل يَبْقَى من درِنِه؟)) قَالُوا: لا يَبْقى من درنِهِ شيءٌ. قالَ: ((فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ، يَمْحُو الله بهنَّ الخَطَايَا)). رواه أحمد (٣٧٩/٢)، والبخاري (٥٢٨)، ومسلم (٦٦٧)، والترمذي (٢٨٧٢)، والنسائي (٢٣١/١). (٨٣) [ومن باب: المشي إلى الصلاة تُمحى به الخطايا وتُرفع به الدرجات](١) (قوله في الأم: ((مثل الصَّلوات الخمس كمثل نهر غمر)): النهر: ما بين جنبي الوادي. سُمِّي نهراً: لسعته. وسُمِّي النهار به: لسعة ضوئه. ويقال: نهْر، ونهَر، بسكون الهاء وفتحها، وكذلك يقال في كلِّ ما كان عين الفعل منه حرف حلْقٍ، مثل: شَعْر، وشعَر، ودهْر، ودهَر. و ((الغَمْر))) بفتح الغين: الماء الكثير. ويضمها: الرجلُ الذي لم يجرِّبِ الأمور، وبكسرها: الحقد. و ((الدّرن))) الوسخ. و (قوله: ((هل يبقى من درنه شيء؟))) كذا صحَّتِ الروايةُ بفتح ياء يبقى، مبني للفاعل، وبإثبات مِن، وبتمام الكلام على درنه، من غير شيء. ويُحمل على أن: من زائدة على الفاعل؛ لأنَّ الكلامَ قبلها غيرُ موجب. فكأنه قال: هل يبقى درنه؟ (١) من صحيح مسلم (١/ ٤٦٢). ٢٩٤ (٣) کتاب الصلاة۔ (٨٣) باب: المشي إلى الصلاة تُمحی به الخطايا [٥٥٤] وعنه، عن النبيّ ◌َّه قال: ((مَنْ غَدَا إلى المسجدِ أو راحَ أعدَّ اللهُ له في الجنَّةِ نُزُلاً كلَّما غدا أو راحَ)). رواه أحمد (٥٠٩/٢)، والبخاري (٦٦٢)، ومسلم (٦٦٩). [٥٥٥] وعنه، عن النبيِّ ◌َ ﴿ِ قالَ: ((أحَبُّ البلادِ إلى الله مَساجِدُها، وأبغضُ البِلادِ إلى الله أسْوَاقُها)). رواه مسلم (٦٧١). وقد تخيَّلَ بعضُ الناس: أن في الكلام حَذْفاً فقال: هل يبقى من درنه شيء؟ ولا تعضده الرواية، ولا القانون النحوي. وظاهرُ هذا الحديث: أن الصلوات بانفرادها تستقلُّ بتكفير جميع الذُّنوب ما يُكفّر بالصلوات كبائرها وصغائرها. وليس الأمرُ كذلك؛ لاشتراطه في الحديث المتقدِّم اجتناب الخمس الكبائر، فدلَّ ذلك: على أن المكفَّر بالصلوات هي جميعُ الصغائر إن شاء الله. وقد تقدَّمَ القولُ في ذلك في كتاب الإيمان. و (قوله: ((من غدا إلى المسجد أو راح أعدَّ اللهُ له نُزُلاً في الجنة))) أصلُ ((غدا)): خرج بغَذْوٍ؛ أي: أتى مبكراً. ((وراح)): رجع بعشيٍّ. ثم قد يستعملان في الخروج والرجوع مطلقاً توسّعاً. وهذا الحديثُ يصلحُ أن يُحْمَلَ على الأصل، وعلى التوسع به، والله أعلم. و((أعدَّ»: هيأ، ومنه قولهم (١): وأعددت للحرب أوزارها رماحاً طوالاً وخيلاً ذكورا و ((النزل)): ما يهيأ للضيف من الكرامة. و (قوله: ((كلما غدا أو راح))) أي: بكلّ غدوة أو روحة. و (قوله: ((((أحبُّ البلاد إلى الله مساجدها))) أي: أحبُّ بيوت البلاد أو (١) هو الأعشى. فضيلة المساجد ٢٩٥ (٣) كتاب الصلاة - (٨٤) باب: الجلوس في المصلّى بعد صلاة الصبح (٨٤) باب الجلوس في المصلى بعد صلاة الصبح [٥٥٦] عن جابر بن سَمُرة، وقيل له: أكنتَ تُجالسُ رسولَ اللهِ وَله. قالَ: نعم، كثيراً، كانَ لا يقومُ مِن مُصَلَّه الذي يُصلِّي فيها الصُّبْحَ أو الغَدَاةَ، حتَّى تطلعَ الشمسُ، فإذَا طلعتِ الشَّمْسُ قامَ، وكانُوا يَتحدَّثُون، فيأخذونَ في أمرِ الجاهليةِ فيضحكونَ ويتبَسِّمُ . بقاعها. وإنما كان ذلك لما خُصَّتْ به من العبادات والأذكار، واجتماع المؤمنين، وظهور(١) شعائر الدين وحُضُور الملائكة. وإنما كانتِ الأسواقُ أبغضَ البلاد إلى الأسواق أبغض الله: لأنها مخصوصةٌ بطلب الدُّنيا ومطالب العباد، والإعراض عن ذكر الله، ولأنها البلاد إلى الله مكانُ الأيمان الفاجرة، وهي معركةُ الشيطان، وبها يَرْكُز رايته. وقد تقدَّم الكلامُ في معنی حبِّ الله وبغضه. (٨٤) ومن باب: الجلوس في المصلى بعد الصلاة حتى تطلع الشمس (قوله: ((كان ◌َّ لا يقومُ من مُصلَّه الذي يصلِّي فيه الصبحَ حتى تطلعَ الشمس))) هذا الفعلُ منه ◌ََّ يدلُّ على استحباب لزوم موضع صلاة الصُّبح للذكر استحباب لزوم والدعاء إلى طلوع الشمس؛ لأنَّ ذلك الوقتَ وقتٌ لا يُصلَّى فيه، وهو بعد صلاة موضع صلاة الصبح مشهودة، وأشغال اليوم بَعْدُ لم تأت، فيقعُ الذكرُ والدُّعاء على فراغ قلبٍ وحضور فَهْم، فيرتجى فيه قبولُ الدعاء، وسَمَاع الأذكار. وقال بعضُ علمائنا: يُكره الحديثُ حينئذ، واعتذر عن قوله: ((وكانوا يتحدَّثون في أمرِ الجاهلية فيضحكُون ويتبسَّم)): بأن هذا فَصْلٌ آخر من سيرة أخرى في وقتٍ آخر، وَصَلَه بالحديث (١) في (ع): حضور. ٢٩٦ ١ (٣) كتاب الصلاة - (٨٥) باب: في الإمامة، ومَن أحقّ بها؟ وفي روايةٍ: كانَ إذا صَلَّى الفجرَ جلسَ في مُصَلَّه حتَّى تطلعَ الشَّمسُ حَسَناً. رواه أحمد (٩١/٥)، ومسلم (٦٧٠)، وأبو داود (١٢٩٤). (٨٥) باب في الإمامة، ومن أحَقُّ بها؟ [٥٥٧] عن أبي سعيد الخدريّ قال: قالَ رسول الله وَله: ((إِذَا كَانُوا ثلاثةٌ فَلْيَؤُمَّهُمْ أحدُهم، الأول. قلتُ: وهذا فيه نظر، بل يمكنُ أن يقالَ: إنهم في ذلك الوقت كانوا يتكلَّمون؛ لأنَّ الكلامَ فيهِ جائزٌ غير ممنوع، إذ لم يرد في ذلك مَنْع، وغايةُ ما هنالك أنَّ الإقبالَ في ذلك الوقت على ذِكْر الله تعالى أفضلُ وأوْلى، ولا يلزمُ من ذلك أن يكونَ الكلامُ مطلوبَ الترك في ذلك الوقت. والله تعالى أعلم . . و (قوله: ((حتى تطلعَ الشمسُ حَسَناً)) أي: طُلُوعاً حَسَناً، فيكون نعتاً المصدر محذوف، ويعني بذلك: أنه كان يستديمُ الذكر والمقام بمجلسه إلى أن يدخلَ الوقتُ الذي تجوزُ الصلاة فيه . (٨٥) ومن باب: الإمامة، ومن أحقّ بها (قوله: ((إذا كنتم ثلاثة فليؤمّكم أكبرُكم))) ليس له مفهومُ خطاب؛ لأنه إذا كانا اثنين أمّهما أحدُهما، كما قال في الحديث، حديث مالك بن الحويرث له ولصاحبه: ((إذا حضرت الصلاةُ فأذّنا وأقيما وليؤمّكما أكبرُكما)). وإنما خصَّ الثلاثةَ بالذكر لأنه سُئِل عنهم، والله تعالى أعلم. ٢٩٧ (٣) كتاب الصلاة - (٨٥) باب: في الإمامة، ومَن أحقّ بها؟ وأحَقُّهُمْ بالإِمامَةِ أَقْرَؤُهُمْ)) . رواه أحمد (٢٤/٣ و٤٨)، ومسلم (٦٧٢)، والنسائي (٧٧/٢). [٥٥٨] وعن أبي مسعودٍ الأنصاريِّ، قالَ: قالَ رسولُ اللهِ وَهِ: ((يَؤُمُ القومَ أقرؤُهم لكتابِ اللهِ. فإنْ كَانُوا فى القراءةِ سَوَاءٌ، فَأَعْلَمُهُمْ بالسُّنَّةِ ..... و (قوله: ((وأحقُّهم بالإمامة أقرؤهم))) أي: أكثرُهم قرآناً. كما قال البخاري الأقرأ أحقُّ من حديث عمرو بن سلمة: ((ويؤمّكم أكثرُكم قرآناً))(١) ومَحْمَلُه: على أنه إذا اجتمعَ بالإمامة جماعةٌ صالحون للإمامة؛ فكان أحدُهم أكثرَ قرآناً؛ كان أحقّهم بالإمامة للمزية الحاصِلة فيه. فلو كانوا قد استظهروا القرآنَ كلَّه فيرجَّح مَن كان أتقنهم قراءةً، وأضبط لها، وأحسن ترتيلاً، فهو الأقرأُ بالنسبة إلى هؤلاء. و (قوله: ((يؤمُّ القومَ أقرؤهم لكتاب الله))) تمسَّكَ بظاهرِ هذا أبو حنيفة فقال: مَن أولى القارىءُ أولى من الفقيه. وقال مالكُ: الفقيهُ أولى من القارىء؛ لأنَّ الحاجةَ إلى بالإمامة: الفقه أكثر، وهو أعرفُ بما ينوبه من الحوادث في الصَّلاة. وتأوَّلَ أصحابُ الفقيه؟ الحديث: بأن الأقرأَ فيه هو الأفقه؛ لأنَّ الأَقرأَ كان عندهم هو الأفقهُ، لأنهم كانوا يتفقَّهون في القرآن. وقد كان مِن عُرْفهم الغالب تسميتُهم الفقهاء بالقرَّاء. قلتُ: إن صحَّت غلبةُ العُرْف فالقولُ ما قاله مالك. القارىء أم و (قوله: ((فإن كانوا في القرآن سواءً فأعلمُهم بالسُّنَّة))) يعتضدُ به أبو حنيفة القارىء الأعلم لمذهبه من حيث فضَّل فيه بين القرآن والسُّنَّة، وهذه الزيادةُ - هنا - انفرد بها بالسُّنة أولى الأعمش، ومَحْمَلُها عندنا وعند الشَّافعي - والله أعلم - فيمن كان في أول الإسلام بالإمامة عند عدم التفقّه، فكان المقدَّمُ القارىء، وإن كان صبيّاً على ما جاء في حديث عمرو بن سلمة. فلمّا تفقه الناسُ في القرآن والسُّنَّة قُدِّم الفقيه، بدليل: تقديم النبي وَلهو أبا بكر لخلافته في الصلاة. وقد نص وَله: على أن ((أقرأهم أبيّ))(٢) فلو (١) رواه البخاري (٤٣٠٢). (٢) رواه البخاري (٤٤٨١). ٢٩٨ (٣) كتاب الصلاة - (٨٥) باب: في الإمامة، ومَن أحقّ بها؟ فإنْ كَانُوا في السُّنَة سَوَاءً فأقْدَمُهُمْ هِجْرَةً. فإنْ كَانُوا في الهجرةِ سواءً فأقدمُهم سِلْماً. كان الأمرُ على ما ذهب إليه أبو حنيفة لكان أبيّ أولى بالإمامة في الصَّلاة. والسنة المذكورة: هي أحاديثُ السُّنن عن رسول الله وَلّ. وفي (قوله: ((يؤمُّ القومَ أقرؤهم))) حُجَّةٌ لنا في مَنْع إمامة المرأة للرجال؛ لأن القومَ هم الرجالُ لأنهم بهم قِوامُ الأمور. وقد قال تعالى: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّنْ قَوْمٍ﴾ [الحجرات: ١١] وقال: ﴿وَلَاَ نِسَآءُ مِّن ◌ِسَاءٍ﴾ [الحجرات: ١١]. وقال الشاعر(١): إمامة المرأة للرجال أَقومٌ آلُ حِصْنٍ أَمْ نِساءُ؟ وَمَا أَدْرِي وَسَوْفَ إِخَالُ أَدْرِي فسمّى الرجالَ: قوماً. فضيلة الهجرة و (قوله: ((فإن كانوا في السُّنَّة سواء فأقدمُهم هجرة») هذه الزيادةُ فيها فضيلةُ الهجرة. قال الخطابي: وإن كانت الهجرةُ اليوم قد انقطعتْ ففضيلتُها باقيةٌ على أبنائهم، فمن كان من أبنائهم أو كان في آبائه وأسلافه مَن له سابقةً وقدمٌ في الإسلام فهو مُقَدَّمٌ على غيره. فضيلة السبق إلى الإسلام و (قوله: ((فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمُهم سِلْماً)) أي: إسلاماً. وهذا لفضيلة السَّبقْ إلى الإسلام كما قال تعالى: ﴿ وَالسَِّقُونَ السَِّقُونَ * أُوْلَئِكَ الْمُقَرَُّونَ﴾ [الواقعة: ١٠ و١١] وفي الرواية الأخرى: ((سِنّا)) مكان ((سِلْماً)). وهو راجحٌ إلى سَبْقِ السنِّ بالإسلام؛ لأن الأكبرَ سنّاً سَبَق الأصغر. قال القاضي: وقد روى الزهريُّ في هذا الحديث: ((فإن استووا في القراءة فأفقهُهم في دِیْن الله، فإن كانوا في الفِقْه سواء فأكبرُهم سِنّاً، فإن كانوا في السنِّ سواء فأصبحهم وجهاً، فإن كانوا في الصباحة والحسن سواء فأكثرهم حَسَباً))(٢). قال بعضُ العلماء: إنما رتَّب النبيُّ وَل (١) هو زهير بن أبي سُلمی. (٢) ينظر: إكمال إكمال المعلم للأبي (٣٣٣/٢). ٢٩٩ (٣) كتاب الصلاة - (٨٥) باب: في الإمامة، ومَن أحقّ بها؟ ولا يَؤُمَّنَّ الرجلُ الرَّجُلَ في سُلطانه، ولا يَقْعُدْ في بيتِهِ على تَكْرِمتِهِ إلا بإذنه». وفي روايةٍ: ((سِنّاً) مكان: ((سِلْماً)). رواه أحمد (١١٨/٤ و١٢٤). ومسلم (٦٧٣) (٢٩٠)، وأبو داود (٥٨٢)، والترمذي (٢٣٥)، والنسائي (٧٦/٢)، وابن ماجه (٩٨٠). الأئمةَ هذا الترتيبَ؛ لأنها خلافةُ النبي وَلِّ؛ إذ هو إمامُ الناس في الدنيا والآخرة. فهي بعده للأقربِ إليه منزلةً، والأشبه به مرتبة. و (قوله: ((ولا يؤمَّنَّ الرجلُ الرجلَ في سُلْطانه))) أي: في موضع سلطنته، وهو ما يملكه أو يتسلَّط عليه بالتصرُّف فيه. وفيه حُجَّة: على أن الإمامَ المنصوبَ الإمام من السلطان، أو مَن جُعل له الصلاة أحقُّ بالتقديم مِن غيره حيث كان. قال . الخطابي: وهذا في الجُمُعَات والأعياد لتعلُّقها بالسَّلاطين، فأما في الصَّلوات المكتوبات: فأعلمهم أولاهُم. قال القاضي: وهذا ما لا يُؤَافَقُ عليه، بل الصلاةُ لصاحب السلطنةِ حقّ من حقِّه وإن حضر أفضلُ منه. وقد تقدَّم الأمراءُ من عهد النبي ◌َّ﴿ فمن بعدهم على مَن تحت أيديهم وفيهم الأفضل. وقد ذكر شيوخُنا: أن الإمامَ على الجملة أفضلُ دون تفصيل في وجه. وحكى الماورديُّ قولين في الأحقُّ: هو أو ربّ المنزل؟ ثم صاحب المنزل أحقّ مِن زائره؛ لأنه سُلطانه، وموضعُ تدبيره؛ إلا أن يأذن صاحبُ المنزل للزائر ويستجيب له؛ بأن حَضَرَ مَن هو أفضلُ منه أن يقدِّمه. المنصوب من السلطان و (قوله: ((ولا يقعد في بيته على تَكْرِمَتِهِ إلا بإذنه))) التكرمةُ هنا: الفراشُ الذي يُقْعَدُ عليه. ووجهُ هذا المنع أنه مبنيٌّ على مَنْع التصرُّف في مُلْك الغير إلا مَنْعِ التصرّف في بإذنه، غير أنه خصَّ التكرمةَ بالذكر للتَّساهل في القعود عليها، وإذا منع القعود مُلك الغير فَمَنْعُ التصرف بنقلها مثلاً أو ببيعها أولى. ٣٠٠ (٣) كتاب الصلاة - (٨٥) باب: في الإمامة، ومَن أحقّ بها؟ [٥٥٩] وعنْ مَالكِ بن الحُويرث، قالَ: أَتَيْنا رسولَ اللهِوَّهِ ونحنُ شَبَبَةٌ مُتقارِبُونَ، فأقمْنَا عندَه عشرينَ ليلةً، وكانَ رسولُ اللهِوَلِّ رَحيماً رقيقاً، فظنَّ أنَّا قد اشتقْنَا أهلَنا، فَسَأَلَنَا عَمَّنْ تَرَكْنَا مِن أهلنَا فأخبرنَاه. فقالَ: ((ارْجِعُوا إلى أَهليكُم، فأقيمُوا فيهم وعَلِّمُوهُم، ومُرُوهم فإذَا حَضرتِ الصَّلاة فليُؤْذِّنْ لكم أحدُكم ثم لْيَؤُمَّكُم أكبرُكم». رواه البخاري (٦٠٠٨)، ومسلم (٦٧٤) (٢٩٢)، وأبو داود (٥٨٩)، والترمذي (٢٠٥)، والنسائي (٢/ ٧٧). [٥٦٠] وعنه، قالَ: أتيتُ النبيَّ وَّ﴿ أَنَا وصَاحِبٌ لي، فلمَّا أردنَا الإِقْفَالَ مِن عندَه قالَ لنَا: ((إِذَا حَضَرَتِ الصَّلاةُ فأذُنَا ثمَّ أَقِيما، و (قول مالك بن الحويرث: ((أتينا رسولَ اللهِوَ ﴿ه ونحن شَبَبَةٌ متقاربون))) وفي الرواية الأخرى: ((أتيتُ النبيَّ ◌َ ﴿ أنا وصاحبٌ لي))) يُحْتَمَلُ أن يكونَ في وفادتين، أو في وفادةٍ واحدةٍ، غير أن ذلك الفعلَ تكرَّر منه ومِن النبي ◌َّر على ما ذكر. واللهُ أعلم. و (الإقفال)) الرجوع من السَّفر. ومصروفه ثلاثي. يقال: قَفَلَتْ، فهي قافلةٌ. وقفل الجندُ مِن مبعثهم، أي: رجعوا، ومصدره القفول، كالدُّخول والخُروج. ويُحْتَمَلُ أن يكونَ هذا معدَّى قفل، ويكون معناه: فلمّا أردنا أن يقفلنا هو. والله أعلم . الأذان والإقامة في السفر و (قوله: ((فأذِّنا وأَقِيمًا))) يدلُّ: على تأُّد الأذان والإقامة، وإن لم يكن في المساجد بل في السفر. وكافةُ العلماءِ على استحبابِ الأذان للمسافر إلا عطاء، فإنه قال: إذا لم يُؤْذِّنْ ولم يُقِمْ أعادَ الصَّلاة. وحكى الطبريُّ عن مالك في المسافر: أنه يعيدُ إذا تركَ الأذان، ومشهورُ مذهبه الاستحباب، ويوصى به على المسافر قال داود.